← Акыда

Акыда · id 192

الأربعون العقدية

أيمن إسماعيل

Полный текст (1 126 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

فَصَبَرْتَ عِنْدَ الصَّدْمَةِ وَاحْتَسَبْتَ، لَمْ أَرْضَ لَكَ ثَوَابًا دُونَ الْجَنَّةِ". (١) * نعود فنقول: أن الرجل لما خيَّره الرسول ﷺ بين الصبر على هذا البلاء لتكون له البشارة بالجنة، أو تعجيل إجابة الدعاء له برد بصره، فقد اختار الأمر الثاني، وهو أن يدعو له النبي ﷺ برد البصر؛ لذا أمره ﷺ يتوضأ، وأن يصلي ركعتين، وأن يدعو بهذا الدعاء: " اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد ﷺ نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضي، وتشفعني فيه، وتشفعه فيَّ ". وهذا في حقيقته توسل من هذا الرجل إلى الله -تعالى- بدعاء الرسول ﷺ وهذا يجرنا إلى الفائدة الثانية. *أهم الفوائد المستنبطة من حديث الباب: الفائدة الأولى: أقسام التوسل: ينقسم التوسل إلى أقسام ثلاثة:﴾ مشروع، محذور، مختلف فيه ﴿أولاً: التوسل المشروع وأقسامه: لا شك أن الشرع قد رغَّب في اتخاذ السبل التى تقرب العبد من ربه، قال تعالى (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (المائدة/٣٥)، وقال عزوجل مبيِّناً حال عباده الصادقين (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ) (الإسراء/٥٧)، وقد أبانت أدلة الشرع أنواع التوسل المشروع، وهى كما يلى: الأول: التوسل بأسماء الله -تعالى- وصفاته وأفعاله: ومن أدلة هذا القسم من القرآن: ما حكاه الله-تعالى- عن سليمان ﵇ في قوله (ربِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) (النمل/١٩) فقد توسل ﵇ في دعائه بصفة من صفات الله تعالى، وهي صفة الرحمة.

стр. 667

*ومن أدلة السنة: وعن مِحْجَنَ بْنِ الْأَدْرَعِ -رضى الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، إِذَا رَجُلٌ قَدْ قَضَى صَلَاتَهُ وَهُوَ يَتَشَهَّدُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ يَا أَللَّهُ بِأَنَّكَ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ ". (١) * وعن أنس ﵁ أَنّ النبي ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَدْعُو: " اللَّهُمَّ! إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الْمَنَّانُ، بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ! يَا قَيُّومُ! ". فَقَالَ ﷺ : «لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ». (٢) * وعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا، كَالسُّورَةِ مِنَ القُرْآنِ: " إِذَا هَمَّ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، ... (٣) فهذا تبرؤ إلى الله من العلم والحول والقوة، وتوسل إليه سبحانه بصفاته التي هي أحب ما توسل إليه بها المتوسلون. (٤) * قال عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ رضى الله عنهما: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُو فيقول: " اللهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي. (٥) * قال أبو الأحوص: سمعت عبد الله بن مسعود -رضى الله عنه-يدعو بهذا الدعاء: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِنِعْمَتِكَ السَّابِغَةِ الَّتِي أَنْعَمْتَ بِها عَلَيَّ، وَبَلائِكَ الَّذِي أَبْتلَيْتَنِي، وَبفَضْلِكَ الَّذِي

стр. 668

أَفْضَلْتَ عَلَيَّ أَنْ تُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ. اللهُمَّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ بفَضْلِكَ وبِمَنِّكَ وَرَحْمَتِكَ. (١) قال ابن القيم: فتح الله -تعالى- باب الدعاء رغباً ورهباً ليذكره الداعي بأسمائه وصفاته فيتوسل إليه بها، ولهذا كان أفضل الدعاء وأجوبه ما توسل فيه الداعي إليه بأسمائه وصفاته، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف ١٨٠]. (٢) * وورد في حديث فضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ -رضى الله عنه- أن النبي ﷺ لما سَمِعَ رجُلًا يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ اللهَ ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، قَال ﷺ : " عَجِلَ هَذَا "، ثُمَّ دَعَاهُ ﷺ فقَالَ لَهُ: " إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ، ثُمَّ لِيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاءَ. (٣) قال الصنعانى: قوله ﷺ : " عجل هذا": أي بدعائه قبل تقديم الأمرين، فلم يحمد الله ولم يصل على النبي ﷺ ، وفيه دليل على تقديم الوسائل بين يدي المسائل وهي نظير ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: ٥]، حيث قدَّم الوسيلة وهي العبادة، على طلب الاستعانة. (٤) الثانى: التوسل بالعمل الصالح: وذلك أن يدعو المسلم ربه -تعالى- متوسلاً بعمل صالح بين يدى دعائه، ومن أدلة هذا القسم من القرآن: قال تعالى (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (آل عمران/١٦) وقال تعالى

стр. 669

حاكياً عن حال المؤمنين (رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) (آل عمران/٥٣) * ومن أدلة السنة: وفي الصحيحين من حديث الثلاثة الذين أصابهم المطر، فدخلوا في غار في جبل، فانحطت عليهم صخرة، فقال بعضهم لبعض: ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه، ......) فقاموا يتوسلون إلى الله -تعالى- بأصدق أعمالهم الصالحة، فتوسل الأول ببره بوالديه، وتوسل الثانى بما ذكره من القيام عن المرأة خوفاً من الله تعالى، وتوسل الثالث بأمانته مع أجير كان يعمل عنده، وقال كل واحد منهم: "اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ "، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، فَخَرَجُوا يَمْشُونَ ". (١) * وعن بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِيِّ -رضى الله عنه- قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَدْعُو وَهُوَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ"، قَالَ: فَقَالَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى" (٢)

стр. 670

*وكان ابن مسعود -رضى الله عنه- يقول في السحر: "اللهم دعوتني فأجبت، وأمرتني فأطعت، وهذا سحر فاغفر لي" (١) * ومن ذلك أن تتوسل إلى الله -تعالى- بالإيمان به -تعالى - ومحبته وطاعته، ونتوسل كذلك بالإيمان برسوله ﷺ به، وموالاته واتباع سنته، فهذا أعظم القرب والوسائل إلى الله تعالى، بل ما تقرب أحد إلى الله بأعظم من طاعته وطاعة رسوله ﷺ . ٣ - الثالث: التوسل بدعاء الصالحين: وذلك أن تسأل شخصاً أن يدعو لك بأمر ما، ثم تدعو الله -تعالى - متوسلاً إليه بدعاء هذا الشخص، ومن أدلة هذا النوع: أ) ما ورد في حديث الباب، حيث دعا الرجل الضرير ربه -تعالى- متوسلاً إليه بدعاء النبي ﷺ . ب) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ-رضى الله عنه- أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا»، قَالَ: فَيُسْقَوْنَ. (٢) ج) قال سليم ابن عامر الخبَائري: قحطت السماء، فخرج معاوية بن أبي سفيان وأهل دمشق يستسقون، فقال معاوية رضى الله عنه: اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بخيرنا وأفضلنا، اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بيزيد بن الأسود الجرشي، يا يزيد ارفع يديك إلى الله، فرفع يديه، ورفع الناس أيديهم، فما كان أوشك أن ثارت سحابة في الغرب كأنها ترس، وهبت لها ريح، فسقتنا حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم. (٣) *ثانياً: التوسل المحذور: وهو التوسل الشركى التى ورد في الأدلة الشرعية التحذير منه، والذى كان نهجاً عند المشركين، الذين ضل سعيهم في باب التوسل وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

стр. 671

* فمن أمثلة ذلك: ما ورد في قوله تعالى (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) (الزمر/٣) فهؤلاء قد تقرَّبوا بصنوف العبادات لأصنامهم زعماً منهم أن ذلك ممّا يتوسل به إلى الله تعالى. ولكنَّ الله -تعالى- قد أبطل هذا الزعم، بل وحكم على مدعيه بالكذب والكفر، فقال تعالى في ختام الأية (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) (الزمر/٣) وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨] فدل ذلك على أن التوسُّل والتقرُّب باتِّخاذ شفعاء ووسائط من دون الله -تعالى- يتزلفون إليها بصنوف العبادات هو عَيْن الشرك الذى بُعث النبي ﷺ لمحوه. ولا يؤثر فى الحكم الشرعى هنا الدعوى بأن هذه وسيلة لإجابة الدعوات، أو أن هذه قربة إلى الله تعالى، فإنَّ العبرة في الأحكام بالمقاصد والمعاني، وليست بالألفاظ والمباني، ودليل هذه القاعدة هو قوله تعالى: ... (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (يونس/ ١٨) فقد سمَّوا ما يفعلونه من القربات لغير الله -تعالى- شفاعة، والله -تعالى - قد سمَّاها عبادة لما عكفوا عليه من الأصنام. ثم قال تعالى آخر الأية (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) فهو تنزيه لله - تعالى -وعلوُّ عمَّا يفعله هؤلاء المشركون من إشراكهم في عبادته ما لا يضر ولا ينفع، وافترائهم عليه الكذب. *ثم نقول: وما فعله المشركون مع أصنامهم عبر القرون الماضية بدعوى اتخاذ الوسائط والشفعاء لم ينته بعد، فقد تولى الراية من بعدهم المتصوفة القبورية، فقالوا ما قاله الأولون، مع اختلاف يسير في بعض الهيئات الظاهرة، فصار الصنم قبراً يُطاف حوله ويُنذر ويُذبح له، فإذا سألتم قالوا: " هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ "، وقالوا:

стр. 672

" هؤلاء يقَرِّبونَا إِلَى اللَّه زُلْفَى ". * فإذا ما أُنكر عليهم عارضوك بالحجج والبراهين، فقالوا: ألم يقل الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ... ﴿؟؟ * فالجواب: بلى، ولكنَّ أمر الله -تعالى- باتخاذ الوسيلة إليه فى هذه الأية محمول على المعنى العام؛ فالمراد بالوسيلة في الأية: هو التقرب إلى الله بالطاعة والعمل بما يرضيه، وهذا لا خلاف فيه بين المفسرين، كما حكاه ابن كثير. قال الطبري: قوله تعالى " وابتغوا إليه الوسيلة ": واطلبوا القربة إليه، بالعمل بما يرضيه، وقد حكاه الطبري عن أبى وائل وقتادة والحسن وعطاء ومجاهد وابن زيد، وغيرهم. (١) * ثم يقال: ولو حُمل أمر الله -تعالى- باتخاذ الوسيلة إليه فى هذه الأية على المعنى الخاص، الذى هو التوسل، فهو أمر مجمل قد وضحته أدلة الشرع في الكتاب والسنة، كما تم بيانه في أقسام التوسل المشروع. فالفرق واسع والبون شاسع بين من يرجو الله -تعالى- فى قضاء حاجة ما متوسلاً في ذلك باسم أو صفة لله تعالى، أو بقربة من قرب العبادات، أو بدعاء أحد الصالحين، وبين من يصرف العبادات لغير الله -تعالى- بدعوى أنها وسيلة تزلف إلى الله . فحال هؤلاء المدَّعين لا يختلف كثيراً عمَّن قال الله - تعالى - فيهم﴾ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ..﴾ (الأعراف: ٢٨) فهم بزعمهم الباطل قد وقعوا في شركيات اتّخاذ الوسائط من الأولياء، وقالوا: " الله أمرنا بها.... "، متأولون في ذلك قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾، قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْشرك، أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ، قُلْ أَمَرَ رَبِّي بالتوحيد، قال تعالى ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ

стр. 673

الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ (الأنعام/١٦٣)، وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (الأعراف/١٩٤). وقال تعالى (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) (١٤)) (فاطر/١٣ - ١٤) ولكنكم لا تفقهون، وبالأهواء تسيرون. * وكذلك قالوا: حديث عثمان بن حُنيف -رضى الله عنه- قد دل على مشروعية الاستشفاع بالموتى لقضاء الحاجات وتفريج الكروبات!! وكانوا قد ركنوا في ذلك إلى ما ورد في حديث الباب من قول الرجل الضرير في دعاءه: " يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ فَتَقْضِي "!! * وهنا نقول: انظر كيف يتبجح روَّاد الأضرحة والمقامات، فتراهم يستدلون بحديث الباب على زعمهم وأهواءهم، فانظر كيف تصف ألسنتهم الكذب " أنَّ لهم الحجة "، لا جرم أنهم خاطئون، وأنهم مفرطون. فحديث عثمان بن حُنيف - رضى الله عنه - الذى ورد في حديث الباب قد ورد فيه توسل الرجل إلى الله -تعالى - بدعاء النبي- ﷺ له، وهذا يتضح من سياق قوله: " ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي "، وقوله: " اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ... "، وعليه فقول الرجل في دعاءه: " يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي": أى أتوجه بدعائك إلى ربي، فهو توسل بدعاء النبي- ﷺ حال حياته. * ففارق بين التوسل إلى الله -تعالى - بدعاء الحى، كما هو في حديث الباب، فهذه قربة إلى الله تعالى؛ فإنه يسأل الله تعالى، لكن يجعل ذلك بوسيلة أحد، وبين الاستشفاع إلى الله -تعالى - بالموتى عند القبور والمقامات، بدعوى (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ....)!! *فمن سوَّى بين الأمرين فحاله كحال من قال (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا) *وأما ما ورد من زيادة للحديث جاء فيها: " فإن كان لك حاجة فافعل مثل

стр. 674

ذلك"، فهذه كذلك مما قد استدل بها من يرى مشروعية التوسل بالذات. ولكنها زيادة ضعيفة، كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية. قال الألبانى: وقد أعلَّ هذه الزيادة شيخ الإسلام ابن تيمية في "القاعدة الجليلة" (ص/١٠٢) بتفرَّد حمَّاد بن سلمة بها، ومخالفته لرواية شعبة، وهو أجلّ من روى هذا الحديث، وهذا إعلال يتفق مع القواعد الحديثية، فمخالفة حمَّاد لشعبة في هذا الحديث وزيادته عليه تلك الزيادة غير مقبولة، لأنها منافية لمن هو أوثق منه فهي زيادة شاذة، ولعل حماداً روى هذا الحديث حين تغير حفظه، فوقع في الخطأ. (١) * فرع: وأما عن حكم مسألة طلب شفاعته ﷺ بعد موته، وطلب الشفاعة بشكل عام من الموتى، فقد فصَّل فيها العلماء بين حالين: أ) سؤال الميت الشفاعة بغير حضرة قبره من الشرك الأكبر المخرج من الملة، وعلة ذلك بأن فيه ادعاء علم الغيب للميت، وأن سمعه وسع الخلائق، وهذا كفر بالإجماع، والقاعدة هنا: " وكل من اعتقد في غير الله ما لا يُعتقد إلا فى الله فقد وقع في الشرك الأكبر " ب) سؤال الميت الشفاعة في حضرة قبره فهذه مسألة تدور أقوال العلماء فيها بين الحكم على فاعلها بالشرك الأصغر، والحكم على ذلك بالبدعة المفضية إلى الوقوع في الشرك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وما يفعله المبتدعون من المسلمين عند قبور الأنبياء والصالحين أو في مغيبهم، فهذا مما علم بالاضطرار من دين الإسلام، وبالنقل المتواتر وبإجماع المسلمين أن النبي- ﷺ لم يشرع هذا لأمته، ولم يكن أحد منهم يأتي إلى قبر الرسول يقول: سل الله لنا أو لأمتك أن يرزقهم أو ينصرهم أو يغفر لهم، بل

стр. 675

هذا وما يشبهه من البدع المحدثة التي لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين. (١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن يقول للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين: ادع الله لي، أو ادع لنا ربك، أو اسأل الله لنا، كما تقول النصارى لمريم وغيرها. فهذا أيضاً لا يستريب عالم أنه غير جائز، وأنه من البدع التي لم يفعلها أحد من سلف الأمة. (٢) قال ابن عبد الهادي المقدسي: "أما دعاؤه هو ﷺ ، وطلب استغفاره وشفاعته بعد موته، فهذا لم ينقل عن أحد من أئمة المسلمين ـ لا من الأئمة الأربعة ولا غيرهم ـ". (٣) قال الشيخ ابن عثيمين في تعليق له على كتاب اقتضاء الصراط المستقيم: سؤال الميت أن يسأل الله أو سؤال قضاء الحاجة بينهما فرق: إذا سأل قضاء الحاجة فهذا شرك أكبر. وإذا سأل أن يسأل الله فهذا بدعة وضلالة، لأن الميت إذا مات انقطع عمله، والدعاء من عمله، فكيف تسأله ما لا يمكن فإذا جئت إلى ميت وقلت: ادع الله لي، فإنه لن يدعو الله لك، ومن ذلك تقول عند قبر النبي ﷺ : اشفع لي، فإن هذا عمل محرم، وبدعة منكرة. *ثالثاً: التوسل المختلف فيه: التوسل بالأنبياء والصالحين، بذواتهم أو جاههم ونحو ذلك. وهذا منقول عن أحمد وابن الصلاح والشوكانى، ومنصوص عليه فى كثير من كتب المذاهب الفقهية؛ وذلك استدلالاً بأدلة كثيرة، ومنها حديث الباب. (٤)

стр. 676

*وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الإمام العز بن عبد السلام قوله: " لا يجوز أن يتوسل إلى الله بأحد من خلقه إلا برسول الله ﷺ ، إن صح حديث الأعمى "، فعلَّق القول بهذا على صحة حديث الباب. (١) *ويمكننا القول بأن الأدلة الواردة في مشروعية التوسل بذات النبي ﷺ على وجه الخصوص، أو ذوات الصالحين على وجه العموم تنقسم إلى قسمين: أدلة صحيحة ولكنها غير صريحة في الدلالة على المشروعية، وأدلة صريحة في المشروعية لكنها لا تصح من حيث إسنادها. والراجح -والله اعلم- هو عدم مشروعية هذا القسم من أقسام التوسل، وهذا الذى عليه جماهير أهل العلم، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، وصنَّف في ذلك رسالته " قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة " فأفاد فيها وأجاد، وأمتع فيها وأقنع. * وإليكم أدلة المجوزين والرد عليها: قالوا: حديث الباب: قد قال الرجل فى دعائه: "اللَّهُمَّ أَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ "، فهذا يدل على أنه توسل إلى الله - تعالى- بذات النبي ﷺ "!! (٢) * وجواب ذلك: أن قول الرجل فى دعائه: " اللَّهُمَّ أَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ.... " يحتمل أمرين:

стр. 677

الأول: أتوجه إليك بجاه وذات نبيك، على زعم من يستدل بالحديث على مشروعية التوسل بجاه النبي ﷺ . الثانى: " أتوجه إليك بدعاء نبيك "، وهو القول الراجح، والذى جعله راجحاً على الوجه الأول ما يلى: ١) لو كان توسل الرجل الضرير إلى الله - تعالى- بذات النبي ﷺ لما تكلَّف المشقة بالإتيان إلى النبي ﷺ ، بل كان يفعل ذلك في بيته. ٢) قد ورد في ألفاظ الحديث ما يبطل الدعوى أن توسل الرجل كان بجاه النبي ﷺ ، كما فى قول الرجل: " ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي "، وإصراره على ذلك بقوله: (فادع) ففى ذلك التصريح بطلبه الدعاء من النبي ﷺ ، وكذلك في قول النبي ﷺ : " وإن شئتَ دعوتُ " (١) ٣) قول الرجل " تُشَفِّعُنِي فِيهِ، وَتُشَفِّعُهُ فِيَّ "، فقوله " تُشَفِّعُهُ فِيَّ ": فيه سؤال الرجل ربه ﵎ أن يقبل دعاء النبي ﷺ وشفاعته له. وهذا مما ييعد جداً حمله على التوسل بذاته ﷺ ، أو جاهه، أو حقه، إذ أن المعنى: اللهم اقبل شفاعته ﷺ فيَّ، أي اقبل دعائه فيَّ أن ترد عليَّ بصري. وقوله " تُشَفِّعُنِي فِيهِ ": أي اقبل دعائي في أن تقبل شفاعته ﷺ ، أي دعاءه في أن ترد عليَّ بصري. قال المناوي: سأل الله -تعالى- أولاً أن يأذن لنبيه أن يشفع له، ثم أقبل على النبي - صلى اله عليه وسلم- ملتمساً شفاعته له، ثم كر مقبلاً على ربه أن يقبل شفاعته. والباء في بنبيك للتعدية، وفي بك للاستعانة. وقوله: "اللهم فشفّعهُ فيّ " أي: اقبل شفاعته في حقي، والعطف

стр. 678

على مقدر، أي: اجعله شفيعاً لي فشفّعه " (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقوله في دعائه " اللهم فشفعه فيَّ " دل ذلك على أن معنى قوله: " أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد " أي بدعائه وشفاعته. (٢) ٤) لو كان توسل الرجل الضرير بجاه النبي ﷺ لرأينا الجمع الغفير من الأكِفّاء بعد حياة النبي ﷺ يتوسلون بذات النبي ﷺ طلباً للشفاء. فلما تركوا ذلك مع وجود المقتضى وانتفاء الموانع دل على عدم المشروعية. ٥) ومما يؤيده: أن الرجل الضرير قد توسل بدعاء النبي- ﷺ له، وليس بجاهه؛ أن علماء السير قد ذكروا هذه الحادثة في باب معجزات النبي ﷺ ، ومن هؤلاء: القاضي عياض في كتابه " الشفا بتعريف حقوق المصطفى " (ص/٣١٦)، والبيهقي في " دلائل النبوة " (٦/ ١٦) ٦) كذلك يقال: إن حمل الحديث على أن الرجل قد توسل بدعاء النبي ﷺ هو الموافق لفهم الصحابة رضى الله عنهم؛ فهكذا قد فهمه عمربن الخطاب ﵁ يوم استسقى بالعباس - رضى الله عنه - عام الرمادة، وهكذا فهمه معاوية بن سفيان - رضى الله عنه - يوم استسقى بيزيد بن الأسود الجُرَشى. (٣) وحمل النص على فهم الصحابة ﵃ وإجماعهم مقدَّم على حمله على فهم من سواهم. * قالوا: قد روى البخاري عن عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ قوله: «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ

стр. 679

إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا» (١) فأخبر أن الصحابة -رضى الله عنهم- قد توسلوا بجاه النبي ﷺ ، وكذلك قد توسل عمر بن الخطاب بِجاه العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ رضى الله عنهما. * والجواب: أولاً: أن المجمل في رواية البخاري من قول عمر بن الخطاب رضى الله عنه: ... «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، ....» قد بينته الأحاديث الأخرى، كما في حديث أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رضى الله عنه- أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ وِجَاهَ المِنْبَرِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَلَكَتِ المَوَاشِي، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا» (٢) فيتضح بذلك أن الإجمال في قول عمر بن الخطاب رضى الله عنه: " إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا " قد جاء مبيناً في حديث أنس رضى الله عنه، فدل ذلك على أن توسل الصحابة -رضى الله عنهم- إنما كان بدعاء النبي ﷺ ، وليس بذاته أو جاهه كما يدَّعى من جوَّز ذلك. * ثم يقال: لو كان توسل الرجل الضرير بذات النبي ﷺ لما انقطع ذلك بموته؛ ولما غفل الصحابة - رضى الله عنهم- عن مثل هذا الأمر، وقد مر بهم من الفتن ما يضاهي قطع الليل المظلم، من قحط واقتتال ودماء، بل قد عدل عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- عام الرمادة عن ذلك إلى التوسل بدعاء العباس رضى الله عنه، مع أن الأمر المجمع عليه هو علو وسبق جاه النبي ﷺ على دعاء العباس رضى الله عنه. وقد وافقه جمهور الصحابة - رضى الله عنهم - على ذلك فكان ذلك منهم كالإجماع على عدم الجواز؛ وهذا من أظهر الإجماعات الإقرارية. فإن تركهم له مع وجود المقتضى وانتفاء الموانع لهو أقوى الأدلة على المنع. فدل هذا على أن التوسل المشروع

стр. 680

عندهم هو التوسل بدعائه، وبشفاعته، لا السؤال بذاته، ولا بجاهه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فعدول عمر والصحابة عن هذا إلى هذا وما يشرع من الدعاء وينفع عمَّا لا يشرع ولا ينفع، وما يكون أنفع من غيره وهم في وقت ضرورة ومخمصة وجدب يطلبون تفريج الكربات وتيسير الخير وإنزال الغيث بكل طريق ممكن، دليل على أن المشروع ما سلكوه دون ما تركوه. (١) قال الألوسي: لو كان التوسل به ﵊ بعد انتقاله من هذه الدار لما عدلوا إلى غيره، وحاشاهم أن يعدلوا عن التوسل بسيد الناس إلى التوسل بعمه العباس، وهم يجدون أدنى مساغ لذلك. (٢) * وتأمل لترى جماهير الصحابة -رضى الله عنهم - يوافقون عمر بن الخطاب على اجتهاده حين عدل عن التوسل بجاه النبي ﷺ إلى التوسل بدعاء العباس رضى الله عنه، دون أن يخرج منهم ولو واحد ليراجع عمر في ذلك، فهل تراهم سكتوا عن اظهار الحق خشية من عمر؟ فهل هذا ظنك فيهم؟ وقد نزل فيهم قول الله تعالى (لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ) (٣) * وانظر إلى حال الصحابة -رضى الله عنهم- يوم أن تقدم أبُو بَكْرٍ -رضى الله عنه -فصلى بالناس، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ، فَصَفَّقَ النَّاسُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ فَرَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ. (٤) الشاهد أن الصحابة - رضى الله عنهم - ما استساغوا تقديم أحد - ولو كان صديق الأمة - على

стр. 681

الرسول ﷺ ، فكيف لهم أن يقرّوا عمر بن الخطاب - رضى الله عنه- أن يقدِّم أحداً - ولو كان العباس - على جاه الرسول ﷺ إذا كان ذلك مشروعاً؟!! * قالوا: إنَّ فعْل عمر حين توسل بالعباس ليس لعدم مشروعية التوسل بجاه الرسول ﷺ ؛ بل لأجل بيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل، ولرعاية حق قرابته من النبي ﷺ ، دل على ذلك قول العباس في دعائه: " وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك "!! * والرد على ذلك: قد ذكرنا قريباً أن الإجمال الوارد في قول عمر بن الخطاب رضى الله عنه: " إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا " قد جاء مبيناً في حديث أنس رضى الله عنه، مما دل على أن توسل الصحابة - رضى الله عنهم- إنما كان بدعاء النبي ﷺ . وعليه فترك الصحابة وعلى رأسهم عمر بن الخطاب - رضى الله عنهم- التوسل بالنبي ﷺ إنما كان لموته، لا غير. وعليه فقول العباس في دعائه: : " وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك "، ليس بياناً لسبب العدول عن التوسل بالنبي ﷺ إلى العباس، على ما جركم إليه فهمكم، بل لبيان سبب وقوع الاختيار على العباس -رضى الله عنه- دون غيره من الناس ليكون هو المتوسَل بدعائه عند الصحابة رضى الله عنهم. * وأما الزعم العجيب أنَّ عمر -رضى الله عنه- حين توسل بالعباس -رضى الله عنه- لأجل بيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل فيقال: لك أن تتصور أن عمربن الخطاب -رضى الله عنه- يرى الناس في حالة شديدة من الضنك والكرب، والشقاء والبؤس، يكادون يموتون جوعاً وعطشاً لشح الماء وهلاك الماشية، وخلو الأرض من الزرع والخضرة حتى سُمَّي ذاك العام بعام الرمادة، إضافة عن عظم المسئولية الملقاة على عاتقه وهو الراعى المسئول عن الأمة. كل ذلك ثم يَرِد في خاطره تلك الأطروحة الفلسفية في هذا الظرف العصيب، فيدع الأخذ بالوسيلة الكبرى في دعائه، وهي التوسل بالنبي ﷺ ، لو كان ذلك جائزاً

стр. 682

ويأخذ بالوسيلة الصغرى، التي لا تقارن بالأولى، وهي التوسل بالعباس، لماذا؟ لا لشيء إلا ليبين للناس أنه يجوز لهم التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل!! * إن الشاهد والمعلوم أن الإنسان إذ حلّت به شدة يلجأ إلى أقوى وسيلة عنده في دفعها، ويدَع الوسائل الأخرى لأوقات الرخاء، وهذا كان يفهمه الجاهليون المشركون أنفسهم، إذ كانوا يَدعون أصنامهم في أوقات اليسر، ويتركونها ويدْعون الله - تعالى - وحده في أوقات العسر، كما قال ﵎: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)) (العنكبوت: ٦٥) فنعلم من هذا أن الإنسان بفطرته يستنجد بالقوة العظمى، والوسيلة الكبرى حين الملمات والمضايق، وقد يلجأ إلى الوسائل الصغرى حين الأمن واليسر. * ثانياً نقول: أن المجمل في رواية البخاري من قول عمر بن الخطاب رضى الله عنه: " وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا "، قد ورد مبيناً عند عبد الرزاق، عن إبراهيم بن محمد، عن حسين بن عبد الله، عن عكرمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عُمَرَ، اسْتَسْقَى بِالْمُصَلَّى، فَقَالَ لِلْعَبَّاسِ: قُمْ فَاسْتَسْقِ، فَقَامَ الْعَبَّاسُ، وفى رواية " يا أبا الفضل؛ قمْ فادع ". (١) فدل ذلك على أن قول عمر بن الخطاب رضى الله عنه: " وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا "، أى نتوسل إليك بدعاءه. قال ابن حجر: فتبين بهذا أن في القصة المذكورة أن العباس كان مسئولًا، وأنه ينزل منزلة الإمام إذا أمره الإمام. (٢) * شبهة أخرى: عَنْ مَالِكِ الدَّارِ- وَكَانَ خَازِنَ عُمَرَ عَلَى الطَّعَامِ- قَالَ: أَصَابَ

стр. 683

النَّاسَ قَحْطٌ فِي زَمَنِ عُمَرَ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتَسْقِ لِأُمَّتِكَ فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا، فَأَتَى الرَّجُلَ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهُ: ائْتِ عُمَرَ... الحديث. (١) * والرد على ذلك من وجوه: الأول: هذا الأثر منكر يغلب عليه الوضع، وقد أُعلَّ بعلل متعددة، نذكر منها: ١) جهالة الرَّجل الذي أتى إلى قبر النبيِّ ﷺ . وما ورد من تسميته ببلال بن الحارث المُزَني، وعدُّه من الصحابة، فلا يصح؛ لأنه من رواية سيف بن عمر التميمي، وقد قال عنه ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات... ، وكان يضع الحديث. (٢) ٢) جهالة مالك الدار؛ لأن مالك الدار غير معروف العدالة والضبط،، وقد أورده ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٤/ ٢١٣) ولم يذكر راوياً عنه غير أبي صالح هذا، ففيه إشعار بأنه مجهول. وقال الحافظ المنذري في "الترغيب" (٢/ ٤١ - ٤٢) ومالك الدار لا أعرفه). وكذا قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٣/ ١٢٥) والألبانى. (٣) الثانى: على فرض صحة هذا الأثر فلا يكون حجة لمن جوَّز التوسل بالنبي ﷺ بعد موته وذلك لنكارة متنه؛ وذلك لأن مثل هذا الأمر لم يفعله أحد من الصحابة

стр. 684

- رضى الله عنهم- رغم ما مر بهم من فتن كقطع الليل المظلم، من قحط واقتتال ودماء، فتركهم له مع وجود المقتضى وانتفاء الموانع لهو أقوى الأدلة على المنع. قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيميَّة: وأصحاب رسول الله ﷺ قد أجدبوا مرَّات، ودَهَتهم نوائب غير ذلك، فهلاَّ جاؤوا فاستسقوا واستغاثوا عند قبر النبيِّ ﷺ ؟! (١) * ثم يقال: كيف يُستدل بأثر ينبنى على فعلٍ لرجل مجهول، وهو من أتى القبر الشريف متوسلاً بالنبي ﷺ ، ونترك سنة الفاروق عمر- رضى الله عنه - الذى لنا فيه سنة متبعة بنص حديث النبي ﷺ ؟!! ففى عام الرمادة سنة ثمان عشرة لما وقعت المجاعة بالمسلمين في المدينة قد عدل عمر بن الخطاب - رضى الله عنه- عن التوسل بالنبي ﷺ ، وتوسل بدعاء عمه العباس رضى الله عنه. * أضف إلى ذلك: أنها رؤيا منام، والرؤى لا تُبنى عليها أحكام شرعية، اللهم إلا رؤى الأنبياء، فإنها وحي، كما هو مقرَّر عند أهل العلم. قال الدَّميري: ولو قال شخص: رأيتُ النبيَّ ﷺ في النوم، وأخبرني أن الليلة أول رمضان!! لا يصح الصوم بهذا لصاحب المنام ولا لغيره بالإجماع، كما قاله القاضي عياض، وذلك لاختلال ضبط الرائي، لا للشك في الرؤية. (٢) * ومن شبهاتهم: قالوا: إن النبي ﷺ حيُّ في قبره، فلذلك نحن نتوسل به ليشفع لنا عند ربنا!! (٣) والجواب: الذى عليه أهل السنة أن النبي ﷺ قد مات كما يموت آحاد البشر، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾ (الأنبياء:

стр. 685

٣٤)، وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ (الزمر: ٣٠) ـ إلى أمثال ذلك من الآيات الدالة على أن الله -تعالى - قد توفاه إليه. ولأن الصحابة ﵃ قد غسَّلوه وكفَّنوه وصلَّوا عليه ودفنوه، ولو كان حياً حياته الدنيوية ما فعلوا به ما يفعل بغيره من الأموات. وهو الآن حيُّ في قبره حياة برزخية لا يعلم كيفيتها إلا الله ، وليست من جنس حياة أهل الدنيا، ولا تخضع لقوانينها، ومن الخطأ المبين قياس حياة الأنبياء في البرزخ على حياتهم في الدنيا، وهذا قياس باطل مخالف للكتاب والسنة والواقع. نعم، الأنبياء أحياء في قبورهم، وأجسادهم لا تبلى، والنص والإجماع منعقد على هذا كما حكاه غير واحد، منهم ابن حزم والسخاوي وغيرهم. فليس هذا هو محل الخلاف، وإنما محل الخلاف بيننا وبينكم في كيفية هذه الحياة، فالذى عليه أدلة الكتاب والسنة والإجماع أنها حياة برزخية غيبية، لها كيفية لا يعلمها إلا الله تعالى. ... وفي الختام: " نقاط مهمة "... : الأولى: قد ثبت عنه ﷺ أنه قال: " ما تركتُ شيئاً يُقربكم إلى الله إلا أمرتكم به " (١)، فلو كان التقرُّب بجاه النبي ﷺ قربة من القرب التى يُتوصل بها إلى الله تعالى، فلِمَ ترك النبي ﷺ الأمر بها؟؟!! الثانية: هل مسألة التوسل بالجاه علمها الصحابة -رضى الله عنهم- أم لا؟ فإن كانو قد علموه، فلِمَ لم يعملوا به مع ما ألّم بهم من الملمَّات والمضايق؟! وإن كانوا لم يعلموه ولم يهتدوا إليه وهم خير قرون الأمة علماً وعملاً، فهل فُتح لكم من سبل

стр. 686

الخير والتوفيق ما لم يفتح عليهم؟!! الثالثة: ثبت بالأدلة الشرعية أن التوسل عبادة؛ وذلك أن الله - تعالى- قد أمر به، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٣٥]، والله لا يأمر إلا بما يحب. فلما كان التوسل عبادة، وكان الأصل فى العبادات التوقيف، صار من ادعى مشروعية التوسل بالجاه مطالباً بالدليل الصريح الصحيح، وإلا كان قائلاً على الله -تعالى- بغيرعلم، وهذا من سبل الشيطان، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلَالاً طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة ١٦٨ - ١٦٩) * الرابعة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما إذا لم نتوسل إليه سبحانه بدعائهم، ولا بأعمالنا، ولكن توسلنا بنفس ذواتهم لم تكن نفس ذواتهم سبباً يقتضي إجابة دعائنا، فكنا متوسلين بغير وسيلة، ولهذا لم يكن هذا منقولاً عن النبي ﷺ نقلاً صحيحاً، ولامشهوراً عن السلف، ولاريب أن لهم عند الله الجاه العظيم - كما قال تعالى في حق موسى وعيسى ﵉، وقد تقدم ذكر ذلك - لكن مالهم عند الله من المنازل والدرجات أمر يعود نفعه إليهم، ونحن ننتفع من ذلك باتباعنا لهم ومحبتنا لهم، فإذا توسلنا إلى الله تعالى بإيماننا بنبيه ومحبته وموالاته واتباع سنته فهذا من أعظم الوسائل. (١) * الخامسة: العجب مما تراه من هؤلاء الذين يدندنون حول العواطف ودغدغة المشاعر الخاوية عن الأصول العلمية و مشكاة النبوة، فيتهمون أهل السنة الذين لا يجوِّزون التوسل بجاه النبي ﷺ بأنهم ما قدروا النبي ﷺ حق قدره، وما أحبوه حق

стр. 687

محبته، إلى غير ذلك من التهم. (١) ومثل هذا لا يملُّون من ذكره في نازلة، كالاحتفال بالمولد النبوى وتجويز الاستغاثة بالرسول ﷺ ، فكل من عارضهم فهو عندهم مجروح في محبته وولاءه للنبي ﷺ . ولا شك أن هذه طريقة المفلسين الذين يراهنون على مشاعر العامة لكسبهم في صفهم. ولاشك أنه ما وطيء الثري أناس أحبوا الرسول ﷺ أمثال الصحابة رضى الله عنهم، ومع ذلك فما وجدنا واحداً منهم يفعل ما يفعله هؤلاء المدَّعون، فالمحبون حقاً هم المتبعون. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: اتخاذ مولد النبي ﷺ عيدًا مع اختلاف الناس في مولده، فإن هذا لم يفعله السلف، مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه لو كان خيرًا. ولو كان هذا خيرًا محضا، أو راجحًا لكان السلف ﵃ أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله ﷺ وتعظيمًا له منا، وهم على الخير أحرص. وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره، وإحياء سنته باطنًا وظاهرًا. ونشر ما بعث به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان. فإن هذه طريقة السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان. (٢) السادسة: لا يقال ببدعية من ذهب إلى القول بالتوسل بجاه النبي ﷺ ، بل المسألة خلافية لا يبدَّع فيها المخالف. قال شيخ لإسلام ابن تيمية: وأما القسم الثالث مما يسمى " توسلاً " فلا يقدر أحد أن ينقل فيه عن النبي ﷺ شيئاً يحتج به أهل العلم، وهو

стр. 688

السؤال بالأنبياء والصالحين، فإنه لا يقدر أحد أن ينقل فيه عن النبي ﷺ شيئاً ثابتاً لا في الإقسام أو السؤال به. وإن كان في العلماء من سوَّغه فقد ثبت عن غير واحد من العلماء أنه نهى عنه، فتكون مسألة نزاع كما تقدم بيانه فيرد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله. (١) قال الشيخ سعد بن حمد بن عتيق: ونحن وإن قلنا بالمنع من التوسل به ﷺ بهذا اللفظ أو نحوه لما نعتقده من أصحية المنع، فنحن مع ذلك لا نشدد في ذلك على من فعله مستدلا بالحديث فضلاً عن أن نكفره. (٢) السابعة: ما ادعاه السبكى من القول بأن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لم يسبقه أحد إلى القول بإنكار التوسل بجاه النبي ﷺ يرده ما ورد عن أبي حنيفة من قوله بالمنع من ذلك، فقد كره أبو حنيفة قول " بحق رسلك وأنبيائك وأوليائك "؛ لأنه لا حق للخلق على الخالق تعالى. (٣) وقال المرتضى الزبيدى: وقد كره أبوحنيفة وصاحباه أن يقول الرجل: " أسالك بحق فلان ". (٤) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: قولهم: أسألك بجاه نبينا أو بحقه، فإن هذا مما نقل عن بعض المتقدمين فعله، ولم يكن مشهوراً بينهم، ولا فيه سنة عن النبي ﷺ ، بل السنة تدل على النهى عنه كما نقل ذلك عن أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما. (٥)

стр. 689

* الثامنة: قد نقل عن الإمام أحمد بن حنبل قوله بالتوسل بالنبي ﷺ ، قال في منسكه الذي رواه عنه المروزي ما نصه: وسل الله حاجتك متوسلاً إليه بنبيه- ﷺ تُقْضَ من الله . (١) وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وأفاض في توجيه هذا الكلام، وحمل التوسل الذي يجيزه الإمام أحمد على الإقسام على الله - تعالى - بذات النبي ﷺ . (٢) تم بحمد الله.

стр. 690

الحديث الرابع والعشرون: بيان الحِكَم في شرح حديث إن الله هو الحَكَم

стр. 691

عن هَانِئٍ بْنِ يَزِيدَ ﵁ قَالَ: سَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُمْ يَكْنُونِي أَبَا الْحَكَمِ، فَدَعَانِي ﷺ فَقَالَ لِي: إِنَّ اللهَ هُوَ الْحَكَمُ، وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ، فَلِمَ تُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ؟ فَقُلْتُ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنْ الْوُلْدِ؟ "، فَقُلْتُ: لِي شُرَيْحٌ، وَعَبْدُ اللهِ، وَمُسْلِمٌ، قَالَ: " فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟ " قُلْتُ: شُرَيْحٌ، قَالَ: " فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ، وَدَعَا لِي وَلِوَلَدِي. تخريج الحديث: أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٨١١) وأبو داود في كتاب الأدب، باب في تغيير الاسم القبيح (٤١٤٥)، والنسائي في كتاب القضاء، باب إذا حكَّموا رجلاً ورضوا به، برقم (٤٩٨٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم (٤١٤٥)، وفي صحيح سنن النسائي برقم (٤٩٨٠)

стр. 692

* الفوائد المتعلقة بحديث الباب: الفائدة الأولى: إثبات صفة " الحَكَم " لله عزوجل، فالله يوصف بأنه الحاكم الحكم، و " الحَكَم" اسم ثابت له بالكتاب والسنة. (١) -الدليل من الكتاب: - قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ الأنعام: ١١٤. -وقوله تعالى ﴿فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧)﴾ (الأعراف: ٨٧) وقول الله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (الشورى: ١٠) وقال تعالى (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) (الكهف/٢٦) قرأ هذا الحرف عامة السبعة ما عدا ابن عامر " ولا يشرك " بالياء المثناة التحتية، ولا نافية والمعنى: " ولا يشرك الله جل وعلا أحداً في حكمه، بل الحكم له وحده جل وعلا لا حكم لغيره البتة، وقرأه ابن عامر من السبعة; " ولا تُشركْ " بضم التاء المثناة الفوقية وسكون الكاف بصيغة النهي، أي: لا تشركْ أحداً في حكم الله جل وعلا، بل أخلص الحكم لله -تعالى- من شوائب شرك غيره في الحكم. والدليل من السنة: حديث الباب؛ فقد قال ﷺ : " إِنَّ اللهَ هُوَ الْحَكَمُ " والتكنى بأبي الحكم فيه مخالفة من وجوه: ١) أن الحكم من أسماء الله تعالى، والله - جل وعلا- لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد. ٢) أن الله - تعالى- هو الحَكَم؛ لذا فالتكنى بهذه الكنية فيها منازعة لله -تعالى- في اسمه وصفته. ٣) أن " الحكم " جاءت مقرونة بأل التعريف الدالة على الاستغراق، وهو: بلوغ الغاية في الحكم والفصل بين المتخاصمين، وهذا إنما يرجع إلى من له الحكم وهو الله عزوجل، وأما البشر فإنهم لا يصلحون أن يكونوا حكاماً على وجه الاستقلال، ولكن يكون الواحد منهم حكماً على وجه التبع، بأن يقال: " حكم " بدون تعريف، كما قال تعالى ﴿فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها﴾ (النساء: ٣٥) (٢)

стр. 693

قال ابن الأثير: وإنما كره له ذلك لئلا يشارك الله - تعالى - في صفته. (١) * الفائدة الثانية: في بيان التفصيل فى قضية الحكم بغير ما أنزل الله : نقول يختلف الحكم فى قضية الحكم بغير ما أنزل الله بحسب اختلاف القصد والفعل. أولًا: الحالات التى يكون فيها الحكم بغير ما أنزل الله شركًا أكبر: ١ - الحالة الأولى: الاستحلال: وصورته: أن يحكم بغير ما أنزل الله معتقداً أن الحكم بغير ما أنزل الله جائز غير محرم، وأن ذلك ليس واجباً عليه. وهذه الحالة متفق على كونها من الكفر الأكبر، فلقد نص الأئمة على أن المرء متى فعل الحرام مستحلاً كان كافراً. قال ابن حزم: فمن كان يعتقد أن لأحد بعد موت النبي ﷺ أن يحرَّم شيئاً كان حلالاً إلى حين موته ﵊، أو يحل شيئاً كان حراماً إلى حين موته ﵇، أو يوجب حداً لم يكن واجباً، أو يشرع شريعة لم تكن في حياته ﵊ فهو كافر مشرك حلال الدم والمال، حكمه حكم المرتد. (٢) قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: من فعل المحارم مستحلاً لها فهو كافر بالاتفاق. (٣) وقال ﵀: لا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر، فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلا من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر (٤).

стр. 694

وقال ﵀: والإنسان متى حلل الحرام - المجمع عليه - أو حرم الحلال - المجمع عليه - أو بدل الشرع - المجمع عليه - كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء. (١) *تنبيه: والمستحل للشئ هو الذى يفعله معتقداً حله، وهو عمل قلبى لا يعرف من الشخص إلا إذا صرح بذلك. *فروع تتعلق بمسألة الإصرار: ١ - الفرع الأول: مجرد الإصرار على الذنب ولو كان كبيرة لا يعد قرينة على استحلاله؛ فالاستحلال لا يستفاد من مجرد الفعل ولا المداومة ولا الإصرار عليه، ويدل على ذلك ما يلى: ١ - لم يقل أحد من أهل العلم المتقدمين أن مجرد الإصرار على الذنب يعد استحلالاً له. ٢ - أجمع العلماء على عدم الكفر بفعل الذنوب ولو كان كبيرة، قال ابن عبد البر: اتفق أهل السنة والجماعة على أن أحداً لا يخرجه ذنبه وإن عظم من الإسلام. (٢) وهذا الإجماع دال بعمومه على أن المذنب لا يكفر، ولو كان مداوماً على ذنبه (٣). فهذا الإجماع مع ما أجمعوا عليه من كفر من استحل محرَّماً دليل أن ذات الإصرار والمداومة على الذنب لا يعد استحلالاً. ٢ - الفرع الثاني: الاستحلال عمل قلبى لا يستدل على حصوله بالقرائن

стр. 695

المحتفة، ودليل ذلك فى حديث أسامة بن زيد - رضى الله عنهما- لما قتل رجلاً بعد نطقة بالشهادة؛ ظناً منه أنه قالها تخلَّصاً من السيف، فأنكر عليه النبى ﷺ وقال: " أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَالَهَا، أَمْ لَا؟ (١) قال الخطابي: وفي قوله: " هلا شققتَ عن قلبه ": دليل على أن الحكم إنما يجري على الظاهر، وأن السرائر موكولة إلى الله سبحانه. (٢) - فلو كان الأخذ بالقرائن معتبراً فى الحكم على ما فى القلوب لكان اجتهاد أسامة بن زيد -رضى الله عنهما- أولى بهذا الاعتبار، وقد أجتمع فى ذلك الرجل من القرائن ما تقوي القول بعدم صدق إسلامه مالم يجتمع فى غيره، ومع هذا فقد ألغى النبى ﷺ -اجتهاد ذلك الصحابى، ولم يجز الأخذ بالقرائن في الحكم على ما فى القلوب. (٣) *فإن قيل: ألا يُستدل على أن الاستحلال يعرف بمجرد الفعل بحديث الرجل الذى تزوج امرأه أبيه، ونص الحديث: عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ إِلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ أن أقتله أو أضرب عنقه. (٤)

стр. 696

*الجواب أن يقال: يحمل الحديث على أن النبى ﷺ قد علم أن الرجل قد استحل ذلك بقلبه، وبرهان ذلك من أمور: أن أهل الجاهلية كانوا يستحلون نكاح امرأة الأب، ويعدُّونه من الإرث، فأقدم الرجل على ذلك معتقداً حله، على ما كان يفعله أهل الجاهلية. يقول ابن جرير في شرح حديث البراء: وكان الذي عرَّس بزوجة أبيه متخطياً بفعله حرمتين، وجامعاً بين كبيرتين من معاصي الله: إحداهما: عقد نكاح على من حرم الله عقد النكاح عليه بنص تنزيله بقوله: - ﴿وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء﴾. والثانية: - إتيانه فرجاً محرَّماً عليه إتيانه، وأعظم من ذلك تقدمه على ذلك بمشهد من رسول الله ﷺ وإعلانه عقد النكاح على من حرم الله عليه عقده عليه بنص كتابه الذي لا شبهة في تحريمها عليه وهو حاضره، فكان فعله ذلك من أدل الدليل على تكذيبه رسول الله ﷺ فيما آتاه به عن الله تعالى ذكره، وجحوده آية محكمة في تنزيله... فكان بذلك من فعله حكم القتل وضرب العنق، فلذلك أمر رسول الله ﷺ بقتله وضرب عنقه؛ لأن ذلك كان سنته في المرتد عن الإسلام. (١) *كذلك يقال: أنه قد ورد فى زيادة لهذا الحديث أن النبى ﷺ قد خمَّس مال ذاك الرجل الذى تزوج بامرأه أبيه، وتخميس المال يدل على أنه اعتبره فيئاً، والفئ هو كل مال أُخذ من الكفار بغير قتال، وهذا يدل على أنه قتل مرتداً. (٢) - قَالَ البيهقي: قال أصحابنا: ضرب الرقبة وتخميس المال لا يكون إلا على المرتد، فكأنه استحله مع علمه بتحريمه. (٣)

стр. 697

- قال شيخ الاسلام ابن تيمية: فإن تخميس المال دلَّ على أنه كان كافرًا لا فاسقًا، و كفره بأنه لم يُحرِّم ما حرَّم الله ورسوله. (١) - الحالة الثانية من حالات الحكم بغير ما أنزل الله تعالى: -٢ الجحود: الجحود هو الإنكار مع العلم. فالعلم بالشئ ومعرفته في قرارة النفس، ثم تكذيبه باللسان يسمى جحوداً. والجحود هو نفي ما في القلب اثباته، واثبات ما في القلب نفيه. (٢) قال تعالى (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)) (النمل /١٤) هذه الحالة حكمها الكفر الأكبر بغير خلاف بين العلماء، فقد اتفق أهل السنة والجماعة على كفر من جحد شيئاً من دين الله تعالى. فقد جاء فى رواية ابن عباس ﵄ فى قوله تعالى "وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ " (المائدة/٤٤) قال: " من جحد ما أنزل الله فقد كفر ". (٣) وهو اختيار ابن جرير فى تفسيره، حيث قال ﵀: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قولُ من قال: نزلت هذه الآيات في كفّار أهل الكتاب، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات ففيهم نزلت، وهم المعنيُّون بها، وهذه الآيات سياقُ الخبر عنهم، فكونُها خبرًا عنهم أولى. * فإن قال قائل: فإن الله - تعالى - ذكره قد عمَّ بالخبر بذلك عن جميع منْ لم يحكم بما أنزل الله تعالى، فكيف يُجعل في الجاحد خاصة؟ **فالرد: أن الله- تعالى- عَمَّ بالخبر بذلك عن قومٍ كانوا بحكم الله -تعالى - الذي

стр. 698

حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكمَ، على سبيل ما تركوه، كافرون. وكذلك القولُ في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحدًا به، هو بالله كافر، كما قال ابن عباس، لأنه بجحوده حكم الله بعدَ علمه أنه أنزله في كتابه، نظير جحوده نبوّة نبيّه بعد علمه أنه نبيٌّ. (١) قال الإمام ابن باز: وهذا الحكم فى حق من جحد شيئاً ممَّا أوجبة الله - تعالى - فإنه كافر مرتد عن الإسلام، وإن كان يدعي الإسلام، وهذا بإجماع أهل العلم. (٢) *وكذلك فقد نقل الإجماع على أنَّ ذلك كفر ناقل عن الملة الإمام محمد بن إبراهيم فى رسالة تحكيم القوانين، فقال ﵀: " أن يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله أحقية حكم الله ورسوله، وهذا ما لا نزاع فيه بين أهل العلم ". (٣) *فوائد تتعلق بمسألة الجحود: الجحود هو انكار فى الظاهر، وقد يعتقد الجاحد فى قلبه خلاف ما جحده بظاهره، فيكون مصدقاً بحقيقة وصدق ما جحد به. ويدل على ذلك قوله تعالى " وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (النمل/١٤) وقال تعالى (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) (الأنعام/٣٣) فدل ذلك أنَّ ذات الجحود لا يلزم منه التكذيب، بل قد يقع الجحود مع وجود أصل التصديق فى القلب. ٣ - الحالة الثالثة: التكذيب: وصورتها: أن يحكم بغير ما أنزل الله مكذباً حكم الله تعالى، وهذا من الكفر

стр. 699

الأكبر باتفاق أهل العلم. فروع: يقع فى الكفر كل من كذَّب حكم الله تعالى، وإن لم يكن يحكم بغير ما أنزل الله تعالى. ٤ - الحالة الرابعة: المساواة: وذلك فيمن يعتقد أن حكمه بغير ما أنزل الله -تعالى- يساوى حكم الله تعالى، فضلاً عن اعتقاده أفضلية حكمه عن حكم الله. فكلا الصورتين من الكفر الأكبر المخرج عن الملة. وهذا مما نص عليه الإمام محمد بن إبراهيم فى رسالة "تحكيم القوانين " **نقول: إن اعتقاد التماثل بين حكم الله -تعالى- وحكم الطاغوت كفر ناقل عن الملة وذلك لما يقتضيه ذلك من تسوية المخلوق بالخالق والمناقضة والمعاندة لقوله تعالى: - ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى/١١]؛ ولقوله تعالى ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة /٢٢] (١) *وكذلك فدعوى المساواة بين الحكم الإلهي والحكم الوضعي فيها تنقُّص للرب ﷻ ، وغلو وطغيان في أحكام البشر، وشرك بالله تعالى، لما في هذه المساواة من اتخاذ الأنداد مع الله تعالى، يقول، تعالى ﴿فَلَا تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل، آية ٧٤]. وأخبر تعالى عن أهل النار أنهم يقولون ﴿تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ﴿٩٧﴾ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء، آية ٩٧، ٩٨]. ** وأدلة ذلك: قال تعالى " أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ " (المائدة/٥٠) فمن يعتقد أفضلية حكمه عن حكم الله أو حتى تساويه فهو مكذب بالآية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتفاق

стр. 700

جميع المسلمين أن من سوَّغ اتباع غير دين الإسلام أو اتباع شريعة غير شريعة محمد ﷺ فهو كافر، وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض الكتاب. (١) يقول شهاب الدين الألوسي: لا شك في كفر من يستحسن القانون ويفضله على الشرع ويقول: هو أوفق بالحكمة وأصلح للأمة، ويتميّزغيّظاً ويتقصف غضبا إذا قيل له في أمر: أمر الشرع فيه كذا كما شاهدنا ذلك في بعض من خذلهم الله-تعالى- فأصمهم وأعمى أبصارهم... ، فلا ينبغي التوقف في تكفير من يستحسن ما هو بيّن المخالفة للشرع منها (أي القوانين) ويقدمه على الأحكام الشرعية منتقصاً لها. (٢) وقال الامام ابن باز معلقاً على الناقض الرابع من نواقض الإسلام: " ويدخل فى القسم الرابع: من اعتقد ان الأنظمة و القوانين التى يسنها الناس أفضل من شريعة الإسلام أو أنها مساوية لها، أو انه يجوز التحاكم إليها. (٣) فهذا هو الكفر الناقل من الملة؛ لأنه سوَّى بين الخالق والمخلوق، فقال: حكم هذا مثل حكم هذا، وذلك كما يقول أهل النار نعوذ بالله منها: "تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين"، فهم في ضلال مبين، لماذا؟ لأنهم سوّوهم برب العالمين في التعظيم والمحبة والإجلال واتباع أمرهم وتقدير كلامهم. وهذا هو العدل الذي قال الله ﵎ فيه: " ثم الذين كفروا بربهم يعدلون"، فالعدل هو التسوية في المحبة والإجلال، كما قال تعالى: " يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ " (البقرة: ١٦٥) فمن قال: إن حكم الله - تعالى - مثل حكم ذلك القانون الوضعي الخبيث أو نظيره، فإنه يكون كافراً كفراً ينقل عن الملة، لأنه سوَّى بين الخالق والمخلوق. (٤)

стр. 701

* تنبيه: لا يستدل على التفضيل بعظم الفعل أو التمادي فيه، ولو بلغ أقصى درجاته، وإلا للزم من ذلك تكفير أصحاب المصارف الربوية وأماكن الزنا، لكون القرائن قد اجتمعت واحتفت على تفضيلهم الزنا على العفاف، والربا على البيع، والكسب المشروع، وهذا معلوم البطلان. (١) ٥ - الحالة الخامسة: التبديل: وصورة ذلك أن يحكم بغير ما أنزل الله-تعالى- ويزعم أن ما حكم به هو حكم الله تعالى، وهذا كفر أكبر مخرج من الملة، يدل على ذلك: حديث الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ-رضى الله عنه- لما مُرّواَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمًا مَجْلُودًا، فَدَعَاهُمْ ﷺ ، فَقَالَ: ... «هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟»، قَالُوا: نَعَمْ، فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ، فَقَالَ: «أَنْشُدُكَ بِاللهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ»، قَالَ: لَا، وَلَوْلَا أَنَّكَ نَشَدْتَنِي بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُهُ الرَّجْمَ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا، فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ، وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ، قُلْنَا: تَعَالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ عَلَى شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمَ، وَالْجَلْدَ مَكَانَ الرَّجْمِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) * وأما الإجماع: فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والإنسان متى حلل الحرام - المجمع عليه - أو حرم الحلال - المجمع عليه - أو بدل الشرع - المجمع عليه - كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء. (٣) - يقول القرطبي: إن حكم بما عنده على أنه من عند الله تعالى، فهو تبديل له يوجب الكفر. (٤)

стр. 702

*وعليه: فإن صورة التبديل الموجب للحكم بالكفر ليست محصورة في مطلق التغيير؛ بل هو الذى يُقرن مع التغيير وصفاً آخر، وهو الزعم أن هذا من دين الله تعالى. (١) ثانيا: الحالات التى يكون فيه الحكم بغير ما أنزل الله شركاً أصغر: ١ - الحالة الأولى: الاستبدال: وصورتها أن يحكم بغير ما أنزل الله - تعالى - دون أن ينسب الحكم الذى جاء به لدين الله تعالى، بل تحمله شهوته وهواه على الحكم بغير ما أنزل الله، مع اعتقاده أن حكم الله هو الحق، واعترافه على نفسه بالخطأ. *وحكم هذه الصورة أنها داخلة فى الشرك الأصغر، التى لا تُخرج صاحبها من الملة. *ودليل ذلك الإجماع الذى نقله ابن عبد البر على ذلك، حيث قال: وأجمع العلماء على أنَّ الجور فى الحكم من الكبائر، لمن تعمَّد ذلك عالماً به. (٢) قال شيخ الإسلام ابن تيميه: فمن لم يلتزم تحكيم الله ورسوله فيما شجر بينهم فقد أقسم الله بنفسه أنه لا يؤمن، وأما من كان ملتزماً لحكم الله ورسوله باطناً وظاهراً، لكن عصى واتبع هواه، فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة. (٣)

стр. 703

*ويدل ذلك على: عدم وجود دليل يوجب الكفر الأكبر لمن هذا حاله، والقاعدة أنَّ: " ما ثبت إسلامه بيقين لا يخرج منه إلا بيقين " قال ابن القيم: الصحيح أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين، الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم، فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدل عنه عصيانا، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا كفر أصغر، وإن اعتقد أنه غير واجب، وأنه مخير فيه، مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر. (١) قال ابن العربي: وهذا يختلف إن حكم بما عنده على أنه من عند الله؛ فهو تبديل له يوجب الكفر، وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين. (٢) قال الشيخ محمد بن إبراهيم: وأما " القسم الثاني " من قسمي كفر الحاكم بغير ما أنزل الله، وهو الذي لا يخرج من الملة، فقد تقدَّم أن تفسير ابن عباس ﵄ لقوله عزوجل: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قد شمل ذلك القسم، وذلك في قوله ﵁ في الآية: كفر دون كفر. وقوله أيضاً: ليس بالكفر الذي يذهبون إليه. - وذلك أن تحمله شهوته وهواء على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق وإعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهدى، وهذا وإن لم يخرجه كفره عن الملة فإنه معصية عظمى أكبر من الكبائر كالزنا وشرب الخمر والسرقة واليمين والغموس وغيرها. (٣) فوائد على ما سبق: ١ - لا فرق فى مسألة الاستبدال المجرد بين الاستبدال الكلى أو الجزئى، فلا

стр. 704

يحكم بالكفر الأكبر لمن استبدل كل الشريعة مثلاً، ويحكم بالكفر الأصغرعلى من استبدل بعضها؛ وذلك لأنَّ ادلة الشريعة لم تفرِّق بين استبدال حكم واحد أو أكثر من حكم، وعليه فلا يجوز أن يناط الكفر بشئ لا دليل عليه. ٢ - هذه الحالة كما سبق وذكرنا تقع تحت الشرك الأصغر، طالما لم تصاحبه نيه الجحود أو التكذيب، بل هو الترك المجرد، حتى ولو تيقن أن حكم الله واجب وقال لا أفعله. فنفس هذه العباره لا يكون بها كافراً؛ لاحتمال أن قوله هذا قد حمله عليه شهوته للحكم بما شرع لنفسه. بخلاف ما لو قال: " تحكيم شرع الله واجب، ولكن لا يلزمني فعله"، أو اعتقد وجوب تحكيم ما أنزل الله، لكنه يرى نفسه مخيَّراً فى الترك لذلك، فإن هذا من الشرك الأكبر. *الحالة الثانية: التشريع العام: وصورتها: أن يحكم بغير ما أنزل الله - تعالى - ويجعل هذا الحكم عاماً على كل من تحته، حيث يلزم كل من تحت سلطانه بهذا الحكم ولكن من غير جحود ولا استحلال، ولا تكذيب، ودون أن ينسب هذا الحكم الذى جاء به لدين الله ، كما هو شأن القوانين الوضعية. (١)

стр. 705

وحكم هذه الصورة أنها داخلة فى الكفر الأصغر؛ وذلك لعدم الدليل على دخولها في الشرك الأكبر. فالشريعة لم تعلِّق الكفر على تعميم الحكم أو الإلزام به، كما أن الأدلة لم تفرَّق بين الحاكم الذى يعمم والذى لا يعمم، ولا بين الحاكم الذى يُلزم من تحته والذى لا يُلزم (١). وعليه فإنَّ ذات التشريع ولو كان عاماً لا يكون كفراً، إلا إذا انضم إليه شئ آخر. **قال شيخ الإسلام ابن تيميه: كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله ، كسوالف البادية، وكأوامر المطاعين فيهم، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة. وهذا هو الكفر، فإن كثيرا من الناس أسلموا، ولكن مع هذا لا يحكمون إلا بالعادات الجارية لهم التي يأمر بها المطاعون، فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز الحكم إلا بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك، بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار، وإلا كانوا جهالاً. (٢) فرع: قد استدل البعض على جعل هذه الصورة من الكفر الأكبر بأنَّ الفاعل لذلك ما استبدل حكم الله لحكم نفسه، ثم جعله حكماً عاماً ألزم به من تحته إلا وهو يعتقد أن حكمه أنفع وأصلح من حكم الله تعالى، فالإلزام في التشريع العام هو الإيجاب، ولا يشك عاقل أن من أوجب شيئًا على سبيل العموم فلابد أن يكون مستحلاً له ضمناً، فالإيجاب يتضمن الإباحة ويزيد عليها. (٣)
следующие страницы →