١ - الأول:
أن خير ما يُفسر به الحديث هو ما يرد في سياقه ومجموع مروياته:
أ- وأما سياقه:
فقوله ﷺ : " مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ، .... "
فلما ذكر التهويد والتنصير والتمجيس في مقابل الفطرة، دل ذلك على أن المراد بالفطرة هي الإسلام.
ب- وأما مجموع مروياته:
فقد ورد في رواية مسلم مرفوعاً عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ:
«مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا عَلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ، حَتَّى يُبَيِّنَ عَنْهُ لِسَانُهُ». (١)
فدل ذلك على أن المراد بالفطرة هى دين الإسلام. (٢)
٢ - الثاني:
لو لم تكن الفطرة هي الإسلام لما سأل الصحابة ﵃ عقب ذلك عمَّن يموت من أطفال المشركين، لأنهم عرفوا أن الكبار منهم قد تغيرت فطرهم فلا إشكال فيه، فأشكل عليهم الصغار الذين ما زالوا على الفطرة هل لهم حكم أبويهم، أم يحكم لهم بالإسلام بناءً على فطرتهم؟
٢ - الثالث:
قوله تعالى (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)
حيث جعلت الآية الفطرة بدلاً عن الدين، وهذا من بدل المطابقة، فدل ذلك على أن المراد بالفطرة التى فطر الله -تعالى - الناس عليها إنما هى دين الله عزوجل.
فإن الله ﵎ خلق العبد مجبولًا بفطرته على معرفة الله وتوحيده، فالمرء يُولد على محبَّته لفاطره، وإقراره له بالربوبية، يُولد مجبولاً على الفطرة السليمة، التى هي دين الإسلام.
قال البخاري: بَابُ ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] أي: لِدِينِ اللَّهِ، وَالفِطْرَةُ الإِسْلَامُ، ثم ذكر حديث الباب.
стр. 422
٤ - الرابع:
ما ورد من حديث عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ-﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
قال الله تعالى: " إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، .. "، (١) وفي رواية "حنفاء مسلمين "، وهذا الحديث نص في موضع النزاع.
٥ - الخامس:
عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ-﵁ قَالَ:
أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَغَزَوْتُ مَعَهُ فَأَصَبْتُ ظَهْرًا، فَقَتَلَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ حَتَّى قَتَلُوا الْوِلْدَانَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ:
" مَا بَالُ أَقْوَامٍ جَاوَزَهُمُ الْقَتْلُ الْيَوْمَ حَتَّى قَتَلُوا الذُّرِّيَّةَ " فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا هُمْ أَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ:
" أَلَا إِنَّ خِيَارَكُمْ أَبْنَاءُ الْمُشْرِكِينَ "، ثُمَّ قالَ:
" أَلَا لَا تَقْتُلُوا ذُرِّيَّةً، أَلَا لَا تَقْتُلُوا ذُرِّيَّةً " قَالَ: " كُلُّ نَسَمَةٍ تُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهَا لِسَانُهَا، فَأَبَوَاهَا يُهَوِّدَانِهَا وَيُنَصِّرَانِهَا ". (٢)
لو لم تكن الفطرة هي الإسلام لم يكن فيما ذكره حجة على ما قصده ﷺ من نهية لهم عن قتل أولاد المشركين.
وكذلك فقوله: " حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهَا لِسَانُهَا، .. ":
فجعله على الفطرة إلى أن يعقل ويميز، فحينئذ يثبت له أحد الأمرين، ولو كان كافراً في الباطن بكفر الأبوين، لكان ذلك من حين يولد، قبل أن يعرب عنه لسانه. (٣)
* أقوال العلماء في ذلك:
قال ابن حجر:
وأشهر الأقوال أن المراد بالفطرة الإسلام، وقال ابن عبد البر وهو المعروف عند عامة السلف، وأجمع أهل العلم بالتأويل على أن المراد بقوله تعالى (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) الإسلام، وقد قال أحمد من مات أبواه وهما كافران حكم بإسلامه، واستدل بحديث الباب،
فدل على أنه فسر الفطرة بالإسلام. (٤)
стр. 423
وقد سئل أحمد عن: الفطرة الأولى التي فطر اللَّه عليها، هي الدين؟
قال: نعم. (١)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
الصواب أنها فطرة الله -تعالى- التي فطر الناس عليها، وهي فطرة الإسلام، وهي الفطرة التي فطرهم عليها. (٢)
قال ابن القيم:
قراءة قوله تعالى ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ عقب الحديث صريح في أن المراد بها فطرة الإسلام؛ ولأن تشبيه المولود في ولادته عليها بالبهيمة الجمعاء وهي الكاملة الخلق ثم تشبيهه إذا خرج عنها بالبهيمة التي جدعها أهلها فقطعوا أذنها دليل على أن الفطرة هي الفطرة المستقيمة السليمة.
وما يطرأ على المولود من التهويد والتنصير بمنزلة الجدع والتغيير في ولد البهيمة، ولأن الفطرة حيث جاءت مطلقة معرفة باللام لا يراد بها إلا فطرة التوحيد والإسلام. (٣)
*فإن قيل:
لو فسرنا الفطرة على أنها الإسلام يلزم من ذلك أنه لو مات يُصلى عليه، ويُدفن في مقابر المسلمين!!
فنقول: هناك فرق بين أحكام الدنيا وأحكام الآخرة، لأنه لو مات دون البلوغ فأحكامه في الدنيا تابعة لأبويه، فلا يُصلى عليه ولا يُدفن في مقابر المسلمين، ولو قتله مسلم في الجهاد لا دية له... وهكذا.
قال ابن حجر:
وتفسير الفطرة بالإسلام تعقبه بعضهم بأنه كان يلزم أن لا يصح استرقافه ولا يحكم بإسلامه إذا أسلم أحد أبويه والحق أن الحديث سيق لبيان ما هو في نفس الأمر لا لبيان الأحكام
في الدنيا. (٤)
وسيأتى مزيد تفصيل لهذه المسألة عند توجيه حديث النبي- ﷺ عن أطفال
стр. 424
المشركين: "هم مع آبائهم ".
٣ - الميثاق الثالث "ميثاق الرُسل":
ودليله من الكتاب:
قوله تعالى (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) (النساء/١٦٥)
وقال تعالى (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩) (القصص: ٥٩).
قال ابن القيم:
وكذلك قال تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) (الإسراء/١٥)
﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤]
* ومن السنة:
عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ-رضى الله عنه- أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ:
أَرْبَعَةٌ يحتجون يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ..... وَرَجُلٌ مَاتَ فِي فَتْرَةٍ، يَقُولُ: رَبِّ، مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ، فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ، فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنْ ادْخُلُوا النَّارَ، قَالَ:
فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا. (١)
فلأن الله ﵎ يحب الإعذار، لذا فما اكتفى بالميثاق الأول والثاني، بل قد أكد ذلك بميثاق الرسل، بل وجعله هو الحجة التي ينبنى عليه الثواب والعقاب والمسآلة يوم القيامة.
стр. 425
قال ابن القيم:
فلله الحجة البالغة على المشركين في كل وقت، ولو لم يكن إلا ما فطَرَ عبادَه عليه من توحيد ربوبيته المستلزم لتوحيد إلهيته، وأنه يستحيل في كل فطرة وعقل أن يكون معه إله آخر، وإن كان سبحانه لا يُعذِّب بمقتضى هذه الفطرة وحدها، فلم تزل دعوة الرسل إلى التوحيد في الأرض معلومة لأهلها، فالمشرك يستحق العذاب بمخالفته دعوة الرسل، والله أعلم. (١)
٤ - الميثاق الرابع " خاص بالنبيين":
قال تعالى (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) (آل عمران/٨١)
... عودٌ إلى حديث الباب:
قوله ﷺ :
«مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ، .....
استدل بالحديث على إسلام الطفل إذا كان من أبوَين مسلمَين، أو كان أحد أبويه مسلماً استصحاباً لأصل الفطرة، حيث لم يغيره أبواه، فيصلى عليه إن استهل صارخاً، وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء.
وهنا مسألة مهمة تتعلق ببحثنا هنا وهي:
*حكم أبناء المشركين:
وقبل ذكر الخلاف في حكم أطفال المشركين يجب أن ننوِّه على أمرين:
١ - الأمر الأول:
أن هذا الخلاف إنما هو في حكم أطفال المشركين، فلا يدخل في هذا الخلاف أطفال المسلمين، لأنهم بالنص والإجماع في الجنة.
فمن القرآن:
قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (الطور: ٢١)
قال ابن عباس رضى الله عنهما: إن الله ﵎ يرفع للمؤمن ذريته وإن كانوا
стр. 426
دونه في العمل؛ ليقرَّ الله بهم عينه. (١)
* ومن السنة:
١ - عَنْ أَبِي حَسَّانَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه-:
إِنَّهُ قَدْ مَاتَ لِيَ ابْنَانِ، فَمَا أَنْتَ مُحَدِّثِي عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِحَدِيثٍ تُطَيِّبُ بِهِ أَنْفُسَنَا عَنْ مَوْتَانَا؟ قَالَ: قَالَ:
نَعَمْ، «صِغَارُهُمْ دَعَامِيصُ الْجَنَّةِ يَتَلَقَّى أَحَدُهُمْ أَبَاهُ - أَوْ قَالَ أَبَوَيْهِ -، فَيَأْخُذُ بِثَوْبِهِ - أَوْ قَالَ بِيَدِهِ -، كَمَا آخُذُ أَنَا بِصَنِفَةِ ثَوْبِكَ هَذَا، فَلَا يَتَنَاهَى -أَوْ قَالَ فَلَا يَنْتَهِي - حَتَّى يُدْخِلَهُ اللهُ وَأَبَاهُ الْجَنَّةَ». (٢)
٢ - أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ- ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«مَا مِنَ النَّاسِ مُسْلِمٌ، يَمُوتُ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ، إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ». (٣)
ووجه انتزاع ذلك أن من يكون سببا في حجب النار عن أبويه أولى بأن يحجب هو لأنه أصل الرحمة وسببها. (٤)
* الإجماع:
وقد نقل الإجماع على ذلك: شيخ الإسلام ابن تيمية والنووي وغيرهم. (٥)
وقد نقل ابن رجب هذا الإجماع عن الإمام أحمد، فى كتابه "أهوال القبور " (ص/١٠١)، وفى رواية الميموني عنه: "لا أحد يشك فى هذا"
قال ابن عبدالبر:
أجمع العلماء على أن أطفال المسلمين في الجنة، ولا أعلم عن جماعتهم في ذلك خلافاً، إلا فرقة شذت من المجبرة فجعلتهم في المشيئة، وهو قول
стр. 427
شاذ مهجور مردود بإجماع الجماعة. (١) - بل قد نقل أبومنصور البغدادي الإجماع على أن الطفل من أبناء المسلمين إذا أظهر كلمة الردة لم يكن مرتداً، فإن مات على ذلك ورثه المسلمان من أبويه، ودفن في مقابر
المسلمين. (٢)
* إشكال:
قد توقّف البعض في حكم أطفال المسلمين لما روت عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ-﵂ قَالَتْ: دُعِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى جَنَازَةِ صَبِيٍّ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللهِ طُوبَى لِهَذَا، عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ، لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ وَلَمْ يُدْرِكْهُ، قَالَ:
«أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ، يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ». (٣)
والجواب عنه:
أنه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير دليل، أو قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة. (٤)
قلت: ثم هم محجوجون بالإجماع الوارد في المسألة. لذا فقد نص النووي أن التوقف في حكم أطفال المسلمين قول لا يعتد به.
٢ - الأمر الثاني:
أن الخلاف في حكم أطفال المشركين إنما هو في حكمهم في الآخرة، أما حكمهم في الدنيا فهم مع آبائهم، كما صح في ذلك الحديث؛ وذلك من حيث القتال والإرث والدفن في مقابر المشركين.
والدليل:
ما ورد عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ -رضى الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ:
لَوْ أَنَّ خَيْلًا أَغَارَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَأَصَابَتْ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: «هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ». (٥)
стр. 428
* أما الخلاف في مسألة حكم أطفال المشركين في الآخرة فللناس فيهم عشرة أقوال، نذكر منها ما يلي: (١)
١ - القول الأول: أنهم في النار.
٢ - القول الثانى: التوقف في أمرهم.
٣ - القول الثالث: أنهم يُختبرون في العرصات.
٤ - القول الرابع: أنهم من أهل الجنة.
١ - القول الأول: أنهم في النار:
وقال به ابن بطة، والأزارقة من الخوارج، وأحد الوجهين لأصحاب أحمد، واختاره القاضي أبو يعلى، وهو قول لجماعة من المتكلمين وأهل التفسير. (٢)
واستدلوا على ذلك بجملة من الأدلة منها ما يلى:
١ - قوله تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) (الطور/٢١)
ووجه الدلالة:
قياس الشبه؛ فإذا ألحق الله -تعالى-بالذين آمنوا ذريتهم، أُلحق بالكافرين ذريتهم.
٢ - الحديث الذي ذكرناه قريباً أن النبي ﷺ عندما سُئل عن أبناء المشركين فقال: هم مع آبائهم.
فدل الحديث أنهم لاحقون بآبائهم، فيعم ذلك أحكام الدارين.
стр. 429
٣ - عَنْ عَائِشَةَ -رضى الله عنه -أَنَّهَا ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَطْفَالَ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: " إِنْ شِئْتِ أَسْمَعْتُكِ تَضَاغِيَهُمْ فِي النَّارِ ". (١)
٤ - عَنْ عَلِيٍّ -رضى الله عنه- قَالَ: سَأَلَتْ خَدِيجَةُ -رضى الله عنها-النَّبِيَّ ﷺ عَنْ وَلَدَيْنِ مَاتَا لَهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
" هُمَا فِي النَّارِ ". قَالَ: فَلَمَّا رَأَى الْكَرَاهِيَةَ فِي وَجْهِهَا قَالَ:
" لَوْ رَأَيْتِ مَكَانَهُمَا لَأَبْغَضْتِهِمَا "، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَوَلَدِي مِنْكَ؟ قَالَ: " فِي الْجَنَّةِ " قَالَ:
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
" إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ وَأَوْلادَهُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ وَأَوْلادَهُمْ فِي النَّارِ "، ثمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ، أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ (١)) [الطور: ٢١]. (٢)
٥ - قال البَرَاء بن عازب -رضى الله عنه-: لَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ﵇، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الجَنَّةِ». (٣)
فإذا كان أبناء المسلمين في الجنة، فأبناء المشركين مآلهم إلى النار.
*ومن النظر:
الحكم بأنهم من أهل الجنة يلزم منه أنهم مؤمنين؛ لأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، فإن كانوا مؤمنين للزم أن يُدفن أطفال المشركين في مقابر المسلمين، كذلك يلزم منه أنه إذا
بلغ الطفل والتزم دين أبيه لكان ذلك ردة وخروجاً عن الإسلام. (٤)
٢ - القول الثاني: التوقف في أمرهم:
فلا يُحكم لهم بجنة ولا بنار، بل نتوقف في أمرهم، يفعل الله -تعالى - بهم ما يشاء، سبحانه لا يُسئل عما يفعل وهم يُسألون، ولأن طريق إثبات مآلهم هو النص، ولا نص في المسألة.
وممن ذهب إلى هذا حمَّاد بن زيد، وحمَّاد بن سلمة و أبو حنيفة
стр. 430
وأحمد في رواية، وابن المبارك وإسحاق بن راهويه وأبو بكر الأثرم، وقال ابن عبدالبر: وهو مقتضى صنيع مالك. (١)
-واستدلوا على ذلك بما يلى:
١ - عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ-رضى الله عنها- قَالَتْ:
دُعِيَ رَسُولُ اللهِ- ﷺ إِلَى جَنَازَةِ صَبِيٍّ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ طُوبَى لِهَذَا، عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ وَلَمْ يُدْرِكْهُ، قَالَ ﷺ :
«أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ، يَا عَائِشَةُ؛ إِنَّ اللهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ». (٢)
فقد نهى الرسول ﷺ عائشةَ -رضى الله عنها- عن الحكم لصغار المسلمين بالجنة، فكيف بأطفال المشركين؟!
٢ - ما رواه أبوهريرة ﵁ أنه قال: قال النبي ﷺ :
"ما من مولود إلا ويولد على الفطرة فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه"
ووجه الدلالة في هذا الحديث أنه دل على أن المولود يولد على الفطرة، وما دام أنه يولد على الفطرة فلا يُدرى ماذا سيعمل إذا بلغ، لذا يوكَل أمره إلى الله.
٣ - وكذلك استدلوا بما صح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه- قَالَ:
سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ -عَنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ مَنْ يَمُوتُ مِنْهُمْ صَغِيرًا، فَقَالَ: «اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» (٣).
قال ابن قتيبة:
قوله ﷺ : "الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين" المعنى: لو أبقاهم. يريد: فلا تحكموا عليهم بكفر آبائهم إذا لم يبلغوا فيكفروا، ولا تحكموا عليهم بميثاق الفطرة التي ولدوا عليها، لأنهم لم يبلغوا فيؤمنوا. (٤)
٤ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضى الله عنهما- قَالَ: أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَأَنَا أَقُولُ:
أَوْلَادُ الْمُسْلِمِينَ مَعَ
стр. 431
الْمُسْلِمِينَ، وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ، حَتَّى حَدَّثَنِي فُلَانٌ، عَنْ فُلَانٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، سُئِلَ عَنْهُمْ، فَقَالَ:
" اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ "، قَالَ: فَلَقِيتُ الرَّجُلَ فَأَخْبَرَنِي، فَأَمْسَكْتُ عَنْ قَوْلِي. (١)
٣ - القول الثالث: إنهم يمتحنون في عرصات القيامة:
وذلك بأن يُرسَل إليهم رسول؛ فمن أطاع الرسول دخل الجنة ومن عصاه دخل النار.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ-﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَحْسِبُهُ قَالَ:
" يُؤْتَى بِالْهَالِكِ فِي الْفَتْرَةِ، وَالْمَعْتُوهِ، وَالْمَوْلُودِ، فَيَقُولُ الْهَالِكُ فِي الْفَتْرَةِ: لَمْ يَأْتِنِي كِتَابٌ وَلا رَسُولٌ، وَيَقُولُ الْمَعْتُوهُ: أَيْ رَبِّ لَمْ تَجْعَلْ لِي عَقْلًا أَعْقِلُ بِهِ خَيْرًا وَلا شَرًّا، وَيَقُولُ الْمَوْلُودُ: لَمْ أُدْرِكِ الْعَمَلَ، قَالَ: فَتُرْفَعُ لَهُمْ نَارٌ، فَيُقَالُ لَهُمْ: رِدُوَها، أَوْ قَالَ: ادْخُلُوهَا، فَيَدْخُلُهَا مَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ سَعِيدًا، إِنْ لَوْ أَدْرَكَ الْعَمَلَ ".
قَالَ: " وَيُمْسِكُ عَنْهَا مَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ شَقِيًّا إِنْ لَوْ أَدْرَكَ الْعَمَلَ، فَيَقُولُ ﵎: إِيَّايَ عَصَيْتُمْ، فَكَيْفَ بِرُسُلِي بِالْغَيْبِ ". ". (٢)
وممّن قال بهذا القول واختاره: شيخ الإِسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والبيهقي.
واستدلوا على ذلك ببعض الروايات التى ورد فيها اختبار المولود فى العرصات. (٣)
وقال ابن القيم: فعلم أن الذى تدل عليه الأدلة الصحيحة وتأْتلف به النصوص، ومقتضى الحكمة هذا القول، والله أعلم. (٤)
٤ - القول الرابع: أنهم من أهل الجنة:
وقال به البخاري والنووي وابن الجوزي وابن حزم و ابن حجروالقرطبي
стр. 432
و السخاوي، والجبائي من المعتزلة. (١)
وهذا هو الراجح والله أعلم.
ومما يدل على هذا القول:
١ - قوله تعالى (وَإِذ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَني آدَمَ مِن ظُهورِهِم ذُرِّيَّتَهُم وَأَشهَدَهُم عَلى أَنفُسِهِم أَلَستُ بِرَبِّكُم قالوا بَلى شَهِدنا)
فمن هؤلاء أطفال المشركين قد ماتوا على الميثاق الأول وشهدوا بربوبية الله تعالى، فهم على أصل فطرتهم السليمة.
وكذلك قوله تعالى: " وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبعَثَ رَسُولًا"
ووجه الدلالة:
هو قياس الأولى؛ فإذا كان الله -عزوجل- لا يعذِّب من بلغ ما لم يأته رسول حتى يُختبر يوم القيامة، فكيف يعذِّب الطفل الذي مات على أصل الفطرة السليمة.
٢ - عمومات الآيات القرآنية التى أفادت بالقطع أن العذاب لا يكون إلا لمن أساء وظلم، كقوله تعالى ﴿لا يَصْلاهاَ إِلا الأَشْقَى﴾ [الليل: ١٥]، وقوله - تعالى- لإبليس: ﴿لأَملأَنَ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٨٥]، وكقوله تعالى: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠]
*ومن السنة:
١ - عن أبي هريرة ﵁ -قال: سئل رسول الله ﷺ -عن أطفال المشركين من يموت منهم صغيرًا، فقال ﷺ :
"الله أعلم بما كانوا عاملين" (٢).
*وجه الدلالة من هذا الحديث:
قوله "الله أعلم بما كانوا عاملين" هذا يعني إذا بلغوا وصاروا مكلفين، أما إذا لم يبلغوا فهم ليسوا بمكلفين فهم في الجنة. (٣)
٢ - عن سَمُرَة بْن جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي، وقَالَا لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ، ....
فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مُعْتَمَّةٍ، فِيهَا مِنْ
стр. 433
كُلِّ لَوْنِ الرَّبِيعِ، وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَيِ الرَّوْضَةِ رَجُلٌ طَوِيلٌ، لَا أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولًا فِي السَّمَاءِ، وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ مِنْ أَكْثَرِ وِلْدَانٍ رَأَيْتُهُمْ قَطُّ " قَالَ: " قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَا مَا هَؤُلَاءِ؟ قالا:
وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ ﷺ ، وَأَمَّا الوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الفِطْرَةِ " قَالَ: فَقَالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَوْلَادُ المُشْرِكِينَ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " وَأَوْلَادُ المُشْرِكِينَ ". (١)
وفيه أن الرسول ﷺ ألحق أولاد المشركين بأولاد المسلمين في حكم الآخرة.
قال ابن الوزير:
وهذا نص في موضع النزاع من أصح كتب الإسلام عند أئمة الحديث، وأما كونه رؤيا فلا يضر لوجهين:
أحدهما:
أن رؤيا الأنبياء ﵈ وحي وحق؛ ولذلك عزم الخليل ﵇ -على ذبح ولده بسببها، وهذا إجماع.
وثانيهما:
أن هذا السؤال عن أولاد المشركين، وجوابه كان في اليقظة، لا في الرؤيا. (٢)
٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ-رضى الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«ذَرَارِيُّ الْمُؤْمِنِينَ يَكْفُلُهُمْ إِبْرَاهِيمُ فِي الْجَنَّةِ» (٣)
٤ - عموم قوله ﷺ : " الْمَوْلُودُ فِي الْجَنَّةِ ". (٤)
* يؤيده:
عموم الأدلة التى أشارت إلى طهارة الفطرة البشرية قبل أن تلوث بالتهوُّد أو التنصُّر، كما في قول النبي- اللهِ ﷺ قال:
قال الله (إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، .......) وقوله ﷺ في حديث الباب: (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ...)
*ومن النظر:
وأيضا فلو عذَّب الأطفال لكان تعذيبهم إما مع تكليفهم بالإيمان، أو بدون
стр. 434
التكليف، والقسمان ممتنعان:
أما الأول: فلاستحالة تكليف من لا تمييز له، ولا عقل أصلاً.
وأما الثاني: فممتنع أيضا بالنصوص التي ذكرناها، وأمثالها من أن الله -تعالى - لا يعذِّب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه.
قالوا: وأيضا، فتعذيبهم إما أن يكون لعدم وقوع الإيمان منهم، وإما لوجود الكفر منهم، والقسمان باطلان:
أما الثاني: فظاهر؛ لأن من لا عقل له ولا تمييز لا يعرف الكفر حتى يختاره.
وأما الأول: فلو عُذِّبوا لعدم وجود الإيمان الفعلي منهم لاشتركوا هم وأطفال المسلمين في ذلك، لاشتراكهم في سببه. (١)
*أضف إلى ذلك أن:
الجنة دار فضل والنار دار عدل، فالجنة يُدخلها الله من يشاء من عباده، أما النار فلا يدخلها إلا من أساء وظلم وأشرك وعصى.
ففارق بين النار التى تقول هل من مزيد، فيضع رجله فتقول قط قط، وبين الجنة التى يُنشئ الله -عزوجل - لها خلقًا آخر لم يعملوا خيرًا قط.
فإذا كان الله يُنشئ للجنة خلقاً آخر يدخلهم إياها بلا عمل، فالأطفال الذين ولدوا في الدنيا أولى بها.
فالله -تعالى- وسعت رحمته كل شيء، وقد سبقت رحمته غضبه، ومن فضله أن يُدخل أبناء المشركين الجنة، وإن لم يقدِّموا خيرًا؛ وذلك لبقاءهم على أصل فطرتهم السليمة.
*والراجح -والله أعلم- في هذه المسألة هو القول الرابع لما ذكرنا من أدلة.
.
* ولكن يبقى لنا الرد على المخالف:
أما أصحاب القول أن أطفال المشركين في النار، فقد استدلوا بما يلى:
١ - قوله تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ)
حيث
стр. 435
أعملوا في الآية قياس الشبه، كما سبق بيانه.
والجواب هنا أنه لا قياس في مقابلة النصوص التى أفادت أن أطفال المشركين في الجنة.
٢ - وأما حديث النبي ﷺ عندما سُئل عن أبناء المشركين فقال:
"هم مع آبائهم ".
فالاستدلال بهذا الحديث مما يقال فيه " الدليل أخص من الدعوى "؛ فقوله ﷺ "هم مع آبائهم ": إنما يخص أحكام الدنيا، ومما يؤيد ذلك:
أ) سياق الحديث:
فقد ورد في حكم خاص، حيث سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ -عَنِ الذَّرَارِيِّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ؟ يُبَيَّتُونَ فَيُصِيبُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ "، فَقَالَ:
«هُمْ مِنْهُمْ»، والسياق من المقيدات والمرجحات، فتأويل هذا الحديث:
أي لا بأس بقتل أطفال المشركين إذا وقع ذلك وفاقاً لا قصداً؛ لأن أحكام آبائهم جارية عليهم في الميراث وفي النكاح وفي القصاص والديات، وغير ذلك من أحكام الدنيا.
ب) الإجماع الذي نقله ابن بطة وابن عبدالبر على أن تأويل قوله ﷺ :
"هم مع آبائهم ": إنما ورد في أحكام الجهاد، وذلك إذا ما أصيب أطفال المشركين في التبييت والغارة. (١)
قال ابن القيم: قال شيخنا:
فإذا عرف أن كونهم ولدوا على الفطرة لا ينافي أن يكونوا تبعاً لآبائهم في أحكام الدنيا زالت الشبهة. (٢)
قال حنبل: قال أبو عبد اللَّه: إذا أسلم أبواه ثم مات وهو صغير صُلي عليه ودُفن في مقابر المسلمين، وإن مات وهما مشركان كان تبعًا لهما. (٣)
стр. 436
٣ - وأما ما يُذكر عن النبي ﷺ أنه سئل عن أَطْفَالَ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ:
(إِنْ شِئْتِ أَسْمَعْتُكِ تَضَاغِيَهُمْ فِي النَّارِ)، فهذا مما لا يصح سنده. (١)
٤ - وأما ما يُروى عن النبي ﷺ :
" إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ وَأَوْلادَهُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ وَأَوْلادَهُمْ فِي النَّارِ "، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ، أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتِهِمْ)، فهذا مما لا يصح له إسناد. (٢)
مع ما فيه من النكارة؛ ووجه ذلك أنه يخالف النصوص الصريحة الصحيحة التى دلت على أن أطفال المشركين في الجنة.
٥ - وأما استدلالهم بحديث إِبْرَاهِيم ابن النبي ﷺ :
... «إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الجَنَّةِ». (٣)
فسبق الجواب على مثله عند الرد على استدلالهم بالآية الأولى.
*وأما استدلالهم من النظر بقولهم:
أن الحكم بأنهم من أهل الجنة يلزم منه أن
стр. 437
تجري عليهم في الدنيا أحكام المسلمين..
* فجوابه من وجوه:
١ - الأول:
أن هذا نظر في مقابلة أثر، فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال عن أبناء المشركين: " هم منهم "، وفي رواية "هم مع آباءهم"، فهذا مع قوله ﷺ أنهم مع الجنة، فلا سبيل للجمع بين هذين إلا بحمل قوله:
"هم مع آباءهم" على أحكام الدنيا، أي مع آبائهم فلا يُصلى عليهم، ولا يُدفنوا في مقابر المسلمين، وكذلك في أحكام القود والدية.
وفي هذا إعمال للأدلة الواردة في هذا الباب، وهذا هو أصل مهمات الشرع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وكون الصغير يتبع أباه في أحكام الدنيا، هو لضرورة حياته في الدنيا، فإنه لا بد من مربٍّ يربيِّه، وإنما يُربيِّه أبواه، فكان تابعاً لهما ضرورة، ولهذا متى سُبي منفرداً عنهما صار تابعاً لسابيه عند جمهور العلماء، كأبي حنيفة والشافعي وأحمد والأوزاعي وغيرهم، لكونه هو الذي يربيه، وإذا سبي منفرداً عن أحدهما أو معهما، ففيه نزاعٌ للعلماء. (١)
وقد أجاب ابن حزم على من يعارض القول بأن أطفال في الجنة أن لازمه أن نصلي عليهم ونورِّثهم فقال:
فليس تركنا للصلاة عليهم يوجب أنهم ليسوا مؤمنين، فهؤلاء الشهداء وهم أفاضل المؤمنين لا يصلى عليهم، وأما انقطاع المواريث بيننا وبينهم فلا حجة في ذلك على أنهم ليسوا مؤمنين؛ فإن العبد مؤمنٌ فاضل لا يرث ولا يورَّث، وقد يأخذ المسلم مال عبده الكافر إذا مات. (٢)
والشريعة قد استقرت على أن ولد اليهودي والنصراني يتبع أبوية في الدين في أحكام الدنيا، فيحكم له بحكم الكفر في أنه لا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرثه المسلمون، ويجوز استرقاقهم، ونحو ذلك - فلم يجز لأحد أن
стр. 438
يحتج بحديث: " كل مولود يولد على الفطرة... "على أن حكم الأطفال في الدنيا حكم المؤمنين حتى تعرب عنهم ألسنتهم. (١)
٢ - الثاني:
أن منشأ الاشتباه في هذه المسألة اشتباه أحكام الكفر في الدنيا بأحكام الكفر في الآخرة، فإن أولاد الكفار لما كانوا يجري عليهم أحكام الكفر في أمور الدنيا، مثل ثبوت الولاية عليهم لآبائهم، وحضانة آبائهم لهم، وتمكين آبائهم من تعليمهم وتأديبهم، والموارثة بينهم وبين آبائهم، واسترقاقهم إذا كان آبائهم محاربين، وغير ذلك - صار يظن من يظن أنهم كفّار في نفس الأمر، كالذي تكلم بالكفر وعمل به.
وقد يكون في بلاد الكفر من هو مؤمن في الباطن يكتم إيمانه مَن لا يعلم المسلمون حاله إذا قاتلوا الكفار، فيقتلونه ولا يغسل ولا يصلى عليه، ويدفن مع المشركين، وهو في الآخرة من المؤمنين أهل الجنة، كما أن المنافقين تجري عليهم في الدنيا أحكام المسلمين، وهم في الآخرة في الدرك الأسفل من النار، فحكم الدار الآخرة غير أحكام الدار الدنيا. (٢)
*وعليه يقال: "لا تلازم بين أحكام الكفر في الدنيا وأحكام الكفر في الآخرة ".
* ثانياً: الرد على الواقفة:
فالرد أن يقال بأن القاعدة هنا:
١ - من علم حجة على من لم يعلم، فالحكم لهم بالجنة إنما كان لنص، وهو فصل في النزاع. وعليه فلا معنى للتوقف في مسألة حكم فيه الشرع.
٢ - أما إنكاره ﷺ على عائشة -رضى الله عنها- لما قالت:
عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ، فقَالَ: (أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ يَا عَائِشَةُ)
* فجوابه من وجهين:
١ - أن لفظة " أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ يَا عَائِشَةُ " مما قد استنكرها العلماء على طلحة بن
стр. 439
يحيي، وقد ذكرها مسلم ﵀ في المتابعات دون الأصول، وطلحة بن يحيي ممن تكلم فيه علماء الجرح والتعديل. (١)
٢ - وعلى فرض صحة هذا الحرف فتأويله يُحمل على النهي عن الجزم في الأمور الغيبية، وذلك من باب سد الذرائع.
فنهاها أن تتسرع وتتكلم في أمر لا تعلمه فتجزم لشخص ما بالجنة. فإنه لا يُجزم لأحد بجنة أو بنار، إلا من شهد له الرسول الله ﷺ .
٣ - وأما قولهم:
أنه إذا كان المولود يولد على الفطرة، وعليه فلا يُدرى ماذا سيعمل لو بلغ، لذا يُتوقَّف فيه ويوكَل أمره إلى الله.
فالرد عليه:
أن النزاع هنا على حكمهم حال الصغر، لا حال الكبَر، فالتوقف إنما يقال على الحال الثانى دون الأول، وعليه يُحمل قوله ﷺ :
«اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ».
٤ - وكذلك استدلوا بما صح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه- قَالَ:
سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، عَنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ مَنْ يَمُوتُ مِنْهُمْ صَغِيرًا، فَقَالَ:
«اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ». (٢)
فهذا محمول على حالهم بعد البلوغ، وهذا مما قد أختص الله -تعالى- بعلمه، وهذا من باب علم الله فيما لم يكن، لو كان كيف سيكون، فهؤلاء الصغار لو بلغوا فالله - تعالى -أعلم هل سيستمرون على الكفر أم يُختم لهم بخاتمة السعادة؟
قال ابن القيم:
وفى استدلال بقوله: "الله أعلم بما كانوا عاملين"، على ما ذهبت إليه هذه الفرقة نظر؛ فإن النبى ﷺ لم يجب فيهم بالوقف، وإنما وكل علم ما كانوا يعملون لو عاشوا إلى الله . والمعنى: الله أعلم بما كانوا يعملون لو عاشوا.
стр. 440
فهو يعلم القابل منهم للهدى العامل به لو عاش، والقابل منهم للكفر المؤثر له لو عاش، و لكن لا يدل هذا على أنه يجزيهم بمجردعلمه فيهم بلا عمل يعملونه، وإنما يدل على أنه يعلم منهم ما هم عاملون بتقدير حياتهم. (١)
٥ - وأما ما ورد في توقف ابن عباس -رضي لله عنهما - في حكم أطفال المشركين:
فلا شك أنه قد أحسن من انتهى إلى ما قد علم، ولكن لما ورد النص في بيان الحكم الشرعي لزم القول به واعتقاده.
* ثالثاً: الرد على من قال أنهم يختبرون في عرصات القيامة:
واستدلوا على ذلك ببعض الروايات التى ورد فيها اختبار المولود فى العرصات.
وجوابه:
أن الحديث الذي استدلوا به لم يرد في رواية صحيحة ذكر المولود، فالرواية الصحيحة أن الأربعة الذين ستكون لهم الحجة هم: " الأحمق، والهرِم، والأصم، ورجل مات في الفترة "
، فليس فيهم المولود، وأما الرواية التى ذُكر فيها أن " الهالك صغيراً " ضمن من يُختبرون، فقد رواها الطبراني في المعجم الكبير (ح/١٥٨) والهيثمى في المجمع (٧/ ٢١٦)، وفي سندها عمرو بن واقد، وهو متروك، قد رُمي بالكذب، فلا يحتج به.
وقد وردت من طرق أخرى كلها لا يخلو من مقال، وعليه فهى بجميع طرقها لا تجابه ما ورد في الصحيح من كون أطفال المشركين في الجنة. (٢)
стр. 441
قال ابن عبد البر عن أحاديث امتحان أطفال المشركين في العرصات:
وهي كلها أسانيد ليست بالقوية، ولا يقوم بها حجة، وقد ذكرناها بأسانيدها في التمهيد. (١)
* إشكالات نختم بها بحثناً، والجواب عنه:
الإشكال الأول:
عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
" إنَّ الْغُلَامَ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ طُبِعَ كَافِرًا، وَلَوْ عَاشَ لَأَرْهَقَ أَبَوَيْهِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا. (٢)
فظاهرالحديث يعارض في الفهم حديث الباب الذى أفاد أن كل مولود يولد على الفطرة.
* وجوابه من وجهين:
الأول:
عموم حديث الباب (كل مولود يولد على الفطرة..) مخصَصٌ بحديث غلام الخضر، ومما يؤيد ذلك:
ما ورد في حديث عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ-رضى الله عنه- الذى كان يَقُولُ:
الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، ثم يروي حديث النَّبِيَّ ﷺ أنه قَالَ:
" يَدْخُلُ الْمَلَكُ عَلَى النُّطْفَةِ بَعْدَ مَا تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ بِأَرْبَعِينَ، أَوْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَيَقُولُ:
يَا رَبِّ أَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ؟. (٣)
الثاني:
أن غلام الخضر مولود على الفطرة كسائر الخلق، لكنه كتب في علم الله -تعالى- أنه إذا بلغ فيسصير إلى الكفر والفسوق والعصيان، وهذا تفسير قوله ﷺ :
" الله أعلم بما كانوا عاملين "، فيكون هذا من باب علم ما لم يكن لو كان كيف سيكون.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
أئمة السنة مقصودهم أن الخلق صائرون إلى ما سبق به علم الله منهم من إيمان وكفر، كما في الحديث (إن الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافراً) والطبع الكتاب، أي كتب كافراً كما قال: (فيكتب رزقه، وأجله وعمله،
стр. 442
وشقي أو سعيد)
وليس إذا كان الله قد كتبه كافراً، يقتضي أنه حين الولادة كافر، بل يقتضي أنه لا بد أن يكفر، وذلك الكفر هو التغيير، كما أن البهيمة التي ولدت جمعاء، وقد سبق في علمه أنها تجدع، كتب أنها مجدوعة بجدع يحدث لها بعد الولادة، لا يجب أن تكون عند الولادة مجدوعة. (١)
فتبين أن المراد به حالة ثانية طرأت عليه من التهيؤ للكفر وقبوله عليه، غير الفطرة التى ولد عليها. (٢)
٢ - الإشكال الثانى:
قد احتج القدرية بحديث الباب على تأكيد أصلهم الباطل أن الإنسان هو الذى يخلق فعل نفسه؛ وذلك لقوله: ﷺ :
" مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ..... "
فقوله: فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ.. دل أن الإضلال إنما يقع بفعل العبد نفسه!!!
وجواب ذلك:
١ - من أصول أهل السنة التي ثبتت عندهم بالكتاب والسنة والإجماع أن الهداية والإضلال إنما تقع للعبد بقدر الله تعالى، قال عزوجل (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) (الأنعام/١٢٥)
وقال تعالى (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ) (الجاثية/٢٣)
وقال تعالى (مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الأنعام/٣٩)
وورد في قوله ﷺ :
" إنَّ الْغُلَامَ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ طُبِعَ كَافِرًا "
*وأما قوله ﷺ : " فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه... "
فغاية ما في إنما هو ربط الأقدار بأسبابها، فالمتسبّب في إضلال هؤلاء بالتهويد أو التنصير أو التمجيس إنما هم آباءهم، مع كون الجميع مما قدَّره الله -تعالى- وكتبه.
стр. 443
*ونظير ذلك:
ما ورد في قوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ) (الأعراف/٥٧)
فلا شك أن الله - تعالى- جعل الرياح التى تحمل السحاب سبباً لإنزال المطر، مع كون الجميع من خلق الله وتقديره.
* يؤيده:
قوله تعالى (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) (الصافات/٩٦)
فمما يدخل في عموم خلق الله - تعالى- أعمال العباد، فهى مخلوقة لله بنص الآية، ومن أعمال العباد ما ورد في الحديث الذى أشكلوا عليه، والذى هو قيامهم بتهويد وتنصير أبناءهم.
*وقد ورد عن ابن وهب قال: سمعت مالكاً وقيل له إن أهل الأهواء يحتجون علينا بهذا الحديث؛ يعني قوله " فأبواه يهودانه أو ينصرانه "، فقال مالك:
احْتجَّ عليهم بآخره. (١)
* وقول مالك: " احْتجَّ عليهم بآخره ": يقصد ما ورد في إحدى روايات حديث الباب أن النبي ﷺ قال:
«مَنْ يُولَدُ يُولَدُ عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ، كَمَا تَنْتِجُونَ الْإِبِلَ، فَهَلْ تَجِدُونَ فِيهَا جَدْعَاءَ، حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ:
أَفَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ صَغِيرًا؟
قَالَ ﷺ : «اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ». (٢)
ووجه ذلك:
أن أهل القدر استدلوا على أن الله -تعالى - لا يضل أحداً، وإنما يضل الكافرَ أبواه، فأشار مالك إلى الرد عليهم بقوله ﷺ :
" الله أعلم بما كانوا عاملين "؛ فهو دال على أن الله -تعالى- يعلم بما يصيرون إليه من الهدى أو الضلالة، فهو دليل على تقدم العلم الذي ينكره غلاتهم، ومن ثم قال الشافعي عن أهل القدر: إن أثبتوا العلم خُصموا.
فقوله فأبواه يهودانه... محمول على أن ذلك يقع بتقدير الله تعالى.
стр. 444
قال أبو العباس ابن تيمية:
والمولود ولد على الفطرة سليماً، وولد على أن هذه الفطرة السليمة يغيرها الأبوان، كما قدَّر الله - تعالى - ذلك وكتبه، كما مثَّل النبي ﷺ ذلك بقوله:
«كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء»، فبيَّن أن البهيمة تولد سليمة، ثم يجدعها الناس، وذلك بقضاء الله وقدره، فكذلك المولود يولد على الفطرة سليماً، ثم يفسده أبواه، وذلك أيضاً بقضاء الله وقدره. (١)
*وكذلك فمن الرد عليهم من نفس الحديث:
ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وقد قلب الدليل عليهم، كما هي عادته في الرد على أهل البدع، حيث قال ﵀:
وإن احتجت القدرية بقوله: «فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» من جهة كونه أضاف التغيير إلى الأبوين - فيقال لهم: أنتم تقولون: إنه لا يقدر: لا الله ولا أحد من مخلوقاته، على أن يجعلهما يهوديين أو نصرانيين أو مجوسيين، بل هما فعلا بأنفسهما ذلك، بلا قدرة من غيرهما، ولا فعل من غيرهما، فحينئذ لا حجة لكم في قوله: «فأبواه يهودانه». (٢)
تم بحمدالله تعالى.
стр. 445
الحديث الخامس عشر: منحة الغافر شرح حديث أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر
стр. 446
منحة الغافر شرح حديث أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر
نص حديث الباب:
عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵁ قَالَ:
صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِي ﷺ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ"
* تخريج الحديث:
أخرجه البخاري (١٠٣٨) بَابُ: قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾
ومسلم (٧١) بَابُ بَيَانِ كُفْرِ مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِالنَّوْءِ.
،
* أهم الفوائد التى نستنبطها من حديث الباب:
أولاً: عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵁ قَالَ:
صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ
وكان ذلك لما خرج النبى ﷺ هو وأصحابه إلى عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ٦ هـ، ومعه زوجته أم سلمة، في ألف وأربعمائة، ويقال: ألف وخمسمائة.
ولما علم المشركون بمقدم الرسول ﷺ عزموا على صده عن البيت الحرام، ولكن انتهى الأمر إلى صلح الحديِّبية الذى سمَّاه الله -عزوجل- فتحًا مبينًا.
وكان من بنود هذا الصلح أن يرجع الرسول ﷺ من عامه، فلا يدخل مكة إلا في العام الذى بعده.
*قول زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵁ قَالَ:
صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ:
قوله «عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ»:
والإثر: هو ما يعقب الشيء، والسماء المطر، كما في
стр. 447
قوله ﷺ : " وَفِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ "، وسُمِّي المطر سماءً لنزوله من جهة السماء، وهو العلو، وذلك من باب استعارة اسم الشيء لغيره إذا كان مجاوراً له.
قال الشاعر:
إِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ... رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابًا. (١)
فالمعنى العام:
أن الصحابي زيد بن خالد - رضى الله عنه- يخبر أن رسول الله ﷺ قد صلَّى بالمسلمين صلاة الصبح على إثر سماء، أى أن ذلك قد صادف سقوط المطر.
*ثم قال رضى الله عنه:
" فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ:
«هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ:
*وهنا فوائد:
١) الأولى:
قوله: فلما انصرف من صلاته ﷺ أقبل على الناس:
فقد كان من هدي النبي ﷺ أن يُعلْم أصحابه -رضى الله عنهم- ويُخبرهم بما استُجد من أمور الوحي.
٢) الثانية:
فَقَالَ ﷺ : هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟
وهذا سؤال بدأ به النبي ﷺ حديثه للصحابة رضى الله عنهم. وكان هذا من هدي النبي ﷺ في تعليمه لأصحابه - رضى الله عنهم - أن يبدأ حديثه بسؤال للفت الإنتباه وجذب الأسماع فيطرح سؤالاً على السامعين، ولهذا نظائر كثيرة، نذكر منها:
حديث المفلس، يقول ﷺ : أتدرون من المفلس؟
وقوله ﷺ : أتدرون ما الغيبة؟
ويقول ﷺ : أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟
ويقول ﷺ : أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟
*ومن هذا الباب حديث الباب: يقول النبى ﷺ فى بدء كلامه: هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟
стр. 448
٣) الثالثة:
قوله ﷺ : هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟
وهذا حديث يروى فيه النبي ﷺ حديثاً قدسياً عن رب العزة، والأحاديث القدسية من أدلة أهل السنة على إثبات صفة الكلام لله عزوجل؛ وذلك لما فيها من نسبة الكلام وإضافته إلى الله -تعالى- إضافة صفة إلى موصوف.
لذا فقد أخرج البخاري ﵀ حديث الباب في صحيحه كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١١٥]
قال ابن بطال:
أراد بهذه الترجمة وأحاديثها أن كلام الله -تعالى- صفة قائمة به، وأنه لم يزل متكلماً ولا يزال. (١)
* وقد ورد فى رواية النسائي قوله ﷺ :
أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ رَبُّكُمُ اللَّيْلَةَ؟ (٢)
وهذه فيها زيادة فائدة في صفة كلام الله تعالى؛ فهي تدل على أن الله -تعالى- يتكلم بمشيئته واختياره، فصفة الكلام لله -تعالى- صفة ذاتية فعلية، ذاتية باعتبار الأصل، وفعلية باعتبار تجدّد آحاد الكلام.
فهذا معنى ما قعَّده العلماء فى كلام الله تعالى بقولهم أنه:
" قديم النوع، حادث الأفراد "، و قولهم " حادث الأفراد ":
ليس معناه أن كلامه مخلوق؛ بل كلامه - تعالى - متعلق بمشيئته، فإذا شاء تكلم، وإذا شاء لم يتكلم سبحانه. (٣)
فالله -عزوجل- إنما قال لموسى (لَنْ تَرَانِي)، في وقت بعينه وذلك (َ لَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ)، وليس من الأزل يقول ذلك.
стр. 449
وقال تعالى (إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ) لما طلب الحواريون المائدة من عيسى ﵇ فقالوا (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
كلام أحمد وغيره من الأئمة صريح في أن الله يتكلم بمشيئته وقدرته، وأنه لم يزل يتكلم إذا شاء، ولم يقل أحد من السلف أن الله تكلم بغير مشيئته وقدرته، ولا قال أحد منهم أن نفس الكلام المعين كالقرآن أو ندائه لموسى أوغير ذلك من كلامه المعين أنه قديم أزلي. (١)
* عودٌ إلى حديث الباب: فَقَالَ ﷺ :
... «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ...
وهذا من أدب الصحابة -رضى الله عنهم- حيث وقفوا عن الخوض فيما لا يعلمون، وهذا مما أدَّبهم القرآن وربَّاهم عليه، كما ورد في الأية قوله تعالى
... (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ)
*فإن قيل:
قول الصحابة رضى الله عنهم: " اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ "، أليس قد ورد النهي عن مثل هذه الصيغ التى يُجمع فيها بين الله -تعالى- ورسوله ﷺ ؟؟
كما في قوله ﷺ لمن قال له: مَا شَاءَ اللهُ، وَشِئْتَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ :
" أَجَعَلْتَنِي وَاللهَ عَدْلًا، بَلْ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ ". (٢)
* والرد أن يقال:
أن النبي ﷺ أنما أراد في باب النهي عن ذلك حسم المادة وسد الذريعة، وغلق باب المغالاة في شخص الرسول ﷺ .
فمثل هذه العبارات قد تُوهم أن مشيئةَ العبد في درجة مشيئة الرب ، مع كون العبد له مشيئة، ولكنها تابعة لمشيئة الله تعالى، كما قال تعالى (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا)
وأما ما يتعلق بحديث الباب:
ففي إقراره ﷺ للصحابة -رضى الله عنهم- على قولهم:
" اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ "، بيانٌ أن ذلك جائز من حيث الأصل لمن يُؤمَن عليه الوقوع في علة النهي.
*وقيل في الجمع وجه آخر:
أن النهي إنما يتوجه في الأمور الكونية، ومنها المشيئة، وأما الأمور الشرعية المتعلقة بالوحي والتشريع فهذه ممَّا علَّمه الله -تعالى- لنبيه - ﷺ فلا
стр. 450
حرج عندها أن يقال:
" اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ".
*عودٌ إلى حديث الباب:
لما قَالَ النبي ﷺ : هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟
قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:
" أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ..
فيذكر النبي ﷺ -اختلاف حال العباد عند نزول المطر، فتراهم بين قسمين:
١) القسم الأول:
حال المؤمنين الذين ينسبون الفضل لله تعالى، فالمطر إنما هو من فضل الله -تعالى- ومن رحمته بالعباد، قال تعالى (أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ) (النمل/٦٣)، وقال تعالى
(وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) (الشوري/٢٨)
لذا صار من السنن القولية التى تقال إثر سقوط المطر:
"مُطرنا بفضل الله ورحمته "، وهذا من شكر الله تعالى.
قال النووي:
ويُستحبّ أن يشكر الله -على هذه النعمة، أعني نزول المطر. (١)
وكذلك كان ﷺ كان إذا رأى المطر قال:
" اللَّهُمَّ صَيِّبًا نافِعًا ". (٢)، "والصيِّب هو المطر"
*وكان ﷺ إذا ما قلَّ نزول المطر قَالَ: «اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا ".
وأما إذا زاد نزول المطر إلى حد الهلكة فكان ﷺ يرَفَعَ يدَيْهِ ويقول:
«اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا، وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالجِبَالِ وَالظِّرَابِ وَالأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ». (٣)
* كما يشرع الدعاء عند نزول المطر:
أخرج ابْن الْمُنْذر عَن ثَابت ﵁ قَالَ:
بلغنَا
стр. 451
أَنه يُسْتَجَاب الدُّعَاء عِنْد الْمَطَر ثمَّ تَلا هَذِه الْآيَة ﴿وَهُوَ الَّذِي ينزل الْغَيْث من بعد مَا قَنطُوا﴾ (١)
وقد نصَّ على استحباب الدعاء عند المطر غير واحد من الأئمة، ومنهم:
شيخ الإسلام ابن تيمية والشافعي والقرطبي. (٢)
وأما الأحاديث الواردة في استحباب الدعاء عند نزول المطر فلا تخلوا أسانيدها من المقال.
* ومن السنن الفعلية عند نزول المطر"التعرض لماء المطر ":
لا شك أن ماء المطر ماء مبارك، قال تعالى (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ) (ق/٩)
وبركة المطر ظاهرة بيِّنة في آثاره على البلاد والعباد، قال تعالى بعد ذكره لنزول المطر (فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) (الروم/٥٠)
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ-رضى الله عنه- عَنْ رَسُولِ اللهِ- ﷺ -قَالَ:
" مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ بَرَكَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنَ النَّاسِ بِهَا كَافِرِينَ، يُنْزِلُ
اللهُ الْغَيْثَ فَيَقُولُونَ: الْكَوْكَبُ كَذَا وَكَذَا ". (٣)
لذا كان من هدى النبي ﷺ التعرُّض لماء المطر:
قَالَ أَنَسٌ رضى الله عنه:
أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَطَرٌ، قَالَ: فَحَسَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَوْبَهُ، حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ، فَقُلْنَا:
يَا رَسُولَ اللهِ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟
قَالَ ﷺ : «لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالَى». (٤)
*والمعنى:
أنه ﷺ قد حسر- أي كشف بعض بدنه - لماء المطر؛ لأنه (حديث عهد بربه): أي بتكوين ربه إيَّاه، ومعناه أن ماء المطر قريب العهد بخلق الله - تعالى - لها؛ فيتبرك به.
قال النووي:
هذا الحديث دليل لقول أصحابنا أنه يستحب عند أول المطر أن يكشف غير عورته ليناله المطر. (٥)
стр. 452
*وعن أنس بن مالك ﵁ في استسقاء النبي ﷺ المطر على المنبر، قال ﵁:
" ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ ". (١)
وقد ترجم له البخاري، باب: من تَمَطَّرَ في المطر حتى يتحادر على لحيته.
قال ابن حجر:
كأن المصنف أراد أن يبين أن تحادُرَ المطر على لحيته ﷺ لم يكن اتفاقاً، وإنما كان قصداً، فلذلك ترجم بقوله:
" من تمطَّر "، أي: قصد نزول المطر عليه؛ لأنه لو لم يكن باختياره لنزل عن المنبر أول ما وكف السقف، لكنه تمادى في خطبته حتى كثر نزوله بحيث تحادر على لحيته ﷺ . (٢)
*وعن ابن أبي مليكة قال:
كان ابن عباس -رضى الله عنهما- إذا مطَّرت السماء يقول: يَا جَارِيَةُ! أَخْرِجِي سَرْجِي، أَخْرِجِي ثِيَابِي، وَيَقُولُ:
﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾. (٣)
٢) القسم الثاني:
حال من ينسب المطر إلى النوء، فيقول مُطرنا بنوء كذا وكذا....
فما حكم هذا القائل بنسبة المطر إلى النوء؟
نقول أولًا:
كان من عادة أهل الجاهلية أنهم ينسبون كثيراً من الأحداث التى تقع في الأرض بحركة النجوم والكواكب، ومما يدل على ذلك:
ما رواه ابْنَ عَبَّاسٍ -رضى الله عنهما-قَالَ:
أنه قد رُمِيَ بِنَجْمٍ فَاسْتَنَارَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأصحابه:
«مَاذَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، إِذَا رُمِيَ بِمِثْلِ هَذَا؟»
قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، كُنَّا نَقُولُ وُلِدَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، وَمَاتَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
«فَإِنَّهَا لَا يُرْمَى بِهَا لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ رَبُّنَا ﵎ اسْمُهُ، إِذَا قَضَى أَمْرًا سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ أَهْلَ هَذِهِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا» ثُمَّ قَالَ:
" الَّذِينَ يَلُونَ حَمَلَةَ الْعَرْشِ لِحَمَلَةِ الْعَرْشِ: مَاذَا
стр. 453
قَالَ رَبُّكُمْ؟ فَيُخْبِرُونَهُمْ مَاذَا قَالَ:
قَالَ فَيَسْتَخْبِرُ بَعْضُ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ بَعْضًا، حَتَّى يَبْلُغَ الْخَبَرُ هَذِهِ السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَتَخْطَفُ الْجِنُّ السَّمْعَ فَيَقْذِفُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ، وَيُرْمَوْنَ بِهِ ". (١)
*وفي رواية المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - رضى الله عنه-قَالَ:
كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ النَّاسُ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ فَصَلُّوا، وَادْعُوا اللَّهَ». (٢)
* نقول:
ومن هذا الباب قد كان أهل الجاهلية ينسبون المطر إلى النوء، كما قد ورد في حديث الباب.
وعن أبي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيَّ-رضى الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالْاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ. (٣)
وقد ترجم البخاري باب: قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾
[الواقعة: ٨٢]، ثم روي حديث الباب: " أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ..... ".
وكذلك روي مسلم بَابُ: بَيَانِ كُفْرِ مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِالنَّوْءِ:
عن ابْنُ عَبَّاسٍ -رضى الله عنهما- قَالَ: مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ :
" أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ وَمِنْهُمْ كَافِرٌ، قَالُوا: هَذِهِ رَحْمَةُ اللهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا " قَالَ:
فأنزل الله قوله ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]. (٤)
* والمعنى:
أى أن هذا الرزق الذى ساقه الله إليكم، والذى هو المطر كان يستحق منكم أن تشكروا الله - تعالى- عليه، ولكنكم جعلتم موضع الشكر التكذيب؛ وذلك لما نسبتم المطر إلى النوء، وهو قول جمهور المفسرين. (٥)
стр. 454
قال أبوعمر:
الرزق في هذه الآية بمعنى الشكر، كأنه قال: وتجعلون شكركم لله على ما رزقكم من الماء أن تنسبوا ذلك الرزق إلى الكوكب. (١)
والظاهر من فعل المشركين -والله أعلم- أنهم كانوا يقصدون بقولهم:
... «مطرنا بنوء كذا وكذا»:
أن حركة النوء هى التى تسببت في إسقاط المطر، لا أنها هي الفاعلة بذاتها لذلك؛ يدل عليه قوله تعالى
(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) (العنكبوت/٦٣)
* أصل الأنواء:
أنْوَاء: جمع نَوء، وناء النجم أى طلع ونهض، والمعنى:
سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر، وطلوع رقيبه، وهو نجم آخر يقابله من ساعته في المشرق في كل ليلة، وإنما سُمي نوءًا؛ لأنه إذا سقط الغارب ناء الطالع - أي: نهض وطلع- وذلك الطلوع هو النوء، وبعضهم يجعل النوء السقوط، كأنه من الأضداد. (٢)
وقد كان أهل الجاهلية ينسبون نزول المطر إلى النجوم، فيقولون:
مُطرنا بنوء كذا، ويعتقدون أنه إذا سقط النجم الفلاني جاء المطر، وإذا طلع النجم الفلاني جاء المطر. (٣)
стр. 455
لذا فقد أخبرالنَّبِيُّ ﷺ عن خصال أهل الجاهلية، والتى كان منها: " الْاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ... ".
فتعلَّقت نفس القائل بهذا السبب، ونسي نعمة الله عزوجل، وهذا الكفر لا يخرج من الملة، لأن المراد نسبة المطر إلى النوء على أنه سبب، وليس إلى النوء على أنه فاعل، وهذا مما يُطلق عليه " كفر النعمة ". (١)
* ومما يدل على ما ذكرناه:
من القرآن:
قال تعالى (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)) (النحل: ١١٢)
*ومن السنة:
ما رواه أبو هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- أنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ اللهَ لَيُبَيِّتُ الْقَوْمَ بِالنِّعْمَةِ، ثُمَّ يُصْبِحُونَ، وَأَكْثَرُهُمْ كَافِرُونَ، يَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا ". (٢)
* وهنا نطرح سؤالاً:
ما حكم هذا القائل بنسبة المطر إلى النوء؟؟
* وجواب هذا السؤال على تفصيل: (٣)
١ - نسبة المطر إلى النوء على سبيل الاستقلالية:
وأما من نسب المطر إلى النوء على أنه الخالق له المنزل له فلا شك في كفر هذا القائل لذلك، وهذا شرك في الربوبية، وهو من كفر التشريك، والقاعدة عند أهل العلم في ذلك:
" كل من اعتقد في غير الله -تعالى- ما لا يُعتقد إلا في الله -تعالى - فقد وقع في الكفر الأكبر "
فالله -عزوجل- هو الخالق والمنزل للمطر، قال تعالى (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ) (الواقعة/٦٩).
والمطر مربوب لله تعالى، كما ورد في قوله ﷺ عن المطر: (أنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ نسبة)، وعليه فإن نسبة المطر إلى النوء على سبيل
стр. 456
الاستقلالية إنما هو شرك في الربوبية.
* وكذلك هو شرك في الأسماء والصفات:
فقد قال تعالى (ِإنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (لقمان/٣٤)
وقال النَّبِيُّ ﷺ :
«مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلاَّ اللهُ، لَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ إِلاَّ اللهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلاَّ اللهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الْمَطَرُ أَحَدٌ إِلاَّ اللهُ، وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِلاَّ اللهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلاَّ اللهُ». (١)
فقد أخبر ﷺ أنه لا يعلم متى يجيء المطر إلا الله، فلو كان المطر من قبل الأنواء -على ما زعموا - لما اختص الله -تعالى- بعلم وقت سقوط المطر، ولكان النوء شريكاً لله -تعالى- في صفة علمه عزوجل للغيب. (٢)
* ومما يدل أيضًا على أن ذلك من الشرك الأكبر:
أن هذا من الإلحاد فى آيات الله، فآيات الله نوعان:
(١) آيات كونية. ... (٢) آيات شرعية.
فمن يحرِّف آيات الله -تعالى- فهذا من الإلحاد في آياته الشرعية، قال تعالى
(مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) (النساء: ٤٦)
وأما الإلحاد فى آيات الله الكونية:
فذلك بأن يربطها بغير فعل الله تعالى، كمن يقول: «غضب الطبيعة»، هذا من الإلحاد فى آيات الله الكونية؛ لأن الطبيعة مخلوقة لله عزوجل.
ويدخل في الإلحاد في آيات الله -تعالى-الكونية:
نسبة المطر إلى غير الله تعالى.
قال ابن رجب:
فإضافة نزول الغيث إلى الأنواء، إن اعتقد أن الأنواء هي الفاعلة لذلك،
المدبرة له دون الله ، فقد كفر بالله وأشرك به كفراً ينقله عن ملة
الإسلام. (٣)
٢) نسبة المطر إلى النوء على سبيل السببية:
كأن يقول " مُطرنا بنوء كذا وكذا "،
стр. 457
معتقداً أن النوء إذا ما ظهر أو تحرك تسبَّب ذلك في نزول المطر، فهنا يكون قد نسب نزول المطر إلى سبب لم يجعله الله سبباً، لا شرعاً ولا قدراً.
وقاعدة الباب هنا:
" كل من اعتقد في سبب لم يقدَّره الله -تعالى- سبباً، لا شرعاً ولا قدراً فقد وقع في الشرك الأصغر"؛ وعلة ذلك أنه شارك الله - تعالى - من الحكم لهذا الشيء بالسببية مع أن الله -تعالى - لم يجعله سبباً.
فمن المعلوم بالقطع شرعاً وقدراً أن حركة النوء ظهوراً أو اختفاءً لا علاقة لها بنزول المطر، فلا نصوص الشرع قالت بهذا، ولا كلام علماء الأرصاد والمناخ نص على ذلك.
٣) نسبة المطر إلى النوء على سبيل الموافقة الزمنية:
وتوصيف هذه الحالة أن القائل بها لا يعتقد علاقة الاستقلالية ولا السببية بين المطر والنوء، وإنما هى علاقة الظرفية، حيث يرى القائل بها حدوث الموافقة الزمنية بين ظهور النجم الفلانى و نزول المطر، وهذا قاله بناءً على جريان العادة، وما توافق عند القائل وتواتر من تكرر نزول المطر في أوقات بعينها يصعد فيها نجم أو يسقط.
وعليه صارت الباء في قوله " مُطرنا بنوء كذا " هي باء الظرفية، كما ورد في قوله تعالى (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨))
وأما حكم هذه الحالة فمحل خلاف بين العلماء بين المجوِّز لها والمانع.
قال الشافعي:
أما من قال: مُطرنا بنوء كذا على معنى مُطرنا بوقت كذا، فإنما ذلك كقوله مُطرنا في شهر كذا، ولا يكون هذا كفراً، وغيره من الكلام أحب إليَّ منه، أحب أن يقول مُطرنا في وقت كذا. (١)
وحجة الشافعى فى ذلك ما ذكره البيهقى بقوله:
قال الشافعي:
وقد روي عن عمر- ﵁ أنه قال وهو على المنبر:
" كم بقي من نوء الثريا؟
стр. 458
فقام العباس -رضى الله عنه- فقال:
لم يبق منه شيء إلا العواء، فدعا ودعا الناس حتى نزل عن المنبر، فمطر مطراً أحيا الناس منه "
فقال الشافعي:
وقول عمر - رضى الله عنه- هذا يبين ما وصفتُ؛ لأنه إنما أراد كم بقي من وقت الثريا، لمعرفتهم بأن الله - تعالى - قدَّر الأمطار في أوقات فيما جرَّبوا، كما علموا أنه قدَّر الحرَّ والبرد فيما جرَّبوا في أوقات. (١)
قال ابن الجوزي:
وأما قول عمر - رضى الله عنه - كم بقي من نوء الثريا؟ ":
فإنه أراد كم بقي من الوقت الذي جرت العادة أنه إذا تم أتى الله بالمطر؟
ومن لم يكن اعتقاده أن الكوكب يفعل لم يضره هذا القول، وقد أجاز العلماء أن يقال: مطرنا في نوء كذا، ولا يقال بنوء كذا. (٢)
* والراجح -والله أعلم- المنع من هذه العبارة.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن:
وإما أن يقول: مُطرنا بنوء كذا مثلاً، لكن مع اعتقاده أن المؤثر هو الله وحده، ولكن أجري العادة بوجود المطر عند سقوط ذلك النجم، والصحيح أنه يحرم نسبة ذلك إلى النجم ولو على طريق المجاز. (٣)
* ومما يؤيد ذلك أمور:
١) الأول:
سد ذريعة الوصول إلى العبارات الأخري الموافقة لها في اللفظ، وإن اختلف المقصد عند القائل.
وهذا أصل معتبر في الشرع، قال تعالى (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا
стр. 459
رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا) (البقرة/١٠٤)
ففي الأية دلالة بيَّنة على النهي عن اللفظ ولو كان جائزاً، لئلا يُتوصل به إلى ما هو غير جائز.
* وقد كان أبوهريرة - رضى الله عنه - يقول إذا أصبح وقد مُطر الناس:
مُطرنا بنوء الفتح، ثم يتلو هذه الآية ﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢] (١)
أي: فتح ربنا علينا، فاستعمل النوء في الفتح الإلهي للإشارة إلى رد معتقد الجاهلية من إسناده للكواكب، كأنه يقول:
إذا لم تعدلوا عن لفظ نوء فأضيفوه إلى الفتح، وهذا منه - رضى الله عنه - تأكيداً لما ذكرنا من غلق هذا الباب سداً للذريعة، وهذ نفسه مما يؤخذ من قول الشافعي السابق: " وغيره من الكلام أحب إليّ "، فإنما قصد به حسم المادة.
" أما إن قال ذلك -أى مُطرنا بنوء كذا -على معنى أن العادة نزول المطر عند نوء من الأنواء، وأن ذلك النوء لا تأثير له في نزوله، وأن المنفرد بإنزاله الله، فلا يكفر مع أن هذا اللفظ لا يجوز إطلاقه بوجه، وإن لم يعتقد ما ذكرنا لورود الشرع بالمنع منه، ولما فيه من إيهام السامع، كما أنه يُنهى عن إطلاق ذلك لئلا يعتقد أحد اعتقاد أهل الجاهلية، ولا يتشبه بهم في نُطقهم. (٢)
٢) الثانى:
لم يُعرف لا بالنصوص الشرعية ولا بالأسباب القدرية الكونية ولا حتى بمجرد الموافقة الزمنية أية علاقة بين نزول المطر وحركة النجوم والأنواء.
بل الذى ورد في أدلة الشرع هو نفى علاقة النوء بسقوط المطر؛ وذلك كما ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا عَدْوَى وَلَا هَامَةَ وَلَا نَوْءَ وَلَا صَفَرَ" (٣)
*والنفي يرد على أربعة أنواع:
(١) نفي وجود. (٢) نفي تأثير. (٣) نفي صحة. (٤) نفي كمال.
стр. 460
*ومثال النوع الأول:
قوله ﷺ " لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ " (١)، فهذا نفي لوجود أى شخص أغير من الله تعالى، وكذلك قولنا "لا إله إلا الله "، فهذا في حقيقته نفي لوجود أي إله بحق إلا الله عزوجل.
*ومثال النوع الثانى:
قوله ﷺ : (لاعدوى ولاطيرة). (٢) هذا نفي للتأثير، والمعنى:
أنه لا عدوى مؤثرة بذاتها كما كان يعتقد أهل الجاهلية، وكذلك قوله: " لا طيرة " مؤثرة في دفع ضر أو جلب نفع فالنفي هنا نفى تأثير لا نفى وجود.
*ومثال النوع الثالث:
قوله ﷺ : «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ». (٣)
والمعنى: لا صلاة صحيحة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب.
*ومثال النوع الرابع:
قوله ﷺ : (لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ) (٤)
فهذا نفي لكمال الإيمان الواجب، وليس لأصله، كما ذهب إليه الخوارج.
*فإذا سألت:
قوله ﷺ : " لَا نَوْءَ " يتبع أى قسم؟
* فالجواب:
هو تابع للقسم الثانى؛ حيث كان أهل الجاهلية عند سقوط مطر ينسبونه إلى النجم الساقط والنجم الغارب، يقولون: مُطرنا بنوء كذا، فقيل لهم:
" لا نوء ": أي لا أثر لنجم في نزول المطر، وإنما المطر من الله تعالى.
*تنبيه:
ما يتم تدواله في المطبوعات من تقسيم السنة إلى النوَّات، كنوَّة الغطاس و المَكنسة وأعياد الميلاد... ، وكذلك ما يتناقله البعض من قولهم نوَّة كذا أو كذا، فينسبون المطر إلى هذه النوَّات، فهذا مما يتبع القسم الثالث الذى ذكرناه في نسبة المطر إلى النوء من باب الموافقة الزمنية لا غير، وقد وضحنا حكم هذه الصورة، وذكرنا الراجح فيها.