← Акыда

Акыда · id 192

الأربعون العقدية

أيمن إسماعيل

Полный текст (1 126 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

* تنبيه: لا يستدل على التفضيل بعظم الفعل أو التمادي فيه، ولو بلغ أقصى درجاته، وإلا للزم من ذلك تكفير أصحاب المصارف الربوية وأماكن الزنا، لكون القرائن قد اجتمعت واحتفت على تفضيلهم الزنا على العفاف، والربا على البيع، والكسب المشروع، وهذا معلوم البطلان. (١) ٥ - الحالة الخامسة: التبديل: وصورة ذلك أن يحكم بغير ما أنزل الله-تعالى- ويزعم أن ما حكم به هو حكم الله تعالى، وهذا كفر أكبر مخرج من الملة، يدل على ذلك: حديث الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ-رضى الله عنه- لما مُرّواَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمًا مَجْلُودًا، فَدَعَاهُمْ ﷺ ، فَقَالَ: ... «هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟»، قَالُوا: نَعَمْ، فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ، فَقَالَ: «أَنْشُدُكَ بِاللهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ»، قَالَ: لَا، وَلَوْلَا أَنَّكَ نَشَدْتَنِي بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُهُ الرَّجْمَ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا، فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ، وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ، قُلْنَا: تَعَالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ عَلَى شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمَ، وَالْجَلْدَ مَكَانَ الرَّجْمِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) * وأما الإجماع: فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والإنسان متى حلل الحرام - المجمع عليه - أو حرم الحلال - المجمع عليه - أو بدل الشرع - المجمع عليه - كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء. (٣) - يقول القرطبي: إن حكم بما عنده على أنه من عند الله تعالى، فهو تبديل له يوجب الكفر. (٤)

стр. 702

*وعليه: فإن صورة التبديل الموجب للحكم بالكفر ليست محصورة في مطلق التغيير؛ بل هو الذى يُقرن مع التغيير وصفاً آخر، وهو الزعم أن هذا من دين الله تعالى. (١) ثانيا: الحالات التى يكون فيه الحكم بغير ما أنزل الله شركاً أصغر: ١ - الحالة الأولى: الاستبدال: وصورتها أن يحكم بغير ما أنزل الله - تعالى - دون أن ينسب الحكم الذى جاء به لدين الله تعالى، بل تحمله شهوته وهواه على الحكم بغير ما أنزل الله، مع اعتقاده أن حكم الله هو الحق، واعترافه على نفسه بالخطأ. *وحكم هذه الصورة أنها داخلة فى الشرك الأصغر، التى لا تُخرج صاحبها من الملة. *ودليل ذلك الإجماع الذى نقله ابن عبد البر على ذلك، حيث قال: وأجمع العلماء على أنَّ الجور فى الحكم من الكبائر، لمن تعمَّد ذلك عالماً به. (٢) قال شيخ الإسلام ابن تيميه: فمن لم يلتزم تحكيم الله ورسوله فيما شجر بينهم فقد أقسم الله بنفسه أنه لا يؤمن، وأما من كان ملتزماً لحكم الله ورسوله باطناً وظاهراً، لكن عصى واتبع هواه، فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة. (٣)

стр. 703

*ويدل ذلك على: عدم وجود دليل يوجب الكفر الأكبر لمن هذا حاله، والقاعدة أنَّ: " ما ثبت إسلامه بيقين لا يخرج منه إلا بيقين " قال ابن القيم: الصحيح أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين، الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم، فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدل عنه عصيانا، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا كفر أصغر، وإن اعتقد أنه غير واجب، وأنه مخير فيه، مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر. (١) قال ابن العربي: وهذا يختلف إن حكم بما عنده على أنه من عند الله؛ فهو تبديل له يوجب الكفر، وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين. (٢) قال الشيخ محمد بن إبراهيم: وأما " القسم الثاني " من قسمي كفر الحاكم بغير ما أنزل الله، وهو الذي لا يخرج من الملة، فقد تقدَّم أن تفسير ابن عباس ﵄ لقوله عزوجل: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قد شمل ذلك القسم، وذلك في قوله ﵁ في الآية: كفر دون كفر. وقوله أيضاً: ليس بالكفر الذي يذهبون إليه. - وذلك أن تحمله شهوته وهواء على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق وإعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهدى، وهذا وإن لم يخرجه كفره عن الملة فإنه معصية عظمى أكبر من الكبائر كالزنا وشرب الخمر والسرقة واليمين والغموس وغيرها. (٣) فوائد على ما سبق: ١ - لا فرق فى مسألة الاستبدال المجرد بين الاستبدال الكلى أو الجزئى، فلا

стр. 704

يحكم بالكفر الأكبر لمن استبدل كل الشريعة مثلاً، ويحكم بالكفر الأصغرعلى من استبدل بعضها؛ وذلك لأنَّ ادلة الشريعة لم تفرِّق بين استبدال حكم واحد أو أكثر من حكم، وعليه فلا يجوز أن يناط الكفر بشئ لا دليل عليه. ٢ - هذه الحالة كما سبق وذكرنا تقع تحت الشرك الأصغر، طالما لم تصاحبه نيه الجحود أو التكذيب، بل هو الترك المجرد، حتى ولو تيقن أن حكم الله واجب وقال لا أفعله. فنفس هذه العباره لا يكون بها كافراً؛ لاحتمال أن قوله هذا قد حمله عليه شهوته للحكم بما شرع لنفسه. بخلاف ما لو قال: " تحكيم شرع الله واجب، ولكن لا يلزمني فعله"، أو اعتقد وجوب تحكيم ما أنزل الله، لكنه يرى نفسه مخيَّراً فى الترك لذلك، فإن هذا من الشرك الأكبر. *الحالة الثانية: التشريع العام: وصورتها: أن يحكم بغير ما أنزل الله - تعالى - ويجعل هذا الحكم عاماً على كل من تحته، حيث يلزم كل من تحت سلطانه بهذا الحكم ولكن من غير جحود ولا استحلال، ولا تكذيب، ودون أن ينسب هذا الحكم الذى جاء به لدين الله ، كما هو شأن القوانين الوضعية. (١)

стр. 705

وحكم هذه الصورة أنها داخلة فى الكفر الأصغر؛ وذلك لعدم الدليل على دخولها في الشرك الأكبر. فالشريعة لم تعلِّق الكفر على تعميم الحكم أو الإلزام به، كما أن الأدلة لم تفرَّق بين الحاكم الذى يعمم والذى لا يعمم، ولا بين الحاكم الذى يُلزم من تحته والذى لا يُلزم (١). وعليه فإنَّ ذات التشريع ولو كان عاماً لا يكون كفراً، إلا إذا انضم إليه شئ آخر. **قال شيخ الإسلام ابن تيميه: كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله ، كسوالف البادية، وكأوامر المطاعين فيهم، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة. وهذا هو الكفر، فإن كثيرا من الناس أسلموا، ولكن مع هذا لا يحكمون إلا بالعادات الجارية لهم التي يأمر بها المطاعون، فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز الحكم إلا بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك، بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار، وإلا كانوا جهالاً. (٢) فرع: قد استدل البعض على جعل هذه الصورة من الكفر الأكبر بأنَّ الفاعل لذلك ما استبدل حكم الله لحكم نفسه، ثم جعله حكماً عاماً ألزم به من تحته إلا وهو يعتقد أن حكمه أنفع وأصلح من حكم الله تعالى، فالإلزام في التشريع العام هو الإيجاب، ولا يشك عاقل أن من أوجب شيئًا على سبيل العموم فلابد أن يكون مستحلاً له ضمناً، فالإيجاب يتضمن الإباحة ويزيد عليها. (٣)

стр. 706

*وهذا مدفوع من وجوه: (١) الوجه الأول: ما قرره أهل العلم من أنَّ لازم المذهب لا يكون مذهباً للمرء إلا إذا التزمه، والمرء قد يعتقد خلاف مايلزم من قوله. * قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولازم المذهب لا يجب أن يكون مذهباً، بل أكثر الناس يقولون أقوالًا ولا يلتزمون لوازمها. فلا يلزم إذا قال القائل ما يستلزم التعطيل أن يكون معتقداً للتعطيل، بل يكون معتقداً للإثبات، ولكن لا يعرف ذلك اللزوم. (١) وقال ﵀: ولو كان لازم المذهب مذهباً للزم تكفير كل من قال عن الاستواء أو غيره من الصفات أنه مجاز ليس بحقيقة. (٢) *وعليه نقول: قد يقول القائل قولاً ثم تراه معتقداً خلاف لازم قوله، إذ قد ترى من يفعل ذلك - اى فى صورة الباب - وهو يعتقد أن الشريعة أنفع من حكمه الذي حكم به. وعليه فإن ورود هذه الإحتمالات - ولو كانت ظنية- فهي مانعة من الحكم على صاحبها بالكفر، فالقاعدة (أن ماثبت بيقين لا يزول بمجرد الشك) وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات، فالتكفير من باب أولى. * كذلك يقال: أن الإلزام لمن ترك الحكم بما أنزل الله - تعالى- بأنه مستحلٌ فهذا

стр. 707

إلزامٌ غير صحيح؛ لأن دِلالة الفعل الظاهر على الاستحلال في الباطن دِلالة مُحتمِلةٌ لا تقوى على دفع الإسلام الثابت للرجل باليقين؛ لأن من دخل الدين بيقين لم يخرج إلا بيقينٍ مثله. ثم هذا يفتح باباً في تكفير أهل المعاصي؛ إذ كل من يستعظم معصيةً يحكم على صاحبها بأنه كافر لزعْمِهِ أنه مستحل لهذه المعصية. ٣ - الوجه الثاني: يلزم من ذلك تكفير من اتفق أهل السنة على عدم تكفيره، وهو من شرَّع ذنباً ما - دون شرك - ثم ألزم أهله به، وخالف من ينكر عليه، فلا يكفر عند أهل السنة، بل يكفر عند من التزم القول بهذه المقالة. ٤ - الوجه الثالث: أن المخالف في هذا الباب إنما جعل التشريع العام، وتنحية الشريعة قرينة على التفضيل القلبي!! - وجواباً على ذلك أن يقال: أن التفضيل لا يعرف بعظم الفعل والتمادي فيه، ولو بلغ أقصى درجاته، وإلا للزم من ذلك تكفير أصحاب البنوك الربوية وبيوت الفاحشة، لكون القرائن قد اجتمعت على تفضيلهم للربا على الكسب الحلال، وللزنى على العفاف، وهذا معلوم البطلان. (١) *وممَّا سبق يتبين لنا تفريق العلماء بين الحالات التى يكون فيها الحكم بغير ما أنزل الله- تعالى - كفراً أكبر، و الحالات التى يكون فيها كفراً أصغر. وتزيد عن ذلك نقولات لأهل العلم ومنها ما يلى: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وتمام هذا أن الإنسان قد يكون فيه شعبة من شعب الإيمان وشعبة من شعب النفاق؛ وقد يكون مسلما وفيه كفر دون الكفر الذي ينقل عن الإسلام بالكلية كما قال الصحابة: ابن عباس وغيره: كفر دون كفر. وهذا قول عامة السلف وهو الذي نص عليه أحمد وغيره ممن قال في السارق والشارب ونحوهم ممن قال فيه النبي ﷺ ﴿إنه ليس بمؤمن﴾.

стр. 708

إنه يقال لهم: مسلمون لا مؤمنون؛ واستدلوا بالقرآن والسنة على نفي اسم الإيمان مع إثبات اسم الإسلام وبأن الرجل قد يكون مسلما ومعه كفر لا ينقل عن الملة بل كفر دون كفر كما قال ابن عباس وأصحابه في قوله: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ قالوا: كفر لا ينقل عن الملة وكفر دون كفر وفسق دون فسق وظلم دون ظلم. (١) * فتوى الشيخ ابن باز: هل يعتبر الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله كفاراً، وإذا قلنا إنهم مسلمون، فماذا نقول عن قوله تعالى: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"؟ أجاب ﵀ -على السؤال قائلاً: الحكام بغير ما أنزل الله -تعالى - أقسام، تختلف أحكامهم بحسب اعتقادهم وأعمالهم: أ) فمن حكم بغير ما أنزل الله -تعالى- يرى أن ذلك أحسن من شرع الله فهو كافر عند جميع المسلمين. وهكذا من يحكِّم القوانين الوضعية بدلاً من شرع الله ويرى أن ذلك جائز، حتى لو قال: إن تحكيم الشريعة أفضل فهو كافر؛ وذلك لكونه استحل ما حرم الله. ب أما من حكم بغير ما أنزل الله-تعالى- اتباعاً للهوى أو للرشوة أو لعداوة بينه وبين المحكوم عليه أو لأسباب أخرى وهو يعلم أنه عاصٍ لله -تعالى- بذلك وأن الواجب عليه تحكيم شرع الله فهذا يعتبر من أهل المعاصي والكبائر، ويكون ممن أتى كفراً أصغر وظلماً أصغر وفسقاً أصغر، كما جاء هذا المعنى عن ابن عباس ﵄ وعن طاووس وجماعة من السلف الصالح، وهو المعروف عن أهل العلم، والله ولي التوفيق. (٢).

стр. 709

شبهات في مسألة الحاكمية: وهذه جملة من الشبهات التي يستدل بها من يطلق حكم التكفير على من غيَّر حكم الله تعالى، ونذكر منها: ١) الاستدلال بعموم الحكم في قوله تعالى (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) * والجواب عن هذه الشبهة من وجهين: ١) الوجه الأول: أن هذه الآية محمولة على حالة التبديل للشرع، ونسبة ذلك إلى دين الله تعالى، ومما يؤيد ذلك: أولاً: سبب نزول هذه الأية، فهو من المقيَّدات والمفسَّرات: ففي حديث الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ-رضى الله عنه- لما مُرّواَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمًا مَجْلُودًا، فَدَعَاهُمْ ﷺ ، فَقَالَ: «هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟»، قَالُوا: نَعَمْ، فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ، فَقَالَ: «أَنْشُدُكَ بِاللهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ» قَالَ: لَا، وَلَوْلَا أَنَّكَ نَشَدْتَنِي بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُهُ الرَّجْمَ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا، فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ، وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ، قُلْنَا: تَعَالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ عَلَى شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمَ، وَالْجَلْدَ مَكَانَ الرَّجْمِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. (١) *وقد ساق ابن جرير خمسة أقوال في تفسير هذه الآية ثم قال: "وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال: نزلت هذه الآيات في كفار أهل الكتاب، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات فيهم نزلت، وهم المعنيون بها، وهذه الآيات سياق الخبر عنهم، فكونها خبرا عنهم أولى. فإن قال قائل: فإن الله - تعالى - ذكره قد عمَّ بالخبر بذلك عن جميع منْ لم يحكم بما

стр. 710

أنزل الله، فكيف جعلته خاصًّا؟ قيل: إن الله - تعالى - عَمَّ بالخبر بذلك عن قومٍ كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكمَ على سبيل ما تركوه كافرون. وكذلك القولُ في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحدًا به هو بالله كافر، كما قال ابن عباس؛ لأنه بجحوده حكم الله بعدَ علمه أنه أنزله في كتابه، نظير جحوده نبوّة نبيّه بعد علمه أنه نبيٌّ. (١) - أقول: وما قاله ابن جرير الطبري ﵀ في قوله بعموم الآية لمن كان هذا حاله قد سبقه إليه الصاحب الجليل حذيفة بن اليمان ﵁، فعن همام، قال: كنا عند حذيفة ﵁ فذكروا ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ فقال رجل من القوم: إن هذا في بني إسرائيل، فقال حذيفة رضى الله عنه: «: «نِعْمَ الْإِخْوَةُ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِنْ كَانَ لَكُمُ الْحُلْوُ وَلَهُمُ الْمُرُّ، كَلَّا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى تَحْذُوا السُّنَّةَ بِالسُّنَّةِ حَذْوَ الْقُذَّةَ بِالْقُذَّةَ». (٢) * وجملة القول: أن الآية نزلت في اليهود الجاحدين لما أنزل الله تعالى، فمن شاركهم في الجحد، فهو كافر كفراً اعتقادياً، ومن لم يشاركهم في الجحد فكفره عملي لأنه عمل عملهم، فهو بذلك مجرم آثم، ولكن لا يخرج بذلك عن الملة، كما تقدم عن ابن عباس ﵁. (٣) *الجواب الثاني: أن القول بظاهر هذه الأية وحملها على الكفر الأكبرمما شاع استعماله مذهباً للخوارج والمعتزلة. فقد احتج بها الخوارج والمعتزلة على الحكم

стр. 711

بتكفير أهل الكبائر، على اختلافهم في توصيفه في الحال دون المآل، كما نص على ذلك القاضي عبد الجبار. (١) وقال القرطبي بعد أن نسب القول بظاهر هذه الآية للخوارج: وهذه الآيات المراد بِهَا أهل الكفر والعناد، وأنَّهَا وإن كانت ألفاظها عامة، فقد خرج منها المسلمون؛ لأن ترك العمل بالحكم مع الإيمان بأصله هو دون الشرك، .... وقد تأولت الخوارج هذه الآية على تكفير من ترك الحكم بما أنزل الله من غير جحود. وقال ﵀: يحتج بظاهرها من يكفر بالذنوب، وهم الخوارج، ولا حجة لهم فيه؛ لأن هذه الآيات نزلت في اليهود المحرِّفين كلام الله تعالى، كما جاء في الحديث وهم كفار، فيشاركهم في حكمها من يشاركهم في سبب النزول. (٢) *الجوب الثالث: أن يحمل الكفر الوارد في الأية على الكفر الأصغر: فقد ورد عن عن طاووس، قال: قال ابن عباس ﵄: إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، إنه ليس كفراً ينقل عن الملة، هو كفر دون كفر. (٣) فائدة: وقد ورد هذا التفسير عن ابن عباس -رضى الله عنهما- بعدة ألفاظ، نذكر منها: ١ - قال: "هي به كفر"، وهذا قد رواه الطبري في التفسير (١٠/ ٣٦٥) وابن كثير في التفسير (٣/ ١٢٠) عن عبدالرزاق عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس، وهذا سندٌ صحيح لا مطعن فيه.

стр. 712

٢ - قال: "هي به كفرٌ، وليس كفراً بالله وملائكته وكتبه ورسله" رواه الطبري (التفسير) من طريق سفيان عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس؛ وهذا -كسابقه- سندٌ لا مطعن فيه. (١) ولكنَّ هذين الأثرين الثابتين عن ابن عباس ﵄ ليسا بصريحين في أنه فسّره بالكفر الأصغر؛ إذ قد يقال: يريد أنه كفر أكبر، لكنه أقل من رُتْبَةِ الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله. وهذا كلامٌ محتملٌ لولا أنه صح عن اثنين من أصحاب ابن عباس، وهما: (طاووس، عطاء) *أما أثر عطاء بن أبي رباح فقد ذكر هذه الآيات، ثم قال: كفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم فإسناده صحيح. (٢) *وأما أثر طاووس فقد رواه عنه سعيد المكي، فقد قال طاووس (وقد ذكر الآية) قال: ليس بكفر ينقل عن الملة. (٣) فهذا يؤكد أن قول ابن عباس -رضى الله عنهما - إنما هو على إرادة الشرك الأصغر؛ فإن أقوال أصحاب الرجل -في الأغلب- توضِّح قوله، ومذهب الصحابيِّ يؤخذ من مذهب أصحابه. (٤) *و قد ذكر الشالنجي أنه سأل الإمام أحمد عن هذه الآية؟ فقال: كفر لا ينقل عن الإيمان، مثل الإيمان بعضه دون بعض، فكذلك الكفر،

стр. 713

حتى يجيء من ذلك أمر لا يختلف فيه. (١) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وإذا كان من قول السلف إنَّ الإنسان يكون فيه إيمان ونفاق، فكذلك في قولهم إنه يكون فيه إيمان وكفر، وليس هو الكفر الذي ينقل عن الملة، كما قال ابن عباس وأصحابه في قوله تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ * قالوا: كفراً لا ينقل عن الملة، وقد اتبعهم على ذلك أحمد وغيره من أئمة السنة ". (٢) قال ابن القيم: تأويل ابن عباس وعامة الصحابة في قوله تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال ابن عباس: ليس بكفر ينقل عن الملة، بل إذا فعله فهو به كفر، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر، وكذلك قال طاووس، وقال عطاء: هو كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق........ الصحيح أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم، فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدل عنه عصياناً، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا كفر أصغر، وإن اعتقد أنه غير واجب، وأنه مخيَّر فيه، مع تيقنه أنه حكم الله فهذا كفر أكبر، وإن جهله وأخطأه فهذا مخطئ له حكم المخطئين، والله أعلم. (٣) *الشبهة الثانية: وهو الإجماع الذي نقله الحافظ بن كثير- ﵀ على من كفر من حكم بـ "الياسق "، وتنزيله على كل من لم يحكم بما أنزل الله تعالى. ونص كلامه: " من ترك الشرع المحكم المنزَّل على محمد خاتم الأنبياء ﵊، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسق، وقدَّمها

стр. 714

عليه؟! من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين. (١) *والجواب عن هذه الشبهة بما يلي: أن هؤلاء الذين جاؤوا بالياسق إنما كفروا لأنهم جعلوا الياسق شرعاً، وقدَّموه على شرع الله تعالى، وهذا لا خلاف في كفر من فعله، وهذا يتضح من عبارة ابن كثير في التفسير، حيث قال: الياسق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعاً متبعاً، يقدِّمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ومن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله ﷺ . (٢) فقوله ﵀: "فصارت في بنيه شرعاً متبعاً، يقدِّمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ " دل على أنهم جعلوا الياسق ديناً لهم، بل وقدِّموه على شرع الله. وقوله: " يقدِّمونها": والتقديم هو التفضيل، وهو عمل قلبي يكفر به صاحبه، وليس المقصود هنا مجرد التقديم الظاهري للحكم بغير ما أنزل الله؛ وإلا للزم القول بتكفير كل من حكم بغير ما أنزل الله - تعالى -ولو في قضية واحدة، وللزم من ذلك دخوله في الاجماع وتكفيره بذلك، وهذا باطل قطعاً. (٣) * وتأمل في قول السبكي وهو يصف الياسق بقوله: لَا زَالَ أمره - أي جنكزخان طاغية التتار - يعظم وَيكبر، وَكَانَ من أَعقل النَّاس وَأخْبرهمْ بالحروب، وَوضع لَهُ شرعاً اخترعه ودينا ابتدعه، لَعنه الله الياسا. (٤)

стр. 715

*الشبهة الثالثة: قوله تعالى (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء/٦٥) ووجه الدلالة: أن الله -تعالى- نفى الإيمان عمّن لم يحكِّم الشرع؛ فيكون الحاكم بغير ما أنزل الله بمجرد تحكيمه كافراً كفراً أكبر لأنه حكّم غير شرع الله. والجواب على ذلك: أن النفى الوارد فى الأية إنما هو نفى لكمال الإيمان لا أصله، ومن الصوارف فى الآية: ان هذه الآية قد نزلت فى رجل من أهل بدر، والحديث في الصحيحين، والبدريون معصومون من الوقوع فى الكفر الأكبر. (١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذه الآيه ممَّا يحتج بها الخوارج على تكفير ولاة الأمر الذين لا يحكمون بما انزل الله. (٢) * الشبهة الرابعة: قال تعالى (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة: ٥٠) فوصف الله -تعالى - من يترك حكمه أنه مُريدٌ لحكم الجاهلية؛ وحكم الجاهلية كفرٌ!! *والجواب: أن إضافةُ الشيء إلى الجاهلية أو وصفه بأنه من أعمال أهل الجاهلية لا يدل على الكفر، وقد قال الرسول الله ﷺ لأبي ذر ﵁: "إنك امرؤٌ فيك جاهلية ". (٣) ووصف أموراً بأنها من أعمال الجاهلية كالنياحة على الميت

стр. 716

وغيرها، ولا يلزم أن تكون كفراً. قال أبو العباس ابن تيمية: وتمام هذا أن الإنسان قد يكون فيه شعبة من شعب الإيمان وشعبة من شعب النفاق؛ وقد يكون مسلماً وفيه كفر دون الكفر الذي ينقل عن الإسلام بالكلية، كما قال الصحابة: ابن عباس وغيره: كفر دون كفر. وهذا قول عامة السلف وهو الذي نص عليه أحمد وغيره ممن قال في السارق والشارب ونحوهم ممن قال فيه النبي ﷺ ﴿إنه ليس بمؤمن﴾. إنه يقال لهم: مسلمون لا مؤمنون؛ واستدلوا بالقرآن والسنة على نفي اسم الإيمان مع إثبات اسم الإسلام. (١) قال أبو عبيد القاسم بن سلام: " قوله: (أفحكم الجاهلية يبغون) تأويله عند أهل التفسير أن من حكم بغير ما أنزل الله وهو على ملة الإسلام كان بذلك الحكم كأهل الجاهلية، وإنما هو أن أهل الجاهلية كذلك كانوا يحكمون ". (٢) * وختاما: ركن الفتاوى: فتوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: قال في " له: "وكذلك تحقيق معنى محمد رسول الله: من تحكيم شريعته، والتقيد بها، ونبذ ما خالفها من القوانين والأوضاع وسائر الأشياء التي ما أنزل الله بها من سلطان، والتي من حكم بها أو حاكم إليها؛ معتقداً صحة ذلك وجوازه؛ فهو كافر الكفر الناقل عن الملة، فإن فعل ذلك بدون اعتقاد ذلك وجوازه؛ فهو كافر الكفر العملي الذي لا ينقل عن الملّة". (٣)

стр. 717

- الشيخ محمد الأمين الشنقيطي قال في "أضواء البيان" (٢/ ١٠٤): " واعلم: أن تحرير المقال في هذا البحث: أن الكفر والظلم والفسق، كل واحد منها أطلق في الشرع مراداً به المعصية تارة، والكفر المخرج من الملة أخرى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ﴾ معارضاً للرسل، وإبطالاً لأحكام الله؛ فظلمه وفسقه وكفره كلها مخرج من الملة. ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ﴾ معتقداً أنه مرتكب حراماً، فاعل قبيحاً، فكفره وظلمه وفسقه غير مخرج من الملة". *فتوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز- ﵀ عندما سئل عن حكم من حكم بغير ما أنزل الله. قال: ((من حكم بغير ما أنزل الله فلا يخرج عن أربعة أنواع: ١ - من قال: أنا أحكم بهذا لأنه أفضل من الشريعة الإسلامية، فهو كافر كفراً أكبر. ٢ - ومن قال: أنا أحكم بهذا لأنه مثل الشريعة الإسلامية، فالحكم بهذا جائز، وبالشريعة جائز، فهو كافر كفراً أكبر. ٣ - ومن قال: أنا أحكم بهذا، والحكم بالشريعة الإسلامية أفضل، لكن الحكم بغير ما أنزل الله جائز، فهو كافر كفراً أكبر. ٤ - ومن قال: أنا أحكم بهذا، وهو يعتقد أن الحكم بغير ما أنزل الله لا يجوز، ويقول: الحكم بالشريعة الإسلامية أفضل، ولا يجوز الحكم بغيرها، ولكنه متساهل، أو يفعل هذا لأمر صادر من حُكَّامه، فهو كافر كفراً أصغر لا يخرج من الملة، ويعتبر من أكبر الكبائر). (١)

стр. 718

*الشيخ محمد بن صالح العثيمين: سُئل في شريط "التحرير في مسألة التكفير" بتاريخ (٢٢/ ٤/١٤٢٠) سؤالاً مفاده: إذا ألزم الحاكم الناس بشريعة مخالفة للكتاب والسنة مع اعترافه بأن الحق ما في الكتاب والسنة لكنه يرى إلزام الناس بهذا الشريعة شهوة أو لاعتبارات أخرى، هل يكون بفعله هذا كافراً أم لابد أن يُنظر في اعتقاده في هذه المسألة؟ فأجاب: "... أما في ما يتعلق بالحكم بغير ما أنزل الله؛ فهو كما في كتابه العزيز، ينقسم إلى ثلاثة أقسام: كفر، وظلم، وفسق، على حسب الأسباب التي بُني عليها هذا الحكم، فإذا كان الرجل يحكم بغير ما أنزل الله تبعاً لهواه مع علمه أن بأن الحق فيما قضى الله به؛ فهذا لا يكفر لكنه بين فاسق وظالم، وأما إذا كان يشرع حكماً عاماً تمشي عليه الأمة يرى أن ذلك من المصلحة وقد لبس عليه فيه فلا يكفر أيضاً، لأن كثيراً من الحكام عندهم جهل بعلم الشريعة ويتصل بمن لا يعرف الحكم الشرعي، وهم يرونه عالماً كبيراً، فيحصل بذلك مخالفة، وإذا كان يعلم الشرع ولكنه حكم بهذا أو شرع هذا وجعله دستوراً يمشي الناس عليه؛ نعتقد أنه ظالم في ذلك وللحق الذي جاء في الكتاب والسنة أننا لا نستطيع أن نكفر هذا، وإنما نكفر من يرى أن الحكم بغير ما أنزل الله أولى أن يكون الناس عليه، أو مثل حكم الله فإن هذا كافر لأنه يكذب بقول الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.

стр. 719

*العلامة الشيخ عبد المحسن العباد البدر - حفظه الله - سُئل في المسجد النبوي في درس شرح سنن أبي داود بتاريخ: ١٦/ ١١/١٤٢٠: هل استبدال الشريعة الإسلامية بالقوانين الوضعية كفر في ذاته؟ أم يحتاج إلى الاستحلال القلبي والاعتقاد بجواز ذلك؟ وهل هناك فرق في الحكم مرة بغير ما أنزل الله، وجعل القوانين تشريعاً عاماً مع اعتقاد عدم جواز ذلك؟ فأجاب: "يبدو أنه لا فرق بين الحكم في مسألة، أو عشرة، أو مئة، أو ألف - أو أقل أو أكثر - لا فرق؛ ما دام الإنسان يعتبر نفسه أنه مخطئ، وأنه فعل أمراً منكراً، وأنه فعل معصية، وانه خائف من الذنب، فهذا كفر دون كفر. وأما مع الاستحلال - ولو كان في مسألة واحدة، يستحل فيها الحكم بغير ما أنزل الله، يعتبر نفسه حلالاً-؛ فإنه يكون كافراً ". ** قال الشيخ ابن جبرين: " أما الأمور التي قد يدخلها الاجتهاد وهي ما عليه كثير من الولاة مما يسمى حكماً بالقوانين، فمثل هذه الأحكام الغالب عليها أنهم يرون فيها مصلحة، وأنهم لم يلغوا الشرع إلغاءً كلياً بحيث لا يحكمون منه بشيء لأن الله قال: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ). فمثل هؤلاء: إذا كان لهم وجهة فلا نقول بكفرهم، ولكننا نخطئهم في هذا الاجتهاد الذي هو تغيير شيء من الشرع ولو كان عن طريق الاجتهاد فمثلاً: إباحتهم للزنا (١)، إذا كان برضى الطرفين، وكذلك تركهم -أو إلغاؤهم- للحدود، كحد السرقة وحد القذف وحد شرب الخمر وإباحة الخمر (٢)، وإعلان بيعها وما أشبه ذلك؛ لا شك أن هذا ذنبٌ كبير.

стр. 720

ولكن قد يكون لهم - مثلاً - من الأعذار ما يرون أنهم يعذرون فيه؛ فيعتذرون أن في بلادهم من ليس بمسلمين، وأن التشديد عليهم فيه تنفيرٌ. وإذا كان لهم وجهة فالله حسبهم. " اهـ. (١) * فتوى الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (المتوفى: ١٢٩٣ هـ) - فقد نقل ما ذكره في شأن الأعراب من الفرق بين من استحل الحكم بغير ما أنزل الله، ومن لم يستحل، هو الذي عليه العمل، وإليه المرجع عند أهل العلم، يعني أن من استحل الحكم بغير ما أنزل الله، ورأى أن حكم الطاغوت أحسن من حكم الله، وأن الحضر لا يعرفون إلا حكم المواريث، وأن ما هم عليه من السوالف والعادات هو الحق، فمن اعتقد هذا فهو كافر. وأما من لا يستحل هذا، ويرى أن حكم الطاغوت باطل، وأن حكم الله ورسوله هو الحق، فهذا لا يكفر، ولا يخرج من الإسلام. ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ (٢). تم بحمد الله.

стр. 721

الحديث الخامس والعشرون: ذات العماد شرح حديث حق الله على العباد

стр. 722

* نص حديث الباب: عَنْ مُعَاذٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ- ﷺ -عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ، فَقَالَ: ... «يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟»، قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ العِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟ قَالَ: «لَا تُبَشِّرْهُمْ، فَيَتَّكِلُوا»، فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذُ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا. * تخريج الحديث: أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب من خص بالعلم قوما دون قوم، كراهية أن لا يفهموا، برقم (١٢٨) وأخرجه مسلم كِتَاب الْإِيمَانَ، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة، حديث رقم (٣٠) * الفوائد المتعلقة بحديث الباب: الفائدة الأولى: قوله ﷺ : " حَقَّ اللَّهِ عَلَى العِبَادِ: أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا " وحق الله -تعالى- على العباد، هو ما يستحقه عليهم ويجعله متحتمًا، وهو أن يعبدوه تعالى، هذا هو حق الله على عباده، من أولهم إلى آخرهم، كما في قوله تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾، وهو أول الحقوق، وآكد الحقوق. والعبادة المأمور بها هي كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة " ويقول ﵀: لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، فهي

стр. 723

تتضمن غاية الذل لله - تعالى - بغاية المحبة له. (١) وقوله ﷺ : " ولا يشركوا به شيئاً ": فى دلالة على أنه لا يكفي فقط العبادة، لأن الكفار كانوا يصرفون شيئاً من العبادة لله تعالى، لكنهم يشركون معه غيره، ولذلك لابد من عبادة الله - تعالى - مع عدم إشراك غيره معه. *الفائدة الثانية: *وأما قوله ﷺ : " وَحَقَّ العِبَادِ عَلَى اللَّهِ... " ففي تفسيرها وجوه: ١ - هى من باب قول الرجل لصاحبه " حقك عليَّ واجب "، أي: متأكد قيامي به، ولله المثل الأعلى؛ فإن الله -تعالى - يخبر عباده عن حقهم الذي وعدهم به، ومن صفة وعده أن يكون واجب الإنجاز، فهو حق بوعده الحق، لا أنهم يستحقون ذلك بعمل عقلاً. (٢) ٢ - أنها خرجت على سبيل المشاكلة، ونظير ذلك ما ورد في حديث أَنَس بْن مَالِكٍ- ﵁ لما مَرُّوا بِجَنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَجَبَتْ»، ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: «وَجَبَتْ» (٣) ... ، فالثناء لا يستعمل إلا في الخير، واستعماله في الشر هنا على سبيل المشاكلة. فيكون المعنى في حديث الباب: أن حق العباد على الله -تعالى - إنما أُطلق هناعلى سبيل المقابلة لحقه عليهم، لا أنهم يستحقون عليه شيئًا. *و الصحيح في ذلك أن حق العباد على الله -تعالى- ليس حق وجوب، بل هو حق تفضل وحق تكرُّم؛ وذلك لأنه الذي وفَّقهم وأنعم عليهم، ثم هو وعدهم -وهو لا يخلف الميعاد- أن من وحدَّه فإنه يثيبه وينعِّمه، وأنه لا يعذِّبه إذا مات على التوحيد الصحيح الصادق.

стр. 724

فحق العباد على الله -عزوجل- إنما يحصل لأنه سبحانه أصدق قيلاً، وأحق من وفَّى بوعده، قال تعالى (وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ) (التوبة: ١١١). *فرع: وقد تمسَّك المعتزلة بظاهر حديث الباب فيما ذهبوا إليه من القول بمسألة " الواجب على الله "؛ فبناءً على قولهم بالحسن والقبح العقليين فقد أوجبوا على الله تعالى أموراً، بدعوى أن عدم تقديرها سيكون مخلاً بالحكمة والعدل والصلاح؛ فيكون لازماً لاقتضاء الحكمة إياه. وهم يرون وجوب ما حكم العقل بحسنه على الله تعالى، وأن تركه نقص يتنزَّه الله عنه. (١) وفى ذلك يقول القاضي عبدالجبار: "وأما علوم العدل؛ فهو أن يعلم أن أفعال الله- تعالى- كلها حسنة، وأنه لا يفعل القبيح، ولا يخل بما هو واجب عليه، وأنه لا يكذب في خبره، ولا يجور في حكمه ". (٢) * وعلى الجانب الآخر: يرى الأشاعرة في مسألة الوجوب في حق الله تعالى: أن الله - تعالى - لا يجب عليه شيء؛ ويمنعون وجوب شيء في حقه تعالى عقلاً؛ لأنه المالك على الإطلاق، وله التصرف في ملكه كيف يشاء، واتفقوا على بطلان التحسين والتقبيح العقليين، فلا حكم للأفعال قبل الشرع بالحسن أو القبح. (٣)

стр. 725

* ومما سبق يتبين لنا أنه قد ترتب على كلا القولين: ١ - أن المعتزلة أفرطوا في تمجيد العقل، حتى أوجبوا بمقتضاه الصلاح على الله تعالى؛ وذلك يتحقق بأن يفعل الله -تعالى - الصلاح أو الأصلح لعباده، على خلاف بين معتزلة بغداد ومعتزلة البصرة. وأن الإنسان مكلف قبل ورود الشرع بما دل عليه العقل، كوجوب شكر المنعم، ومكلف بمحاسن الأخلاق. (١) ٢ - أن الأشاعرة قد أطلقوا القول بنفي الوجوب في حقه تعالى؛ فلم ينزهوه عن فعل شيء، بناءً منهم على نفي التحسين والتقبيح العقليين، وعليه فقد جوَّزوا على الله -تعالى- إرادة الخير والشر، دون أن يفرقوا بين دلالة الإرادة الكونية و دلالة الإرادة الشرعية. فتراهم يقولون أن الحسن والقبح تابعان لأمر الشارع ونهيه، وأنه لو عكس الشارع القضية فقبَّح ما حسَّنه وحسَّن ما قبَّحه لجاز ذلك، فلا يقبح منه أن يعذِّب المؤمنين، ويدخل الكافرين الجنان، وهذا مبني على مسألة نفي الأشاعرة للحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى. (٢) * وهدى الله -تعالى- الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فقالوا: أما ما يتعلق بمسألة التحسين والتقبيح العقليين فمذهب أهل السنة في الرد على المعتزلة يتلخص في المحاور التالية: ١ - الأول: العقل يمكنه أن يدرك حسن وقبح كثيراً من الأشياء لصفاتها الذاتية، وذلك قبل ورود الشرع، دون أن يترتب على هذا الادراك أى حكم شرعي، حتى يرد الشرع فيحكم بذلك؛ فإن الظلم والشرك والكذب والفواحش كل ذلك قبيح قبل مجيء الرسول، لكن العقوبة لا تستحق إلا بمجيء الرسول ﷺ . (٣)

стр. 726

٢ - الثاني: أن مقياس الصلاح والأصلح ليس راجعاً إلى مقياس عقول البشر، بل إن ذلك راجع إلى ما تقتضيه حكمة الله تعالى، فقد تكون على خلاف ما يراه الخلق بادئ الرأي في عقولهم القاصرة؛ فانقطاع المطر قد يبدو لكثير من الناس أنه ليس الأصلح بينما قد يكون هو الأصلح، لكنه مراد لغيره؛ لقوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١]. وكذلك استدراج الكفار بالنعم، وابتلاء المسلمين بالمصائب كل ذلك يحمل في طياته ضروباً من الحكم التي لا تحيط عقول البشر إلا بأقل القليل منها. بل إن خلق إبليس، وتقدير المعاصي، وتقدير الآلام يتضمن حكماً تبهر العقول وتُبين عن عظيم حكمة أحكم الحاكمين. (١) ٣ - الثالث: أن القول برعاية الصلاح أو الأصلح مبني على تشبيه الخالق بالمخلوق فيما يحسن من أفعاله ويقبح، وذلك باطل شرعاً وعقلاً؛ وذلك لأن التشبيه فى الأفعال كالتشبيه فى الذات والصفات. قال ابن القيم: قياس أفعال الله -تعالى- على أفعال عباده من أفسد القياس وأعظمه بطلاناً؛ فإنه تعالى كما أنه ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته فكذلك ليس كمثله شيء في أفعاله. وكيف يقاس على خلقه في أفعاله فيحسن منه ما يحسن منهم ويقبح منه ما يقبح منهم، ونحن نرى كثيراً من الأفعال تقبح منا وهي حسنة منه تعالى؟! كإيلام الأطفال والحيوان، وإهلاك من لو أهلكناه نحن لقبح منا من الأموال والأنفس وهو منه تعالى مستحسن غير مستقبح. وترك إنقاذ الغرقي والهلكي قبيحاً منا، وهو سبحانه إذا أغرقهم وأهلكهم لم يكن قبيحاً منه، وإذا كان هذا شأنه سبحانه وشأننا، فكيف يصبح قياس أفعاله على أفعالنا؟! (٢)

стр. 727

٤ - الرابع: قال تعالى ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧] قال ابن القيم: فهذا يدل على أن ما قدَّمت أيديهم سبب لنزول المصيبة بهم، ولولا قبحه لم يكن سبباً، لكن امتنع إصابة المصيبة لانتفاء شرطها، وهو عدم مجيء الرسول إليهم، فمذ جاء الرسول انعقد السبب، ووجد الشرط، فأصابهم سيئات ما عملوا، وعوقبوا بالأول والآخر. (١) وقال ﵀: وهذا صريح في أن أعمالهم قبل البعثة كانت قبيحة بحيث استحقوا أن يصيبوا بها المصيبة، ولكنه سبحانه لا يعذِّب إلا بعد إرسال الرسل، وهذا هو فصل الخطاب. وتحقيق القول في هذا الأصل العظيم أن القبح ثابت للفعل في نفسه، وأن الله -تعالى- لا يعذِّب عليه إلا بعد إقامة الحجة بالرسالة. (٢) ٥ - الخامس: فارق بين حق المخلوق على الخالق ، الذى هو سبيله التكرُّم والتفضّل والإحسان من الخالق على عباده، وبين حق المخلوق على المخلوق الذى سبيله الاستحقاق والإيجاب. لذا فكل نصوص الوعد هى حق للعباد على ربهم، وهو إستحقاق فضل وإنعام، لا ينافي الاختيار والاستعلاء المطلق؛ لأن الله -تعالى- قد أوجب الثواب على نفسه، والإيجاب الصادر من الذات لا يستلزم الإلجاء إلى الإنجاز أو ينافي الاستعلاء المطلق. (٣) * وقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية موقف السلف في مسألة الوجوب على الله تعالى، حيث يقول: وأما الإيجاب عليه ، والتحريم بالقياس على خلقه، فهذا قول القدرية - أي المعتزلة - وهو قول مبتدع مخالف لصحيح المنقول وصريح

стр. 728

المعقول. وأهل السنة متفقون على أنه سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن العباد لا يوجبون عليه شيئاً. ولهذا كان من قال من أهل السنة بالوجوب قال: إنه كتب على نفسه الرحمة، وحرَّم الظلم على نفسه، لا أن العبد نفسه مستحق على الله شيئاً كما يكون للمخلوق على المخلوق، فإن الله هو المنعم على العباد بكل خير فهو الخالق لهم وهو المرسل إليهم الرسل، وهو الميسر لهم الإيمان والعمل الصالح. (١) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: كون المطيع يستحق الجزاء، هو استحقاق إنعام وفضل، ليس هو استحقاق مقابلة كما يستحق المخلوق على المخلوق. (٢) ما للعباد عليه حق واجب... كلا ولا سعي لديه ضائع إن عذبوا فبعدله أو نعموا... فبفضله وهو الكريم الواسع. (٣) ٦ - السادس: مما يدل على تناقض المعتزلة وفساد منهجهم في هذا الباب أنهم مع القول بوجوب اختيار الأصلح على الله -تعالى- لعباده تراهم يستحسنون الحكم بالخلود في النار على صاحب الكبيرة وإن قضى حياته في فعل الخيرات، فأوجبوا على الله -تعالى - تعذيبه، واستقبحوا العفو عنه. (٤) فأين صلاح العبد في ذلك؟!، بل أين العدل الذي هو أحد أصولكم فى الاعتقاد؟! وقد وضَّح شيخ الإسلام ابن تيمية مذهب أهل الحق في هذه المسألة توضيحاً كاملًا، فقسَّم الأفعال إلى ثلاثة أنواع:

стр. 729

"أحدها: أن يكون الفعل مشتملًا على مصلحة أو مفسدة، ولو لم يرد الشرع بذلك، كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة العالم، والظلم يشتمل على فسادهم، فهذا النوع هو حسن أو قبيح، وقد يعلم بالعقل والشرع قبح ذلك، لا أنه ثبت للفعل صفة لم تكن، لكن لا يلزم من حصول هذا القبح أن يكون فاعله معاقباً في الآخرة إذا لم يرد شرع بذلك، وهذا ما غلط فيه غلاة القائلين بالتحسين والتقبيح، فإنهم قالوا: إن العباد يعاقبون على أفعالهم القبيحة، ولو لم يبعث الله إليهم رسولًا، وهذا خلاف النص، قال تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الإسراء: ١٥] ... النوع الثاني: أن الشارع إذا أمر بشيء صار حسناً، وإذا نهى عن شيء صار قبيحاً، واكتسب الفعل صفة الحسن والقبح بخطاب الشارع. النوع الثالث: أن يأمر الشارع بشيء يمتحن العبد، هل يطيعه أم يعصيه، ولا يكون المراد فعل المأمور به، كما أمر إبراهيم بذبح ابنه فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [الصافات: ١٠٣] حصل المقصود، ففداه بالذبح، وكذلك حديث أبرص وأقرع وأعمى، فلما أجاب الأعمى قال الملك: " أمسك عليك مالك، فإنما ابتليتم، فرضي عنك وسخط على صاحبيك"، فالحكمة منشؤها من نفس الأمر لا من نفس المأمور به. وهذا النوع والذي قبله لم يفهمه المعتزلة، وزعمت أن الحسن والقبح لا يكون إلا لما هو متصف بذلك بدون أمر الشارع، والأشعرية ادعوا أن جميع الشريعة من قسم الامتحان، وأن الأفعال ليست صفة لا قبل الشرع ولا بالشرع. وأما الحكماء والجمهور فأثبتوا الأقسام الثلاثة، وهو الصواب". (١) * ومما أشكل به المعتزلة فى زعمهم أن دخول الجنة إنما يكون بعمل العبد وسعيه، قوله تعالى (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [النحل: ٣٢]، وقوله: (جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة: ١٧] (٢)

стр. 730

* والرد عليهم: إن أشكلتهم بهذه الآيات على زعمكم الباطل، فيلزمكم أن تجيبوا عمَّا رواه أَبو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَنْ يُنْجِيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُه، قَالَ رَجُلٌ: وَلَا إِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "وَلَا إِيَّايَ، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ، وَلَكِنْ سَدِّدُوا ". (١) فالنص صريح أن أعمال العباد لن تنجيهم عند ربهم -تعالى- يوم القيامة!! ولكنَّ أهل السنة جمعوا بين ما ظاهره التعارض؛ لأنهم دوماً هم أسعد الناس فهماً لأدلة الشرع، وأكثرهم توفيقاً وعملاً بنصوص الوحيين. * فيقال: لا تعارض بين الآية وما دل عليه الحديث، بل يُجمع بينهما من وجوه: ١ - الأول: أنَّ دخول الجنة برحمته تعالى، ولكن انقسام المنازل بحسب الأعمال. قَالَ ابن عيينة: كانوا يرون النجاة من النار بعفو الله ودخول الجنة بفضله، واقتسام المنازل بالأعمال. (٢) ٢ - الثانى: أن الآية دلت على أن الأعمال سبب لدخول الجنة، وليست ثمناً لها، وأما الحديث نفى أن تكون الأعمال ثمناً للجنة. فالباء التي في النفي غير الباء التي في الإثبات، فالباء المنفية في قوله ﷺ : (لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ) هى باء العِوض والمقابلة، وهو أن يكون العمل كالثمن لدخول الرجل إلى الجنة، وأنَّ صاحب العمل يستحق عَلَى الله -تعالى- دخول الجنة كما يستحق من دفع ثمن سلعة إِلَى صاحبها تسليم سلعته، كما زعمت المعتزلة أن العامل مستحق دخول الجنة على ربه بعمله، بل نقول إن ذلك إنما يحصل برحمة الله وفضله. والباء المثبتة في قوله (جَزَاء

стр. 731

بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) هى باء السببية، وقد جعل الله -تعالى- العمل سببًا لدخول الجنة، والله - تعالى- هو خلق الأسباب والمسببات، فرجع الكل إلى محض فضل الله ورحمته. (١) فإن دخول الجنة لا يحصل إلا بمحض رحمة الله تعالى، وهذه الرحمة إنما يستجلبها المرء بعمله وطاعته، وبيان ذلك في قوله تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)) (الأعراف/١٥٦). (٢) * كذلك مما أشكل به المعتزلة: ما ذكره القاضي عبدالجبار بقوله: "اعلم أنه تعالى إذا كلفنا الأفعال الشاقة، فلابد من أن يكون في مقابلها من الثواب ما يقابله؛ بل لا يكفي هذا القدر حتى يبلغ في الكثرة حداً لا يجوز الابتداء بمثله، ولا التفضل به... وإنما قلنا: إن هذا هكذا؛ لأنه لو لم يكن في مقابلة هذه الأفعال الشاقة ما ذكرناه، كان يكون القديم تعالى ظالماً!! (٣) * والرد عليه: أن التكليف تصرف في عبيده ومماليكه، والمالك إذا لم يعط

стр. 732

مملوكه أجراً مقابل خدمته لم يعد ظلماً، ولله -تعالى- المثلى الأعلى، فله -تعالى-المشيئة المطلقة، لا يُسأل عمَّا يفعل، إن شاء أثاب العباد ورحمهم بفضله ورحمته، وإن شاء عاقبهم فبمقتضى عدله وحكمته. (١) *ومما يدحض قول المعتزلة بوجوب الصلاح على الله تعالى: ١ - أن القربات من النوافل صلاح، فلو كان الصلاح واجباً لوجبت وجوب الفرائض. ٢ - أن عدم خلق إبليس أصلح للخلق، فلو كان الصلاح واجباً لما خلقه الله تعالى. ٣ - القول بأنه سبحانه لا يُشكر على فعله للأصلح للعباد، إذ كيف يُشكر على فعل ما كان واجباً عليه فعله؟! ٤ - ومنها ما قد ورد في الخبر المشهور الذى ألزم به الإمام أبو الحسن الأشعري شيخ المعتزلة أبا علي الجبائي، وذلك في المثل الذى ضربه له للإخوة الثلاثة. (٢) * ثانياً: الرد على ما ذهب إليه الأشاعرة: وأما مذهب إلغاء التحسين والتقبيح العقليين فهو مذهب منقوض بصحيح المنقول وصريح المعقول:

стр. 733

ا-فأما مخالفته لصحيح المنقول: ففي القران آيات كثيرة تدل على أن الحسن والقبح ثابت للأشياء في ذاتها، قال تعالى: ﴿.. يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ...﴾ (سورة الأعراف: ١٥٧) ووجه الدلالة: الآية صريحة في ن العقل يدرك حسن الأشياء وقبحها، فالمعروف الذي يأمر به الله -تعالى- ما تعرفه وتقر به العقول السليمة، والفطر المستقيمة، والمنكر الذي نهاهم عنه هو ما تنكره العقول والفطر السليمة، وتقر بقبحه، ولو لم يظهر للأشياء حسن وقبح لذاتها، وإنما كان ذلك من قِبل الشارع، وأن ما أمر به الحسن وما نهى عنه هو القبيح لكان معنى الآية: (يأمرهم بما يأمرهم به، وينهاهم عما ينهاهم عنه) وهذا لا يقوله عاقل، فضلاً عن رب العالمين. وقوله تعالى ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ فيه دلالة على أن الحلال كان طيباً قبل حله، وأن الخبيث كان خبيثاً قبل تحريمه، فلو كان الحلال والخبيث إنما عُرفا بالتحليل والتحريم لكان معنى الآية (يحل لهم ما يحل لهم، ويحرم عليهم ما يحرم عليهم) وهذا لا يليق بنظم كلام الله تعالى. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً﴾ (الإسراء: ٣٢) فدلت الآية على أن الزنى إنما تعلَّق به النهي لكونه قبيحاً وفاحشة، وهذا الوصف ثابت له قبل النهي عنه، ولو لم يكن قبيحاً وفاحشة في نفسه لكان معنى الآية: (ولا تقربوا الزنى فإنه منهي عنه)، وهذا من تعليل الشيء بنفسه وهو باطل. (١) ويلا حظ أن هذه الأدلة تدخل في الأدلة التي سبقت في ثبات الحكمة والتعليل في أفعاله سبحانه، فنفي الأشاعرة للحكمة والتعليل نتج عنه قولهم بنفي الحسن والقبح العقلي.

стр. 734

-قال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١)﴾ (المؤمنون: ٧١) فأخبر سبحانه أن الحق لو اتبع أهواء العباد فجاء شرع الله-تعالى- ودينه بأهوائهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهنَّ، ومعلوم أنَّ عند النفاة يجوز أن يرد شرع الله ودينه بأهواء العباد، وأنه لا فرق في نفس الأمر بين ما ورد به وبين ما تقتضيه أهوائهم إلا مجرد الأمر، وإنه لو ورد بأهوائهم جاز وكان تعبداً وديناً، وهذه مخالفة صريحة للقرآن، وإنه من المحال أن يتبع الحق أهوائهم، وأن أهوائهم مشتملة على قبح عظيم لو ورد الشرع به لفسد العالم أعلاه وأسفله وما بين ذلك. ومعلوم أن هذا الفساد إنما يكون لقبح خلاف ما شرعه الله وأمر به ومنافاته لصلاح العالم عُلْوِيَّهُ وسفليه، وإن خراب العالم وفساده لازم لحصوله ولشرعه، وأن كمال حكمة الله وكمال علمه ورحمته وربوبيته يأبى ذلك ويمنع منه، ومن يقول الجميع في نفس الأمر سواء يجوز ورود التعبد بكل شيء سواء كان من مقتضى أهوائهم أو خلافها. (١) ٢ - وأما مخالفتهم لصريح المعقول فيما ذهبوا إليه من نفي الحسن والقبح الذاتي للأفعال،: فيقال: إذا كان العقل ليس له مدخل في معرفة حسن الأفعال وقبحها، فإن ذلك يستلزم أن تكون الأفعال الحسنة والقبيحة في حقه متساوية، كالصدق والكذب والعدل والظلم والكرم والبخل والبر والفجور، وحكم الضدين بهذه العبارة يكون باطلاً لا يقول به من له أدنى مسكة من علم وإيمان وعقل قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ (ص: ٢٨:) وقال جل من قائل: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا

стр. 735

وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ (الجاثية: ٢١). قال ابن القيم: فدل على أن هذا حكم سيء قبيح ينزه الله عنه، ولم ينكره سبحانه من جهة أنه أخبر بأنه لا يكون، وإنما أنكره من جهة قبحه في نفسه، وإنه حكم سيء يتعالى ويتنزه عنه لمنافاته لحكمته وغناه وكماله، ووقوع أفعاله كلها على السداد والصواب والحكمة، فلا يليق به أن يجعل البَر كالفاجر ولا المحسن كالمسيء ولا المؤمن كالمفسد في الأرض، فدل على أن هذا قبيح في نفسه تعالى الله عن فعله. (١) ومن قال: إن الأفعال ليس فيها صفات تقتضي الحسن والقبح لذاتها فهو بمنزلة قوله: ليس في الأجسام صفات تقتضي التسخين، والتبريد، والإشباع، والإرواء، فسلب صفات الأعيان المقتضية للآثار كسلب صفات الأفعال المقتضية للآثار. (٢) -وكذلك يقال: إن حسن الصدق وقبح الكذب أمر يدركه العقلاء، وهو مركوز في الفطر، والقول بأن الكذب قد يحسن أحياناً كما لو رتب عليه عصمة مسلم من القتل ظلماً غير مسلَّم، فتخلف القبح عن الكذب لفوات شرط، أو لقيام مانع، يقتضي مصلحة راجحة على الصدق، لا تخرجه عن كونه قبيحاً لذاته، ومن ذلك أن الله حرَّم الميتة والدم ولحم الخنزير للمفسدة في تناولها، وهي ناشئة من ذوات هذه المحرَّمات، وتخلُّف التحريم عنها عند الضرورة لا يوجب أن تكون ذاتها غير مقتضية للمفسدة التي حرِّمت لأجلها، فهذا الكذب متضمن عصمة المسلم. (٣) * ومن الفوائد المتعلقة بحديث الباب: الفائدة الثالثة: قوله ﷺ : " وَحَقَّ العِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ": هذا أحد أحاديث الوعد التى ركن إليها المرجئة فيما ذهبوا إليه أنه لا يضر مع الإيمان ذنب، إضافة إلى غير ذلك من الأحاديث التى يفيد ظاهرها هذا المعنى، مثل

стр. 736

الأحاديث التى نصت على أن من مات على التوحيد فمآله إلى الجنة، وإن مات مصرّاً على فعل الكبائر، كما قد ورد في حديث أَبَى ذَرٍّ -رضى الله عنه- أن النَّبِيَّ ﷺ قال: " مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ " قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ» قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ» ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: «عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ». (١) * أو الأحاديث التى أفادت تحريم النار على من مات على التوحيد، كما ورد في حديث عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ -رضى الله عنه- أن رَسُولُ اللهِ ﷺ قال: " فَإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ " (٢) *وعلى الجانب الآخر فقد ركن الخوارج والمعتزلة إلى أحاديث الوعيد، على اختلاف دلالاتها: واتفقوا على أن المؤمن إذا خرج من غير توبة عن كبيرة ارتكبها، استحق الخلود في النار، لكن يكون عقابه أخف من عقاب الكفار، وسمُّوا هذا النمط: وعداً ووعيداً. (٣) وفى ذلك يقول القاضي عبد الجبار وهو يقرر تخليد صاحب الكبيرة في النار: فأي تشنيع علينا إذا اتبعنا الكتاب والسنة؟!! وقال بعد أن ذكر جملة من أدلة الوعيد فى حق أصحاب الكبائر، قال: "ويحمل قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: ٤٨) على صغائر المعاصي ". (٤)

стр. 737

* ومن هذه الأحاديث التى قد بنوا عليها هذا الأصل: (١) ١) أولاً: أحاديث قد أفاد ظاهرها الحكم بالكفر على مرتكب الكبيرة: عن جرير -رضى الله عنه-أن النبي ﷺ -قال: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ». (٢) ٢) ثانياً: أحاديث أفاد ظاهرها نفى الإيمان عن مرتكب الكبيرة: كما ورد عن عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ". (٣) ٣) ثالثاً: أحاديث التى أفادت التبرؤ من فاعل الكبيرة: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ " (٤) رابعاً: أحاديث أفادت تحريم الجنة على فاعل الكبيرة: عن جُبَيْر بْن مُطْعِمٍ -رضى الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ- ﷺ قال: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ» (٥)، وقوله ﷺ : «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ». (٦) ٥) خامساً: أدلة أفادت الحكم بالخلود في النار على فاعل الكبيرة: كقوله تعالى (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا..) (النساء: ٩٣) (٧)

стр. 738

وما ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا». (١) * نقول: وهكذا سلك المرجئة والخوارج مع هذه الأحاديث سبيلين مختلفين لا يصلح كل سبيل منهما لاحتواء السبيل الآخر؛ وما ذلك إلا للعوج الذى بنوا عليه فهمهم للنصوص الشرعية. وصدق القائل: . * وكم من عائب قولاً صحيحاً... وآفته من الفهم السقيم * لذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وكانت البدعة الأولى مثل " بدعة الخوارج " إنما هي من سوء فهمهم للقرآن لم يقصدوا معارضته، لكن فهموا منه ما لم يدل عليه فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب؛ إذ كان المؤمن هو البر التقي. قالوا: فمن لم يكن براً تقياً فهو كافر وهو مخلد في النار. (٢) * وأما أهل السنة فقد سلكوا سبيل الجمع بين هذه النصوص، فلم يقولوا بخلود أحد من أهل القبلة في النار لكبيرة قد مات مصرَّاً عليها. عن عُبَادَةَ بْن الصَّامِتِ ﵁ -أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ

стр. 739

وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ». (١) *قال المازني: فيه رد على الخوارج الذين يكفِّرون بالذنوب، ورد على المعتزلة الذين يوجبون تعذيب الفاسق إذا مات بلا توبة؛ لأن النبي ﷺ أخبر بأنه تحت المشيئة، ولم يقل لا بد أن يعذبه. (٢) * والإجماع منعقد على ذلك: فقد أجمع الصحابة -رضى الله عنهم- على عدم كفر مرتكبي الذنوب، فقد سئل جابر بن عبد الله رضى الله عنهما: هل كنتم تسمُّون أحداً من أهل القبلة كافراً؟ فقال: لا. (٣) وعَنْ أَنَسٍ-رضى الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي». (٤) وفى رواية ابْنِ عُمَرَ-رضى الله عنهما- قَالَ: مَا زِلْنَا نُمْسِكُ عَنِ الاسْتِغْفَارِ لأَهْلِ الْكَبَائِرِ حَتَّى سَمِعْنَا مِنْ فِي نَبِيِّنَا- ﷺ يَقُولُ: " أَخَّرْتُ شَفَاعَتِي لأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ". (٥) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أهل السنة والجماعة متفقون على ما اتفق عليه

стр. 740

الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- واستفاضت به السنن من أنه ﷺ يشفع لأهل الكبائر من أمته، ويشفع أيضاً لعموم الخلق. (١) قال ابن حزم: في إجماع الأمة على أن صاحب الكبيرة مأمور بالصلاة مع المسلمين وبصوم شهر رمضان والحج وبأخذ زكاة ماله وإباحة مناكحته وموارثته وأكل ذبيحته، وتحريم دمه وماله وأن لا يؤخذ منه جزية ولا يصغر برهان صحيح على أنه مسلم مؤمن، وفي إجماع الأمة كلها دون مخالف على تحريم قبول شهادته وخبره برهان على أنه فاسق، فصح يقينا أنه مؤمن فاسق ناقص الإيمان. (٢) قال ابن عبد البر: فإن مات صاحب الكبيرة فمصيره إلى الله، إن شاء غفر له وإن شاء عذَّبه، وإن تاب قبل الموت وندم كان كمن لم يذنب، وبهذا كله الآثار الصحاح عن السلف قد جاءت، وعليه جماعة علماء المسلمين. (٣) * وكذلك قد قال أهل السنة بإثبات ضرر المعاصى والذنوب مع وجود الإيمان، ولم يقولوا بنجاة جميع أهل التوحيد من أصل العذاب في الآخرة. فعن زبيد، قال: سألت أبا وائل عن المرجئة، فقال: حدثني عَبْد اللهِ بْن مَسْعُودٍ عبد الله -رضى الله عنه- أن النبي ﷺ قال: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» (٤)
следующие страницы →