← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 19237

ميزان الأصول في نتائج العقول

علاء الدين السمرقندي

Полный текст (813 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

- وما ذكروا من السمع: • أما قولهم رواية عن موسى ﵇: "لا نسخ لشريعتي": إن كان بطريق التواتر فهو محذوف، أي لا نسخ لشريعتي إلى مبعث محمد ﷺ ، لأنه يثبت (١) رسالة محمد ﷺ بما ثبتت (٢) به رسالة موسي ﵇، وثبت به نسخ شريعته، فوجب القول بالحذف (٣)، عملا بالدليلين. • وأما ما رووا: "تمسكوا بالسبت (٤) ما دامت السماوات والأرض فنقول: لا يمكن العمل بظاهره، فإن التكليف بالسبت (٥) ينقطع بانقراض الدنيا والسماوات والأرض قائمة، ولكن هو كناية في الأبد في عرف أهل اللغة، كأنه قالوا: "تمسكوا بالسبت (٦) أبداً" ثم يزاد عليه أي أبدا ما لم يبعث محمد ﷺ حتي يكون عملا بالدلائل. [٥] فصل في: بيان محل النسخ قال عامة العلماء ﵏ بأن محل النسخ هو الحكم الشرعي المطلق عن الوقت وعن (٧) الأبد، صريحاً ودلالة. وإنما قيدوا بالحكم الشرعي لأن الأحكام العقلية، وهي (٨) وجوب الإيمان وحرمة الكفر وكل ما يعرف بمجرد العقل من غير دليل سمعي،

стр. 737

فإنه لا يحتمل الارتفاع والعدم بحال، لقيام دليله (١)، وهو العقل، على كل حال، فلا يحتمل النسخ، وحكمه انتهاء الحكم الأول أو (٢) الزوال والارتفاع، على ما تكلموا فيه - وهذا عندنا. وأما علي مذهب أصحاب الحديث، وإن كان وجوب الإيمان وحرمة الكفر بالدليل السمعي، لا بالعقل وحده، لكن قام الدليل السمعي على وجوب الإيمان وحرمة الكفر علي طريق التأبيد، فلا يحتمل النسخ. وإنما قالوا: الحكم الشرعي المطلق عن الوقت والأبد صريحاً أو (٣) دلالة، لأن الحكم الثابت بطريق التأبيد لا يحتمل النسخ، بل يكون ذلك من باب البداء، تعالى الله عن ذلك. نظيره قول الله تعالى (٤): "وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة" (٥)، وإنه كذلك إلى قيام الساعة. وأما التأبيد دلالة فهو الأحكام الشرعية التي بقيت بعد وفاة رسول الله ﷺ ، ولم يثبت الانتساخ في حال (٦) حياته، لأن الانتساخ إنما يكون بالوحي، ولا وحي يتصور بعد وفاته، لكونه خاتم النبيين. وكذا (٧) الموقت صريحاً، لأن ثبوت الحكم في المدة المعينة بمنزلة الحكم المؤبد، فلا يجوز (٨) الانتساخ قبل مضي الوقت، لما ذكرنا.

стр. 738

وذكر بعض أهل الأصول في هذا الفصل خلافاً: فقال (١) بعضهم: لا يجوز النسخ في المؤبد. وقال عامة أهل الأصول بأنه يجوز. ولكن لا خلاف في الحقيقة عند التأمل، لأن من قال بالجواز اعتماده على أن الأبد اسم لجميع العمر، فمتى جاء النسخ تبين أن الأبد ذكر وأريد به بعض ما يتناوله اسم الأبد، كقوله تعالى: "فاقتلوا المشركين" (٢) يتناول جيمع المشركين، فمتى خص منه أهل الذمة كان المراد من اللفظ العام بعضه، ولا فرق إلا أن هذا تخصيص بعص الأعيان، وذلك (٣) تخصيص بعض الأزمان. والفريق الأول يقولون بالتخصيص ولكن مرادهم بهذا أن الأبد متى كان منصوصاً، وهو مراد الله تعالى، لا يجوز نسخه لا أنه يؤدي إلى البداء، ولأن النسخ غير التخصيص، فإن النص المطلق وإن كان ظاهره الدوام، لا بموجب الصيغة، ولكن بدليل (٤) آخر، والنص المؤبد متناول لجميع الأزمان من حيث اللفظ. فإذا جاء الناسخ في المطلق انتهي الحكم الثابت في الماضي (٥) للحال وتبين أن المستقبل ما كان ثابتاً. وإذا جاء التخصيص في الزمان المؤبد بقي الحكم فيما وراء المخصوص ثابتاً، وفي المستقبل تبين أنه غير مراد، فأنى يتشابهان؟ وأما الإخبار - هل هو محل النسخ أم لا (٦)؟ فهذا على وجهين:

стр. 739

- إن كان في الأحكام الشرعية، فهو والأمر والنهي سواء، فإنه إذا أخبر الله تعالى، أو النبي ﷺ ، بالحل مطلقاً ثم ورد الخبر بعده بالحرمة (١)، ينتسخ الأول بالثاني. - فأما إذا أخبر عن الحل أو عن الحرمة (٢) مؤبداً، فالجواب فيه مثل الجواب في الأمر والنهي أيضاً. - وإن كان الإخبار في غير الأحكام، كما أخبر الله تعالى، أنه يدخل الأنبياء ﵈ والمؤمنين الجنة، ويدخل الكفار النار: فهذا لا يحتمل النسخ، لأنه يؤدي إلى الخلف في الخبر، وهو قول عامة أهل الأصول. وقال بعضهم: يجوز النسخ في الوعيد، لأن الخلف في الوعيد كرم. فأما في الوعد [فـ] لا يجوز، لأن الخلف فيه من باب اللوم. فكذا (٣) إذا أخبر الله تعالى أو رسوله بأنه يولد (٤) لفلان ولد يوم كذا، فهذا لايحتمل أن لا يكون، إذ خلافه يكون كذباً، ولا يجوز ذلك (٥) في وصف الله تعالى، والنبي ﵇ معصوم عنه (٦) بدلالة النبوة. فإن قيل: أليس أن الله تعالى أخبر لآدم وقال: " ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ (٧) ثم قال تعالى (٨): ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ (٩)

стр. 740

وهذا خلف في الخبر - قلنا: هذا من باب القيد والإطلاق، لا من باب النسخ - على ما مر. [٦] فصل في: بيان شروط النسخ وهي على نوعين: نوع هو شرط لصحة إطلاق اسم النسخ عرفاً. ونوع هو شرط صحة النسخ شرعاً. ثم بعضها متفق عليه، وبعضها مختلف فيه. أما الأول: [فمنها]- أن يكون الحكم المنسوخ شرعياً، لا عقليا. أما عندنا - فلأن الحكم العقلي، الذي يعرف بمجرد العقل من غير واسطة الدليل السمعي، لا يحتمل النسخ (١). وعند (٢) المعتزلة: بعض اللأحكام من الحل والحرمة يعرف بالعقل. فإذا جاء الشرع بخلافه، ينتهي حكم العقل إلى حكم الشرع، ولكن لا يسمى ذلك نسخاً عندهم. وكذا عند بعض أصحاب الحديث: براءة (٣) الذمة وعدم وجوب الأحكام ثابت بالعقل، ويتغير (٤) بالشرع، ولا يكون نسخاً من حيث الاسم، ولا يتصف به في عرف الشرع. ومنها - يشترط أن يكون الدليل الذي ثبت (٥) به انتهاء الحكم دليلا

стр. 741

سمعياً لا عقلياً. فإن بالعجز والمرض، يسقط بعض الأحكام ولا يسمى نسخاً. وكذا بالموت، تنتهي الأحكام كلها، ولا يسمى نسخاً. ومنها - أن لا (١) يكون الحكم موقتاً صريحاً، نحو قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٢)، فإنه (٣) لا يكون نسخاً وإن وجد انتهاء الحكم. لكن الشرط انتاء حكم مطلق غير موقت ولا مؤبد - على ما ذكرنا. وأما شروط الجواز والصحة: منها - ما ذكرنا (٤): أن الشرط أن يكون حكماً شرعياً، فإن العقلي (٥) لا يحتمل النسخ بحال. وعند المعتزلة: يجوز نسخه، ولكن لا يسمى نسخاً - على ما ذكرنا. ومنها - التمكن من أداء الفعل المأمور به، ليس بشرط لصحة النسخ، وإنما الشرط هو التمكن من الاعتقاد ظاهراً. وصورة المسألة أن لوقال الله تعالى في شهر (٦) رمضان: "حجوا في (٧) هذه السنة" ثم قال في آخره "لا تحجوا"، وإن لم يدخل وقت الوجوب. وكذا لو أمر بذبح الولد لإنسان (٨)، ثم بعد التمكن من الاعتقاد قبل التمكن من الذبح، لاشتغاله بأسباب الذبح، قال له (٩) "لا تذبح" (١٠)، ونحو ذلك.

стр. 742

و (١) علي قول المعتزلة: لا يصح النسخ إلا بعد التمكن من الفعل. وهو قول بعض مشايخنا. وبه قال عامة أهل الحديث، وهي مسألة مشكلة. ودلائل الخصوم ظاهرة، لو بنيت المسألة على أن حكم الأمر وجوب الفعل، إذ وجوب الفعل في زمان لا يتمكن فيه (٢) من الفعل، تكليف ما لا يطاق. وكذا (٣) لو بنيت على وجوب الاعتقاد، لأنه يقال: يجب عليه اعتقاد فعل واجب، أو غير واجب: والأول باطل، لأن الفعل لايجب عليه (٤) بالإجماع. وإيجاب (٥) اعتقاد ما ليس بواجب، واجباً، محال من الشرع. وكذا (٦) إيجاب اعتقاد فعل غير واجب، واجباً، محال أيضاً. ولكن المسألة مبنية علي أن هذا الأمر صحيح، وإن لم يتعلق به وجوب الفعل، ولا وجوب الاعتقاد حقيقة عند الله تعالى. ولكن أمر الله تعالى أزلي عندنا، وتعلقه (٧) بالأمور يقتضي أن يكون فيه فائدة في الجملة للمأمور، لأن الأمر (٨) بما لا يريد الله تعالى وجوده، جائز عندنا، لفائدة الوجوب في الجملة.

стр. 743

فكذا إذا لم يرد به الوجوب أيضا، لكن فيه نوع فائدة: يصح الأمر. وههنا كذلك (١). فإن الأمور إذا كان لا يعلم بالنسخ، ويبني الأمر على ظاهر الأمر في حق وجوب الفعل، و (٢) يعتقده ظاهراً لا قطعاً، ويعزم على الأداء (٣) ويهيئ أسبابه و (٤) يظهر الطاعة من نفسه - فيتحقق الابتلاء والامتحان (٥) والمباهاة، وإن كان الله تعالى عالماً بأنه لا يجب عليه الفعل (٦). وفي الأمر بذبح الولد أظهر، فإنه لما اشتغل بأسباب الذبح وانقاد (٧) لحكم الله تعالى الثابت ظاهراً، تعظيماً لأمره، فيظهر منه الطاعة، فكان النسخ مفيداً (٨) في حق المأمور، وصحة الأمر لفائدة الأمور لا غير، و (٩) لما حسن منه العزم والاعتقاد واشتغل بأسبابه اجتزئ بذلك منه، ﷻ بفضله وكرمه، وجعله قائماً مقام حقيقة الفعل وفي حق الثواب، فيصير كأن النسخ بعد وجود الفعل تقديراً - هذا طريق تخريج هذه المسألة، وتذكر على الاستقصاء في الشرح إن شاء الله تعالى (١٠). ومنها - أنه ليس بشرط صحة النسخ أن يكون للمنسوخ بدل مثله أو أخف منه أو أثقل. وعلى قول المعتزلة شرط. وهو قول بعض أصحاب الحديث.

стр. 744

فالمعتزلة بنوا على أصلهم في وجوب الأصلح، فما لم يكن له بدل، لا يكون النسخ من باب الأصلح في الدين (١). وأصحاب الحديث تعاقوا (٢) ظاهر النص, وهو حجة المعتزلة أيضاً، وهو قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٣). وبعضهم (٤) قالوا: الخير أن يكون أخف على العبد، لما عرف مصلحته في ذلك. وبعضهم قالوا: الخير أن يكون أشق، حتى يكون الثواب فيه أكثر. ولكن الصحيح قول العامة بدلالة النصوص، والمعقول: -[أما النصوص فقد، قال الله تعالى: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ (٥) [فـ] في (٦) تقديم الصدقة على النجوى صار منسوخاً من غير بدل. وكذا نكاح الأخ للأخت (٧) في زمن آدم ﵇ مشروع (٨). وكذا الجمع بين الأختين في زمن بعض الأنبياء ﵈ حلال. وشرب الخمر [كان] كذلك (٩) في ابتداء الإسلام، ثم صار حرامًا من غير بدل. وفرار الواحد من العشرة في العشرة في الجهاد كان

стр. 745

حرامًا ثم صار منسوخاً ببدل هو أخف منه، وهو فرار الواحد من الاثنين. والصفح عن الكفار وتحمل أذاهم هو الواجب في الابتداء ثم نسخ بالقتال، وهو (١) أشق. وصوم عاشوراء صار منسوخًا بصوم له شهر (٢) رمضان، وهو أشق - فدل أن كل ذلك جائز. - وأما المعقول: وهو أن النسخ هو انتهاء الحكم الشرعي المطاق، وقد تحقق، وإن كان بغير بدل. ولأن البدل يكون قائمًا مقام الأصل، فيصير قائمًا تقديراً، فلا يثبت الانتهاء والارتفاع من حيث المعنى، فكان ما قاله العامة أقرب إلى حقيقة النسخ، فيكون أحق. - فأما قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٣) [فـ]، لا حجة فيه، فإن المراد منه بعض ما يتناوله (٤) النص دون الكل، كما ذكرنا من تقديم الصدقة على النجوى ونحوها. وبه نقول: إن البعض كذلك. على أن في (٥) النص بيان أنه لم يفعل النسخ إلا كذلك. أما ليس فيه نفي الجواز، والكلام في الجواز لا في الوجود. ثم تأويل الآية أن المراد من المثل والخير (٦)، في حق الثواب للعبد وفي حق الرخصة، فإن في حال الرخصة يثاب العبد ثواب العزيمة، بفضل الله تعالى وكرمه - والله أعلم. ومنها - أن يكون الناسخ متراخياً. وفي التخصيص اختلاف، على ما ذكرنا - فلا نعيده (٧).

стр. 746

[٧ و ٨] فصل في بيان: الناسخ والمسوخ، وبيان أقسامهما فنقول: الناسخ في الحقيقة هو الله تعالى؛ لأنه هو المثبت الحكم الثاني، والمنهي للأول، بقوله الدال عليه, وبما أنزل من القرآن الدال على كلامه. وقد يذكر ويراد به الحكم الثاني - قال (١) النبي (٢) ﷺ : "نسخ صوم شهر (٣) رمضان كل صوم قبله، ونسخت الأضحية كل دم قبلها". وقد يقع على المعتقد للانساخ (٤)، وهو صاحب المذهب - يقال: إن أبيا حنيفة رحمة الله عليه نسخ الكتاب بالسنة، والسنة بالكتاب - أي اعتقد جواز النسخ بذلك. وقد يقع على الدليل الذي يعرف به النسخ - يقال: هذه الآية ناسخة لتلك. وأما المنسوخ - فهو اسم للحكم الأول الذي انتهى بالثاني. وقد يسمى الدليل الأول منسوخًا. وأما أقسام الناسخ: أعني الدليل الذي به يعرف (٥) النسخ. فالكتاب ناسخ للكتاب، والسنة المتواترة للسنة المتواترة، والكتاب للمتواتر، والمتواتر للكتاب، وخبر الواحد لخبر الواحد. وفي الحاصل ينسخ (٦) الشيء بمثله. إلا أن نسخ الإجماع لا يتحقق, لأنه لا إجماع في زمن النبي ﷺ . وإنما الإجماع يكون بعده، ولا نسخ بعد وفاته ﷺ (٧). وكذا نسخ القياس: لا يجوز،

стр. 747

لا بالقياس ولا بدليل فوقه، لما ذكرنا أن النسخ (١) انتهاء الحكم الشرعي. وبالدليل المعارض يتبين أن ذلك القياس لا يصح إذا كان فوقه، وإذا كان مثله لا يبطل حكم الأول، ويعمل المجتهد بالثاني، إذا ترجح عنده - على ما مر. وهذا الذي ذكرنا قول عامة أهل الأصول والفقهاء، إلا ما روي عن بعض أصحاب الشافعي، ونسبوه إليه: أن نسخ الكتاب بالسنة، والسنة بالكتاب، لا يجوز. وأهل (٢) التحقيق من أصحابه يقولون: إن قوله مثل قول العامة. ودللالة ما قلنا: السمع، والعقل: - أما السمِع: فإن وجوب التوجه إلى بيت المقدس عرف بالسنة، فإنه ﵇ لم يكن متعبداً بشريعة (٣) من قبلنا، على ما ذكرنا. ثم صار منسوخًا بالتوجه (٤) إلى الكعبة بالكتاب (٥). وكذا وجوب (٦) صوم عاشوراء: ثبت (٧) بالسنة، ثم صار منسوخًا بصوم شهر (٨) رمضان بالكتاب. وكذا (٩) الوصية للوالدون: ثبتت شرعيتها بالكتاب بقوله تعالى: "الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف - الآية" (١٠): ثم ثبت نسخها بالسنة وهي قوله ﷺ (١١): "لا وصية لوارث".

стр. 748

- وأما المعقول: وهو أن الناسخ في الحقيقة من هو الله تعالى، فإنه المثبت للأحكام والنافي، والرسول ﷺ هو المخبر عن الله تعالى ذلك (١) كله، وهو صادق في خبره، فيجب (٢) أن يقبل خبره، فإنا عرفنا الكتاب, كتاب الله تعالى، بخبره، إلا أن الكتاب وحي متلو, لكونه منظوماً بنظم خاص. فيكون خبره بالوحي المتلو تارة، وبالوحي غير المتلو أخرى، وهو ما سمعه من جبريل وغيره من الملائكة ﵈. ثم قوله (٣) وخبره حجة في نسخ الكتاب بالكتاب، فكذا في نسخ الكتاب بالسنة، والسنة بالكتاب. ثم يقال للمنكر (٤): إذا أخبر النبي ﷺ أن الله تعالى نسخ حكم كذا ولم يتل القرآن - أيقبل خبره أم لا؟ فإن (٥) قال: لا يقبل، فقد انسلخ عن الدين. وإن قال: يقبل، فقد ترك مذهبه - إذ هو (٦) تفسير جواز نسخ الكتاب بالسنة. - فإن تعلقوا بقوله تعالى: "ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها" (٧) أضاف إلى نفسه، فنقول - إذا كان الرسول ﷺ يعبر عن الله تعالى ويخبر عنه، فيكون الآتي (٨) هو الله تعالى، على ما مر. وأما أقسام المنسوخ - فهو أنواع: [الأول]- نسخ الدليل الذي ثبت (٩) به الحكم الأول.

стр. 749

و [الثاني]- نسخ الشرط الذي تعلق به الحكم الأول. و [الثالث]- نسخ نفس الحاكم الأولى. وهو أنواع: نسخ كل الحكم. ونسخ بعض الحكم. والزيادة على الحكم الأول. والنقصان عنه أيضًا. أما [الأول]: نسخ الدليل - فهو على ضربين. وحي متلو بنظم خاص، وهو الكتاب. والثاني وحي غير متلو، وهو خبر الرسول ﷺ (١). - أما نسخ الكتاب فهو أنو اع: نسخ التلاوة والحكم جميعاً، ونسخ التلاوة دون الحكم، ونسخ الحكم دون التلاوة. • أما نسخ التلاوة والحكم: فجائز عقلا، وهو وارد شرعًا. أما الجواز - فإن نسخ التلاوة، و (٢) هو صرف القلوب عن حفظ القرآن الدال على كلام الله تعالى، فجائز أن ينتهي الحكم لانتهاء المصلحة وتنسى التلاوة. أما عين كلام الله تعالى: فلا (٣) يتصور عليها النسخ، فإنه قديم - قال الله تعالى: "سنقرئك فلا تنسى. إلا ما شاء الله" (٤) ولكن هذا في حال جواز النسخ، وهو حال حياة الرسول ﷺ . فأما (٥) بعد وفاته ﷺ (٦) فلا، لأن الله تعالى أخبر أنه هو الحافظ لهذا (٧) القرآن، بقوله تعالى (٨): "إنا نحن تزلنا الذكر وإنا له لحافظون" (٩) أي نحفظه منزلا لا يلحقه

стр. 750

تغيير ولا (١) تبديل، صيانة للدين الحق إلى آخر الدهر. وذلك مثل صحف إبراهيم ﵇، فإنه (٢) لم يبق بين الناس وصار منسوخاً حكماً وتلاوة: وكما روى أصحاب الشافعي أن مما يتلى في كتاب الله تعالى: "عشر رضعات يحرمن" نسخن بـ "خمس رضعات يحرمن". وهذا عندهم من نسخ التلاوة دون الحكم, لأنه قد بقي. وأما عندنا [فـ] لم يبق تلاوته ولا حكمه (٣). • وأما نسخ الحكم دون التلاوة، فكثير: فإن عدة الوفاة بالتربص حولاً صار منسوخاً مع بقاء التلاوة (٤). وإمساك الزواني في البيوت (٥)، والإيذاء باللسان (٦): كان حداً، ثم صار منسوخًا وبقيت التلاوة، ونحو ذلك. • وأما نسخ التلاوة دون الحكم: فهو (٧) أن الرجم كان مشروعاً بكتاب الله تعالى ثم نسخت تلاوته وبقي حكمه، على ما روي عن عمر ﵁ أنه قال: "إن مما يتلى في كتاب الله تعالى: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله، والله عزيز حكيم". وفي رواية عن عمر ﵁ أنه قال: لولا أن الناس يقولون إن عمر زاد على كتاب الله تعالى، لكتبت على حاشية المصحف: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله" (٨). إلا أن الله تعالى صرف قلوب الناس عن حفظه، سوى عمر ﵁، ولا يكون إلا لحكمة بالغة لا نقف عليها.

стр. 751

وهذا قول عامة الفقهاء. وقال بعضهم: لا يجوز في هذين الفصلين, لأن المقصود الأصلي من إنزال القرآن هو الحكم الذي تعلق به، فإذا انتسخ الحكم فلا فائدة في بقاء التلاوة. وإذا انتسخت التلاوة، والحكم ثبت بها، فلا يبقى بدونها. ولكنا نقول: - قد قام الله إن السمعي على الأمرين جميعًا، وهو غير محال في العقل، فيجب القول به: - قولكم: لا فائدة في بقاء التلاوة - فنقول (١): هذا إنما يستقيم لو كانت الفائدة (٢) مقصورة على الحكم المتعلق به، بل له فائدة (٣)، وهو كونه وإلا على كلام الله، في كونه معجزًا ودليلا على (٤) الرسالة وتعلق جواز الصلاة به - ألا ترى أن إنزال المتشابه جائز، وليس فيه فائدة، إلا ما ذكرنا. وأما [الثاني]- نسخ الشرط: فإن (٥) التوجه إلى بيت المقدس كان شرط جواز الصلاة ثم صار منسوخاً، وأمر بالتوجه إلى الكعبة، ولو لم يأمر بالتوجه، جاز التوجه إلى كل جانب، ولكن نسخه هل يكون نسخاً للحكم؟ فيه اختلف (٦) المشايخ، كما في إثبات زيادة شرط متأخر:

стр. 752

فعند بعضهم نسخ؛ لأن الحكم انتفاء جواز الصلاة بدوا وانتفاء كل حكم، بعد ورود الشرع، حكم شرعي، وقد تبدل هذا بالجواز من غير شرط. وقال بعضهم: إن الحكم هو جواز الصلاة مع الطهارة، وبعد انتساخ الشرط (١) بقي الجواز، فلم ينته الحكم الأول - على ما نذكر. وأما [الثالث]- نسخ الحكم: - فنسخ كل الحكم كثير. - وأما نسخ بعض الحكم، فهو (٢) كالجمع بين الرجم والجلد (٣)، في حق الزاني في ابتداء الإسلام، ثم نسخ الجلد وبقي الرجم. - وأما الزيادة على الحكم الثابت بالنص، فنقول إنها أنواع: أحدها - أن يكون حكمًا ثابتًا وله سبب معلوم، ثم ثبت حكم آخر (٤) بسبب آخر بالنص، نحو: وجوب صوم شهر رمضان بعد وجوب الصلوات الخمس، ووجوب الزكاة بعد وجوب (٥) صوم رمضان. والثاني - أن يرد النص لإثبات حكم آخر بعين السبب الذي ثبت به (٦) الحكم الأول، نحو: وجوب التغريب بعد وجوب الجلد في البكر على زعم أصحاب الشافعي ﵀. ونحو وجوب تحرير رقبة مؤمنة في كفارة القتل بعد وجوب تحرير رقبة مطلقة في كفارة اليمين والظهار.

стр. 753

و [كما] لو جاء النص (١) بزيادة عشرين سوطًا على الثمانين في حد القذف (٢). والثالث - أن يرد النص بزيادة في نفس العبارة متصلة بها, كزيادة ركعة على ركعتي الفجر، أو زيادة ركعة على ثلاث ركعات المغرب. أو يرد النص بزيادة شرط الطهارة عن الحدث (٢) والجنابة في باب الصوم، ونحو ذلك. ثم أجمع العلماء أنهما (٣) لو وردا (٤) بطريق القران، لا يكون (٥) نسخاً، فلا يكون من باب الزيادة. كما ورد (٦) في حد القذف الجلد (٧) ورد الشهادة، فإن رد الشهادة ليس بزيادة ولا نسخ له للقران (٨). وكذا إذا وردا متعاقبين، وبينهما زمان، لا يصلح للنسخ (٩). فأما إذا وردا كل متعاقبين تعاقباً يجوز القول بالتناسخ في ذلك القدر من الزمان -[فقد] اختلفوا (١٠) فيه:

стр. 754

قال أصحاب الحديث، وهو قول الشافعي: إن هذه الزيادة لا تكون نسخاً، بل تكون بيانًا: أن المراد منه البعض أو المقيد من الأصل - وبه قال الجبائي (١) وابنه أبو هاشم (٢) من المعتزلة. وقال شيخنا أبو منصور الماتريدي ﵀: إنه يجوز أن يكون بطريق البيان، ويجوز بطريق النسخ، فلا (٣) يحمل على أحدهما إلا بدليل - على ما ذكرنا. واختلف مشايخ العراق: فقال عامة مشايخ العراق بأن الزيادة في هذه الفصول كلها، يكون نسخاً، إلا في وجوب عبادة بعد وجوب عبادة، كوجوب الصوم بعد وجوب الصلاة ونحو ذلك. وقال الكرخي وجماعة منهم: إن كانت الزيادة مغيرة للحكم الأول المزيد عليه، كانت نسخًا. فإن لم تكن مغيرة للحكم الأول (٤)، لا يكون نسخًا، كزيادة التغريب إذا كانت متأخرة: يوجب تغيير (٥) حكم الأول في المستقبل من الكل إلى البعض. وقالوا: الزيادة التي لا تنفك عن المزيد عليه لا يكون نسخًا، فإن الله تعالى أوجب ستر الفخذ، ويكون ذلك إيجاب ستر بعض الركبة، ولا يكون وجوب ستر بعض الركبة نسخًا لوجوب ستر كل الفخذ؛ لأن ستر الفخذ لا يتصور بدون ستر

стр. 755

بعض الر كبة، فلا يكون بعض الزيادة مغيراً حكم (١) الأول في المستقبل، بل يكون مقرراً (٢). وقال بعضهم: إن كانت الزيادة (٣) تغيير المزيد عليه تغييرًا شرعيًا، كزيادة ركعة على ركعتي الفجر. وكذا كل شرط زيد متصلا بالعبادة، دون المنفصل. وإن كانت الزيادة تغير المزيد عليه حكمًا عقليًا لا حكمًا (٤) شرعيًا لا يكون نسخاً، كزيادة التغريب: فإن حكم النص الموجب للجلد,. وجوب الجلد غير متعرض لنفي (٥) التغريب، ولا لإثباته، ولكن انتفاء التغريب حكم أصلي لا شرعي، فإن الأصل هو عدم الوجوب: عرف بالعقل، فإن الأحكام الشرعية لا تعرف إلا بالشرع، فقبل ورود الشرع، يعرف بالعقل انتفاؤه، فيكون حكماً عقلياً لا شرعيًا. أما أصحاب الحديث، وكل من قال إن الزيادة على النص ليس بنسخ (٦)، [فقد] احتجوا في المسألة من وجوه ثلاثة: أحدها - أنهم بنوا على أصلهم؛ أن العام لا يوجب العلم قطعاً في كل فرد من أفراده، بل يجوز أن وذكر العام ويراد به البعض. وكذا يجوز أن يذكر المطلق ويراد به المقيد، فإذا كاان ظاهر النص (٧) المزيد عليه، أنه أريد به الكل، فإذا جاء نص آخر بحكم آخر زيادة عليه، ظهر أن المراد من

стр. 756

الأول البعض دون الكل من الأصل. وكذا إذا جاء النص المقيد تبين أن المراد من المطلق هو المقيد من الابتداء، فيكون الزيادة بياناً لا نسخًا. والثاني - وهو أن ما هو حد النسخ في الشرع لم يتحقق، وهو انتهاء الحكم الأول كله أو بعضه، فإن الحكم الأول هو وجوب الجلد، وبعد وجوب التغريب بقي ذلك واجباً، لكن زيد عليه شيء آخر, بمنزلة وجوب عبادة بعد وجوب عبادة: لا يكون نسخًا الأول لما ذكر من المعنى - كذا هذا (١). والثالث - وهو أن النسخ أمر ضروري، لأن الأصل في أحكام الشرع هو البقاء, والقول بالتخصيص والتقييد تغيير (٢) الكلام (٣) من الحقيقة إلى المجاز، ومن الظاهر إلى خلافه، وضعاً، مع أنه هو المتعارف في اللغة فكان الحمل على ما ذكرنا أحق عند التعارض (٤). وجه قول مشايخ العراق، وهو أن ما هو حد النسخ لغة وشرعًا موجود ها هنا، كما في نسخ الحكم صريحًا، فإن النسخ هو الإزالة ولرفع لغة، وفي عرف الشرع هو انتهاء الحكم الأول وقد وجد، فإن الحكم الأول هو وجوب الجلد وحده (٥) حدًا، حتى يخرج الإمام عن عهدة إقامة الحد، وبعد ما زيد عليه التغريب لا يكون الجلد وحده حداً، وبقي الإمام تحت عهدة التكليف بعد، فلا يبقى حداً فينتهي حكم النص الأول، ولأن الجلد كل الحد وكل الجزاء، والآن صار بعضاً، وبعض الحد ليس بحد، كبعض المطهر ليس بمطهر (٦)، حتى لا يحرم التيمم كوجود (٧) كله.

стр. 757

يبقى قولهم: إن وجوب الجلد باق - فبلى (١)، و (٢) لكن لا حداً بل بعض الحد. ولا يقال: إن الكلية والبعضية ليست (٣) بحكم شرعي فنقول: حكم الشرع ما لا يثبت إلا بالشرع, وتقدير الحد لا يعرف إلا بالشرع، فكان شرعيًا. وما قالوا: إنه يمكن تخريجه بطريق البيان، فعند الخصم لا يمكن، على ما مر. قولهم: إن النسخ أمر ضروري، فالعمل بالمجاز أولى، فنقول: ذاك فيما لم يعرف له التاريخ فأما ما يعرف له التاريخ فلا. على أن التغريب يكون من جملة الحد عندهم. ففي الحمل على المجاز إثبات الحد بالقياس وخبر الواحد، وإنه لا يجوز. ولأن الجلد متى كان واجبًا ثم جاء نص التغريب متراخيًا، وكان (٤) النبي ﵇ ساكتًا عن حكم التغريب حال وجوب الجلد (٥)، والسكوت عند الحاجة إلى إلبيان بيان، فصار وجوب انتفاء (٦) التغريب شرعيًا, بدلالة السكوت، فإذا جاء خبر الواحد متراخيًا (٧) بإيجاب التغريب كان نسخاً لحكم شرعي، وهو وجوب انتفاء التغريب لسكوته دلالة. ولو أمر صاحب الشرع نصاً، فقال (٨): اجالدوا ولا تغربوا , أو (٩) عرف ذلك قطعاً (١٠)، فإذا جاء خبر الواحد في إيجاب التغريب أليس يكون نسخًا؟ فكذا هذا، وهذا ظاهر.

стр. 758

- وأما النقصان عن العبادة، إما ركنًا منها أو شرطًا, [فـ] لا شك أنه يكون نسخًا لذلك الساقط. ولكن هل يكون نسخًا لأصل العبادة؟ على قول الكرخي يكون. وعلى قول بعض مشايخ العراق لا يكون - لما مر. وفي المسألة إشكالات تعرف في الشرح أو في مسائل الخلاف إن شاء الله تعالى. فصل في الترجيح الكلام فيه في خمسة (١) مواضع: في بيان الترجيح لغة. وفي بيانه في عرف لسان الشرع. وفي بيان محله. وفي بيان ما يقع به الترجيح (٢). وفي بيان حكم الترجيحين عند التعارض. [١] أما الترجيح في اللغة فعبارة عن زيادة لا يسقط بها التعارض حقيقة. مأخوذ من رجحان الميزان، فإنه إذا مالت (٣) إحدى الكفتين مع قيام المعارضة، بأن كان في إحدى الكفاتين عشرة وفي الأخرى عشرة ونصف دانق (٤) أو دانق ونحو ذلك (٥)، يقال: رجح الميزان وترجح. قال النبي ﷺ للوزان: "زن وارجح".

стр. 759

فأما إذا كانت الزيادة كثيرة، بحيث (١) يبطل التعارض , بأن كان في إحدى الكفتين عشرة وفي الأخرى خمسة أو ستة أو نحوها (٢) [فـ] لا يقال: رجح الميزان. [٢] وأما في عرف الشرع فمأخوذ (٣) من عرف اللغة. وهو أن يكون لأحد الدليلين زيادة قوة، مع قيام التعارض ظاهرًا. فأما إذا كان أحدهما مرجوحًا (٤)، [بحيث] لا يكون حجة في مقابلة الآخر, لا يقال ترجح أحد الدليلين، كالكتاب والمتواتر مع خبر الواحد والقياس. [٣ و ٤] وأما محل الترجيح، ويندرج تحته بيان ما يقع به الترجيح (٥) فهو موضع الظن وعلم غالب الرأي، دون موضع العلم قطعًا, لأن العلم القطعي لا يحتمل التزايد، فلا يتصور فيه الرجحان. فأما الظن والدليل المحتمل [فـ] يتصور فيه أن يكون أحدى الظنين له زيادة قوة على الآخر، ويكون الاحتمال فيه أقل، كخبر الواحد مع القياس، فيجري فيه الترجيح بوجوه تكون مؤترة في قوة الظن وغلبة الرأي. وذلك ثلاثة أنواع (٦). أحدها (٧) - ظواهر النصوص، من الكتاب والسنة المتواترة.

стр. 760

والثاني - أخبار الآحاد. والثالث - القياس. أما ظواهر النصوص: [فـ] لا تقبل الترجيح من حيث الثبوت، فإن ثبوتها بطريق القطع، و (١) هو التواتر. وكذا إذا ثبت، بالإجماع، أن حكمها ثابت قطعًا. ولكن إذا كان محتملا، بأن كان عامًا يحتمل الخصوص، أو خاصاً يحتمل المجاز - فإنه يقبل الترجيج، من حيث القوة من وجه آخر، في حق العمل، بأن كان أحدهما محرمًا ولآخر مبيحاً، فالمحرم أولى بطريق الاحتياط (٢) , لأن الحرام واجب الترك، والمباح جائز الإتيان، فكان العمل بالمحرم أولى. وكذلك (٣) جواب المعتزلة - إلا أن طريقهم (٤) مختلف: فإنهم يقولون إن الإباحة أصل والحظر عارض، فكان العمل بالحاظر أولى، تقليلا للنسخ. ولكن عندنا هذا التعليل فاسد، لأن عندنا (٥) ليس الأصل هو الحظر ولا الإباحة، فإن العقل لا حظ له الأحكام الشرعية، على ما مر. وكذا (٦) إذا كان أحدهما موافقًا لقياس الأصول، والآخر مخالفاً، فالعمل بالموافق أولى. ويدل ذلك على أنه متأخر, لأن دلائل الشرع لا تتناقض.

стр. 761

وأما أخبار الآحاد: إذا ورد خبران واستويا في عدالة الراوي، ونحو ذلك مما هو شرط قبول خبرا الواحد، فإنه يترجح (١) أحدهما، بأنواع من الترجيح, لأنه موضع الظن والاحتمال. فإذا اختص أحدهما بوجه, من وجوه، يوجب قوة الظن، كان أولى. لكن بعضها صحيح بالإجماع، وبعضها, مختلف فيه، وبعضها فاسد. أما الصحيح: - فمنها ما ذكرنا من الوجهين في المتواتر. - ومنها ما (٢) يرجع إلى متن الحديث، بأن كان فيه نوع اضطراب وخطأ في اللغة، والآخر بخلافه, لأنه كان أفصح العرب, فالظاهر أن ذلك غلط من (٣) الراوي. - ومن هذا القبيل أن يكون مخالفًا لدليل فوقه (٤). وبعض مشايخنا قالوا: إن شرط قبول خبر الواحد أن لا يخالف دليلا فوقه، ولا (٥) يكون هذا من باب الترجيح, لأن الحكم يضاف إلى لدليل الأقوى، لا إلى الخبر الذي يوافقه, وهو دونه. وعامة المشايخ قالوا: يصح الترجيح به. وصورته: أن المجيب لو (٦) تعلق بخبر الواحد، مع أن له دليلا أقوى منه، فعارضه السائل. بخبر الواحد، فرجح (٧) المجيب خبره (٨)،

стр. 762

لأنه عاضده الكتاب, لأنه تبين أن حكم خبره ثابت قطعًا، وإن كان في كون اللفظ منقولا عن النبي ﷺ احتمال. وفي المسألة إذا كان كتاب وخبر متواتر (١) وخبر واحد (٢) وقياس - فالحكم يضاف إلى الكل لا إلى الأقوى, لأنه يجوز أن يثبت الحكم بلائل، فصح الترجيح به. على أن الخبر الذي يخالف دليلا فوقه لا يصلح معارضًا للذي لا يخالف، فسقط اعتباره [وبقي] (٣) التعلق بالحيث صحيحًا, لأن هذا يرجح عليه, من حيث إنه عاضده الدليل الأقوى (٤). - ومنها ما (٥) يرجع إلى الرواة، بأن كان أحد الراويين فقيها دون الآخر, لأن حفظ الألفاظ بأعينها أمر عسير، والطباع مجبولة على القياس وطلب المعنى, فيجوز أن ينقل بالمعنى لما كان عنده أن مراد النبي ﷺ هذا كان اجتهاد الفقيه, في (٦) نقل اللفظ بالمعنى، أولى. - ومنها الرواية ممن عرف الضبط والإتقان أولى فيما لا يعقل فيه المعنى، أو كان الراويات غير معروفين بالفقه, لأن النسيان والغلط أمر ظاهر في الإنسان، فمن كان له زيادة الضبط والإتقان، وكان (٧) معروفًا بالحفظ, أولى. وأما (٨) ما اختلف العلماء في الترجيح به، فأنواع (٩): - فمن ذلك أنه هل يترجح بكثرة الرواة؟ فيه اختلاف: عند أصحاب الشافعي ﵀: يترجح.

стр. 763

وهو قول بعض أصحابنا, لأنه يتقوى به ظن الصدق (١)، فإن الظن بصدق خبر الاثنين أقوى، ولهذا يترجح خبر الاثنين في طهارة الماء ونجاسته على خبر الواحد. ولكن عامة مشايخنا قالوا: إنه (٢) لا يترجح, لأنه يحتمل أن الخبر الذي رواته أقل كان متأخراً، فيكون (٣) ناسخاً لذلك، وهذا المعنى لا يرتفع بكثرة الرواة. ولأن عمل السلف ما قلنا فإنهم (٤) لا يرجحون بكثرة الرواة. - وكذا اختلف (٥) المشايخ في الخبرين، إذا كان أحدهما مثبتاً والآخر نافيًا: عن الكرخي أن المثبت أولى. وعن عيسى بن أبان رحمة الله عليه أنهما يتعارضان، فيرجح بطريق آخر. وجواب أصحابنا المتقدمين وعملهم (٦) مختلف في هذه المسألة: • فقد روي أن بريرة (٧) أعتقت وزوجها حر، وهذا مثبت. وقد (٨) روي أنها أعتقت وزوجها عبد، وهذا مبق (٩) على الأمر الأول وهو الرق - وعملوا بالمثبت.

стр. 764

• وروي عن النبي ﷺ أنه تزوج ميمونة وهو حلال بسرف (١). وروي أنه ززوجها وهو محرم. والمراد من الحل ها هنا (٢) هو الحل العارض على الإحرام وهو مثبت. ثم أصحابنا ﵀ أخذوا بالنافي. • وروي عن النبي ﷺ أنه رد زينب على زوجها بنكاح جديد. وروي أنه ردها بالنكاح الأول. وعملوا بالمثبت وهو النكاح الجديد (٣). وذكر في كتاب التزكية في الجرح والتعديل, إذا تعارضا، أن الجرح أولى، وهو المثبت. وذكر في كتاب الاستحسان: إذا أخبر رجل في طعام أو شراب بالحل وأخبر آخر (٤) بالحرمة، أو أحدهما بالطهارة والآخر بالنجاسة، وهما عدلان - أن الخبر عن الطهارة والحل أولى (٥)، وهذا مبق (٦)، والآخر مثبت. ثم بعض مشايخنا خرج هذه الفصول على وجه ليس فيه شبهة التناقض، وقال إنّ النفي على أنواع ثلاثة: نفي يعرف بدليله، ونفي لا يعرف بالدليل ولكن من حيث الظاهر، ونفي يشتبه حاله. أما الأول -[فـ] كقول (٧) النبي ﷺ : "ليس في الخضروات (٨) صدقة" وروي: "في الخضروات صدقة"، وكل (٩) واحد منهما ثبت (١٠) بالنص،

стр. 765

فلا يترجح المثبت, ولكن يصار إلى نوع آخر من الترجيح. وعلى هذا قالوا: في طهارة الماء ونجاسته، لأنه يمكن الوقوف على كل واحد، كل منها حقيقة. وكذلك في حل الذبيحة والحرمة. وحل الشراب وحرمته - فلم يترجح الخبر المثبت للنجاسة والحرمة بل تعارضا، فيرجح (١) بما هو الأصل: وهو الطهارة والحل في الذبيحة (٢) والطعام، واستصحاب الحال لا يصلح حجة موجبة، فيصلح مرجحًا. وعلى هذا القسم يحمل (٣) قول عيسى بن أبان ﵀، وينبغي أن لا يخالفه فيه الكرخي ﵀. وأما الثاني - الذي يعرف [فيه] النفي من حيث الظاهر، والإثبات من حيث الحقيقة. كما روي أنه أخذ الزكاة من الحلي , وروي أنه كان لا يأخذ الزكاة من الحلي، [فـ] يحمل على الإثبات (٤) لأن الأخذ فعل حسي، ؤأما الأمتناع عن الأخذ, [فـ] قد يكون بناء على الأصل، فكان المثبت أولى. وعلى هذا الجرح، والتزكية: إن الجرح أولى, لأن الجارح اعتمد حقيقة الحال , والمزكي اعتمد ظاهر الحال. أو (٥) يحتمل ذلك، فكان اعتبار الحقيقة أولى. وعلى هذا يحمل قول الكرخي ﵀، وينبغي أن لا يخالفه عيسى بن أبان (٦) في هذا الفصل أيضًا. وأما (٧) الثالث - الذي يشتبه فيه حال النفي، أنه عرف بدليله أو بظاهر الحال: يجب التأمل في حال المخبر، والسؤال عنه: فإن ثبت أنه بنى على الظاهر، لم يقبل خبره. وإن وقف أنه أخبر، عن دليل المعرفة يقبل خبره،

стр. 766

ويكون بمنزلة المثبت بالدليل. فحديث نكاح ميمونة من النوع الذي عرف بدليله , لأن قيام الإحرام يدل عليه أحوال ظاهرة من المحرم، فصار مثل الإثبات، فوجب المصير إلى ترجيح آخر، وهو فقه الراوي وضبطه وإتقانه، وهو عبد الله بن عباس ﵄، فيكون أولى عن رواية يزيد بن الأصم (١)، فإنه لا يساويه في ذلك. وأما حديث بريرة (٢) وزينب (٣) - فمن (٤) النوع الذي لا يعرف إلا بظاهر. الحال، فصار الإثبات أولى. وبهذا الطريق ارتفع الخلاف والتناقض عن مسائل أصحابنا ﵏. - ومنها، أن أحدهما يوجب درء الحدود والقصاص، والآخر بثبت. - ومنها، أن أحدهما يوجب فساد العبادة (٥)، والآخر يوجب الجواز. - ومنها، أن أحدهما يوجب بقاء الواجب، والآخر يوجب السقوط. فما فيه الاحتياط أولى (٦). وأما الترجيح بما (٧) لا يصلح مرجحاً فكثير - من ذلك: الترجيح والذكورة، والحرية، وكون الراوي بصيرًا، وكونه عالمًا بأسماء الرواة والتواريخ ونحو ذلك: فإنه ثبت قبول خبر الأعمى، وقبول خبر النساء، والعبيد، في رواية الأخبار، من السلف، ونحو ذلك.

стр. 767

وأما القياس - فنقول: القياسان إذا تعارضا، فيرجح بأنواع من الترجيح الصحيح. وفي بعضها اختلاف. وفي بعضها اتفاق على الفساد. أما الصحيح: -[منها] , أن يكون أحدهما في التأثير أقوى، مع كونهما مؤثرين في الجملة. فأما (١) إذا لم يكن أحدهما مؤثراً، فلا (٢) يكون حجة. ولهذا عمل أصحابنا بالقياس مرة، وبالاستحسان أخرى، ونظروا إلى قوة الأثر، لا (٣) إلى ظاهر القياس والاستحسان (٤). - ومنها، أن يكون أحد القياسين موجبًا للحرمة، والآخر موجبًا (٥) للحل، فالمحرم أولى احتياطًا. وكذا إذا كان أحدهما يوجب جواز العبادة (٦)، والآخر يوجب الفساد، فالوجب للفساد أولى احتياطًا. وكذا (٧) إذا كان أحدهما مبقيًا للواجب، والآخر مسقطًا، وحقوق الله تعالى، فالمبقي (٨) أولى. بخلاف حقوق العباد، فإن صيانة كلا الحقين واجب. - ومنها، أن يكون أحدهما مثبتاً، والآخر نافيًا - على الوجوه التي ذكرنا في الأخبار (٩).

стр. 768

وأما المختلف فيه: - وهو أن يكون أحدهما مستنبطًا من الكتاب أو (١) المتواتر، والآخر من خبر الواحد الذي تلقاه العلماء بالقبول (٢): فعند القاضي الإمام أبي زيد ﵀: الأول أولى. وعندنا: هما سواء، فيصار إلى الترجيح من من جوه أخر. وهذا بناء على أن الإجماع المبني على خبر الواحد، دون الإجماع المبني على التواتر والكتاب، عنده. وعندنا: هما (٣) سواء، على ما مر. - ومنها، أن العلة التي هي وصف واحد أولى من العلة التي هي ذات وصفين أو أوصاف. وعند [نا]: هما سواء - على ما مر (٤). ومنها، كثرة الأصول. عند بعضهم: القياس الذي يصح استنباطه من الأصول أولى من القياس الذي لا يستنبط إلا من أصل واحد. وقال بعضهم: لا يترجح، على ما ذكرنا في الأخبار (٥) من كثرة الرواة إذا استويا في الأثر. - ومنها، أن يكون أحدهما منعكساً دون الآخر و (٦) ذكر القاضي أبو زيد ﵀: أنه أولى.

стр. 769

وقال عامة المتأخرين: إن العكس في الشرعيات (١) لا عبرة به، فكان وجوده وعدمه سواء. وتفسير العكس أن ينعدم الحاكم عند عدمه، وهو شرط في العلل العقلية. وأما الذي لا يصلح للترجيح فوجوه: - أحدها، الترجيح بكثرة الأشباه، كما قال الشافعي ﵀ فيمن ملك أخاه: إنه لا يعتق عليه , [إذ] قرابة (٢) الأخوة أشبه بقرابة العمومة، من قرابة الولاد، في الأحكام، على ما عرف. - ومنها، ما قال الشافعي ﵀ في علة الربا إن الطعم أولى, لأنه أعم، حيث يوجد في القليل والكثير، والكيل لا يوجد في القليل. وهو (٣) فاسد, لأن هذا اعتبار (٤) الصورة، وهو (٥) على أصله لازم: فإن عنده الخاص أولى من العام، في الكتاب والسنة، والقياس فرعهما (٦)، فكيف خالف الفرع الأصل , فيكون العام فيه أولى من الخاص؟ - ومنها, ما قال في هذه المسألة أيضًا: إن الطعم وصف لازم، فإنه (٧) يوجد في كل مطعوم، والكيل لا يدخل في كل مطعوم. وهو فاسد، لأن العبرة للأثر في العلل.

стр. 770

[٥] وأما حكم تعارض الترجيحين [فـ] أن ينظر إليهما: - فإن كان أحدهما يرجع إلى الذات والآخر إلى الحال، فما يرجع إلى الذات أولى لوجهين: أحدهما - أن الحال تبع للذات (١)، فلو اعتبر مرجحاً لصار التبع مبطلا للأصل، وهو فاسد. و (٢) [الثاني] لأن الذات أسبق من الحال، فصار بمنزلة الاجتهاد الذي أمضى حكمه: لا يبطل باجتهاد حادث، على ما مر. - فأما إذا استويا من حيث الذات: فحينئذ يرجح (٣) بالحال. بيان ذلك: • أن ابن الأخ لأب وأم أو لأب أولى بالتعصيب من العم، لرجحان في ذات القرابة، وللعم رجحان باعتبار الحال وهو القرب (٤). • وعلى هذا ابن الأخ لأب أول من ابن ابن (٥) الأخ لأب وأم، لرجحانه (٦) من حيث الذات، فلا (٧) يعتبر الحال. وبمثله: الأخ لأب وأم أولى من الأخ لأب. وكذا ابن الأخ لأب وأم أولى من ابن الأخ لأب, لأنه ترجح (٨) باعتبار الحال بعد تساويهما من حيث الذات. وعلى هذا مسائل أصحابنا ﵏ والله أعلم.

стр. 771

فصل في أهليّة الأحكام، وكيفيّة تعلقها بالأسباب وبيان أعيان (١) الأسباب [١] ذكر القاضي الإمام أبو زيد ﵀ وقال: الأهلية (٢) نوعان: أهلية الوجوب، وأهلية الأداء. فأهلية الوجوب - بكونه أدميًا حيًا، له ذمة، وهو العهد مع الله تعالى في قبول تحمل الأمانات والحقوق المشروعة - قال الله تعالى: "إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان" (٣) فيثبت الوجوب بناء على الأهلية. ثم يسقط في بعض المواضع، لعدم فائدة الأداء, لأن المراد بالوجوب هو الأداء، فإذا كان فيه احتمال الأداء في الجملة، من حيث الأصل أو النيابة (٤)، يبقى الوجوب، وإلا فيسقط (٥). فأما أهلية الأداء -[فـ] بالقدرتين، وهو قدرة تفهم الخطاب، وقدرة تحصيل الفعل. فما لم يوجدا جميعًا لا يثبت أهلية الأداء. وهكذا لأن الوجوب نوعان: [الأول]- أصل الوجوب، وهو شغل الذمة بالواجب، وإنه يثبت جبرًا من الله تعالى، شاء العبد أو أبى. والثاني - وجوب الأداء، وهو وجوب إسقاط ما في ذمته من الواجب، وإنه يثبت بالخطاب، والخطاب لا يتوجه على العاجز. ومن

стр. 772

لا يفهم الخطاب بسبب عدم العقل، ولا يقدر على الأداء بسبب فوت سلامة البدن، فهو عاجز، والله تعالى قال: "لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها" (١). فأما (٢) أصل الوجوب -[فـ] ثبت (٣) جبراً، فلا يشترط له القدرة على الأداء، إلا أن احتمال الفائدة شرط للوجوب، فيشترط احتمال القدرة لثبوت الفائدة في الجملة. والدليل على ذلك إجماع الأمة على أن الدين المؤجل ثابت حتى يجوز له (٤) الاعتياض عنه، ويجوز (٥) الإبراء. ولو كان الوجوب (٦) هو وجوب الفعل، وهو (٧) غير ثابت، يجب أن لا يكون الدين ثابتًا. فكذلك (٨) الزكاة: تجب في الديون، وإنما تجب الزكاة في المال، فدل أن المال جعل موجوداً حكمًا. فكذلك الأفعال: يجب أن تجعل موجودة في الذمة حكمًا أيضًا (٩) - لا فرق بينهما. ولهذا، بالإجماع، يجب العشر والخراج على الصبيان والمجانين. وكذلك (١٠) الجنون القليل: لا يمنع وجوب الصوم والصلاة، ولا يتصور الأداء حالة الجنون - دل أن الوجوب عبارة عما قلنا. وكذا، بالإجماع، يجب الصوم والصلاة

стр. 773

على المغمى عليه، وعلى (١) المريض العاجز عنهما، لما قلنا. وهذا كلام مستقصى في الخلافيات. ولكن مشايخنا رحمهم. الله قالوا: إن أهلية الوجوب في الحقيقة هي أهلية الأداء. فكل من تثبت (٢) له أهلية الأداء، تثبت له (٣) أهلية الوجوب، وإلا فلا. وهذا لأن الوجوب ليس إلا وجوب الفعل، فإنه لا يعقل وجوب الصوم والصلاة بإيجاب الله تعالى سوى وجوب الفعل، فمن لم يكن من أهل الفعل الواجب، وهو القادر على فهم الخطاب وعلى تحصيل الفعل، لم يكن من أهل الوجوب ضرورة، إلا أن المعتبر عندنا هو القدرة من حيث الأسباب، وهو سلامة العقل والبدن عن الآفات والموانع، لا حقيقة القدرة، فإنها مع الفعل، والتكليف سابق على الفعل، على ما عرف في باب الأوامر (٤). وهكذا نقول في وجوب الأموال: فإنها (٥) عبارة عن وجوب تسليم المال، والدين المؤجل في الحقيقة عبارة عن وجوب تسليم الفعل في ثاني الحال لا في الحال. وفي حق الصبيان والمجانين، ما يجري فيه النيابة، يجب على الولي تحصيل الفعل في مالهم، لا أن يجب في ذممهم (٦)، ويجعل المال موجودًا تقديرًا، فإنه لا حاجة إليه، وتغيير (٧) الحقيقة، من غير حاجة، خارج عن العقل والشرع. وبعض مشايخنا فرقوا برين المالي، والبدني - فقالوا (٨):

стр. 774

- يجعل المال موجودًا في الذمة، تقديراً، وهو جعل المعدوم موجوداً، لحاجة ثبوت الأحكام. فأما في الأفعال، [فـ] لا يمكن, لأن فيه جعل العرض باقياً، وهو الفعل, وإنه محال، ونسبة المحال إلى الشرع لا تجوز، فلا يجعل (١) الاستحالة، ومثل هذا معدوم في المال. - وأما الأحكام التي ذكروا، فغير لازمة لأنا لا نقول بوجوب شيء على الأطفال والمجانين، وإنما يجب على الولي ما يجري فيه النيابة، وفيه مصالحهم الدنياوية، وما لا يجري فيه النيابة لا يجب أصلًا. وقد ذكرنا كيفية صحة إسلام الصبي العاقل في باب الأوامر (٢). - وأما المغمى عليه والمجنون جنوناً قليلا: فالصحيح أنه لا فرق بين الجنون القليل والكثير في حق منع الوجوب لما ذكرنا، إلا أن في القليل يجب القضاء لانعدام الحرج، وفي الكثير حرج، وقلنا بوجوب القضاء من غير وجوب الأداء - على ما عرف في مسألة المجنون، على الاستقصاء، فلا نعيده. [٢] وأما بيان كيفية تعلق الأحكام بالأسباب فنقول: إن أصحاب الظواهر قالوا: لا يجب شيء بالأسباب، وإنما يجب بظواهر النصوص. وأما القايسون [فـ] اختلفوا فيما بينهم: قال بعضهم: ليس للأحكام أسباب أصلًا، إلا أن الحكم في المنصوص

стр. 775

عليه يجب بظاهر النص، وفي غير المنصوص يتعلق بالوصف الذي جعل علة، ويكون أمارة لثبوت الحكم في الفروع بإيجاب الله تعالى، لا أن الوجوب مضىاف إليه حقيقة. وقال الشافعي، وهو قول الأشعرية: إن وجوب العبادات بالخطاب، فأما وجوب العقوبات والحقوق المالية [فـ] بالأسباب. وقال عامة مشايخنا: إن لعامة الأحكام أسبابًا من العبادات والعقوبات وحقوق العباد وغيرها، وإليه أشار الشيخ أبو منصور الماتريدي رحمة الله عليه في أصول الفقه الموسوم بـ "مآخذ الشرائع". أما الفريق الأول [فـ] قالوا: إن الموجب للأحكام والشارع لها، هو الله تعالى، كما أن موجد الأشياء المحسوسة وخالقها هو الله تعالى، وصفة الإيجاب صفة خاصة لله تعالى لا يجوز اتصاف الغير بها، كصفة التخليق، إلا أنه جعل بعض أوصاف النص علامة وأمارة على الحكم في الفروع، منه قال: "أسباب موجبة" مجازاً، لظهور أحكام الله تعالى عندها، ولأن الأسباب في أفعال العباد بمعنى الآلات والجوارح السليمة، باعتبار أن قدرة العباد ناقصه لا يظهر أثرها عادة في المحال إلا بالأسباب والآلات، فيكون عملها في تتميم القدرة الناقصة، والله تعالى موصوف بالقدرة التامة، فلا يجوز آن يتعلق وجوب أحكامه ووجوب مفعولاته بالأسباب حقيقة. ولأن ما ادعيتم من الأسباب كانت موجودة قبل ورود الشرع ولا أحكام معها، وقد يوجد بعد الشرع أيضًا بلا أحكام، كما في المجانين والصبيان وغيرهم، ولو كانت عللا للأحكام، لكان لا يتصور انفكاكها عن الأحكام، كما في العلل العقلية، فإنه قط لا يتصور وجود التحريك بلا تحرك، ووجود الكسر بلا انكسار. ولما تصور الانفكاك ههنا - دل أنها ليست بعلل وأسباب حقيقة.
следующие страницы →