فجوابه:
فإنه يستحيل، لأنا نعلمه في الدنيا أيضا؛ فأي فائدة في هذا الخبر إذا كان الأمر في يوم القيامة وفي الدنيا واحداً؟؟!. (١)
* كذلك:
فإن لفظة "رأى" تارة تكون قلبية وتارة تكون بصرية، والقرائن هي التي تُخلّص أحد المعاني وترجحه، وأي بيان وقرينة فوق قوله: "ترون ربكم كما ترون الشمس "، فهل مثل هذا مما يتعلق برؤية البصر أو برؤية القلب؟! وهل يخفي مثل هذا إلا على من أعمي الله قلبه؟!! (٢)
* ومن شبهاتهم على نفي الرؤية:
قالوا: أحاديث الرؤية هي من أخبار الآحاد التى لا تفيد العلم في أبواب العقائد. (٣)
فجوابه من وجوه:
1) قد سلف لنا ذكر ما يؤيد أن أحاديث الرؤية إنما هي من الأحاديث المتواترة، وذكرنا أقوال العلماء فى ذلك.
2) وإن قلنا - تنزلناً- بأن أحاديث الرؤية من الآحاد فالصحيح أن خبر الواحد يفيد العلم النظري إذا احتفت به القرائن، سواء في ذلك ما ورد منها في العقائد أو العبادات. وهذا ما اختاره ابن تيمية وابن حجر وابن الصلاح والآمدي وابن القيم وغيرهم. (٤)
стр. 317
* قال ابن حجر:
وقد يقع فيها -أي الآحاد-ما يفيد العلم النظري بالقرائن على المختار، كأن يخرِّج الخبر الشيخان في صحيحهما، أو يكون مشهوراً وله طرق سالمة من ضعف الرواة والعلل. (١)
٣) من اللوازم الباطلة لهذا القول:
نسبة أمر الأمة جميعها إلى الخطأ؛ فقد أجمع أهل الإسلام على رواية الأحاديث في صفات الله وفي مسائل القدر والرؤية والإيمان والشفاعة والحوض، فإذا قلنا إن خبر الواحد لا يوجب العلم حملنا أمر الأمة في نقل هذه الأخبارعلى الخطأ، وجعلناهم لاغين هاذين مشتغلين بما لا يفيد أحدا شيئاً ولا ينفعه، ويصير كأنهم قد دونوا في أمور الدين ما لا يجوز الرجوع إليه والاعتماد عليه. (٢)
* ثم نقول:
التفريق في القبول بين الخبريات والعمليات بناءً على التواتر من عدمه قول محدث شغَّب بها أهل البدع لرد أصول الاعتقاد التى لا توافق أهواءهم.
* قال السمعانى:
قولهم إن أخبار الآحاد لا تقبل فيما طريقه العلم وهذا رأس شغب المبتدعة في رد الأخبار وطلب الدليل من النظر والاعتبار. وهذا شيء اخترعته القدرية والمعتزلة وكان قصدهم منه رد الأخبار.
والخبر إذا صح عن رسول الله ﷺ ورواه الثقات، وتلقته الأمة بالقبول فإنه يوجب العلم، هذا قول عامة أهل الحديث. (٣)
стр. 318
قول الأشاعرة في مسألة الرؤية:
وأما الأشاعرة فأرادوا الخروج من جلباب المعتزلة، ليقولوا بإثبات الرؤية؛ وكذلك أرادوا ألا يقولوا بقول أهل السنة بإثبات علو الله -تعالى- على عرشه، فقالوا:
إن الله -تعالى- يُري، ولكن لا في جهة؛ لأن الجهة -على زعمهم- من لوازم الأجسام.
قال صاحب الجوهرة:
" ومنه أن يُنظر بالأبصار.... لكن بلا كيفٍ ولا انحصار".
وعليه فقد جعل الأشاعرةُ أهلَ السنة مجسِّمة من هذا الباب. (١)
قال الغزالي:
أما الحشوية -وهو يقصد أهل السنة - فإنهم لم يتمكنوا من فهم موجود إلا في جهة، فأثبتوا الجهة حتى ألزمتهم بالضرورة الجسمية، وأما المعتزلة فقد نفوا الجهة ولم يتمكنوا من إثبات الرؤية دونها، وخالفوا به قواطع الشرع، وظنوا أن في إثباتها إثبات الجهة.
فهؤلاء تغلغلوا في التنزيه محترزين من التشبيه، فأفرطوا، والحشوية أثبتوا الجهة احترازاً من التعطيل فشبهوا، فوفق الله -سبحانه- أهل السنة للقيام بالحق، فتفطنوا وعرفوا أن الجهة منقية لأنها للجسمية تابعة، وأن الرؤية ثابتة لأنها رديف العلم؛ فانتفاء الجسمية أوجب انتفاء الجهة التي من لوازمها، وثبوت العلم أوجب ثبوت الرؤية. (٢)
стр. 319
* تأمل:
كيف يشنع الغزالي على أهل السنة فيصفهم بالحشوية والمشبهة لإثباتهم رؤية الله - تعالى- في الآخرة.
وعلى منواله قد نسج الزمخشري الذى تفوَّه بسب أهل السنة بفاحش اللفظ، حيث قال:
" ثم تعجب من المتسمّين بالإسلام المتسمين بأهل السنة والجماعة كيف اتخذوا هذه العظيمة -يقصد إثبات رؤية الله- مذهباً، ولا يغرنك تسترهم بالبلكفة، فإنه من منصوبات أشياخهم! والقول ما قال بعض العدلية فيهم:
لجماعةٌ سمُّوا هواهم سنّة... جماعة حُمُرٌ لَعَمْري موْكَفة
قد شبّهوه بخلقه فتخوّفوا... شَنَع الورى فتستّروا بالبلكفه. (١)
* وفى تفسيرهم لحديث " إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، .. " قالوا بما بوافق مذهبهم القائل بنفي الجهة مع إثبات الرؤية، كما قال بذلك البيهقي، وشيخه ابن فورك، وغيرهما، حيث فسَّروا " تضامّون ": بالتشديد بأن معناه:
لا تتضامون في رؤيته بالاجتماع في جهة، وهو دون تشديد الميم من الضيم، ومعناه:
لا تظلمون فيه برؤية بعضكم دون بعض، وإنكم ترونه في جهاتكم كلها، وهو يتعالى
عن جهة!! (٢)
* الرد على قول الأشاعرة:
١) أولًا:
قول الأشاعرة في الرؤية هو قول محدث مخالف للكتاب والسنة
стр. 320
وإجماع الأمة، فمجموع أدلة الشرع أثبتت لله -تعالى- كلا الأمرين إثبات العلو والمباينة، وإثبات الرؤية، وقد قال تعالى ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾
وأما السنة:
قوله ﷺ : «سترون ربكم كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ»،:
أنَّ الشرع ورد بثبوت الرؤية لله - تعالى - بالأبصار فحُمِلَ ذلك على الرؤية المعهودة، وهو ما كان عن مقابلة، لأنه لا يُتصورأن يكون هناك موجود مرئي في غير جهة، وذلك لا يقتضي تحديدًا ولا تجسيمًا لله تعالى، كما لا يقتضي العلم به تحديدًا له ولا تجسيمًا.
وأما الإجماع:
قال أبو العباس ابن تيمية:
وقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ عند علماء الحديث، وجمهور القائلين بالرؤية يقولون: يُرى عياناً مواجهة، كما هو المعروف بالعقل. (١)
٢) ثانياً:
لا شك أن التناقض البيِّن في قول الأشاعرة هو أكبر دليل على سقوط هذا القول فقد وقعوا في التناقض، وانفردوا بقول لم يقل به أنس قبلهم ولا جآن.
فالعقل فضلاً عن النقل يرفض مثل هذا الجمع بين النقيضين؛ فكيف يُعقل أن تثبت رؤية بغير مقابلة، ولهذا قيل فيهم:
"من أنكر الجهة وأثبت الرؤية فقد أضحك الناسَ على عقله".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
جمهور القائلين بالرؤية يقولون: يُرى عياناً مواجهة، كما هو المعروف بالعقل، ولا ريب أن جمهورالعقلاء من مثبتي الرؤية ونفاتها يقولون: إن قول الأشاعرة معلوم الفساد بالضرورة؛ ولهذا يذكر الرازي أن جميع فرق الأمة تخالفهم في ذلك. (٢)
стр. 321
قال الإمام أبو العز الحنفي:
وهل تعقل رؤية بلا مقابلة؟ ومن قال: يُرى لا في جهة، فليراجع عقله!!
فإما أن يكون مكابراً لعقله أو في عقله شيء، ولهذا ألزم المعتزلة من نفى العلو بنفي الرؤية، وقالوا: كيف تعقل رؤية بغير جهة؟!! (١)
قال ابن رشد:
وأما الأشاعرة فراموا الجمع بين الاعتقادين، انتفاء الجسمية وجواز الرؤية فعسر ذلك عليهم ولجأوا إلى حجج سوفسطائية مموهة كاذبة.
وقال أيضاً:
ولولا النشأ على هذه الأقاويل وتعظيم القائلين بها لما أمكن أن يكون فيها شيء من الإقناع، ولا وقع بها التصديق لأحد سليم الفطرة. (٢)
يقول ابن القيم:
إذْ رُؤيَةٌ لَا فِي مُقَابَلَةٍ مِنَ الرَّ... ائِى مُحَالٌ لَيْسَ فِي الإِمْكَانِ
وَمَنِ ادَّعَى شَيْئًا سِوَى ذَا كَانَ دَعـ... وَاهُ مُكَابَرَةً عَلَى الأَذْهَانِ. (٣)
* وتأمل:
" فلكل مقدمة باطلة نتائج عنها معبرة "، فها هو الرازى قد أورد أثني عشر سؤالاً هي حجة على الأشاعرة في إثبات الرؤية، واعترف بالعجز عن الجواب عنها. (٤)
٣) ثالثاً:
أن شيوخ الأشاعرة المتقدمون يثبتون لله -عزوجل- العلو، ولم يُحفظ عنهم إثبات رؤية بلا جهة، فهل يقال إن شيوخ الأشاعرة مجسمة؟!! (٥)
٤) رابعاً:
إن المتأمل لقول الأشاعرة في هذا الباب يصل إلى حقيقة الرؤية التى قالوا بها، والتى اعترف بها المنصفون منهم لا المكابرون: أن الرؤية ما هى إلا نوع
стр. 322
إدراك وكشف وزيادة استيضاح لذات الله عزوجل. (١)
لذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
صار الحذاق من متأخري الأشعرية على نفي الرؤية وموافقة المعتزلة، فإذا أطلقوها موافقة لأهل السنة فسروها بما تفسرها به المعتزلة، وقالوا: النزاع بيننا وبين المعتزلة لفظي. (٢)
* وفي ذلك يقول ابن القيم:
ولذاك قال محققٌ منكم لأهل... الاعتزال مقالة بأمان
ما بيننا خلف وبينكم لذي... التحقيق في معنى فيا إخواني
شدوا بأجمعنا لنحمل حملة... نذر المجسم في أذل هوان
إذ قال إن إلهنا حقا يُرى... يوم المعاد كما يُرى القمران. (٣)
* فلعلك لاحظت أن إثبات الأشاعرة للرؤية ونفي لازمها إنما هو نفي للرؤية نفسها، لأن نفي اللازم نفي للملزوم.
لذلك كان المعتزلة أكثر منطقية مع أنفسهم
стр. 323
حين ذهبوا إلى نفي الأمرين فراراً من الوقوع في التناقض الذي وقع فيه الأشاعرة. (١)
وصدق من قال:
" الأشاعرة لُحاء سنة، ومخ اعتزال "
ومن المسائل المتعلقة بهذا البحث؛ مسألة مهمة:
أهم الأسباب الجالبة لرؤية الله -تعالى- في الآخرة ؟؟
عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةً - يَعْنِي البَدْرَ - فَقَالَ:
«إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ (٢)
فقوله صلي الله عليه وسلم: "فافعلوا":
يقتضي أن المحافظة عليها هنا لأجل ابتغاء هذه الرؤية، ويقتضي أن المحافظة سبب لهذه الرؤية. ووجه مناسبة ذكر هاتين الصلاتين عند ذكر الرؤية أن الصلاة أفضل الطاعات، وقد ثبت لهاتين الصلاتين من الفضل على غيرهما ما ذكر من اجتماع الملائكة فيهما ورفع الأعمال، فهما أفضل الصلوات فناسب أن يجازى المحافظ عليهما بأفضل العطايا، وهو النظر إلى الله تعالى. (٣)
* قال الدارقطني:
يزورون ربهم -تبارك وتعالي- ويرفع الحجاب بينه وبينهم، فينظرون إليه وينظر إليهم، وذلك قوله "قال تعالى (ولَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا). (٤)
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
والرسول ﷺ قد جعل صلاتي الغداة والعشي سبباً " للرؤية " وصلاة الجمعة سبباً " للرؤية " في وقتها؛ مع ما في الصلاة من مناسبة الرؤية كان العلم بمجموع هذه الأمور يفيد ظنا قويا أن هاتين الصلاتين سبب للرؤية في وقتهما في الآخرة والله أعلم بحقيقة الحال. (٥)
стр. 324
*قال ابن رجب:
ولا نسبة لما حصل لقلوبهم في الدنيا من لطائف القرب والأنس والاتصال إلى ما يشاهدونه في الآخرة عياناً، فتتنعم قلوبهم وأبصارهم وأسماعهم بقرب الله ورؤيته، وسماع كلامه، ولا سيما في أوقات الصلوات في الدنيا، كالجمع والأعياد، والمقربون منهم يحصل ذلك لهم كل يوم مرتين: بكرة وعشيا في وقت صلاة الصبح وصلاة العصر، ولهذا لما ذكر النبي ﷺ أن أهل الجنة يرون ربهم، حض عقيب ذلك على المحافظة على صلاة العصر وصلاة الفجر. (١)
ذكر ما صح في رؤية الله -تعالي - تكون في الآخرة يوم الجمعة:
عن ابن عباس ﵄ أن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال:
"إن أهل الجنة يرون ربهم -تعالي- في كل يوم جمعة في رمال الكافور، وأقربهم منه مجلسا أسرعهم إليه يوم الجمعة وأبكرهم غدواً " (٢)
وعن أنس-رضى الله عنه- مرفوعاً:
إذا كان يوم الجمعة تجلي الله -تعالي- لأهل الجنة، فينظرون إلي وجهه ، فَلَيْسَ هُمْ فِي الْجَنَّةِ بِأَشْوَقَ مِنْهُمْ إِلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِيَزْدَادُوا نَظَرًا إِلَى رَبِّهِمْ وَكَرَامَتِهِ، وَلِذَلِكَ دُعِيَ يَوْمَ الْمَزِيدِ. (٣)
* قال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه:
سارعوا إلى الجمعة؛ فإن الله يبرز لأهل الجنة في كل يوم جمعة في كثيب من كافور أبيض، فيكونون في الدنو منه على مقدار مسارعتهم في الدنيا إلى الجمعة. .
قال أبوعبيدة بن عبد الله بن مسعود:
فكان عبد الله لا يسبقه أحد إلى الجمعة، فجاء يوماً وقد سبقه رجلان، فقال: (رجلان وأنا الثالث، إن شاء الله يبارك في الثالث). (٤)
стр. 325
قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر جملة من لأحاديث فى رؤية المؤمنين لربهم -تعالى- يوم الجمعة:
وهذه الأحاديث عامتها إذا جرد إسناد الواحد منها لم يخل عن مقال قريب أو شديد، لكن تعددها وكثرة طرقها يغلب على الظن ثبوتها في نفس الأمر؛ بل قد يقتضي القطع بها، وأيضا فقد روي عن الصحابة والتابعين ما يوافق ذلك، ومثل هذا لا يُقال بالرأي؛ وإنما يقال بالتوقيف. (١)
قال ابن القيم:
أوما سمعت بشأنهم يوم المزيـ... د وأنه شأن عظيم الشان
هو يوم جمعتنا ويوم زيارة الـ... رحمان وقت صلاتنا وأذان
والسابقون إلى الصلاة هم الألى... فازوا بذاك السبق بالإحسان
سبق بسبق والمؤخر ههنا... متأخر في ذلك الميدان
والأقربون إلى الإمام فهم أولو... الزلفى هناك فها هنا قربان. (٢)
... ومن فروع هذا المبحث: رؤية الكافرين لربهم يوم القيامة:
* من المسائل التى وقع فيها الخلاف بين أهل السنة:
مسألة رؤية الله - تعالى- في
стр. 326
العرصات، هل هي حاصلة لجميع الناس، بمن فيهم من الكافرين والمنافقين، أم هي للمؤمنين خاصة؟؟
اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
القول الأول:
رؤية حاصلة يوم القيامة لجميع أهل الموقف، وقال به شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، واختاره ابن حزم، وأدلة هذا القول:
١) قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ) (الإنسان/٦)
فالأية ذكرت لفظ الإنسان، فيعم كل على عرصات يوم القيامة، واللقاء يدل على الرؤية و المعاينة.
* قال أبو العباس أحمد بن يحيي:
أجمع أهل اللغة على أن اللقاء لا يكون إلا معاينة ونظراً بالأبصار. (١)
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
أما اللقاء فقد فسره طائفة من السلف والخلف بما يتضمن المعاينة والمشاهدة بعد السلوك والمسير؛ وقالوا: إن لقاء الله يتضمن رؤيته . (٢)
*ومن أدلة السنة.
قال الرسول ﷺ :
"لَيَلْقَيَنَّ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ لَهُ: أَلَمْ أُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ؟ أَلَمْ أَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، فَيَقُولُ: فَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: الْيَوْمَ أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي (٣).
فهذا الحديث قد ذكر اللقاء الدال على الرؤية، والحديث في سياق لقاء العبد الكافر الذى أنكر البعث والحساب.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وهذا حديث صحيح. وفيه أن الكافر والمنافق يلقى ربه. ويقال: ظاهره أن الخلق جميعهم يرون ربهم. (٤)
стр. 327
٢) عن أبي هريرة -رضى الله عنه أن النبي- ﷺ قال:
يجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ، فَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ الْقَمَرَ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ ﵎ فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ تَعَالَى فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ ربنا. (١)
ففيه دلالة: على رؤية الناس جميعهم لله تعالى في العرصات، وذلك قبل التمييز.
٣) عن أبي سعيد الخدري - رضى الله عنه- قال: سئل النبي ﷺ هل نرى ربنا يوم القيامة؟
فذكر الحديث، وفيه تساقط اليهود والنصارى في النار، ثم قال " حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ، أَوْ فَاجِرٍ، أَتَاهُمْ رَبُّ العَالَمِينَ فِي أَدْنَى صُورَةٍ مِنَ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا. (٢)
فقوله ﷺ : (في أدنى صورة من التي رأوه فيها):
فيه دلالة على أن جميع أهل الموقف قد رأوه في صورته قبل التمييز وسقوط اليهود والنصارى في النار.
* قال ابن القيم:
دلت الأحاديث الصحيحة الصريحة على أن المنافقين يرونه تعالى في عرصات القيامة، بل والكفار أيضا كما في الصحيحين من حديث التجلي يوم القيامة. (٣)
القول الثاني:
أن رؤية الله - عزوجل إنما - هي للمؤمنين والمنافقين فقط، وقال به أبو بكر ابن خزيمة، ورجحه ابن العثميين، واستدلوا بما يلي:
١ - قال تعالى (كلا إنهم عن ربهم يومئذ محجوبون).
وجه الدلالة: ثبت بالسنة رؤية المؤمنين والمنافقين، فتبين بذلك أن هذه الآية في حق الكفار لا غير.
стр. 328
*قال ابن خزيمة معقباً على الأية:
أراد الكفار الذين كانوا يكذبون بيوم الدين، بضمائرهم، فينكرون ذلك بألسنتهم، دون المنافقين الذين كانوا يكذبون بضمائرهم ويقرون بألسنتهم بيوم الدين. (١)
٢ - حديث جابر- رضى الله عنه - مرفوعاً:
ثُمَّ يَأْتِينَا رَبُّنَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: مَنْ تَنْظُرُونَ؟ فَيَقُولُونَ: نَنْظُرُ رَبَّنَا، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: حَتَّى نَنْظُرَ إِلَيْكَ، فَيَتَجَلَّى لَهُمْ يَضْحَكُ، قَالَ: فَيَنْطَلِقُ بِهِمْ وَيَتَّبِعُونَهُ، وَيُعْطَى كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مُنَافِقًا، أَوْ مُؤْمِنًا نُورًا، فيتجلى لهم يضحك، قال فينطلق بهم ويتبعونه، ويُعطى كل إنسان منهم، منافق أو مؤمن، نورا. . (٢)
٣ - القول الثالث:
بأن الكفار لا يرون ربهم بحال، لا المظهر للكفر ولا المسرّ له، وهذا الذي عليه أكثر المتأخرين وجمهور أصحاب الإمام أحمد وهو قول الجمهور، ورجحه النووي، واستدلوا بما يلي:
١ - قال تعالى (كلا إنهم عن ربهم يومئذ محجوبون).
٢ - الرؤية أعظم النعيم، فلا حظ فيها للكافرين من المعلنين أو المسرّين. (٣)
والراجح هو القول الأول:
أن الكفار والمنافقين يرون ربهم؛ وهي رؤية تعريف وتوبيخ وتعذيب - كاللص إذا رأى السلطان - وليست رؤية كرامة ولا نعيم.
فإن اللقاء ينقسم إلى: لقاء على وجه الإكرام ولقاء على وجه العذاب، فهكذا الرؤية التي يتضمنها اللقاء.
стр. 329
وقد سئل أبو حازم سلمة بن دينار الأعرج: كيف القدوم على الله؟ فقال:
المحسن كالغائب يقدم على مولاه، وأما المسئ كالآبق يقدم به على مولاه.
أما استدلال المخالف بقوله تعالى (كلا إنهم عن ربهم يومئذ محجوبون).
فجوابه: فهذا الحجب إنما يكون بعد المحاسبة، فإنه قد يقال "حجبت فلانا عنى"،
وإن كان قد تقدَّم الحجب نوع رؤية، وهذا حجب عام متصل، وبهذا الحجب يحصل الفرق بينهم وبين المؤمنين. (١)
فإن قيل: قد قال تعالى (ولا ينظر إليهم)؟!
فجوابه: أن هذا تأويله: نفي نظر الرحمة والتكريم؛ لا مطلق النظر، أرأيت قوله تعالى: (ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون) مع قوله تعالى (وقفوهم إنهم مسئولون).
فالمنفي في السؤال هو سؤال الاستعتاب كما في قوله (ولاهم يستعتبون).
وإنما يسئلون سؤال تقريع وتوبيخ لقوله تعالى: (فوربك لنسألنهم أجمعين). (٢)
- أما استدلالهم بحديث تجلّي الله ضاحكاً للمؤمنين والمنافقين؟!
فجوابه:
فهذا واقع بعد إتيان الله -تعالى- لأهل الموقف جميعهم في صورته، كما سبق ذكره كما في قوله (فيأتيهم في أدنى صورة من التي رأوه فيها).
* أما ما ذكره الإمام ابن خزيمة بأن الاستدلال على إثبات رؤية الكفار بثبوت اللقاء لا يصح، لأن اللقاء غير الرؤية؟!
فجوابه:
نعم اللقاء غير الرؤية، ولكن اللقاء مستلزم للرؤية، فلا يقال لقي فلان
стр. 330
فلانا إلا إذا تقابلا ورأى أحدهما الآخر. (١)
وقد نقلنا آنفا الإجماع الذي نقله ابن القيم على أن اللقاء متي نسب إلى الحي السليم من العمى والمانع اقتضى المعاينة والرؤية.
*ختاماً: رؤية النساء لربهم في الجنة:
الصحيح من أقوال أهل العلم في ذلك هو أن النساء يرين الله في الجنة، والدليل على ذلك عموم النصوص؛ فإن النصوص التي في إثبات الرؤية مثل:
قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] وقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، تدل على دخول المؤمنات في الجنة في هذه الرؤية؛ لأن العموم يشملهنَّ.
وأما قوله تعالى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس: ٢٦]، وإن كان قد ورد الذين بصيغة المذكر، فتدخل النساء أيضاً؛ إن مسألة دخول النساء في عموم النصوص الواردة بصيغة الذكور، مسألة معروفة ومشهورة عند أهل العلم، وهناك نصوص تدل على دخولهن في العموم، ومن ذلك قول الله عن مريم في سورة التحريم: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢].
والقانتين: جمع مذكر سالم لقانت، فجعلها داخلة في عموم جمع المذكر السالم.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
الدليل على أنهن يرينه أن النصوص المخبرة بالرؤية في الآخرة للمؤمنين تشمل النساء لفظاً ومعنى، ولم يعارض هذا العموم ما يقتضي إخراجهن من ذلك فيجب القول بالدليل السالم عن المعارض المقاوم. (٢)
* وقال ﵀:
وأما حديث ابن مسعود ففي جميع طرقه - مرفوعها وموقوفها -التصريح أن النساء يرين ربهم في الأعياد؛ وإسناد حديث ابن مسعود أجود من جميع
стр. 331
أسانيد هذا الباب. (١)
... وفي ختام الكلام.....
* أقوال العلماء في فيما يستحقه من أنكر الرؤية:
قال أبو عبد الله الماجشون - وهو من أقران مالك - في كلام له:
فورب السماء والأرض ليجعل الله رؤيته يوم القيامة للمخلصين ثواباً، فتنضر بها وجوههم دون المجرمين، وتفلج بها حجتهم علي الجاحدين: جهم وشيعته، وهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون، لا يرونه كما زعموا أنه لا يُري. (٢)
قال ابن القيم:
اتفق الأنبياء وجميع الصحابة والأئمة على رؤية الله ، وأنكرها أهل البدع المارقون من الجهمية والفرعونية والرافضة والباطنية، وكل هؤلاء عن ربهم محجوبون و عن بابه مطرودون. (٣)
ذكر الخطيب البغدادي أن بشر المريسي لما مات لم يشهد جنازته من أهل العلم إلا عبيد الشونيزي، فلما رجع من الجنازة أقبل عليه أهل السنة والجماعة، قالوا:
يا عدو الله تنتحل السنة وتشهد جنازة المريسي؟!
قال: أنظروني حتى أخبركم، لما وضع في موضع الجنائز قمت في الصف، فقلت:
اللهم عبدك هذا كان لا يؤمن برؤيتك في الآخرة، اللهم فاحجبه عن النظر إلى وجهك يوم ينظر إليك المؤمنون.
اللهم عبدك هذا كان لا يؤمن بعذاب القبر، اللهم فعذّبه اليوم في قبره عذاباً لم تعذبه أحداً من العالمين.
اللهم عبدك هذا كان ينكر الميزان، اللهم فخفف ميزانه يوم القيامة.
اللهم عبدك هذا كان ينكر الشفاعة، اللهم فلا تشفع فيه أحداً من خلقك يوم القيامة.
قال: فسكتوا عنه وضحكوا. (٤)
стр. 332
وأقول:
فسيعلم هؤلاء النفر الذين أنكروا رؤية المؤمنين لربهم - عزوجل- في الآخرة خطأهم وبطلان قولهم، وذلك حين يعلمون علم اليقين حصول رؤية المؤمنين لربهم، وصدق الله: (يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق) (الأعراف/٥٣).
وستعلم حين ينكشف البيان... أفرس تحتك أم أتان.
أما نحن الذين نوقن علم اليقين برؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، فنسأل الله- تعالى- أن يرزقنا عين اليقين فينضر وجوهنا بالنظر إلى وجه الكريم.
فاللهم كما نضّرت وجوه عبادك المؤمنين في الدنيا بسماع حديث النبي ﷺ ونقله والعمل بها، فنضر وجوهنا في الآخرة بالنظر إلى وجهك الكريم.
وصلى الله على النبي ﷺ .
стр. 333
الحديث الثانى عشر: إعلام الطالبين بفوائد حديث السبعين
* قال ابن كثير:
ثبت بالتواتر عن رسول الله ﷺ أنه أخبر أن في هذه الأمة سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب. (١)
** شرح وفوائد الحديث:
الفائدة الأولى: قول الرسول ﷺ :
" عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ ":
أي رآهم النبي ﷺ بما سيؤول إليه أمرهم يوم القيامة، فهم مُثَّلِوا له في الرؤيا، ورؤيا الأنبياء وحى، وهذا ما سوف يقع للنبي- ﷺ يوم القيامة.
٢ - الفائدة الثانية:
قوله- ﷺ : فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ:
والرهيط تصغير الرهط، والرهط هم الجماعة دون العشرة.
قوله ﷺ : " إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسَى ﷺ وَقَوْمُهُ ":
* فإن قيل:
كيف لم يعرف أمته حتى ظن أن أمة موسي ﷺ هي أمته، وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة-رضى الله عنه عند - أنه ﷺ يعرفهم من آثار الغرة والتحجيل؟
*والجواب:
الأشخاص التي رآها في الأفق لا يُدرك منها إلا الكثرة من غير تمييز لأعيانهم، وأما ما في حديث أبي هريرة -رضى الله عنه- فمحمول على ما إذا قربوا منه، وهذا كما يرى الشخص شخصاً على بعد فيكلمه ولا يعرف أنه أخوه، فإذا صار بحيث يتميَّز عن غيره عرفه. (٢)
* ومن الفوائد المتعلقة بحديث الباب:
قوله ﷺ : فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمَّتُكَ، وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ.... "
قد ورد في غير الصحيحين روايات فيها زيادة عن السبعين ألفاً الوارد ذكرهم عند البخاري ومسلم، ومن ذلك ما يلى:
ففي حديث أبي هريرة- ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ
стр. 336
يقول:
" وعدني ربي أنْ يدخلَ الجنةَ مِنْ أمتي سبعينَ ألفاً لا حسابَ عليهم ولا عذابَ، مع كلِ ألفٍ سبعونَ ألفاً ". (١)
وفي رواية أبي أمامة - رضى الله عنه- مرفوعاً: " إنَّ ربِّي قَدْ وَعَدَنِي سَبْعِينَ ألْفاً، مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفاً، وَزَادَنِي حَثَيَاتٍ من حثيات ربي " (٢)
ومن مجموع هذه الروايات تبين أن عدد هؤلاء السابقين الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب يزيد عن السبعين ألفاً الوارد ذكرهم في رواية الصحيحين، فيقرب العدد بمجموع الروايات من خمسة ملايين، أضف إلى ذلك ما ورد من رواية " وَزَادَنِي حَثَيَاتٍ من حثيات ربي "، وهذا فضل الله -تعالى- الذى يُوَفَّى بغير حساب.
* عودٌ إلى حديث الباب:
ثُمَّ نَهَضَ النبي ﷺ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ فَخَاضَ النَّاسُ فِي أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ صَحِبُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُشْرِكُوا بِاللهِ...
* وفيه من الفوائد:
قوله: (فخاض الناس): أي تكلموا وتناظروا، وفي هذا إباحة المناظرة في العلم والمباحثة في نصوص الشرع على جهة الاستفادة وإظهار الحق، والله أعلم. (٣)
** فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ- ﷺ فَقَالَ:
«مَا الَّذِي تَخُوضُونَ فِيهِ؟» فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، ولا يَكْتَوون وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ»،
تبيه: ورد عند الإمام مسلم لفظة (لَا يَرْقُونَ...
وهذه اللفظة مما قد انفرد بها الإمام مسلم في صحيحه، فلم يروها الإمام البخاري، وهي لفظة -على الراجح-
стр. 337
شاذة من جهة السند والمتن:
* أما من جهة السند:
فإن اللفظ المحفوظ الذى اتفق عليه الثقات الذين رووا هذا الحديث هو:
«هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ»، فهذا الذى اتفق عليه الشيخان وغيرهما من أصحاب السنن في حديث ابن عباس ﵄، وإن كان عند البعض تقديم وتأخير.
لكن جاء في رواية سعيد بن منصور عند مسلم قال: " هُمُ الَّذِينَ لَا يَرْقُونَ، "، بدلاً من: "لا يكتُوون"، فهى زيادة شاذة. (١)
* أما من جهة المتن:
فإن النبي ﷺ رقى نفسه وغيره، لكنه لم يسترق، فالمسترقي طالب للدعاء من غيره، بخلاف الشخص الذى يرقي غيره فإنه يدعو له في صورة الرقية الشرعية.
فإن الراقي محسن إلى أخيه، وقد قال النبي ﷺ وقد سئل عن الرقية فقال:
«مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ» (٢)، وقال: «"اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، وَلَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا
стр. 338
لَمْ يَكُنْ شِرْكًا"» (١)، والفرق بين الراقي والمسترقي أن المسترقي سائل مستعطٍ ملتفت إلى غير الله بقلبه، والراقي محسن نافع.
وإنما الحديث " «هم الذين لا يسترقون»؛ فهؤلاء دخلوا الجنة بغير حساب، لكمال توحيدهم،
ولهذا نفى عنهم الاسترقاء، وقال في آخر الحديث: «وعلى ربهم يتوكلون»، فلكمال توكلهم على ربهم وسكونهم إليه، وثقتهم به، ورضاهم عنه، وإنزال حوائجهم به لا يسألون الناس شيئاً. (٢)
** عودٌ إلى حديث الباب: قوله ﷺ : «هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ....
و الاسترقاء: هو طلب الرقية من الغير، وهذه هي أولى الصفات التى اختص بها السابقين الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ووجه المدح فيها أنهم قد تركوا طلب الرقية من الغير لكمال توكلهم على الله عزوجل.
فلا شك أن الطلب والسؤال من الناس فيه افتقار القلب والتفاته إلى غير الله، وهذا نوع من الفقر للمخلوق، فهم لقوة اعتمادهم على الله -و لعزة نفوسهم عن التذلل لغير الله تركوا الاسترقاء.
فليس محرماً أن يطلب أحد من شخص أن يرقيه، ولكن من فعل ذلك فقد فاته الكمال والسبق، وقد فعل خلاف الأفضل والأكمل. وعليه يُحمل قوله ﷺ :
" " مَنِ اكْتَوَى، أَوْ اسْتَرْقَى فَقَدْ بَرِئَ مِنَ التَّوَكُّلِ " " (٣)، و المراد هنا هو نفي كمال التوكل المستحب؛ وما ذلك إلا لفعله ما كان الأولى له التنزه عنه، والذى هو الاحتياج للغير.
وقد يتوجه النفي إلى أصل التوكل، وذلك لمن اكتوى أو
стр. 339
استرقى متوجهاً حال ذلك بكلية توكله على غير الله تعالى.
* قال الإمام أحمد:
يشبه أن يكون هذا -أى مدح عدم الاسترقاء- ترغيباً في التوكل على الله ، وقطع القلوب عن الأسباب التي كانوا في الجاهلية يرجون منها الشفاء دون من جعلها أسباباً لها. (١)
* لذا فإن الرقية مندوبة في حق الراقي؛ لأنها من باب الإحسان، ولما فيها من النفع، وهي جائزة في حق المرقي، إلا أنه لا ينبغي له أن يبتدئ بطلبها، فإن من كمال توكل العبد وقوة يقينه أن لا يسأل أحداً من الخلق لا رقية ولا غيرها، وهذا من أسرار تحقيق التوحيد ومعانيه البديعة التي لا يوفَّق للتفقه فيها والعمل بها إلا الكمَّل من العباد. (٢)
وهذا إن دل إنما يدل على أثر تفاوت أعمال القلوب على رفعة الدرجات والسبق إلى الجنان، كما قال تعالى " هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ "، فهذا الارتقاء عند الله -تعالى- يكون بأعمال القلوب كما يكون بأعمال الجوارح.
* فوائد تتعلق بمسألة الاسترقاء:
١) من طلب الرقية لزوجته أو لولده مثلاً، فهذا داخل في معنى الاسترقاء، هذا بخلاف من أرشد أولياء المريض أن يسترقوا له، هذا من باب النصح والإرشاد، ودليل ذلك ما روته أُمّ سَلَمَةَ- ﵂ عن النَّبِيَّ ﷺ أنه رَأَى فِي بَيْتِهَا جَارِيَةً فِي وَجْهِهَا سَفْعَةٌ، فَقَالَ:
«اسْتَرْقُوا لَهَا، فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ». (٣)
أى اطلبوا لها من يرقيها، " فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ " أى أصيبت بالعين، والسفعة هي صفرة بالوجه.
* إشكال والرد عليه:
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ، نَفَثَ فِي كَفَّيْهِ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَبِالْمُعَوِّذَتَيْنِ جَمِيعًا، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا
стр. 340
وَجْهَهُ، وَمَا بَلَغَتْ يَدَاهُ مِنْ جَسَدِهِ» قَالَتْ عَائِشَةُ: «فَلَمَّا اشْتَكَى كَانَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ بِهِ». (١)
أليس هذا من الاسترقاء؟؟؟
* والرد عليه:
أنه كان ﷺ هو الذى ينفث على نفسه، وضعفه ووجعه يمنعه من إمرار يده
على جسده كله، فكان يأمر عائشة-رضى الله عنها- أن تمر بيده على جسده بعد نفثه هو، وليس
ذلك من الاسترقاء في شيء. وهي لم تقل " كان يأمرني أن أرقيه "، وإنما ذكرت المسح بيده بعد النفث على جسده، ثم قالت: كان يأمرني أن أفعل ذلك به، أي: أن أمسح جسده بيده، كما كان هو يفعل. (٢)
... شروط الرقية الشرعية:
١) أن تكون من الكتاب والسنة، فلا تتضمن شركاً:
قال النبي ﷺ : " اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِا شِرْكٌ. (٣)
وعَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ -رضى الله عنه- دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ - رضى الله عنها- وَهِيَ تَشْتَكِي، وَيَهُودِيَّةٌ تَرْقِيهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ارْقِيهَا بِكِتَابِ اللَّهِ ". (٤)
وعليه فإنه ما ورد من أحاديث تنهى عن الرقية فهى تحمل على الرقى الشركية، التى يُستعان فيها بغير الله عزوجل، أو على من كانوا يعتقدون نفعها وتأثيرها بطبعها، كما كان أهل الجاهلية يزعمون.
*قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
الرقى والعزائم الأعجمية هي تتضمن أسماء رجال من الجن يُدعون ويُستغاث بهم ويُقسم عليهم بمن يعظمونه، فتطيعهم الشياطين بسبب ذلك في بعض الأمور من جنس السحر والشرك.
قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ولكنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ
стр. 341
النَّاسَ السِّحْرَ ﴿. (١)
٢) أن تكون باللغة العربية: واضحة الألفاظ ومفهومة المعني:
وقد أجاز قوم كل رقية جربت منفعتها ولو لم يعقل معناها، لكن قد دل الحديث على أنه مهما كان من الرقى يؤدي إلى الشرك يمنع، وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك فيمتنع احتياطاً. (٢) .. فالرقية تكون محرمة إذا حوت على أسماء لا يُفهم معناها؛ لأنها تجر إلى الشرك، ولا يؤمن أن يكون في الكلام الذى لا يُفهم معناه شيء من الشرك، فلا بد أن يكون من الكلام المفهوم.
قال القرافي:
من الرقى ما هو مشروع، كالفاتحة والمعوذتين، ومنها ما هو غير مشروع كرقى الجاهلية والهند وغيرهما، وربما كان كفراً؛ ولذلك نهى مالك وغيره عن الرقى بالعجمية لاحتمال أن يكون فيه محرَّم. (٣)
تحدّث شيخ الإسلام ﵀ عنها، وذكر حرمتها في موضع آخر فقال:
"وعامة ما بأيدي الناس من العزائم والطلاسم والرقى التي لا تفقه بالعربية، فيها ما هو شرك بالجنّ. ولهذا نهى علماء المسلمين عن الرقى التي لا يفقه معناها لأنها مظنة الشرك، وإن لم يعرف الراقي أنها شرك. (٤)
وأما من كان لا يحسن العربية فرقي بلغة أخري بكلام مفهوم المعنى فلا حرج في ذلك.
٣ - ألا يعتقد المرء أن الرقية تنفع بذاتها:
فالرقية سبب يقع أثره بتقدير الله عزوجل، فلا تأثير لها إلا بإذن الله غير وجل، فقد يتوفر السبب ويتخلف التأثير، وقد يقع التأثير -الذى هو الشفاء-بغير سبب.
стр. 342
قال البيهقي:
قد نهى عن الرقية إذا كان فيها شرك، أو استعمل شئ من ذلك، على الوجه الذي كانوا يستعملونه في الجاهلية من إضافة الشفاء إليها دون الله . (١)
وقد نقل ابن حجر والسيوطى إجماع العلماء على هذه الشروط الثلاثة.
قال ابن حجر:
أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط أن يكون بكلام الله -تعالى- أو بأسمائه وصفاته، وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بذات الله تعالى. (٢)
** فوائد مهمة تتعلق بالرقية:
١) الرقية توفيقية وليست توقيفية:
بمعنى ان الرقى لا يجب فيها الإلتزام بنص أو بذكر معين، بل إن رقى بذكر أو قراءة، فرأى أثرها الطيب، فله أن يكررها ما لم يكن فيها محذور يخالف صحيح العقيدة؛ ذلك لأن التداوي بالرقي من جنس التداوي بالأدوية، فهي مبنية على التجربة، لا على التلقي.
يؤيد ذلك: قوله ﷺ : «اعرضوا علىَّ رقاكم»، فلم يلزمهم بذكر بعينه، مع إرشادهم لأنفع أوراد الرقية الشرعية. (٣)
٢) من استرقى وهو لا يعلم بحديث السبعين، وأن طلب الرقية مخرج من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وأنه خلاف الأولى، فإذا علم ذلك فأقلع عن الاسترقاء، وحقق الصفات الأخرى المذكورة في الحديث فهو معدود - بإذن الله - في السبعين ألفاً، فالعبرة في ذلك بمن علم الحديث ثم فعل ذلك بعد علمه به.
* ومما يؤيد ذلك أمور منها:
١) عن عمران بن حصين-رضى الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الكَيِّ، قَالَ: فَابْتُلِينَا
стр. 343
فَاكْتَوَيْنَا فَمَا أَفْلَحْنَا وَلَا أَنْجَحْنَا".
قال أبو داود: وكان يسمع تسليم الملائكة، فلما اكتوى انقطع عنه، فلما ترك رجع إليه". (١)
٢) أن العبرة بالخواتيم؛ فلقد كان الصحابة - رضى الله عنهم- قبل إسلامهم كفاراً، فأسلموا وحسن إسلامهم، وصاروا خير أمة أخرجت للناس، وهذا فيمن ترك الإيمان ثم عاد إليه، فمن باب أولى أن الذي يترك كمال التوكل، حين يطلب الإسترقاء، ثم يعود إليه يقبل منه.
٣) مراتب وحالات الرقية:
هناك ثلاث مراتب للرقية:
المرتبة الأولى: أن يطلب من يرقيه، وهذا هو الاسترقاء، وهذا قد فاته الكمال.
المرتبة الثانية: أن يمنع من يرقيه، وهذا خلاف السنة; فإن النبي ﷺ لم يمنع جبريل ﵇ أن يرقيه، وكذلك الصحابة -رضى الله عنهم-لم يمنعوا أحداً أن يرقيهم؛ لأن هذا لا يؤثر في التوكل.
المرتبة الثالثة: أن لا يمنع من يرقيه، وهذا لم يفته الكمال; لأنه لم يسترق ولم يطلب. (٢)
وعليه فلا بأس أن يقبل المرء الرقية ممن يعرضها عليه؛ لأن هذا ليس فيه طلب ولا مسألة، بل عُرِض عليه عرضاً.
فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري-رضى الله عنه- أَنَّ جِبْرِيلَ، أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ:
يَا مُحَمَّدُ اشْتَكَيْتَ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: «بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللهُ يَشْفِيكَ بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ». (٣)
стр. 344
* سؤال: إذا طلب منك شخص أن ترقيه، فهل تمتنع من ذلك وتخبره بالحديث أم ترقيه؟
الجواب: ترقيه لأنه طلب بالفعل، ثم تخبره بحديث الاسترقاء، وبيان فضل من ترك الاسترقاء.
٤) جواز أخذ الأجرة على الرقية:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ -قَالَ: انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ -فِي سَفْرَةٍ، حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الحَيّ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ، فَأَتَوْهُمْ، فَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ، وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْقِي، فَانْطَلَقَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ، وَيَقْرَأُ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ، فَقَالَ:
«وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ»، ثُمَّ قَالَ: «قَدْ أَصَبْتُمْ، اقْسِمُوا، وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا. (١)
وعَنْ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ -رضى الله عنه- أن عَمَّهِ قد رَقَى رجلاً بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَأَعْطَوْهُ شَيْئًا، فَقَالَ له النَّبِيُّ ﷺ : «كُلْ، فَلَعَمْرِي لَمَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةٍ بَاطِلٍ، لَقَدْ أَكَلْتَ بِرُقْيَةٍ حَقٍّ». (٢)
فهذا الأثار دالة على جواز أخذ الأجرة على الرقية، بل وأمرهم أن يضربوا له معهم سهماً، فجمع ﷺ في ذلك بين السنة الفعلية والسنة الإقرارية.
... طرق الرقية الشرعية:
١) النفث بالمعوذات على المريض:
بأن يقرأ بالمعوذات بين يديه، ثم يخرج ريقه أثناء القراءة، ويجعله في يديه ويمسح بها على موضع الألم من نفسه أو لغيره.
قالت
стр. 345
عائشة - رضى الله عنها -كان النبي ﷺ في مرضه يرقي نفسه بالمعوذات وينفث، فلما ثقل كنت أنفث عليه بهن، وأمسح بيد نفسه؛ رجاء بركتها» (١)
٢) المسح مع القراءة لمن به وجع:
عن عثمان بن أبي العاص - رضى الله عنه - أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ -وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
««ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ: بِاسْمِ اللهِ ثَلَاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ». " قَالَ: «فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَذْهَبَ اللَّهُ مَا كَانَ بِي، فَلَمْ أَزَلْ آمُرُ بِهِ أَهْلِي وَغَيْرَهُمْ». (٢)
٣) الرقية من تربة الأرض:
عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ مِنْهُ، أَوْ كَانَتْ بِهِ قَرْحَةٌ أَوْ جُرْحٌ، قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ بِإِصْبَعِهِ هَكَذَا، وَوَضَعَ سُفْيَانُ سَبَّابَتَهُ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ رَفَعَهَا «بِاسْمِ اللهِ، تُرْبَةُ أَرْضِنَا، بِرِيقَةِ بَعْضِنَا، لِيُشْفَى بِهِ سَقِيمُنَا، بِإِذْنِ رَبِّنَا». (٣)
стр. 346
٤) القراءة مع جمع البزاق والتفل:
كما مر بنا في حديث أبي سعيد الخدري رضى الله عنه؛ حين رقي سيد القوم الذي لُدغ،
قال أبوسعيد -رضى الله عنه -: فقرأت فاتحة الكتاب، وجعلت أجمع بزاقي وأتفل، فبرأ الرجل.
٥) الرقية بالأدعية والأذكار:
كما مر بنا في حديث رقية جبريل ﵇ للنبي ﷺ ، حيث قال له:
يَا مُحَمَّدُ اشْتَكَيْتَ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: «بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللهُ يَشْفِيكَ بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ». (١)
٦) القراءة على الماء وشربه:
قال ابن القيم:
ولقد مر بي وقت بمكة سقمت فيه، وفقدت الطبيب والدواء، فكنت أتعالج بالفاتحة آخذ شربة من ماء زمزم وأقرؤها عليها مراراً، ثم أشربه فوجدت بذلك البرء التام، ثم صرت أعتمد ذلك عند كثير من الأوجاع فأنتفع بها غاية الانتفاع. (٢)
* تنبيه مهم:
من طرق الرقية البدعية التى تنتشر بين الناس، وليس لها أصل:
الرقية بالبخور وخز الورقة بالإبرة ثم إحراقها بغرض دفع الحسد والعين، وعقد العقد.
... نعود إلى أصل الحديث:
قوله ﷺ : " ولا يكتوون.....»
стр. 347
فهاهي الصفة الثانية من صفات السابقين الأولين الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب أنهم لا يكتوون؛ وذلك لكمال توكلهم على الله ، واستسلامهم لقضائه، وصبراً عليه.
فقد استغنوا عن الخلق، ولجؤوا إلى الخالق، ولما في الاكتواء من شدة الألم مع ضعف احتمال الشفاء.
سؤال: ما هو حكم الكي ؟
الجواب أولا: وردت أحاديث تشير إلى جواز الكي، نذكر منها ما يلي:
١ - عَنْ جَابِرٍ-رضى الله عنه- قَالَ: رُمِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذ -رضى الله عنه-فِي أَكْحَلِهِ، قَالَ:
«فَحَسَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ بِمِشْقَصٍ، ثُمَّ وَرِمَتْ فَحَسَمَهُ الثَّانِيَةَ» (١)
٢ - قال ابن عباس -رضى الله عنهما-: قال الرسُولَ ﷺ :
إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ، فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ عَسَلٍ، أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ. (٢)
ثانياً: قد وردت أحاديث في النهي عن الكي منها:
١) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ -رضى الله عنه-أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الكَيِّ. قَالَ: فَابْتُلِينَا فَاكْتَوَيْنَا فَمَا أَفْلَحْنَا وَلَا أَنْجَحْنَا. (٣)
وعن ابن عباس ﵄ أنَّ النبي ﷺ قال: ..... ، وأنا أنهي أمتي عن الكي ". (٤)
* فكيف الجمع بين هذه الأحاديث التي ظاهرها التعارض؟
نقول: اختلفت مسالك العلماء في الجمع بين هذه الآثار، على أقوال:
١ - القول بالنسخ: أن أحاديث الإباحة قد نسخت أحاديث النهي عن الكي. (٥)
стр. 348
٢ - حمل أحاديث النهي على من فعل ذلك قبل نزول البلاء؛ وذلك دفعاً للقدر قبل نزوله. (١)
٣ - حمل أحاديث النهي على نهي التنزيه، وذلك لما ورد من أحاديث قد أباحت الكي لمن به علة؛ وإنما قد نُهى عن الكى لما في الإكتواء من الألم الشديد مع ضعف احتمال الشفاء، ولهذا وصفه النبي ﷺ ونهى عنه؛ وإنما كرهه لما فيه من الألم الشديد والخطر العظيم، ولهذا كانت العرب تقول في أمثالها " آخر الدواء الكي ".
وهذا -والله أعلم-هو الصحيح في الجمع بين تلك الأحاديث. (٢)
قال ابن القيم:
فقد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع، أحدها: فعله، والثاني: عدم محبته له، والثالث: الثناء على من تركه، والرابع: النهي عنه، ولا تعارض بينها بحمد الله تعالى، فإن فعله يدل على جوازه، وعدم محبته له لا يدل على المنع منه. وأما الثناء على تاركه فيدل على أن تركه أولى وأفضل، وأما النهي عنه فعلى سبيل الكراهة، أو عن النوع الذي لا يحتاج إليه، بل يفعل خوفاً من حدوث الداء. (٣)
... وتنقسم حالات الكي إلى عدة أحكام:
١) من استعمل الكي لغير علة، بل دفعا لنزول البلاء، فهذا حكمه التحريم؛ لأنه
стр. 349
إيلام للبدن بغير سبب، كما أن فاعله ظن أن الاكتواء يدفع عنه قدر الله، ولو توكل على الله لما فعل ذلك.
٢) من استعمل الكي لعلة قد غلب على ظنه نفع الكي في علاجها، فلا يكره الكي هنا، مثل الكي من ذات الجنب.
٣) أن يكون العلاج بالكي متردداً بين النفع وعدمه، فلا يشرع الكي، لأنه ايلام بالنار، وربما حصل مضاعفات أكثر من المرض.
٤) ما لا يظن نفعه، ولكن يغلب فيها ضرر الكي، فالأقرب التحريم، لأنه تعدي على البدن. (١) ... عودٌ إلى حديث الباب: وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ.....
وها هي الصفة الثالثة التى ارتقت بالقوم إلى منازل السابقين: أنهم لا يتطيرون:
والتطير: أصله من زجر الطير، ومروره سانحاً أو بارحاً (السانح ما تيمّن، والبارح عكس ذلك)، و منه اشتقوا التطير، ثم استعملوا ذلك في كل شيء من الحيوان وغيره. (٢)
كان العرب في الجاهلية إذا همَّ الواحد منهم بأمر ما أتى بطير فأطلقه، فإن تيمّن الطائر تفاءل المرء ومضى في حاجته، وإن طار الطائر ناحية الشمال تشاءم المرء ورجع عن حاجته، ومنه جاء التطير وصار يطلق على: التشاؤم بمسموع أو مرئي أو معلوم.
* حكم التطير في الشرع:
نهى الشرع عن التطير بكل صوره، بل وعدَّه النبى ﷺ -شركاً، والمتتبع لآيات القرآن وأحاديث السنة يجد أن التطير ما ورد إلا مذموماً، أو على لسان المشركين.
فأما من القرآن فقد قال الله تعالى ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ﴾ (الاعراف: ١٣١)
стр. 350
وقال تعالى (قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) (يس: ١٨)
*وأما في السنة:
١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رضى الله عنهما-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
: "مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ مِنْ حَاجَةٍ، فَقَدْ أَشْرَكَ ". (١)
٢) عن أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -قَالَ: " لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ. (٢) والنفى المذكور للطيرة في الحديث ليس نفياً لوجودها، فهى موجودة في اعتقاد الكثير، وإنما النفي هنا هو إبطال لهذا الاعتقاد الباطل؛ فإن الطيرة لا تأثير لها، لا بذاتها ولا بسببها.
٣) عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ -رضى الله عنه- قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ كُنَّا نَتَطَيَّرُ فى الجاهلية. قَالَ: "ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُهُ أَحَدُكُمْ فِي نَفْسِهِ، فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ " (٣)
فأخبر أن تأذيه وتشاؤمه بالتطير إنما هو في نفسه وعقيدته لا في المتطير به، فوهمه هو الذي يطيره ويصدّه، لا ما رآه وسمعه، فالله-سبحانه- لم يجعل لهم عليها علامة ولا فيها دلالة، ولا نصبها سبباً لما يخافونه ويحذرونه، لتطمئن قلوبهم ولتسكن نفوسهم إلى وحدانيتة تعالى. (٤)
** فرع في: حكم التطير:
هناك أحاديث صرحت بأن الطيرة شرك، فهل هي شرك أكبر أم أصغر؟
نقول: الأصل أن الطيرة شرك أصغر، ودليل هذه المسألة ما يلي:
- الأحاديث التي صرحت بأن الطيرة شرك؛ جاء فيها لفظ (شرك) نكرة، والقاعدة التي قعَّدها العلماء في هذا الباب: " كل كفر أو شرك جاء نكرة فهو شرك أصغر "
стр. 351
ودليل هذه القاعدة هو التتبع والاستقراء للأدلة الشرعية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
الشرك " شركان ": شرك في التوحيد ينقل عن الملة، وشرك في العمل لا ينقل عن الملة وهو الرياء، وقال النبي ﷺ ﴿الطيرة شرك﴾. (١)
-يؤيده: أن النبي ﷺ قدجعل للطيرة كفَّارة، والشرك الأكبر ليس له كفَّارة، لأن الشرك الأكبر تجب فية التوبة والنطق بكلمة التوحيد، ودليل الكفَّارة في الطيرة؛ ما رواه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو -رضى الله عنهما-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
"مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ مِنْ حَاجَةٍ، فَقَدْ أَشْرَكَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟،
قَالَ: أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ: "اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ ". (٢)
-يؤيده:
أن الذى يتطير بشيء ما فإنه -في الأغلب- لا يعتقد فيه ضراً ولا نفعاً، وإنما يعتقد أنه سبب في ذلك، وهذا الاعتقاد شرك أصغر، لأن كل من اتخذ سبباً لم يشرِّعه الله -تعالى- سبباً فقد وقع في الشرك الأصغر.
لكن قد يصل التطير إلى الشرك الأكبر، وذلك إن اعتقد المرء أن الشيء الذي يتطير به بذاته يجلب له ضراً أويمنع عنه نفعاً، ومن اعتقد أن شيئاً سوى الله -تعالى- ينفع أو يضر بالاستقلال، فقد أشرك شركاً جلياً.
قال العظيم آبادي:
وإنما كانت الطيرة شركاً لاعتقادهم أن الطيرة تجلب لهم نفعاً أو تدفع عنهم ضراً، فمن اعتقد أن شيئاً سوى الله -تعالى- ينفع أو يضر بالاستقلال فقد أشرك شركاً جلياً. (٣)
* ومن صور التشاؤم المعاصرة:
١ - من يتشاءم برقم معين أو شخص معين أو ساعة معينة، كالجهال الذين
стр. 352
يقولون أن في الجمعة ساعة نحس، وكذبوا بل في يوم الجمعة ساعة إجابة. (١)
٢ - حال كثير من النساء اللاتي يتشائمن بحدوث اضطراب في العين، وهو ما يسمى (عيني بترف). (٢)
٣ - فتح المصحف على صفحة دون سابق تحديد، والنظر في أول سطر يخرج منها، فإن كانت آية رحمة وبشرى أقدم على ما يريد، وإن كانت آية عذاب ونحوه أحجم ورجع، ولا شك أن هذا من البدع المحدثة، وهو من نوع الاستسقام بالأزلام. (٣)
стр. 353
*وفي هذا الموضع من البحث إشكال:
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ- ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ -يَقُولُ:
" إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي الفَرَسِ، وَالمَرْأَةِ، وَالدَّارِ. (١)، فإذا كان الشؤم محرَّماً، فما تأويل هذا الحديث؟
*نقول: اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث على أقوال:
القول الأول: نفي الشؤم والتطير مطلقاً؛ لقوله ﷺ : (لا طيرة...)، وحملوا حديث: «الشؤم في ثلاثة..» على رواية أخرى للحديث بلفظ (إن كان الشؤم ففي ثلاثة........) (٢)
فقالوا: هذه الرواية الثانية للحديث توافق النهي العام عن التطير، لذا فإن رواية الإثبات ليست على ظاهرها، بل لها محامل أخرى. (٣)
القول الثاني:
قالوا: بالنسخ، أي أن أحاديث إثبات الشؤم قد نُسخت بأحاديث النهي عن الطيرة والشؤم. (٤)
٣) القول الثالث:
وهو الراجح -والله أعلم-: في هذه المسألة وهو القول بظاهر حديث الإثبات: (إنما الشؤم في ثلاثة..)، ولكنَّ الفرق بيَّنٌ واضح بين تشاؤم الجاهلية الذى بُنى على الظنون والهواجس العارية عن الواقع، وأنها مؤثرة بذاتها، وبين الشؤم الذى أثبته النص في هذه الثلاثة لأسباب ظاهرة متحققة فيها.
وهو قول مالك وابن قتيبة والشوكاني. (٥)
стр. 354
* قلت:
ومما يرجح ذلك: أنه إذا تعارضت روايات الإثبات مع روايات النفي، قدمنا روايات الإثبات، فالمثبَت مقدَّم على المنفي.
* ثم يقال:
إن هذه رواية أبي هريرة -رضى الله عنه-وهو حافظ الأمة، الذى لو انفرد برواية لفظ لكان حجة، كيف وقد وافقه على رواية الحديث بالإثبات غيره من الصحابة: مثل ابن عمر وسعد بن أبي وقاص وجابر رضى الله عنهم. ولذلك قال الحافظ ابن حجر بعد ذكره الرواية عن عائشة -رضى الله عنها-بإنكار ذلك: ولا معنى لإنكار ذلك على أبي هريرة، مع موافقة من ذكرنا من الصحابة. (١)
قال ابن الجوزي:
الخبر رواه جماعة ثقات فلا يعتمد على رد عائشة رضى الله عنها، والصحيح أن المعنى إن خيف من شئ أن يكون سبباً لما يخاف شره ويتشاءم به، فهذه الأشياء لا على السبيل التي تظنها الجاهلية من العدوى والطيرة، وإنما القدر يجعل للأسباب تأثيراً. (٢)
* ويكون تأويل الحديث: أن هذه الأعيان الثلاثة المذكورة قد يقع منها من الأمور المحسوسة المشاهدة ما يجعل المرء يتضرر إذا ما قارنها، وليس لمجرد هواجس وظنون كاذبة لا أساس لها كما هو في التطير المحرم، لذا يلزمه أن يفارق هذه الثلاثة التى ذكرها الحديث درءأً لشؤمها وشرها. (٣)
стр. 355
قال ابن القيم:
فإخباره بالشؤم أنه يكون في هذه الثلاثة ليس فيه إثبات الطيرة التي نفاها وإنما غايته أن الله -سبحانه -قد يخلق منها أعياناً مشؤومة على من قاربها وسكنها، وكل ذلك بقضائه وقدره كما خلق سائر الأسباب وربطها بمسبباتها، فهذا لون والطيرة الشركية لون آخر. (١)
*ومما يؤيد هذا القول:
ما رواه سعد بن أبي وقاص-رضى الله عنه- عن الرسول ﷺ أنه قال:
" " مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ ثَلاثَةٌ، وَمِنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ ثَلاثَةٌ، مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الصَّالِحُ، وَمِنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ: الْمَرْأَةُ السُّوءُ، وَالْمَسْكَنُ السُّوءُ، وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ ". (٢)
*وأما الرد على القول الأول:
الذى عارض رواية الإثبات بالحديث النافى الذى نصه (لا طيرة) فإن الشرع يؤخذ من مجموعه، فتحمل رواية النفى على العموم، ويُخص منها راوية الإثبات، فلا تعارض بين العام والخاص عند الجمع بين الأدلة، فكل طيرة محرمة لأنها مبنية على الظنون إلا ما خصه الدليل.
* وأما القول بالنسخ فلا يصار إليه إلا عند تعذّر الجمع والعلم بالتاريخ، وكلا الأمرين قد انتفى في مسألة الباب.
* ونختم مسألة الطيرة بمبحث مهم وهو " الفأل الحسن"
إذا كان الشرع قد حرّم الشؤم والتطير وعدَّه شركاً، لكنه فقد فتح باباً آخر من الفأل الحسن الذي يدخل السرور والانشراح على الصدر، ويجعل المرء مستبشراً بما سيمضي له في قدر الله غير وجل.