← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 19237

ميزان الأصول في نتائج العقول

علاء الدين السمرقندي

Полный текст (813 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

[أولا] أن النص دليل مقطوع به، والعلة دليل من حيث الظاهر، مع الاحتمال، فكان إضافة الحكم إلى الدليل القطعي أولى - على أن إضافة الحكم إلى الدليل المحتمل مع إمكان الإضافة إلى الدليل القطعي من باب السفه في الشاهد، والله تعالى منزه عن صفات النقص، فلا يجوز القول بما يفضي إلى نسبة السفه إليه. ولأن هذا الوصف موجود قبل الشرع، ولا حكم له، ولو كان وجود الوصف يقتضي الحكم لا محالة، يقتضي أن لا يجوز خلوه عن الحكم. ولكن لما كان علة بالشرع، فيكون علة في الموضع الذي جعله الشرع علة، والشرع جعله علة في الفرع لا في النص. ولا يقال: إن الحكم في المنصوص عليه (١) إذا لم يكن ثابتاً بالعلة كيف يتعدى (٢) إلى الفرع ولا نص في الفرع؟ كيف يثبت الحكم في الفرع بالقياس؟ لأنا نقول: بلى ولكن الحكم يثبت بإثبات الله تعالى، فهو المثبت للأحكام، والنص دليل وعلم على حكم الله تعالى، والله تعالى كما جعل النص دليلا على ثبوت الحكم في المنصوص عليه، جعل العلة أمارة ودليلا (٣) على ثبوت الحكم في الفرع، فمتى قاس شيئاً على المنصوص عليه الذي فيه وصف وعلة على ثبوت الحكم في الفرع وقد وجد مثل ذلك الوصف فيه، يكون قياساً صحيحاً. والثاني: أن العلة في موضع النص مؤثرة صالحة لثبوت (٤) الحكم بها في المنصوص عليه، كما هي صالحة مؤثرة في ثبوت الحكم في الفرع،

стр. 667

إلا أن النص أقوى من العلة، فاستحق حكمها بدليل فوقه. وهذا لا يقدح في كونها مؤثرة في الفرع، لأنه ليس في الفرع دليل أقوى منه. ونظيره: الشركة علة استحقاق الشفعة، والجوار علة أيضاً، وفي موضع الشركة وجدت علتان: الشركة والجوار، لكن الشركة أقوى منه (١)، فيصير علة، وبهذا لا يخرج الجوار من أن يكون علة في غير موضع الشركة - كذلك ههنا. والثالث: ما قاله بعض مشايخنا: إن الحكم في حق المنصوص عليه مضاف (٢) إلى النص دون العلة، وفي حق غير المنصوص عليه مضاف إلى العلة، فيكون الحكم ثابتاً في النص بالعلة في حق الفرع لا في المنصوص عليه - هذا كما قال أصحابنا ﵏ في مسألة الصلح عن (٣) الإنكار: إن المدعى به (٤) ثابت في حق المدعى لا في حق المدعى عليه. وفي حق المدعى عليه ثابت لا في حق المدعي، فيعتبر زعم كل واحد منهما في حقه لا في حق صاحبه، كذا هذا، وفيه نظر. وجه قول مشايخ سمرقند: [أولا]: إن القياس صحيح بإجماع القايسين، وإنما يتحقق القياس [إذا] كان (٥) الحكم ثابتاً في المنصوص عليه بالعلة، حتى يمكن إثبات مثل ذلك الحكم، يمثل تلك (٦) العلة. فأما إذا كان الحكم ثابتاً في الأصل بالنص، لا بالعلة، ولا نص في الفرع ولا يثبت بالعلة في الأصل، لم يتصور

стр. 668

إثبات مثل حكم الأصل، بمثل الوصف الذي في الفرع، وإنما يصح إذا كان الحكم في الأصل ثابتاً بالعلة، ليثبت في الفرع مثله، بمثل ذلك الوصف. فكان إجماعهم على صحة القياس إجماعاً على أن الحكم في الأصل ثابت بالعلة (١). قولهم: إن النص أقوى - فنقول (٢): [أولا]: النص غير مثبت للحكم، ولم يكن ثبوت الحكم مضافاً إليه، وإنما يثبت بالنص معرفة الحكم والعلم به. وإنما المثبت للحكم هو الله تعالى، لكن قد يثبت لمعنى (٣) وسبب لما يرى من الحكمة فيه، ويقام السبب مقامها (٤). وقد يثبت الحكم ابتداء من غير سبب إذا كانت الحكمة في اقتصار الحكم على موضع النص لاغير. فكان حظ العلة ثبوت الحكم. وحظ النص هو معرفة الحكم. فيكون العلة في حق الحكم أقوى من النص، لأن المعرفة بناء على الثبوت وإن كان النص دليلا قاطعاً، والعلة المستنبطة ليست (٥) بقاطعة. على أن العلة قد تكون قاطعة بأن كانت منصوصة - فما قولكم أنه هل يضاف إلى العلة مع الإضافة إلى النص؟ فإن قلتم: لا يضاف، دل أنه لا تأثير لما قلتم. وإن قلتم: إنه (٦) يضاف، دل أن الحكم في المنصوص عليه يضاف إلى العلة. والثاني: إن كان ثبوت الحكم يضاف إلى النص [فإنه] يجوز (٧) أن يكون مضافاً إليهما، لأن العلة الشرعية في الحقيقة دليل حكم الله تعالى،

стр. 669

ويجوز أن يكون لمدلول واحد دلائل، وإن كان البعض أظهر من البعض. والجواب الأول أصح. قولهم: إن هذا الوصف موجود قبل ورود الشرع ولا حكم له - فنقول (١): نحن لا ندعى كون الوصف علة لعينه حتى يقال: يجب أن يثبت به الحكم في كل موضع وجد عينه، وإنما يعرف علة بالشرع، وهو النص والاستدلال باعتبار تأثيره في جنس هذا الحكم في الشرع، وهذا لا يعرف إلا بعد ورود الشرع. ثم بعد (٢) ورود الشرع متى عرف كونه علة بالنص، يكون الحكم مضافاً إليه بالإجماع، في موضع النص وفي الفرع، فكذا إذا عرف بالاستدلال: يجب أن يضاف إلى العلة في المنصوص وغيره. وهو دليل مبتدأ في المسألة: أن العلة إما أن نعرف بالنص أو بالاستدلال. ومتى عرفت (٣) بالنص، تثبت (٤) في كل موضع وجدت فيه العلة. فكذا إذا عرف (٥) بالاستدلال، يجب أن يكون علة، في كل موضع وجد، لأن (٦) دليل صحة العلة هو التأثير الذي به. يعقل كون الوصف علة ويترجح على غيره من الأوصاف. فمتى وجد، ولا يثبت به الحكم، بطل كونه دليلا، لأن الدليل متى وجد ولا يضاف إليه المدلول لا يكون دليلا ويتناقض دلالته - والله أعلم.

стр. 670

ومن شرائط صحة القياس أيضًا: أن لا يكون مخالفًا للنص، لأن الشرع جعل القياس حجة موجبة للعمل (١)، بشرط أن لا يكون مخالفًا للنص، لأن القياس دون النص - قال النبي ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "بم تقضي" قال: "بكتاب الله تعالى" قال: "فإن لم تجد" قال: "بسنة رسول الله ﷺ قال: "فإن لم تجد" قال: "أجتهد في ذلك (٢) رأيي" فقال ﵇: "الحمد لله الذي وفق رسول رسوله". ولأن القياس دليل [من أدلة] الشرع، فلا يجوز أن يكون قياسًا صحيحًا مخالفًا للنص (٣)، لأن دلائل الشرع لا يتناقض، فمتى وجدت المخالفة ظاهرًا، دل على كون القياس فاسدًا - والله أعلم. هذا هو المراد، لا أن القياس صحيح، والنص مخالف له، حتى يقال ورد النص بخلاف القياس - على ما نذكر (٤). ومن شرائط صحة (٥) القياس: أن يكون الحكم الذي يقاس أمرًا شرعيًّا أو عقليًا، لا اسمًا لغويًا. وقال بعض أصحاب الشافعي ﵀: إن (٦) القياس يجري في إثبات الأسامي واللغات. وبنوا على هذا: مسألة النبيذ، وهو المطبوخ المثلث المسكر: إن حكمه و (٧) حكم الخمر سواء، وإن كان النص ورد باسم الخمر، ولكن إنما سمي خمرًا، لكونه مخامرًا للعقل، والنبيذ

стр. 671

المسكر في معناه، فإثبات اسم الخمر لذلك المايع المسكر يكون إثباتاً للنبيذ. ولكن هذا فاسد عندنا، لأن (١) القارورة في وضع اللغة اسم مأخوذ من القرار، وهو ما يقر الماء فيه، ثم لا يطلق هذا الاسم في الكوز من الخزف والحجر والذهب والفضة مع وجود هذا المعنى - ولهذا نظائر. ولكن الاسم متى وضع لعين خاص بهيئة مخصوصة وصفات معلومة، فلا يقاس (٢) ما ساواه (٣) في المعنى المقصود منه، مع المخالفة في الصورة، بل المعتبر فيه الوضع، ولو عدي الاسم من الموضع (٤) إلى غيره باعتبار المساواة في المعنى المقصود الظاهر، يسمى ذلك مجازاً لا حقيقة، على ما ذكرنا في فصل الحقيقة والمجاز. وذكر القاضي الامام (٥) أبو زيد ﵀ شروطاً أربعة لصحة القياس. أحدها - أن لا يكون الأصل مخصوصاً بحكمه (٦) بنص آخر. مثاله: قبول شهادة خزيمة وحده (٧)، مع شرط العدد في حق سائر الناس، لاختصاصه بهذه الكرامة. وكذا حل تسع نسوة لرسول الله ﷺ من بين سائر الناس. و (٨) لو جاز تعليل ذلك، لبطل الاختصاص.

стр. 672

و (١) الثاني: أن لا يكون حكم الأصل معدولا به عن القياس. مثاله أن أكل الناسي لا يفسد الصوم بالنص، مخالفاً لقياس الأصول، لأن الأكل مضاد لركن (٢) الصوم، ولا بقاء للشيء مع ما يضاده وينافيه، فلا يجوز تعليل النص الوارد في حق الناسي وقياس غيره عليه (٣)، لأن تعليل النص لاثبات مثل حكمه في غيره، والنص متي كان بخلاف القياس يكون مانعاً للقياس. والثالث: أن (٤) يبقى حكم النص بعد التعليل، كما كان قبله، من غير تغيير (٥)، لأنه يصير التعليل مبطلا لحكم النص. مثاله: ما قال الشافعي ﵀: إن النبي ﷺ قال: "في خمس من الإبل شاة". حكم النص وجوب دفع الشاة، ومتى جوزنا التعليل لا يبقى حكم النص، وهو وجوب الشاة، بل هو مخير عندكم بين أن يؤدي عين الشاة وبين أن يؤدي قيمتها، وهذا مناقضة حكم الوجوب. والرابع: أن يتعدى عن الحكم (٦) الثابت بالنص إلى غيره من غير تغير، أي يثبت مثل ذلك الحكم الثابت بالنص ظاهراً من غير تغير. مثاله: ما قال الخصم في هذه المسألة أيضًا: إن حكم النص وجوب أداء الشاة بصورتها ومعناها، وبعد التعليل يتغير حكمه عن (٧) الصورة. ولكن أهل التحقيق من مشايخنا قالوا: إن ما ذكر لا يصلح أن يكون شرط صحة القياس، لأنه يمنع ثبوت حكم القياس، فيمنع وجود القياس، ولا يتصور وجود حكم القياس مع هذه الشرائط.

стр. 673

بيانه أن حكم القياس ثبوت عين الحكم المنصوص عليه بعين الوصف الذي تعلق به الحكم، أو ثبوت مثل ذلك الحكم بمثل ذلك الوصف. وهذا لا يتصور ثبوته في الفرع مع هذه الشروط (١)، فان حكم ظاهر النص في قوله ﵇: "الحنطة بالحنطة، مثلا بمثل، يدًا بيد، والفضل ربا" ثبوت حرمة الفضل على الكيل في الحنطة، وعين هذا الحكم أو مثله لا يتحقق في الجص، فإن الحكم ثم (٢) حرمة الفضل على الجص، وحرمة الفضل على الحنطة غير حرمة الفضل على الجص (٣)، فيكون منعًا لوجود القياس، فكان القول باشتراطه إنكارًا (٤) للقياس. ولعمري يصلح هذا حجة لمنكري القياس ونفاته، ولكن من جوز القياس وتعرف (٥)، بالتأمل في دلائل الشرع، فيعرف، إما بدليل قطعي أو بدليل اجتهادي، على أن حكم النص حرمة فضل مكيل جنس مطلقًا، أي شيء كان: البر أو غيره، ويكون الوصف المؤثر هو كونه فضل مكيل جنس، فأمكنه التعادية إلى الجص والأرز وكل مكيل، وإن كان هذا تغيير (٦) ظاهر النص، ولكن لما عرف بما يعرف به سائر الأشياء، إما النص أو الاستدلال، على أن حكم النص هذا، دون ما هو حكم ظاهر النص، يجب القول به، وبثبوت مثله في الفرع على ما نذكر في فصل الحكم بأبلغ من هذا.

стр. 674

ويتبين بهذا أن أحكام الله تعالى لم تتعلق بالألفاظ والأسامى، وإنما تعلقت بالحكم والمعاني، فلا يكون تغييرًا حقيقة، وهو جوابنا لنفاة القياس. وبهذ الطريق - قلنا، في مسألة دفع القيم (١)، إن بالتعليل يظهر أن حكم النص ليس هو وجوب أداء الشاة في خمس من الإبل، بل الحكم: إما وجوب جزء من النصاب من حيث إنه مال مقدر بمالية الشاة، أو وجوب أداء مالية الشاة. عرفنا ذلك بدلائل ظاهرة، ثم أثبتنا في الفروع (٢) من غير تغيير، إذ ما (٣) هو طريق القياس يوجد في كل حكم على ما نذكر، فلا معنى للامتناع عن القياس في بعض المواضع دون البعض مع وجود الطريق، فيكون مناقضة من مثبتى القياس، فيكون إجماعًا منهم على القياس في كل موضع وجد طريقه، وذلك يقتضي ما قلنا وأما اشتراط كون الأصل غير معدول به (٤) عن القياس، وغير مخصوص بحكمه بنص آخر: [فـ] إنما يستقيم على قول من يقول بتخصيص العلة: فإن عندهم، إذا ورد نص بخلاف ذلك القياس، يكون القياس صحيحًا، وامتنع حكمه بالنص. فأما (٥) عند من قال إن تخصيص العلة لا يصح، [فـ] يقول: إن النص إذا ورد بخلاف ذلك القياس، يتبين أن ذلك القياس باطل، لأن العلة، ما لها حكم، وكل (٦) ما لا حكم له من العلل، لا يكون علة.

стр. 675

وهذا هو الصحيح، لأن القياس حجة من حجج الشرع، فلا يجوز أن يرد (١) النص بخلافه، فيؤدي إلى التناقض، فيكون حكم القياس صحيحًا، وضده يكون صحيحًا، وحكم القياس لا يحتمل النسخ. وإذا ثبت هذا، فالقول بكون حكم الأصل غير معدول به (٢) عن القياس، قول بتخصيص العلة، فلا يصح هذا الشرط على قول منكري تخصيص العلة (٣)، ولكن إنما لا يصح عندهم قياس غيره عليه (٤)، لأنه غير معقول المعنى، وكون الأصل معقولا شرط لصحة القياس، لا أنه ثابت بخلاف القياس. ولا يقال بأن عندهم إذا كان الأكل علة فساد الصوم، ثم ورد النص ببقاء الصوم مع الأكل ناسيًا، كيف يبقى الأكل (٥) علة؟ وكذا (٦) العدد: شرط في باب الشهادة، ثم ورد النص في حق خزيمة (٧) بقبول شهادته وحده، والعلة، التي بها شرط العدد، قائمة في حقه [فـ] كيف يكون قول خزيمة وحده حجة؟ فيكون مناقضة لولا التخصيص. وكذلك (٨) المعنى الذي به حرم (٩) زيادة العدد على الأربع: ثابت في حق الرسول ﷺ ، فكيف يثبت الحل في حقه لولا التخصيص؟ وإلا لزم التناقض (١٠) - لأنا نقول: هذا إشكال في مسألة تخصيص العلة،

стр. 676

وقد ثبت ههنا أن اشتراط هذا الشرط يؤدي إلى القول بتخصيص العلة، وقد ثبت فساده عند منكريه، فلا يصلح أن يكون هذا شرطًا عندهم. ثم عذرهم أن مطلق الأكل ليس علة فساد الصوم، ولكن الأكل بصفة العمدية (١) علة فساد الصوم (٢)، على ما عرف. وفي حق خزيمة قبول شهادته رد إلى الأصل، وهو قبول خبر الواحد العدل، لأن حقيقة الصدق ليس بشرط، ولهذا يقبل خبر الواحد العدل (٣) في باب الديانات. وإنما عرفنا شرط العدد في الشهادة (٤)، بالنص، غير معقول المعنى، فكان قبول شهادة خزيمة وحده بالنص لا يكون مناقضة. وإن كان اشتراط العدد معقولا، ففي حق (٥) خزيمة ﵁ وحده (٦) وجد ذلك المعنى - عرف ذلك بقبول النبي ﷺ شهادته وحده، بأن عرف بطريق الوحي أنه لا يكذب ولا يغلط، وجائز أن يكون الواحد معصومًا عن الكذب والغلط والسهو وإن لم يكن نبيًّا. وكذلك إباحة تسع نسوة في حق النبي ﷺ : فان ظاهر قوله تعالى: "فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع" (٧) يقتضي إباحة تسع نسوة أو ثماني عشرة (٨) أو (٩) يدل على إباحة نكاح النساء بقدر الممكن، لأن مثل هذا الكلام يستعمل في العرف لهذا (١٠). وكذا قياس ملك اليمين بظاهر (١١) قوله تعالى:

стр. 677

"إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم" (١). هذا (٢) وإنما ترك ظاهره وحمل حرف الواو على معنى حرف "أو" بإجماع الصحابة ﵃، والإجماع ثبت في حق غير الرسول ﷺ ، وبقي في حقه على ظاهره، حتى روي أن الله تعالى أباح للنبي من النساء ما يشاء (٣). على أن تحريم نكاح الزيادة على الأربع (٤) في حق الأمة معلول لمعنى (٥) عدم ذلك في حقه ﷺ (٦)، على ما أشار الله تعالى بقوله: "فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة" (٧) وخوف الجور وترك العدل (٨) في هذا الباب لا يتصور في حق الرسول (٩) ﷺ ، وهو معنى قوله ﵇: "هذا قسمتي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك". والله أعلم (١٠). [٧] فصل في: بيان حكم القياس (١١) فنقول: حكم القياس هو ثبوت مثل حكم الأصل، في الفرع، بمثل المعنى الذي ثبت به (١٢) في الاصل، عند مشايخنا - على ما مر (١٣).

стр. 678

وعلى قول مشايخ العراق: هو تعدية حكم الأصل إلى الفرع بوجود العلة في الفرع. وهذا بناء على ما ذكرنا أن الحكم في النص يثبت (١) بعين النص عندهم، لا بالعلة، و (٢) لكن العلة في الأصل (٣) دلالة على ثبوت الحكم في الفروع، فيكون الحكم ثابتًا في النص بعين النص، وفي (٤) الفرع بدلالة النص. وعندنا يثبت الحكم بالعلة، وإنما النص معرف لثبوت الحكم بها. ويبتني على هذا أن العلة القاصرة جائزة عندنا. وعندهم لا تجوز. وفرع، على هذا الأصل، القاضي الإمام أبو زيد ﵀، أن القياس لا يجري في إثبات أصل الحكم وصفته ابتداء، وفي إثبات علة الحكم وصفتها (٥)، وفي إثبات الشرط وصفته، وإنما يجري القياس ويشرع في: الحكم المشروع، المعلوم بوصفه (٦)، بلا منازعة في محل، بالنص أو (٧) الإجماع، فيعدى (٨) إلى الفرع. والخلاف بين العلماء، في القياس، في هذا الفصل. فأما (٩) لا خلاف في الفصول الأولى: أنه لا يصح (١٠)، فإن حكم القياس لا يتصور في غير هذا القسم، وهو: تعدية حكم مشروع مجمع عليه، إلى فرع هو نظيره لا نص فيه. فأما في سائر الفصول: يكون إثبات الحكم ابتداء، أو إثبات العلة، والشرط، فلا يصح فيه القياس، لعدم حكمه. ولأن الاختلاف متى حصل في الموجب

стр. 679

للحكم، أو نفس الحكم، أو الشرط - فقد وقع الاختلاف في أصل الشرع: أكان (١) أو لم يكن: فأحدهما يدعي الشرعية والثبوت، والآخر ينكر. وإذا (٢) ادعى ثبوته، لا يمكن إثباته بالرأي، لأنه (٣) نصب الشريعة بالرأي. وإذا ادعى الارتفاع بعد الثبوت، فقد ادعى النسخ، وإنه لا يجوز بالرأي. ولأن المنكر يقول لم يشرع، وما لم يشرع لا يكون حكمًا شرعيًّا، فكيف يثبت ما ليس بحكم شرعي بالقياس؟ وليس على المنكر شيء، حتى يثبت العدم (٤) بالقياس - فدل أنه لا وجه للقول بالقياس إلا في الفصل الأخير. ولكن مشايخنا قالوا: إن القياس يجري في الفصول كلها، لأن الاختلاف يجري بين الفقهاء في الكل: - أما اختلافهم في الحكم ابتداء: أنه مشروع أم لا؟ كاختلافهم في الركعة الواحدة: أنها مشروعة صلاة أم لا؟ فعندنا ليس بصلاة، وعند الشافعي هي (٥) صلاة. وكذا صوم بعض اليوم: غير مشروع عبادة عندنا، وعنده مشروع. وصوم يوم النحر: مشروع عندنا، خلافًا له. - وأما (٦) اختلافهم في صفة الحكم: أنها مشروعة أم لا، [فـ] كاختلافهم أن تعيين (٧) شيء من القرآن في الصلاة - هل هو فرض، مع اتفاقهم أن القراءة فرض في الصلاة: فعندنا ليس بفرض. وعنده (٨) فرض، وهو تعيين الفاتحة.

стр. 680

- وأما (١) اختلافهم في علة الحكم، [فـ] نحو اختلافهم: أن الإسلام هل هو علة العصمة أم لا؟ فعندنا ليس بعلة. وعنده علة. - وأما اختلافهم في صفة العلة: أن ملك النصاب بصفة كونه مغنيًا (٢) ناميًا، علة وجوب الزكاة عندنا، حتى لا يكون نصاب المديون المستغرق بالدين علة. وعنده: مللك النصاب النامي (٣) علة بدون صفة الإغناء وعند مالك: ملك النصاب المطلق علة، بدون صفة كونه ناميًا. - وأما الاختلاف في الشرط، [فـ] نحو اختلافهم في أن الشهادة هل هي شرط انعقاد النكاح صحيحًا؟ فعند عامة العلماء شرط، وعند مالك ﵀ ليس بشرط. وكذا الولي: ليس بشرط عندنا، وعند الشافعي ﵀ شرط. - وأما اختلافهم في صفة الشرط، [فـ] كاشتراط عدالة الشهود عند الشافعي. وعندنا بخلافه. - وأما اختلافهم في الحكم المشروع بصفته: أنه مشروع في موضع آخر - فكثير: نحو اختلافهم في جواز صوم شهر (٤) رمضان بالنية قبل الزوال، فإن (٥) صوم التطوع بالنية قبل الزوال مشروع (٦) بالاتفاق، ولكن اختلفوا في التعدية إلى صوم شهر (٧) رمضان. وكذا الكفارة: مشروعة في الإفطار بالجماع في شهر (٨) رمضان، واختلفوا أنها هل هي مشروعة في الإفطار بالأكل (٩) عمدًا؟

стр. 681

ففي هذه الفصول: يدعي أحد الخصمين ثبوت شيء مما ذكرنا أو انتفاءه، ويثبت دعواه إما بالنص أو بالاستدلال، ويعرف وجه الاستدلال بما يعرف به سائر الأشياء. والخصم الآخر ينكر دليله أو يبطله. فثبت أن القياس والاستدلال يجري (١) في ذلك كله. ولأن القياس ليس إلا ثبوت مثل حكم الأصل، بالمعنى الذي ثبت في الأصل في فرع هو نظيره. ومعنى حكم الأصل يعرف بما يعرف به سائر الأشياء، والحكم في الفرع يثبت بدلالة النص على كل حال، إلا أن الدلالة قد تكون ظاهرة وقد تكون خفية. وقول (٢) من قال: إن القياس لا يكون حجة في سائر الفصول، وإنما يكون حجة في الفصل الأخير، وهو تعدية حكم المنصوص عليه إلى غير المنصوص عليه إذا عقل أنه نظيره، لم يتضح، لأنه: إن أراد بالقياس معرفة دلالة النص وعلة الحكم بالرأي والاجتهاد، فذلك جائز (٣) في الأشياء أجمع، لأن المعرفة لا تختلف. وإن أراد أن القياس لا يتصور إلا في الفصل الأخير، وهو الجمع بين الأصل والفرع في الحكم - فهذا (٤) يتصور في كل موضع. وإن أراد أن القياس (٥) لا يثبت به شيء، فهذا صحيح، ولكن في الفصل الأخير لا يثبت بالقياس شيء، وإنما يعرف به الحكم الثابت في الأصل أو العلة أو الشرط، وإنما يثبت ذلك بإثبات الله تعالى، ولكن يعرف بالقياس - ذلك على ما مر ذكره (٦)، ولكن لا عبرة

стр. 682

للصورة (١) والمجانسة من حيث الظاهر في باب القياس، حتى يقال: إذا لم يكن مشروعًا في الشريعة (٢) مثله من حيث الصورة، لا يصح القياس، ولكن المعتبر في الباب هو التأثير، وذلك يتحقق في الفصول كلها. وخرج الجواب: - عن قوله: إن هذا نصب الشرع (٣) بالرأي، فإن الرأي يثبت به المعرفة، وإنما (٤) هو مضاف إلى الشرع، ولكن جعل الشرع يعرف بالنص مرة وبالاستدلال والرأي (٥) أخرى؛ لكن (٦) لا يسمى الثابت بالاستدلال والقياس (٧) ثابتًا بالنص، لكونه ثابتًا بواسطة الرأي الذي فيه احتمال الخطأ - والله أعلم. - وقوله: إن (٨) النفي ليس بحكم شرعي، فليس كذالك، بل كلاهما حكم الشرع، على ما نذكر. ولهذا قلنا: إن على النافي للحكم دليلا (٩)، كما على المثبت، وليس في (١٠) هذا ارتفاع حكم حتى يكون نسخًا. إنما هذا على قول من يجعل الأحكام ثابتة، قبل الشرع، بالعقل، حتى يصير (١١) الدليل الشرعي، بخلافه في معني النسخ، وعلى وفاقه في معنى التقرير. وعندنا لا حكم للعقل في الشرعيات. فإذا جاء الشرع، يكون مثبتًا للحكم (١٢)، لا ناقلا مقررًا، ولا ناسخًا مغيرًا - على ما يعرف بعد هذا إن شاء الله تعالى.

стр. 683

- مسألة ثم على قول أهل التحقيق من الفقهاء: كما يجري القياس في الإثبات يجري في النفي ويكون له حكمان: الثبوت في موضع الإثبات، والانتفاء في موضع النفي. فإن حكم الشرع نوعان: إثبات ونفي. فإنه كما روي: "في خمس من الإبل السائمة شاة" - روي: "لا زكاة في الإبل المعلوفة" (١). وروي "ليس في الجبهة ولا في النخة (٢) ولا في الكسعة صدقة" (٣). والقياس إبانة مثل الحكم (٤) الثابت في النص، وتعدية مثله، بالمعنى (٥) الذي تعلق به (٦) في الأصل. فمتى ثبت بالنص أن الشرع نفي حكمًا لمعني، وذلك المعني يوجد في نظيره (٧) يكون نفيًا لذلك (٨) الحكم، بطريق الدلالة. كما (٩) إذا ثبت بالنص أن الشرع أثبت شيئًا من الحل أو الحرمة لمعنى: فإنه يثبت مثله في كل موضع وجد ذلك المعنى، لا فرق بين النفي والإثبات. ويبتنى (١٠) على هذا الأصل نصف الفقه، فإن الأحكام نوعان: نفي وإثبات. ومن عدل عن هذا الطريق، يقع في التعليل بعلة قاصرة مع تبحره في الفقه، ولا يعلم به، فيجب إحكام هذا الأصل.

стр. 684

مثاله - ما قال أصحابنا ﵏: إن القطع لا يجب بسرقة ما يتسارع إليه الفساد، لأن الشرع نفى وجوب القطع، في سرقة ما دون النصاب، لمعنى: ذلك المعنى موجود في سرقة ما يتسارع إليه الفساد، وهو أن القطع عقوبة عظيمة شرعت (١) للزجر صيانة للأموال، وإنما يقع الحاجة إليها فيما يكثر رغبة السراق فيه، ولا رغبة في القليل - هذا المعنى موجود في سرقة ما يتسارع إليه الفساد، لأن السراق قلما يرغبون في سرقته، فورود الشرع بانتفاء القطع. ثم، نصًا (٢)، ورودًا ههنا دلالة. ومن غفل عن هذه الطريقة، ولم يتأمل هذه الدقيقة، يقع في التعليل بعلة قاصرة، فيقول: إن القطع في السرقة شرع بطريق الزجر (٣) صيانة لأموال الناس، ولهذا شرط (٤) فيه النصاب، ولا حاجة في هذه الأموال إلى شرع القطع لقلة رغبة السراق فيها. فلا يشرع فيها القطع. وهذا تعليل بعلة قاصرة (٥)، لأنه تبين (٦) العلة لوجوب القطع في سائر الأموال. ونقول: تلك العلة معدومة في الفرع. وللخصم أن يقول: إن لم يوجد هذه العلة في الفرع، فلا ينفي وجود علة أخرى في الأصل يثبت بها (٧) الحكم فيه، ويوجد مثل تلك العلة في الفرع، لأن الحكم في الأصل يجوز أن يثبت بعلل - على ما ذكرنا. والله تعالى أعلم.

стр. 685

[٨] فصل في بيان القياس والاستدلال الفاسدين (*) فنقول: الفاسد منها أنواع (١): منها - ما ذكرنا من قياس الشبه (٢). ومنها - ما ذكرنا من قياس الطرد من غير بيان الأثر (٣). ومنها - التعليل بالنفي. وهو وجهان: أحدهما فاسد، والثاني (٤) صحيح. - أما الأول، وهو أن يعلل لنفي الحكم، بنفي وصف من أوصاف المنصوص عليه. وهو فاسد، لأنه يجوز أن يكون الحكم متعلقًا بوصف آخر غيره. وهذا في الحقيقة تعليل بعلة قاصرة. ويجوز أن يكون الحكم في النص ثابتًا بعلل. ونظيره ما قال الشافعي ﵀ فيمن ملك أخاه: لا يعتق عليه، لأنهما شخصان ليس بينهما بعضية، فلا يعتق أحدهما على صاحبه إذا ملكه، كابني العم. بخلاف الوالدين والمولودين، لأن ثمة بينهما بعضية. لأنا نقول في الولاد (٥): العلة ثمة (٦) ليست هي البعضية، ولو كانت علة،

стр. 686

لا ينفي وجود علة أخرى، وهي القرابة المحرمة القطع. وفي الفرع: إن انعدمت إحداهما (١)، وهي البعضية، فلا (٢) تنعدم الأخرى. - وأما الثاني، وهو أن يكون الحكم ثابتًا بعلة متعينة (٣)، ليس له علة أخرى، كضمان الغصب: لا يجب بدون الغصب، وحد السرقة: لا يجب بدون السرقة، فكان نفي الحكم، بنفى الغصب والسرقة، نفيًا (٤) صحيحًا. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ (٥): لما كان التحريم لا يعرف إلا بالوحي، فينعدم عند عدم الوحى. ومنها (٦): استصحاب الحال (٧) فيحتاج إلى: تفسير استصحاب الحال. وبيان أنواعه. وبيان حكم كل نوع.

стр. 687

[١] أما تفسير استصحاب الحال [فـ] هو التمسك بالحكم الثابت في حالة البقاء - مأخوذ من المصاحبة، وهو ملازمة ذلك الحكم، ما لم يوجد دليل مغير (١). [٢ و ٣] وأما بيان أنواعه، [وحكم كل نوع] فنقول: إنه أنواع: بعضها واجب العمل به، والبعض جائز العمل به، والبعض غير جائز العمل به. أما الأول: فهو نحو استصحاب الحكم العقلي - وهو كل حكم عرف وجوبه أو امتناعه، وحسنه أو (٢) قبحه، بمجرد (٣) العقل. وكذا استصحاب الحكم السمعي، الذي ثبت بدليله على طريق التأبيد نصًا، أو على التأقيت نصًا، أو ثبت مطلقًا في حال حياة النبي ﷺ وبقى بعد وفاته ﷺ .

стр. 688

فإن هذا واجب العمل به، لقيام دليل البقاء, وانعدام الدليل (١) المزيل قطعًا (٢). وأما القسم الثاني: [فـ] ما هو جائز العمل به بالاتفاق بين مشايخنا (٣). ولكن اختلفوا في وجوب العمل به: وهو أن (٤) كل حكم ثبت وجوبه بدليل مطلق، لا يتعرض للبقاء والزوال، والمجتهد طلب الدليل الزيل، بقدر ما في وسعه، ولم يظفر به: فقال (٥) بعضهم: لا يكون حجة أصلا، لا لإبقاء ما كان على ما كان، ولا لإثبات أمر لم يكن. لأن حكم الدليل هو الثبوت، فأما البقاء [فـ] لا يضاف إليه، فلم يكن على البقاء دليل، فيكون تمسكًا بالحكم بلا دليل. أو محتمل (٦) أن ذلك الدليل يوجب البقاء بقرينة تنضم إليه, ويحتمل أن الدليل المزيل قد قام ولكن لم يبلغ إليه (٧) لتقصير في الطلب. والمحتمل لا يصلح أن يكون دليلا في حق العمل والاعتقاد جميعًا. وقال أكثر المتأخرين من الفقهاء: إنه حجة يجب العمل به (٨)، في حق نفسه، لإبقاء ما كان على ما كان. أما لا يصلح حجة في حق الإلزام على

стр. 689

الخصم، ولا (١) لإثبات أمر (٢) لم يكن، لأن الظاهر أن الحكم متى ثبت يبقى، وإن كان الدليل المثبت لا يوجب البقاء، والظاهر يكفى حجة لإبقاء ما كان (٣)، لا للإلزام على الغير، كظاهر اليد: يصلح حجة للدفع دون الإلزام (٤). وكحياة المفقود: لما كان الظاهر بقاؤها، صلحت حجة لإبقاء ما كان على ما كان (٥)، حتى لا يورث ماله. ولا يصلح حجة لإثبات أمر لم يكن، حتى لا يرث من الأقارب، والثابت (٦) لا يزال بالشك، وغير الثابت لا يثبت بالشك. ولكن مشايخنا ﵏ قالوا: إن هذا القسم يصلح حجة على الخصم في موضع النظر، ويجب العمل به على كل مكلف (٧) إذا لم يجد دليلا فوقه من الكتاب والسنة. [فـ] لا يجوز (٨) تركه بالقياس - كذا ذكر الشيخ الإمام أبو منصور الماتريدي ﵀ في كتاب "مآخذ الشرائع" (٩). وهذا لأن الحكم متى ثبت شرعًا، فالظاهر هو (١٠) دوامه، لما تعلق به من المصالح الدينية والدنيوية (١١)، ولا تتغير المصلحة في زمان قريب، وإنما يحتمل التغير عند تقادم العهد، فمتى طلب المجتهد الدليل

стр. 690

المزيل بقدر وسعه ولم يجده، فالظاهر هو عدم المزيل. وهذا نوع اجتهاد. فإذا كان البقاء ثابتًا بالاجتهاد، فلا يترك باجتهاد مثله، ما لم يوجد الترجيح، ويكون حجة على الخصم، كمن اعتقد حكمًا بقياس صحيح مؤثر عنده، وعمل به زمانًا، ثم ظهر له قياس آخر أوجب حكمًا بخلافه، فإنه لا يجوز له أن يعتقد خلاف ذلك الحكم، ما لم يظهر (١) رجحان القياس (٢) الثاني على الأول، بدليل مرجح، بل يجب عليه العمل بالأول، لأن ذلك حكم ثبت، وثبت بقاؤه بالاجتهاد، فلا يزول إلا بدليل يترجح على الأول، وإن كان أوجب شبهة في الأول - و (٣) هذا معنى قول الفقهاء: إن ما أمضى بالاجتهاد (٤) لا ينقض باجتهاد مثله، ولأن هذا هو الموافق للأصول والأحكام، فإن الحكم المطلق في حال حياة النبي ﷺ محتمل للنسخ (٥)، ثم هو ثابت في حق من كان بعيدًا عنه، في حق وجوب العمل به، والإلزام على الغير، ودعوة الناس إلى ذلك، وفي حق إثبات أمر لم يكن بمنزلة الحكم الثابت بالنص (٦). وكذلك: استصحاب الحكم الثابت بظاهر العموم: واجب مع احتمال الخصوص. وكذا: استصحاب الحكم الثابت بمطلق النص الخاص: واجب مع احتمال المجاز والنسخ (٧)، لما قلنا.

стр. 691

وأما الأحكام: - فإن من شك في الحديث بعد ما توضأ، فإنه على الطهارة مع احتمال الحدث. - وكذا من شك في طلاق امرأته، وعتاق (١) عبده وجاريته، فإنه يباح له الانتفاع به مع الاحتمال. - وكذا من اشتري دارًا أو ورثها، ومضي على ذلك (٢) زمان طويل، ثم بيعت دار يجنبها، فإنه يثبت له حق الشفعة، والشراء يوجب الملك دون البقاء، واحتمال زوال الملك قائم بالهبة والبيع، وإن كان ظاهر اليد قائمًا، لما ذكرنا أن الثابت لا يزول بالشك (٣) والله أعلم. أما القسم [الثالث]- الذي لا يجوز العمل باستصحاب الحال فيه - فأنواع، منها (٤): [الأول]- استصحاب الحكم الشرعي المبني على العقل عند المعتزلة. فإن عندهم للعقل حكمًا في بعض الأشياء إلى أن يرد الدليل السمعي، إما مقررًا (٥) لحكم العقل أو مغيرًا. فيقولون نحن نستصحب الحكم العقلي إلى أن يرد الدليل السمعي. وهذا فاسد عندنا، فإنه لا حكم للعقل في الشرعيات عندنا. وعند أصحاب الحديث لا حكم للعقل أصلا في في الوجوب والتحريم، لا في العقليات ولا في الشرعيات.

стр. 692

والثاني - ما قال بعض أصحاب الحديث: إن العقل دليل على انتفاء الأحكام، لأن الأحكام الشرعية تثبت بخطاب صاحب الشرع، ولا يثبت الخطاب قبل بعث الرسول ﷺ ، وإذا عدم دليل الحكم ثبت انتفاء الحكم ضرورة، وعدم الدليل ثابت بالعقل، فإن به يعرف أن لا دليل قبل مجيء الرسول ﷺ في الشرعيات (١). وإذا كان العقل دليلا على انتفاء (٢) الأحكام، وعلى براءة الذمم عن الوجوب، فنحن نستصحب الحكم الثابت بالعقل، وهو انتفاء الحكم إلى أن يرد الدليل السمعي. وهذا حكم بالدليل، وهو العقل، فإنه إن لم يكن دليلا على ثبوت الأحكام الشرعية، فهو دليل على النفي، فيكون الاستصحاب على النفي حجة يجب العمل به. وهذا أيضًا مع هذا التحقيق فاسد عندنا، في حق وجوب العمل به، في حق نفسه وفي حق الإلزام على الغير، لأنا إن عرفنا انتفاء الأحكام الشرعية بالعقل لانعدام دليل الثبوت، وهو ورود الشرع، ولكن الكلام بعد ورود الشرع، فيجب على المكلف طلب (٣) الحكم الشرعي بعد ورود الشرع (٤) من صاحب الشرع ومن يقوم مقامه في تبليغ الشرع عنه، لا أن يستصحب النفي (٥) الثابت بعدم الدليل. وهذا لأن العقل كما لاحظ له في إثبات الحكم الشرعي (٦)، لا حظ له في نفي الحكم الشرعي، لكن قبل ورود الشرع، لم يثبت الحكم لعدم دليله، وعرف عدم

стр. 693

الدليل بالعقل. فأما بعد ورود الشرع، لم يعرف بالعقل عدم الدليل، فإن قول صاحب الشرع وفعله وسكوته حجة في إثبات الحكم والنفي جميعًا، فكما ثبت وجوب صوم رمضان ووجوب الصلوات الخمس، بقوله وفعله (١)، ثبت انتفاء وجوب صوم شوال ووجوب الصلاة السادسة، بتركه وسكوته عند امتناع الناس عن صوم شوال، والسكوت عند الحاجة إلي البيان بيان (٢). وإذا ثبت هذا، فكان التمسك باستصحاب حال العقل في انتفاء الأحكام وبراءة الذمم عن الشغل بالوجوب، تمسكًا بالجهل الثابت بعدم الدليل، مع ورود الدليل الشرعي بعد المبعث، وإنه فاسد. ومن ذلك [ثالثًا]- استصحاب الحكم الثابت بالإجماع عند تغير الحالة، نحو إجماع الأمة على انتقاض طهارة التيمم عند رواية الماء خارج الصلاة. ويقول الشافعي، لا ينتقض برؤية الماء في حال الصلاة. فتلق (٣) بعض أصحابنا باستصحاب حكم الإجماع, وقال: أستصحب على الحكم الثابت بالإجماع، وإن تغيرات تلك الحالة بحالة الصلاة (٤)، فيكون الإجماع ثم إجماعًا (٥) في هذه الحالة، لأن حكم الشرع من حيث الظاهر لا يغير بتغير الأحوال إلا نادراً, والعمل بالظاهر واجب, كما ذكرنا من الحكم الثابت بالنص المطلق، والقياس يجب التمسك به ما لم يقم الدليل بخلافه.

стр. 694

ونظيره: من قال بجواز بيع أم الولد: إن الإجماع كل منعقد على جواز بيع هذه الجارية في قبل الاستيلاد، فنحن على ذلك الإجماع بعد الاستيلاد. وهذا فاسد أيضاً، لأنه: إن كان الإجماع بناء على حديث مطلق أو القياس: فإن (١) كان ويتمسك بالنص فنقول: إن النص مطلق ويتناول الحالة الأولى والثانية بإطلاقه، أو لا ويتعرض للأحوال على حسب ما قيل فيه، فهو تمسك بالنص، لا باستصحاب الحال. وإن قال: الإجماع معقول المعنى، وذلك (٢) المعنى باق بعد تغير تلك الحالة، فهذا تمسك بالقياس دون الحال. وإن قال: إن الإجماع في تلك الحالة (٣) إجماع بعد تغير تلك الحالة، فهو (٤) ممنوع، فإن الإجماع على حكم في حالة مخصوصة، لا يكون إجماعاً في غير تلك الحالة، فإن الخصم نازع في هذه الحالة، ولا يعد الخصم مخالفاً للإجماع، فإن الإجماع على انتقاض التيمم برؤية الماء في خارج الصلاة، ولا إجماع في حالة الصلاة. فالدليل الذي به يثبت (٥) الحكم في تلك الحالة، وهو الإجماع، لم يبق في هذه الحالة، لوجود الخلاف بين العلماء، بخلاف ما إذا كان الحكم ثابتاً بمطلق النص، لأن ذلك النص يتناول الأحوال كلها، أو لا يتعرض (٦) للأحوال، ومطلق كلام صاحب الشرع ﷺ (٧) حجة، فأما الإجماع، [فـ] يكون حجة بدليل سمعي، وهو قوله ﵇: "لا تجتمع أكل أمتي على الخطأ"، فما لم يوجد اجتماع الأمة كلها، لا يكون إجماعاً، فلا يكون حجة.

стр. 695

ومنها [رابعاً]- ما قال القاضي الإمام أبو زيد ﵀: إن استصحاب الحكم الثابت، مع تغير الحالة، قبل التأمل في أصول (١) الشرع، لمعرفة (٢) الدليل المزيل وقبل طلبه، لا يكون حجة. ولكن الأصح أنه يكون حجة، لأنه ويتمسك بظاهر النص أو بظاهر القياس، وهو تمسك بدليل شرعي، فلا يبطل العمل به، باحتمال قيام الدليل المزيل، كمن تعلق بعموم النص: يكون تعلقه صحيحاً، ويكون حجة على الخصم، وإن لم يطلب دليل الخصوص، وإن كان احتمال الخصوص قائماً، لما ذكرنا - فكذا هذا (٣)، والله أعلم. ومنها (٤) [خامساً]- أنه هل (٥) على النافي دليل أم لا؟ أجمعوا أن من قال: لا أعلم لله تعالى (٦) حكماً في هذه الحادثة، أنه لا يطاب منه الدليل، لأن الجاهل بحكم الله تعالى جاهل بدليله، وكمن جهل دليل شيء وأقر به، يكون طلب الدليل منه سفهاً. فأما إذا اعتقد وقال: أعلم أن حكم الله تعالى في هذه الحادثة نفي الوجوب، أو أعتقد أن لا حكم لله تعالى في هذه الحادثة من (٧) وجوب فعل أو ترك، نحو أن يقول: إنه لا تجب الزكاة على الصبى والمجنون، ويدعي ذلك مذهباً ويدعو (٨) غيره إليه - فهل عليه دليل إذا طالبه من يدعي الوجوب بدليل (٩)

стр. 696

النفي؟ أو (١) هل يجوز له (٢) أن يعتقد نفي حكم شرعي بلا دليل، في غير موضع المناظرة أيضاً؟ قال بعضهم: لا دليل على معتقد النفي لا في حق نفسه، ولا عن مطالبه لا الخصم عند المناظرة. وقال عامتهم بأنه لا يجوز أن يعتقد الإنسان نفي حكم إلا بدليل. وعليه إقامة الدليل إذا ناظره (٣) غيره ودعاه إلي مذهبه، كما على المثبت. وقال بعضهم: في العقليات على النافي دليل، دون الشرعيات. وقال بعضهم: ليس على نافي الشرعيات دليل سمعي: أما عليه دليل وله دليل، وهو العقل في معرفة انتفاء الأحكام الشرعية. أما من قال: لا دليل على النافي [فقد] احتج بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "البينة على المدعي" - جعل جميع البينات على المدعين، والنافي منكر وليس بمدع (٤)، ولأن الأمر المعتاد المعروف في أصول الشرع أن الحجة علي من يدعي أمراً خفياً لا علي من تمسك بالظاهر - ألا ترى أن كل من تمسك بالعام لا يحتاج إلى الدليل على أنه عام، وإنما الدليل على من يدعي الخصوص. وكذا من تمسك بظاهر الكلام لا يحتاج إلى الدليل على أنه حقيقة، وإن كان يحتمل المجاز في الجملة، لأن الظاهر هو الحقيقة، وإنما الدليل على من يدعي المجاز. وكذا البينة على الخارج لا علي صاحب اليد، لأن (٥) صاحب اليد تمسك بالظاهر، والخارج يدعي أمراً خفياً، فكذا النافي متمسك

стр. 697

بالظاهر، فإن الأصل هو عدم وجوب الحقوق، والمدعي يثبت أمراً خفياً يزيل الظاهر، [فـ] يجب أن يكون الدليل على المثبت دون المنكر، حتي يكون علي موافقة الأصول، ولأن الدليل إنما يطلب ممن يدعي حكماً شرعياً وهو الوجوب والندب، والإباحة ونحو ذلك. أما انتفاء الوجوب [فـ] ليس بحكم شرعي، فإن النفي عبارة عن عدم محض، والعدم. ليس بشيء، فمطالبته النافي بإقامة الدليل، لا علي شيء، يكون سفهاً. ووجه قول من فرق بين العقليات والشرعيات أن (١) الكلام ثمة (٢) يقع حقيقة النفي والإثبات، وكلاهما حقيقة، فإن قول القائل "زيد في الدار" حقيقة، وقوله "زيد ليس في الدار" حقيقة، فيكون مدعي النفي والإثبات مدعياً حقيقة الوجود أو (٣) العدم، فيطالب بالدليل. فأما في الشرعيات فمدعي الإثبات (٤) وهو وجوب شيء أو (٥) إلي [أ] وندبه، يدعي (٦) حكماً شرعياً، فأما النافي (٧) [فـ] منكر (٨) وجود الوجوب ويدعي انتفاءه، وذلك ليس بحكم شرعي، فكيف يطالب بالدليل، إنما المطالب من يدعي الوجوب. وجه قول العامة: النص، والمعقول: - أما النص، فقوله تعالى (٩): "وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً

стр. 698

أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين" (١) - أخبر الله تعالى عن اليهود أنهم نفوا دخول المسلمين الجنة، وأثبتوا دخول اليهود والنصارى الجنة، ثم أمر النبي ﷺ بطلب الحجة منهم (٢)، والبرهان (٣) على النفي والإثبات جميعاً. - وأما المعقول، [فـ] إن النافي (٤) إذا كان يعتقد نفي حكم شرعي يقال له: هل علمت انتفاء هذا الحكم بيقين حتي يكون اعتقادك علماً لا جهلا؟ لأن الجهل اعتقاد المعلوم على خلاف ما هو به، فإن قال: نعم - فيقال له: هل (٥) علمت بطريق الضرورة أو (٦) بالتقليد أو بالاستدلال؟ فإن ادعيت الضرورة، فهو فاسد (٧)، لأن الضروري يشترك فيه العقلاء كلهم، ولم يحصل لنا العلم بانتفائه ضرورة. وإن ادعيت التقليد، فالتقليد ليس طريق العلم، فإن المقلد لا يدعي العام بنفسه، وإنما يدعيه بغيره، والخطأ على ذلك الغير جائز، إذ الكلام في اتباع غير النبي ﷺ (٨) المعصوم. وإن ادعيت طريق النظر والاستدلال، فقد أقررت أنك تعتقد نفي الحكم بدليل، فلابد من بيانه. - فإن قالوا: نحن نقول: على النافي دليل، ولكن فقد دليل الإثبات دليل النفي، لأنه لا واسطة بين النفي والإثبات، فإذا عدم دليل الإثبات ثبت (٩)

стр. 699

النفي ضرورة - قال الله تعالى لنبيه محمد (١) ﷺ : "قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة" (٢) فالله تعالى جعل عدم (٣) دليل الحرمة دليل فى ثبوت ضده، وهو الإباحة، لأنه لا واسطة بين الحرمة والإباحة فنقول: إن كان الأمر كذلك، ولكن بم عرفتم عدم دليل الإثبات حتي يثبت النفي ضرورة، فما لم (٤) تحضروا دلائل الثبوت وتثبتوا عدمها لا يستقيم دعوى النفي. - فإن قلتم: إنا تفحصنا (٥) في الأصول وفي الدلائل على طريق الجد، فلم نجد دليل الثبوت، فعرفنا عدم ذلك، فحصل لنا العام بالنفي - فهو فاسد، لأن الخصم يقول: إن لم تجد فربما غيرك من العلماء وجده، والناس متفاوتون في العلم ودرك طريق العلم، فلا يكون قوله حجة على غيره. - والجواب عن كلماتهم: • أما الحديث - فهو حجتنا، فإنه قال ﷺ (٦): "واليمن علي من أنكر" فاليمين دليل، وقد أوجب على المنكر (٧)، كما أوجب على المدعي البينة، إلا أن الفرق بينهما أنه جعل اليمين (٨) حجة المدعى عليه، والبينة حجة المدعي، لأن المدعى عليه يشهد له الظاهر وأما المدعي فيدعي (٩)

стр. 700

أمراً خفياً، والبينة أكمل من اليمين، فإن اليمين كلام الخصم، وإن كان (١) مؤكداً بذكر اسم الله تعالى، والبينة كلام غير الخصمين، فكان للبينة زيادة قوة في غلبة الظن ورجحان الصدق، فلهذا تفاوتا. فأما على كل واحد منهما دليل وحجة مع أن المدعى عليه (٢) لا يجوز له أن يعتقد كون المدعى به ملكاً له غير دليل الملك، من الشراء أو (٣) الإرث ونحوهما، في حق نفسه وفي حق الإلزام على الغير. فعلى قود هذا: يجب أن لا يجوز للنافي في اعتقاد انتفاء الحكم الشرعي إلا بدليل. • قولهم: إن النفي ليس بحكم شرعي، وإنما يطالب الدليل على الحكم الشرعي (٤) - فنقول: قبل ورود الشرع لا حكم في حقنا لا نفياً ولا إثباتاً، ولكن بعد ورود الشرع ثبت الوجوب في حق البعض، والانتفاء في حق البعض، والإباحة في حق البعض، والحرمة في حق البعض. ولهذا ورد الشرع بنفي الحكم نصاً في مواضع نحو (٥) قوله ﵇: "ليس في النخة ولا في الجبهة لا ولا في الكسعة صدقة (٦) "، وقوله ﷺ (٧): "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول"، وقوله ﷺ (٨): "لا صدقة (٩) إلا عن ظهر غني". وإذا كان النفي حكم الله تعالى، فلا يجوز اعتقاد حكم الله تعالى من غير دليل، على أنه إن لم يكن النفي حكم الله تعالى عندكم،

стр. 701

فلا شك (١) أنه نفي حكم الله تعالى، وهو الإثبات. وكما لا يجوز اعتقاد حكم الله تعالى من غير دليل، لا يجوز نفي حكم الله تعالى من غير دليل، فاحتمال (٢) ثبوته قائم لاحتمال قيام دليل الثبوت عند غيره إن لم يكن قائماً عنده، فيكون هذا (٣) اعتقاداً على أنه لا حكم لله تعالى (٤) في هذه الحادثة من غير دليل. وفي المسألة إشكالات تعرف في الشرح إن شاء الله تعالى. مسألة - ومنها (٥) القول بـ: تعارضْ الأشبَاه وهو احتجاج بلا (٦) دليل في الحاصل. مثاله - ما قال زفر ﵀ في أن المرافق لا يجب غسلها في الوضوء، لأن الله تعالى جعل المرافق غاية، بقو له تعالى: "وأيديكم إلى المرافق" (٧). والغايات منقسمة: بعضها يدخل، وبعضها لا يدخل (٨). وهذه الغاية لها شبه بكلا القسمين بدخول حرف الغاية عليها. فباعتبار الشبه (٩) بهذا القسم

стр. 702

يدخل، وباعتبار (١) الشبه بالقسم الآخر لا يدخل، فوقع التعارض بين الشبهين، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فلا يجب الغسل بالشك عند تعارض الأشباه. وهذا فاسد. وهو تعلق بعدم الدليل. والخلاف في وجوب غسل المرافق، وهو ينفي، وعلى النافي دليل. - و (٢) قولهم: إنه وقع الشك في وجوب الغسل، فلا يجب بالشك فيه، ممنوع (٣). فلم قلتم إنه (٤) وقع الشك في وجوب الغسل؟ وهذا لأن الشك أمر حادث بين العلم والجهل، فلا يثبت إلا بدليل، فبأي دليل تثبتون هذا الحادث وهو الشك؟ • فإن قلتم: إن دليل حدوث الشك هو تعارض الأشباه وتقابل الأدلة - فنقوك: هذا أيضاً أمر حادث، وهو دعوى تعارض الأشباه والأدلة، فلا يثبت إلا بدليل، فبأي دليل تثبتون (٥) تعارض الأشباه، ونحن لا نسلم لكم تعارض الأشباه؟ • فإن قلتم: إن الغايات منقسمة: منها ما (٦) يدخل ومنها ما (٧) لا يدخل -[فنقول]: هذا دعوى أيضاً - لا نسلم أن الغايات منقسمة: قد يدخل وقد لا يدخل.

стр. 703

وبعدما أثبتم الانقسام وأريتم أن بعضها مما لا يدخل - فنقول: هل علمتم أن هذه الغاية من أي القسمين؟ • فإن قالوا: نعلم (١) أنها من أي القسمين، فنقول: إذا علمتم أنها من القسم الذي لا يدخل فلا يكون هذا منكم شكاً، لأن الشك ما استوى فيه طرف الجهل والعلم، وقد ادعيتم العلم، ولا يبقى العلم مع الشك (٢) الذي هو ضده، ولأنكم متي علمتم أنها من أي القسمين يكون إلحاقها بنظيرها في حق الحكم، لمساواة (٣) بينهما، وحينئذ يكون ذلك قياساً، فيكون نفياً لوجوب الغسل بالقياس الذي هو حجة ودليل في الجملة، لا بالشك. • وإن قالوا: لا نعلم - فقد أقروا (٤) أنه لا دليل معهم، فقد أقروا بالجهل، وجهل المرء لا يكون حجة في حق الغير. دل أن القول بتعارض الأشباه، تمسك بعدم الدليل، وهو فاسد. ولأن أكثر ما في الباب أن الأشباه (٥) متعارضة، وعند ذلك يحدث الشك، و (٦) لكن أثر الشك في التوقف وترك الميل إلى أحدهما، ما لم يقم دليل الترجيح لأحدهما. أما القول بنفي وجوب الغسل قطعاً - فلا (٧).

стр. 704

ثم نقول: إن كان في هذا (١) النص تعارض ووقع لكم الشك باعتباره، فلم قلتم: إنه ليس ههنا دليل آخر على وجوب غسل المرافق، والاختلاف متى وقع بعد ورود الشرع، في شرع حكم ونفيه، لابد من الدليل، ولا يسع (٢) التعلق بعدم الدليل على ما مر - والله أعلم. مسألة - ومنها (٣): التقليد وقد تكلموا في حده (٤). قال بعضهم: هو اتباع الرجل غيره، على تقدير أنه محق، لحسن الظن به، لكونه مشوراً بالعلم والورع، وتقديم رأيه على رأي نفسه، لكونه من أهل النظر والاستدلال. سمي تقليداً لأنه جعل عاقبة ما قلده، قلادة في عنقه، إن كان حقاً أو باطلا، بلا دليل، كما قالت الكفرة (٥): "اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم" (٦) وقالوا: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٧).

стр. 705

ولهذا لا يجوز تسمية اتباع الأنبياء ﵈ تقليداً، لأن أقوالهم وأفعالهم حجة، فيكون اتباعاً بالدليل. ولكن لا يصح تحديد التقليد بهذا، وإن كان التقليد قد يكون كذلك، لأنا نجوز التقليد في الجملة. وما ذكر من باب الشك في الاعتقاد، لا من باب التقليد. والصحيح أن يقال: التقليد (١) هو اتباع الرجل الجاهل العالم لعلمه وورعه واعتقاده لما (٢) يعتقده على طريق الجزم والحتم، من غير تردد وشك، وإن لم يكن بناء على دليل عقلي أو سمعي. ثم التقليد إما أن يكون في التوحيد وأمور الدين، مما يعرف بمجرد العقل. وإما أن يكون في الأحكام الشرعية التي لا تعرف إلا بالدليل السمعي. - أما التقليد في الأمور الشرعية: [فـ] لا يجوز إلا للعوام، ومن يكون بمثل (٣) حالهم من طلبة العلم ما لم يبلغوا (٤) حد الاجتهاد، لأجل الضرورة. ولكن عليهم أن يقلدوا من هو عندهم أعلم وأورع، بالسماع على طريق الاشتهار. فأما أهل الاجتهاد فلا (٥) يجوز لهم التقليد. وفي تقليد الصحابي خلاف على ما مر ذكره (٦). - وأما التقليد في التوحيد وأمور الدين: ففيه كلام بين أهل الأصول، على ما عرف في مسائل الكلام. والصحيح أنه متي وجد الاعتقاد و (٧) الجزم
следующие страницы →