← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 19237

ميزان الأصول في نتائج العقول

علاء الدين السمرقندي

Полный текст (813 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

فلا شك (١) أنه نفي حكم الله تعالى، وهو الإثبات. وكما لا يجوز اعتقاد حكم الله تعالى من غير دليل، لا يجوز نفي حكم الله تعالى من غير دليل، فاحتمال (٢) ثبوته قائم لاحتمال قيام دليل الثبوت عند غيره إن لم يكن قائماً عنده، فيكون هذا (٣) اعتقاداً على أنه لا حكم لله تعالى (٤) في هذه الحادثة من غير دليل. وفي المسألة إشكالات تعرف في الشرح إن شاء الله تعالى. مسألة - ومنها (٥) القول بـ: تعارضْ الأشبَاه وهو احتجاج بلا (٦) دليل في الحاصل. مثاله - ما قال زفر ﵀ في أن المرافق لا يجب غسلها في الوضوء، لأن الله تعالى جعل المرافق غاية، بقو له تعالى: "وأيديكم إلى المرافق" (٧). والغايات منقسمة: بعضها يدخل، وبعضها لا يدخل (٨). وهذه الغاية لها شبه بكلا القسمين بدخول حرف الغاية عليها. فباعتبار الشبه (٩) بهذا القسم

стр. 702

يدخل، وباعتبار (١) الشبه بالقسم الآخر لا يدخل، فوقع التعارض بين الشبهين، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فلا يجب الغسل بالشك عند تعارض الأشباه. وهذا فاسد. وهو تعلق بعدم الدليل. والخلاف في وجوب غسل المرافق، وهو ينفي، وعلى النافي دليل. - و (٢) قولهم: إنه وقع الشك في وجوب الغسل، فلا يجب بالشك فيه، ممنوع (٣). فلم قلتم إنه (٤) وقع الشك في وجوب الغسل؟ وهذا لأن الشك أمر حادث بين العلم والجهل، فلا يثبت إلا بدليل، فبأي دليل تثبتون هذا الحادث وهو الشك؟ • فإن قلتم: إن دليل حدوث الشك هو تعارض الأشباه وتقابل الأدلة - فنقوك: هذا أيضاً أمر حادث، وهو دعوى تعارض الأشباه والأدلة، فلا يثبت إلا بدليل، فبأي دليل تثبتون (٥) تعارض الأشباه، ونحن لا نسلم لكم تعارض الأشباه؟ • فإن قلتم: إن الغايات منقسمة: منها ما (٦) يدخل ومنها ما (٧) لا يدخل -[فنقول]: هذا دعوى أيضاً - لا نسلم أن الغايات منقسمة: قد يدخل وقد لا يدخل.

стр. 703

وبعدما أثبتم الانقسام وأريتم أن بعضها مما لا يدخل - فنقول: هل علمتم أن هذه الغاية من أي القسمين؟ • فإن قالوا: نعلم (١) أنها من أي القسمين، فنقول: إذا علمتم أنها من القسم الذي لا يدخل فلا يكون هذا منكم شكاً، لأن الشك ما استوى فيه طرف الجهل والعلم، وقد ادعيتم العلم، ولا يبقى العلم مع الشك (٢) الذي هو ضده، ولأنكم متي علمتم أنها من أي القسمين يكون إلحاقها بنظيرها في حق الحكم، لمساواة (٣) بينهما، وحينئذ يكون ذلك قياساً، فيكون نفياً لوجوب الغسل بالقياس الذي هو حجة ودليل في الجملة، لا بالشك. • وإن قالوا: لا نعلم - فقد أقروا (٤) أنه لا دليل معهم، فقد أقروا بالجهل، وجهل المرء لا يكون حجة في حق الغير. دل أن القول بتعارض الأشباه، تمسك بعدم الدليل، وهو فاسد. ولأن أكثر ما في الباب أن الأشباه (٥) متعارضة، وعند ذلك يحدث الشك، و (٦) لكن أثر الشك في التوقف وترك الميل إلى أحدهما، ما لم يقم دليل الترجيح لأحدهما. أما القول بنفي وجوب الغسل قطعاً - فلا (٧).

стр. 704

ثم نقول: إن كان في هذا (١) النص تعارض ووقع لكم الشك باعتباره، فلم قلتم: إنه ليس ههنا دليل آخر على وجوب غسل المرافق، والاختلاف متى وقع بعد ورود الشرع، في شرع حكم ونفيه، لابد من الدليل، ولا يسع (٢) التعلق بعدم الدليل على ما مر - والله أعلم. مسألة - ومنها (٣): التقليد وقد تكلموا في حده (٤). قال بعضهم: هو اتباع الرجل غيره، على تقدير أنه محق، لحسن الظن به، لكونه مشوراً بالعلم والورع، وتقديم رأيه على رأي نفسه، لكونه من أهل النظر والاستدلال. سمي تقليداً لأنه جعل عاقبة ما قلده، قلادة في عنقه، إن كان حقاً أو باطلا، بلا دليل، كما قالت الكفرة (٥): "اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم" (٦) وقالوا: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٧).

стр. 705

ولهذا لا يجوز تسمية اتباع الأنبياء ﵈ تقليداً، لأن أقوالهم وأفعالهم حجة، فيكون اتباعاً بالدليل. ولكن لا يصح تحديد التقليد بهذا، وإن كان التقليد قد يكون كذلك، لأنا نجوز التقليد في الجملة. وما ذكر من باب الشك في الاعتقاد، لا من باب التقليد. والصحيح أن يقال: التقليد (١) هو اتباع الرجل الجاهل العالم لعلمه وورعه واعتقاده لما (٢) يعتقده على طريق الجزم والحتم، من غير تردد وشك، وإن لم يكن بناء على دليل عقلي أو سمعي. ثم التقليد إما أن يكون في التوحيد وأمور الدين، مما يعرف بمجرد العقل. وإما أن يكون في الأحكام الشرعية التي لا تعرف إلا بالدليل السمعي. - أما التقليد في الأمور الشرعية: [فـ] لا يجوز إلا للعوام، ومن يكون بمثل (٣) حالهم من طلبة العلم ما لم يبلغوا (٤) حد الاجتهاد، لأجل الضرورة. ولكن عليهم أن يقلدوا من هو عندهم أعلم وأورع، بالسماع على طريق الاشتهار. فأما أهل الاجتهاد فلا (٥) يجوز لهم التقليد. وفي تقليد الصحابي خلاف على ما مر ذكره (٦). - وأما التقليد في التوحيد وأمور الدين: ففيه كلام بين أهل الأصول، على ما عرف في مسائل الكلام. والصحيح أنه متي وجد الاعتقاد و (٧) الجزم

стр. 706

على طريق التقليد من غير شك وارتياب، فإنه يكون إيماناً صحيحاً، وهو إيمان أكثر أهل الإسلام من العوام والعلماء. فأما الاستبصار (١) والوقوف علي الدلائل في هذا الباب، فأمر عزيز الوجود، ثم الاستبصار والوقوف على الدلائل وحل شبهات الخصوم، [فـ] ليس بفرض عين بل هو فرض (٢) كفاية، في حق من رزق فهماً ذكياً وخاطراً لطيفة: إذا قام به البعض سقط عن الباقين. ولا يجوز تحريك اعتقاد العوام بالترغيب إلى تعلم علم الكلام والوقوف على دلائله، لأنه ربما يقع في قلوبهم شبه (٣) لا تنحل: إما لقصور (٤) في المعلمين، أو لخفاء المسألة في نفسها (٥)، أو لغلط خاطر البعض، فيصير الترغيب والإرشاد إلى الاستبصار سبباً للغواية والضلال، فيكون النصيحة والشفقة على أهل الإسلام ما ذكرته، خصوصاً للعوام - والله أعلم. مسألة - ومنها (٦): الإلهَام فنذكر: تفسيره لغة وعرفاً. وبيان حده عند المتكلمين. وبيان حكمه شرعاً.

стр. 707

[١] أما تفسيره لغة: [فهو] إيقاع شيء في قلب العاقل (١)، يفضي إلى العمل به، ويحمله عليه، ويميل قلبه إليه، حقاً كان أو باطلاً. قال الله تعالى: "فألهمها فجورها وتقواها" (٢). وذلك قد يكون بواسطة الشيطان وهوى النفس، في فيسمى وسوسة. وأما في العرف: فمستعمل (٣) في فيما يقع في القلب بطريق الحق دون الباطل، ويدعوه إلى مباشرة الخيرات دون الشهوات والأماني. [٢] وأما حده وحقيقته عند أهل الأصول [فنقول]: قال بعضهم: هو اتباع الرجل ما اشتهاه بقلبه أو أشار إليه في أمر من غير نظر واستدلال. وإنه غير صحيح. لأن الإلهام متنوع: قد يكون حقاً، وذلك من الله تعالى، فيكون وحياً خفياَ في حق الأنبياء، وفي حق غير الأنبياء إرشاداً وهداية. وقد يكون باطلا، وذلك بواسطة وسوسة الشيطان وهوى النفس، وخالق ذلك هو الله تعالى وإن كان شراً وفاسداً، ووسوسة الشيطان وهوي النفس سبب ذلك على جريان العادة، ويكون ذلك

стр. 708

في الحيقية إغواء وإضلالا لا إلهاماً. وإذا كان الأمر كذلك، فلا يجوز تحديده بهذا. وقال القاضي الإمام أبو زيد ﵀: الإلهام ما حرك القلب بعلم يدعوك (١) إلى العمل به، من غير استدلال بآية (٢) أو نظر في حجة (٣). وهذا حد صحيح، فإن الإلهام في عرف الناس: ما يكون من الله تعالي، بطريق الحق. وقيل: ما يخلق الله تعالى في قلب المؤمن (٤) العاقل من العلم الضروري الداعي له (٥) إلى العمل المرغوب فيه. [٣] وأما بيان الحكم فقال عامة العلماء بأن الإلهام الحق يجب العمل به في حق الملهم. أما ليس بحجة في حق الغير، ولا يجوز (٦) له أن يدعو غيره إليه. وقال قوم من الصوفية بأنه حجة في حق الأحكام، نظير النظر والاستدلال. وقول قوم من الروافض، لقبوا بالجعفرية: إنه لا حجة سوي الإلهام. فحجة من قال إن الإلهام حجة مطلقة (٧): النصوص من الكتاب، والسنة، ودلالة الإجماع.

стр. 709

- أما الكتاب فقوله تعالى (١): "أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه" (٢) - أخبر الله تعالى أن من شرح صدره للإسلام، من غير صنع العبد، فهو على نور من ربه (٣). والنور الذي به يحصل انشراح الصدر بالإسلام، من غير واسطة (٤) صنع العبد، ليس إلا الإلهاء. وقال الله (٥) تعالى: "أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس" (٦)، وإحياء الله تعالى قلب الآدمي بالإيمان وتنويره بالهدي، ليس إلا الإلهام من الله تعالى. - وقال ﷺ : "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالي". والفراسة ما يظهر للمرء في قلبه بلا نظر واستدلال. ولما روي عن النبي ﷺ أنه قال لوابصه لا بن معبد (٧)، وقد سأله عن البر والإثم: "ضع يدك على صدرك: فما حك في قلبك فدعه، وإن أفتاك الناس وأفتوك". - وأما دلالة الإجماع: فإن من (٨) اشتبهت عليه القبلة، فصلى، بغير تحر (٩)، بقلبه، للقبلة (١٠): [فـ] إنه لا تجوز صلاته (١١). وإن (١٢) صلى بالتحري أجزأته. وعلى أصلكم: إذا صلى بالتحري تجزئه (١٣) وإن خالف جهة

стр. 710

الكعبة بيقين، وإذا خالف جهة نحريه لم تجزه (١) وإن أصاب الكعبة. وكذا قالوا: إذا اختلط اللحم الحلال (٢) باللحم الحرام، والحلال غالب: لا يحل إلا بالتحري. والتحري هو العمل بالإلهام وتحكيم القلب (٣)، فثبت أن الإلهام حق من الله تعالى، وأنه واجب العمل به. وجه قول أهل الحق: - قوله تعالى: "فاعتبروا يا أولي الأبصار" (٤). وقال تعالى: "أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض" (٥) - أمر بالاعتبار (٦) والنظر، وما أمر بالرجوع إلى القلب. - وكذلك قال ﵇ لمعاذ ﵁ حين بعثه إلي اليمن قاضياً (٧): "بم تقضي؟ " قال: "بكتاب الله تعالى (٨) " قال: "فإن لم تجد" قال: " فبسنة (٩) رسول الله ﷺ "قال: "فإن لم تجد؟ " قال: "أجتهد في ذلك رأيي" - فقال رسول الله ﷺ : "الحمد لله الذي وفق رسول رسوله"، ولم يقل: "اقض (١٠) بالإلهام"، ولم يأمره به رسول الله ﷺ ولأن النبي ﷺ مأمور بمشورة أصحابه في الحوادث التي لا نص فيها، بقوله (١١): "وشاورهم في الأمر" (١٢). ولم يكن مأموراً بالرجوع إلى قلبه في فصل الخصومات.

стр. 711

- والمعني في المسألة: وهو أن شهادة القلب قد يكون بالإلهام من الله تعالى. وقد يكون من النفس. وقد يكون من الشيطان. فإن (١) كان من الله تعالى، يكون حجة. وإن كان من النفس والشيطان لا يكون حجة (٢). فلا يكون حجة مع الاحتمال. ولن يقع التمييز بين هذه الأنواع إلا بعد نظر واستدلال. ولأن الإلهام مي مشترك الدلالة، فإن الرجل يقول: إني (٣) ألهمت أن ما أقوله حق وصواب. فيقول حصمه: إني (٤) ألهمت أن (٥) ما تقوله خطأ وباطل. ولايمكنه الخروج عنه إلا بأن يقول لخصمه بأنك لست من أهله، فيقابله الخصم (٦) بمثله، ولا يمكنه التمييز بين الأهل وغيره، إلا نظر واستدلال. ولأن الخصم من أهل الحق يقول لهم: إني (٧) ألهمت أن (٨) القول بالإلهام باطل، فإلهامي هذا (٩) هل هو حق وحجة أم لا؟ فإن قالوا: حق، بطل قولهم. وإن قالوا: باطل، فقد أقروا (١٠) ببطلان الإلهام في الجملة، وليس البعض بأولى من البعض، فبطل كلامهم. - أما الجواب عما يقولون به من النصوص (١١)، من الكتاب والسنة، قلنا: • نحن نسلم أن الإلهام من الله تعالى حق. • ثم إن كان في حق نبي من الأنبياء ﵈، فبعد (١٢) ما ثبتت نبوته بالمعجزة، في حق (١٣) نفسه وفي حق أمته، يجوز له العمل بما ألهم

стр. 712

في قلبه، ويجب العمل به إذا كان في موضع الوجوب، ويجب عليه أن يدعو غيره إليه. فأما إذا ثبت الإلهام في أصل النبوة، فإنه يثبت به النبوة أيضاً، فإن في حق بعض الأنبياء تثبت النبوة في حالة النوم، فيثبت بالإلهام أيضاً، ولكن لا يجب عليه أن يدعو الأمة إلا في العقليات، ولا يجب عليهم القبول ما لم يوجد المعجزة. • فأما إذا كان الإلهام في حق غير الأنبياء من المسلمين: فإن كان في الأمور الشرعية والأحكام: [فـ] يجب عليه العمل به (١)، في حق نفسه، لكن لا يدعو غيره إليه. فأما في الأمور العقلية، كتوحيد الصانع وحدث العالم ونحو ذلك: [فـ] هل يجوز أن يثبت بالإلهام؟ فهو جائز في قول أكثر المتكلمين، إلا ما روي عن النظام (٢) وبعض مشايخ أهل السنة أيضاً. وإن كان التكليف ورد بالإيمان، بطريق الاختيار (٣)، الذي يتعلق الثواب يتحصيله والعقاب بتركه، ولكن ثبوته بطريق الضرورة وإحداث العلم جبراً، جائز. ولقب (٤) المسألة أن العلم الاختياري هل يجوز أن ينقلب ضرورياً أم لا؟ وهي من جملة مسائل لطيف الكلام تعرف ثمة إن شاء الله تعالى. - وأما التحري: فإنه ليس (٥) من باب الإلهام، فإن على أصلهم: الإلهام من الله تعالى يكون (٦) في حق العدل الورع، لا في حق الفاسق. والتحري في الأحكام مشروع في حق الكل. ولأن التحري هو العمل بشهادة القلب. وحكمه عند عدم سائر الأدلة الشرعية والعقلية، بنوع

стр. 713

نظر واستدلال بالأحوال، وهو حكم عرفناه بالشرع، في موضع ليس ثمة دليل من الأصول الأربعة قائماً كل مقامها، في حق العمل بطريق الضرورة، علي ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من شك في صلاته فلم يدر أثلاثاً صلى أم (١) أربعاً، فليتحر الصواب وليبن عليه". ولما روي أنه قال في رواية لوابصة بن معبد (٢): "الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات - وفي رواية متشابهات (٣) - دع ما يريبك إلى ما لا يريبك". ولهذا إن خبر الفاسق والصبي العاقل (٤) في أمور الدين مبني على تحكيم القلب عند الضرورة. و (٥) في أمور المعاملات مقبول من غير تحر. والأفضل أن يحكم رأيه فيه (٦) أيضاً، احتياطاً، بخلاف ما نحن فيه، فإن الكلام في حال قيام سائر الحجج، فالحل الثابت (٧) بدليله، لا يجوز تحريمه بشهادة القلب، والحرمة الثابتة بدليلها، لا تزول بشهادة القلب. فأما عند عدم الدلائل (٨) الأربعة: [فـ] الإلهام يكون حجة في حق الملهم، لا في حق غيره، والتحري قد لا يكون حجة في الجملة، كما في الفروج (٩)، لأن التحري (١٠) قد يقع خطأ وقد يقع صواباً، والإلهام الذي من الله تعالى لا يكون إلا صواباً وحقاً. فأما (١١) الإلهام الذي يكون باطلا، فهو وسوسة الشيطان وتمني النفس، وليس بإلهام حقيقة - فدل على التفرقة بين الأمرين - والله أعلم.

стр. 714

وَإِذ (١) أتَينَا عَلي [١] بَيَانْ أنوَاع الأحكام (٢) [٢] وَبَيَانْ (٣) أقسَام الدَّلائل (٤) يبقي علينا [٣] بَيَان أهليّة مَنْ تثبت فِي حَقِهِ، وبيَان تعلقهَا بالأسبَاب [٤] وَبيَان دفع مَا يَتراءَى (٥) مِنَ التعَارض فِي الدَّلائل وَالأحْكامَ ظاهرًا وإن (٦) لمْ يَتصَورُ التعارضْ في دَلائل الله تعَالي وَأحكامُه حَقيقة جَل الله عَنْ ذلكَ وَتعَالى (٧) فنبدأ بفصل التعَارض، وَمَا يتصل بِهِ مِن وُجُوه الدّفع ثم نُبيِّن أهلية الأحكام، ووجه تعلقها بالأسباب

стр. 715

باب التعارض [الكلام في هذا الباب في فصول: فصل في المعارضة . وفصل في النسخ. وفصل في الترجيح] فصل في المعارضة الكلام في هذا الفصل في: تفسير التعارض (١) لغة. وبيان (٢) حده (٣) وحقيقته في عرف لسان الفقهاء. وفي (٤) بيان المخلص عن التعارض. وفي بيان حكم التعارض شرعاً (٥). [١] أما الأول فهو المقابلة على سبيل الممانعة والمدافعة (٦) - يقال: لفلان عبد أو ابن يعارضه، أي يقابله بالمنع والدفع. ويقال: عرض لي عن الحضور إليك كذا (٧) - أي استقبلني أمر صدني ومنعني عن الحضور إليك. ولذلك (٨) سميت الموانع "عوارض".

стр. 716

[٢] وأما بيان حقيقته في عرف الفقهاء [فـ] ما هو ثابت بمقتضى اللغة. وهو التمانع والتدافع بين الدليلين في حق الحكم. وذلك إنما يثبت عند وجود ركن التعارض وشرطه. أما ركنه (١) [فـ] هو المماثلة والمساواة بين الدليلين في الثبوت والقوة، لاستوائهما في الطريق نحو النصين (٢) من الكتاب، والخبر ين المتواترين، ونحوهما. وأما الشرط - فهو المخالفة بين حكميهما: إما من حيث التضاد كالحل والحرمة، أو من حيث التنافي كالنفي والإثبات. لكن التضاد والتنافي لا يثبت إلا عند اتحاد المحل (٣) والزمان والجهة، إذ (٤) يتحقق الجمع بين الحل والحرمة، والنفي والإثبات، في زمانين: كحرمة الخمر بعد حلها، وفي محلين: كالحل في المنكوحة والحرمة في الأجنبية، وفي جهتين مختلفتين: كالنهي عن البيع وقت (٥) النداء والطلاق في حالة الحيض. [٣] وأما بيان المخلص عن التعارض ودفعه فنقول: دفعه بإراءة (٦) قوة ما يتحقق به [دفع] المعارضة (٧)، من الركن

стр. 717

والشرط، فيكون الانفصال والمخلص (١) عنه من وجهين في الحاصل: أحدهما يرجع إلى الركن، والآخر إلى الشرط. أما الذي يرجع إلى الركن: [فـ] بأن لم يكن بين الدليلين مماثلة، كنص الكتاب والخبر المتواتر، مع خبر الواحد والقياس، أو خبر الواحد مع القياس - لأن شرط قبول خبر الواحد والقياس أن لا يكون ثمة (٢) نص، من الكتاب والسنة المتواترة والإجماع، بخلافه. وكذا إذا كان لأحد الخبرين من الآحاد أو لأحد القياسين، رجحان، على الآخر، بوجه من وجوه الترجيح، لأن العمل بالدليل الراجج واجب، عند عدم الدليل المتيقن بخلافه، ولا عبرة للمرجوح بمقابلة الراجح. ولكن هذا إنما يستقيم بين خبرتي الواحد، وبين القياسين، لأنه ليس بدليل موجب للعلم، وإنما يوجب الظن أو علم غالب الرأي - وهذا يحتمل التزايد من حيث القوة، بوجوه الترجيح. فأما بين النصين من الكتاب والسنة المتواترة في حق الثبوت، [فـ] لا يتصور الترجيح، لأن العلم بثبوتههما قطعي، والعلم القطعي لا يحتمل التزايد (٣) في نفسه، من حيث الثبوت، وإن كان يحتمل من حيث الجلاء والظهور، إلا إذا وقع التعارض في موجبيهما (٤)، بأن كان أحدهما محكماً مفسراً والآخر فيه احتمال، فكان المحكم أولى.

стр. 718

وأما الذي يرجع إلى الشرط: [فـ] بأن لا يثبت التنافي بين الحكمين، ويتصور الجمع به بينهما، لاختلاف المحل والحال، والقيد والإطلاق، والحقيقة والمجاز، واختلاف الزمان حقيقة أو دلالة. وبيان ذلك: أن النصين إذا تعارضا: إما إن كانا خاصين أو عامين، من وجه أو من كل وجه، أو أحدهما عاماً والآخر خاصاً. ولا يخلو، إما إن كان بينهما زمان يصلح للنسخ، أو زمان لا يصلح للنسخ. - فإن لم يكن بينهما زمان يصلح للنسخ: • فإن وفي الخاصين: يحمل أحدهما على قيد، أو حال، أو مجاز، ما أمكن. • وإن كانا (١) عامين من وجه دون وجه: فإنه يحمل على وجه يتحقق الجمع بينهما. • وإن كانا عامين لفظاً (٢): فإنه يحمل أحدهما على بعض والآخر على بعض آخر، أو على القيد والإطلاق. • وإن كان أحدهما عاماً والآخر خاصاً: يبني العام على الخاص. وهذا بلا خلاف، لأنه لا يندفع التناقض إلا بهذا الطريق، فإنه لا يمكن الدفع بطريق التناسخ، لأنه لا يصلح للنسخ. • وكذلك (٣) إذا كان النصان (٤) بطريق الخبر، والنسخ في الأخبار لا يجوز على قول الأكثرين: يجب الحمل على القيد والإطلاق. نظير

стр. 719

ذلك أن الله تعالى قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ (١)، ثم قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ (٢): فعين ما حرم (٣) في حالة الاختيار، أن (٤) مثله يحل في حالة الاضطرار، ولا تناقض، لاختلاف الحالين. وقال الله (٥) تعالى لآدم ﵇: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ (٦) ثم قال تعالى (٧): ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ (٨) واندفع (٩) التناقض بالتقييد، بحال ترك النهي والامتناع عنه. - فأما إذا كان بينهما زمان يصلح للتناسخ، بأن كان يتمكن المكلف من الفعل والاعتقاد جميعاً، أو من الاعتقاد لا غير، على حسب ما اختلف (١٠) فيه. فإن في هذه الفصول التي ذكرنا: يمكن العمل بالطريقين: بالتناسخ، والتخصيص والتقييد والحمل على المجاز، في العامين والخاصين. وقد ذكرنا الكلام في العام والخاص إذ تعارضا وعرف التاريخ (١١)، وكذا إذا كان لا يعرف التاريخ، فلا نعيده (١٢).

стр. 720

ولكن اختلف أهل الأصول: أن في هذه الفصول يجب العمل بطريق التناسخ، أو بطريق البيان من حيث التخصيص والتقييد (١): • فقال أصحاب الحديث: إن العمل بطريق التخصيص والبيان (٢) أولي. • وقالت المعتزلة: إن العمل بالتناسخ أولى. • وقال عامة (٣) مشايخنا، وهو اختيار الشيخ أبي منصور الماتريدي ﵀: إنه ينظر إلى عمل الأمة في ذلك: إن حملوها على التناسخ يجب العمل به. وإن حملوها على التخصيص والتقييد يجب العمل به. وإن لم يعرف عمل الأمة في ذلك على أحد الوجهين، أو استوى على الأمة فيه، بأن (٤) عمل بعض الأمة على أحد الوجهين، والبعض على الوجه الآخر، فيرجع في ذلك إلى شهادة الأصول، فيعمل بالوجه الذي شهدت به. وكذا (٥) إذا كان أحدهما عاماً والآخر خاصاً، ولا يترجح (٦) الخاص وبخصوصه، ولا العام بعمومه، ولا يحمل على التناسخ أو على الخصوص والتقييد والمجاز، إلا بدليل - لأن عنده يجوز تأخير البيان فيما يمكن العمل بظاهره (٧)، من (٨) العام والخاص (٩)، لاحتمال الخصوص والمجاز، فكان الخاص والعام سواء، فلم يختلف الجواب. وهذا الاختلاف بناء على

стр. 721

ما ذكرنا: أن اللفظ العام [هل] يوجب العلم بعمومه (١) قطعاً أم مع الاحتمال؟ (٢) فعلى قول المعتزلة: لما كان العام متناولا جميع ما وضع له، كأنه نص على كل فرد من أفراده، فإذا ورد نص خاص بخلافه، فقد أثبت ضد ما أوجبه النص العام في حق هذا الفرد. فإذا كان بين النصين زمان يجوز فيه النسخ: لو لم يحمل على النسخ ويحمل (٣) على البيان من الأصل، يصير كأن النص (٤) العام أوجب الإباحة في حق هذا الفرد، والنص الخاص أثبت الحرمة في زمان واحد، وهو تفسير التناقض، والتناقض منفي عن أحكام الله تعالى (٥)، [فـ] يجب القول بالتناسخ، نجلاف ما إذا ورد النصان معاً، لأن ثمة لا يمكن القول بالتناسخ، فيجب الحمل على التخصيص، ويصير هذا الفرد غير داخل تحت اللفظ العام، وذكر اللفظ العام، والمراد به بعضه (٦) جائز إذا اقترن به الدليل (٧) دفعاً للتناقض بهذا الطريق، ويكون اللفظ العام مجازاً عند بعضهم، وعند بعضهم يكون استثناء وتكلماً بالباقي على ما مر (٨). وعلى قول أصحاب الحديث: لما كان العام لا يوجب العموم قطعاً، بل يجوز أن يكون المراد منه البعض من الابتداء، وكذا اللفظ المطلق يجوز أن يراد به (٩) المقيد من الابتداء، فإذا كان النص الخاص متأخراً أو جاء (١٠) القيد ولا يجوز الجمع بين حكميهما للتناقض، وأمكن دفع التناقض (١١) بكل واحد من الطريقين، فالدفع بالتقييد والتخصيص أولى، لوجهين (١٢):

стр. 722

أحدهما - أن النسخ أمر ضروري، فإن الأصل هو بقاء الحكم المشروع الثابت باليل المطلق، والضرورة ترتفع بالأدنى، وهو التخصيص. والثاني - هو عمل بالدليلين: بالنص الخاص في المستقبل، وبالنص العام فيما وراء المخصوص في الماضي والمستقبل جميعاً، ولو حمل على التناسخ، فيما إذا كان العام متأخراً، صار ناسخاً للخاص أصلا، فكان ما قلنا أولى. وجه قول مشايخنا: دلالة الإجماع، والمعقول. أما الأول - فإن الأمة أجمعت على التناسخ، في موضع إمكان التخصيص فإنه ورد في عدة الوفاة نصان: أحدهما قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ (١). والثاني قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٢) وأمكن العمل بالنصين بأن يكون قوله "أربعة أشهر وعشراً" (٣) تقريراً لبعض ما في الآية الأخري، فإنها موجودة في السنة، أو تجب السنة وأربعة أشهر وعشر زيادة عليها، ثم حملت الأمة النصين على التناسخ، ولهذا نظائر (٤). وأما المعقول - وهو أن كل واحد منهما بيان، إلا أن إخراج بعض الأعيان من الجملة يسمى تخصيصاً، وإخراج بعض الأزمان يسمى نسخاً، إذ لو لم يكن النسخ بياناً لم يندفع التناقض، فلم يكن أحدهما بأولي من

стр. 723

الآخر، فوجب الترجيح بعمل الأمة (١)، أو بشهادة الأصول، بعد العجز عن عمل الأمة (٢). وما ذكروا من الترجيح لا يستقيم، لأن الكلام فيما وقعت فيه المعارضة، وهو (٣) قدر الداخل تحت الخاص، لأنه لا يمكن العمل بهما جميعاً في حقه، فلا بد من ترك العمل بالعام بقدره، أو بترك العمل بالخاص - فدل أن الصحيح ما قلنا. هذا الذي ذكرنا في النصين من الكتاب. فأما إذا ورد النصان (٤) من السنة بطريق التواتر، وأحدهما معمول به دون الآخر، ولم يعرف التاريخ، أو (٥) أحدهما من الكتاب والآخر الخبر المتواتر والخبر معمول به - فإن الآخر يكون منسوخاً، فدل (٦) هذا على التاريخ دلالة. ولكن هذا في الخبرين إنما يتصور في زمن النبي ﷺ . فأما لا يتصور في زمن الصحابة ﵃ ومن بعدهم، لأنهم لم ينقلوا خبرين متواترين، والعمل بأحدهما منسوخ، لأن رواية الحديث لأجل العمل به، فلابد أن يتركوا الرواية، فلا يصير متواتراً. وأما التعارض (٧) - إذا وقع بين الخبرين بطريق الآحاد: فالجواب (٨) في المخلص عن التعارض، ما ذكرنا في النصين من الكتاب، إلا أن ههنا زيادة مخلص وهو الترجيح، بوجوه الترجيح، ولا يتحقق هذا في النصين القاطعين.

стр. 724

وأما في تعارض القياسين وقولي الصحابة: [فـ] لا يمكن الدفع بطريق التخصيص على رأي من لا يجوز تخصيص العلل، ولا بطريق التناسخ، لأن القياس الصحيح أحدهما، لأن الحق في المجتهدات واحد، لكن لا يعرف الصحيح من الفاسد إلا بنوع ترجيج، وإنما يبطل إذا ظهر النص بخلافه، فكان المخلص فيه هو الترجيج لا غير. وكذا لا يتصور التعارض بين إجماعين، لأن الإجماع (١) متي انعقد، لا يتصور انعقاد إجماع آخر، بخلافه. [٤] وأما بيان حكم المعارضة شرعاً فنقول: إذا امتنع دفع التعارض بين الدليلين في الأحكام الشرعية ظاهراً، فإنه يجب على المجتهد التوقف إلى أن يجد مخلصاً: بشهادة الأصول في الدليلين المعلومين قطعاً، وبالترجيح بوجه من وجوه الترجيج في الدليلين الموجبين علم غالب الرأي، لأنه لا يتصور خلوهما عما يقع به التمييز بين الحق والباطل. وهذا عندنا، وهو قول كل من قال: إن الحق في المجتهدات واحد (٢). ثم ينظر: - إن ورد في الحل والحرمة، فإنه يمتنع بطريق الاحتياط ويأخذ بالحرمة (٣). - وإن وردا في الإيجاب والإسقاط: • إن كان ذلك في العبادات، فإنه يجب الإتيان (٤) احتياطاً أيضاً.

стр. 725

• وإن كان ذلك في حقوق العباد: فإن وقع الاختلاف في ابتداء الوجوب، فلا يحكم بالوجوب، لأن القول بالوجوب بطريق الاحتياط، احترازاً عن فوت الحق الواجب، وصيانة حقهما جميعاً واجب، وليس أحدهما بأولى من الآخر. وإن كان التعارض وقع في السقوط، فلا يسقط بالشك. والله أعلم. وأما على قول من قال بأن كل مجتهد مصيب [فقد] اختلفوا: قال بعضهم مثل قولنا: إنه يتوقف ما لم يغلب على ظنه أحد الوجهين. وقال عامتهم بأنه يخير بين الحكمين فيما يفيد الاختيار، ويجعل كأن الله تعالى صرح بالحكمين، على طريق التخيير - على ما نذكر إن شاء الله تعالى. ولما كان المخلص عن التعارض بطريق التناسخ في البعض، وبطريق الترجيح في البعض، وبطريق التخصيص والتقييد في البعض، وقد ذكرنا حكم التقييد والتخصيص من قبل، فلابد أن يذكر حكم النسخ والترجيح. فنبدأ بفصل النسخ. فصل في النسْخ (١) الكلام فيه في مواضع: في بيان النسخ في اللغة وفي عرف الشرع. وفي بيان أنه اسم شرعي أو عرفي. وفي بيان حده وحقيقته عند الفقهاء والمتكلمين. وفي بيان مشروعيته.

стр. 726

وفي بيان محله. وفي بيان شرائطه. وفي بيان الناسخ والمنسوخ. وفي بيان أقسامهما. وفي هذه الفصول طول يذكر في الشرح إن شاء الله تعالى، ونذكر (١) في هذا المختصر ما هو كفاية و (٢) نموذج إلى ما هو النهاية إن شاء الله تعالى. [١] أما تفسيره لغة - فهو مستعمل في معنيين (٣): أحدهما - الإزالة والرفع، يقال: "نسخت الشمس الظل" أي: أزالته ورفعته، فإن الظل لا يبقى في ذلك المكان بعد وجود الشمس فيه. ويقال: "نسخت الريح آثار الأقدام" إذا رفعتها وأبطلتها حساً. والثاني - يستعمل في النقل، يقاك: نسخت الكتاب" أي: نقلت (٤) مثل (٥) ذلك المكتوب إلى محل اخر، وفي عرف الفقهاء - يستعمل (٦) تشبيهاً بالمعنى الأول من وجه. [٢] وأما بيان أنه اسم شرعي أو اسم عرفي عند بعضهم: اسم عرفي، فإن ما هو معناه، وهو الرفع والإزالة، لغة (٧)، لا يتحقق في النسخ الشرعي، فكان الاستعمال عرفاً، فيكون الاسم

стр. 727

• منقولا، كاسم الصلاة للأفعال المعهودة: لما لم يكن في الأفعال معنى الاسم اللغوي يكون اسماً منقولا، لا اسماً شرعياً، فكذا هذا (١). وقال بعضهم: هو اسم شرعي، لأن فيه معنى لغوياً، وهو الإزالة من وجه - على ما نذكر. [٣] وأما بيان حده عند الفقهاء والمتكلمين قال بعض المعتزلة: هو إزالة مثل الحكم الثابت بالدليل الأول (٢)، بقول منقول عن الله تعالى أو عن رسوله ﷺ ، أو فعل منقول عن رسوله (٣)، مع تراخيه عن الأول (٤)، على وجه لولاه لكان ثابتاً (٥). وقال بعض أهل الحديث: هو الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم، على وجه لولاه لكان ثابتاً به، مع تراخيه عنه. وقيل: إزالة الحكم الأول مع استقراره. وإنما ذكروا "الإزالة والرفع" عملا بحقيقة الاسم لغة، فإن الدليل الأول أثبت الحكم على الأبد والدوام، لولا النص المعارض، فيكون هذا (٦) النص (٧) إبطالا للحكم الأول ورفعاً له، كالبيع: يوجب الملك مطلقاً مؤبداً لولا الفسخ، فيكون الفسخ إبطالا للبيع أو حكمه لا بياناً (٨) - فكذا هذا.

стр. 728

وذكر الشيخ القاضي الإمام أبو زيد ﵀ ان النسخ رفع وإبطال للحكم في حقنا، لأنه ما ارتفع (١) في حقنا إلا بالناسخ. فأما في حق الله تعالى فهو بيان محض لمدة الحكم، كالقتل: يجعل قطعاً للحياة (٢) في حق العباد، وهو (٣) نهاية في علم الله تعالي. وذكر الشيخ الإمام أبو منصور الماتريدي ﵀ في كتابه (٤) الموسوم بـ"مآخذ الشرائع" أن النسخ في الحقيقة بيان منتهى ما أراد الله تعالى بالحكم الأول من الوقت. كما أن الحكم: إذا كان موقتاً إلى وقت نصاً، كان الوقت غاية (٥) لانتهاء الحكم. وكذا تخصيص العموم: إذا كان مقارناً، فهو بيان أن المخصوص لم يدخل تحته. وكذا الاستثناء: بيان أن المستثنى غير مراد من المستثنى منه (٦) - فكان النسخ مثل هذه الفصول في حق البيان، فإن الحكم متي كان ثابتاً في الحل أو الحرمة، أو ورد الأمر أو النهي مطلقاً، ثم جاء نص بخلافه، كان هذا بياناً (٧) من صاحب الشرع أن الحل ثابت إلى هذا الوقت. وكذا حكم الأمر والنهي. غير أن البيان، في الحكم (٨) المطلق عن الوقت، بثبوت حكم مخالف له بنص (٩) مطلق قائم بنفسه، متراخ عن الأول، يسمى نسخاً. والبيان التراخي (١٠) عن العام المطلق، بتخصيص شيء منه (١١): يسمى تخصيصاً، والعبادات

стр. 729

المؤقتة والأحكام المؤقتة صريحاً، فانتهاء وقتها لا يسمى نسخاً. وتسمية (١) الأشياء لإعلام العباد، وبين هذه الأنواع من البيان مفارقة من وجه، فلابد من اختلاف الاسم للتمييز بينهما، فوضع أهل اللسان نوع اسماً. وقد جاء القران بتسمية هذا النوع من البيان نسخاً بقوله تعالى: "ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها" (٢). ولله تعالى أن يسمي الأشياء بما شاء من الأسامي (٣)، فهو الواضع للأسامي والشارع للأحكام. وهذا هو الصحيح. وتحرير (٤) الحد فيه أن يقال: النسخ هو بيان انتهاء الحكم الشرعي المطلق، الذي في تقدير أوهامنا استمراره لولاه، بطريق التراخي. ونعني بالحكم هو المحكوم. فأما (٥) الحكم فإنه (٦) صفة أزلية لله تعالي على ما مر ذكره (٧). [فـ] لا يلزم على هذا (٨) الحكم الموقت صريحاً، فإن ثمة ليس في وهمنا استمراره. ولا يلزم التخصيص، فإنه بييان أنه غير مراد من الأصل، بنص قائم بنفسه، لا أنه انتهاء. ولا يلزم الاستثناء، لأنه بييان أنه غير مراد من الأصل، بنص قائم بنفسه، بل ببعض النص (٩)، بعد الثبوت.

стр. 730

وما قالوا من "الإزالة والرفع"، فغير صحيح، لأن ما ثبت من الحكم في الماضي لا يتصور بطلانه، وما (١) في المستقبل لم يثبت بعد، فكيف يبطل؟. ولأن حكم الله تعالى إذا كان على طريق التأبيد وإرادة (٢) وجوده أو وجوبه أو الحل أو الحرمة، ثم لم يثبت على الأبد، يكون قولا بتغيير الإرادة، وما أراد الله تعالى يكون لا محالة. ولأنه (٣) لا يخلو: إما أن يقولوا: إن الله تعالى عالم (٤) بالحكم على طريق التأبيد عالم بالمصلحة، أو لم يكن عالماً. فإن (٥) كان عالماً بالمصلحة ثم بالنسخ، يتبين أنه لا مصلحة، فهذا (٦) قول بالجهل أو بالبداء (٧)، أو بالرجوع (٨) بظهور المصلحة في الثاني. وأما أنه (٩) نسخ، مع العلم بالمصلحة، فهو قول بنسبة السفه إلي الله تعالي - وكل ذلك باطل. والذي يحقق ما قلنا: أن ما قلناه إيمان اعتقده كل مسلم، بطريق (١٠) الإجمال، فإن كل من آمن بالله تعالى فإنه (١١) يعتقد أن الخلق والأمر لله تعالى، وأنه (١٢) كون الأشياء في الأزل على ما يكون في الوقت الذي يكون. وكذا أمر بالأشياء ليجب ويوجد في الوقت الذي أراد

стр. 731

وجوبه ووجوده فيه. وكذا في النهي. وأنه أراد الحكم المؤبد أو الموقت، فيكون على حسب إرادته، وأن ما أراد يكون لا محالة على الوجه الذي أراد، ولا يكون على خلاف ما أراد. وما قلناه تفسير وتفصيل، لما وجب اعتقاده، بطريق الإجمال. فأما متي اعتقد أنه كان أراد الأبد، ثم لم يثبت المراد على الأبد، لكن ينعدم قبله، فلا تكون إرادته نافذة على الوجه الذي أراد، فيكون هذا الاعتقاد مخالفاً تفصيله جملته، وهو باطل - والله الموفق. وما قالوا: إنه بيان عند الله تعالى، ولكنه في حق العباد إبطال وإزالة، غير مستقيم أيضاً، فإن الحق عندنا واحد في الشرعيات (١)، كما في العقليات، والمجتهد يخطئ ويصيب، خلافاً لقول من قال: إن كل مجتهد مصيب - فهذا (٢) يرجع إلى ذلك، على ما نذكر. [٤] فصل في: بيان مشروعية النسخ قال عامة أهل الإسلام: إن (٣) النسخ مشروع في الجملة. وقال قوم، من أهل القبلة ممن (٤) لا عبرة بهم، بأن النسخ لا يجوز في شريعة واحدة. واليهود افترقت ثلاث فرق:

стр. 732

قالت (١) فرقة مثل قولنا (٢). وقالت (٣) فرقة بأنه غير مشروع عقلا وقال بعضهم: إنه (٤) ليس بقبيح عقلا، ولكن امتنع النسخ لشريعة موسى ﵇ سمعاً. فالمنكرون لشرعيته عقلا، شبهتهم واحدة، وهو أن النسخ من باب البداء والغلط (٥)، وهو محال في حق الله تعالى، وما أفضى إلى المحال فهو محال. بيانه، أن النسخ ليس إلا تحريم الحلال، أو إحلال الحرام، أو النهي عما كان مشروعاً قبله، أو النهي عن مثل ما كان مشروعاً، والشيء متي كان مشروعاً شرعاً لا يكون إلا لمصاحة (٦)، والمصلحة متى ثبتت في شيء يثبت فيما كان من أمثاله. فإذا جاء الناسخ: فإما أن يظهر (٧) أنه لم يكن من المصلحة من الأصل، وهو قول بنسبة الجهل إلى الله تعالى أو نسبة البداء والرجوع، فذلك (٨) محال. أو كان مصلحة، ومع قيام المصلحة نسخه، فيكون سفهاً، تعالى الله (٩) ءعن ذلك.

стр. 733

وجه قول الفريق الثاني - قالوا: ثبت بطريق التواتر عن (١) موسى ﵇ أنه قال: تمسكوا بالسبت (٢) ما دامت السماوات والأرض. و (٣) قالوا: ذلك مكتوب في التوراة. وكذا رووا عن موسى ﵇ أنه قال (٤): لا نسخ لشريعتي. وجه قول أهل (٥) الحق: - وهو أن تحريم الأخوات والجمع بين الأختين وتحريم الجزء (٦)، ثابت في شريعة موسى ﵇، والإباحة ثابتة قبلها، وليس تفسير النسخ إلا هذا. - وقال الله (٧) تعالى: "فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم" (٨) وهو تفسير النسخ. وكذا قال الله (٩) تعالى: "ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها" (١٠) وقال الله (١١) تعالى: "وإذا بدلنا آية مكان آية" (١٢)، والقرآن معجز، فيكون حجة على الكل. - وأما المعقول، وهو أن النسخ هو التحريم والتحليل في الأفعال (١٣). فعين ما صار حراماً لا بقاء له، حتى يصير حلالا. وكذا على العكس.

стр. 734

فمن الضرورة أن النسخ (١) لا يكون تحريم المحلل، ولا تحليل المحرم (٢)، بل يكون تحريم (٣) مثله، وتحريم الشيء إنما يكون تحريم مثله إذا كان معقولا. أما إذا لم يكن فلا. وهذا لأن عند أصحاب الحديث: الحسن والقبح والتحريم والتحليل يثبت بالأمر والنهي، فيجوز أن يكون الشيء مشروعاً، لقيام الأمر، ثم صار مثله منسوخاً أو عينه، لو (٤) تصور، لقيام النهي. فأما (٥) على مذهبنا: فالحسن والقبح قد يكون (٦)، لذات الشيء، معقولا، كمعرفة ذات الله تعالى (٧) وصفاته، وحسن أصل العبادات، وقبح الكفر ونحوه (٨). وقد يكون لمعنى في الشيء لا لعينه، كالتوجه إلى بيت المقدس. وكذا القبح، كقتل (٩) الآدمي والحيوان: حرام لمعنى لا لعينه، حتي يصير مباحاً مع قيام عينه لتبدل المعنى. إذا ثيت هذا فنقول: عندنا النسخ إنما يجوز في هذا القبيل لا في القبيل الأول على ما نذكر في بيان محل النسخ. وإذا كانت المصاحة والحكمة لم تتعلق بالعين بل بالمعنى، يجوز أن يتبدل بتبدل الأزمان والأشخاص لتبدل المعنى (١٠) - ألا ترى

стр. 735

أن من الأشياء ما هو ضار في حق شخص، نافع في حق شخص آخر، لاختلاف الطباع، والطبيب الحاذق يعرف ذلك، فيبني الأمر على قوله، والله تعالى هو العالم بمصالح الأوقات، وهو الرؤوف. بعباده، ونحن لا نقف على حقيقته، فمتي جاء النص فى خلاف الحكم الأول متأخراً عنه، علم، بطريق الضرورة، أن المصلحة تغيرت، وعند تغير المصلحة، تكون الحكمة في تغير المشروع لا في الإبقاء. - وخرج الجواب عن قولهم: إن المشروع لا يكون إلا لمصلحة - فبلى (١)، ولكن ما شرع فيه النسخ لا يعرف فيه المصلحة إلا من الشرع. أما لا تعرف من جهة العقل إلا بإشارات النصوص (٢) - على ما نذكر. فإذا جاء الناسخ دل على تغير المصلحة، وليس شرط المصلحة هو البقاء أبداً، كما في الحار والبارد، في حق شخص واحد عند اختلاف الأزمان، فلم يكن - النسخ مقصوراً على ما قالوا، بل ههنا قسم آخر، وهو ما ذكرنا، وليس في هذا النوع من النسخ بداء أو تغيير (٣). وفيما قلتم من النوع بداء، فلذلك (٤) لم يجز ذلك النوع (٥) دون. هذا. إذ النسخ (٦) عند الفقهاء عبارة عما قلنا، وإنه ليس ببداء ورجوع، وما ذكرتم ليس بنسخ، بل رجوع وبداء - والله الموفق.

стр. 736

- وما ذكروا من السمع: • أما قولهم رواية عن موسى ﵇: "لا نسخ لشريعتي": إن كان بطريق التواتر فهو محذوف، أي لا نسخ لشريعتي إلى مبعث محمد ﷺ ، لأنه يثبت (١) رسالة محمد ﷺ بما ثبتت (٢) به رسالة موسي ﵇، وثبت به نسخ شريعته، فوجب القول بالحذف (٣)، عملا بالدليلين. • وأما ما رووا: "تمسكوا بالسبت (٤) ما دامت السماوات والأرض فنقول: لا يمكن العمل بظاهره، فإن التكليف بالسبت (٥) ينقطع بانقراض الدنيا والسماوات والأرض قائمة، ولكن هو كناية في الأبد في عرف أهل اللغة، كأنه قالوا: "تمسكوا بالسبت (٦) أبداً" ثم يزاد عليه أي أبدا ما لم يبعث محمد ﷺ حتي يكون عملا بالدلائل. [٥] فصل في: بيان محل النسخ قال عامة العلماء ﵏ بأن محل النسخ هو الحكم الشرعي المطلق عن الوقت وعن (٧) الأبد، صريحاً ودلالة. وإنما قيدوا بالحكم الشرعي لأن الأحكام العقلية، وهي (٨) وجوب الإيمان وحرمة الكفر وكل ما يعرف بمجرد العقل من غير دليل سمعي،

стр. 737

فإنه لا يحتمل الارتفاع والعدم بحال، لقيام دليله (١)، وهو العقل، على كل حال، فلا يحتمل النسخ، وحكمه انتهاء الحكم الأول أو (٢) الزوال والارتفاع، على ما تكلموا فيه - وهذا عندنا. وأما علي مذهب أصحاب الحديث، وإن كان وجوب الإيمان وحرمة الكفر بالدليل السمعي، لا بالعقل وحده، لكن قام الدليل السمعي على وجوب الإيمان وحرمة الكفر علي طريق التأبيد، فلا يحتمل النسخ. وإنما قالوا: الحكم الشرعي المطلق عن الوقت والأبد صريحاً أو (٣) دلالة، لأن الحكم الثابت بطريق التأبيد لا يحتمل النسخ، بل يكون ذلك من باب البداء، تعالى الله عن ذلك. نظيره قول الله تعالى (٤): "وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة" (٥)، وإنه كذلك إلى قيام الساعة. وأما التأبيد دلالة فهو الأحكام الشرعية التي بقيت بعد وفاة رسول الله ﷺ ، ولم يثبت الانتساخ في حال (٦) حياته، لأن الانتساخ إنما يكون بالوحي، ولا وحي يتصور بعد وفاته، لكونه خاتم النبيين. وكذا (٧) الموقت صريحاً، لأن ثبوت الحكم في المدة المعينة بمنزلة الحكم المؤبد، فلا يجوز (٨) الانتساخ قبل مضي الوقت، لما ذكرنا.

стр. 738

وذكر بعض أهل الأصول في هذا الفصل خلافاً: فقال (١) بعضهم: لا يجوز النسخ في المؤبد. وقال عامة أهل الأصول بأنه يجوز. ولكن لا خلاف في الحقيقة عند التأمل، لأن من قال بالجواز اعتماده على أن الأبد اسم لجميع العمر، فمتى جاء النسخ تبين أن الأبد ذكر وأريد به بعض ما يتناوله اسم الأبد، كقوله تعالى: "فاقتلوا المشركين" (٢) يتناول جيمع المشركين، فمتى خص منه أهل الذمة كان المراد من اللفظ العام بعضه، ولا فرق إلا أن هذا تخصيص بعص الأعيان، وذلك (٣) تخصيص بعض الأزمان. والفريق الأول يقولون بالتخصيص ولكن مرادهم بهذا أن الأبد متى كان منصوصاً، وهو مراد الله تعالى، لا يجوز نسخه لا أنه يؤدي إلى البداء، ولأن النسخ غير التخصيص، فإن النص المطلق وإن كان ظاهره الدوام، لا بموجب الصيغة، ولكن بدليل (٤) آخر، والنص المؤبد متناول لجميع الأزمان من حيث اللفظ. فإذا جاء الناسخ في المطلق انتهي الحكم الثابت في الماضي (٥) للحال وتبين أن المستقبل ما كان ثابتاً. وإذا جاء التخصيص في الزمان المؤبد بقي الحكم فيما وراء المخصوص ثابتاً، وفي المستقبل تبين أنه غير مراد، فأنى يتشابهان؟ وأما الإخبار - هل هو محل النسخ أم لا (٦)؟ فهذا على وجهين:

стр. 739

- إن كان في الأحكام الشرعية، فهو والأمر والنهي سواء، فإنه إذا أخبر الله تعالى، أو النبي ﷺ ، بالحل مطلقاً ثم ورد الخبر بعده بالحرمة (١)، ينتسخ الأول بالثاني. - فأما إذا أخبر عن الحل أو عن الحرمة (٢) مؤبداً، فالجواب فيه مثل الجواب في الأمر والنهي أيضاً. - وإن كان الإخبار في غير الأحكام، كما أخبر الله تعالى، أنه يدخل الأنبياء ﵈ والمؤمنين الجنة، ويدخل الكفار النار: فهذا لا يحتمل النسخ، لأنه يؤدي إلى الخلف في الخبر، وهو قول عامة أهل الأصول. وقال بعضهم: يجوز النسخ في الوعيد، لأن الخلف في الوعيد كرم. فأما في الوعد [فـ] لا يجوز، لأن الخلف فيه من باب اللوم. فكذا (٣) إذا أخبر الله تعالى أو رسوله بأنه يولد (٤) لفلان ولد يوم كذا، فهذا لايحتمل أن لا يكون، إذ خلافه يكون كذباً، ولا يجوز ذلك (٥) في وصف الله تعالى، والنبي ﵇ معصوم عنه (٦) بدلالة النبوة. فإن قيل: أليس أن الله تعالى أخبر لآدم وقال: " ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ (٧) ثم قال تعالى (٨): ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ (٩)

стр. 740

وهذا خلف في الخبر - قلنا: هذا من باب القيد والإطلاق، لا من باب النسخ - على ما مر. [٦] فصل في: بيان شروط النسخ وهي على نوعين: نوع هو شرط لصحة إطلاق اسم النسخ عرفاً. ونوع هو شرط صحة النسخ شرعاً. ثم بعضها متفق عليه، وبعضها مختلف فيه. أما الأول: [فمنها]- أن يكون الحكم المنسوخ شرعياً، لا عقليا. أما عندنا - فلأن الحكم العقلي، الذي يعرف بمجرد العقل من غير واسطة الدليل السمعي، لا يحتمل النسخ (١). وعند (٢) المعتزلة: بعض اللأحكام من الحل والحرمة يعرف بالعقل. فإذا جاء الشرع بخلافه، ينتهي حكم العقل إلى حكم الشرع، ولكن لا يسمى ذلك نسخاً عندهم. وكذا عند بعض أصحاب الحديث: براءة (٣) الذمة وعدم وجوب الأحكام ثابت بالعقل، ويتغير (٤) بالشرع، ولا يكون نسخاً من حيث الاسم، ولا يتصف به في عرف الشرع. ومنها - يشترط أن يكون الدليل الذي ثبت (٥) به انتهاء الحكم دليلا
следующие страницы →