← Акыда

Акыда · id 192

الأربعون العقدية

أيمن إسماعيل

Полный текст (1 126 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

الآخرة من غير جهة، فجاءوا بقول لم يقل به أنس قبلهم ولا جآن. ٣) ما ذهب إليه المتأخرون من الأشاعرة من قولهم بنفى الجهة عن الله - مع مخالفتهم لجماهير أهل السنة - قد خالفوا فيه إمامهم خاصة، وهو الإمام أبو الحسن الأشعرى الذى ذكرنا آنفاً نقله لإجماع أهل السنة على إثبات علو الله تعالى. وكذلك خالفوا فيه أئمتهم المتقدمين أمثال: الباقلاني الذى قال بعلو الله -تعالى- على عرشه، وكذلك ممن صرح بإثبات العلو: ابن كلاب وأبو الحسن الطبري تلميذ الأشعري والحارث المحاسبي. وقد نقل ذلك عنهم كل من شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذيه الذهبي وابن القيم، لتقزم بذلك الحجة على منأخريهم الذين خالفوا نهج أئمتهم فقالوا بنفى الجهة، كالغزالي والجويني والآمدي وغيرهم الذين أخذوا قول الجهمية والمعتزلة فى هذا الباب. *وإذا كان أبو الحسن الأشعري و ابن كلاب موافقان للسلف في إثبات العلو، وعليه فإن كل من يزعم الانتساب إليهما مع مخالفته لهما فدعواه باطلة. (١) * وأما قولهم: أن لوازم إثبات علو لله -تعالى - أن يكون متحيزاً وذا جهة وحد يحده!! لو كان الله -تعالى- في جهة العلو بذاته لأشبه المخلوقات، لأن ذلك يعني أن يكون الله في مكان، والمكان يقتضي التحيز والتجسيم، وهذه من خصائص المخلوقين، لأن ما أحاطت به الأمكنة واحتوته فهو مخلوق مجسم!! * فالجواب أن يقال: أما قولكم أن إثبات العلو لله - تعالى - يقتضي التحيز والحد والمكان، وهذه من خصائص المخلوقين!!

стр. 632

فيقال أولاً: أن الله - تعالى - ليس كمثله شيء من خلقه، ولا يقاس بشيء من بريته، ولا يدرك بقياس،، وقد اتفق المسلمون وكل ذي لب أن الذى ليس في مكان فهو عدم. وقد صح في العقول، وثبت بالدلائل أنه كان في الأزل لا في مكان، وليس بمعدوم، فكيف يقاس على شيء من خلقه، أو يجري بينه وبينهم تمثيل أو تشبيه، تعالى الله عمَّا يقول الظالمون علواً كبيراً. (١) *ثانياً: قولهم هذا إنما ينبنى على عقول لم تعرف من الإثبات إلا تحقق المشابهة، ففرت من ذلك إلى التحريف والتعطيل، فما قدروا الله -تعالى - حق قدره. فلا يتصور زعمهم باقتضاء العلو للتحيز والحد إلا في حق المخلوق، وأما الله -عزوجل - فلا سمَّى له، و لا نظير له. وأى تحيز أو حد يتصور في إثبات علو الله عزوجل؟!!! * تأملوا في عظم مخلوقات الله تعالى، فكيف بخالقها؟!! قال ابن مسعود رضى الله عنه: "رَأَى رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ قَدْ مَلَأَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ" سَدَّ أُفُقَ السَّمَاءِ» (٢) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ " (٣) * وهل من عاقل يخطر بفكره أن قول الجارية أن الله -تعالى - في السماء يلزم منه أن السماء تظله أو تحويه؟؟!!! قال تعالى ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، " فما السماوات والأرض في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في الأرض الفلاة " (٤)، فإذا كان الكرسي قد وسع السماوات والأرض، فكيف بالعرش؟! ثم كيف بمن فوق العرش ؟!!

стр. 633

* هذا خلق الله، فأرونى أى عقل جهول يتوقف افي إثبات صفات الله - كالعلو - خشية الوقوع فى القول بالتحيز أو التشبيه أو المماثلة؟!! وصدق الله ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ * وأما إطلاق لفظ المكان في حق الله تعالى: إطلاق لفظ المكان في حق الله نفياً أو إثباتاً من الأمور التي لم يرد بها كتاب ولا سنة، بل ينبغي الإمساك عن إطلاق هذا اللفظ، والوقوف عند ما ورد به النص من استواء الله على عرشه فوق سماواته. لأن لفظ المكان من الأمور التي تحتمل حقاً وباطلاً، ولأهل العلم تفصيل في ذلك: ٢ - فقد يراد بالمكان أمر عدمي: وهو ما فوق العالم من العلو، والله فوق العالم غير مفتقر إلى شيء من مخلوقاته. فيصح إطلاق أن الله في مكان بهذا المعنى. وإن كان الأولى الإمساك عن إطلاق هذا اللفظ نفياً أو إثباتاً، حيث أن النصوص قد انتهت إلى إثبات العلو المطلق في حقه ، وأنه مستوٍ على عرشه كما أخبر. ٢ - وقد يراد بالمكان أمر وجودي: وهو ما يحوي الشيء ويحيط به، أو ما يستقر الشيء عليه بحيث يكون محتاجاً إليه، والله منزه عن المكان بهذا المعنى الذي يقتضي الإحاطة والافتقار. (١) * وبهذا التفصيل يتبين الوجهة عند من نفى من السلف المكان عن الله تعالى، كما ورد ذلك فى قول ابن حاتم السجزيّ: " وعند أهل الحق أن الله - سبحانه - مباين لخلقه بذاته، فوق العرش بلا كيفية، بحيث لا مكان " (٢). *وهل يصح إطلاق لفظ الجهة في حق الله تعالى؟؟ والجواب: نقول أولاً: أن لفظ " الجهة "مما لم يرد إثباته ولا نفيه في أدلة الشرع، ويغني عنه ما ثبت فيهما من أن الله تعالى في السماء، كما هو وارد في حديث الباب. ثانياً: ننظر إلى المعتقَد للقائل بالجهة:

стр. 634

أ) إن كان يعتقد أن الله - تعالى - في داخل المخلوقات، وتحويه المصنوعات، وتحصره السماوات، فهذا مبتدع ضال؛ فإن الكتاب والسنة مع العقل دلت على أن الله لا تماثله المخلوقات في شيء من الأشياء. ب) وإن كان يعتقد أن الخالق -تعالى - بائن عن المخلوقات، وأنه فوق سماواته على عرشه بائن من مخلوقاته، فإنه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، فهذا مصيب في اعتقاده، موافق لسلف الأمة وأئمتها. (١) وفي معنى الإثبات على الوجه الصحيح يقول الإمام القرطبي: وقد كان السلف الأول ﵃ لا يقولون بنفي الجهة، ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله - تعالى - كما نطق كتابه، وأخبرت رسله، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه تعالى استولى على العرش حقيقة. (٢) *ما ورد في طريقة أهل التحريف مع حديث الجارية: عمد المخالفون لأهل السنة في هذا الباب إلى الخوض بالباطل حديث الجارية، بالطعن في صحته تارة، وبتحريفه تارة أخرى. *وأما طنعهم في صحة الحديث: فلا شك في بطلان هذه الدعوى؛ فهو حديث صحيح خرّجه جمع كبير من أئمة الحديث وحفّاظهم من طرق صحيحة كالشمس في واضحة النهار، ولكنَّ أهل البدع لا يعقلون، فيعلّون الحديث تارة بالاضطراب! وتارة بالشذوذ!! ولا اضطراب إلا في عقولهم، ولا شذوذ إلا في أفكارهم، والله المستعان وحده، ولا حول ولا قوة إلا به. (٣) ولا شك في بطلان هذه الدعوى،

стр. 635

قال ابن عدوان: وقد جاء لفظ " الأين " من قول صادق... رسول إله العالمين محمد كما قد رواه مسلم في صحيحه... كذلك أبو داود والنسائي قد. (١) * وكذلك فقد عمدوا إلى تحريف الحديث تحريفاً لفظياً ومعنوياً: *ومن التحريف المعنوى للحديث: قالوا: إنما أراد الرسول- ﷺ بالسؤال بـ " أين " الاستفهام عن المكانة لا المكان، فيكون النبي ﷺ قد سألها عن المنزلة والرتبة في صدرها، كما يقال: أين فلان من فلان؟ وأين زيد منك؟ توسّعاً في الكلام، ولا يراد بذلك إلا الرتبة والمنزلة. ويقول الإنسان لصاحبه أين محلي منك؟ فيقول في السماء يريد أعلى محل!!! فجعلوا السؤال بأداة " أين " التى يستفهم بها عن المكان ممتنعاً في حق الله تعالى؛ لأنها لازمها إثبات الظرفية. (٢) وقد بيَّن ذلك ابن القيم في النونية: وتقول أين الله والأين فممتنع... عليه وليس في الإمكان لو قلت من كان الصواب كما ترى... في القبر يسأل ذلك الملكان أي: يقول الجهمي للرسول ﷺ إنك تقول أين الله؟ والأين ممتنع على الله تعالى ومحال، وليس بممكن، والصواب أن تقول: من الله؟ كما يسأل الملكان في القبر الميت فيقولان: من

стр. 636

ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ (١) . * وقد تصدى العلماء لهذا التحريف البيِّن لحديث النبي ﷺ : قال الذهبى: ففي الخبر -أى خبر الجارية - مسألتان: إحداهما شرعية، قول المسلم أين الله؟ وثانيهما: قول المسؤول " في السماء "، فمن أنكر هاتين المسألتين فإنما ينكر على المصطفى ﷺ . (٢) قال عبد الغني المقدسي: ومن أجهل جهلاً، وأسخف عقلاً، وأضل سبيلاً ممن يقول إنه لا يجوز أن يقال: أين الله، بعد تصريح صاحب الشريعة بقوله " أين الله "؟! (٣) ويقول محمد خليل هراس: هذا الحديث يتألق نصاعة ووضوحاً، وهو صاعقة على رؤوس أهل التعطيل، فقد امتحن الرسول ﷺ إيمانها، فكان السؤال الذي اختاره لهذا الامتحان هو (أين الله؟) ولما أجابت بأنه في السماء، رضي جوابها وشهد لها بالإيمان. ولو أنك قلت لمعطل: أين الله؟ لحكم عليك بالكفران. (٤) *وكذلك يقال: أما الظرفية في قول الجارية " في السماء " فليست مرادةً بإجماع العلماء، وإنّما معناها العلّو بالإجماع. فجوابها بأن الله تعالى " في السماء " أي: في العلّو - سبحانه

стр. 637

وتعالى -، لا بمعنى أن السَّماء تحويه وتحيط به، وهذا ضلال وكذب وافتراء، فالله لا يحيط به أي شيء. وقد ناقش شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ شبهة من يقول بأن السَّماء تحويه، وبيّن زيفها، فقال: من توهم أن كون الله في السَّماء بمعنى أن السَّماء تحيط به وتحويه فهو كاذب ضال، وما سمعنا أحداً يفهم هذا من اللّفظ، ولو سئل سائر المسلمين هل يفهمون من قول الله ورسوله: (إن الله في السَّماء) أن السَّماء تحويه؟ لبادر كل أحد منهم إلى أن يقول: هذا شيء لعلّه لم يخطر ببالنا. وقد علم المسلمون أن كرسيه وسع السموات والأرض، وأن الكرسي في العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وأن العرش خلق من مخلوقات الله لا نسبة له إلى قدرة الله وعظمته، فكيف يتوهم بعد هذا أن خلقاً يحصره ويحويه؟! وقد قال سبحانه: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١)﴾، وقال: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بمعنى (على)، ونحو ذلك، وهو كلام عربي حقيقة لا مجازاً، وهذا يعلمه من عرف حقائق معاني الحروف، وأنها متواطئة في الغالب لا مشتركة. (١) *قلت: ويؤيد هذا ما ورد في حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رضى الله عنهما- عَن النَّبِي ﷺ قال: " ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ " (٢) فكما وجب تأويل قوله " مَنْ فِي الأَرْضِ "أى: من على الأرض، فكذا يقال - ولابد - في قول النَّبِيّ- ﷺ " مَنْ فِي السَّمَاءِ ": أى من على السماء. . * ومن التحريف المعنوى كذلك: أن ما تكلم به الرّسول ﷺ في حديث الجارية إنما قاله على سبيل التّمثيل والتّقريب لعقول النّاس! فلمّا رسخت أقدامهم في الدّين؛ عرفوا الحقّ بأنفسهم!!!

стр. 638

* والجواب: هذا يلزم عليه: أنّ النّبيّ- ﷺ لم يُدْخِل النّاس في الدّين إلَّا بالكذب المحض ـ والعياذ بالله ـ! وأنّهم عرفوا الحقّ من عند أنفسهم، لا من الرسول ﷺ . وأنّ الرسول- ﷺ لم يُبيّن للنّاس ما نُزّل إليهم؛ بل غشّهم وكتم عنهم ما فيه هدى ونور لهم! فأيّ كفر أعظم، وأيّ مصيبة أطمّ، وأيّ ذنب أقبح، وأيّ بلاء على الإسلام والمسلمين أعمّ من هذا؟! ومن ذلك قولهم: إنّ الرّسول ﷺ أقرّ الجارية على قولها موافقة لها على عقلها؛ لأنّ عقلها يقصر عن معرفة أدِلّة النّظر! فيُقال لهم: هل أقرّها ﷺ على حقّ أم باطل؟ فإن كان الأوّل: فقد ارتفع النّزاع، ولزم أن تُجيبوا مَن سألكم بـ «أين الله؟» بقولكم: في السّماء، وتشهدون له بالإيمان، ونحن نراكم تُضلّلون وتكفّرون مَن سأل عن الله بـ «أين؟»، والمجيب له بأنّ: الله في السّماء. وإن كان الثّاني: لزمكم القول بما ألزمنا سابقًا من أنّه ﷺ كان يقرّ النّاس على الكفر! بل يتكلّم بما ظاهره كفر صراح من غير أن يؤوّله لهم! وهل الكفر الذي ما فوقه كفر إلَّا مثل هذا؟! وهل ثَمّ تنقيص لرتبة النّبيّ ﷺ أعظم ولا أحطّ قدرًا من هذا؟! (١) * ومما ورد في تحريف حديث الباب: أن حكمه ﷺ بالإيمان للجارية لما أشارت إلى السماء، فقد انكشف به أيضاً إذ ظهر أن لا سبيل للأخرس إلى تفهم علو المرتبة إلا بالإشارة إلى جهة العلو، وكان النبي- ﷺ يظن أنها من عبدة الأوثان فاستنطقت بمعبودها" فعرّفت بالإشارة إلى السماء أن معبودها ليس من الأصنام!! (٢) والجواب أن يقال: أولاً: ما ورد أن الجارية كانت خرساء، وأنها أجابت بالإشارة فهذا مما لا يصح سنده. ثانياً: أن النبي ﷺ سألها عن الله، ولم يسألها عن معبودها، ثم إن السؤال لو كان

стр. 639

عن المعبود فقط لكانت الإشارة-على فرض صحتها - إلى السماء غير كافية في الدلالة على الإيمان بالله، لأن في جهة العلو من عبد دون الله، كمن عبد الشمس أو القمر أو الملائكة. (١) * ومن تحريفهم في هذا الباب: قالوا: أن رفع الأيدي في الدعاء إلى السماء ليس دالاً على صفة العلو، إنما هو لكونها قبلة الدعاء، كما أن البيت قبلة الصلاة. كما أن رفع الأيدي إلى السماء معارض لوضع الجبهة على الأرض. (٢) * وجواب ذلك من وجوه: "الأول: إن القول بأن السماء قبلة الدعاء قول لم ينزل الله به سلطاناً، ولم يرد عن أحد من السلف، وهو من الأمور الشرعية الدينية التي لا يجوز أن تخفى عن الأمة وعلمائها. الثاني: أن هذا خلاف الثابت الصحيح أن قبلة الدعاء هي قبلة الصلاة، فإنه يستحب للداعي أن يستقبل القبلة، كما كان النبي ﷺ في مواطن كثيرة، ومن زعم أن للدعاء قبلة غير قبلة الصلاة فقد ابتدع بالدين وخالف جماعة المسلمين. (٣) * وأما القول بأن رفع الأيدي إلى السماء معارض لوضع الجبهة على الأرض. فالرد عليه من وجوه: ١ - الأول: أن وضع الجبهة على الأرض لم يتضمن قصدهم لأحد في السفل، بل السجود بها يعقل أنه تواضع وخضوع للمسجود له، لا طلب وقصد ممن هو في السفل، بخلاف رفع الأيدي إلى العلو عند الدعاء، فإنهم يقصدون به الطلب ممن هو في العلو. ٢ - الثانى: أن الواحد منهم إذا اجتهد في الدعاء حال سجوده يجد قلبه بقصد

стр. 640

العلو، مع أن وجهه يلي الأرض، بل كلما ازداد وجهه ذلاً وتواضعاً، ازداد قلبه قصداً للعلو، كما قال تعالى: ﴿واسجد واقترب﴾ [العلق: ١٩]. وقال النبي ﷺ : «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد». فعلم أنهم يفرقون بين توجه وجوههم في حال السجود إلى الأرض. وتوجيه القلوب في حال الدعاء إلى من في السماء. (١) * ومن شبهاتهم: قد جاء الوعيد في السنة الصحيحة في نهي المصلِّي عن النظر إلى السماء، فلو كان الله في جهة العلو لما ناسب ذلك ورود هذا النهى!! والجواب ما نص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية، قال ﵀: وليس نهي المصلي عن رفع بصره في الصلاة رداً على " أهل الإثبات " الذين يقولون: إنه على العرش كما يظنه بعض جهال الجهمية؛ فلو كان الأمر كذلك لكان النهي عن رفع البصر شاملاً لجميع أحوال العبد، وقد قال تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾، فليس العبد يُنهى عن رفع بصره مطلقاً، وإنما نهي في الوقت الذي يؤمر فيه بالخشوع؛ لأن خفض البصر من تمام الخشوع، كما قال تعالى: ﴿خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث﴾ وقال تعالى: ﴿وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي﴾. وأيضا فلو كان النهي عن رفع البصر إلى السماء وليس في السماء إله لكان لا فرق بين رفعه إلى السماء ورده إلى جميع الجهات. ولو كان مقصوده أن ينهى الناس أن يعتقدوا أن الله في السماء أو يقصدوا بقلوبهم التوجه إلى العلو لبيَّن لهم ذلك كما بيَّن لهم سائر الأحكام، فكيف وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا في قول سلف الأمة حرف واحد يذكر فيه أنه ليس الله فوق العرش، أو أنه ليس فوق السماء أو أنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا محايث له ولا

стр. 641

مباين له أو أنه لا يقصد العبد إذا دعاه العلو دون سائر الجهات؟! (١) * بل قد جعل الإمام ابن القيم هذا الحديث حجة على علو الله تعالى، فقال: اشتد نهي النبي ﷺ للمصلي أن يزيغ بصره إلى السماء وتوعدهم على ذلك بخطف أبصارهم؛ إذ هذا من كمال الأدب مع من المصلي واقف بين يديه بل ينبغي له أن يقف ناكس الرأس مطرقاً إلى الأرض، ولولا أن عظمة رب العالمين - سبحانه - فوق سماواته على عرشه، لم يكن فرق بين النظر إلى فوق أو إلى أسفل. (٢) * أضف إلى ذلك أن هذا الحديث الذى شغبوا به في هذه الشبهة من أحاديث الآحاد، فإما أن يكون صالحاً للدلالة في كل موطن، وهذا مما يخالف أصولهم، وإما أن يتركوا الاستدلال به مطلقاً، لا يستدلوا به إذا ما ظنوا أنه يوافق اعتقادهم، ويردوه إذا ظنوا خلاف ذلك. (٣) تم بحمد الله.

стр. 642

الحديث الثانى والعشرون: كشف الالتباس عن حديث أمرت أن أقاتل الناس

стр. 643

*نص الحديث: عن أَبَى هُرَيْرَةَ-رضى الله عنه- قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ، قَالَ عُمَرُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَوَاللهِ، مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ. *تخريج الحديث: أخرجه البخاري (٦٩٢٤) بَابُ: قَتْلِ مَنْ أَبَى قَبُولَ الفَرَائِضِ، وَمَا نُسِبُوا إِلَى الرِّدَّةِ. ومسلم (٢٠) بَابُ: الْأَمْرِ بِقِتَالِ النَّاسِ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ. وهو حديث متواتر كما قال نص على ذلك السيوطي في " الجامع الصغير "، والكتانى، فقد ورد عن تسعة عشر نفساً من الصحابة -رضى لله عنهم- بألفاظ متقاربة، بل قد رواه عن أبي هريرة -رضى الله عنه - وحده ثلاثون نفسًا. (١) * ومن الفوائد المتعلقة بحديث الباب: ١) الفائدة الأولى: قول أَبَى هُرَيْرَةَ- رضى الله عنه- قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَاسْتُخْلِفَ

стр. 644

أَبُو بَكْرٍ، ... من المسائل التى نشأ فيها الخلاف بين العلماء مسألة تنصيب أبى بكر الصديق - رضى الله عنه - للخلافة، هل كانت بالتنصيص عليها من النبي ﷺ ؟ أم كانت باختيار أهل الحل والعقد من صحابة النبي ﷺ ؟ ١) القول الأول: أن خلافة أبي بكر- ﵁ إنما ثبتت بالاستخلاف؛ وذلك لما ورد من الإشارات الدالة على ذلك، وممن قال بذلك: ابن حجر الهيتمي، والحسن البصري، وهو رواية عن أحمد، وهو قول الطبري، وابن حزم الظاهري، واستدلوا بما يلى: ١) قَوْله تَعَالَى ﴿قل للمخلفين من الْأَعْرَاب ستدعون إِلَى قوم أولي بَأْس شَدِيد تقاتلونهم أَو يسلمُونَ﴾ (الفتح/١٦) وقد استدل ابن أبي حاتم وابن قتيبة وغيرهما بهذه الآية على حجية خلافة الصديق رضى الله عنه؛ لأنه هو الذي دعا إلى قتالهم، بل نص ابن سريج على أن خلافة الصديق ثابتة في القرآن بهذه الآية. (١) ٢) عن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ -رضى الله عنه- قَالَ: أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ امْرَأَةٌ، فَكَلَّمَتْهُ فِي شَيْءٍ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِن جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ كَأَنَّهَا تُرِيدُ المَوْتَ - قَالَ: «إِنْ لَمْ تَجِدِينِي، فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ». (٢) ٣) وعن عائشة -رضى الله عنها- أن النَّبِيّ ﷺ قال: " لَقَدْ هَمَمْتُ - أَوْ أَرَدْتُ - أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ وَأَعْهَدَ: أَنْ يَقُولَ القَائِلُونَ - أَوْ يَتَمَنَّى المُتَمَنُّونَ - ثُمَّ قُلْتُ: يَأْبَى اللَّهُ وَيَدْفَعُ المُؤْمِنُونَ " (٣) وقوله: "أو يتمنى المتمنون". يريد - والله أعلم - تتمنوا غير خلافة أبي بكر. وقوله: أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَأَعْهَدَ: العهد بالخلافة، وهو ظاهر السياق. (٤)

стр. 645

٤) وعن عائشة -رضى الله عنها- قَالَتْ: لَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَأُذِّنَ فَقَالَ ﷺ : «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» (١) وفي حديث سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ رضى الله عنه: كَانَ قِتَالٌ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَتَاهُمْ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ قَالَ لِبِلَالٍ: "يَا بِلَالُ إِذَا حَضَرَ الْعَصْرُ وَلَمْ آتِ فَمُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ". (٢) وهذا ما استنبطه الفاروق عمربن الخطاب -رضى الله عنه- يوم السقيفة، كما روى عَبْدِ اللهِ بن عمر -رضى الله عنه-، قَالَ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَتِ الْأَنْصَارُ: مِنَّا أَمِيرٌ، وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ. فَأَتَاهُمْ عُمَرُ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَؤُمَّ النَّاسَ؟!! (٣) فاستدل بالإمامة الصغري على أحقية الصدِّيق- رضى الله عنه - بالإمامة الكبرى. قال الشافعى: وهذا وغيره صريح في إنابة النبي ﷺ أبا بكر في الصلاة وهي الإمامة الصغرى والإختيار لها اختيار للكبرى. (٤) *وقد سئل أحمد عن حديث النبي ﷺ : "مروا أبا بكرٍ فليصلِ بالناس"، أليس هو خلاف قوله ﷺ " يؤم القوم أقرؤهم "؟ فقال: " إنما أراد الخلافة ". (٥) ٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضى الله عنهما- قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ فِي هَذَا المَسْجِدِ، غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ» (٦) أما سد الخَوْخ فالمراد بها طاقات كانت في المسجد يستقربون الدخول منها،

стр. 646

فأمر بسدها إلا خوخة أبي بكر ﵁، وفي ذلك أشارة إلى استخلاف أبي بكررضي الله عنه؛ لأنَّ الخليفة يحتاج إلى المسجد كثيراً. (١) ٦) عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ عَلَيْهَا دَلْوٌ، فَنَزَعْتُ مِنْهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ فَنَزَعَ بِهَا ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ، وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ ضَعْفَهُ، ثُمَّ اسْتَحَالَتْ غَرْبًا، فَأَخَذَهَا ابْنُ الخَطَّابِ فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاسِ يَنْزِعُ نَزْعَ عُمَرَ، حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ» (٢) قال العلماء - ومنهم زين الدين العراقي والقاضى عياض والنووى والخطابي-: هذا الحديث إشارة إلى نيابة أبي بكر -رض الله عنه - وخلافته بعده. وقوله ﷺ : (فأخذها أبو بكر) ولم يقل: فأعطيتها؛ فإن ذلك يدل على أن هذا يكون بعد موت النبي ﷺ ، وأنه لا يأخذها عن وصية صريحة؛ إذ لو كان ذلك لكان يقول: فناولتها إياه أو أعطيتها إياه. (٣) ٢ - القول الثاني: أن تنصيب أبي بكر ﵁ إنما عُقد باختيار أهل الحل والعقد له، وذلك في سقيفة بني ساعدة، وهذا الذي عليه جمهور أهل العلماء، وهو قول المعتزلة، والخوارج وأدلتهم على ذلك: ١) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قِيلَ لِعُمَرَ أَلَا تَسْتَخْلِفُ؟ قَالَ: «إِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدِ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي أَبُو بَكْرٍ، وَإِنْ أَتْرُكْ فَقَدْ تَرَكَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ». (٤) ووجه الدلالة: نص عمر -رضى الله عنه-أن النبي ﷺ لم يستخلف أبا بكررضى الله عنه.

стр. 647

٢) قال ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ سَمِعْتُ عَائِشَةَ-رضى الله عنها- وَسُئِلَتْ: " مَنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُسْتَخْلِفًا لَوِ اسْتَخْلَفَهُ؟ قَالَتْ: أَبُو بَكْرٍ، فَقِيلَ لَهَا: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَتْ: عُمَرُ، ثُمَّ قِيلَ لَهَا مَنْ؟ بَعْدَ عُمَرَ، قَالَتْ: أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، ثُمَّ انْتَهَتْ إِلَى هَذَا. (١) قال النووي: هذا فيه دلالة لمذهب أهل السنة أن خلافة أبي بكر -رضى الله عنه- ليست بنص من رسول الله ﷺ على خلافته صريحاً، بل أجمعت الصحابة ﵃ على عقد الخلافة له وتقديمه لفضيلته، ولو كان هناك نص عليه أو على غيره لم تقع المنازعة من الأنصار وغيرهم. (٢) * الترجيح: بعد استعراض المذهبين نستطيع أن نقرر ما يلي: ١ - لم يأت نص صريح عن النبي ﷺ في التنصيص على خلافة الصديق رضى الله عنه، وهذا بالإجماع الذي نقله النووي، بل ورد النص فى ذلك عاماً، كما في قوله ﷺ : (الْأُمَرَاءُ مِنْ قُرَيْشٍ) (٣) وهو قول جمهور الصحابة رضى الله عنهم، والعلماء من بعدهم. ٢ - الراجح - والله أعلم - أن أبا بكر ﵁ تولَّي الخلافة باختيار أهل الحل والعقد، ذلك الاختيار الذى قد قام بناءً على إشارات نبوية تزكِّى هذا الاختيار، تلك الإشارات التى تم ذكرها عند سرد أدلة القول الأول. وهى إشارات لها دلالات لا تغيب عن فهم أولى الألباب من صحابة النبي ﷺ . * ومما يؤيد ذلك: قول عمربن الخطاب -رضى الله عنه- وهو يحكى ما وقع يوم السقيفة: " فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَكَانَ مما قال: وَقَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، فَبَايِعُوا أَيَّهُمَا شِئْتُمْ، فَأَخَذَ بِيَدِي وَبِيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرَّاحِ " (٤) فإنه لو كان ثمة تنصيص سابق واستخلاف لأبي بكر ﵁ لما فعل ذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية معلقاً على حديث «لقد هممتُ أن أرسلَ إلى أبي بكرٍ

стр. 648

وأَعهَدُ....»: " فبيَّن ﷺ أنه يريد أن يكتب كتابا خوفاً، ثم علم أن الأمر واضح ظاهر ليس مما يقبل النزاع فيه، فلا يتنازعون في هذا الأمر الواضح الجلي، فإن النزاع إنما يكون لخفاء العلم أو لسوء القصد، وكلا الأمرين منتفٍ، فإن العلم بفضيلة أبي بكر جلي، وسوء القصد لا يقع من جمهورالأمة الذين هم أفضل القرون، فترك ذلك لعلمه بأن ظهورفضيلة أبي بكرالصديق واستحقاقه لهذا الأمر يغني عن العهد فلا يحتاج إليه " * وقال ﵀: فخلافة أبي بكر الصديق دلت النصوص الصحيحة على صحتها وثبوتها ورضا الله ورسول الله ﷺ له بها، وانعقدت بمبايعة المسلمين له واختيارهم إياه اختياراً استندوا فيه إلى ما علموه من تفضيل الله ورسوله، وأنه أحقهم بهذا الأمر عند الله ورسوله، فصارت ثابتة بالنص والإجماع جميعا. (١) * عودٌ إلى حديث الباب: ٢ - الفائدة الثانية: قد ورد في روايات الصحيحين من قوله ﷺ ، قَالَ: " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، ... " مقتصراً على شهادة ألا إله إلا الله، حتى قال البغوي: الكافر إذا كان وثنياً أو ثنوياً لا يقر بالوحدانية، فإذا قال لا إله إلا الله حكم بإسلامه، ثم يجبر على قبول جميع أحكام الإسلام، وأما من كان مقراً بالوحدانية منكراً للنبوة فإنه لا يحكم بإسلامه حتى يقول محمد رسول الله!! (٢) * وجواب ذلك من وجوه: ١ - أن الحديث في صحيحي البخاري ومسلم في كتاب الإيمان من كل منهما من رواية بن عمر بلفظ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فيكون الاقتصار فى بعض الرويات على نصف الشهادة لأمور:

стр. 649

أ) يكون اختصاراً من بعض الرواة. ب) أن الاقتصار على شهادة " ألا إله إلا الله "على إرادة الشهادتين معاً لكونها صارت علماً على ذلك ولتلازم الشهادتين شرعاً، فقد جُعِلتا خصلة واحدة، واقتصر في رواية على إحدى الشهادتين اكتفاء. (١) ٢ - أن المخاطب بشهادة «ألا إله إلاَّ الله» إنما هم أهل عبادة الأوثان، دون أهل الكتاب، لأن أهل الكتاب يقولون: ... «لا إله إلاَّ الله» ويقرون بالتوحيد، ومع ذلك فلا يكتفى في عصمتهم بقول: «لا إله إلاَّ الله» إذ كانوا يقولونها حال كفرهم، حتى يضم إليها شهادة " أن محمداً رسول الله " قال تعالى (وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا) (الفتح/١٣) *وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه- عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ... ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ". (٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتفاق جميع المسلمين أن من سوَّغ اتباع غير دين الإسلام أو اتباع شريعة غير شريعة محمد ﷺ فهو كافر. (٣) وقال القاضي عياض: اختصاص عصمة المال والنفس بمن قال: "لا إله إلا الله" تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد بذلك مشركو العرب وأهل الأوثان، فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد، فلا يكتفى في عصمته بقول: "لا إله إلا الله"؛ إذ كان يقولها في كفره. (٤)

стр. 650

وقد نقل النووي الإجماع على ذلك فقال: اتفق أهل السنة من المحدثين، والفقهاء، والمتكلمين على أن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة، ولا يخلد في النار لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقادًا جازمًا خاليًا من الشكوك، ونطق بالشهادتين، فإن اقتصر على إحداهما لم يكن من أهل القبلة أصلًا، إلا إذا عجز عن النطق لخلل في لسانه. (١) ٣ - الفائدة الثالثة: قَولَ أَبُو بَكْرٍ رضى الله عنه: " وَاللهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ... " وقد وقعت الشبهة لعمر ﵁، فراجع أبا بكر ﵁ واحتج عليه بقول النبي ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم نفسه وماله إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ " وكان هذا من عمر ﵁ تعلقاً بظاهر الكلام قبل أن ينظر في آخره ويتأمل شرائطه، فقال له أبو بكر ﵁ " إن الزكاة حق المال "، يريد أن القضية قد تضمنت عصمة دم ومال معلقة بإيفاء شرائطها، والحكم المعلَّق بشرطين لا يحصل بأحدهما والآخر معدوم، ثم قايسه بالصلاة ورد الزكاة إليها. وكان في ذلك من قوله دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعاً من الصحابة، وكذلك رد المختلف فيه إلى المتفق عليه، فاجتمع في هذه القضية الاحتجاج من - عمر ﵁ بالعموم، ومن أبي بكر ﵁ بالقياس، ودل ذلك على أن العموم يُخص بالقياس. (٢) * قد ورد في رواية لحديث الباب عن ابْنِ عُمَرَ وأبي هريرة وأنس-رضى الله عنهم- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا

стр. 651

رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، ....» (١) * إشكال: استبعد قوم صحة هذه الرواية بدعوى أنها لو كانت صحيحة لاحتج بها أبوبكر- رضى الله عنه- على عمر-رضى الله عنه- لمَّا استدل عمر بعموم قوله صلى الله عليه سلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله... " * والجواب: أن رواة هذه الزيادة قد ذكروها في مجلس آخر؛ فإن عمر ﵁ لو سمع ذلك لما خالف، ولما كان احتج بالحديث؛ فإنه بهذه الزيادة حجة عليه ولو سمع أبو بكر ﵁ هذه الزيادة لاحتج بها، ولما احتج بالقياس والعموم. كما أنه لا يلزم من كون الحديث المذكور عند ابن عمر-رضى الله عنهما- أو غيره أن يكون استحضره في تلك الحالة، ولو كان مستحضراً له فقد يحتمل أن لا يكون حضر المناظرة المذكورة، ولا يمتنع أن يكون ذكره لهما بعد. (٢) قال ابن حجر: وفي القصة دليل على أن السنة قد تخفى على بعض أكابر الصحابة، ويطلع عليها آحادهم ولهذا لا يلتفت إلى الآراء ولو قويت مع وجود سنة تخالفها، ولا يقال كيف خفي ذا على فلان، والله الموفق. (٣) *تنبيه: ما روى من حديث أنس -رضى الله عنه - أن أبا بَكْرٍ- ﵁ قد استدل على عمر -رضى الله عنه - بقوله ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ...» (٤)، فهذا مما لم يصح سنده، وإن كانت هذه الرواية صحيحة، لكنها ما وردت في مناظرة أبي بكر لعمر رض الله عنهما. فالمشهور أن أبابكر-رضى الله عنه- إنما استدل على عمر -رضى الله عنه- بالقياس، وبعموم قوله ﷺ : " إلا بحقها ".

стр. 652

* وقد أورد ابن رجب هذا الإشكال ونبه إلى أن هناك خطأ في هذه الروايات، وقال: "ولكن هذه الرواية أيضًا أخطأ فيها عمران القطان إسنادًا ومتنًا، قاله أئمة الحفاظ، منهم علي بن المديني، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والترمذي، والنسائي، ولم يكن هذا الحديث عن النبي ﷺ بهذا اللفظ عند أبي بكر، وإنما قال أبو بكر: " والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال "، وهذا أخذه -والله أعلم- من قوله في الحديث: " إلا بحقها ". (١) * شبهة وجوابها: قد زعم زاعمون من الرافضة أن أبا بكر ﵁ فى قتاله لمانعى الزكاة قد سبى المسلمين، وأن القوم كانوا متأولين في منع الصدقة!!! والجواب: لا بد أن يُعلم أن الذين قاتلهم أبو بكر ﵁ كانوا صنفين: ١) الصنف الأول: ارتدوا عن الدين ونابذوا الملة وعادوا إلى الكفر، وهم الذين عناهم أبو هريرة ﵁ بقوله: " وكفر من كفر من العرب "، وسمَّاهم الصحابة -رضى الله عنهم- كفاراً، وهذه الفرقة طائفتان إحداهما: أ) أصحاب مسيلمة من بني حنيفة وغيرهم الذين صدَّقوه على دعواه في النبوة وأصحاب الأسود العنسي، وهؤلاء بأسرهم منكرون لنبوة النبي محمد ﷺ ، فقاتلهم أبو بكر ﵁. ب) الطائفة الأخرى: ارتدوا عن الدين وأنكروا الشرائع وتركوا الصلاة والزكاة وغيرها من أمور الدين، وعادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية. وهؤلاء هم الذين رأى أبو بكر ﵁ سبي نساءهم وذراريهم، وكان ذلك اجتهاداً منه، وقد ساعده على ذلك أكثر الصحابة رضى الله عنهم. فلما ولي عمر -رضى الله عنه- بعده رأى أن يرد ذراريهم ونساءهم إلى عشائرهم، وفداهم وأطلق سبيلهم، وذلك أيضا بمحضر الصحابة -رضى الله عنهم- من غير نكير، ثم لم ينقض عصر الصحابة ﵃ حتى أجمعوا على أن المرتد لا يسبى.

стр. 653

٢) الصنف الثاني: هم الذين فرَّقوا بين الصلاة والزكاة، فأقروا بالصلاة وأنكروا وجوب أداء الزكاة إلى الإمام بعد وفاة النبي محمد ﷺ ، وقد كانوا في ذلك متأولين أن قوله تعالى﴾ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) خطاب خاص للنبي ﷺ دون غيره، وأنه مقيد بشرائط لا توجد فيمن سواه؛ وذلك أنه ليس لاحد من التطهير والتزكية والصلاة على المتصدق ما للنبي ﷺ ، وفي أمر هؤلاء عرض الخلاف ووقعت الشبهة لعمر ﵁. فأما هؤلاء فهم مقيمون على أصل الدين وهم أهل بغي، ولم يسمُّوا على الانفراد كفاراً، وإن كانت الردة قد أضيفت إليهم لمشاركتهم المرتدين في منع بعض ما منعوه من حقوق الدين؛ وذلك أن الردة اسم لغوي وكل من انصرف عن أمر كان مقبلاً إليه فقد ارتد عنه. (١) قال الخطابي: واتفقوا على أن أبا بكر -رضى الله عنه- لم يسب ذراري مانعي الزكاة، إلا في شيء روي عن بعض الروافض ولا يعتد بخلافهم. وهم قوم لا خلاق لهم في الدين، وإنما رأس مالهم البهت والتكذيب والوقيعة في السلف. (٢) * وعليه يقال: أن حديث الباب يعد أحد أدلة العذر بالجهل؛ فقد ذكرنا قريباً أنهم قد كانوا في ذلك متأولين أن قوله تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ....) خطاب خاص للنبي ﷺ دون غيره. فلم يحكم الصحابة -رضى الله عنهم-عليهم بالردة، ولا عاملوهم معاملة المرتدين لهذه الشبهة. (٣)

стр. 654

* فإن قيل: أرأيت إن أنكرت طائفة من أهل المسلمين في زماننا فرض الزكاة، وامتنعوا من أدائها إلى الإمام، هل يكون حكمهم حكم أهل البغي؟؟ * فالجواب: لا، فإن من أنكر فرض الزكاة في هذا الزمان كان كافراً بإجماع المسلمين، والفرق بين هؤلاء وبين أولئك القوم: أنهم إنما عُذروا فيما كان منهم حتى صار قتال المسلمين إياهم لأسباب وأمور لا يحدث مثلها في هذا الزمان، منها قرب العهد بزمان الشريعه التي كان يقع فيها تبديل الأحكام، ومنها وقوع الفترة بموت النبي ﷺ ، وكان القوم جهالاً بأمور الدين، وكان عهدهم حديثاً بالإسلام فتداخلتهم الشبهة فعُذروا. فأما اليوم فقد شاع دين الإسلام واستفاض علم وجوب الزكاة حتى عرفه الخاص والعام واشترك فيه العالم والجاهل، فلا يعذر أحد بتأويل يتأوله في إنكارها، إلاّ أن يكون رجل حديث عهد بالإسلام لا يعرف حدوده، فإذا أنكر شيئا منه جهلاً به لم يكفر، وكان سبيله سبيل أولئك القوم في تبقية اسم الدين عليه. (١) * ومن الفوائد المتعلقة بحديث الباب: ٤ - الفائدة الرابعة: أن الإيمان قول وعمل: ففي حديث الباب الرد على المرجئة حيث زعموا أن الإيمان لا يحتاج إلى الأعمال، لذا فقد روى الإمام البخاري هذا الحديث في عدة أبواب منها باب الإيمان. فلو لم يكن العمل من الإيمان لما أجمع الصحابة -رضى الله عنهم- على قتال تاركي الصلاة، ومن بعدها على قتال مانعى الزكاة. * وكذلك فحديث الباب رد على دعوى الأشاعرة أن الإيمان هو التصديق، وأنه لا يشترط قول اللسان إلا لإجراء الأحكام الدنيوية، من التوارث والتناكح والصلاة خلفه وعليه ودفنه في مقابر المسلمين. (٢)

стр. 655

فقوله ﷺ : " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ.. " يبطل هذه الدعوى؛ فقد علَّق الرسول ﷺ عصمة الدم والمال على النطق بالشهادتين. * فالذى دل عليه الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة أن مسمَّى الإيمان إنما يطلق على ثلاث خصال مجتمعة، لا تجزئ واحدة منهم عن الآخرين، وهذه الأمور الثلاثة جامعة لدين الإسلام وهي: (اعتقاد القلب، إقرار اللسان، عمل الجوارح). * ولو أردنا أن نضرب مثلاً لتقريب الفهم في هذه المسألة نقول: أركان الإيمان كأركان الصلاة؛ فالصلاة: " نية محلها القلب ونطق بتكبيرة الإحرام، وعمل بالجوارح حال الركوع والسجود "، فمن نوى بقلبه دون أن ينطق بتكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته ولم تصح، ومن نوى بقلبه ونطق بتكبيرة الإحرام دون أن يركع أو يسجد لم تصح صلاته، وهكذا حال من صدَّق دون أن ينطق، وكذلك حال من صدَّق ونطق دون أن يعمل بجوارحه خيراً قط، فتأمل. * ومن الفوائد المتعلقة بحديث الباب: ٥ - الفائدة الخامسة: فيه دلالة على ما اتفق عليه جماهير أهل العلم لو أن طائفة مسلمة ملتزمة بالشهادتين قد امتنعت عن التزام شريعة من شرائع الإسلام فإنها تقاتل على ذلك، وقد دل على ذلك أدلة الكتاب والسنة والإجماع والقياس: أ) أما الكتاب: قال تعالى ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] فقد أمر الله - تعالى - بقتلهم وحصرهم، والقعود لهم كل مرصد، إلى أن يتوبوا من الشرك، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، وإقامة شعائر الدين. ب) وأما السنة: ما قد ورد في حديث الباب في رواية ابْنِ عُمَرَ وأبي هريرة

стр. 656

وأنس -رضى الله عنهم - من قوله ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ...... وورد في حديث جبريل ﵇-لما سأل النبي ﷺ عن الإسلام، قال ﷺ : «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً» (١) فهذا تفسير رسول الله ﷺ للإسلام، فهو جملة من الشعائر التى ينبنى عليها الحكم للمرء بالإسلام. ج) وأما الإجماع: فقد أجمع الصحابة - رضى الله عنهم- على قتال مانعى الزكاة، فلم يختلف في ذلك منهم اثنان، إلاَّ ما كان من عمر -رضى الله عنه- حتى رجع إلى الحق. د) وأما القياس: قول أَبى بَكْرٍ الصديق رضى الله عنه: " وَاللهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ.. " ثم قايسه بالصلاة ورد الزكاة إليها ففي قوله هذا - رضى الله عنه- دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعاً من الصحابة رضى الله عنهم، ثم قايسه بالصلاة ورد الزكاة إليها، وكذلك رد المختلف فيه إلى المتفق عليه. * قال شيخ الإسلام ابن تيمية لما سئل عن قتال التتار: كل طائفة ممتنعة عن التزام شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين وملتزمين ببعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر والصحابة ﵃ مانعي الزكاة، واتفق الصحابة ﵃ على القتال على حقوق الإسلام عملاً بالكتاب والسنة. وقال ﵀: فأيما طائفة امتنعت من بعض الصلوات المفروضات أو الصيام أو الحج أو غير ذلك من واجبات الدين ومحرماته فإنها تقاتل عليها، وإن كانت مقرة بها. وهذا ما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء. (٢) قال ابن العربي: قد اتفقت الأمة على أن من يفعل المعصية يحارب، كما لو اتفق

стр. 657

أهل بلد على العمل بالربا، وعلى ترك الجمعة والجماعة. (١) * وهنا أمور مهمة: ١) في حديث الباب ردٌ لدعوى القبوريين أنهم يقولون " لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وأنهم أقاموا الصلاة وأتوا الزكاة " فيجب الكف عنهم!! * نقول: وهذا كلام بيِّن البطلان؛ فقوله ﷺ : " فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ "، فحق "لا إله إلا الله" يوجب على المسلم الإتيان بشروطها وتجنب نواقضها، فهؤلاء القبوريون وإن شهدوا الشهادتين وصلوا وزكوا، فما حققوا شروط " لا إله إلا الله "، ولا اجتنبوا نواقضها. * ثم يقال: ليس ثمة فرق بين العكوف على صنم والعكوف على قبر، اختلفت الأسماء والدعوى واحدة (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) (الزمر: ٣) وكم يقع عند قبور الأولياء من صنوف الشرك الذى بُعث النبي ﷺ لمحوها والتحذير منها. لذا فإن احتجاج هؤلاء الأدعياء بالأحاديث الآمرة بالكف عمن قال: لا إله إلا الله، منقوض بالأحاديث التي تدل على وجوب الكف عمن قالها إلا أن يتبين منه ما يناقض تلك الكلمة، كدعاء غير الله تعالى، والاستغاثة بالأولياء، والنذر لهم، وغير ذلك فقد قال ﷺ (من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يُعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله). فدل ذلك على أن صحة " شهادة ألا إله إلا الله " إنما تنبني على الكفر والبراءة مما يعبد من دون الله تعالى، وأنه لا يكتفي بمجرد النطق بلا إله إلا الله. * كذلك فقوله ﷺ : " وكفر بما يُعبد من دون الله.... ": تملي على المسلم البراءة من كل ملة تخالف ملة الإسلام، وعليه فمن سوَّغ للناس اتباع شريعة غير شريعة الإسلام، أو اتباع رسول غير النبي محمد ﷺ فهذا كافر، وإن كان ينطق الشهادتين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتفاق

стр. 658

جميع المسلمين أن من سوَّغ اتباع غير دين الإسلام أو اتباع شريعة غير شريعة محمد ﷺ فهو كافر. (١) وأما من ادعى أن من قال: لا إله إلا الله، فإنه لا يجوز قتله وإن فعل أي ذنب، ولا قتال الطائفة الممتنعة إذا قالوا هذه الكلمة، فهذا قول مخالف للكتاب والسنة، والإجماع؛ ولو طرد هذا القائل أصله، لكان كافرا بلا شك. (٢) * ومن الفوائد المتعلقة بحديث الباب: ٦ - الفائدة السادسة: قوله ﷺ : " فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ " فقوله: " وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ ": فيه أن الأحكام الشرعية يتم إجراؤها على الظاهر، فمن قال وعمل فله ما للمسلمين، وعليه ما عليهم، وأما أمر السرائر فمرجعه إلى الله تعالى. قال أبوالعباس ابن تيمية معلقاً على حديث الباب: قبول الإسلام الظاهر يجري على صاحبه أحكام الإسلام الظاهرة: مثل عصمة الدم، والمال، والمناكحة، والموروثة، ونحو ذلك، وهذا يكفي فيه مجرد الإقرار الظاهر، وإن لم يُعلم ما في باطن الإنسان. (٣) قال ابن رجب: وقوله ﷺ : «وحسابه على الله »: يعني أن الشهادتين مع إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة تعصم دم صاحبها وماله في الدنيا، إلا أن يأتي ما يبيح دمه، وأما في الآخرة، فحسابه على الله ، فإن كان صادقاً، أدخله الله بذلك الجنة، وإن كان كاذباً، فإنه من جملة المنافقين في الدرك الأسفل من النار. (٤) * وورد في حديث أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - رضى الله عنه- قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَرِيَّة، فَأَدْرَكْتُ رَجُلًا فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَطَعَنْتُهُ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ،

стр. 659

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَقَتَلْتَهُ؟» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلَاحِ، قَالَ: «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا؟! فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ. (١) قال النووي معقباً على حديث أُسَامَةَ رضى الله عنه: فيه دليل على القاعدة المعروفة في الفقه والأصول " أن الأحكام فيها بالظاهر، والله يتولى السرائر "، وقوله ﷺ : " أفلا شققتَ عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟! " المعنى: أنك إنما كُلفت بالعمل بالظاهر وما ينطق به اللسان، وأما القلب فليس لك طريق إلى معرفة ما فيه. (٢) فلا يقال بتكفير مسلم بزعم سوء نيته وخبث طويته، بل يقبل منه ما ادَّعى، ونولِّه ما تولى، والله يتولى حسابه في الآخرة. * وتأملوا في الفرق بين إنكارالنبي ﷺ على أسامة -رضى الله عنه- فيما فعل، وإقراره ﷺ لعمر بن الخطاب - رضى الله عنه - لما قال عن حاطب: " دعني أضرب عنق هذا المنافق " (٣). فتبين بذلك أن من نطق الشهادتين فهو على إسلامه عملاً بظواهر الأحوال، ما لم يُظهر خلاف ذلك، فإن قالها ثم أظهر ما يناقضها بقول أو فعل لم تنفعه، كما في حديث حاطب رضى الله عنه، وإنما جاء الاستثناء في شأن حاطب - رضى الله عنه - لأمرين: ١) أنه ما فعل ذلك نِفَاقًا وَلَا ارْتِدَادًا، بل كان متأولًا صادق النية؛ ولذلك فقد عفا الله -تعالى- عنه. ٢) كونه بدرياً. * وعن ابْنُ عَبَّاسٍ-رضى الله عنهما- أن رَسُول اللهِ ﷺ -قال: " مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ ". (٤)

стр. 660

قال ابن حجر: وقوله " من بدل ": هو عام تخص منه من بدله في الباطن ولم يثبت عليه ذلك في الظاهر، فإنه تجري عليه أحكام الظاهر، ... وكلهم أجمعوا على أن أحكام الدنيا على الظاهر والله يتولى السرائر. (١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فلم يكن ﷺ يصلِّي على المنافقين ولا يستغفر لهم، ولكن دماءهمْ وأموالهم معصومة لا يستحل منهم ما يستحله من الكفار، وكان حكمه ﷺ في دمائهم وأموالهم كحكمه في دماء غيرهم، لا يستحل منها شيئًا إلا بأمر ظاهر، مع أنه كان يعلم نفاق كثير منهم، وفيهم من لم يكن يعلم نفاقه. (٢) * إشكال في الختام: قالوا: حديث الباب يفيد ظاهره قتال الناس لإكراههم على الدخول في دين الإسلام، وهذا مخالف في الحقيقة لقوله تعالى (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (البقرة/٢٥٦)، وقوله تعالى (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (يونس/٩٩)!! * والجواب أن يقال: ١) أما دعواهم أن ظاهر الحديث يفيد إكراه الناس على دخول الدين، فهذا نظر قاصر لأدلة الشرع، فلا ينبغي لمتسرع في قلبه زيغ ضال وداء عضال أن يصدر الأحكام دون تثبت. ففي حديث الباب إجمال قد وضحته الأدلة الأخرى من الكتاب والسنة، قال تعالى (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة/٢٩) وفي حديث بُرَيْدَةَ الأسلمى - رضى الله عنه- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ

стр. 661

قَالَ: .... وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَقَاتِلْهُمْ. (١) * فيتضح من ذلك أن المشرك لا يُكره على الدخول في دين الإسلام، فعزة هذا الدين تأبى ذلك، وأن قتال المشركين المذكور في حديث الباب ليس رأس الأمر، وإنما هى دعوتهم إلى الإسلام بلا إكراه، فإن أبوا فُرضت عليهم الجزية، فإن أبوا كان الخيار الثالث وهو الأمر بقتالهم، وليس قتلهم، وفارق بين القتال الذى يراد من وراءه الإذعان، والقتل الذى يراد من وراءه الإبادة. (٢) * ولذلك فلما ضرب علماء الأصول أمثلة لتخصيص السنة بالكتاب، قالوا: عموم قوله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) خُص بقوله تعالى: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) [التوبة: ٢٩]. * وأما ما ادَّعاه الانهزاميون - الذين جعلوا الدين وكأنه سوأة يوارونها عن أعين الناظرين - أن القتال المذكور في حديث الباب إنما كان خاصاً بمشركي العرب الذين اضطهدوا النبي- ﷺ وأصحابه -رضى الله عنهم- وحاربوا الدعوة فى مهدها الأول، فلا شك في بطلان هذا الإدعاء. فقد قال تعالى (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لله) [البقرة/ ١٩٣] قال القرطبي: قوله تعالى: " وقاتلوهم" أمر بالقتال لكل مشرك في كل موضع، على من رآها ناسخة. ومن رآها غير ناسخة قال: المعنى قاتلوا هؤلاء الذين قال الله فيهم: " فإن

стр. 662

قاتلوكم"، والأول أظهر، وهو أمر بقتال مطلق، لا بشرط أن يبدأ الكفار. دليل ذلك قوله تعالى: " ويكون الدين لله". (١) فتبين أن العلة من تشريع القتال إنما هو نشر الدين، قال تعالى (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [التوبة: ٣٣] * ثم يقال: قد أبطلتم بزعمكم المفترى ضرباً من ضروب الجهاد الذى ثبتت مشروعيته بالكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة، وهو جهاد الطلب، والذى ترتبت عليه الفتوحات الإسلامية، وهوالذي يهدف إلى حماية حرية نشر الدعوة وإزالة العوائق أمامها، دون إكراه لأحد، كما يهدف إلى الدفاع عن المستضعفين والمضطهدين بالأرض الذين يحال بينهم وبين دين الحق، وذلك وفق ضوابط وشروط حددها الفقهاء تحقيقاً للمصلحة ودرءاً للمفسدة. قال تعالى (مَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا) (النساء/٧٥). * فلو كان الأمر كما زعمتم من حصر القتال على مشركى العرب من قريش لما منَّ الله -تعالى- علينا وعليكم بنعمة دين الإسلام، وإلا لظللتم على ملة الكفر والفسوق والعصيان. ووالله الذى لا إله إلا هو إن أعظم الناس بلاءً وأشدهم خسارة بضعف شوكة المسلمين في هذا الزمان لهم الكافرون، وياليت القوم يعلمون. تم بحمد الله تعالى.

стр. 663

الحديث الثالث والعشرون: فتح البصير في بيان ما توسل به الضرير

стр. 664

*نص الحديث: عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ البَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي قَالَ: "إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ، وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ". قَالَ: لَا بَلْ ادْعُ اللَّهَ لِي. " فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ، وَأَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، وَأَنْ يَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ فَتَقْضِي، وَتُشَفِّعُنِي فِيهِ، وَتُشَفِّعُهُ فِيَّ " فَفَعَلَ الرَّجُلُ، فَبَرَأَ. * تخريج الحديث: أخرجه أحمد (١٧٢٤١) والترمذى (٣٥٧٨) والحاكم (١١٨٠) وابن خزيمه (١٢١٩)، واللفظ لأحمد. قال الترمذى: هذا حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي. وقال الطبراني بعد ذكر طرقه في " المعجم الصغير ": " والحديث صحيح "، ونقله عنه المنذري في " الترغيب " (٣/ ٦٧). وقد صححه أيضاً البيهقي وأبو عبد الله المقدسي، وقد ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في " مجموع الفتاوى " (١/ ٢٦٥ وما بعدها) محتجاً به على مشروعية التوسل بدعاء النبي ﷺ وشفاعته. وقال البيهقي: "ورويناه في كتاب الدعوات بإسناد صحيح عن روح بن عبادة عن شبعة".. قال شعيب الأرنؤوط: " إسناده صحيح، رجاله ثقات ". وصححه

стр. 665

الألبانى في صحيح الجامع (١٢٧٩)، وفي صحيح الترمذي برقم (٢٨٣٢). (١) *أولاً: المعنى العام لحديث الباب: يروي الصاحب الجليل عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ البَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي، ..... فأراد هذا الرجل الضرير من النبي ﷺ أن يدعو له الله -تعالى- أن يرد إليه بصره. فقالَ ﷺ : "إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ، وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ". والمعنى: أن النبي ﷺ قد خيَّره بين أمرين، أحدهما فاضل، والآخر مفضول: * فأما المفضول: فأن يدعو له النبي ﷺ -برد بصره، فيتعجل رفع البلاء في الحياة الدنيا. * وأما الفاضل: فهو الصبر على هذا البلاء، الذى هو فقد البصر، فلاشك في فضيلة الصبر على هذا البلاء، كما وردت النصوص الدالة على ذلك، ففي حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ قَالَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ، عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الجَنَّةَ " يُرِيدُ: عَيْنَيْهِ. (٢) وفي روايه أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " يَقُولُ الله: يا ابن آدم! أَخَذْتُ كَرِيمَتَيْكَ.

стр. 666

فَصَبَرْتَ عِنْدَ الصَّدْمَةِ وَاحْتَسَبْتَ، لَمْ أَرْضَ لَكَ ثَوَابًا دُونَ الْجَنَّةِ". (١) * نعود فنقول: أن الرجل لما خيَّره الرسول ﷺ بين الصبر على هذا البلاء لتكون له البشارة بالجنة، أو تعجيل إجابة الدعاء له برد بصره، فقد اختار الأمر الثاني، وهو أن يدعو له النبي ﷺ برد البصر؛ لذا أمره ﷺ يتوضأ، وأن يصلي ركعتين، وأن يدعو بهذا الدعاء: " اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد ﷺ نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضي، وتشفعني فيه، وتشفعه فيَّ ". وهذا في حقيقته توسل من هذا الرجل إلى الله -تعالى- بدعاء الرسول ﷺ وهذا يجرنا إلى الفائدة الثانية. *أهم الفوائد المستنبطة من حديث الباب: الفائدة الأولى: أقسام التوسل: ينقسم التوسل إلى أقسام ثلاثة:﴾ مشروع، محذور، مختلف فيه ﴿أولاً: التوسل المشروع وأقسامه: لا شك أن الشرع قد رغَّب في اتخاذ السبل التى تقرب العبد من ربه، قال تعالى (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (المائدة/٣٥)، وقال عزوجل مبيِّناً حال عباده الصادقين (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ) (الإسراء/٥٧)، وقد أبانت أدلة الشرع أنواع التوسل المشروع، وهى كما يلى: الأول: التوسل بأسماء الله -تعالى- وصفاته وأفعاله: ومن أدلة هذا القسم من القرآن: ما حكاه الله-تعالى- عن سليمان ﵇ في قوله (ربِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) (النمل/١٩) فقد توسل ﵇ في دعائه بصفة من صفات الله تعالى، وهي صفة الرحمة.

стр. 667

*ومن أدلة السنة: وعن مِحْجَنَ بْنِ الْأَدْرَعِ -رضى الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، إِذَا رَجُلٌ قَدْ قَضَى صَلَاتَهُ وَهُوَ يَتَشَهَّدُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ يَا أَللَّهُ بِأَنَّكَ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ ". (١) * وعن أنس ﵁ أَنّ النبي ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَدْعُو: " اللَّهُمَّ! إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الْمَنَّانُ، بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ! يَا قَيُّومُ! ". فَقَالَ ﷺ : «لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ». (٢) * وعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا، كَالسُّورَةِ مِنَ القُرْآنِ: " إِذَا هَمَّ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، ... (٣) فهذا تبرؤ إلى الله من العلم والحول والقوة، وتوسل إليه سبحانه بصفاته التي هي أحب ما توسل إليه بها المتوسلون. (٤) * قال عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ رضى الله عنهما: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُو فيقول: " اللهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي. (٥) * قال أبو الأحوص: سمعت عبد الله بن مسعود -رضى الله عنه-يدعو بهذا الدعاء: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِنِعْمَتِكَ السَّابِغَةِ الَّتِي أَنْعَمْتَ بِها عَلَيَّ، وَبَلائِكَ الَّذِي أَبْتلَيْتَنِي، وَبفَضْلِكَ الَّذِي

стр. 668

أَفْضَلْتَ عَلَيَّ أَنْ تُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ. اللهُمَّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ بفَضْلِكَ وبِمَنِّكَ وَرَحْمَتِكَ. (١) قال ابن القيم: فتح الله -تعالى- باب الدعاء رغباً ورهباً ليذكره الداعي بأسمائه وصفاته فيتوسل إليه بها، ولهذا كان أفضل الدعاء وأجوبه ما توسل فيه الداعي إليه بأسمائه وصفاته، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف ١٨٠]. (٢) * وورد في حديث فضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ -رضى الله عنه- أن النبي ﷺ لما سَمِعَ رجُلًا يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ اللهَ ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، قَال ﷺ : " عَجِلَ هَذَا "، ثُمَّ دَعَاهُ ﷺ فقَالَ لَهُ: " إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ، ثُمَّ لِيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاءَ. (٣) قال الصنعانى: قوله ﷺ : " عجل هذا": أي بدعائه قبل تقديم الأمرين، فلم يحمد الله ولم يصل على النبي ﷺ ، وفيه دليل على تقديم الوسائل بين يدي المسائل وهي نظير ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: ٥]، حيث قدَّم الوسيلة وهي العبادة، على طلب الاستعانة. (٤) الثانى: التوسل بالعمل الصالح: وذلك أن يدعو المسلم ربه -تعالى- متوسلاً بعمل صالح بين يدى دعائه، ومن أدلة هذا القسم من القرآن: قال تعالى (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (آل عمران/١٦) وقال تعالى

стр. 669

حاكياً عن حال المؤمنين (رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) (آل عمران/٥٣) * ومن أدلة السنة: وفي الصحيحين من حديث الثلاثة الذين أصابهم المطر، فدخلوا في غار في جبل، فانحطت عليهم صخرة، فقال بعضهم لبعض: ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه، ......) فقاموا يتوسلون إلى الله -تعالى- بأصدق أعمالهم الصالحة، فتوسل الأول ببره بوالديه، وتوسل الثانى بما ذكره من القيام عن المرأة خوفاً من الله تعالى، وتوسل الثالث بأمانته مع أجير كان يعمل عنده، وقال كل واحد منهم: "اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ "، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، فَخَرَجُوا يَمْشُونَ ". (١) * وعن بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِيِّ -رضى الله عنه- قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَدْعُو وَهُوَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ"، قَالَ: فَقَالَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى" (٢)

стр. 670

*وكان ابن مسعود -رضى الله عنه- يقول في السحر: "اللهم دعوتني فأجبت، وأمرتني فأطعت، وهذا سحر فاغفر لي" (١) * ومن ذلك أن تتوسل إلى الله -تعالى- بالإيمان به -تعالى - ومحبته وطاعته، ونتوسل كذلك بالإيمان برسوله ﷺ به، وموالاته واتباع سنته، فهذا أعظم القرب والوسائل إلى الله تعالى، بل ما تقرب أحد إلى الله بأعظم من طاعته وطاعة رسوله ﷺ . ٣ - الثالث: التوسل بدعاء الصالحين: وذلك أن تسأل شخصاً أن يدعو لك بأمر ما، ثم تدعو الله -تعالى - متوسلاً إليه بدعاء هذا الشخص، ومن أدلة هذا النوع: أ) ما ورد في حديث الباب، حيث دعا الرجل الضرير ربه -تعالى- متوسلاً إليه بدعاء النبي ﷺ . ب) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ-رضى الله عنه- أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا»، قَالَ: فَيُسْقَوْنَ. (٢) ج) قال سليم ابن عامر الخبَائري: قحطت السماء، فخرج معاوية بن أبي سفيان وأهل دمشق يستسقون، فقال معاوية رضى الله عنه: اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بخيرنا وأفضلنا، اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بيزيد بن الأسود الجرشي، يا يزيد ارفع يديك إلى الله، فرفع يديه، ورفع الناس أيديهم، فما كان أوشك أن ثارت سحابة في الغرب كأنها ترس، وهبت لها ريح، فسقتنا حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم. (٣) *ثانياً: التوسل المحذور: وهو التوسل الشركى التى ورد في الأدلة الشرعية التحذير منه، والذى كان نهجاً عند المشركين، الذين ضل سعيهم في باب التوسل وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
следующие страницы →