*والجواب عليهم أن يقال:
إنما ينكر ذلك الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم عن القبول والإذعان لآيات الله -عزوجل -الشرعية والكونية.
فتراهم في ريبهم يترددون، وفي صدق النبي ﷺ يرتابون.
فقد زلَّت أقدامهم عن درَج التسليم للشرع، حتى ساغت بهم في الدرْك الأسفل من التعطيل والتحريف وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
فحسب المسلم أن يؤمن بما جاء في الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ ، ويعتقد أنه هو الحق، ولا يتكلف ما لا علم له به من تعيين الموضع الذي تسجد فيه الشمس، بل يكل علم ذلك إلى الله تعالى.
* ثم يقال هنا وجوه:
الوجه الأول:
أن يقال: قد نص النبي ﷺ على أن الشمس تسجد لربها نصاً لا يحتمل التأويل، وهذا النص يدل على أنها تسجد سجوداً حقيقياً لا مجازياً، ومن زعم أن سجودها كناية عن تمام انقيادها لأمر الله -تعالى-واستجابتها له؛ فقد صرف النص عن ظاهره، ولا شك أن هذا من تحريف الكلم عن مواضعه.
الوجه الثاني:
أن النبي ﷺ نص على أن الشمس تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة، وهذا النص يدل على أنها إنما تسجد في موضع مخصوص، وهو مستقرها تحت العرش، ولو كان سجود الشمس كناية عن تمام انقيادها لأمر الله -تعالى- واستجابتها له؛ لكانت ساجدة على الدوام، ولا يخفى ما في هذا القول من المخالفة لنص الحديث، وما خالف النص فهو قول باطل مردود، وكفى بالنص حجة على كل مبطل.
الوجه الثالث:
يلزم من هذا القول إلغاء فائدة النص على سجود الشمس إذا انتهت إلى مستقرها تحت العرش، وما لزم عليه إلغاء النص؛ فهو قول سوء يجب اطراحه. (١)
стр. 1052
*نكتة اعتزالية:
قال الزمخشري:
وقوله تعالى ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْكَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾
فلم يفرّق كما ترى بين النفس الكافرة إذا آمنت في غير وقت الإيمان، وبين النفس التي آمنت في وقته ولم تكسب خيراً، ليعلم أنَّ قوله (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) جمع بين قرينتين، لا ينبغي أن تنفك إحداهما عن الأخرى، حتى يفوز صاحبهما ويسعد، وإلا فالشقوة والهلاك. (١)
* والجواب:
أن الزمخشري يروم الاستدلال على صحة عقيدته في أن الكافر، وهو المراد في قوله تعالى ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾، والعاصي وهو المراد في قوله تعالى ﴿أو كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾
كلاهما سواءٌ في الحكم بالخلود في النار؛ إذ سوَّى بينهما في عدم الانتفاع بما يستدركانه بعد ظهور الآيات.
* وهنا يقال:
أنه لا يتم له ذلك؛ فإنَّ هذا الكلام اشتمل على النوع المعروف من علم البيان والبلاغة باللف.
وأصل الكلام:
" يوم يأتى بعض آيات ربك لا ينفع نفساً لم تكن مؤمنة قبل ذلك إيمانها بعد ذلك، ولا ينفع نفساً كانت مؤمنة لكن لم تعمل في إيمانها عملاً صالحاً قبل ذلك ما تعمله من العمل الصالح بعد ذلك، إلا أنه لفُّ الكلامين فجعلهما كلاماً واحداً بلاغة واختصاراً وإعجازاً.
وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى (وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ ويستكبر فسيحشرهم إِلَيْهِ جَمِيعًا) (النساء: ١٧٢)
* لذا نقول:
لا ينفع بعد ظهور الآيات اكتساب الخير، وإنْ نفع الايمان المتقدِّم في السلامة من الخلود، فهذا بأن يدل على رد الاعتزال أجدر من أن يدل له. (٢)
والحاصل:
أن هذه الأية ليست دليلاً للمعتزلة على خلود صاحب الكبيرة في النار، بل غاية ما فيها الإخبار عن الختم على عمل كلِّ أحد بالحالة التي هو عليها.
стр. 1053
فلا ينفع أصل الإيمان الذي يحدثه صاحبه بعد رؤيته لطلوع الشمس من مغربها، وكذلك لا ينفع ما يحدثه صاحب أصل الإيمان من توبة من معاصيه؛ لأن حكم الإيمان والعمل عند طلوع الشمس من مغربها كحكمه عند الغرغرة، فلا ينفع الإيمان ولا التوبة في هذين الموضعين بجامع أنه في كليهما قد عاين المرء أحوال الآخرة، فهو في حكم من حضره الموت.
فالمؤمنَ المقصِّر لن ينفعه أن يزداد خيرُه بعد طلوع الشمس من مغربها، بل ينفعه ما كان معه من الإيمان قبل ذلك، وما كان له من الخير المرجوِّ قبل أن يأتي بعض الآيات.
*الفائدة الابعة: قول النَّبِيَّ ﷺ :
" إِنَّ هَذِهِ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ، ... "
وهنا نذكر أدلة ثبوت العرش، وما ورد في صفته:
١ - ما ورد من أدلة في إثبات العرش:
لقد جاء ذكر عرش الرحمن في القرآن في واحد وعشرين موضعاً، وكذلك فقد بلغت حد التواتر في السنة، كما نص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية والذهبي وابن أبي شيبة. (١)
* نذكر منها ما يلي:
قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بأمره أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأعراف: ٥٤)
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم﴾ ... (التوبة: ١٢٩)
قال ابن كثير:
وهو رب العرش العظيم: أي هو مالك كل شيء وخالقه، لأنه رب
стр. 1054
العرش العظيم الذي هو سقف المخلوقات، وجميع الخلائق من السماوات والأرضين وما فيها وما بينهما تحت العرش مقهورين بقدرة الله تعالى، وعلمه محيط بكل شيء، وقدره نافذ في كل شيء، وهو على كل شيء وكيل. (١)
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (هود: ٧)
* ومن أدلة السنة:
١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ؛ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ وَأَعْلَى الجَنَّةِ، وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ». (٢)
٢ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ-رضى الله عنهما- أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ:
«لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ». (٣)
٣ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ:
«اهْتَزَّ العَرْشُ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ». (٤)
٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلْقَ كَتَبَ فِي
стр. 1055
كِتَابِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي». (١)
* أما الإجماع:
قال الأوزاعي:
كنا -والتابعون متوافرون- نقول: إن الله- تعالى - فوق عرشه، وعرشه فوق سماواته. (٢)
قال أبو عمر الطلمنكي:
وأجمعوا - يعني أهل السنة والجماعة - على أن لله -تعالى- عرشاً، وعلى أنه مستوٍ على عرشه. (٣)
٢ - ومما ورد في صفة العرش:
عرش الله -تعالى- على الماء:
عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ -رضى الله عنه- أن النَّبِيِّ ﷺ قالَ:
«كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ». (٤)
وقال ابْنِ مَسْعُودٍ رضى الله عنه:
«ما بَيْنَ السَّماءِ الدنيا والتي تليها مَسِيرة خمسمائة عام، وبين كلِّ سَماءَيْن مسيرة خمسمائة عام، وبَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَبَيْنَ الكُرْسِيِّ خَمْسمِائَة عَامٍ، وَبَيْنَ الكُرْسِيِّ إِلَى المَاءِ خَمْسمِائَة عَامٍ، والْعَرْشُ فَوْقَ الْمَاءِ، وَاللَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِكُمْ". (٥)
* تنبيه:
عَنْ جَابِرٍ-رضى الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
" إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً " (٦)
стр. 1056
قيل:
أن المراد بالعرش هنا هو التعبير عن استيلائه على الخلق، وتسلُّطه على إضلالهم بذكر وضع العرش على الماء. والصحيح -والله أعلم- حمل الحديث على ظاهره، ويكون من جملة تمرُّد إبليس وطغيانه وضع عرشه على الماء، فقد جعله الله - تعالى- قادراً على ذلك استدراجاً؛ وذلك ليغتر بأنَّ له عرشاً على هيئة عرش الله عزوجل، فيغرَّ بعض السالكين الجاهلين بالله -تعالى-أنه الرحمن.
* ومما يؤيد هذا الظاهر:
ما رواه أَبوسَعِيدٍ-رضى الله عنه- أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قال لابن صيَّاد: مَا تَرَى؟» قَالَ: أَرَى عَرْشاً عَلَى الْمَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
" تَرَى عَرْشَ إِبْلِيسَ عَلَى الْبَحْرِ". (١)
٣ - العرش مخلوق عظيم، وله قوائم:
الذي يُستقرأ من الأدلة الشرعية أن عرش الرحمن- ﵎ يعتبر أعظم مخلوقات الله - تعالى- وأوسعها على الإطلاق،
стр. 1057
فقد خص الله -العرش بهذه الميِّزة العظيمة، وشرفه بها لكي يتناسب مع ذلك الشرف العظيم، ألا وهو استواء البارئ- عليه.
* ومما يدل على سعة العرش وعظم خلقه:
ما ورد عن أبي ذر الغفاري -رضى الله عنه- أن النبي ﷺ قال:
" ما السَّماوات السّبع في الكُرسيِّ إلَّا كحلقةٍ ملقاةٍ بأرضٍ فلاةٍ، وفضلُ العرشِ على الكُرسيِّ كفضلِ تلك الفلاةِ على تلك الحلقةِ ". (١)
وعن ابن عباس -رضى الله عنهما- قال:
"الكرسيُّ موضِعُ القدمين، والعرشُ لا يَقْدِرُ أحدٌ قدرَه". (٢)
ومثل هذا مما لا يقال بالرأي، وفيه دلالة بيِّنة على إثبات ابن عباس -رضى الله عنهما- للكرسي، لذا فما يُروى عنه من تأويل للكرسي بأنه العلم فلا يصح. (٣)
стр. 1058
*وعَنْ جُوَيْرِيَةَ-رضى الله عنها- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ، وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى، وَهِيَ جَالِسَةٌ، فَقَالَ:
«مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟»
قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ:
" سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ ". (١)
قال أبو العباس ابن تيمية:
فهذا يبيِّن أن زنة العرش أثقل الأوزان. (٢)
قال ابن القيم:
وقوله: "وزنة عرشه": فيه إثبات للعرش، وإضافته إلى الرب ، وأنه أثقل المخلوقات على الإطلاق؛ إذ لو كان شيء أثقل منه لوزن به التسبيح. (٣)
* وللعرش قوائم:
فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ- ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
«النَّاسُ يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي، أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ». (٤)
* وللعرش حملة من الملائكة:
قال تعالى (وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧)) (الحاقة: ١٧)
وعن جابر بن عبد الله -رضى الله عنهما-عن النبي ﷺ قال:
" أُذِنَ
стр. 1059
لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةَ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ ". (١)
* سؤال وجواب:
قال تعالى (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦)) (الرحمن: ٢٦)، فهل العرش داخل في هذا العموم؟
* والجواب:
العرش لا يفنى؛ لأن الله مُستوٍ عليه استواءً يليق بجلاله، قال تعالى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ-رضى الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
" فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ، وَأَعْلَى الجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ ". (٢)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وأما «العرش» فلم يكن داخلاً فيما يشقه ويفطره، بل الأحاديث المشهورة دلت على ما دل عليه القرآن من بقاء العرش، وقد ثبت في الصحيح أن جنة عدن، سقفها عرش الرحمن، قال ﷺ : «إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس؛ فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، وسقفها عرش الرحمن». (٣)
وقال ﵀:
قد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة على أن من المخلوقات ما لا يَعْدَمُ ولا يفنى بالكلية، كالجنة والنار والعرش، وغير ذلك. (٤)
قال أحمد:
وأما العرش فلا يبيد ولا يذهب؛ لأنه سقف الجنة، والله -تعالى- عليه فلا يهلك ولا يبيد. (٥)
стр. 1060
قال ابن القيم:
والعرش والكرسي لا يفنيهما... أيضا وإنّهما لمخلوقان. (١)
وقال السيوطي:
ثمانية حُكْمُ البقاء يعُمُّها... من الخلق والباقون في حيِّز العدمْ
هي العرش والكرسي نار وجنة... وعَجْب وأرواح كذا اللوح والقلم. (٢)
* فإن قيل: كيف عرش الرحمن؟
فالجواب أن يقال ما قاله مالك في صفة الاستواء، في عبارة جامعة مانعة، قال عنها شيخ الإسلام ابن تيمية:
" هذا الجواب من مالك ﵀ في الاستواء شافٍ كافٍ في جميع الصفات ". (٣)
*فكذلك هنا يقال:
"العرش في اللغة غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"
فنقول: أنَّ العرش في اللغة غير مجهول:
فالعرش هو سرير المُلْك، أو سرير المَلك، كما قال تعالى حاكياً عن الهدهد (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) (النمل: ٢٣). (٤)
- وأما الكيف به فأمر مجهول؛ لأن رؤية الشيء فرع على العلم بكيفيته، ونحن ما رأينا العرش، لذا فالخوض في كيفيته هو قول على الله -تعالى- بغير علم، وهذا من نزغ الشيطان لأهل البدع، ... كما قال تعالى (إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)) (البقرة: ١٦٩).
стр. 1061
-وأما الإيمان به فواجب شرعاً، فهو من مسائل الاعتقاد التى تمايز بها أهل السنة عن أهل البدع، وسطَّرها أئمة العلم والاعتقاد، بل وخصوها بالتصنيف. (١)
- وأما السؤال عنه فهو بدعة؛ فإن أهل العلم من صحابة النبي ﷺ ومن سار على نهجهم واتَّبَعَ هديهم قد آمنوا بالله -تعالى - وبما جاء عن الله تعالى، وعلى مراد الله، وآمنوا برسول الله ﷺ ، وبما جاء عن رسول الله، وعلى مراد رسول الله ﷺ .
دون أن يخوضوا في ذلك على سبيل التعمُّق والتنطع والتحريف والتعطيل.
* المخالفون لأهل السنة في الأصل:
لم يزل أهل السنة على التنبيه على مخالفة أهل البدع المنكرين لحقيقة العرش؛ لذا فقد سطَّر أهل السنة والجماعة هذه المسألة، وأفردوها بذكر الأدلة عليها، والرد على منكري حقيقة العرش، الذين حرَّفوها إلى المعاني الباطلة.
قال أبو سعيد الدارمي:
وما ظننا أنا نضطر إلى الاحتجاج على أحد ممن يدَّعي الإسلام في إثبات العرش والإيمان به، حتى ابتلينا بهذه العصابة الملحدة في آيات الله، فشغلونا بالاحتجاج لما لم تختلف فيه الأمم قبلنا، وإلى الله نشكو ما أوهت هذه العصابة من عرى الإسلام، وإليه نلجأ، وبه نستعين. (٢)
فقد زعمت الجهمية والمعتزلة والماتريدية وعامة متأخري الأشاعرة أن معنى العرش في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ هو الملك، وأن العرش ليس على حقيقته.
قال الزمخشري:
لما كان الاستواء على العرش، وهو سرير الملك مما يردف الملك، جعلوه كناية عن الملك، فقالوا: استوى فلان على العرش يريدون الملك،
стр. 1062
وإن لم يقعد على السرير البتة. (١)
قال أبو منصور البغدادي:
والصحيح عندنا تأويل العرش على معنى الملك، كأنه أراد أن الملْك ما استوى لأحد غيره.
وهذا التأويل مأخوذ من قول العرب " ثُلَّ عرش فلان " إذا ذهب ملكه، وقال متمم بن نويرة في هذا المعنى:
" عُرُوشٌ تفانوا على عِزٍ وأمة... هووا بعد ما نالوا السلامةَ والبقا " (٢)
*ومن الرد عليهم في هذه الفرية:
١ - ما ورد من أدلة على وجود حملة للعرش؛ فهى دالة على أنه عرش على الحقيقة، وليس أن العرش هو الملك، كما يدَّعي المخالفون.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ (غافر: ٧)
وقال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ (الحاقة: ١٧)
قال أبو العباس ابن تيمية:
ثم إن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾، وقوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ يوجب أن لله -تعالى- عرشاً يُحمل، ويوجب أن ذلك العرش ليس هو الملك، كما تقوله طائفة من الجهمية. (٣)
٢ - قد قال تعالى ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ﴾ (هود: ٧)
فعلى القول أن العرش هو الملْك، فهل يقال أن ملْك الله -تعالى-كان على الماء فقط؟!
*ومن أدلة السنة على أنه عرش على الحقيقة:
ما رواه جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ-رضى الله عنهما- عَنِ النَّبِيِّ- ﷺ قَالَ:
«أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ». (٤)
стр. 1063
*وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ- ﵁ قَالَ:
قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ، أَمْ حُوسِبَ بِصَعْقَةِ الأُولَى». (١)
والشاهد لنا من هذا الحديث قوله: "فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش":
فدل ذلك على أن للعرش قوائم، ولم يرد في الشرع تحديد عدد لها، فهذا الحديث هو من أقوى الأدلة على أن العرش ليس المراد به الملك.
* من المسائل التي تتعلق بالعرش: استواء الله- تعالى -على العرش:
مسألة الاستواء على العرش ثابتة في الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وهى صفة فعليه ثابته لله عزوجل، وأهل السنة مجمعون على إثبات هذه الصفة على حقيقتها على ما يليق بالله تعالى.
وقد جاء ذُكر الاستواء في القرآن الكريم في سبعة مواضع، من سورة: " الأَعراف، ويونس، والرعد، وطه، والفرقان، والسجدة، والحديد "، ومجيء ذكر الاستواء في القرآن بهذا العدد إنما هو لتأكيد عظم هذا الأمر وأهميته.
قال تعالى (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) (طه: ٥)
وقال تعالى (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) (السجدة: ٤)
وقال تعالى (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)) (الفرقان: ٥٩)
* ومن السنة:
السنة مليئة بالأحاديث والآثار التي تثبت الاستواء وتؤكده.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
كونه فوق العرش ثبت بالشرع المتواتر وإجماع
стр. 1064
سلف الأمة، مع دلالة العقل ضرورة. (١)
عَنْ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ ﵁ قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " لَمَّا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ". (٢)
* الإجماع:
قال عليُ بن المديني:
أهل الجماعة يؤمنون بالرؤية وبالكلام، وأن الله فوق السماوات على العرش استوى. (٣)
بل قد نقل سعيد بن عامر الضبعي إجماع أهل الأديان على ذلك، فقال ﵀:
الجهمية شر قولًا من اليهود والنصارى، قد أجمع أهل الأديان مع المسلمين على أن الله -تعالى- على العرش، وقالوا هم: ليس على العرش شيء. (٤)
* قال ابن زمنين:
ومن قول أهل السنة: أن الله خلق العرش، واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق، ... ثم استوى عليه كيف شاء، كما أخبر عن نفسه. (٥)
ولما جاء رجلٌ إلى الإمام مالك بن أنس فقال: يا أبا عبد الله؛ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾؛ كيف استوى؟ أطْرَقَ مالكْ وأخذتْهُ الرُّحضَاء، ثم رفع رأسه، فقال:
" الاستواءُ غير مَجْهُولِ، والكَيْفُ غير معقول، والإيمانُ به وَاجبٌ، والسؤالُ عنه بدعةٌ، وما أراكَ إلا مُبْتَدِعاً، فَأمَرَ به أن يُخْرَجَ. (٦)
стр. 1065
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وقول مالك من أنبل جواب وقع في هذه المسألة وأشده استيعاباً؛ لأن فيه نبذ التكييف وإثبات الاستواء المعقول، وقد ائتم أهل العلم بقوله واستجودوه واستحسنوه. (١)
*وقول الإمام مالك: " الاستواءُ غير مَجْهُولِ.. ":
أي أنه معلوم في لغة العرب التي نزل بها القرآن، فقد ذُكر الاستواء في حق الله -تعالى- متعدياً بـ "على": وهذا في لغة العرب معناه:
«العلو» و «الارتفاع» و «الاستقرار» و «الصعود»
فالاستواء معلوم في اللغة، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه، كما نص عليه جميع أهل اللغة وأهل التفسير المقبول. (٢)
قال بِشْرُ بْنُ عُمَرَ:
سَمِعْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ يَقُولُونَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] قَالَ: عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى: ارْتَفَعَ. (٣)
*وأما قول مالك: " الكَيْفُ غير معقول":
فكما سبق وذكرنا أن رؤية الشيء فرع على العلم بكيفيته، ونحن ما رأينا كيفية صفة الاستواء، لذا فالخوض في كيفيتها من القول على الله -تعالى- بغير علم.
قال القرطبي:
ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة، وخُص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء؛ فإنه لا تعلم حقيقته. (٤)
* المخالفون لأهل السنة في صفة الاستواء:
وهم المحرِّفة الذين بدَّلوا الكَلِم عن
стр. 1066
مواضعه، ففسَّروا الاستواء في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ بالاستيلاء.
وهذا القول يذهب إليه كثير من الجهمية والمعتزلة والحرورية، وكثير من متأخري الأشاعرة. (١)
قال أبو نعيم البلخي:
" كان رجل من أهل مرو صديقاً لجهم ثم قطعه وجفاه، فقيل له: لم جفوته؟ فقال: جاء منه ما لا يحتمل، قرأتُ يوماً ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥]
قال: " أما والله لو وجدتُ سبيلاً إلى حكها لحككتها من المصحف ". (٢)
* ومما استدل به هؤلاء على تحريفهم:
١ - ما روى عن ابن عباس ﵄:
أنه قال في في قوله تعالى (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى) [طه: ٥] قال:
استولى على جميع بريته، فلا يخلو منه مكان.
٢ - أن تفسير الاستواء بالاستيلاء أمر مشهور في لغة العرب.
قال القاضي عبد الجبار:
والمراد بالاستواء هو الاستيلاء والاقتدار، كما يقال استوى الخليفة على العراق، وكما قال الشاعر:
" قد استوى بشر على العراق... من غير سيف ولا دم مهراق ". (٣)
* وتراهم يردُّون تفسير السلف للاستواء بدعوى أنه مستلزم للتجسيم، كما يقول
стр. 1067
الرازي:
" ثبت بمجموع الدلائل العقلية والنقلية أنه لا يمكن حمل قوله " ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ "على الجلوس والاستقرار وشغل المكان والحيز!! (١)
وكل نص أوهم التشبيها... أوّله أو فوّض ورُم تنزيهاً
وهذا يجسِّد لنا جناية أهل التحريف على نصوص الاعتقاد، حينما يُلبسون التحريف ثوب التنزيه، ويُرمون أهل الإثبات بالتجسيم والتشبيه، فترى عطب الفهم في مسلاخ تأصيل وتأسيس.
* الرد على هذا الزعم الباطل:
قد رد علماء أهل السنة على هذه الفرية وبيَّنوا بطلانها، ومن هؤلاء الإمام ابن القيم الذى فنَّد عوار هذا التحريف في مصنَّفه "الصواعق المرسلة "، ورد عليه من إثنين وأربعين وجهاً، فجعلها حصيداً كأن لم تغن بالأمس.
* ومما يجاب به على تحريف المعطلة لصفة الاستواء:
١ - أن هذا اللفظ قد اطرد في القرآن والسنة، حيث ورد بلفظ الاستواء دون الاستيلاء، ولو كان معناه استولى لكان استعماله في أكثر موارده كذلك، فإذا جاء في موضع أو موضعين بلفظ استوى حُمِل على معنى استولى؛ لأنه المألوف المعهود.
وأما أن يأتي إلى لفظ قد اطرد استعماله في جميع موارده على معنى واحد، فيدَّعي صرفه في الجميع إلى معنى لم يعهد استعماله فيه ففي غاية الفساد، ولم يقصده ويفعله من قصد البيان، هذا لو لم يكن في السياق ما يأتي حمله على غير معناه الذي اطرد استعماله فيه، فكيف وفي السياق ما يأبى ذلك. (٢)
٢ - قد أطبق كبار أهل التفسير واللغة على تفسير الاستواء بالارتفاع والعلو على العرش، كما ورد ذلك عن ابن عباس وأبي العالية والحسن البصري ومجاهد بن جبر
стр. 1068
والربيع بن أنس البكري.
والبخاري وابن قتيبة وابن جرير وابن أي حاتم وابن عبدالبر والبغوي وغيرهم.
وهو قول: كبار أئمة اللغة أمثال: الخليل بن أحمد والفرَّاء والأخفش. (١)
لذا فالقول بتفسير الاستواء بالاستيلاء هو قول محدث في الأمة، وخروج على إجماع أئمة السنة.
بل هو تحريف بيِّن لم يعرفه الصدر الأول، ولا القرون الخيرية من بعده، ومن لم يكن يؤمنذٍ ديناً فلا يكون اليوم ديناً. (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ).
قال أبو العباس ابن تيمية:
ذكر أبو المظفر في كتابه " الإفصاح " قال:
سئل الخليل: "هل وجدتَ في اللغة استوى بمعنى استولى"؟
فقال: هذا ما لا تعرفه العرب؛ ولا هو جائز في لغتها، وهو إمام في اللغة على ما عرف من حاله، فحينئذ حمله على ما لا يعرف حمل باطل. (٢)
قال أبو بكر محمد بن النضر:
" كان ابن الأعرابي جارنا، وذكر لنا أن ابن أبي دؤاد سأله أتعرف في اللغة: استوى بمعنى استولى؟ فقال: لا أعرف. (٣)
٣ - قد قال تعالى (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨)) (المؤمنون: ٢٨)، وقال تعالى (وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤) (هود: ٢٨) فلو تنزلنا معكم أن الاستواء هو الاستيلاء، فهل استولى نوح-﵇
ومن معه على السفينة؟!، وهل استولت السفينة على جبل الجودي؟!
٤ - لو كان الله -تعالى- مستوياً على العرش بمعنى الاستيلاء، وهو تعالى مستولٍ على الأشياء كلها، لكان مستوياً على العرش، وعلى الأرض، وعلى السماء، وعلى
стр. 1069
الحشوش، والأقذار؛ لأنه قادر على الأشياء مستولٍ عليها.. وإذا كان قادراً على الأشياء كلها، ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول إن الله -تعالى- مستوٍ على الحشوش والأخلية، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معنى الاستواء يختص بالعرش دون الأشياء كلها. (١)
٦ - قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (الحديد: ٤)
فذكر وقوع الاستواء بعد خلق السماوات والأرض، فلو كان الاستواء هنا بمعنى الاستيلاء أو القهر، ونحو ذلك، على ما حرَّفته الجهمية والمعتزلة، لكان الله -تعالى- غير مستولٍ على العرش ولا قاهر له قبل خلق السموات والأرض، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. (٢)
٥ - تفسير الاستواء بالاستيلاء يقتضي وجود منازعة بين الله - تعالى- وبين غيره؛ فإن الاستيلاء لا يأتى إلا بعد مغالبة، والله -عزوجل - لا ينازعه أحد في ملكه.
قال ابن كثير:
ولا أراد الله باستوائه على عرشه استيلاءه عليه، تعالى الله عن قول الجهمية علواً كبيراً؛
فإنه إنما يقال استوى على الشئ إذ كان ذلك الشئ عاصياً عليه قبل استيلائه عليه، كاستيلاء الملك على المدينة بعد عصيانها عليه، وعرش الرب لم يكن ممتنعاً عليه نفساً واحداً، حتى يقال استوى عليه. (٣) * قال داود بن علي: كنا عند ابن الأعرابي، فأتاه رجل، فقال:
يا أبا عبد الله، معنى قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) استولى، فقال:
اسكت، العرب لا تقول للرجل استولى على الشيء حتى يكون له فيه مضاد، فأيهما غلب قيل: استولى، والله
стр. 1070
- تعالى- لا مضاد له، والاستيلاء بعد المغالبة، أَمَا سَمِعْتَ النَابِغَةَ:
أَلَا لِمِثْلِكَ أَوْ مَنْ أَنْتَ سَابِقُهُ... سَبْقَ الْجَوَادِ إِذَا اسْتَوْلَى عَلَى الْأَمَدِ. (١)
*فإن قيل:
أليس وصف الله -تعالى- بالاستيلاء موافقاً لمعنى اسم " المهيمن "؟
* فجوابه:
أن معنى اسم " المهيمن ": هو المطلع على خفايا الأمور، وخبايا الصدور، الذي أحاط بكل شيء علماً، الشهيد على أعمال العباد. فأين هذا من وصف الله -تعالى- بالاستيلاء الذي لايكون إلا بعد المغالبة والمنازعة؟!
* الرد على ما استدلوا به من شبهات:
أما استدلالهم بما يروى عن ابن عباس ﵄ -في قوله " الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى "أنه قال: " استولى على جميع بريته، فلا يخلو منه مكان"
* فالجواب أن:
هذا أثر منكر، ونقلته مجهولون وضعفاء، في سنده عبد الله بن داود الواسطي وعبد الوهاب بن مجاهد وهما ضعيفان، وإبراهيم بن عبد الصمد مجهول لا يعرف. (٢)
ثم يقال:
أنتم لا تقبلون أصالة الاحتجاج بأخبار الآحاد في أصول الاعتقاد، وإن نقلها العدول، فكيف يسوغ لكم الاحتجاج بهذا الأثر المنكر في هذا الباب؟!
* أما استدلالهم بقول الشاعر:
" قد استوى بشر على العراق... من غير سيف ولا دم مهراق.
* فيقال جواباً عليه:
أن هذا البيت منسوب لشاعر نصراني يدعى الأخطل، فكيف يُترك ما تكاثر نقله عن أئمة السلف في تفسير الاستواء بالعلو والارتفاع ليركن إلى بيت شعر مهلهل، بيت آيل للسقوط، لم يتجرأ المستدلُّون به على التصريح بنسبته
стр. 1071
إلى الأخطل النصراني؟!!
فلنعم الحجة إذا كانت ذات قوة، أو تأوي إلى ركن شديد.
تراهم بالأمس القريب يعدلون عن الكتاب والسنة وإجماع الأمة في إثبات صفة الكلام لله -تعالى- استناداً لبيت منسوب لنفس الشاعر النصراني:
"إنَّ الكلامَ لفي الفؤادِ وإنما...... جعلَ اللسانُ على الفؤادِ دليلاً "
أولا يرون أنهم يفتنون في كل باب مرة أو مرتين، ثم لا يتوبون ولا هم يذَّكرون.
*قال أبو العباس ابن تيمية رداً على استدلالهم بالبيت: " قد استوى بشر على العراق... :
لم يثبت نقل صحيح أنه شعر عربي، وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروه، وقالوا: إنه بيت مصنوع لا يعرف في اللغة، وقد علم أنه لو احتج بحديث رسول الله ﷺ لاحتاج إلى صحته، فكيف ببيت من الشعر لا يعرف إسناده؟! وقد طعن فيه أئمة اللغة. (١)
قال ابن القيم:
أن هذا البيت محرَّف وإنما هو هكذا:
" بشر قد استولى على العراق"
هكذا لو كان معروفاً من قائل معروف، فكيف وهو غير معروف في شيء من دواوين العرب وأشعارهم التي يرجع إليها.
*ولو صح هذا البيت، وأنه غير محرَّف لم يكن فيه حجة بل هو حجة عليهم، وهو على حقيقة الاستواء؛ فإن بشراً هذا كان أخا عبد الملك بن مروان، وكان أميراً على العراق، فاستوى على سريرها كما هي عادة الملوك ونوابها أن يجلسوا فوق سرير الملك مستوين عليه. (٢)
* أما دعوى أهل التحريف أن تفسير الاسْتَواء عَلَى الْعَرْشِ بالعلو والارتفاع والاستقرار يلزم منه شغل المكان والحيز!!
فهى دعوى باطلة، لم يعرف أصحابها من الاثبات إلا التشبيه، ففروا منه إلى التحريف.
стр. 1072
* وهنا إلزام لمن حرَّف:
ألا يلزم من تفسيركم للاستواء بالاستيلاء وجود المشابهة بين الله -تعالى- وخلقه؛ فإن الاستيلاء حاصل في أفعال البشر؟
فإن قلتم: "استيلاء الله ليس كمثله شيء ".
قلنا:
إذا أثبتم لله -تعالى- وصف الاستيلاء على ما يليق به، حسب زعمكم، وهو وصف خالفتم فيه إجماع كل من سبقكم، ألم يكن الأولى لكم أن توافقوا أهل السنة فتثبتوا لله -تعالى- وصف الاستواء على المعنى الصحيح الذي هو العلو والارتفاع على ما يليق بالله عزوجل؟!!
وأما حكم نسبة المكان إلى الله -تعالى- فقد سبق بيان التفصيل فيه عند شرح الحديث الحادي والعشرين، حديث " السنة الجارية في شرح حديث الجارية "، فليرجع إليه.
* سؤال: هل يقال استوى الله -تعالى- على العرش بحد؟
* والجواب أن يقال:
إن لفظ "الحد" من الألفاظ المحدثة التي لم ترد في الكتاب ولا في السنة، وقد وردت في كلام السلف في الرد على أهل البدع من الحلولية والاتحادية.
فلما نبتت نوابت الخبث وادعت بعضها أن الله - تعالى وتقدَّس- في كل مكان، وأنه غير مباين لخلقه، وهم الحلولية والاتحادية، وعلى النقيض قد ادعت أخرى أنه تعالى مماسٌ للعرش، وأنه جسم له حد واحد من الجانب الذي ينتهي إلى العرش، ولا نهاية له من الجوانب الأخر، كما هوقول الروافض والكرَّامية!! (١)
وبين هذا وذاك فقد اضطر أهل العلم إلى النص على إثبات الحد بما يليق بالله -تعالى -رداً على تلك المقالات الفاسدة.
وكلمة "الحد" قد وردت في عبارات السلف إثباتاً ونفياً، وليس هذا تعارضاً أو اختلافاً بينهم، وإنما ورد ذلك جرياً على قاعدة السلف في تعاملهم مع الألفاظ المجملة التى تحتمل حقاً وتحتمل باطلاً، فتراهم
стр. 1073
يثبتونها حال سياق الكمال، وينفونها حال سياق النقص.
وفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
إذا منع إطلاق هذه المجملات المحدثات في النفي والإثبات ووقع الاستفسار والتفصيل تبين سواء السبيل. (١)
ومن هذا الباب ما ورد في لفظة "الحد"، فقد وردت إثباتاً ونفياً، ولكلٍ توجيه.
*ونذكر من عبارات الإثبات ما يلي:
قال حرب: قلت لإسحاق بن راهويه: العرش بحد؟ قال: نعم، وذكر عن ابن المبارك قال:
هو على عرشه بائن من خلقه بحد. (٢)
قال علي بن الحسن: سألت عبد الله بن المبارك: كيف ينبغي لنا أن نعرف ربنا ؟
قال: «نعرف ربنا فوق سبع سماوات على العرش بائن من خلقه بحد، ولا نقول كما قالت الجهمية هاهنا، وأشار بيده إلى الأرض ". (٣)
*ونذكر من عبارات النفي:
قال حنبل: قال الإمام أحمد: نحن نؤمن أن اللَّه - تعالى -على العرش كيف شاء، وكما شاء، بلا حد ولا صفة يبلغها واصف، أو يحده أحد. (٤)
وقال السفَّاريني:
سُبْحَانَهُ قد اسْتَوَى كَمَا ورد... من غير كَيفَ قد تَعَالَى أَن يحد. (٥)
стр. 1074
* وسبيل الجمع أن يقال:
١ - أما عبارات إثبات الحد عند السلف فجاءت رداً على الجهمية الذين قالوا ما مضمونه أن الخالقَ لا يتميّز عن الخلقِ، فليس له حدٌّ يباين المخلوقات، فبيَّن أهل السنة أنّ الله له حد، والمعنى أنه مباين لخلقه، منفصلٌ عنهم، ليس حالّاً فيهم، ولا متحداً معهم.
قال الدارمي:
فمن ادَّعى أنه ليس لله -تعالى- حد فقد رد القرآن، وادَّعى أنه لا شيء؛ لأن الله -تعالى- حدَّ مكانه في مواضع كثيرة من كتابه فقال ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]. (١)
٢ - وأما عبارات السلف في نفي الحد عن الله -تعالى- فمحمولة على وجوه:
١ - الوجه الأول:
نفي إدراك العباد لعلمه وصفات كماله عزوجل، وذلك نظير قوله تعالى (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) (البقرة: ٢٥٥)، وقوله تعالى (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)) (الأنعام: ١٠٣)، فصار نفي الحد عن الله -تعالى- هو نفي الإحاطة بالله علماً وإدراكاً.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
فهذا الكلام من الإمام أبي عبد الله أحمد ﵀ يبين أنه نفى أن العباد يحدُّون الله -تعالى- أو صفاته بحد أو يُقدِّرون ذلك بقدر أو أن يبلغوا إلى أن يصفوا ذلك، وذلك لا ينافي ما تقدَّم من إثبات أنه في نفسه له حد يعلمه هو لا يعلمه غيره، أو أنه هو يصف نفسه، وهكذا كلام سائر أئمة السلف يثبتون الحقائق وينفون علم العباد بكنهها. (٢)
قال ابن القيم:
أراد أحمد بنفي الصفة نفي الكيفية والتشبيه، وبنفي الحد نفي حد
стр. 1075
يدركه العباد ويحدُّونه. (١)
قال ابن الماجشون:
فإنه لا يعلم كيف هو إلا هو، وكيف يعرف قدر من لم يبد ومن لم يمت ولا يبلى، وكيف يكون لصفة شيء منه حد أو منتهى يعرفه عارف، أو يحد قدره واصف. (٢)
٢ - الوجه الثاني:
الرد على من زعم أنه يلزم من كونه تعالى مستوياً على عرشه أن يحده العرش، تعالى الله عن ذلك، إذ المحدود محدث، والمحدث مفتقر للخالق.
. ... تم بحمد الله تعالى.
стр. 1076
الحديث التاسع والثلاثون: بذل الطاقة شرح حديث صاحب البطاقة
стр. 1077
* نص حديث الباب:
عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵁ قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
" إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الخَلَائِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ البَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟
أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحَافِظُونَ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ:
بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً، فَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ اليَوْمَ، فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا: " أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ "، فَيَقُولُ:
احْضُرْ وَزْنَكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَا هَذِهِ البِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ، فَقَالَ:
إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ "، قَالَ: «فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كَفَّةٍ وَالبِطَاقَةُ فِي كَفَّةٍ، فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ البِطَاقَةُ، فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ».
* تخريج الحديث:
أخرجه أحمد (٦٩٩٤) والترمذي (٢٦٣٩) والحاكم (٩)، وابن حبان في " صحيحه " (٢٢٥)
قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب»، وقال الحاكم: " صحيح لم يخرَّج في الصحيحين، وهو صحيح على شرط مسلم "، وقال الذهبي: " هذا على شرط مسلم"، وصححه الألباني في
"الصحيحة " (ح: ١٣٥)
وحديث البطاقة حديث صحيح متعدد الطرق، وقد أفرده الحافظ حمزة بن محمد الكناني بجزء أسماه "مجلس البطاقة "، ومما ذكره في هذ الرسالة قوله عن هذا الحديث:
стр. 1078
" ولا أعلمه روى هذا الحديث غير الليث بن سعد، وهو من أحسن الحديث ". (١)
* أهم الفوائد المستنبطة من حديث الباب:
إثبات الميزان:
والميزان ثابت بالكتاب والسنة والإجماع:
أما أدلة القرآن:
قال تعالى (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)) (الأنبياء: ٤٧))، وقال تعالى (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩)) (القارعة: ٦ - ٩)
وقال تعالى (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣)) (المؤمنون: ١٠٢ - ١٠٣)
* وأما السنة:
قد بلغت أحاديث الميزان مبلغ التواتر، كما نص على ذلك أبو عبد الله الكتَّاني والسفَّاريني و البيجوري.
قال السفَّاريني:
فقد دلت الآثار على أنه ميزان حقيقي، ذو كفَّتين و لسان، وقد بلغت أحاديثه مبلغ التواتر. (٢)
ولا شك أن حديث الباب قاطع الدلالة على إثبات الميزان يوم القيامة، حيث جاء فيه أن السجلات توضع في كفَّة، والبطاقة في الكفَّة الأخرى.
و عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -قَالَ:
"يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَبِيَدِهِ المِيزَانُ، يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ ". (٣)
стр. 1079
* وعَنْ أَبِي سَلَّامٍ، عَنْ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " بَخٍ بَخٍ، لَخَمْسٌ مَا أَثْقَلَهُنَّ فِي الْمِيزَانِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالْوَلَدُ الصَّالِحُ يُتَوَفَّى فَيَحْتَسِبُهُ وَالِدَاهُ ". (١)
*وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو-رضى الله عنهما- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
" خَلَّتَانِ لَا يُحْصِيهِمَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ إِلَّا دَخَلَ الجَنَّةَ، أَلَا وَهُمَا يَسِيرٌ، وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِمَا قَلِيلٌ:
يُسَبِّحُ اللَّهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرًا، وَيَحْمَدُهُ عَشْرًا، وَيُكَبِّرُهُ عَشْرًا "، قَالَ عبد الله:
فَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْقِدُهَا بِيَدِهِ، قَالَ ﷺ :
"فَتِلْكَ خَمْسُونَ وَمِائَةٌ بِاللِّسَانِ، وَأَلْفٌ وَخَمْسُ مِائَةٍ فِي المِيزَانِ، وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ تُسَبِّحُهُ وَتُكَبِّرُهُ وَتَحْمَدُهُ مِائَةً، فَتِلْكَ مِائَةٌ بِاللِّسَانِ وَأَلْفٌ فِي المِيزَانِ، فَأَيُّكُمْ يَعْمَلُ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَمِائَةِ سَيِّئَةٍ"؟ قَالُوا: فَكَيْفَ لَا نُحْصِيهَا؟ قَالَ:
" يَأْتِي أَحَدَكُمُ الشَّيْطَانُ وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ، فَيَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، حَتَّى يَنْفَتِلَ، فَلَعَلَّهُ أَلَّا يَفْعَلَ، وَيَأْتِيهِ وَهُوَ فِي مَضْجَعِهِ، فَلَا يَزَالُ يُنَوِّمُهُ حَتَّى يَنَامَ ". (٢)
الإجماع:
قال أبو إسحاق الزجَّاج:
أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الميزان له لسان، وكفَّتان ويميل بالأعمال، وأنكرت المعتزلة الميزان، وقالوا: هو عبارة عن العدل، فخالفوا الكتاب والسنة". (٣)
قال ابن بطة:
اتفق أهل العلم بالأخبار، والعلماء والزَّهاد والعبَّاد في جميع
стр. 1080
الأمصار أن الإيمان بذلك -أي بالميزان- واجب لازم. (١)
قال زهير بن عبَّاد:
كل من أدركتُ من المشايخ: مالك وسفيان وفضيل وعيسى بن يونس، وابن المبارك ووكيع بن الجراح كانوا يقولون: الميزان حق. (٢)
قال عبد اللَّه بن مسعود ﵁:
يجاء بالناس يوم القيامة إلى الميزان فيجادلون عنده أشد الجدال. (٣)
قال الإمام أحمد:
قال اللَّه : ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] وقال ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٨] فهو في كتاب اللَّه تعالى، فمَنْ ردَّ على النبي ﷺ ردَّ على اللَّه تعالى. (٤)
* المخالفون لأهل السنة في إثبات الميزان:
عمد أهل التحريف والتعطيل، وهم من كل حدب ينسلون، إلى المخالفة في هذا الأصل، بالنفي الصريح تارة، و بالتحريف تارة أخرى، فتراهم يردُّون أصلاً ثابتاً بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، ويسيرون على خطى خيط هو أوهى من خيط العنكبوت، أشبه بسرابٍ بقيعة يحسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً.
فقد أنكر الخوارج والإباضية وبعض المعتزلة الميزان؛ وذلك لأن الأعمال أعراض، والأعراض يستحيل وزنها، إذ لا تقوم بنفسها، وقد نُقل عن مجاهد وقتادة والضحاَّك تفسير الميزان بالعدل. (٥)
стр. 1081
*وكذلك فمما أورده نفاة حقيقة الميزان:
تحريف قول النبي ﷺ : " وَبِيَدِهِ المِيزَانُ، يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ "، فقالوا:
إنما أراد بذلك الإشارة إلى العدل والفضل، وأنه إذا بسط نعمه وفضله لم ينقص مما في يديه شيء بأنْ يعجزه، وإذا أعدل بحق ملكه لهم فيهم خفض ورفع وبسط وقبض.
وقالوا عن قوله تعالى (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ) (الحديد: ٢٥):
فالميزان هو العدل بين العباد الذي أرسل الله -تعالى- به الرسل، وهل سمعتم أحداً من الرسل أرسله تاجراً ممسكاً للميزان؟! (١)
* الرد على نفاة إثبات الميزان:
لا شك أن ما تأوَّله النفاة للنصوص الواردة في الميزان بأنه العدل هو تأويل منبوذ فاسد، ومخالف للكتاب والسنة وإجماع الأمة.
فالذي عليه أهل السنة والجماعة أن الميزان هو ميزان حقيقي حسي، وله كفَّتان حسيِّتان، ويدل على ذلك ما يلي:
١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو-رضى الله عنه- أن النبيَ ﷺ قال:
" إِنَّ نَبِيَّ اللهِ نُوحاً ﷺ -لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لِابْنِهِ: إِنِّي قَاصٌّ عَلَيْكَ الْوَصِيَّةَ:
آمُرُكَ بِاثْنَتَيْنِ، وَأَنْهَاكَ عَنِ اثْنَتَيْنِ: آمُرُكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ فَإِنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرْضِينَ السَّبْعَ لَوْ وُضِعَتْ فِي كِفَّةٍ، وَوُضِعَتْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فِي كِفَّةٍ، رَجَحَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ؛ فَإِنَّهَا صَلَاةُ كُلِّ
стр. 1082
شَيْءٍ، وَبِهَا يُرْزَقُ الْخَلْقُ، وَأَنْهَاكَ عَنِ الشِّرْكِ وَالْكِبْرِ ". (١)
٢ - وعَنْ سَلْمَانَ - رضى الله عنه- قَالَ:
" يُوضَعُ الصِّرَاطُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَهُ حَدٌّ كَحَدِّ الْمُوسَى قَالَ: وَيُوضَعُ الْمِيزَانُ، وَلَوْ وُضِعَتْ فِي كِفَّتِهِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَا فِيهِنَّ لَوَسِعَتْهُمْ، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: رَبَّنَا لِمَنْ تَزِنُ بِهَذَا؟ فَيَقُولُ: لِمَنْ شِئْتُ مِنْ خَلْقِي، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ ". (٢)
* فمن وجوه الدلالات من هذه الأثار على إثبات الميزان الحسي الحقيقي:
١ - الوجه الأول:
ذكر الكفِّة في صفة الميزان دال على أنه ميزان حقيقي، وليس هو العدل كما زعم النفاة.
قال القرطبي:
وروي عن مجاهد والضحاك والأعمش أن الميزان بمعنى العدل والقضاء، وذكر الوزن والميزان ضرب مثل، كما يقول هذا الكلام في وزن هذا، وفي وزنه أي يعادله ويساويه، وإن لم يكن هناك وزن،
وهذا القول مجاز وليس بشيء، وإن كان شائعاً في اللغة؛ للسنة الثابتة في الميزان الحقيقي، ووصفه بكفَّتين ولسان، وإن كل كفة منهما طباق السماوات والأرض. (٣)
قال فخر الدين الرازي:
حمل هذا اللفظ -أي الميزان-على مجرد العدل مجاز، وصرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز من غير ضرورة غير جائز، لا سيَّما وقد جاءت
стр. 1083
الأحاديث الكثيرة بالأسانيد الصحيحة في هذا الباب. (١)
قال ابن القيم:
أفما تُصدِّق أَن أَعمال العبادِ... تحطُّ يَوْم الْعرضِ فِي الْمِيزَان
وكذاك تثقلُ تَارَة وتخف أخـ... رى ذَاك فِي الْقُرْآن ذُو تبيان
وَله لِسَان كفَّتاهُ تُقِيمُهُ... والكفَّتانِ إليه ناظرتان
مَا ذَاك أمراً معنوياً، بل هُوَ... المحسوسُ حَقًا عِنْد ذِي الإيمان. (٢)
٢ - الوجه الثاني:
ذكر الثقل والخفة فيما يوزن من الأعمال أو الأشخاص لا يحتمل أي تأويل يصرف الميزان عن الحقيقة المعهودة في الذهن، والتي هى كونه ميزاناً حقيقياً.
٣ - الوجه الثالث:
إثبات الميزان الذي له كفَّتان هو أمر ثابت بالإجماع الذي نقله الإمام الزجَّاج، كما أنه لم يقل به الزجَّاج وحده، بل هذا ما عليه جماهير أئمة الإسلام.
* ثم يقال هنا:
وإن دلت بعض السياقات التي وردت فيها كلمة الميزان على تفسيره بالعدل، كقوله تعالى (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا (٤٧)) (الأنبياء: ٤٧)، وقوله تعالى (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ) (الأعراف: ٨)، وقوله تعالى في الأنبياء ﵈ (وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ) (الحديد: ٢٥)
فمثل هذا لا يمنع أن يكون هذا الميزان على الحقيقة؛ وذلك لما ورد في الأدلة الأخرى التي بيَّنت صفة الميزان على التفصيل، بما لا يدع مجالاً لصرف النصوص عن ظاهرها صرفاً يعود عليها التعطيل.
قال القرطبي:
قال علماؤنا: ولو جاز حمل الميزان على ما ذكروه - أي على
стр. 1084
العدل- لجاز حمل الصراط على الدين الحق، والجنة والنار على ما يرد على الأرواح دون الأجساد من الأحزان والأفراح، والشياطين والجن على الأخلاق المذمومة، والملائكة على القوى المحمودة، وهذا كله فاسد؛ لأنه رد لما جاء به الصادق. (١)
* وكذلك يقال:
أن تأويل الميزان في جميع مواضعه التي ذكر فيها بأنه العدل هو في الحقيقة تأويل مخالف لإجماع الأمة.
قال القشيري:
وقد أجمعت الأمة في الصدر الأول على الأخذ بهذه الظواهر من غير تأويل، وإذا أجمعوا على منع التأويل وجب الأخذ بالظاهر، وصارت هذه الظواهر نصوصاً. (٢)
* فإن قيل: أليس تأويل الميزان بالعدل يستقيم لغة ؟
فالرد أن يقال:
بلى، ولكن هذا من التفسير بالمآل واللازم، فلا شك أن إقامة الميزان ورؤية العبد لأعماله على الميزان ترجح أو تخف يزيده يقيناً أنه لم يظلم شيئاً، ولكنَّ حمل الميزان على معنى العدل وتفسيره به إنما يكون عند تعذّر الحمل على الظاهر، وهنا قد أتت الأدلة الشرعية بخيلها ورَجلها تؤيد تفسير الميزان على معناه الحقيقي، فصار تأويله على المعنى اللغوي منابذاً للأدلة الشرعية.
قال الأزهري بعد ذكره للمعاني اللغوية لكلمة الميزان:
هذا كله في باب اللغة، والاحتجاج سائغ، إلا أن الأولى من هذا أن يتبع ما جاء بالأسانيد الصحاح، فإن جاء في الخبر أنه ميزان له كفَّتان، من حيث ينقل أهل الثقة، فينبغي أن يقبل ذلك. (٣)
* وأما قولهم: " الأعراض يستحيل وزنها، إذ لا تقوم بأنفسها، فكيف توزن
стр. 1085
الأعمال وهي لا توصف بثقل ولا خفة؟
*فالجواب:
أن مثل هذا قد يقبل في موازين البشر، أما إذا كان الأمر في حق الله - تعالى- فليس للعقل أن يحكم بالاستحالة على ما يقع في مقدور الله تعالى.
فإذا جاء النص بثبوت وزن الأعراض فلا يسعنا إلا الإذعان والإقرار.
فليس بالممتنع على قدرة الله -تعالى- أن ينشئ من الأعراض أجساماً، ولهذا نظائر كثيرة، ونذكر منها ما يلي:
١ - ما ورد في حديث مجئ الموت في صورة كبش يوم القيامة:
عن أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
" يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ:
هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا المَوْتُ ". (١)
٢ - عَنْ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
" " يَجِيءُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ فَيَقُولُ لِصَاحِبِهِ: أَنَا الَّذِي أَسْهَرْتُ لَيْلَكَ، وَأَظْمَأْتُ هَوَاجِرَكَ ". (٢)
٣ - وفي حديث الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ-رضى الله عنه- قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، ... ، وفيه أن المؤمن يمثل له عمله الصالح في صورة حسية، قال ﷺ :
" وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيَابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ، فَيَقُولُ: رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي، وَمَالِي "
وكذلك قال ﷺ في حق الكافر:
" يَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ، قَبِيحُ الثِّيَابِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوءُكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ،
стр. 1086
فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ، فَيَقُولُ: رَبِّ لَا تُقِمِ السَّاعَةَ ". (١)
قال ابن حجر:
والحق عند أهل السنة أن الأعمال حينئذ تجسَّد، أو تجعل في أجسام فتصير أعمال الطائعين في صورة حسنة، وأعمال المسيئين في صورة قبيحة ثم توزن. (٢)
* لذا يقال هنا:
غاية ما تشبَّث به النفاة في هذا الباب إنما هو مجرد الاستبعادات العقلية، وليس في ذلك حجة على أحد، فهذا إذا لم تقبله عقولهم فقد قبلته عقول قوم هي أقوى من عقولهم، من الصحابة والتابعين وتابعيهم حتى جاءت البدع كالليل المظلم وقال كلٌ ما شاء، وتركوا الشرع خلف ظهورهم، وليتهم جاءوا بأحكام عقلية يتفق العقلاء عليها، ويتحد قبولهم لها، بل كل فريق يدَّعي على العقل ما يطابق هواه. (٣)
* تنبيهان:
١ - الأول:
غاية ما ورد في صفة الميزان هو ما سبق ذكره، من كونه ذا كفَّتين ولسان، على ما ورد به النص والإجماع، ولا يزاد على ذلك من تفصيلات لم يأتِ بها نص صحيح، كالقول بأنه مخلوق من درة بيضاء، وما شابه ذلك.
قال صديق حسن خان:
وأما ماهية جرمه -أي الميزان - من أي الجوهر، وأنه موجود الآن، أو سيوجد فنمسك عن تعيينه. (٤)
٢ - الثاني:
ما ورد من أدلة في إثبات كفَّتي الميزان، مثل أثر سلمان -رضى الله عنه- وغيره رد على ابن حزم الذي أثبت ميزاناً أقرب ما يكون إلى أصول أهل التفويض، حيث قال:
لم يأتِ عنه ﵇ شيء يصح في صفة الميزان، ولا ندري كيف تلك الموازين،
стр. 1087
وأما من قال بما لا يدري أن ذلك الميزان ذو كفتين فإنما قاله قياساً على موازين الدنيا، وقد أخطأ في قياسه!! (١)
٢ - الفائدة الثانية: ما الذي يوزن في الميزان يوم القيامة:
القول الأول: الذي يوزن هو الشخص نفسه:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
" إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَقَالَ: اقْرَءُوا، ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]. (٢)
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَجْتَنِي سِوَاكًا مِنَ الْأَرَاكِ، وَكَانَ دَقِيقَ السَّاقَيْنِ، فَجَعَلَتِ الرِّيحُ تَكْفَؤُهُ، فَضَحِكَ الْقَوْمُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مِمَّ تَضْحَكُونَ؟
قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ، فَقَالَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ ". (٣)
* الثاني: أن الذي يوزن هو صحائف الأعمال:
وهو قول جمهور المفسرين، وقال به ابن عبد البر والقرطبي وغيرهما. (٤)
стр. 1088
ويدل عليه ما يلي:
١ - ظاهر قوله تعالى (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦)) (القارعة: ٦)
٢ - حديث الباب: وفيه أن البطاقة التي كتب فيه شهادة أنه " لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله" قد ثقلت في الميزان.
قال مرعي الحنبلي:
نثبت بهذا الحديث الصحيح أن الموزون إنما هو صحائف الأعمال، وعلى هذا فكيف يثقل وزن هذه الصحف؟ فهل العبرة في الوزن تفاوت أجرام الصحف، أو بالكتابة التي فيها؟
وعلى كلا التقديرين، فمشكل بحديث البطاقة، فسبحان العالم بكل شيء. (١)
* والراجح -والله أعلم- أن الذي يوزن هو الصحائف والأعمال نفسها والأشخاص، وأما أدلة وزن الصحائف والمرء نفسه فقد ذكرناها، وأما أدلة وزن الأعمال نفسها فنذكر منها:
١ - ما رواه أبو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قال رسول اللهِ ﷺ :
«كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ الله الْعَظِيمِ». (٢)
٢ - وروى أَبو الدَّرْدَاءِ-﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
" مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَن ". (٣)
٣ - وعن أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ -رضى الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
" الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ ". (٤)
стр. 1089
*وهنا سؤال يطرح نفسه:
ما الحكمة من نصب الموازين، مع كونه عزوجل وسع علمه أعمال العباد ومآلاتهم ؟
* والجواب على ذلك من وجوه:
١ - الأول:
ظهور سنة الابتلاء في باب الغيبيات، فيعلم من يؤمن بالميزان، رغم كونه لم يره، ممن هو منه في شك. فقد سقط في هذا الاختبار فئام من العقلانيين والمتكلمين الذين اتخذوا منهج التعطيل والتحريف سبيلاً دون التسليم والإثبات، فبئس للظالمين بدلاً.
٢ - الثاني:
أن يزداد المرء يقيناً أن الله -تعالى- لم يظلمه شيئاً، وذلك حين يبصر الإنسان أعماله التى أقر بها توضع في كفَّة الميزان، وهذا المعنى هو ما سطرَّه قوله تعالى (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)) (الأنبياء: ٤٧)
قال الطبري:
فإن أنكر ذلك جاهل بتوجيه معنى خبر الله -تعالى- عن الميزان، وخبر رسوله ﷺ عنه وِجْهَته، وقال: أوَ بالله -تعالى-حاجة إلى وزن الأشياء، وهو العالم بمقدار كل شيء قبل خلقه إياه وبعده؟
قيل له:
وزن ذلك نظيرُ إثباته إياه في أمِّ الكتاب واستنساخه ذلك في الكتب، من غير حاجة به إليه، ومن غير خوف من نسيانه، وهو العالم بكل ذلك في كل حال ووقت قبل كونه وبعد وجوده، بل ليكون ذلك حجة على خلقه، كما قال جل ثناؤه في تنزيله: (كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ) [سورة الجاثية: ٢٨ - ٢٩] الآية.
فكذلك وزنه تعالى أعمال خلقه بالميزان، حجة عليهم ولهم، إما بالتقصير في طاعته والتضييع، وإما بالتكميل والتتميم. (١)
стр. 1090
قال أبو العز الحنفي:
ويا خيبة من ينفي وضع الموازين القسط ليوم القيامة، كما أخبر الشارع، لخفاء الحكمة عليه، ويقدح في النصوص بقوله: لا يحتاج إلى الميزان إلا البقّال والفوَّال!!
وما أحراه بأن يكون من الذين لا يقيم الله -تعالى- لهم يوم القيامة وزناً.
ولو لم يكن من الحكمة في وزن الأعمال إلا ظهور عدله سبحانه لجميع عباده، فإنه لا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، فكيف ووراء ذلك من الحكم ما لا اطلاع لنا عليه؟! (١)
* أقول:
ومهما تبارى العلماء في بيان الحِكَم التي من أجلها تنصب الموازين يوم القيامة، فغاية أقوالهم هي اجتهادات بنيت على إعمال النظر، فهي تحتمل الصواب والخطأ، وتبقى الحكمة الإلهية من نصب الموازين في علم الله عزوجل، (عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى)، عَلِمها من عَلِمها وجهلها من جهلها، مع اليقين الجازم أنه الله -تعالى- لا يفعل إلا لحكمة "سبحانك ربنا وسعت كل شيء حكمة وعلماً".
* ومن الفوائد التي تتعلق بحديث الباب: " أحكام الموازنة يوم القيامة":
وهنا نذكر مسألتين: " الأولى: تعيين أصحاب الأعراف، الثانية: حكم من مات على الشرك الأصغر "
١ - أما المسألة الأولى: تعيين أصحاب الأعراف:
فقد ورد في تعيينهم أقوال كثيرة، تقرب من أربعة وعشرين قولاً، نذكر من أهمها ما يلي: (٢)