ودليل هذه القاعدة هو التتبع والاستقراء للأدلة الشرعية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
الشرك " شركان ": شرك في التوحيد ينقل عن الملة، وشرك في العمل لا ينقل عن الملة وهو الرياء، وقال النبي ﷺ ﴿الطيرة شرك﴾. (١)
-يؤيده: أن النبي ﷺ قدجعل للطيرة كفَّارة، والشرك الأكبر ليس له كفَّارة، لأن الشرك الأكبر تجب فية التوبة والنطق بكلمة التوحيد، ودليل الكفَّارة في الطيرة؛ ما رواه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو -رضى الله عنهما-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
"مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ مِنْ حَاجَةٍ، فَقَدْ أَشْرَكَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟،
قَالَ: أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ: "اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ ". (٢)
-يؤيده:
أن الذى يتطير بشيء ما فإنه -في الأغلب- لا يعتقد فيه ضراً ولا نفعاً، وإنما يعتقد أنه سبب في ذلك، وهذا الاعتقاد شرك أصغر، لأن كل من اتخذ سبباً لم يشرِّعه الله -تعالى- سبباً فقد وقع في الشرك الأصغر.
لكن قد يصل التطير إلى الشرك الأكبر، وذلك إن اعتقد المرء أن الشيء الذي يتطير به بذاته يجلب له ضراً أويمنع عنه نفعاً، ومن اعتقد أن شيئاً سوى الله -تعالى- ينفع أو يضر بالاستقلال، فقد أشرك شركاً جلياً.
قال العظيم آبادي:
وإنما كانت الطيرة شركاً لاعتقادهم أن الطيرة تجلب لهم نفعاً أو تدفع عنهم ضراً، فمن اعتقد أن شيئاً سوى الله -تعالى- ينفع أو يضر بالاستقلال فقد أشرك شركاً جلياً. (٣)
* ومن صور التشاؤم المعاصرة:
١ - من يتشاءم برقم معين أو شخص معين أو ساعة معينة، كالجهال الذين
стр. 352
يقولون أن في الجمعة ساعة نحس، وكذبوا بل في يوم الجمعة ساعة إجابة. (١)
٢ - حال كثير من النساء اللاتي يتشائمن بحدوث اضطراب في العين، وهو ما يسمى (عيني بترف). (٢)
٣ - فتح المصحف على صفحة دون سابق تحديد، والنظر في أول سطر يخرج منها، فإن كانت آية رحمة وبشرى أقدم على ما يريد، وإن كانت آية عذاب ونحوه أحجم ورجع، ولا شك أن هذا من البدع المحدثة، وهو من نوع الاستسقام بالأزلام. (٣)
стр. 353
*وفي هذا الموضع من البحث إشكال:
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ- ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ -يَقُولُ:
" إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي الفَرَسِ، وَالمَرْأَةِ، وَالدَّارِ. (١)، فإذا كان الشؤم محرَّماً، فما تأويل هذا الحديث؟
*نقول: اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث على أقوال:
القول الأول: نفي الشؤم والتطير مطلقاً؛ لقوله ﷺ : (لا طيرة...)، وحملوا حديث: «الشؤم في ثلاثة..» على رواية أخرى للحديث بلفظ (إن كان الشؤم ففي ثلاثة........) (٢)
فقالوا: هذه الرواية الثانية للحديث توافق النهي العام عن التطير، لذا فإن رواية الإثبات ليست على ظاهرها، بل لها محامل أخرى. (٣)
القول الثاني:
قالوا: بالنسخ، أي أن أحاديث إثبات الشؤم قد نُسخت بأحاديث النهي عن الطيرة والشؤم. (٤)
٣) القول الثالث:
وهو الراجح -والله أعلم-: في هذه المسألة وهو القول بظاهر حديث الإثبات: (إنما الشؤم في ثلاثة..)، ولكنَّ الفرق بيَّنٌ واضح بين تشاؤم الجاهلية الذى بُنى على الظنون والهواجس العارية عن الواقع، وأنها مؤثرة بذاتها، وبين الشؤم الذى أثبته النص في هذه الثلاثة لأسباب ظاهرة متحققة فيها.
وهو قول مالك وابن قتيبة والشوكاني. (٥)
стр. 354
* قلت:
ومما يرجح ذلك: أنه إذا تعارضت روايات الإثبات مع روايات النفي، قدمنا روايات الإثبات، فالمثبَت مقدَّم على المنفي.
* ثم يقال:
إن هذه رواية أبي هريرة -رضى الله عنه-وهو حافظ الأمة، الذى لو انفرد برواية لفظ لكان حجة، كيف وقد وافقه على رواية الحديث بالإثبات غيره من الصحابة: مثل ابن عمر وسعد بن أبي وقاص وجابر رضى الله عنهم. ولذلك قال الحافظ ابن حجر بعد ذكره الرواية عن عائشة -رضى الله عنها-بإنكار ذلك: ولا معنى لإنكار ذلك على أبي هريرة، مع موافقة من ذكرنا من الصحابة. (١)
قال ابن الجوزي:
الخبر رواه جماعة ثقات فلا يعتمد على رد عائشة رضى الله عنها، والصحيح أن المعنى إن خيف من شئ أن يكون سبباً لما يخاف شره ويتشاءم به، فهذه الأشياء لا على السبيل التي تظنها الجاهلية من العدوى والطيرة، وإنما القدر يجعل للأسباب تأثيراً. (٢)
* ويكون تأويل الحديث: أن هذه الأعيان الثلاثة المذكورة قد يقع منها من الأمور المحسوسة المشاهدة ما يجعل المرء يتضرر إذا ما قارنها، وليس لمجرد هواجس وظنون كاذبة لا أساس لها كما هو في التطير المحرم، لذا يلزمه أن يفارق هذه الثلاثة التى ذكرها الحديث درءأً لشؤمها وشرها. (٣)
стр. 355
قال ابن القيم:
فإخباره بالشؤم أنه يكون في هذه الثلاثة ليس فيه إثبات الطيرة التي نفاها وإنما غايته أن الله -سبحانه -قد يخلق منها أعياناً مشؤومة على من قاربها وسكنها، وكل ذلك بقضائه وقدره كما خلق سائر الأسباب وربطها بمسبباتها، فهذا لون والطيرة الشركية لون آخر. (١)
*ومما يؤيد هذا القول:
ما رواه سعد بن أبي وقاص-رضى الله عنه- عن الرسول ﷺ أنه قال:
" " مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ ثَلاثَةٌ، وَمِنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ ثَلاثَةٌ، مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الصَّالِحُ، وَمِنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ: الْمَرْأَةُ السُّوءُ، وَالْمَسْكَنُ السُّوءُ، وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ ". (٢)
*وأما الرد على القول الأول:
الذى عارض رواية الإثبات بالحديث النافى الذى نصه (لا طيرة) فإن الشرع يؤخذ من مجموعه، فتحمل رواية النفى على العموم، ويُخص منها راوية الإثبات، فلا تعارض بين العام والخاص عند الجمع بين الأدلة، فكل طيرة محرمة لأنها مبنية على الظنون إلا ما خصه الدليل.
* وأما القول بالنسخ فلا يصار إليه إلا عند تعذّر الجمع والعلم بالتاريخ، وكلا الأمرين قد انتفى في مسألة الباب.
* ونختم مسألة الطيرة بمبحث مهم وهو " الفأل الحسن"
إذا كان الشرع قد حرّم الشؤم والتطير وعدَّه شركاً، لكنه فقد فتح باباً آخر من الفأل الحسن الذي يدخل السرور والانشراح على الصدر، ويجعل المرء مستبشراً بما سيمضي له في قدر الله غير وجل.
стр. 356
عن أبي هُرَيْرَةَ-رضى الله عنه- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -يَقُولُ:
«لَا طِيَرَةَ، وَخَيْرُهَا الفَأْلُ» قَالُوا: وَمَا الفَأْلُ؟ قَالَ: «الكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ». (١)
*ومن صور تفاؤل الرسول- ﷺ بالكلم الطيب:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ-رضى الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ -كَانَ يُعْجِبُهُ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ أَنْ يَسْمَعَ: يَا رَاشِدُ، يَا نَجِيحُ. (٢)
*وعن عبد الله بن السائب ﵁ أَنَّ سُهَيْلًا قَدْ أَرْسَلَهُ قومه عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فقال ﷺ : (أَتَى سُهَيْلٌ، سَهَّلَ اللَّهُ أَمْرَكُمْ) (٣)
-قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
والفأل الذي يحبه الله هو أن يفعل الأمر أو يعزم عليه متوكلاً على الله فيسمع الكلمة الحسنة التي تسره، مثل أن يسمع: "يا نجيح، يا مفلح، ياسعيد، يا منصور "، ونحو ذلك، كما لقى ﷺ في سفر الهجرة رجلاً فقال: ما اسمك؟ قال: بريدة، قال: " يا أبا بكر بَرُدَ أمْرُنا ". (٤)
* سؤال: ما الفرق بين الطيرة المحرمة والفأل الحسن؟؟
١ - أما الطيرة فهى شرك حرَّمه الشرع لما فيه من سوء ظن بالله -وتوقع للبلاء والسوء بناءً على الأوهام والظنون الكاذبة.
أما الفأل الحسن: فهو حسن ظن بالله ، والعبد مأمور أن يحسن الظن بربه .
٢ - المتطير قد ضعف تعلُّق قلبه بالله وتوكله عليه، فترى قلبه مشوّشاً مشغولاً بما يتطير به من مسموع أو مرأي، معتقداً في أسباب هى من ظن الجاهلية.
أما صاحب الفأل الحسن: فقلبه متوكل على الله -عزوجل- متعلِّق به، معتقد في حسن تدبير الله له، مستأنساً في ذلك بما يرد على سمعه من الكلم الطيب.
стр. 357
قال العلامة السعدي:
والفأل الحسن لا يخل بعقيدة الإنسان ولا بعقله، وليس فيه تعليق القلب بغير الله، بل فيه تقوية النفوس على المطالب النافعة، أما الطيرة ففيها تعلق القلب بسماع أو رؤية ما يكره، فتراه يترك ما عزم عليه، وهذا من ضعف التوحيد والتوكل ومن طرق الشرك ووسائله. (١)
*لذا فإن الفأل والطيرة يتفقان ويفترقان:
١ - يتفقان: في التأثير إقداماً أو إحجاماً، حيث أن المتطير يقدم على الشيء أو يحجم عنه لرؤية الشيء أو لسماع الصوت، كذلك صاحب الفأل يقدم على الشيء بسماع كلمة طيبة، فالأول محرم والثاني جائز محمود.
٢ - يفترقان: أما المتطير فيمضي أو يحجم متوكلا على حركة الطير، وقلبه معلق بما رأي أو سمع، أما صاحب الفأل الحسن فيضي متوكلا على الله ، يعلم أن شأنه معلق بقدر الله لا بأحد سواه.
... وبعد ذكر الداء الذي هو التطير يأتيك الدواء، وذلك بأمور:
١ - الأول: ذكر كفارة التطير:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رضى الله عنهما-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ مِنْ حَاجَةٍ، فَقَدْ أَشْرَكَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟، قَالَ:
أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ. (٢)
٢ - الثاني: حسن التوكل على الله :
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ-رضى الله عنه-عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -قَالَ:
"الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، ثَلَاثًا، وَمَا مِنَّا إِلَّا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ". (٣)
стр. 358
٣) الثالث: أن يمضي في أمره بلا تردد:
عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ -رضى الله عنه- قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ كُنَّا نَتَطَيَّرُ فى الجاهلية. قَالَ: "ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُهُ أَحَدُكُمْ فِي نَفْسِهِ، فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ ". (١)
والطيرة الشركية هي الانقباض القلبي الذي يستتبع عملاً بموجبه من إمضاء أو رد؛ ولهذا علَّق النهي بالعمل بموجب الطيرة، فقال: " فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ "، أما مجرد الانقباض القلبي فهو انفعال لا يتعلق به التكليف، ولا يكاد يسلم منه أحد، لذا قال ابن مسعود ﵁:
" وَمَا مِنَّا إِلَّا، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ".
يقول ابن الأثير: في هذا الكلام محذوف تقديره " وما منا إلا ويعتريه التطير، ويسبق إلى قلبه الكراهة له "، فحذف ذلك اختصاراً، واعتماداً على فهم السامع ". (٢)
قال ابن القيم:
فأخبر أن تأذيه وتشاؤمه بالتطير إنما هو في نفسه وعقيدته، لا في المتطير به، فوهمه وخوفه وإشراكه هو الذي يطيره ويصده لا ما رآه وسمعه. (٣)
* عودٌ إلى حديث الباب: وَ عَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ.....
وهي الصفة الرابعة من صفات هؤلاء السابقين إلى الجنة بلا حساب ولا سابقة عذاب، وهي التوكل على الله ، فما هو التوكل؟؟
التوكل: هو صدق اعتماد القلب على الله -عز جل- في استجلاب المنافع ودفع المضار، من أمور الدنيا والآخرة مع الأخذ بالأسباب.
стр. 359
والتوكل على الله واجب من أعظم الواجبات، كما أن الإخلاص لله -تعالى- واجب، وقد أمر الله عباده بالتوكل عليه في كل أمر من أمورهم.
وهو عبادة من أعظم العبادات، قال تعالى: (وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين) (المائدة: ٢٣)
فقد أمر الله عباده بالتوكل، والله لا يأمر إلا بما يحب، فلما كان التوكل محبوباً لله دل ذلك أنه عباده.
*ومن السنة: قوله ﷺ في صفات السبعين الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب: (وعلى ربهم يتوكلون).
ووجه الدلالة:
لما عدَّ النبي ﷺ التوكل على الله من صفات أهل الجنة، دل ذلك على أنه عبادة لله ، فالعبادات هي الأسباب الموصلة إلى جنة الله ، بعد أن يتغمدنا الله -تعالى-برحمته.
وعليه نقول: لما ثبت أن التوكل عبادة، فإنه تجري عليه القاعدة التي تسير على كل العبادات:
(كل ما ثبت بالكتاب والسنة أنه عبادة، فصرفه لله توحيد، وصرفه لغير الله شرك)
*فإن قيل: التوكل على غير الله ، هل هو شرك أكبر أم شرك أصغر؟؟
فجوابه على تفصيل:
١ - الحالة الأولى: أن يكون شركاً أكبر، وهو أن يتوكل على أحد من الخلق فيما لا يقدر عليه إلا الله عزوجل، كجلب نفعٍ أو دفع ضرٍ.
٢ - الحالة الثانية: أن يكون شركاً أصغر:
إن اعتمد على مخلوق في أمر أقدره الله عليه من جلب رزق أو دفع أذي أو قضاء حاجة من مصالح الدنيا، مع اعتقاده أن الأمر كله لله ، ولكن صرف جزءاً من توكله إلى هذا المخلوق، فهو شرك أصغر.
*سؤال: هل التوكل ينافي الأخذ بالأسباب ؟
التوكل على الله لا يعني ترك الأسباب ولا ينافي الأخذ بها، فإن الله الذي أمر بالتوكل عليه هو الذي أمر بالأخذ بالأسباب وتعاطيها، قال تعالى (وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ
стр. 360
أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ)، وقال عزوجل (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ)
فالتوكل عمل القلب والأخذ بالأسباب عمل الجوارح، وكلاهما طاعة أمر العبد بها، لذا فإن الذي يطعن في التوكل إنما هو يطعن في الإيمان، والذي يطعن في الأسباب يطعن في السنة. فلا تعارض بين الأمرين، فالذى قال (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) هو -تعالى- الذى قال (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ)
قال أبو العباس ابن تيمية:
التوكل لا يعني ترك الأخذ بالأسباب، فمن ترك الأسباب المأمور بها فهو عاجز مفرط وإن كان متوكلاً على الله، ومن ظن أن التوكل يغني عن الأسباب فهو ضال. (١)
- عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -رضى الله عنه- قال: قال النَبِيّ ﷺ
" لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا " (٢)
فتأمل في هذا الحديث:
فلقد جعل النبي ﷺ كمال التوكل على الله -تعالى- في الأخذ بالأسباب، حيث جعل كمال التوكل عند الطير أنها تغدو وتروح ولا تنتظر رزقها في أعشاشها.
* عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ أَهْلُ اليَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ المُتَوَكِّلُونَ، فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. (٣)
*قال ابن الجوزي: سئل أحمد: ما تقول في رجل جلس في بيته أو مسجده، وقال لا أعمل شيئاً، وسوف يأتي رزقي؟؟
стр. 361
فأجاب:
هذا رجل جهل العلم، أما سمع قول النبي ﷺ : (وجُعل رزقي تحت ظل رمحي)، وقوله ﷺ : (تغدو خماصاً وتروح بطاناً). (١)
قال الغزالي:
قد يظن الجهَّال أن شرط التوكل ترك الكسب وتركُ التداوي والاستسلامُ للمهلكات، وذلك خطأ؛ لأنَّ ذلك حرام في الشرع، والشرع قد أثنى على التوكل، وندب إِليه، فكيف يُنال ذلك بمحظوره؟! (٢)
*قال ابن القيم:
من أنكر الأسباب لم يستقم منه التوكل، ولكن من تمام التوكل عدم الركون إلى الأسباب وقطع علاقة القلب بها، فيكون حال قلبه قيامه بالله، وحال بدنه قيامه بالأسباب. (٣)
* ولقد كان النبي ﷺ -أعظم المتوكلين، ومع ذلك كان ﷺ -يأخذ بالأسباب، ومن ذلك:
١ - لما خرج النبي ﷺ -إلى غزوة أحد ظاهر بين درعين. (٤)
٢ - لما خرج النبي- ﷺ مهاجراً إلى المدينة استأجر دليلاً يدله على الطريق، واختبأ في الغار.
٣ - عَنْ عُمَرَ ﵁ -أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَحْبِسُ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ. (٥)
стр. 362
هذا هو فعله في توكله ﷺ ، وهكذا جاء وصفه في التوراة عنه:
قال عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرِو- ﵄ وقد سئل عن صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -فِي التَّوْرَاةِ؟: " أَجَلْ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي القُرْآنِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥]، وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ المتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا صخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ. (١)
* وهذا داود ﵇ كان يسعى ويأكل من عمل يده. قال ﷺ :
«وإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵇، كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ». (٢)
*و مريم ﵍ رغم ما كانت عليه من الضعف، حال نفاسها، تؤمر أن تأخذ بالأسباب بأن تهز جذع النخلة، وكان من الممكن أن يسقط التمر بلا سعى منها، ولكنه درس بليغ، فتأمل.
وتوكل على الرحمن في كل حاجة... ولا تؤثرنَّ العجز يوماً على الطلب
ألم تر أن الله قال لمريم... وهزي إليكِ الجذع يساقط الرطب
ولو شاء أن تجنيه من غير هزها... لجنته ولكن كل شي له سبب. (٣)
هكذا انقسم الناس في باب التوكل إلى ثلاثة أقسام:
١ - قسم أفرطوا: كحال أهل التصوف الذين قالوا " نتوكل على الله فهو كافينا " فقعدوا عن الأخذ بالأسباب، بل جعلوا أن الأخذ بالأسباب قدحٌ في التوكل. (٤)
стр. 363
٢ - قسم فرَّطوا: وهم المعتزلة والجهمية، نفاة القدر الذين جعلوا العبد مستقلاً بعمله، فلا سلطان لله عليه، لذا فلا يتوكل على الله تعالى.
٣ - قسم ثالث:
وهم الذين توسّطوا بين الفريقين، كما قال الله عنهم: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)، وهم أهل السنة والجماعة الذين قالوا: نتوكل على الله ونأخذ بالأسباب، فلا توكل مجرد عن الأسباب، ولا اعتماد على الأسباب بلا توكل، وهذا هو معنى هذه القاعدة:
"والالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد والإعراض عن الأسباب قدح في الشرع"
ويجمع هذا قول النبي ﷺ الذي أوتي جوامع الكلم: «استعن بالله، ولا تعجز» (١)
فقوله ﷺ : «استعن بالله»: هذا هو التوكل. وقوله ﷺ :
(ولا تعجز): هذا هو الأخذ بالأسباب.
- وقال أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ، أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ؟ قَالَ: "اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ". (٢)
قال الطبري:
من وثق بالله وايقن أن قضاءه عليه ماضٍ، لم يقدح في توكله تعاطيه
стр. 364
للأسباب إتباعاً لسنة الرسول ﷺ ، فلقد قال للرجل: «اعقلها وتوكل»، فأشار إلى أن الاحتراز لا يدفع التوكل. (١)
... تنبيهات:
١ - التوكل عبادة قلبية، مبناها على تفويض الأمر لله عزوجل، فالمخلوق ليس له نصيب من التوكل عليه؛ فإن التوكل إنما هو تفويض الأمر والالتجاء بالقلب إلى من بيده الأمر، وعليه فلا يجوز قول القائل لشخص ما: (توكلت على الله ثم عليك).
يؤيد ذلك:
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كنتم مؤمنين﴾، فقوله "على الله" متعلقة بقوله: "فتوكلوا"، وتقديم المعمول يدل على الحصر; أي: على الله، لا على غيره. (٢)
٢ - يدخل في معنى التوكل الذي لا يصرف إلا الله: "الحسب "، فإنه لا يجوز صرفه لغير الله عزوجل، قال تعالى آمراً نبيه ﷺ : (قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُون) (الزمر ٣٨)
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [الأنفال: ١٤)
قال ابن القيم:
قيل في معنى الآية أي حسبك الله وحسبك المؤمنون، وهذا خطأ محض لا يجوز حمل الآية عليه، فإن الحسب والكفاية لله وحده كالتوكل، وعليه فإن معنى الآية: أي الله وحده كافيك وكافي أتباعك. (٣)
стр. 365
عودٌ إلى حديث الباب:
فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، فَقَالَ: " ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: «أَنْتَ مِنْهُمْ؟» .........
فما أن سمع الصحابة -رضى الله عنهم- بتلك البشارة النبوية حتى اشرأبت قلوبهم وآمالهم أن يدخلوا في زمرة هؤلاء السبعين، لذا قام عكَّاشة بن محصن-رضى الله عنه-فقال يارسول الله: ادع الله أن أكون منهم، قال ﷺ : (أنت منهم). (١)
* وهنا فوائد هامة:
١ - حرص الصحابة -رضى الله عنهم-على الخير، لذا بادروا إلى طلب السبق إلى المعالي.
٢ - وردت بشارة النبي ﷺ لعكَّاشة -رضى الله عنه- في الصحيحين بصيغة الخبر، فعند البخاري لما سأله: أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، وفي رواية مسلم قال ﷺ لعكاشة:
" أنت منهم "، وأما ما جاء في رواية في الصحيحين أيضاً أن النبي ﷺ قال: «اللهم اجعله منهم» بصيغة الدعاء لا الخبر، فهنا يقال:
١ - إما أن يحمل قوله ﷺ : (أنت منهم) على أنه خبر بمعنى الدعاء أي:
(اللهم اجعله منهم» (٢).
٢ - وإما أن يقال أن ما ورد بصيغة الدعاء كان في أول الأمر، فلما جاء الوحي
стр. 366
بإجابة الدعوة، قال النبي ﷺ له: "أنت منهم "
** عودٌ إلى حديث الباب: ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ ﷺ : «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ».
*وقد اختلف العلماء في سبب قول النبي ﷺ للرجل الثاني: (سبقك بها عكاشة)، فلم يدع له كما فعله مع عكاشة رضى الله عنه؟؟
اختلفوا في ذلك على أقوال:
١ - القول الأول: كان الرجل الثاني منافقاً، لذا رد النبي ﷺ طلبه، وهو توجيه ضعيف. (١)
٢ - القول الثاني: رد النبي ﷺ الرجل الثاني لئلا ينفتح الباب، فيقوم الثاني والثالث والرابع، إلى ما لا نهاية، وليس كل الناس يصلح لذلك. (٢)
٣ - القول الثالث: وهو الأقرب -والله أعلم-أن النبي ﷺ -قد علم من حال عكاشة -رضى الله عنه-ما يؤهله لأن يدعو له، وأما الآخر فلم يكن في منزلة عكاشة، فعلم ﷺ أنه يُجاب في عكاشة ولا يجاب في الثاني فلذا رده. (٣)
*ومن فوائد ذلك: جواز استخدام المعاريض:
وهذا يتضح في قوله ﷺ : (سبقك بها عكاشة) حيث أنه ﷺ -لم يظهر للرجل الثاني أن سبب رده هو سبق عكاشة -رضى الله عنه-وعلو منزلته مما أَهَلَه لأن يجاب، بل أظهر له أن سبب رده هو أن الإيجاب إنما وقع لعكاشة لمجرد السبق في
стр. 367
الطلب، وهذا من حسن خلق النبي ﷺ حيث رد بكلام لا كراهة فيه ولا غضاضة.
والمعاريض من الأمور التي جوَّزها الشرع، ودليل ذلك:
ما صح من أقوال الصحابة -رضى الله عنهم-قالوا: «إن المعاريض لمندوحة عن الكذب» (١)
*والمعنى: المعاريض من التعريض: ضد التصريح، وهو التورية بالشيء عن الشيء، وهو إفهام المعني بالشيء المحتمل له ولغيره، وهو من عرض الشيء وهو جانبه، كأنه يحوم به على الشيء ولا يظهره.
ومعنى: مندوحة: متسع، يقال: منه: انتدح فلان بكذا ينتدح به انتداحًا؛ إذا اتسع به. (٢)
*أمثلة من المعاريض التي ورد بها الشرع:
١ - قال تعالى: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ) (البقرة: ٢٣٥).
وذلك بأن يقول لمن يريد الزواج منها: إنكِ لنافقه، وإن حاجتي في النساء أو إن الله لسائق إليكِ خيراً.
٢ - عن عائشة -رضى الله عنها-قالت: قال النبي ﷺ : (إذا أحدث أحدكم في صلاته فليأخذ بأنفه ثم لينصرف) (٣)
قال الخطابي: إنما أمره النبي ﷺ بذلك؛ ليوهم القوم أن به رعافاً وذلك من باب
стр. 368
إخفاء القبيح، والتورية بما هو أحسن، وليس من باب الكذب. (١)
٣ - عن أبي هريرة -رضى الله عنه-قال النبي ﷺ : لم يكذب إبراهيم ﵇ في شئ قط إلا في ثلاث: قوله: إني سقيم؛ ولم يكن سقيماً، وقوله لسارة: أختي؛ وقوله:
(بل فعله كبيرهم هذا). (٢)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وتباح المعاريض عند الحاجة الشرعية، وهي قد تسمى كذباً بإعتبار الإفهام؛ فإنها ليست على ما يفهمه المخاطب، وإن كانت لا تعد كذباً بإعتبار الغاية السائغة، ومن ذلك قوله ﷺ : لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات. (٣)
٤ - قال أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ -إِلَى المَدِينَةِ وَهُوَ مُرْدِفٌ أَبَا بَكْرٍ، وَأَبُو بَكْرٍ شَيْخٌ يُعْرَفُ، وَنَبِيُّ اللَّهِ ﷺ -شَابٌّ لَا يُعْرَفُ، قَالَ:
فَيَلْقَى الرَّجُلُ أَبَا بَكْرٍ فَيَقُولُ يَا أَبَا بَكْرٍ مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ؟ فَيَقُولُ: هَذَا الرَّجُلُ يَهْدِينِي السَّبِيلَ، قَالَ: فَيَحْسِبُ الحَاسِبُ أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي الطَّرِيقَ، وَإِنَّمَا يَعْنِي سَبِيلَ الخَيْرِ. (٤)
** ومن الفوائد المهمة التي اشتمل عليها حديث الباب:
ما جاء في قوله ﷺ : (عُرِضَتْ علىَّ الأُممُ)
وهذا الذي عُرض على النبي ﷺ إنما كان في رؤيا منامية، ف هل الرؤى المنامية تصلح أن تكون مصدراً للأحكام الشرعية ؟؟
الجواب على تفصيل:
١ - القسم الأول:
أما رؤيا الأنبياء فهي وحي وشرع؛ مثله مثل ما يأتيهم حال اليقظة، وعليه فهي مصدر للأحكام الشرعية.
стр. 369
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ (الصافات: ١٠٢).
* وجه الدلالة من أمرين:
١ - لو لم تكن رؤيا الأنبياء وحياً لما جاز لإبراهيم ﵇ أن يقدم على ذبح ولده.
٢ - قول إسماعيل ﵇ (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) دل أنه من أمر الله .
قال عبيد بن عمير: (رؤيا الأنبياء وحي)، ثم قرأ هذه الآية ﴿إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (١)
قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أن رؤيا الأنبياء وحي لهذه الآية، وهذا واضح والحمد لله. (٢)
*ومن السنة:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ... «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ». (٣)
٢ - القسم الثاني:
رؤيا غير الأنبياء وهي على تفصيل:
١ - رؤيا بعض الصحابة -رضى الله عنه- على عهد النبي ﷺ ؛ وهي التي تحمل أحكاماً شرعية؛ فهي مصدر للأحكام بإقرار النبي ﷺ لها، ومن ذلك:
(أ) حديث عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ-رضى الله عنه- لما طَافَ به رجل وَهو نَائِمٌ، فَلَمَّا أَصْبَح أَتَيْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرْه بِمَا رَأَيْ، فَقَالَ النبي ﷺ :
" إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٌّ إِنْ شَاءَ اللهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ " (٤)
стр. 370
(ب) وعن ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ -أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي المَنَامِ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ». (١)
فمثل هذه المنامات مصدر للأحكام الشرعية بالإتفاق؛ وذلك لإقرار النبي- ﷺ -لها.
٢) الرؤيا المنامية بعد عهد النبي ﷺ :
فهذه قد اتفق أهل العلم على أنها لا تصلح أن تكون مصدراً للأحكام الشرعية، وإنما هي تبشير وتنبيه تصلح للإستئناس بها إذا وافقت حجة شرعية صحيحة.
ومثال ذلك: ما ذكره أَبَو جَمْرَةَ الضُّبَعِيَّ قال:
تَمَتَّعْتُ فَنَهَانِي نَاسٌ عَنْ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَنِي بِهَا، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلَى الْبَيْتِ فَنِمْتُ، فَأَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي، فَقَالَ: عُمْرَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ، وَحَجٌّ مَبْرُورٌ، قَالَ: فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي رَأَيْتُ، فَقَالَ:
«اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ ». (٢)
أما ما سوى ذلك من الرؤى التي يراها آحاد الناس فليست بالاتفاق مصدراً للأحكام الشرعية.
قال الشوكاني:
ولا يخفاك أن الشرع الذي شرعه الله لنا على لسان نبينا ﷺ -قد كمل كما في قوله تعالى" الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ " (المائدة: ٣)، ولم يأتنا دليل على أن رؤيته في النوم بعد موته ﷺ -إذا قال فيها بقول يكون دليلاً وحجة، وبهذا تعلم أن لو قدّرنا ضبط النائم لم يكن ما رآه من قوله ﷺ -أو فعله حجة عليه، ولا على غيره من الأمة. (٣)
стр. 371
وقال الحافظ زين الدين العراقي:
لو أخبر صادق عن النبي ﷺ في النوم بحكم شرعي مخالف لما تقرر في الشريعة لم نعتمده، وقد حكى القاضي حسين أن شخصاً قال له ليلة الشك: رأيتُ النبيَ ﷺ وقال لي صم غداً، فقال القاضي له: قد قال لنا في اليقظة لا تصوموا غداً، فنحن نعتمد ذلك.
وقد حكى القاضي عياض الإجماع على عدم اعتماد المنام في الأحكام الشرعية. (١)
... ومن الفوائد المهمة التى تتعلق بحديث الباب: حكم التداوي:
قد يفهم من سياق حديث السبعين أنه يفضل ترك التداوي على الإطلاق، وأن المرء إذا ما تداوي فقد خرج من السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، وهذا خلاف الصحيح.
نقول: قد دلت الأدلة العامة على مشروعية التداوي، ومن ذلك:
، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ: عَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا بِهِ جُرْحٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
" ادْعُوا لَهُ طَبِيبَ بَنِي فُلَانٍ "، قَالَ: فَدَعَوْهُ فَجَاءَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَيُغْنِي الدَّوَاءُ شَيْئًا؟ فَقَالَ: " سُبْحَانَ اللهِ، وَهَلْ أَنْزَلَ اللهُ مِنْ دَاءٍ فِي الْأَرْضِ، إِلَّا جَعَلَ لَهُ شِفَاءً. (٢)
стр. 372
*وعَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ -رضى الله عنه-قَالَ: جاءت الْأَعْرَابُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، نَتَدَاوَى؟
قَالَ: " نَعَمْ، تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ". (١)
قال الإمام ابن القيم:
في هذه الأحاديث الأمر بالتداوي وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع داء الجوع والعطش والحر، والبرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدراً وشرعاً، بل إن تعطيل هذه الأسباب يقدح في التوكل. (٢)
* أقوال العلماء في حكم التداوي:
ذهب الحنفية والمالكية إلى أن التداوي مباح. وذهب الشافعية إلى استحبابه، لقول النبي ﷺ :
"إنَّ الله أنْزَلَ الدَّاءَ والدَّواء، وجَعَلَ لِكُل داءٍ دَوَاءً، فَتَداووا، ولا تَدَاووا بحرَام". (٣)
وغير ذلك من الأحاديث الواردة، والتي فيها الأمر بالتداوي، ومحل الاستحباب عند الشافعية عند عدم القطع بإفادته، أما لو قُطِع بإفادته (كعَصْب الجُرح) فإنه واجب (ومن أمثلة ذلك في عصرنا نقل الدم في بعض الحالات.).
* وذهب الحنابلة إلى أن تركه أفضل، ونقل عن الإمام أحمد أنه قال:
" أحب لمن اعتقد التوكل وسلك هذا الطريق ترك التداوي، من شرب الدواء وغيره "، واستدلوا لذلك بأدلة منها حديث الباب.
وكذلك قد علَّلوا رأيهم: بأن تركه تفضلًا واختيارًا لما اختاره الله تعالى، ورضاً بما قدَّر وتسليمًا له.
* واعلم أن التداوي على أقسام:
١ - من غلب على ظنه أو تيقن الهلاك إذا ما ترك التداوي؛ صار التداوي في حقه
стр. 373
واجباً، يأثم بتركه. فيدخل في ذلك إيقاف النزيف، وخياطة الجروح، وبتر العضو التالف المؤدي إلى تلف بقية البدن، ونحو ذلك مما يجزم الأطباء بنفعه وضرورته، وأن تركه يؤدي إلى التلف أو الهلاك.
٢ - من غلب على ظنه أو تيقن عدم نفع التداوي لمرضه؛ فهنا يشرع له ترك التداوي. (١)
٣ - إذا ما تداوي بفعل يخاف منه حدوث مضاعفات أشد من العلة المراد إزالتها، عندها يكون التداوي مكروهاً، كما هو الحال في التداوي بالكى.
٤ - إذا ما أدى ترك التداوي إلى ضعف في البدن وهزال، عندها يكون ترك التداوي مستحباً.
٥ - إذا ما تداوي بدواء محرم؛ صار التداوي محرماً. (٢)
*وعليه فإن حديث السبعين لا يشير إلى أن كمال التوحيد في ترك التداوي مطلقاً، فهذا غلط، لأن النبي ﷺ -قد تداوي وأمر بالتداوي، فليس في الحديث أن أولئك لا يباشرون الأسباب مطلقاً، أو لا يباشرون أسباب الدواء، وإنما خص الحديث الإسترقاء والكي لأنه يكثر تعلَّق القلب والتفاته إلى الراقي أو الكاوي ففيها إنقاص من مقام التوكل. (٣)
*قلت:
وعليه فإن الاستدلال بحديث الباب على القول باستحباب ترك التداوي مطلقاً فهذا مما يقال فيه أن "الدليل أخص من الدعوى "، بل غاية ما فيه أن هؤلاء
стр. 374
المعنيين في حديث الباب لما كمل عندهم صدق توجه القلب إلى الرب فقد أغناهم ذلك عن الإنشغال والالتفات إلى مباشرة الأسباب. فلما كمل توكلهم فى ذلك فقد ارتقوا إلى هذه المنزلة العليَّة. (١)
قال ابن القيم:
وإذا ثبت أن التداوي مباح بالإجماع مندوب إليه عند بعض العلماء، فلا يلتفت إلى قول قوم قد رأوا أن التداوي خارج من التوكل؛ لأن الإجماع على أنه لا يخرج من التوكل، وقد تداوى الرسول ﷺ -وأمر بالتداوي، ولم يخرج بذلك من التوكل. (٢)
تم بحمد الله
стр. 375
الحديث الثالث عشر
بيان المسلَّمات في شرح
حديث قلت بَعْدَكِ أربع كلمات
стр. 376
* نص حديث الباب:
عَنْ جُوَيْرِيَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ، وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى، وَهِيَ جَالِسَةٌ، فَقَالَ: «مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟» قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ :
" لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ ".
* تخريج الحديث:
أخرجه مسلم (٢٧٢٦) كتاب " الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار"، باب التسبيح أول النهار وعند النوم، وأحمد (٢٦٧٥٨)
* نقول:
مذهب أهل السنة والجماعة إثبات صفة الكلام لله ، فهى صفة ثابتة لله -تعالى- بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.
فإن الله -تعالي - لم يزل ولا يزال متكلماً إذا شاء، بحرف وصوت، وهي صفة ذاتية فعلية.
*ومن أدلة ذلك من القرآن:
١ - قال تعالى (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) (النساء: ١٦٤)
٢ - قال تعالى (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ) (الأعراف/١٤٣)
стр. 377
وأما أدلة السنة:
١ - ا لأحاديث القدسية التي يرويها النبي ﷺ -فيها دلالة بينَّة على إثبات صفة الكلام لله ، ومن ذلك:
١ - ما رواه أبو هُرَيْرَة -رضى الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
" قَالَ اللهُ ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ ". (١)
*ومن الأحاديث النبوية الدالة على ذلك:
١ - حيث الباب:
فقول النبي ﷺ :
" لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، .... ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ... ومِدَادَ كَلِمَاتِهِ ".
قد أضاف الكلام إلى الله -عزوجل - إضافة صفة إلى موصوف، فدل ذلك على أنها صفة حقيقة لله تعالى، وذلك على ما يليق به تعالى.
٢ - عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ -رضى الله عنه- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ :
"مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَسَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَيْسَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ ". (٢)
٣ - وعن جابر بن عبد الله- ﵄ قال:
لما قُتل عبد الله -يعني أباه-قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-:
" مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَكَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا ". (٣)
٤ - وعن أبي هُرَيْرَةَ-رضى الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
" احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَخْرَجَتْكَ خَطِيئَتُكَ مِنَ الجَنَّةِ، فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِكَلَامِهِ ". (٤)
** أما الإجماع:
فقد أجمع السلف على إثبات صفة الكلام لله .
стр. 378
قال ابن القيم:
وقول أتباع الرسل هو إثبات صفة الكلام، وقد دل القرآن وصريح السنة والمعقول وكلام السلف على أن الله سبحانه وتعالي يتكلم بمشيئته، كما دل على أن كلامه صفة قائمة بذاته، وهي صفة ذات وفعل. (١)
... والعقل يثبت صفة الكلام لله :
نحن نعلم بالضرورة أن ما يكون متكلماً أكمل ممن لا يكون كذلك، فإذا كان مجرد إثبات هذه الصفة من الكمال، ومجرد سلبها من النقص؛ وجب ثبوتها لله تعالي. (٢)
*فوائد مهمة:
١ - الله - تعالى- يتكلم بصوت:
قال تعالى (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (الشعراء/١٠)
وجه الدلالة: النداء لا يكون إلا بصوت مسموع.
* ومن السنة:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ-﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ :
" يَقُولُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ: يَا آدَمُ، يَقُولُ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، فَيُنَادَى بِصَوْتٍ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ ". (٣)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
إن ما أخبر الله -تعالي - به في كتابه من تكليم موسى، وسماع موسى لكلام الله -تعالى- يدل على أنه كلمه بصوت، فإنه لا يسمع إلا الصوت، وصوته - تعالى- ليس كأصوات شيء من مخلوقاته، فإن الله لا يماثل المخلوقين في شيء من الصفات، فمن شبَّه الله بخلقه فقد ألحد في أسمائه وآياته. (٤)
وقال ﵀:
قد أخبر الله - تعالى - في القرآن بندائه لعباده في أكثر من عشرة مواضع، والنداء لا يكون إلا صوتاً باتفاق أهل اللغة وسائر الناس. (٥)
стр. 379
٢) الله يتكلم بحرف:
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ، فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ: ﴿الم﴾ حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ. (١)
قال ابن قدامة:
ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن حرفاً متفقاً عليه أنه كافر، وفي هذا حجة قاطعة على أنه حروف. (٢)
*فإن قيل:
إنَّ إثبات الحرف والصوت في صفة الكلام لله يلزم منه إثبات المخارج، وهذا مما لا يثبت في حق الله ؟ (٣)
فالرد أن يقال:
١ - هذا يخالف الكتاب والسنة وأقوال الأئمة الذين أثبتوا الصوت والحرف في صفة كلام الله .
٢ - من المخلوقات من نطق بصوت وحرف ولم يعلم لها مخارج، فقد تكلمت الجنة والنار والسماوات والأرض والطعام والحجر والجلود.... ، وغيرها، وهذه الأشياء مما لم ينكر أحد كلامها بدعوى أنه لا مخارج لها.
فإذا كان هذا في حق المخلوقات، فكيف في حق الخالق؟!
أما قول القائل: أن المخارج مما لا يثبت في حق الله!!
стр. 380
نقول: وهذا مما سكت عنه السلف، ولم يتكلموا فيه نفياً ولا إثباتاً.
فقولنا في مثل هذا المقام أن نتوقف حيث أوقفنا الشرع، وأن يسعنا ما وسع سلفنا، ومن لم يسعه ما وسع السلف فلا وسَّع الله عليه.
قال ابن حجر:
وحاصل الاحتجاج للنفي الرجوع إلى القياس على أصوات المخلوقين لأنه عهد أنها ذات مخارج، ولا يخفى ما فيه؛ إذ الصوت قد يكون من غير مخارج، وصفات الخالق لا تقاس على صفة المخلوق، وإذا ثبت ذكر الصوت بهذه الأحاديث الصحيحة وجب الإيمان بها، ثم إما التفويض وإما التأويل. (١)
*وكذا مما اعترض به المخالفون:
١ - أن الصوت لا يثبت في حق الله ، لما فيه من المشابهة، حيث قالوا:
" تعالي الله عن شبه المخلوقين علواً كبيراً "
٢ - الأحاديث الواردة في إثبات صفة الصوت لله ضعيفة.
، وإن صحت فليست على ظاهرها، بل يراد به صوت الملَك، لا صوت الله. (٢)
فجوابه:
أما الاعتراض الأول فجوابه:
إذا كان إثبات صفة الكلام لله على ما يليق بالله -وهذا مما تقول به- فلماذا لا تثبت لله صفة الصوت على ما يليق بالله
стр. 381
عز وجل، دون أن يلزم من ذلك مشابهة بين الخالق والمخلوق؟!
*أما القول بتضعيف الأحاديث الواردة في إثبات صفة الصوت...
فجوابه:
بل هي أحاديث صحيحة قد رواها أصحاب الصحاح، كالبخاري ومسلم، وهما أصح كتابين بعد كتاب الله بإجماع الأمة.
... أما اعتراضه الثالث فجوابه:
هذا خلاف ظاهر الأحاديث فقد قال صلي الله عليه وسلم:
"يَحْشر اللهُ العبادَ فيناديهم بصوتٍ.... " فهل يقال في مثل هذا في صوت الملَك؟؟!
ويلزم من القول بنفي الصوت عن كلام الله أن الله لم يُسمع أحداً من ملائكته ورسله كلامه، بل ألهمهم إياه.
الأدلة من الكتاب على أن القرآن كلام الله غير مخلوق:
أولاً: أدلة الكتاب:
١ - قال تعالى (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)) (التوبة: ٦).
وجه الشاهد: قوله تعالي: " كلام الله":
ووجه الدلالة:
أضاف الكلام إلى نفسه إضافة صفة إلي موصوف، مما يدل على أنَّ كلام الله -ومنه القرآن-هو صفة من صفات الله، وصفاته تعالي غير مخلوقة.
٢ - قال تعالى (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)
... (الأعراف: ٥٤)
وجه الدلالة:
القاعدة: "الأصل في العطف المغايرة "، فلما عطف الأمر على الخلق، والقرآن من الأمر، بدليل قوله تعالى (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا) (الشورى: ٥٢)، دل ذلك على أن القرآن كلامه تعالى غير مخلوق. (١)
стр. 382
قال سفيان بن عيينة:
ما يقول هذه الدويبة؟ يعني بشرا المريسي قالوا:
يا أبا محمد يزعم أن القرآن مخلوق، فقال: كذب قال الله تعالى: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ فالخلق: خلق الله، والأمر القرآن. (١)
قال أبو الحسن الأشعري:
قوله " ألا له الخلق " في جميع الخلق، ثم قال بعد ذكره الخلق " والأمر ": فأبان الأمر من الخلق، وأمرُ الله كلامه، وهذا يوجب أن كلام الله غير مخلوق. (٢)
٣ - قال تعالى (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)) (يس: ٨٢)
وقد احتج سفيان بن عيينة وغيره من السلف على أن كلام الله -تعالى- غير مخلوق بأن الله خلق الأشياء بـ " كن "، فلو كانت " كن " مخلوقة للزم أن يكون خلق مخلوقاً بمخلوق، فيلزم التسلسل الباطل، وذلك أنه إذا لم يخلق إلا بـ " كن " فلو كانت " كن " مخلوقة للزم أن لا يخلق شيئاً، وهو الدور الممتنع. (٣)
٤ - قال تعالى (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)) (السجدة/١٣)
قوله تعالي: " حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي ":
دل على أن كلام الله- -من الله، فمن زعم أن كلام الله مخلوق؛ فقد زعم أن من الله شيئاً مخلوقاً، ومن قال بذلك فقد كفر.
وقد فسَّره بذلك: سفيان بن عيينه وأحمد بن حنبل، ونعيم بن حمَّاد، والحسن بن الصباح البزار، وعبد العزيز بن يحيى الكناني. (٤)
стр. 383
٥ - قال تعالى (الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ) (الرحمن: ١ - ٣).
فلما جمع في الذكر بين القرآن الذي هو كلامه وصفته، وبين الإنسان الذي هو خلقه ومصنوعه، خص القرآن بالتعليم، والإنسان بالتخليق، فلو كان القرآن مخلوقاً كالإنسان لقال: خلق القرآن والإنسان. (١)
٦ - قال تعالى (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) (البقرة/١٤٥)، وقال تعالى (فَإن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ) (هود/١٤)
سئل الإمام أَحْمَد عمن يقول القرآن مخلوق؟
فقال: كنت لا أكفِّرهم حتى قرأت آياتٍ من القرآن " وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ " (البقرة: ١٢٠)، وقوله " بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ العلم " وقوله "
أنزله بعلمه " فالقرآن من علم اللَّه تعالى، ومن زعم أن علم اللَّه - تعالى- مخلوق
فهو كافر. (٢)
ثانياً: أدلة السنة:
١ - حديث الباب:
وذلك في قوله ﷺ :
" سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ.
وجه الدلالة:
في الحديث دلالة على أن كلام الله غير مخلوق؛ وذلك حين عطف كلمات الله -تعالى- على مخلوقاته، والأصل في العطف المغايرة، فلو كانت كلمات الله من خلقه لما غاير بينهما.
٢ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ-رضى الله عنهما- قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ «أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ»، ثُمَّ يَقُولُ: «كَانَ أَبُوكُمْ يُعَوِّذُ بِهِمَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ»
قَالَ أَبُو دَاود: هَذَا دَلِيلٌ عَلى أَنَّ الْقُرْآنَ لَيس بِمخلُوق. (٣)
стр. 384
وجه الدلالة:
استعاذ النبي -صلي الله عليه وسلم -بكلام الله ، فلو كان كلام الله -تعالى- مخلوقاً لما جوَّز الشرع الاستعاذة به، وذلك لإجماع أهل العلماء على أن الاستعادة بالمخلوق شرك.
وكان الإمام أحمد بن حنبل يستدل بهذا الحديث على أن القرآن غير مخلوق. (١)
قال ابن بطة:
فهل يجوز أن يُعوِّذ النبي ﷺ بمخلوق، وهل يأمر أمته أن يتعوذوا بمخلوق مثلهم؟!! (٢)
٣ - عن عُبَادَةَ بن الصامت -رضى الله عنه- قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:
" إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ القَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى الأَبَدِ ". (٣)
قد كان الكلام قبل خلق القلم، وإذا كان أول خلق الله من شيء القلم دل على أن
كلامه ليس بمخلوق؛ ولأنه قبل خلق الأشياء. (٤)
٤ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ -قال:
" فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على سائر خلقه ". (٥)
فلو كان كلام الله مخلوقاً لم يكن فضل ما بينه وبين سائر الكلام كفضل الله على خلقه. (٦)
ثالثاً: الإجماع:
قال أحمد بن حنبل:
- أجمع العلماء والأئمة المتقدِّمون على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، هذا الذي أدركت عليه الشيوخ. (٧)
стр. 385
قال البغوي: وقد مضى سلف الأمة وعلماء السنة على أن القرآن كلام الله ووحيه وليس بخالق ولا مخلوق، والقول بخلق القرآن ضلاله وبدعة. (١)
* تاريخ محنة الأمة:
إنها محنة خلق القرآن، تلك المحنة التي تعرضت لها أمة الإسلام في أواخر عصر التابعين، حين ظهر القول بخلق القرآن علي يد أُناس قد جحدوا ما وصف الله به نفسه تعمقاً وتكلفاً، فعدلوا عن وحي الرحمن إلي وحي الشيطان
﴾ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ﴿(الأنعام: ١٢١)
وتاريخ هذه المحنة يعودإلي عصر التابعين، ففي ذلك العصر بدأ ظهور هذا القول المحدث. (٢)
ولا خلاف بين الأمة أن أول من قال بخلق القرآن هو الجعد بن درهم ثم أخذ عنه ذلك جهم بن صفوان ولهم في ذلك أصول.
حيث كانت النسبة لهذا النبت الخبيث تعود إلى الرجل اليهودي لبيد بن الأعصم الذي سحر النبي صلي الله عليه وسلم، والذي منه بدأت سلسلة الحطب حيث أخذ عنه هذه العقيدة التالفة ابن أخته طالوت، وأخذها عن طالوت بيان بن سمعان وأخذها عن بيان الجعد بن درهم، وأخذها عن الجعد الجهمُ بن صفوان، وإليه نسبت جماعة الجهمية؛ لأنه
стр. 386
هو الذي أشاع مذهبهم المخذول.
ثم نقله عن الجهم بشر بن غيَّاث المريسي، شيخ المعتزلة وأحد من أضل المأمون وجدَّد القول بخلق القرآن.
ثم تقلَّد عن بشر المريسي ذلك المذهب قاضي المحنة أحمد بن أبي دؤاد. (١)
وقد كان ابن أبي دؤاد مقرَّباً عند الخليفة المأمون فلبَّس عليه بمقالة خلق القرآن، حتى حملها عليها واستماله إليها. ثم صار قاضياً عند المعتصم والواثق واشتدت المحنة على علماء الأمة بسبب مقالته تلك.
وكان بسبب ذلك من اضطهاد لعلماء السنة من الحبس والضرب والقتل، فمن العلماء من أجابهم إلى ذلك، ورأى أن هذا موضع إكراه، ومنهم من عرَّض بالقول؛ ليأمن شرهم. (٢)
ومنهم من ثبت على قول الحق، قول أهل السنة والجماعة، ورأي أن هذا موطن جهاد لا يسوغ النكوص ولا الاستسلام.
стр. 387
وكان على رأس من ثبتهم الله في هذه المحنة هو الإمام أحمد بن حنبل الذي صدع بالحق رغم ضرب السياط والحبس.
لذا قال علي بن المديني: إن الله نصر الدين بأبي بكر يوم الردة، وبأحمد يوم المحنة. (١)
*وكذلك: فمن الأئمة الذين ثبتوا على القول الحق في هذا الباب:
أبو مسهر عالم دمشق، ونعيم بن حمَّاد عالم مصر، والبويطي فقيه مصر، وعفَّان بن مسلم الصفار محدث العراق، والفضل بن دكين الذي قال يومها: "عنقي أهون عندي من زرِّي هذا"، وأحمد بن نصر الخزاعي.
وطائفة سواهم، وقد مات الإمام البويطي في حبسه مقيداً في الأغلال؛ لثباته علي الحق، كذلك ثبت الإمام محمد بن نوح حتى مات في السجن، وأماأحمد بن نصر فقد قتله الواثق وصلبه.
لقد أدرك هؤلاء الأئمة ﵏ أن القول بخلق القرآن يلزم منه وصف الله بالنقص؛ إذ إن الله -تعالى- ليس متكلماً، بل خلق كلاماً كسائر ما خلق من مخلوقاته؛ إذن ففي حقيقة قولهم الباطل هو نفي صفة الكلام عن الله ، تعالي الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
لذا رأى هؤلاء الأئمة ﵏ -أن الثبات في هذه المحنة هو جهاد في سبيل الله ؛ صيانة للدين وحماية للأمة.
لقد توالى غِيام هذه المحنة في سماء الأمة فى عصر المأمون، ثم المعتصم، ثم الواثق، حتى أذن الله -تبارك وتعالي - لهذه المحنة أن ترفع، وذلك حينما تولى الخليفة المتوكل، وكان إماماً محباً لعقيدة السلف، فأبطل المحنة وأبطل القول بخلق القرآن.
وقد بويع المتوكل بن المعتصم سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وعمره ست وعشرون سنة فاظهر الله به السُنة، وكشف تلك الغمة، وأمر العلماء أن يجلسوا
стр. 388
للناس، وان يحدثوا بالأحاديث التي فيها الرد على المعتزلة والجهمية.
وجاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً.
(كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَال (١٧) (الرعد: ١٧)
أقوال الفرق المخالفة والرد عليهم:
الجهمية والمعتزلة والخوارج:
قالوا:
إن الله - تعالى - يتكلم بكلام يسمع، وبحرف، ومتى شاء، وبما شاء، ولكن ليس كلامه صفة فيه، بل كلامه مخلوق من مخلوقاته بائن منه.
وعليه كلام الله -تعالى- عندهم لا يعد معنى يقوم بذات الله ، بل هو شيء من مخلوقاته كالسماء والأرض والناقة، فكلام الله حروف خلقها الله وسمَّاها كلاماً، كما خلق الناقة وسماها ناقة الله، وكما خلق البيت وسمّاه بيت الله، وإنما نسب الله الكلام إلى نفسه تشريفاً وتعظيماً.
* وعلى هذا المذهب لا يوصف الله -تعالى- بالكلام في الواقع، وإنما يوصف بأنه خالق الكلام، ومن ثم بنوا على هذا قولهم: إن القرآن مخلوق.
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (القصص: ٣٠)
فقالوا:
قوله تعالى: "من الشجرة ":
فيه دلالة أن الله خلق الكلام في الشجرة، فسمعه موسي ﵇-منها. (١)
стр. 389
*الرد على الجهمية والمعتزلة:
أما قولهم أن الله - تعالى - يتكلم، ولكنَّ كلامه ليس صفة له، بل كلامه مخلوق...
فالرد من وجوه:
١ - هل يجوز لمخلوق أن يقول (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)، فمن قال ذلك فقد زعم أن غير الله ادعي الربوبية. ولو كان كما قال الجهمي: لكان قول ذلك المخلوق: (يا موسي إن الله رب العالمين فاعبده.....)
٢ - ولو كان كلام الله -تعالى- قد خلقه في الشجرة فسمعه موسي ﵇ لترتب على ذلك:
أن كل كلام يمكن أن يكون كلام الله، حتى كلام البشر يمكن أن نقول إنه كلام الله، لأنه مخلوق في الإنسان، بل إن كلام البشر-على قاعدتكم - يكون أشرف من كلام الله؛ لأنه مسموع من البشر الذي فضَّله الله على كثير ممن خلق تفضيلاً، وكلام الله عندكم مسموع من الشجرة.
*أيضاً نقول:
ولو سمع موسى- ﵇ كلام الله من غيره -كما تقول المعتزلة-لما كان لموسى ﵇ مزية ولا فضل علي غيره من البشر، لأننا نسمع كلام الله على الحقيقة.
*وإذا كانت الشجرة هي التي خلق فيها كلام الله، فسمعه موسي-﵇ منها بزعمكم، للزم من ذلك أن يكون من سمع كلام الله من محمد -صلي الله عليه وسلم - أفضل مرتبة من موسي، لأنه سمعه من شجرة. (١)
стр. 390
* كذلك يقال:
قال تعالى (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) (النساء/٦٤)
قال النحاس: أجمع النحويون على أن الفعل إذا أكد بالمصدر لم يكن مجازاً.
فإذا قال تكليما وجب أن يكون كلاما على الحقيقة التي تعقل.
قال القرطبي:
"تكليماً" مصدر معناه التأكيد، يدل على بطلان من يقول:
خلق لنفسه كلاماً في الشجرة، بل هو الكلام الحقيقي على أنك إذا أكدت الفعل بالمصدر لم يكن مجازاً. (١)
أما قولهم:
كلام الله هو حروف خلقها وسمّاها كلاماً، كما سمَّى الناقة: ناقة الله، والبيت: بيت الله.
فجوابه: أن المضاف إلي الله على نوعين:
أ-أعيان ب-معاني
أما الأعيان: فتضاف إلي الله- إما:
(إضافة تشريف أو إضافة ملكية)
وكلا النوعين جمعتهما الآية (ويَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ)
فقوله تعالى (هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ) هذه إضافة تشريف، وقوله (فِي أَرْضِ الله) هي إضافة ملكية.
أما المعاني فتضاف إلي الله -على نوعين:
١ - معنى لا يقوم بالله؛ فيكون إضافته إلى الله على سبيل التشريف، كما ورد في الحديث القدسي "مرضتُ فلم تعدني".
٢ - أن يكون المعنى المضاف لله هو معنى يقوم بالله -تعالى- وصفة له:
فتكون إضافته إلى الله -عزوجل- إضافة صفة إلى موصوف، ويدخل في هذا الباب