← Акыда

Акыда · id 192

الأربعون العقدية

أيمن إسماعيل

Полный текст (1 126 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

هو الذي أشاع مذهبهم المخذول. ثم نقله عن الجهم بشر بن غيَّاث المريسي، شيخ المعتزلة وأحد من أضل المأمون وجدَّد القول بخلق القرآن. ثم تقلَّد عن بشر المريسي ذلك المذهب قاضي المحنة أحمد بن أبي دؤاد. (١) وقد كان ابن أبي دؤاد مقرَّباً عند الخليفة المأمون فلبَّس عليه بمقالة خلق القرآن، حتى حملها عليها واستماله إليها. ثم صار قاضياً عند المعتصم والواثق واشتدت المحنة على علماء الأمة بسبب مقالته تلك. وكان بسبب ذلك من اضطهاد لعلماء السنة من الحبس والضرب والقتل، فمن العلماء من أجابهم إلى ذلك، ورأى أن هذا موضع إكراه، ومنهم من عرَّض بالقول؛ ليأمن شرهم. (٢) ومنهم من ثبت على قول الحق، قول أهل السنة والجماعة، ورأي أن هذا موطن جهاد لا يسوغ النكوص ولا الاستسلام.

стр. 387

وكان على رأس من ثبتهم الله في هذه المحنة هو الإمام أحمد بن حنبل الذي صدع بالحق رغم ضرب السياط والحبس. لذا قال علي بن المديني: إن الله نصر الدين بأبي بكر يوم الردة، وبأحمد يوم المحنة. (١) *وكذلك: فمن الأئمة الذين ثبتوا على القول الحق في هذا الباب: أبو مسهر عالم دمشق، ونعيم بن حمَّاد عالم مصر، والبويطي فقيه مصر، وعفَّان بن مسلم الصفار محدث العراق، والفضل بن دكين الذي قال يومها: "عنقي أهون عندي من زرِّي هذا"، وأحمد بن نصر الخزاعي. وطائفة سواهم، وقد مات الإمام البويطي في حبسه مقيداً في الأغلال؛ لثباته علي الحق، كذلك ثبت الإمام محمد بن نوح حتى مات في السجن، وأماأحمد بن نصر فقد قتله الواثق وصلبه. لقد أدرك هؤلاء الأئمة ﵏ أن القول بخلق القرآن يلزم منه وصف الله بالنقص؛ إذ إن الله -تعالى- ليس متكلماً، بل خلق كلاماً كسائر ما خلق من مخلوقاته؛ إذن ففي حقيقة قولهم الباطل هو نفي صفة الكلام عن الله ، تعالي الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. لذا رأى هؤلاء الأئمة ﵏ -أن الثبات في هذه المحنة هو جهاد في سبيل الله ؛ صيانة للدين وحماية للأمة. لقد توالى غِيام هذه المحنة في سماء الأمة فى عصر المأمون، ثم المعتصم، ثم الواثق، حتى أذن الله -تبارك وتعالي - لهذه المحنة أن ترفع، وذلك حينما تولى الخليفة المتوكل، وكان إماماً محباً لعقيدة السلف، فأبطل المحنة وأبطل القول بخلق القرآن. وقد بويع المتوكل بن المعتصم سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وعمره ست وعشرون سنة فاظهر الله به السُنة، وكشف تلك الغمة، وأمر العلماء أن يجلسوا

стр. 388

للناس، وان يحدثوا بالأحاديث التي فيها الرد على المعتزلة والجهمية. وجاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً. (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَال (١٧) (الرعد: ١٧) أقوال الفرق المخالفة والرد عليهم: الجهمية والمعتزلة والخوارج: قالوا: إن الله - تعالى - يتكلم بكلام يسمع، وبحرف، ومتى شاء، وبما شاء، ولكن ليس كلامه صفة فيه، بل كلامه مخلوق من مخلوقاته بائن منه. وعليه كلام الله -تعالى- عندهم لا يعد معنى يقوم بذات الله ، بل هو شيء من مخلوقاته كالسماء والأرض والناقة، فكلام الله حروف خلقها الله وسمَّاها كلاماً، كما خلق الناقة وسماها ناقة الله، وكما خلق البيت وسمّاه بيت الله، وإنما نسب الله الكلام إلى نفسه تشريفاً وتعظيماً. * وعلى هذا المذهب لا يوصف الله -تعالى- بالكلام في الواقع، وإنما يوصف بأنه خالق الكلام، ومن ثم بنوا على هذا قولهم: إن القرآن مخلوق. واستدلوا على ذلك بقوله تعالى (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (القصص: ٣٠) فقالوا: قوله تعالى: "من الشجرة ": فيه دلالة أن الله خلق الكلام في الشجرة، فسمعه موسي ﵇-منها. (١)

стр. 389

*الرد على الجهمية والمعتزلة: أما قولهم أن الله - تعالى - يتكلم، ولكنَّ كلامه ليس صفة له، بل كلامه مخلوق... فالرد من وجوه: ١ - هل يجوز لمخلوق أن يقول (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)، فمن قال ذلك فقد زعم أن غير الله ادعي الربوبية. ولو كان كما قال الجهمي: لكان قول ذلك المخلوق: (يا موسي إن الله رب العالمين فاعبده.....) ٢ - ولو كان كلام الله -تعالى- قد خلقه في الشجرة فسمعه موسي ﵇ لترتب على ذلك: أن كل كلام يمكن أن يكون كلام الله، حتى كلام البشر يمكن أن نقول إنه كلام الله، لأنه مخلوق في الإنسان، بل إن كلام البشر-على قاعدتكم - يكون أشرف من كلام الله؛ لأنه مسموع من البشر الذي فضَّله الله على كثير ممن خلق تفضيلاً، وكلام الله عندكم مسموع من الشجرة. *أيضاً نقول: ولو سمع موسى- ﵇ كلام الله من غيره -كما تقول المعتزلة-لما كان لموسى ﵇ مزية ولا فضل علي غيره من البشر، لأننا نسمع كلام الله على الحقيقة. *وإذا كانت الشجرة هي التي خلق فيها كلام الله، فسمعه موسي-﵇ منها بزعمكم، للزم من ذلك أن يكون من سمع كلام الله من محمد -صلي الله عليه وسلم - أفضل مرتبة من موسي، لأنه سمعه من شجرة. (١)

стр. 390

* كذلك يقال: قال تعالى (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) (النساء/٦٤) قال النحاس: أجمع النحويون على أن الفعل إذا أكد بالمصدر لم يكن مجازاً. فإذا قال تكليما وجب أن يكون كلاما على الحقيقة التي تعقل. قال القرطبي: "تكليماً" مصدر معناه التأكيد، يدل على بطلان من يقول: خلق لنفسه كلاماً في الشجرة، بل هو الكلام الحقيقي على أنك إذا أكدت الفعل بالمصدر لم يكن مجازاً. (١) أما قولهم: كلام الله هو حروف خلقها وسمّاها كلاماً، كما سمَّى الناقة: ناقة الله، والبيت: بيت الله. فجوابه: أن المضاف إلي الله على نوعين: أ-أعيان ب-معاني أما الأعيان: فتضاف إلي الله- إما: (إضافة تشريف أو إضافة ملكية) وكلا النوعين جمعتهما الآية (ويَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ) فقوله تعالى (هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ) هذه إضافة تشريف، وقوله (فِي أَرْضِ الله) هي إضافة ملكية. أما المعاني فتضاف إلي الله -على نوعين: ١ - معنى لا يقوم بالله؛ فيكون إضافته إلى الله على سبيل التشريف، كما ورد في الحديث القدسي "مرضتُ فلم تعدني". ٢ - أن يكون المعنى المضاف لله هو معنى يقوم بالله -تعالى- وصفة له: فتكون إضافته إلى الله -عزوجل- إضافة صفة إلى موصوف، ويدخل في هذا الباب

стр. 391

إضافة الكلام إلي الله تعالى، كما في قوله تعالى (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ) (التوبة: ٦) وفي قول النبي ﷺ ، كما في حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ-﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ بِالْمَوْقِفِ فَيَقُولُ: " هَلْ مِنْ رَجُلٍ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ، فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي ". (١) فقوله صلى لله عليه وسلم: " كَلَامَ رَبِّي": هو من باب إضافة الكلام إلى الله -تعالى- إضافة صفة إلى موصوف. وكذلك ما ورد في حديث جَابِرٍ- ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ: «أَحْسَنُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ، وَأَحْسَنُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ ». (٢) *ومن الرد عليهم: أن قولهم في صفة الكلام لله قول مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف، هو مناقض لأقوال الأنبياء صلي الله عليهم وسلم أجمعين. كما أنه خلاف المعقول لأن الكلام صفة للمتكلم، وليس شيئاً قائماً بنفسه منفصلاً عن المتكلم. كما أنه لا يُعرف في لغة ولا عقل قائل متكلم لا يقوم به القول والكلام وإنما قام الكلام بغيره. (٣) قال تعالى (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ) (الأنعام: ١١٤). فيه بيان أن القرآن قد أنزله الله سبحانه وتعالي، وليس من مخلوق من المخلوقات، لهذا قال السلف: منه بدأ، أي: هو الذي تكلم به ولم يبتدأ من غيره، كما أدعته الخلقية. قال أحمد بن حنبل: كلام الله من الله، ليس بائناً منه، وإذا كان المخلوق كلامه

стр. 392

منه، لا من غيره، دل أن الكلام إنما يقوم بالمتكلم. (١) *أما ما استدلوا به من قوله تعالى (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠)) (القصص/٣٠) فجوابه أن نقول: النداء هو الكلام من بعد، فقد سمع موسي ﵇ النداء الذي كان في البقعة المباركة من عند الشجرة، كما تقول: سمعت كلام زيد من البيت، فيكون معنى "من البيت" لابتداء الغاية، لا أن البيت هو المتكلم؛ إذ لو كان الكلام مخلوقاً من الشجرة لكانت الشجرة هي القائلة يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ. (٢) ٢ - قول الكلابية والأشاعرة: أما الكلاَّبية: فسبب هذه التسمية يعود إلى أول من أشتهر بهذا القول، وهوعبد الله بن سعيد بن كلّاب. (٣) أما قولهم في صفة الكلام فإنهم قالوا: أن الله يتكلم بغير مشيئة، بل كلامه هو معنى قديم لازم قائم بذات الرب كلزوم الحياة والعلم، وأنه لا يُسمع منه على الحقيقة، بل المسموع هو حروف وأصوات مخلوقة منفصلة عن الرب، دالة على ذلك المعني القديم وهو القرآن، وهو غير مخلوق. *أماالأشاعرة: فقالوا: إن كلام الله صفة من صفاته وليس بمخلوق، فكلامه-تعالى- صفة أزلية قائمة بذاته، بغير صوت ولا حرف، وأما اللفظ فهو مخلوق ليدل على ذلك المعنى. فالكلام النفسي عندهم هو معنى واحد، لا يتجزأ ولا يتبعض، هو الأمر والنهي،

стр. 393

والخبر والاستخبار. إن عبَّر عنه بالعربية كان قرآناً، وإن عبَّر عنه بالعبرية كان توراة، وإن عبَّر عنه بالسريانية كان إنجيلاً. (١) وقد نص الجوينى والرازي على إثبات الكلام لله على المعنى القائم بالنفس. (٢) * فإذا سألت: وما وجهة الأشاعرة فيما ذهبوا إليه؟ *والجواب: أن الأشاعرة لا يقولون بإثبات الصفات الفعلية، ويجعلون كلام الله هو الكلام النفسي القديم وليس متعلقاً بوقت معين، والقرآن عندهم إنما هو عبارة عن كلام الله. وبهذا تراهم جمعوا بين متناقضات حين جعلوا القرآن من حيث معناه: غير مخلوق، ومن حيث حروفه إنما هو من عند مخلوق. قال أبو العباس ابن تيمية: أنهم - أى الأشاعرة- لما ناظروا المعتزلة في إثبات الصفات، وأن القرآن ليس بمخلوق، رأوا أن ذلك لا يتم إلا إذا كان القرآن قديماً، وأنه لا يكون قديماً إلا إذا كان معني قائماً بنفس الله كعلمه؛ وذلك لامتناع قيام الأمور الحادثة به، فخالفوا بذلك جمهور المسلمين. (٣) فالحاصل أن الأشاعرة والمعتزلة متفقان أن حروف القرآن وألفاظه مخلوقة، أما الأشاعرة فيقولون القرآن هو الكلام النفسي، وهذا قديم غير مخلوق، ويطلق على الألفاظ قرآن إما مجازاً أو اشتراكاً. والمعتزلة يخالفونهم في ذلك، فلا يثبتون كلاماً نفسياً، ويقولون الكلام لا يتصور

стр. 394

من دون اللفظ، وإنما هو العلم والإرادة. وإذا تحققت من أن الكلام النفسي يؤول ويرجع - ولا بد - إلى العلم والإرادة - أو العلم وحده - كان الخلاف بينهما لفظياً. فحقيقة الخلاف اللفظي هو الخلاف الراجع لمجرد اختلاف العبارة، أو هو الخلاف الذي لا ثمرة له، أو هو الخلاف الذي لو اطلع كل مخالف على حقيقة قول مخالفه لما خالفه. *وقد فطن إلى ذلك المحققون من أهل السنة، وكذا محققوالأشاعرة من المتأخرين، ممن حقق الأقوال وعرف لوازمها. (١) *تأمل: الفرق بين الخلقية كالجهمية والمعتزلة وبين الأشاعرة والكلابية. حيث أن الخلقية (الجهمية والمعتزلة) يقولون: لا يقوم بذات الله كلام، ولكنه مخلوق يتعلق بمشيئة الله. أما الأشاعرة والكلابية فقالوا: لله كلام هو معني قديم قائم بذاته لا يتعلق بالمشيئة. (٢) *الرد على الأشعرية والكلابية: ١ - قولكم هذا مما لم يظهر في الأمة إلا من بعد ظهور ابن كلَّاب، وعنه تقلَّده أبو الحسن الأشعري وسائر أئمة الأشعرية. (٣)

стр. 395

فقولكم بالكلام النفسي قد خالفتم به الكتاب والسنة وإجماع الأمة التي أثبتت لله-تعالى- صفة الكلام بحرف وصوت على الحقيقة، وليس كلاماً نفسياً أو معنى قائماً بالنفس كما تزعمون. ٢ - قال تعالى " وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)) (الشورى: ٥١) فلما فرَّق الله بين التكليم والوحي العام؛ دل ذلك على إبطال القول بأن كلام الله هو معني واحد قائم بذاته. ٣ - قال تعالى (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (الشعراء/١٠) وجه الدلالة: النداء لا يكون إلا بصوتٍ مسموع باتفاق أهل اللغة وسائر الناس. * عن عبد الله بن أُنيس -رضى الله عنه- أن النَّبِيَّ ﷺ قال: " يَحْشُرُ اللَّهُ الْعِبَادَ فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ " (١) قلت: وهذا بينٌ جلى أن المتكلم بصوت هو الله تعالى، فما كان ينبغى لملَك من الملائكة أن يقول: " أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ ". وقد أخبر الله -تعالي -به في كتابه من تكليم موسي، وسمع موسى لكلام الله يدل على أنه كلمه بصوت، فإنه لا يسمع إلا الصوت، وصوته تعالي ليس كأصوات شيء من مخلوقاته، فإن الله لا يماثل المخلوقين في شئ من الصفات، فمن شبَّه الله بخلقه فقد ألحد في أسمائه وآياته. (٢) *أما قولهم بأن صفة الكلام هو المعني القائم بالنفس!!

стр. 396

فهذه دعوى يكذبها الشرع واللغة. أما الشرع: فلأن الله تعالي وصف القرآن بأنه كلمه؛ والأصل أن الصفة حقيقة في موصوفها، وهذا القرآن مسموع وبحروف مما يدل على بطلان دعواكم أن القرآن معني يقوم بالنفس. أما اللغة: فإنه لا يقال في اللغة للكلام كلام حتى يخرج باللسان، وإنما يذكر الكلام القائم بالنفس كلاماً مفيداً، فيقال: حديث نفس أو يقول في نفسه. أما عند الإطلاق: فإن القول والكلام لا يقال إلا لما يسمع ويكون بحروف. فإن قالوا: قال تعالى (وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ) فجعل ما في النفس قولاً؟ قلنا: هذه عليكم وليست لكم؛ لأن الله لما أراد حديث النفس قال "ويقولون في أنفسهم"، ولما أراد حديث اللسان قال "بما نقول"، فأطلق ولم يقل " بما يقولون في أنفسهم "، فحديث النفس لا يسمى قولاً ولا كلاماً إلا مقيداً. *فإن قالوا: قول الشاعر: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلاً. (١) قالوا: فسمَّى ما في الفؤاد من المعاني كلاماً؟؟ فجوابه: أن هذا البيت مما قد تكلم العلماء في صحته رسماً ونسباً. أما نسباً: فقد تكلم العلماء في صحة نسبته إلي ديوان الأخطل، فقد قال أبو محمد الخشَّاب نحويُ العراق: فتَّشت شعر الأخطل فما وجدت هذا البيت. رسماً: من حيث تحريف لفظه، حيث إن لفظه الصحيح هو "إن البيان لفي الفؤاد"، قال أبو البيان الدمشقي: أنا رأيته في ديوانه كذلك، فحرَّفه بعض النفاة وقالوا:

стр. 397

إن الكلام لفي الفؤاد. (١) *ثم نقول: وعلي فرض صحته ونسبته فإنه لا يجوز أن نستدل به، لأن الأخطل من النصاري؛ هؤلاء الذين ضلوا في معني الكلام حتى زعموا أن عيسى ﵇ -هو نفس كلمة الله، وأن اللاهوت قد اتحد بالناسوت، وإن قولاً يستشهد له بأقوال النصارى لقول مبني على شفا جرف هار. قال أبو العز الحنفي: كما أن معنى البيت غير صحيح، إذ لازمه أن الأخرس يسمى متكلماً، لقيام الكلام بقلبه، وإن لم ينطق به ولم يُسمع منه. (٢) *كذلك يرد دعواهم بأن الكلام هو معنى قائم بالنفس: " قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزا (٤١)) فمع كون زكريا ﵇ قد أشار إليهم، كما في قوله تعالى (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا)، فلم يكن ذلك المعني القائم بنفسه الذي عبَّر عنه بالإشارة كلاماً. وكذلك في قصة مريم ﵍ (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ)، مع كونها قد نذرت الامتناع عن الكلام، (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) وقد اتفق أهل اللسان على أن الكلام: اسم وفعل وحرف، كما أجمع الفقهاء علي أن من حلف ألا يتكلم لا يحنث بحديث النفس، وإنما يحنث بالكلام. (٣) * كذلك يرد دعواهم بأن الكلام هو معنى يقوم بالنفس: حديث أبي هريرة ﵁ أن

стр. 398

النبي ﷺ قال: "إن الله تجاوز لأمتي عمَّا حدَّثت بها أنفسها، ما لم تتكلم به أو تعمل به ". (١) وجه الدلالة: قد أخبر النبي -صلي الله عليه وسلم- أن الله -تعالى-عفى عن حديث النفس، إلا أن تتكلم، ففَّرق بين حديث النفس وبين كلام اللسان. كذلك في قوله ﷺ : "إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ ". (٢) فقد اتفق العلماء أن من تكلم وهو يصلي عامداً بطلت صلاته، واتفقوا على أن ما يقوم بالقلب من تصديق بأمور دنيوية وطلب، لا يبطل الصلاة، وإنما يبطلها التكلَّم بذلك، فعلم إتفاق المسلمين على أن هذا ليس بكلام. (٣) *أما قولهم: أن الله لا يتكلم بقدرته ولا مشيئته، بل الكلام لازم لذاته كلزوم الحياة لذاته. * فالرد عليه: قوله تعالى: ﴿ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين﴾ وقوله تعالى ﴿ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون﴾ فإنه وقَّت النداء بظرف محدود، فدل على أن النداء يقع في ذلك الحين دون غيره من الظروف، وجعل الظرف للنداء لا يسمع النداء إلا فيه. (٤) وفي حديث زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: " أَلَمْ تَسْمَعُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمُ اللَّيْلَةَ؟. (٥) فجعل الكلام موقتاً بظرف محدد. وباتفاق الأنبياء ﵈ فإن الله يتكلم، ومن لم يقل إن يتكلم بمشيئته وقدرته كلاماً يقوم بذاته لم يقل إنه يتكلم. وعلى هذا أئمة السنة، كأحمد والبخاري

стр. 399

وابن خزيمة وغيرهم متفقون على أن الله -تعالى- يتكلم بمشيئته وقدرته، ولم يقل أحد منهم إن القرآن قديم. ** ثم نقول: وأصل قولهم أن كلام الله -تعالى-لا يتعلق بالمشيئة فمبناه على دعواهم نفي قيام الحوادث بالله!!! وجواب ذلك: أننا لا بد أن نفرق بين أصل صفة الكلام وبين آحاده، فالله- متصف بصفة الكلام من الأزل، فهي صفة ذات له ، لم يزل - سبحانه - ولا يزال متكلماً. وأما آحاد الكلام - والذى منه القرآن - فهو بعض كلام الله تكلم به متى شاء، وعليه فصفة الكلام قديمة الجنس، حادثة الآحاد. قال تعالى (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) فالحداثة إنما هي وصف آحاد الكلام، وليس لأصل الصفة، فتنبَّه. قال ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: " يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب، وكتابكم الذي أنزل على نبيه ﷺ أحدث الأخبار بالله " (١) أما قولهم: القرآن هو حكاية وعبارة عن كلام الله!! فجوابه: أن هذا القول لم ينقل عن أحد من أئمة المسلمين من المتقدمين من الصحابة والتابعين، فدل أن ذلك من البدع المحدثة. ونقول: لو كان ما في المصحف عبارة أو حكاية عن كلم الله، وليس هو كلم الله حقيقة؛ لما حرم على الجنب والمحدث مسه، ولما حرم على الجنب قراءة القرآن. *أما قولهم بالكلام النفسي الذى هو عندهم معنى واحد، هو الأمر والنهي، والخبر والاستخبار!! فجوابه أن جمهور العقلاء يقولون: إن فساد هذا معلوم بالضرورة بعد التصور التام، فإنا إذا عرَّبنا التوراة والإنجيل لم يكن معناهما معنى القرآن بل معاني هذا ليست معاني هذا، وكذلك " ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] ليس هو معنى

стр. 400

﴿تبت يدا أبي لهب﴾ [المسد: ١] " ولا معنى آية الكرسي آية الدَين. وإذا جوزتم أن تكون الحقائق المتنوعة شيئاً واحداً فجوزوا أن يكون العلم والقدرة والكلام والسمع والبصر صفة واحدة، فاعترف أئمة هذا القول بأن هذا الإلزام ليس لهم عنه جواب عقلي. ورحم الله الإمام العز بن عبد السلام -وهو من كبار أئمة الأشعرية - حيث سئل في مسألة القرآن: كيف يعقل شيء واحد هو أمر ونهي، وخبر واستخبار؟ فقال: ما هذا بأول إشكال ورد على مذهب الأشعري. (١) * ومن التناقض البيِّن: أنك تري الأشاعرة يقولون بإثبات صفات لله -تعالى- لها معانٍ زائدة عن الذات، مخالفة للجهمية النفاة، ثم تراهم يقولون بأن كلام الله معنى واحد قائم بالذات. (٢) *وحقيقة الأمر: أن الكلام الذي تثبته الأشاعرة لله -تعالى- لا حقيقة له؛ ومعناه قريب من معنى العلم؛ إذ أن حديث النفس الذي هو الكلام عندهم هو علم بمعانى معينة، فليس فى النفس إلا معانى معلومة، فآل الكلام إلى العلم. لذا فقد نص الشيرازى على ذلك بالتصريح دون التلميح، فقال: "سماعنا كلامه كعلمنا به " (٣) قول الكرامية في صفة الكلام: قالوا: كلام الله صفة له وهو كلام بحرف وصوت، ولكن الله -تعالى-قد تكلم بعد أن لم يكن متكلماً، فالكلام صفة حادثة له. (٤) * الرد على الكرامية: فقد وصفتم الله بصفات البشر، حيث أن المرء لم يكن متكلماً ثم تكلم، وهذا

стр. 401

نقص في حق الله -ننزه ربنا تبارك وتعالي عنه. ثم قولوا لنا: ما الفرق بين القول بأن الله -تعالى -تكلم بالقرآن الكريم بعد أن لم يكن متكلما به، والقول بأنه مخلوق؟؟!! *كما أنه يلزم من قولكم هذا لوازم باطلة منها: ١ - أن الله -تعالى-قد كان ناقصاً في صفاته ثم كمل، تعالي الله عما يقول الظالمون علواً عظيماً. ٢ - إن الله -تعالى-تحل فيه الحوادث، ومن تحل فيه الحوادث فهو حادث. ** قول الواقفة في كلام الله : و بدعة الوقف هي بدعة تابعة لبدعة خلق القرآن، وأصحابها إنما أظهروا هذا الوقف في كلام الله -تعالى- بعد أن أُستخلف المتوكل علي المسلمين فقمع بدعة خلق القرآن، فاحتال ناس ممن كانوا يعتقدون بقول جهم لترويج بدعتهم، فاخترعوا قولاً لم يفصحوا فيه بخلق القرآن خوفاُ على أنفسهم، فقالوا لا ندري مخلوق أو ليس بمخلوق، وإنما هو كلام الله. وهؤلاء قد ذمَّهم السلف على ذلك، وعدُّوا أن من وقف في حكمه على كلام الله-تعالى- فهو جهمي. كما نص على ذلك: أحمد وسفيان بن عيينة، وغيرهما. (١)

стр. 402

قال عثمان بن أبي شيبة: «الواقفة شر من الجهمية بعشرين مرة، هؤلاء شكَّوا في الله». (١) **الرد على الواقفة: ١ - وأما قولكم هذا فهو في حقيقته شك في كلام الله ، لأنه ما توقف إلا لما شك في إضافة هذه الصفة إلي الله إضافة صفة إلى موصوف، والشك في دين الله كفر؛ وذلك لأن الشك فى الصفة شك فى الموصوف. *سئل عنهم الإمام أحمد فقال: هؤلاء أضر من الجهمية على الناس، فإن لم تقولوا ليس بمخلوق فقولوا مخلوق. ومن يشك في هذا. سبحان الله أفي هذا شك؟! (٢) قال الدارمي: لا ينبغي لمصلٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يشك في شئ من صفات الله وكلامه، كما أنكم حين شككتم في ذلك لم تأمنوا أن يكون كلام الله مخلوقاً، فكيف تنسبون من قال بخلق القرآن إلى البدعة، وأنتم في شك من أمرهم. (٣) ** قول الروافض في القرآن: هم في ذلك على فرقتين: ١ - هشام بن الحكم وأصحابه: يقولون إن القرآن لا خالق ولا مخلوق، وهو كلام الله كما قاله جعفر بن محمد وسائر أئمة السنة. ٢ - والفرقة الثانية: يزعمون أنه مخلوق محدث لم يكن ثم كان كما تزعم المعتزلة والخوارج، وهؤلاء قوم من المتأخرين منهم. (٤)

стр. 403

*تنبيه: الرد على الروافض في قولهم بخلق القرآن سبق في الرد على المعتزلة والجهمية. *الرد على الفلاسفة: وقال الفلاسفة إن القرآن أنه ليس كلام الله ، بل هو محض تخيلات، وعليه فإنه ليس مصدراً للأحكام الشرعية، على زعمكم. قال ابن تيمية: وما ذكروه من حدوث أصوات في نفس الإنسان يسمعها: إما يقظة وإما مناماً، يحصل لآحاد الناس في كثير من الأوقات، وسمع الإنسان للهواتف في نفسه أكثر من أن يحصى، فإن كان تكليم موسى من هذا الجنس، فآحاد الناس شركاؤه في هذا، فكيف بالأنبياء، فكيف بالمرسلين؟! (١) . ** مسألة اللفظية وحكمها: وهي من المسائل التي تتعلق بهذا المبحث مسألة، حيث ظهر من يقول: أن ألفاظنا بالقرآن مخلوقة. وأول من قال بها الحسين بن علي الكرابيسي، فلما علم الإمام أحمد بن حنبل بهذه المقالة أنكرها وأمر بهجر الكرابيسي، بل وقال: اللفظية جهمية. ومقالة " لفظي بالقرآن مخلوق " جملة مجملة، والقاعدة في الألفاظ المجملة: "كل كلام مجمل في حق الله، فلا يُقبل مطلقاً ولا يرد مطلقاً " فإن اللفظ يطلق على معنيين: أ-المصدر: الذي هو فعل الفاعل، أي التلفظ. ب-الملفوظ به: وهو القرآن نفسه.

стр. 404

وعليه نقول: إن قصد قائل لهذه العبارة المعني الأول، الذي هو التلفظ؛ فلا شك أن ألفاظنا بالقرآن وغير القرآن مخلوقة، وإنْ قصد المعني الثاني، فهي عبارة الجهمية والمعتزلة الذين قالوا بخلق القرآن. قال أحمد: اللفظ بالقرآن غير مخلوق. (١) وقال عبدالله بن أحمد سمعت أبي يقول: كل من يقصد إلى القرآن بلفظ أو غير ذلك يريد به مخلوق فهو جهمي. (٢) فائدة: واعلم أن الكلمة التي تحتمل التفصيل المذكور آنفاً هو قوله "لفظي بالقرآن مخلوق"، أما إن قال: أقول "القرآن مخلوق" وأقصد حركات القارئ وصوته!! قلنا: كان هذا المعني -وإن كان صحيحاً-ليس هو مفهوم كلامه، ولا معني قوله،

стр. 405

فإن المسلمين إذا قالوا: القرآن كلام الله؛ لم يريدوا بذلك أن أصوات القارئين وحركاتهم قائمة بذات الله وإذا قالوا: هذا الكلام حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم؛ لم يريدوا بذلك أن حركات المحدِّث وصوته قامت بذات النبي صلي الله عليه وسلم. (١) وخير ما نختم به مسألة اللفظية: *قال الذهبي: والقرآن العظيم حروفه وألفاظه كلام رب العالمين غير مخلوق، وتلفظنا به وأصواتنا به من أعمالنا ا لمخلوقة، ولكن لمَّا كان الملفوظ لا يستقل إلا بتلفظنا والمتلو لا يسمع إلا بتلاوة تالٍ صعب فهم المسألة وعسر إفراز اللفظ الذي هو الملفوظ من اللفظ الذي يعني به التلفظ، والخوض في هذا خطر، نسأل الله السلامة في الدين، وفي المسألة بحوث طويلة الكف عنها أولي، وخاصة في هذه الأزمنة المزمنة. (٢) *قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وكان الأئمة الكبار يمنعون من إطلاق الألفاظ المبتدعة المجملة المشتبهة، لما فيها من لبس الحق بالباطل، مع ما توقعه من الإشتباه والفتنة، فإذا لم يكن اللفظ منقولاً ولا معناه معقولاً ظهر الجفاء والأهواء، لذا قال مالك ر حمه الله" إذا قل العلم ظهر الجفاء وإذا قلت الآثار كثرت الأهواء". (٣) حكم من قال بخلق القرآن: أما تكفير من قال بخلق القرآن فقد ورد عن سائر أئمة السلف في عصر مالك والثوري ثم عصر ابن المبارك ووكيع ثم عصر الشافعي وعفان والقعنبي ثم عصر أحمد ابن حنبل وعلي بن المديني ثم عصر البخاري وأبي زرعة الرازي ثم عصر محمد بن نصر المروزي والنسائي ومحمد بن جرير وابن خزيمة. (٤)

стр. 406

قال عبد الله بن المبارك: سمعت الناس منذ تسعة وأربعين عاماً يقولون: من قال بأن القرآن مخلوق، فامرأته طالق ثلاثاً البتة. (١) قال سفيان بن عيينه: من قال إن القرآن مخلوق فهو كافر، ومن شك في كفره فهو كافر. (٢) *قال عبد الله بن أحمد سمعت أبي ﵀ يقول: من قال: القرآن مخلوق فهو عندنا كافر؛ لأن القرآن من علم الله ، قال الله ﴿فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم﴾، ومن قال علم الله مخلوق فهو كافر؛ لأنه يزعم أنه لم يكن لله علم حتى خلقه. (٣) *وقد عدَّ اللالكائي أسماء كثيرة من طبقات شتى، ثم قال ﵀: قالوا كلهم: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر. فهؤلاء خمس مائة وخمسون نفسا، أو أكثر، من التابعين، وأتباع التابعين، سوى الصحابة الخيرين، على اختلاف الأعصار، ومضي السنين والأعوام، ونقلت عن هؤلاء عصرا بعد عصر، لا ينكر عليهم منكر، ومن أنكر قولهم استتابوه أو أمروا بقتله أو نفيه أو صلبه. (٤) *فوائد مهمة: ١ - ما روي مرفوعاً: "من قال القرآن مخلوق فهو كافر"، لا يصح نسبته للنبي ﷺ . (٥)

стр. 407

٢ - كفر من قال بخلق القرآن إنما هو من كفر وشرك التعطيل، والذي يكون متعلقاً بذات المعبود وأسمائه وصفاته، وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون وأشباهه، فالشرك والتعطيل متلازمان. والقول بخلق القرآن كفر ظاهر؛ إذ هو تكذيب لنصوص الوحيين، وإلحاد في أسماء الله وصفاته، وتشبيه الله -تعالى- بخلقه، وهذا كفر محض. ٣ - قول الأئمة بتكفير القائل بخلق القرآن يتوجه على أنه كفر نوع لا كفر عين، فلا يكفر القائل بهذا حتى تقام عليه الحجة وتزال عنه الشبهة، فإن أصر بعدها كان كافراً نوعاً وعيناً. لذا فالحكم على الأعيان، كالقول إن فلاناً القائل بخلق القرآن كافر؛ فهذا أمر آخر، يحكم به القاضي، أو العالم المتأهل للكلام في ذلك، بناء على صحة إيقاع الوصف على المعين، باستيفائه شروطه، وانتفاء الموانع المؤثرة عنه. *واستدل شيخ الإسلام ابن تيمية على هذا التفريق بأن الإمام أحمد - وغيره من السلف - لم يكفِّر كل من قال بخلق القرآن، فقال: إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره. ممن ضربه وحبسه، واستغفر لهم، وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام؛ لم يجز الاستغفار لهم؛ فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع، وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة؛ صريحة في أنهم لم يكفروا المعينين من الجهمية، الذين كانوا يقولون: القرآن مخلوق، وإن الله لا يُرى في الآخرة. وقد نقل عن أحمد ما يدل على أنه كفَّر به قوماً معينين، فأما أن يذكر عنه في المسألة روايتان؛ ففيه نظر، أو يحمل الأمر على التفصيل، فيقال: أ) من كفَّره بعينه؛ فلقيام الدليل على أنه وجدت فيه شروط التكفير وانتفت موانعه. ب) من لم يكفَّره بعينه؛ فلانتفاء ذلك في حقه، مع إطلاق قوله بالتكفير على

стр. 408

سبيل العموم. والدليل على هذا الأصل: الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار. (١) *وهذا التفريق السابق بين النوع والعين يفسر لنا ما قد يرد من الإشكال في فعل الإمام أحمد الذى كان يُكفِّر الجهمية، مع كونه كان يصلي خلف أئمة عصره القائلين بخلق القرآن، بل ويدعو ويستغفر لهم ويعتقد إمامتهم وينهى عن الخروج عليهم. الشبهات التي استدل بها من قال بخلق القرآن، والرد عليها: ١ - الشبهة الأولى: قوله تعالي: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) (٢) وجه الدلالة: القرآن شئ، فيدخل في عموم الآية، فالله خالق وما سواه مخلوق. قال القاضي عبد الجبار: قوله تعالى " اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ" يدل على حدوث القرآن، وأنه تعالى خلقه بعموم الآية، ولولا قيام الدلالة على إخراج أفعال العباد منه لوجب دخوله في العموم. (٣) الجواب على هذه الشبهة أن يقال: قوله تعالي: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) هذا من العام الذي يراد به الخاص، ونظير ذلك قوه تعالي عن ملكة سبأ (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣)) (النمل: ٢٣) مع أنه لم يدخل في ملكها شيء كثير، مثل ملك سليمان ﵇. كذلك قوله " تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا "، فهذا العموم ليس على ظاهره، فهي لم تدمر السماوات والأرض.

стр. 409

وعليه نقول: أن قوله تعالى (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) إنما يتوجه لكل ما هو قابل لأن يكون مخلوقاً، والقرآن الذي هو كلام الله صفة من صفات الله ليس مخلوقاً، لأن الله لم يزل ولا يزال متصفاً بصفاته الحسني. *وكذلك يقال: أن عموم هذه الآية لا يتناول القرآن؛ لأنه بهذه الآية التي هي من القرآن قد حصل الإعلام بكونه خالقاً لكل شيء، وما حصل به الإعلام لم يكن داخلاً تحت الخبر، ولو أن شخصاً قال: لا أتكلم اليوم كلاماً، إلا كان كذباً، لم يدخل إخباره تحت ما أخبر به. وهذا نفسه مذكور في القرآن في قوله تعالي في قصة مريم ﵍ (فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)) (مريم: ٢٦) به حصل الإخبار بأنها لا تكلم الإنس، ولم يكن ما أخبرت به داخلاً تحت الخبر، وإلا كان قولها هذا مخالفاً لنذرها. (١) *وكذلك يقال: أرأيتم قوله تعالى (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ) فقد أخبر الله -تعالى- عن نفسه أنه شيء، فهل ترونه -تعالى- داخلاً في عموم قوله (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)، فجوابكم سيكون بالنفي؛ لأنه سبحانه هو الخالق، نقول: فكذلك قولوا في صفاته -ومنها الكلام- أنها غير مخلوقة، فالكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات. ٢ - الشبهة الثانية: قوله تعالى ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اِسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٢] والذكر هاهنا هو القرآن، وقد وصفه بالحدوث، والحادث لا يكون إلا مخلوقاً!!! (٢)

стр. 410

قال القاضي عبد الجبار: قوله تعالى (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا) (الزمر: ٢٣)، وقوله تعالى (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥) (الأعراف: ١٨٥)، فلا يجوز أن يوصف بذلك إلا وهو محدث. (١) *وجواب ذلك: أننا لا بد أن نفرق بين أصل صفة الكلام وبين آحاده، فالله- متصف بصفة الكلام من الأزل، فهي صفة ذات له ، لم يزل - سبحانه - ولا يزال متكلماً. وأما آحاد الكلام - والذى منه القرآن - فهو بعض كلام الله تكلم به متى شاء، وعليه فصفة الكلام قديمة الجنس، حادثة الآحاد. فقوله تعالى (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) فالحداثة إنما هي وصف لآحاد الكلام، وليس لأصل الصفة، فتنبَّه. قال ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: " يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب، وكتابكم الذي أنزل على نبيه ﷺ أحدث الأخبار بالله ". (٢) قال الذهبي: قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا يَأْتيهم مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبّهم مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتمعُوْهُ وَهُمْ يَلعبُوْنَ﴾ عنى بحدوثه هو إنزاله إلى الأمة على لسان نبيها ﷺ . (٣) ٣ - الشبهة الثالثة: - قوله تعالي: (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْه ((النساء: ١٧١) فقالوا: بالإجماع فإن عيسى ﵇ مخلوق، فلمَّا كان عيسى ﵇ -كلمة الله، دل أن كلام الله مخلوق!! وجواب ذلك: أن المقصود بقوله تعالي: "وكلمته" هو أن عيسى- ﵇ إنما خُلق بكلمة الله، وهي قوله تعالي: "كن"، فإن عيسى ﵇ لم يُخلق من أبوين كسائر

стр. 411

الخلق. وإنما كان بكلمة "كن "، وليس هو الكلمة، وإنما أضيف إلى الله على سبيل التشريف. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فالكلمة التي ألقاها إلى مريم حين قال له: كن فكان عيسى بكن، وليس عيسى هو الكن، ولكن كان بكن، فالكن من الله قول، وليس الكن من الله مخلوقاً. (١) ٤ - الشبهة الرابعة: قالوا: قال الله تعالى ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾ (الزخرف: ٣) والجعل في اللغة: هو الخلق، بدلالة قوله تعالي (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) (الأنعام: ١) أي خلقها، فالمجعول لا يكون إلا مخلوقاً. (٢) *والرد على هذه الشبهة: قد تعددت استعمالات " الجعل " في لغة العرب، لذا يقول ابن فارس: " الجيم، والعين، واللام " كلمات غير منقاسة، لا يشبه بعضها بعضاً. (٣) فنذكر من معاني الجعل ما يلي: ١ - قد يأتي الجعل بمعنى التسمية والحكم، كما ورد في قوله تعالى (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا (١٩)) (الزخرف: ١٩)، وقوله تعالى (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ) (الأنعام: ١٠٠) ٢ - وقد يأتي الجعل بمعني الخلق، كما في قوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]، وقوله تعالى (الْحَمْدُ

стр. 412

لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) (الأنعام: ١). ٣ - وقد يأتي الجعل بمعنى التصيير والتقدير، كما في قوله تعالى ﴿فجعلهم جذاذاً﴾ [الأنبياء: ٥٨]، وقوله تعالى ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ [الفيل: ٥]، وقول إبراهيم ﵇ (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ) (إبراهيم: ٤٠) فقوله تعالى ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبياً﴾ إنما يُحمل على المعنى الثالث، فالله قدَّره وصيَّره كلاماً عربياً لنزوله على العرب، مصداقاً لقوله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) (إبراهيم: ٤) *فإن قيل: ولم حملتم قوله تعالى ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبياً﴾ على المعنى الثالث دون الثاني؟ *فالجواب من وجوه: ١ - الأول: ما دل عليه الكتاب والسنة وإجماعات أهل السنة أن القرآن كلام الله غير مخلوق. ٢ - الثاني: أنَّ "جعل" إذا تعدت إلى مفعول واحد كانت بمعنى " خلق "، وأما إذا تعدت إلى مفعولين لم تكن بمعنى خلق، بل كانت بمعني التقديروالتتصيير، مما يبطل دعوى الاستدلال بقوله تعالى ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبياً﴾ أن القرآن مخلوق. *وما أجمل ما قاله الآلوسي في تفسير قوله تعالى ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبياً﴾: والجعل هنا بمعني التصيير، لا بمعنى الخلق المعدَّى لواحد، لأن ذلك يأباه ذوق المقام؛ لأن الكلام لم يسق لتأكيد كونه مخلوقاً، وما كان إنكارهم متوجهاً عليه، بل هو مسوق لإثبات كونه قرآناً عربياً، لا يعسر عليهم فهم معانيه. (١) -هذا وقد ذكر علماء التفسير كالطبري والقرطبي وابن كثير في تفسير قوله تعالي "إنا جعلناه".

стр. 413

قالوا: أنزلناه، وقيل سمَّيناه، وقيل: وصفناه. ٥ - الشبهة الخامسة: ٤ - عن أبي أُمامة-﵁ أن النبي ﷺ قال: البقرة وآل عمران تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا ". (١) فقالوا: فما كان غمامة أو غياية فلابد أن يكون مخلوقاً. وكذلك فمما احتج به الجهمية علي الإمام أحمد في قولهم بخلق القرآن: حديث النبي ﷺ : " إِنَّ الْقُرْآنَ يَلْقَى صَاحِبهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَنْشَقُّ عَنْهُ قَبرُهُ كَالرَّجُلِ الشَّاحِب ". (٢) فقالوا: فما كان يأتي ويجئ فلابد أن يكون مخلوقاً. *والرد على هذه الشبهة: نقول: أما قولهم أن مجيء سور القرآن يدل علي أنه مخلوق!! فالجواب عليه من وجوه: ١ - قد ثبت بالكتاب والسنة أن الله يجئ ويأتي، فهل يقول أحد بأن الله مخلوق؟! (٣) فعلي فرض أن الذي يأتي هو القرآن نفسه، فليس في مجيئه دلالة على أنه مخلوق. ٢ - ثم نقول أن الذي يأتي هو ثواب قراءة القرآن، و ثواب قراءة القرآن مخلوق

стр. 414

باتفاق أئمة الإسلام. (١) فإن قلتم: ظاهر الأحاديث هو مجيء البقرة وآل عمران، فلما تؤلون المجيء بأنه مجيء الثواب؟؟ فجوابه: العجيب في أمركم أنكم -أي المعتزلة القائلون بخلق القرآن- قد أقررتم تأويلكم بأن مجيء الله هو مجيء أمره، رغم أنه تأويل بلا قرينة، ثم تنكرون تأويل مجيء البقرة وآل عمران بأنه مجيء الثواب، وهو تأويل صحيح قد دلت القرائن من الكتاب والسنة والإجماع. (٢) ٦ - الشبهة السادسة: قولهم: قال تعالي: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ). وصف القرآن بأنه منزل يدل على أنه مخلوق، كما في قوله عن إنزال المطر والحديد والأنعام!! جوابه: أما الآيات التي ذكرت إنزال القرآن فهو إنزال مقيد؛ حيث ذكرت أنه إنزال من الله -كما في قوله تعالي: (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) وقوله تعالى (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ) وهذا بخلاف الإنزال المطلق كما في قوله: (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ) ونزيد على ذلك: أن المنزل إما أن يكون عيناً قائمة بنفسها، وعندها يكون مخلوقاً، لأنه بائن من الله . وإما أن يكون وصفاً لا يقوم إلا بغيره، وحينئذ يجب أن يكون من صفات الله،

стр. 415

والكلام وصف لا يقوم إلا بغيره، فإذا أضاف الله الكلام إلى نفسه فهو صفة من صفاته، أما أن الحديد فلا يكون صفة لله، فهذا غير معقول وكذا الماء النازل والأنعام، فهذه كلها أعيان قائمة بنفسها. (١) تم بحمد الله.

стр. 416

الحديث الرابع عشر: حصد الفكر: شرح حديث كل مولود يولد على الفطرة

стр. 417

نص حديث الباب: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- قَالَ: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : ... «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟» ثُمَّ يَقُولُ: أَبُو هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه -: وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ [الروم: ٣٠] الْآيَةَ. * تخريج الحديث: أخرجه البخاري (١٣٥٨) بَابُ: إِذَا أَسْلَمَ الصَّبِيُّ فَمَاتَ، هَلْ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهَلْ يُعْرَضُ عَلَى الصَّبِيِّ الإِسْلَامُ، ومسلم (٢٦٥٨) بَابُ: مَعْنَى كُلِّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ وَحُكْمِ مَوْتِ أَطْفَالِ الْكُفَّارِ وَأَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ. في هذا الحديث يذكر الرسول ﷺ ميثاقاً من المواثيق الذي أخذها الله -عزوجل-علي عباده، وهو ميثاق الفطرة؛ وذلك في قوله ﷺ : " مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ " وميثاق الفطرة أحد المواثيق الأربعة التي أخذها الله -تعالى- علي عباده . *وهنا نذكر هذه المواثيق بشئ من الإيجاز: ١ - الميثاق الأول " ميثاق الذر": ودليل هذا الميثاق ما قد ورد في قوله تعالى: ﴾ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا ﴿(الأعراف/١٧٢) فهذا الميثاق قد أخذه الله -عزوجل-على عباده وهم في ظهر آدم ﵇، أخرجهم جميعاً وكلَّمهم وسألهم فأجابوا:﴾ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا ﴿

стр. 418

قال ابن رجب: وقد تكاثرت الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة في تفسير الآية أنه تعالى استنطقهم حينئذ، فأقرُّوا كلهم بوحدانيته، وأشهدهم على أنفسهم، وأشهد عليهم أباهم آدم والملائكة. (١) قال ابن الأنبارى: مذهب أهل الحديث وكبراء أهل العلم في هذه الآية أن الله -تعالى- أخرج ذرية آدم ﵇ من صلبه وأصلاب أولاده وهم في صور الذر، فأخذ عليهم الميثاق أنه خالقهم وأنهم مصنوعون فاعترفوا بذلك وقبلوا ذلك. (٢) *وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ-رضى الله عنهما- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ ذُرِّيَّةً ذَرَاهَا فَنَثَرَهُمْ نَثْرًا بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ، فَقَالَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ، وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ، أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ". (٣) *يؤيده: ما رواه أَنَسُ بْن مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ: لَوْ أَنَّ لَكَ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ أَكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ هَذَا، وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ: أَنْ لَا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا، فَأَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تُشْرِكَ بِي ". (٤)

стр. 419

قال القاضي عياض: قوله ﷺ (وأنت في صلب آدم): يشير بذلك إلى قوله تعالى (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم.....) الآية، فهذا الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم. (١) * تنبيه مهم: قد حمل ابن كثيرقوله تعالى (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ....) على أنه ميثاق الفطرة الوارد في حديث (كلُ مولودٍ يولدُ على الفطرةِ....)، وتكلم في تعليل الحديث المرفوع الوارد في هذه المسألة، وجعل كثرة رواة وقفه علة في رد رواية من رفعه. وممن قال بأن المراد بميثاق الذر ليس هو الاستخراج والاستنطاق، وإنما هو نفسه ميثاق الفطرة: حمَّاد بن سلمة والحسن البصري وابن بطة، وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم. (٢) *والصحيح -والله أعلم - هو القول الأول، أن المراد بميثاق الذر هو ما ورد في حديث ابن عباس من الاستخراج والاستنطاق. ولا شك أن الرفع الوراد في حديث ابن عباس - رضى الله عنهما- هى زيادة من ثقة، فهي مقبولة صحيحة. وقد ورد مرفوعاً كذلك عن: ابن عمر وأبي هريرة وأنس ﵃. ولو سلمنا بوقفه فإن له حكم الرفع؛ وذلك لأنه حكم غيبي لا يعرف إلا بوحي. *تنبيه مهم: يجب ملاحظة أن شيخ الإسلام ومن وافقه من الأئمة لا ينفون إخراج ذرية آدم من صلبه وتمييزهم إلى فريقين، لثبوت الأحاديث المرفوعة فيه، وإنما الذي ينفونه هو أخذ العهد والميثاق عليهم حينئذ؛ وذلك لعدم صحة الأحاديث المرفوعة في ذلك عندهم. فهم يدورون مع النص حيت دار، ويقفون معه حيث وقف.

стр. 420

وبها يعلم الفرق بين قول هؤلاء الأئمة المحققين من أئمة أهل السنة في هذه المسألة، وبين قول المعتزلة فيها، فإن المعتزلة يقولون أنه لم يكن هناك إخراجٌ من صلب آدم في عالم الذر أصلاً، ناهيك عن الاستشهاد وأخذ الميثاق، وذلك لأن أحاديث الإخراج فيها إثبات القدر، فهم يردُّون جميع الأحاديث الواردة في الباب، والتي فيها إثبات القدر السابق بتمييز الناس إلى فريقين: أهل سعادة وأهل شقاوة، وما ذلك إلا موافقة للهوى. ٢ - الميثاق الثاني "ميثاق الفطرة": ومن أدلة هذا الميثاق: قوله تعالى (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) (الروم/٣٠) وفي الحديث القدسي: عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ-رضى الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: قال الله تعالى " إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا.. " (١) * ومن السنة حديث الباب: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- قَالَ: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟، ثُمَّ يَقُولُ: أَبُو هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه -: وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾. (٢) وقوله ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة): هذا نص في العموم، فيشمل كل من وُلد من أبوَين، مسلمَين كانا أوغير مسلمَين. فإذا سألت: ما المراد بالفطرة في قوله ﷺ : " مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ.. "؟؟ فالجواب: الراجح- والله أعلم -أن المراد بالفطرة هنا هو ملة الإسلام، ويؤيد هذا وجوه:

стр. 421

١ - الأول: أن خير ما يُفسر به الحديث هو ما يرد في سياقه ومجموع مروياته: أ- وأما سياقه: فقوله ﷺ : " مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ، .... " فلما ذكر التهويد والتنصير والتمجيس في مقابل الفطرة، دل ذلك على أن المراد بالفطرة هي الإسلام. ب- وأما مجموع مروياته: فقد ورد في رواية مسلم مرفوعاً عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا عَلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ، حَتَّى يُبَيِّنَ عَنْهُ لِسَانُهُ». (١) فدل ذلك على أن المراد بالفطرة هى دين الإسلام. (٢) ٢ - الثاني: لو لم تكن الفطرة هي الإسلام لما سأل الصحابة ﵃ عقب ذلك عمَّن يموت من أطفال المشركين، لأنهم عرفوا أن الكبار منهم قد تغيرت فطرهم فلا إشكال فيه، فأشكل عليهم الصغار الذين ما زالوا على الفطرة هل لهم حكم أبويهم، أم يحكم لهم بالإسلام بناءً على فطرتهم؟ ٢ - الثالث: قوله تعالى (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) حيث جعلت الآية الفطرة بدلاً عن الدين، وهذا من بدل المطابقة، فدل ذلك على أن المراد بالفطرة التى فطر الله -تعالى - الناس عليها إنما هى دين الله عزوجل. فإن الله ﵎ خلق العبد مجبولًا بفطرته على معرفة الله وتوحيده، فالمرء يُولد على محبَّته لفاطره، وإقراره له بالربوبية، يُولد مجبولاً على الفطرة السليمة، التى هي دين الإسلام. قال البخاري: بَابُ ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] أي: لِدِينِ اللَّهِ، وَالفِطْرَةُ الإِسْلَامُ، ثم ذكر حديث الباب.

стр. 422

٤ - الرابع: ما ورد من حديث عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ-﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: قال الله تعالى: " إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، .. "، (١) وفي رواية "حنفاء مسلمين "، وهذا الحديث نص في موضع النزاع. ٥ - الخامس: عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ-﵁ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَغَزَوْتُ مَعَهُ فَأَصَبْتُ ظَهْرًا، فَقَتَلَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ حَتَّى قَتَلُوا الْوِلْدَانَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: " مَا بَالُ أَقْوَامٍ جَاوَزَهُمُ الْقَتْلُ الْيَوْمَ حَتَّى قَتَلُوا الذُّرِّيَّةَ " فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا هُمْ أَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: " أَلَا إِنَّ خِيَارَكُمْ أَبْنَاءُ الْمُشْرِكِينَ "، ثُمَّ قالَ: " أَلَا لَا تَقْتُلُوا ذُرِّيَّةً، أَلَا لَا تَقْتُلُوا ذُرِّيَّةً " قَالَ: " كُلُّ نَسَمَةٍ تُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهَا لِسَانُهَا، فَأَبَوَاهَا يُهَوِّدَانِهَا وَيُنَصِّرَانِهَا ". (٢) لو لم تكن الفطرة هي الإسلام لم يكن فيما ذكره حجة على ما قصده ﷺ من نهية لهم عن قتل أولاد المشركين. وكذلك فقوله: " حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهَا لِسَانُهَا، .. ": فجعله على الفطرة إلى أن يعقل ويميز، فحينئذ يثبت له أحد الأمرين، ولو كان كافراً في الباطن بكفر الأبوين، لكان ذلك من حين يولد، قبل أن يعرب عنه لسانه. (٣) * أقوال العلماء في ذلك: قال ابن حجر: وأشهر الأقوال أن المراد بالفطرة الإسلام، وقال ابن عبد البر وهو المعروف عند عامة السلف، وأجمع أهل العلم بالتأويل على أن المراد بقوله تعالى (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) الإسلام، وقد قال أحمد من مات أبواه وهما كافران حكم بإسلامه، واستدل بحديث الباب، فدل على أنه فسر الفطرة بالإسلام. (٤)

стр. 423

وقد سئل أحمد عن: الفطرة الأولى التي فطر اللَّه عليها، هي الدين؟ قال: نعم. (١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الصواب أنها فطرة الله -تعالى- التي فطر الناس عليها، وهي فطرة الإسلام، وهي الفطرة التي فطرهم عليها. (٢) قال ابن القيم: قراءة قوله تعالى ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ عقب الحديث صريح في أن المراد بها فطرة الإسلام؛ ولأن تشبيه المولود في ولادته عليها بالبهيمة الجمعاء وهي الكاملة الخلق ثم تشبيهه إذا خرج عنها بالبهيمة التي جدعها أهلها فقطعوا أذنها دليل على أن الفطرة هي الفطرة المستقيمة السليمة. وما يطرأ على المولود من التهويد والتنصير بمنزلة الجدع والتغيير في ولد البهيمة، ولأن الفطرة حيث جاءت مطلقة معرفة باللام لا يراد بها إلا فطرة التوحيد والإسلام. (٣) *فإن قيل: لو فسرنا الفطرة على أنها الإسلام يلزم من ذلك أنه لو مات يُصلى عليه، ويُدفن في مقابر المسلمين!! فنقول: هناك فرق بين أحكام الدنيا وأحكام الآخرة، لأنه لو مات دون البلوغ فأحكامه في الدنيا تابعة لأبويه، فلا يُصلى عليه ولا يُدفن في مقابر المسلمين، ولو قتله مسلم في الجهاد لا دية له... وهكذا. قال ابن حجر: وتفسير الفطرة بالإسلام تعقبه بعضهم بأنه كان يلزم أن لا يصح استرقافه ولا يحكم بإسلامه إذا أسلم أحد أبويه والحق أن الحديث سيق لبيان ما هو في نفس الأمر لا لبيان الأحكام في الدنيا. (٤) وسيأتى مزيد تفصيل لهذه المسألة عند توجيه حديث النبي- ﷺ عن أطفال

стр. 424

المشركين: "هم مع آبائهم ". ٣ - الميثاق الثالث "ميثاق الرُسل": ودليله من الكتاب: قوله تعالى (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) (النساء/١٦٥) وقال تعالى (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩) (القصص: ٥٩). قال ابن القيم: وكذلك قال تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) (الإسراء/١٥) ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤] * ومن السنة: عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ-رضى الله عنه- أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ: أَرْبَعَةٌ يحتجون يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ..... وَرَجُلٌ مَاتَ فِي فَتْرَةٍ، يَقُولُ: رَبِّ، مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ، فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ، فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنْ ادْخُلُوا النَّارَ، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا. (١) فلأن الله ﵎ يحب الإعذار، لذا فما اكتفى بالميثاق الأول والثاني، بل قد أكد ذلك بميثاق الرسل، بل وجعله هو الحجة التي ينبنى عليه الثواب والعقاب والمسآلة يوم القيامة.

стр. 425

قال ابن القيم: فلله الحجة البالغة على المشركين في كل وقت، ولو لم يكن إلا ما فطَرَ عبادَه عليه من توحيد ربوبيته المستلزم لتوحيد إلهيته، وأنه يستحيل في كل فطرة وعقل أن يكون معه إله آخر، وإن كان سبحانه لا يُعذِّب بمقتضى هذه الفطرة وحدها، فلم تزل دعوة الرسل إلى التوحيد في الأرض معلومة لأهلها، فالمشرك يستحق العذاب بمخالفته دعوة الرسل، والله أعلم. (١) ٤ - الميثاق الرابع " خاص بالنبيين": قال تعالى (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) (آل عمران/٨١) ... عودٌ إلى حديث الباب: قوله ﷺ : «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ، ..... استدل بالحديث على إسلام الطفل إذا كان من أبوَين مسلمَين، أو كان أحد أبويه مسلماً استصحاباً لأصل الفطرة، حيث لم يغيره أبواه، فيصلى عليه إن استهل صارخاً، وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء. وهنا مسألة مهمة تتعلق ببحثنا هنا وهي: *حكم أبناء المشركين: وقبل ذكر الخلاف في حكم أطفال المشركين يجب أن ننوِّه على أمرين: ١ - الأمر الأول: أن هذا الخلاف إنما هو في حكم أطفال المشركين، فلا يدخل في هذا الخلاف أطفال المسلمين، لأنهم بالنص والإجماع في الجنة. فمن القرآن: قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (الطور: ٢١) قال ابن عباس رضى الله عنهما: إن الله ﵎ يرفع للمؤمن ذريته وإن كانوا
следующие страницы →