الأحاديث التى نصت على أن من مات على التوحيد فمآله إلى الجنة، وإن مات مصرّاً على فعل الكبائر، كما قد ورد في حديث أَبَى ذَرٍّ -رضى الله عنه- أن النَّبِيَّ ﷺ قال:
" مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ " قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ» قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ:
«وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ» ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: «عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ». (١)
* أو الأحاديث التى أفادت تحريم النار على من مات على التوحيد، كما ورد في حديث عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ -رضى الله عنه- أن رَسُولُ اللهِ ﷺ قال:
" فَإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ " (٢)
*وعلى الجانب الآخر فقد ركن الخوارج والمعتزلة إلى أحاديث الوعيد، على اختلاف دلالاتها:
واتفقوا على أن المؤمن إذا خرج من غير توبة عن كبيرة ارتكبها، استحق الخلود في النار، لكن يكون عقابه أخف من عقاب الكفار، وسمُّوا هذا النمط: وعداً ووعيداً. (٣)
وفى ذلك يقول القاضي عبد الجبار وهو يقرر تخليد صاحب الكبيرة في النار:
فأي تشنيع علينا إذا اتبعنا الكتاب والسنة؟!!
وقال بعد أن ذكر جملة من أدلة الوعيد فى حق أصحاب الكبائر، قال:
"ويحمل قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: ٤٨) على صغائر المعاصي ". (٤)
стр. 737
* ومن هذه الأحاديث التى قد بنوا عليها هذا الأصل: (١)
١) أولاً:
أحاديث قد أفاد ظاهرها الحكم بالكفر على مرتكب الكبيرة:
عن جرير -رضى الله عنه-أن النبي ﷺ -قال:
«لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ». (٢)
٢) ثانياً:
أحاديث أفاد ظاهرها نفى الإيمان عن مرتكب الكبيرة:
كما ورد عن عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ :
" لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ". (٣)
٣) ثالثاً:
أحاديث التى أفادت التبرؤ من فاعل الكبيرة:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
" لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ " (٤) رابعاً:
أحاديث أفادت تحريم الجنة على فاعل الكبيرة:
عن جُبَيْر بْن مُطْعِمٍ -رضى الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ- ﷺ قال:
«لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ» (٥)، وقوله ﷺ :
«لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ». (٦)
٥) خامساً:
أدلة أفادت الحكم بالخلود في النار على فاعل الكبيرة:
كقوله تعالى (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا..) (النساء: ٩٣) (٧)
стр. 738
وما ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
" مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا». (١)
* نقول:
وهكذا سلك المرجئة والخوارج مع هذه الأحاديث سبيلين مختلفين لا يصلح كل سبيل منهما لاحتواء السبيل الآخر؛ وما ذلك إلا للعوج الذى بنوا عليه فهمهم للنصوص الشرعية.
وصدق القائل:
.
* وكم من عائب قولاً صحيحاً... وآفته من الفهم السقيم *
لذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
وكانت البدعة الأولى مثل " بدعة الخوارج " إنما هي من سوء فهمهم للقرآن لم يقصدوا معارضته، لكن فهموا منه ما لم يدل عليه فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب؛ إذ كان المؤمن هو البر التقي. قالوا: فمن لم يكن براً تقياً فهو كافر وهو مخلد في النار. (٢)
* وأما أهل السنة فقد سلكوا سبيل الجمع بين هذه النصوص، فلم يقولوا بخلود أحد من أهل القبلة في النار لكبيرة قد مات مصرَّاً عليها.
عن عُبَادَةَ بْن الصَّامِتِ ﵁ -أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ
стр. 739
وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ». (١)
*قال المازني:
فيه رد على الخوارج الذين يكفِّرون بالذنوب، ورد على المعتزلة الذين يوجبون تعذيب الفاسق إذا مات بلا توبة؛ لأن النبي ﷺ أخبر بأنه تحت المشيئة، ولم يقل لا بد أن يعذبه. (٢)
* والإجماع منعقد على ذلك:
فقد أجمع الصحابة -رضى الله عنهم- على عدم كفر مرتكبي الذنوب، فقد سئل جابر بن عبد الله رضى الله عنهما: هل كنتم تسمُّون أحداً من أهل القبلة كافراً؟ فقال: لا. (٣)
وعَنْ أَنَسٍ-رضى الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
«شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي». (٤)
وفى رواية ابْنِ عُمَرَ-رضى الله عنهما- قَالَ:
مَا زِلْنَا نُمْسِكُ عَنِ الاسْتِغْفَارِ لأَهْلِ الْكَبَائِرِ حَتَّى سَمِعْنَا مِنْ فِي نَبِيِّنَا- ﷺ يَقُولُ: " أَخَّرْتُ شَفَاعَتِي لأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ". (٥)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
أهل السنة والجماعة متفقون على ما اتفق عليه
стр. 740
الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- واستفاضت به السنن من أنه ﷺ يشفع لأهل الكبائر من أمته، ويشفع أيضاً لعموم الخلق. (١)
قال ابن حزم:
في إجماع الأمة على أن صاحب الكبيرة مأمور بالصلاة مع المسلمين وبصوم شهر رمضان والحج وبأخذ زكاة ماله وإباحة مناكحته وموارثته وأكل ذبيحته، وتحريم دمه وماله وأن لا يؤخذ منه جزية ولا يصغر برهان صحيح على أنه مسلم مؤمن، وفي إجماع الأمة كلها دون مخالف على تحريم قبول شهادته وخبره برهان على أنه فاسق، فصح يقينا أنه مؤمن فاسق ناقص الإيمان. (٢)
قال ابن عبد البر:
فإن مات صاحب الكبيرة فمصيره إلى الله، إن شاء غفر له وإن شاء عذَّبه، وإن تاب قبل الموت وندم كان كمن لم يذنب، وبهذا كله الآثار الصحاح عن السلف قد جاءت، وعليه جماعة علماء المسلمين. (٣)
* وكذلك قد قال أهل السنة بإثبات ضرر المعاصى والذنوب مع وجود الإيمان، ولم يقولوا بنجاة جميع أهل التوحيد من أصل العذاب في الآخرة.
فعن زبيد، قال: سألت أبا وائل عن المرجئة، فقال: حدثني عَبْد اللهِ بْن مَسْعُودٍ عبد الله -رضى الله عنه- أن النبي ﷺ قال: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» (٤)
стр. 741
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
فهذان القولان: قول الخوارج الذين يكفِّرون بمطلق الذنوب ويخلِّدون في النار؛ لم يذهب إليه أحد من أئمة الدين أهل الفقه والحديث بل هما من الأقوال المشهورة عن أهل البدع.
وكذلك قول من وقف في أهل الكبائر من غلاة المرجئة، وقال لا أعلم أن أحداً منهم يدخل النار هو أيضا من الأقوال المبتدعة؛ بل السلف والأئمة متفقون على ما تواترت به النصوص من أنه لا بد أن يدخل النار قوم من أهل القبلة، ثم يخرجون منها. (١)
* مسالك الجمع بين أحاديث الوعد والوعيد:
قد تعددت وجوه الجمع بين تلك النصوص على النحو الآتى:
* أما تأويل نصوص الوعد:
وهى النصوص التى ركن إليها المرجئة فيما ذهبوا إليه من دخول الجنة لمن مات على التوحيد، وأن النار محرمة عليهم ونحو ذلك، فهذا محمولة على وجوه:
الوجه الأول:
أن هذا باعتبار المآل، فالعبد مهما بلغت ذنوبه وكثرت، ولو كانت من الكبائر التى لم يتب منها، فإن مآله إلى الجنة، مادام قد مات على التوحيد، أصابه قبل ذلك ما أصابه، وقد يعفو الله -تعالى-عنه فيغفر له كل ذنوبه، كما قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ).
قال الطبري: وقد أبانت هذه الآية أنّ كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه عليه، ما لم تكن الكبيرة شركًا بالله. (٢)
стр. 742
قال ابن رجب تعقيباً على حديث: "وإن زنى وإن سرق":
ومعنى هذا الحديث: أن الزنى والسرقة لا يمنعان دخول الجنة مع التوحيد، وهذا حق لا مرية فيه، وليس فيه أنه لا يعذب عليهما مع التوحيد، ففي مسند البزار عن أبي هريرة ﵁ -مرفوعًا: " مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، نَفَعَتْهُ يَوْمًا مِنْ دَهْرِهِ، أَصَابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَا أَصَابَهُ "». (١)
*الوجه الثانى:
أن تحمل أحاديث دخول الجنة لأهل التوحيد من أول وهلة على من توفرت عنده الشروط وانتفت عنه الموانع، فقد يتخلف عن المرء مقتضى أحاديث الوعد لفوات شرط أو لوجود مانع. والشرع لم يجعل النجاة حاصلة بمجرد قول اللسان فقط؛ فإن المنافقين يقولونها بألسنتهم، وهم تحت الجاحدين لها في الدرك الأسفل من النار، فلا بد من العمل بمقتضاها ظاهراً وباطناً، ولا بد من قول القلب، وقول اللسان، وقول القلب يتضمن من معرفتها، والتصديق بها، ومعرفة حقيقة ما تضمنته من النفي والإثبات، ومعرفة حقيقة الإلهية المنفية عن غير الله تعالى، وقيام هذا المعنى بالقلب علما ومعرفة ويقيناً، وحالاً ما يوجب تحريم قائلها على النار.
وكل قول رتب الشارع ما رتب عليه من الثواب، فإنما هو القول التام. (٢)
ومن توافر الشروط تحقق ما يلى:
*أن تغلب حسناته على سيئاته، قال تعالى (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)
стр. 743
*أو أن يكون قد مات على توبة صادقة محت له ما سبق من آثام؛ لذا فقد علَّق البخاري على قوله ﷺ : «وإن زنى وإن سرق..»، قال:
" هذا عند الموت، أو قبله إذا تاب وندم، وقال: لا إله إلا الله، غُفر له ". (١)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وكل وعيد في القرآن فهو مشروطٌ بعدم التوبة باتفاق الناس. (٢)
*أو أن تُعرض عليه ذنوبه عرضاً، دون أن يُناقش، ثم يؤول أمره إلى العفو، فعَنْ عَائِشَةَ-رضى الله عنها- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
«مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ عُذِّبَ» قَالَتْ: قُلْتُ: أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨] قَالَ: «ذَلِكِ العَرْضُ» (٣).
وأما انتفاء الموانع فيكون بخلاف ما سبق.
الوجه الثالث:
وكذلك يقال في النصوص التي أفادت تحريم النار على من مات على التوحيد، فتأويلها أن النار التى حرَّمت عليه هى النار التى أُعدت للكافرين الذين يخلَّدون فيها.
كما خاطب الله -تعالى- بهذا المشركين المكذبين بالوحي في قوله تعالى (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ) (البقرة/٢٤)
فجعلها معدّة للكافرين.
ومثل هذا لا يمنع أن من مات عاصياً، بكبيرة ونحوها أنه قد يُعذَّب ولكن ليس كعذاب الكافرين لا في خلودهم، ولا في دركاتهم، وكذا يقال في تأويل حديث الباب، في قول -النبي ﷺ فى حق العباد على اللَّهِ تعالى: " أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ".
قال ابن رجب:
ما فيه أنه يحرم على النار وهذا قد حمله بعضهم على الخلود فيها، أو على نار يخلد فيها أهلها وهي ما عدا الدرك الأعلى، فأما الدرك الأعلى يدخله خلق كثير من عصاة الموحدين بذنوبهم، ثم يخرجون بشفاعة الشافعين،
стр. 744
وبرحمة أرحم الراحمين. (١)
* وأما تأويل أحاديث الوعيد:
وهى التى ركن إليها الخوارج والمعتزلة فيما ذهبوا إليه من تخليد صاحب الكبيرة في النار، فهذه محمولة على وجوه:
١ - الأول:
أما الأحاديث التى حكمت بالكفر على فاعل الكببرة فهى محمولة على وجوه:
* الأول: أن ذلك الفعل من أفعال الكافرين، وهذا اختيار النووي والقاضي عياض،
ولا يلزم أن من قام به وصف من أوصاف الكافرين أن يكون كافراً.
وفى ذلك يقول أبو العباس ابن تيمية:
ليس كل من قامت به شعبة من شعب الكفر يصير كافراً الكفر المطلق حتى تقوم به حقيقة الكفر، كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير مؤمناً حتى يقوم به أصل الإيمان. (٢)
لذا قال النووي فى قوله صلى الله عليه سلم: " اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: ..... " (٣) قال ﵀:
وفيه أقوال: أصحها أن معناه هما من أعمال الكفار وأخلاق الجاهلية. (٤)
٢ - الثانى:
أما الأحاديث التى حكمت بنفى الإيمان عن فاعل الكببرة:
فهى محمولة على نفي كمال الإيمان الواجب، وليس نفى أصل الإيمان، وهو قول للإمام أحمد، وأخذ به القاضي أبو يعلى، ورجحه بقوة المروزي وقال به النووي، وابن عبد البر، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والسفَّاريني. (٥)
стр. 745
قال النووي:
فالقول الصحيح الذي قاله به المحققون أن معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد نفي كماله ومختاره.
وقال ﵀:
فهذا الحديث مع نظائره فى الصحيح مع قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) مع إجماع أهل الحق على أن الزاني والسارق والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشرك لا يكفَّرون بذلك، بل هم مؤمنون ناقصوا الإيمان إن تابوا سقطت عقوبتهم، وإن ماتوا مصرِّين على الكبائر كانوا في المشيئة، فإن شاء الله - تعالى - عفا عنهم وأدخلهم الجنة أولًا، وإن شاء عذَّبهم ثم أدخلهم الجنة، وكل هذه الأدلة تضطرنا إلى تأويل هذا الحديث وشبهه. (١)
* وقد ذكر ابن حجر أن حديث: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ... " مصروف عن ظاهره؛ وذلك لاختلاف الحكم في حد الزنا وتنوعه، حيث قال:
"ومن أقوى ما يحمل على صرفه عن ظاهره إيجاب الحد في الزنا على أنحاء مختلفة، في حق الحر المحصن والحر البكر وفي حق العبد، فلو كان المراد بنفي الإيمان ثبوت الكفر لاستووا في العقوبة؛ لأن المكلفين فيما يتعلق بالإيمان والكفر سواء" (٢)
وقال ابن عبد البر:
قوله ﷺ : " لا يزني الزاني حين يزني... "
يريد مستكمل الإيمان، ولم يرد به نفي جميع الإيمان عن فاعل ذلك؛ بدليل الإجماع على توريث الزاني والسارق وشارب الخمر- إذا صلوا للقبلة وانتحلوا دعوة الإسلام - من قرابتهم المؤمنين، وهذ من أوضح الدلائل على صحة قولنا إن مرتكب الذنوب
стр. 746
ناقص الإيمان بفعله ذلك وليس بكافر. (١)
قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي ﵀، وسئل، عن الإرجاء، فقال:
" نحن نقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، إذا زنى وشرب الخمر نقص إيمانه " (٢) قال الغزالى:
والصحابة ﵃ ما اعتقدوا مذهب المعتزلة في الخروج عن الإيمان بالزنا، ولكن معناه غير مؤمن حَقًا إِيمَانًا تَاماً كَامِلاً، كما يقال للعاجز المقطوع الأطراف هذا ليس بإنسان، أي ليس له الكمال الذي هو وراء حقيقة الإنسانية. (٣)
٣ - الثالث:
أما الأحاديث التى حكمت بالتبرؤ من فاعل الكببرة:
فالمعنى: ليس على هدي المسلمين وأخلاقهم، فليس بفعله هذا من المنقادين المطيعين للرسول ﷺ . (٤)
قال أبو عُبيد القاسم بن سلاّم:
والأحاديث التي فيها البراءة، كقوله: «من فعل كذا، وكذا فليس منا»، لا نرى شيئاً منها يكون معناه التبرؤ من رسول الله ﷺ ، ولا من ملته؛ إنما مذهبه عندنا: أنه ليس من المطيعين لنا، ولا من المقتدين بنا، ولا من المحافظين على شرائعنا. (٥)
стр. 747
٤ - الرابع:
ومن ذلك الأحاديث التى أفادت تحريم الجنة على فاعل الكبيرة:
وقد تأول العلماء تحريم الجنة على فاعل الكبيرة على وجوه:
أ) أن المراد بذلك حرمانه من دخول الجنة من أول وهلة، بل قد يُعذب على كبيرته، ثم يكون مآله إلى الجنة لموته على أصل التوحيد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
إن المنفي هو الدخول المطلق الذي لا يكون معه عذاب؛ لا الدخول المقيد الذي يحصل لمن دخل النار ثم دخل الجنة. (١)
ب) أن المراد بذلك حرمانه من دخول درجة في الجنة يدخلها من لم يفعل تلك الكبيرة، فلا يدخل العالي من الجنان التى يدخلها الذين لم يرتكبوا تلك الذنوب والخطايا والحوبات، إذ قد أعلم النبى ﷺ أنها جنان في جنة، واسم الجنة واقع على كل جنة منها. (٢)
٥ - الخامس:
ومن ذلك الأحاديث التى أفادت الحكم بالخلود في النار على فاعل الكبيرة:
فتأويله على وجوه:
١) الوجه الأول:
أن هذا من باب الوعيد الذى قد يُخلف، وإخلاف الوعيد لا يذم بل يمدح، فيجوز على اللَّه - تعالى- إخلاف الوعيد لا إخلاف الوعد.
قال ابن الوزير:
تجويز الخلف على الله -تعالى - في الوعد بالخير متفق على المنع منه عقلاً وشرعاً وإجماعاً من الأمة الاسلامية وسائر الملل. (٣)
والفرق بينهما:
أن الوعيد حقه فإخلافه عفو وهبة وإسقاط ذلك منه من موجبات كرمه وجوده وإحسانه وامتنانه، والوعد أوجبه على نفسه بموعده، واللَّه لا
стр. 748
يخلف الميعاد. (١)
٢) الوجه الثاني:
أن يحمل قوله ﷺ : " خالداً مخلداً فيها أبداً ":
على تطويل الآماد، ثم يكون خروجه من النار من آخر من يخرج من أهل التوحيد؛ ويجري هذا مجرى المثل فتقول العرب: خلَّد الله ملكك، و تقول: لأخلدن فلانًا في السجن، ولا أكلمك أبد الآبدين، ولا دهر الداهرين، وهو ينوي أن يكلمه بعد أزمان. (٢)
فذكر الخلود غاية ما فيه أن يدل على طول المكث.
قال ابن عطية:
الخلود إذا لم يقرن بقوله «أبداً» فجائز أن يراد به الزمن المتطاول، إذ ذلك معهود في كلام العرب، ألا ترى أنهم يحيّون الملوك بخلد الله ملكك، ومن ذلك قول امرئ القيس:
стр. 749
وهل يعمن إلّا سعيد مخلّد... قليل الهموم ما يبيت بأوجال. (١)
وإلى هذا أشار ابن القيم فى رده على إشكال طرحه، حيث قال:
فإن قيل: فإذا كان آدم ﵇ قد علم أن له عمراً مقدراً ينتهي إليه، وإنه ليس من الخالدين، فكيف لم يعلم كذب إبليس في قوله (هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ)، وقوله (أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ)؟
فالجواب:
أن الخلد لا يستلزم الدوام والبقاء، بل هو المكث الطويل، فالخلد أعم من الدوام الذي لا انقطاع له؛ فإنه في اللغة المكث الطويل، ومكث كل شيء بحسبه، ومنه قولهم رجل مخلد إذا أسن وكبر. (٢)
٣) الوجه الثالث:
أن يقال أن الخلود فى النار هو حكم ينبنى على استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، فإن كانت الشروط قد تحققت - على ظاهر الأحاديث التى أفادت الحكم بالخلود فى النار على صاحب الكبيرة - فإن الموانع لم تنتف.
قال أبو العباس ابن تيمية:
إن الأحاديث المتضمنة للوعيد يجب العمل بها في مقتضاها: باعتقاد أن فاعل ذلك الفعل متوعَّد بذلك الوعيد، لكن لحوق الوعيد به متوقف على شروط؛ وله موانع. (٣)
قال النووى:
قوله ﷺ : (مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ) أي وجب عليه الخلود، وهو تفسير قتادة الراوي، وهذا التفسير صحيح، ومعناه:
من أخبر القرآن أنه مخلَّد في النار وهم الكفار، كما قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ به)
وفي هذا دلالة لمذهب أهل الحق وما أجمع عليه السلف أنه لا
стр. 750
يخلد في النار أحد مات على التوحيد، والله أعلم. (١)
*ومن هذه الموانع وأعظمها أن يموت المرء على التوحيد، قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)) (النساء/٤٨) (٢)
وقد استقرأ بعض المحققين موانع إنفاذ الوعيد على الذنوب فبلغوا بها نحواً من عشرة أمور، ومنها التوبة والاستغفار و والأعمال الصالحة ودعاء الصالحين والشفاعة وغير ذلك. (٣)
٤) الوجه الرابع:
أن تحمل نصوص الخلود الواردة في حق أصحاب الكبائر، وذلك على ما قيَّده الله عزوجل بقوله (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)) (هود: ١٠٦ - ١٠٧)
قال أبو جعفرالطبري:
وأولى هذه الأقوال في تأويل هذه الآية بالصواب، القولُ الذي ذكرنا عن قتادة والضحاك:
من أن ذلك استثناء في أهل التوحيد من أهل الكبائر أنه يدخلهم النار، خالدين فيها أبدًا إلا ما شاءَ من تركهم فيها أقل من ذلك، ثم يخرجهم فيدخلهم الجنة، وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصحة في ذلك، لأن الله - جل
стр. 751
ثناؤه- أوعد أهل الشرك به الخلود في النار، وتظاهرت بذلك الأخبار عن رسول الله ﷺ ، فغير جائز أن يكون استثناءً في أهل الشرك، وأن الأخبار قد تواترت عن رسول الله ﷺ -أن الله -تعالى- يدخل قومًا من أهل الإيمان به بذنوبٍ أصابوها النارَ، ثم يخرجهم منها فيدخلهم الجنة، فغير جائز أن يكون ذلك استثناء في أهل التوحيد قبل دُخُولها، مع صحة الأخبار عن رسول الله ﷺ بما ذكرنا، وأنّا إن جعلناه استثناء في ذلك، كنا قد دخلنا في قول من يقول: "لا يدخل الجنة فاسق، ولا النار مؤمن"، وذلك خلاف مذاهب أهل العلم، وما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ . فإذا فسد هذان الوجهان، فلا قول قال به القُدْوة من أهل العلم إلا الثالث. (١)
٥) الوجه الخامس:
مما يوجب صرف قوله صلى الله وعليه وسلم:
" مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا.... " عن ظاهره، ما قد ورد عَنْ جَابِرٍ -رضى الله عنهما - قال:
لَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، هَاجَرَ إِلَيْهِ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَمَرِضَ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ، فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ، فَرَآهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ، وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ ﷺ ، فَقَالَ:
مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟ قَالَ:
قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ، فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اللهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ». (٢)
قال النووي:
في هذا الحديث حجة لقاعدة عظيمة لأهل السنة: أن من قتل نفسه، أو ارتكب معصيةَ غيرها ومات من غير توبة فليس بكافر، ولا يقطع له بالنار، بل هو في حكم المشيئة، وهذا الحديث شرح للأحاديث الموهم ظاهرها تخليد قاتل النفس وغيره من أصحاب الكبائر في النار،
وفيه إثبات عقوبة بعض أصحاب المعاصي، فإن هذا عوقب في يديه، ففيه رد على المرجئة القائلين بأن المعاصي لا
стр. 752
تضر. والله أعلم. (١)
*تنبيه:
حمل أحاديث الوعيد على حال المستحل قد أنكره الإمام أحمد، كما نقل ذلك عنه ابن القيم، فقال: وقالت فرقة: بل هذا الوعيد في حق المستحل لها; لأنه كافر، وأما من فعلها معتقداً تحريمها فلا يلحقه هذا الوعيد وعيد الخلود وإن لحقه وعيد الدخول.
وقد أنكر الإمام أحمد هذا القول وقال:
لو استحل ذلك ولم يفعله كان كافراً، والنبي ﷺ إنما قال: من فعل كذا وكذا. (٢)
وكذا قال ابن حجر مستبعداً هذا التوجيه:
ولو كان مراداً لم يحصل التفريق بين السباب والقتال؛ فإن مستحل لعن المسلم بغير تأويل يكفر أيضاً. (٣)
*و ختاماً:
قول معاذ رضى الله عنه: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟ قَالَ: «لَا تُبَشِّرْهُمْ،
стр. 753
فَيَتَّكِلُوا»، فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذُ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا.
ودل صنيع معاذ -رضى الله عنه-على أنه عرف أن النهي عن التبشير كان على التنزيه لا على التحريم، وإلا لما كان يخبر به أصلاً.
أو قد عرف أن النهي مقيد بالاتكال، فأخبر به من لا يخشى عليه ذلك، وإذا زال القيد زال المقيَّد، فيكون حمل النهي على إذاعته للعموم، ورأى هو أن يخص به كما خصه هو به ﵇. ولهذا ترجم البخارى: " من خص بالعلم قوماً دون قوم كراهية ألا يفهموا " (١)
قال ابن هبيرة:
لم يكن يكتمها إلا عن جاهل يحمله جهله على سوء الأدب بترك الخدمة في الطاعة، فأما الأكياس الذين غذا سمعوا بمثل هذا ازدادوا في الطاعة ورأوا أن زيادة النعم تستدعى زيادة الطاعة، فلا وجه لكتمانها عنهم. (٢)
تم بحمد الله
стр. 754
الحديث السادس والعشرون: المشكاة في شرح حديث لا تعجز واستعن بالله
стр. 755
** نص حديث الباب:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
«الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، وفي رواية: " قَدَّرَ اللهُ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ"؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ»
تخريح الحديث:
أخرجه مسلم (٢٦٦٤) " باب في الأمر بالقوة وترك العجز، والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله "، والإمام أحمد في المسند (٨٧٩١)
* أهم الفوائد المتعلقة بحديث الباب:
١ - معنى المؤمن القوى:
وقوة المؤمن تتمثل في حرصه على القيام لدين الله -تعالى- اعتقاداً وقولاً وعملاً، فتراه قلما صادف باباً من أبواب الشريعة إلا وقد ولجه ليضرب فيه بسهم.
فالقوة في طلب الحق والقيام به مطلب شرعى، قال تعالى (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ) [مريم: ١٢]، والله وصف أصحاب النبي ﷺ بأنهم: " أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا " [الفتح: ٢٩]، والجلَد على الطاعة، والصبر على ذلك كله من القوة التي يحبها الله تعالى.
قال القرطبي:
أي المؤمن القوي البدن والنفس، الماضي العزيمة، الَّذي يصلح للقيام بوظائف العبادات من الصوم والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
стр. 756
والصبر على ما يصيبه في ذلك، وغير ذلك مما يقوم به الدين وتنهض به كلمة المسلمين فهو الأفضل والأكمل. (١)
فالإشارة بالقوة ها هنا إلى العزم والحزم والإحتياط، لا إلى قوة البدن.
وهذا المعنى هو ما نص الشاعر في قوله:
لَيْسَ الشجاع الَّذِي يحمي كتيبته... يَوْم النزال ونار الْحَرْب تشتعل
لَكِن فَتى غض طرفاً أَو ثنى بصراً... عَن الْحَرَام، فَذَاك الْفَارِس البطل. (٢)
وقال الطيبيّ:
قيل: أراد بالمؤمن القويّ: الذي قوي في إيمانه، وصَلُب في إيقانه بحيث لا يرى الأسباب، ووَثِق بمسبِّب الأسباب، والمؤمن الضعيف بخلافه، وهو أدنى مراتب الإيمان. قال: ويمكن أن يُذهَب إلى اللفّ والنشر، فيكون قوله: "احرص على ما ينفعك" بيانًا للقويّ، وقوله: "ولا تعجز" بيانًا للضعيف. (٣)
* ومن علامات المؤمن القوى:
أن يكون قوّاماً لله -عزوجل- ولرسوله ﷺ ، حافظاً لأمر الله تعالى، قال تعالى (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ) (النساء: ١٣٥)
وكما فى قوله ﷺ .:
" احفظ الله يحفظك " (٤)، وحفظ أمر الله - تعالى - على نوعين:
أ) حفظ أمر الله القدري:
وذلك بالصبر على الأقدار، فهذه من علامات صدق الإيمان، فعَنْ صُهَيْبٍ -رضى الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
" عَجِبْتُ مِنْ أَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، كَانَ ذَلِكَ لَهُ
стр. 757
خَيْرًا، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ فَصَبَرَ، كَانَ ذَلِكَ لَهُ خَيْرًا ". (١)
فجعل الصبر على القدر لا يحصل إلا للمؤمن.
ب) حفظ أمر الله الشرعى:
وذلك بالقيام بحق الشرع، بامتثال الأوامر واجتناب النواهى.
كما قال تعالى (َالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)) (الأنفال /٧٤)
وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)) (المؤمنون/٦١).
* والذى يتنبه لدلالات ألفاظ القرآن والسنة يجد أنها قد حثت في أبواب الآخرة على الجد والسعي والمبادرة، وأما فى أمور الدنيا فقد جاء الأمر بالتمهل والإجمال.
قال الله تعالى (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) (البقرة: ١٤٨)
وقال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران: ١٣٣)
وفى حديث أبي هريرة-رضى الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال:
«بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا». (٢)
فالحديث فيه الحث على المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل تعذّرها، والاشتغال عنها بما سيقع من الفتن الشاغلة المتراكمة كتراكم ظلام الليل المظلم.
وفي حديث أبي سعيد الخدري -رضى الله عنه- أن رسول الله ﷺ لما رأى في أصحابه
стр. 758
تأخراً عن الحضور للمسجد قال لهم:
" لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله " (١)
* وأما في أمور الدنيا فقد أمر الله - تعالى- فيها بالتؤدة:
فقد قال تعالى (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)) (الملك/١٥)
وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
... (" إِنَّ الرُّوحَ الْأَمِينَ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا ". (٢)
وفى حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ-رضى الله عنه- قَالَ:
كَانَ أَخَوَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ وَالْآخَرُ يَحْتَرِفُ، فَشَكَا المُحْتَرِفُ أَخَاهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ ﷺ : " لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ ". (٣)
...
* عودٌ إلى قوله ﷺ :
" الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ":
* وهنا قد يرد إشكال:
قد ورد في حديث الباب ما يُفهم منه ذم المؤمن الضعيف، فظاهره قد يعارض في الفهم ما رواه حَارِثَةُ بْنَ وَهْبٍ - رضى الله عنه- عن النَّبِيَّ ﷺ أنه قَالَ:
«أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ ﷺ :
«كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ» ". (٤)
قال زين الدين المناوي:
وعند التأمل لا تدافع؛ إذ المراد بمدح الضعف لين الجانب ورقة القلب والانكسار بمشاهدة جلال الجبار، وبذم الضعف ضعف العزيمة في القيام بحق الواحد القهار، على أنه لم يقل هنا أنهم ينصرون بقوة الضعفاء، وإنما مراده بدعائهم أو بإخلاصهم. (٥)
стр. 759
* قلت:
وقد ورد في حديث البخاري «هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ» (١)، وفى رواية له
عند النسائي «إِنَّمَا يَنْصُرُ اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِضَعِيفِهَا، بِدَعْوَتِهِمْ وَصَلَاتِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ». (٢)
وفيها زيادة فائدة وهى أن ضعفهم ليس ضغفاً في الإيمان، بدلالة وقوع النصر للأمة قد حصل بدعواتهم وصلاتهم؛ لصفاء ضمائرهم وقلة تعلقهم بزخرف الدنيا فيغلب عليهم الإخلاص في العبادة ويستجاب دعاؤهم.
* وأما قوله ﷺ : " وفي كلٍ خيرٌ":
فمعناه في كُلٍّ مِنَ الْقَوِيِّ والضعيف خير؛ لاشتراكهما في أصل الإيمان، مع ما يأتي به الضعيف من العبادات. (٣)
قال ابن العثيمين:
قال ﵊: (وفي كل خير) لئلا يتوهم أحد من الناس أن المؤمن الضعيف لا خير فيه، بل المؤمن الضعيف فيه خير، فهو خير من الكافر لا شك.
وهذا الأسلوب يسميه البلاغيون الاحتراز، وهو أن يتكلم الإنسان كلاماً يوهم معنى لا يقصده، فيأتي بجملة تبين أنه يقصد المعنى المعين، ومثال ذلك في القرآن قوله ﵎:
(لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) (الحديد: ١٠)
ومن ذلك قوله تعالى: (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) (الأنبياء: ٧٩)
لما كان هذا يوهم أن داود -تعالى-عنده نقص، قال تعالى (وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً). (٤)
* وأما قوله ﷺ :
" احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، واسْتَعِنْ بِاللهِ، وَلَا تَعْجَزْ ":
وهذه من
стр. 760
جوامع الكلم التى أوتيها الرسول ﷺ ، فهى جملة جامعة بين أصلين مهمين، وهى حسن تعلّق القلب بالله تعالى، مع سعي الجوراح في الأخذ بالأسباب المادية فقوله ﷺ : «استعن بالله»: هذا هو التوكل.
وقوله ﷺ : «وَلَا تَعْجَزْ ": وهذا هو الأخذ بالأسباب. (١)
فسعي المرء حرصاً على ما ينفعه في أمر معاشه لا ينسّيه أن يكون حال سعيه مستعيناً بالله تعالى.
قال أبو العباس ابن تيمية:
في قوله ﷺ " ﴿احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ﴾ أمر بالتسبَّب المأمور به وهو الحرص على المنافع، وأمر مع ذلك بالتوكل، وهو الاستعانة بالله تعالى، فمن اكتفى بأحدهما فقد عصى أحد الأمرين، ونهى عن العجز الذي هو ضد الكيس. (٢)
وقال ﵀:
لا تعجز عن مأمور ولا تجزع من مقدور، والإنسان بين أمرين:
أمر أُمِر بفعله فعليه أن يفعله ويحرص عليه ويستعين الله ولا يعجز، وأمر أصيب به من غير فعله فعليه أن يصبر عليه ولا يجزع منه؛ ولهذا قال بعض العقلاء ابن المقفع أو غيره الأمر أمران: أمر فيه حيلة فلا تعجز عنه وأمر لا حيلة فيه فلا تجزع منه. (٣)
قال ابن القيم:
«التوكل نصف الدين، والنصف الثاني الإنابة؛ فإن الدين استعانة وعبادة، فالتوكل هو الاستعانة، والإنابة هي العبادة. (٤)
ومن ترك الاستعانة بالله - تعالى-
стр. 761
واستعان بغيره وكله الله -تعالى- إلى من استعان به فصار مخذولًا.
و كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: " لا تستعن بغيرِ اللَّهِ فيكِلَكَ اللَّهُ إليهِ ". (١)
وفي حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ:
كُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ يَقُولُ دَعَوَاتٍ لَا يَدَعُهُنَّ:
كَانَ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ ". (٢)
"قال العلامة السِعدى:
وقد جمع النبي ﷺ في هذا الحديث بين الإيمان بالقضاء والقدر والعمل بالأسباب النافعة، وهذان الأصلان دل عليهما الكتاب والسنة في مواضع كثيرة، ولا يتم الدين إلا بهما بل لا تتم الأمور المقصودة كلها إلا بهما؛ لأن قوله: "احرص على ما ينفعك" أمر بكل سبب ديني ودنيوي بل أمر بالجد والاجتهاد فيه، والحرص عليه نية وهمة وفعلاً وتدبيراً.
وقوله: "واستعن بالله" إيمان بالقضاء والقدر، وأمر بالتوكل على الله الذي الاعتماد التام على حوله وقوته تعالى في جلب المصالح، ودفع المضار مع الثقة التامة بالله في نجاح ذلك.
فالمتبع للرسول ﷺ يتعين أن يتوكل على الله في أمر دينه ودنياه وأن يقوم بكل سبب نافع بحسب قدرته وعلمه ومعرفته. (٣)
*فرع:
فإن الاستعانة معناها طلب العون، والاستعانة على أقسام:
١) القسم الأول: الاستعانة التوحيدية التعبدّية:
وهى طلب العون من الله - تعالى - فيما لا يقدر عليه إلا الله، وثبت عن النبي- ﷺ أنه قال لابن عباس رضى الله عنهما:
«إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله». (٤)
وهذه التى نسأل الله -تعالى- إياها في كل صلاة فى قولنا (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ
стр. 762
نَسْتَعِينُ (٥)) (الفاتحة/٥)، وهى أية عظيمة جامعة لنوعيى التوحيد: فقولنا " إيَّاكَ نَعْبُدُ " مبنية على توحيد الألوهية، وقولنا " وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ " مبنية على توحيد الربوبيّة.
قال الشنقيطى:
قوله: (إياك نعبد) فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتوكل إلا على من يستحق العبادة; لأن غيره ليس بيده الأمر، وهذا المعنى المشار إليه هنا جاء مبيَّناً واضحاً في آيات أخر، كقوله: (فاعبده وتوكل عليه)، وقوله: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ). (١)
* وقد ورد عن أبي هريرة -رضى الله عنه- عن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، .... ، فإذا قال: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ قال: هذا بيني وبين عبدي....). (٢)
وقد بيَّن ذلك ابن رجب معنى قوله تعالى (هذا بيني وبين عبدي)، فقال:
فالعبادة حق الله -تعالى-على عباده، ولا قدرة للعباد عليها بدون إعانة الله لهم، فلذلك
كانت هذه الكلمة بين الله وبين عبده، لأن العبادة حق الله على عبده، والإعانة من الله فضل من الله على عبده. (٣)
قال ابن كثير:
قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: ٥] فالأول تبرؤ من الشرك، والثاني تبرؤ من الحول والقوة، والتفويض إلى الله . (٤)
وهنا فوائد:
١) الأولى:
قد خص الله -تعالى - الاستعانة بالذكر رغم أنها داخلة في معنى
стр. 763
العبادة، وما ذلك إلا لأهميتها، فالقاعدة "أن ذكر الخاص بعد العام إنما يكون للتأكيد "، وذلك نظير قوله تعالى (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)) (البقرة/٩٨)، وقوله النبي ﷺ :
"إِنَّ الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَة، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ ". (١)
٢) الثانية:
قوله تعالى: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) فيه بيان أن الاستعانة التوحيدية لا تكون إلا بالله تعالى، ووجه الدلالة أن في الأية أسلوب الحصر، وذلك من خلال تقديم ما حقه التأخير، فلم يقل " أعبد إيَّاك"، وذلك لأن " تقديم المعمول من صيغ الحصر ".
، ونظير ذلك قوله تعالى ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ وهذا أبلغ في الحصر، وقوله تعالى (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ) ففيه تقديم ما حقه التأخير لبيان حصر الملْك لله - تعالى - دون غيره.
٢ - القسم الثاني: الاستعانة المباحة:
وهى الاستعانة بالمخلوق، وهذه لا تشرع إلا بشروط ثلاثة:
أن يكون المستعان به: " حياً، حاضراً، قادراً "، فذكر الحي احترازاً من الاستعانة بالميت، وذكر الحاضر احترازاً من الاستعانة بالغائب، وذكر القادر احترازاً من الاستعانة بالمخلوق على أمر لا يقدر عليه إلا الله تعالى.
فإذا ما انتفى واحد من هذه الشرط الثلاثة صارت الاستعانة شركية، ومما يدل على مشروعية الاستعانة المباحة قوله ﷺ :
" وَاللَّهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ ". (٢)
ومن هذا الباب ما ورد عن أبي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ-﵁ أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ غُلَامَهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللهِ، قَالَ: فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ، فَقَالَ: أَعُوذُ بِرَسُولِ اللهِ، فَتَرَكَهُ، فَقَالَ
стр. 764
رَسُولُ اللهِ ﷺ :
"وَاللهِ لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ"، قَالَ: فَأَعْتَقَهُ ". (١)
٣ - القسم الثالث: الاستعانة الشركية:
لما كانت الاستعانة عبادة من أعظم العبادت التى يتوجه بها العبد إلى ربه عزوجل، فقد صار صرفها لغير الله -تعالى- من الشرك المخرج من الملة، فالقاعدة هنا:
" أن كل ما ثبت بالكتاب أو السنة أنه عبادة فصرفه لله -تعالى - توحيد، وصرفه لغير الله شرك ".
وذلك يتمثل في الاستعانة بالغائب أو الميت أو بالمخلوق في أمر لا يقدر عليه إلا الله تعالى، وهذا من الشرك في الربوبية.
قال ابن عبد الهادي:
ولو جاء إنسان إلى سرير الميت يدعوه من دون الله ويستغيث به، كان هذا شركاً محرَّماً بإجماع المسلمين. (٢)
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن:
إن الاستمداد بالأموات والغائبين هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، فإن الاستمداد عبادة، والعبادة لا يجوز أن يصرف منها شيء لغير الله، ..... والاستمداد طلب المدد بالقلب، واللسان، والأركان ولا بد، وهذه الأعمال هي أنواع العبادة، فإذا كانت لله -تعالى-وحده فقد آلَّهه العبد، فإذا صرف لغير الله - تعالى- صار مألوهاً. (٣)
* وكم من فئامٍ من الناس في هذه الأمة أشركوا بالله -تعالى- لما قاموا بالاستعانة بغير الله -تعالى - في الأمور التي تختص فيها الاستعانة به سبحانه، بحجة التوسل بهؤلاء الأشخاص والأموات إلى الله جل شأنه.
ومن هذا ما كان يفعله بعض مشركي العرب إذا نزل وادياً مقفراً، فتراه يتقرَّب إلى سيد القوم من الجن في ذلك الوادي، ليقيَه الضُّرَّ، فيكون تعظيماً للجن، وهو شرك لكون الاستعانة - بما لا يقدر عليه إلا الله - عبادة لغير الله سبحانه.
قال تعالى (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ) (الجن: ٦)
стр. 765
قال الطبري:
يقول تعالى ذكره مخبراً أنه كان رجال من الإنس يستجيرون برجال من الجن في أسفارهم إذا نزلوا منازلهم. (١)
قال القرطبي: ولا خفاء أن الاستعاذة بالجن دون الاستعاذة بالله كفر وشرك. (٢)
وكذلك ما يفعله السحرة من الاستعانة بالأرواح الأرضية - وهم الجن و الشياطين،
وهو ما يُعرف بالعزائم والتسخير وكتب السحر مملوءة من الأقسام والعزائم على الجن بساداتهم الذين يعظمونهم، فدل هذا على أن السحر يكون من الاستعانة بالشياطين، وليس كما يدَّعى ابن سينا وغيره أن السحر من قبيل القوى النفسانية، فهو قول باطل.
* شبهة الجواب عليها:
قد استدل المجوِّزون للاستعانة الشركية ببعض الآيات القرآنية التي هي ليست في محل النزاع: مثل قوله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ) قالوا: أمرنا الله بالاستعانة بالأعراض!!!
*ويجاب عن هذه الشبهة بما يلي:
إن هذه الآية الكريمة لا علاقة لها بجواز الاستعانة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله رب العالمين، بل هذه الآية من أقوى الأدلة على وجوب الالتجاء إلى الله والاستغاثة به عند الملمَّات، والتوسل إلى الله بالأعمال الصالحة، إذ الصلاة والصبر من أعظم الأعمال الصالحات التي يتوسل بها إلى الله -تعالى-عند الكربات، فقد كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر توسل إلى الله بالصلاة.
بل الآية من قبيل قوله تعالى: (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ)؛ فكما أن المراد منها الاعمال الصالحة على تفسير السلف من الأثر والرأي، هكذا هنا المراد من هذه الآية: التوسل بالأعمال الصالحة. (٣)
стр. 766
* فرع: مسألة الاستعانة بالجن المسلم:
وأما هذه المسألة فقد يفهم جواز ذلك من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد ذكر مثل هذا، ووضع جملة من الضوابط لذلك. يقول ﵀:
" ومن كان يستعمل الجن في أمور مباحة له، فهو كمن استعمل الإنس في أمور مباحة له، وهذا كأن يأمرهم بما يجب عليهم وينهاهم عما حرم عليهم ويستعملهم في مباحات له "،
وقال ﵀:
" ومنهم من يستخدمهم - أي الجن - في أمور مباحة إما إحضار ماله، أو دلالة على مكان فيه مال ليس له مالك معصوم، أو دفع من يؤذيه ونحو ذلك، فهذا كاستعانة الإنس بعضهم ببعض في ذلك ".
ومن الضوابط التى حددها لذلك:
" يعني يستعين بهم فيما يقدرون عليه، كون السبب مباحاً، ألا تفضي هذه الاستعانة إلى محرم، أن يكون المستعين بالجنى من الموحدين الصالحين، وعلى معرفة التوحيد وما يضاده. (١)
* الراجح في ذلك -والله أعلم-هو المنع، وهذا عليه جماهير أهل العلم؛ وذلك لأمور:
١ - أن هذا الأمر داخل في الاستمتاع الذي حرَّمه الله ، كما في قوله :
﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، فجاء على سبيل الذم على ما فعلوه.
فاستمتاع الإنس بالجن محرَّم على أي نحو كان، ولم يرد الدليل بالاستثناء ولا
стр. 767
بالتخصيص، فبقاء الأمر على عمومه بما يشمل الجميع، فهذا هو الأصل وهو المتَعَيِّن.
قال صالح بن عبد العزيز آل الشيخ:
الاستعانة بالجن من أسباب إغراء الإنسي بالتوسل إلى الجني، وبرفعة مقامه وبالاستمتاع به، وقد قال جل وعلا ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ [الأنعام: ١٢٨]
ويحصل الاستمتاع من الإنسي بالجني بأن يخدمه الجني، وقد يكون مع ذلك الاستمتاع ذبح من الإنسي للجني، وتقرب بأنواع العبادات؛ ولهذا نقول:
إن تلك الاستعانة بجميع أنواعها لا تجوز، فمنها ما هو شرك - كالاستعانة بشياطين الجن- يعني: الكفار منهم - ومنها ما هو وسيلة إلى الشرك، كالاستعانة بمسلمي الجن. (١)
٢ - أن الجن في زمن النبوة كان منهم من لقي النبي ﷺ ، واستمع إليه، وأسلم معه، ومعلوم أن عندهم من القدرات والإمكانات التي أعطاهم إياها الله - تعالى- ما ليس لغيرهم؛ وقد مضى زمن النبوة وزمن الصحابة رضى الله عنهم، ولم يجر فيه الاستعانة بالجن - حتى المسلم منها - فكان هذا الأمر بمثابة إجماع منهم على عدم مشروعيته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
فلم يستخدم الجن أصلاً - أي رسول الله ﷺ لكن دعاهم إلى الإيمان بالله، وقرأ عليهم القرآن، وبلَّغهم الرسالة، وبايعهم كما فعل بالإنسى. (٢)
٣ - قد ورد في قول النبي ﷺ لأبى هريرة رضى الله عنه:
«صدقك وهو كذوب، ذاك شيطان» (٣)
فالأصل في الشياطين الكذب، فلا يؤمن كذب من يزعم منهم أنه مسلم
стр. 768
أو صالح؛ فهم يوقعون العداوة بين الناس في كذبهم.
لذا ولكثرة الكذب فى هذا الباب فقد أغلقه الشرع مع الدجالين والعرَّافين من الإنس، قال ﷺ : " من أتى عرَّافاً فسأله عن شيء لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة ". (١)
وقال ﷺ : "من أتى كاهناً فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ". (٢)
٤ - أن الأصل فى ذلك هو سد الذريعة وحسم المادة؛ فقد تؤدي الاستعانة بالجن إلى حصول خلل في العقيدة؛ فترى المستعين يلجأ إليهم ويتعلق بهم تعلقاً يبعده عن الخالق ، الواقع والتجربة شاهدان على ذلك. (٣)
والمتتبع لحال كثير من الرقاة والمعالجين بالقرآن يرى كم الدجل والشركيات التى وقعوا فيها في هذا الباب.
قال أحمد في الرجل يزعم أنه يعالج المجنون من الصرع بالرقى والعزائم، أو يزعم أنه يخاطب الجن ويكلمهم، ومنهم من يخدمه؛ قال:
ما أحب لأحد أن يفعله، تركه أحب إليَّ. (٤)
وهذا يراد به التحريم، كما هو المعلوم من نصوص الإمام أحمد وألفاظه.
*تنبيهات:
١ - أما ما يُنقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية من تجويز ذلك فهو محمول -والله أعلم- على ما إذا فعلوا شيئاً من غير أن يطلب منهم، أو أخبروا الشخص وهو قادر على أن
стр. 769
يعرف صدقهم من كذبهم، فهذا هو المحتمل، وليس أن يطلب منهم قضاء الحاجات.
٢ - إذا جاءت الخدمة من الجني بدون اتفاق وعهد فلا حرج فيها؛ لأنه قد تكون من الكرامة للإنسان. (١)
* عودٌ إلى حديث الباب:
قوله ﷺ : " وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا ":
، وفيه من الفوائد أنه إذا وقع بعد حرصه على طلب ما ينفعه خلاف مطلوبه،
لا ينبغي له التأسّف، وقول: " لو أني فعلتُ كذا كان كذا " تسخّطًا لقدر الله
تعالى، بل الواجب أن يستسلم لقضائه وقدره، ولا يتسخّط؛ لأن الله أعلمُ بمصالح عباده، فربما يكون عكس ما حرص عليه خيرًا إما في الدنيا، وإما في الآخرة، قال الله : ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦].
وقال: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]،
بل الواجب عليه حينئذ أن يقول: "قدّر الله، وما شاء فعل".
والحاصل:
أن نزول المكروه الدنيوي على العبد المؤمن خير له؛ لأنه
إنما أصابه بما كسب من المخالفات، كما قال الله ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠]
ثم إن هذا الذي أصابه إما أن يكون تكفيرًا لِمَا اقترفه من السيئات، وهذا مطلب عظيم، وإما أن يكون رفعًا لدرجاته، وهذا أعلى وأغلى، والله تعالى أعلم. (٢)
**عودٌ إلى حديث الباب:
قوله ﷺ : " وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل قدر
стр. 770
الله وما شاء الله فعل ":
فقد أرشد النبي ﷺ إلى تفويض الأمر إلى قدر الله بعد فعل الأسباب التي يحصل بها المطلوب ثم يتخلف.
وإنما هذا من باب الاحتجاج بالقدر على المصائب، لا على المعايب، ونظير ذلك ما قاله آدم ﵇ لما احتج بقدر الله -تعالى-على المصيبة التي حصلت له ولبنيه وهي الإخراج من الجنة، فقال لموسى ﵇:
" أتلومني على أمر قدَّره الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة" (١)
*عودٌ إلى حديث الباب:
قوله ﷺ : " فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ ":
قد ورد في حديث الباب النهى عن استعمال كلمة " لو"؛ لأنها تفتح على المرء باباً من خطرات الشيطان التى يؤلم بها القلب ويحسره على ضياع ما فات، مما يضيّع على المرء مرتبة فاضلة وهى الاستسلام لقدر الله -تعالى- النافذ.
لذا فقد ورد النهى عن استعمال كلمة "لو" فى هذا المقام.
* وهنا يرد إشكال:
قد ورد في جملة من النصوص الشرعية ما يعرض في الظاهر النهى الوارد في حديث الباب عن كلمة "لو"، كما ورد فى قولَه ﷺ :
«لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا امْرَأَةً مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ»، و قوله ﷺ :
" لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي "
*والجواب من وجوه:
الأول قد ذكره النووي فقال:
وقد جاء من استعمال لو في الماضي، قوله ﷺ : " لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي "، وغير ذلك فالظاهر أن النهي إنما هو عن إطلاق ذلك فيما لا فائدة فيه، فيكون نهي تنزيه لا تحريم. فأما من قاله تأسّفاً على مافات من طاعة الله تعالى، أو ماهو متعذّر عليه من ذلك ونحو هذا فلا بأس به،
стр. 771
وعليه يحمل أكثر الاستعمال الموجود في الأحاديث، والله أعلم. (١)
الوجه الثاني:
أن قول النبي ﷺ في الصحيح: (لا يقولنَّ أحدُكم: لو؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان) فمحمول على من يقول ذلك معتمدًا على الأسباب، مُعرضًا عن المقدور، أو متضجرًا منه، كما حكاه الله تعالى من قول المنافقين حيث قالوا: ﴿لَو أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ ثم ردَّ الله قولهم، وبيَّن لهم عجزهم، فقال: ﴿قُل فَادرَءُوا عَن أَنفُسِكُمُ المَوتَ إِن كُنتُم صَادِقِينَ﴾. (٢)
* وقد ذكر الشيخ ابن العثيمين تفصيلاً في هذا الباب، فقال أن استعمال "لو" تأتي على وجوه:
الوجه الأول:
أن تستعمل في الاعتراض على الشرع، وهذا محرَّم، قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ في غزوة أحد حينما تخلف أثناء الطريق عبد الله بن أبي في نحو ثلث الجيش، فلما استشهد من المسلمين سبعون رجلا اعترض المنافقون على تشريع الرسول ﷺ ، وقالوا:
لو أطاعونا ورجعوا كما رجعنا ما قتلوا، فرأينا خير من شرع محمد، وهذا محرم وقد يصل إلى الكفر.
الثاني:
أن تستعمل في الاعتراض على القدر، وهذا محرَّم أيضا، قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزّىً لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ (آل عمران: ١٥٦)
أي: لو أنهم بقوا ما قتلوا; فهم يعترضون على قدر الله.
الثالث:
أن تستعمل للندم والتحسر، وهذا محرم أيضا; لأن كل شيء يفتح الندم عليك فإنه منهي عنه; لأن الندم يكسب النفس حزنا وانقباضا، والله يريد منا أن نكون في انشراح وانبساط، قال ﷺ :
" احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن
стр. 772
أصابك شيء، فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا; فإن لو تفتح عمل الشيطان ".
مثال ذلك:
رجل حرص أن يشتري شيئا يظن أن فيه ربحا فخسر، فقال: لو أني ما اشتريته ما حصل لي خسارة; فهذا ندم وتحسر، ويقع كثيراً، وقد نهي عنه.
الرابع:
أن تستعمل في الاحتجاج بالقدر على المعصية; كقول المشركين ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ وقولهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾، وهذا باطل.
الخامس:
أن تستعمل في التمني، وحكمه حسب المتمنى: إن كان خيراً فخير، وإن كان شراً فشر، وفي "الصحيح" عن النبي ﷺ في قصة النفر الأربعة قال أحدهم:
" لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان " فهذا تمنى خيراً، وقال الثاني:
"لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان "، فهذا تمنى شراً. فقال النبي ﷺ في الأول: " فهو بنيته، فأجرهما سواء "وقال في الثاني:
" فهو بنيته، فوزرهما سواء ". (١)
تم بحمد الله.
стр. 773
الحديث السابع والعشرون: بيان الحق نفسه في شرح حديث أينا لم يظلم نفسه
стр. 774
*نص الحديث:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ﵁ قَالَ:
لَمَّا نَزَلَتْ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾، [الأنعام: ٨٢]، شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، وقالوا: أينا لا يظلم نفسه؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَيْسَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان/١٣)
* تخريج الحديث:
أخرجه البخاري (٦٩٣٧) كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ، بَابُ ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، ومسلم (١٢٤) كتاب الإيمان، " باب: صدق الإيمان وإخلاصه ".
* أهم الفوائد المتعلقة بحديث الباب:
الفائدة الأولى: قول ابن مسعود ﵁:
لَمَّا نَزَلَتْ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ ......
أهل العلم على أنه مما يدخل فى أقسام المرفوع حكماً ذكر سبب نزول الأية، فالصحابي إذا قال: هذه الآية نزلت في كذا، فلها حكم الرفع؛ لأن قول الصحابي بأن أية كذا نزلت في كذا لا يكون إلا بتوقيف من النبي ﷺ . قال الحاكم:
الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل فأخبر عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا وكذا فإنه حديث مسند. (١)
ويقول الحافظ العراقي في ألفيته:
وَعَدُّ مَا فَسَّرَهُ الصَّحَابي... رَفْعَاً فَمَحْمُوْلٌ عَلَى الأسْبَاب. (٢)
стр. 775
* ومثاله:
ما ورد من قول جابر ﵁: كانت اليهود تقول: من أتى امرأة من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، الآية. (١)
وهذا بخلاف سائر تفاسير الصحابة -رضى الله عنهم- التى لا يضاف شيء منها إلى الرسول ﷺ فهو داخل فى حكم موقوف.
*الفائدة الثانية: قول الصحابة رضى الله عنهم: أيُّنا لا يظلم نفسه؟
فالصحابة ﵃ حملوا اللفظ على عمومه، فشق عليهم إلى أن أعلمهم النبي ﷺ بأنه ليس كما ظننتم، بل كما قال لقمان ﵇. *فإن قلت: من أين حملوه على العموم؟
قلت: لأن قوله: (بظلم) نكرة في سياق النفي، فاقتضت التعميم، وفيه أن العام قد يطلق ويراد به الخاص، فقد حمل الصحابة - رضى الله عنهم- ذلك على جميع أنواع الظلم، فبيَّن الله - تعالى - أن المراد نوع منه. (٢)
قال ابن القيم:
لما أشكل علي الصحابة -رضى الله عنهم - المراد بالظلم، وظنوا أن من ظلم نفسه أي ظلم كان لا يكون آمناً، أجابهم بأن الظلم الرافع للأمن والهداية على الإطلاق هو الشرك، وهذا - والله - الجواب الذي يشفي العليل ويروي الغليل؛ فإن الظلم المطلق التام هو الشرك الذي هو وضع العبادة في غير موضعها، والأمن والهدى المطلق هو الأمن في الدنيا والآخرة، فالظلم المطلق التام مانع من الأمن والهدى المطلق، ولا يمنع ذلك أن يكون مطلق الظلم مانعاً من مطلق الأمن ومطلق الهدى فتأمله، فالمطلق للمطلق والحصة للحصة. (٣)
قال الخطابي:
إنما قال الصحابة هذا القول لأنهم اقتضوا من الظلم ظاهره الذي هو الافتيات بحقوق الناس، أو الظلم الذي ظلموا به أنفسهم، من ركوب معصية أو