وعليه يحمل أكثر الاستعمال الموجود في الأحاديث، والله أعلم. (١)
الوجه الثاني:
أن قول النبي ﷺ في الصحيح: (لا يقولنَّ أحدُكم: لو؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان) فمحمول على من يقول ذلك معتمدًا على الأسباب، مُعرضًا عن المقدور، أو متضجرًا منه، كما حكاه الله تعالى من قول المنافقين حيث قالوا: ﴿لَو أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ ثم ردَّ الله قولهم، وبيَّن لهم عجزهم، فقال: ﴿قُل فَادرَءُوا عَن أَنفُسِكُمُ المَوتَ إِن كُنتُم صَادِقِينَ﴾. (٢)
* وقد ذكر الشيخ ابن العثيمين تفصيلاً في هذا الباب، فقال أن استعمال "لو" تأتي على وجوه:
الوجه الأول:
أن تستعمل في الاعتراض على الشرع، وهذا محرَّم، قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ في غزوة أحد حينما تخلف أثناء الطريق عبد الله بن أبي في نحو ثلث الجيش، فلما استشهد من المسلمين سبعون رجلا اعترض المنافقون على تشريع الرسول ﷺ ، وقالوا:
لو أطاعونا ورجعوا كما رجعنا ما قتلوا، فرأينا خير من شرع محمد، وهذا محرم وقد يصل إلى الكفر.
الثاني:
أن تستعمل في الاعتراض على القدر، وهذا محرَّم أيضا، قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزّىً لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ (آل عمران: ١٥٦)
أي: لو أنهم بقوا ما قتلوا; فهم يعترضون على قدر الله.
الثالث:
أن تستعمل للندم والتحسر، وهذا محرم أيضا; لأن كل شيء يفتح الندم عليك فإنه منهي عنه; لأن الندم يكسب النفس حزنا وانقباضا، والله يريد منا أن نكون في انشراح وانبساط، قال ﷺ :
" احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن
стр. 772
أصابك شيء، فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا; فإن لو تفتح عمل الشيطان ".
مثال ذلك:
رجل حرص أن يشتري شيئا يظن أن فيه ربحا فخسر، فقال: لو أني ما اشتريته ما حصل لي خسارة; فهذا ندم وتحسر، ويقع كثيراً، وقد نهي عنه.
الرابع:
أن تستعمل في الاحتجاج بالقدر على المعصية; كقول المشركين ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ وقولهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾، وهذا باطل.
الخامس:
أن تستعمل في التمني، وحكمه حسب المتمنى: إن كان خيراً فخير، وإن كان شراً فشر، وفي "الصحيح" عن النبي ﷺ في قصة النفر الأربعة قال أحدهم:
" لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان " فهذا تمنى خيراً، وقال الثاني:
"لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان "، فهذا تمنى شراً. فقال النبي ﷺ في الأول: " فهو بنيته، فأجرهما سواء "وقال في الثاني:
" فهو بنيته، فوزرهما سواء ". (١)
تم بحمد الله.
стр. 773
الحديث السابع والعشرون: بيان الحق نفسه في شرح حديث أينا لم يظلم نفسه
стр. 774
*نص الحديث:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ﵁ قَالَ:
لَمَّا نَزَلَتْ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾، [الأنعام: ٨٢]، شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، وقالوا: أينا لا يظلم نفسه؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَيْسَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان/١٣)
* تخريج الحديث:
أخرجه البخاري (٦٩٣٧) كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ، بَابُ ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، ومسلم (١٢٤) كتاب الإيمان، " باب: صدق الإيمان وإخلاصه ".
* أهم الفوائد المتعلقة بحديث الباب:
الفائدة الأولى: قول ابن مسعود ﵁:
لَمَّا نَزَلَتْ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ ......
أهل العلم على أنه مما يدخل فى أقسام المرفوع حكماً ذكر سبب نزول الأية، فالصحابي إذا قال: هذه الآية نزلت في كذا، فلها حكم الرفع؛ لأن قول الصحابي بأن أية كذا نزلت في كذا لا يكون إلا بتوقيف من النبي ﷺ . قال الحاكم:
الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل فأخبر عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا وكذا فإنه حديث مسند. (١)
ويقول الحافظ العراقي في ألفيته:
وَعَدُّ مَا فَسَّرَهُ الصَّحَابي... رَفْعَاً فَمَحْمُوْلٌ عَلَى الأسْبَاب. (٢)
стр. 775
* ومثاله:
ما ورد من قول جابر ﵁: كانت اليهود تقول: من أتى امرأة من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، الآية. (١)
وهذا بخلاف سائر تفاسير الصحابة -رضى الله عنهم- التى لا يضاف شيء منها إلى الرسول ﷺ فهو داخل فى حكم موقوف.
*الفائدة الثانية: قول الصحابة رضى الله عنهم: أيُّنا لا يظلم نفسه؟
فالصحابة ﵃ حملوا اللفظ على عمومه، فشق عليهم إلى أن أعلمهم النبي ﷺ بأنه ليس كما ظننتم، بل كما قال لقمان ﵇. *فإن قلت: من أين حملوه على العموم؟
قلت: لأن قوله: (بظلم) نكرة في سياق النفي، فاقتضت التعميم، وفيه أن العام قد يطلق ويراد به الخاص، فقد حمل الصحابة - رضى الله عنهم- ذلك على جميع أنواع الظلم، فبيَّن الله - تعالى - أن المراد نوع منه. (٢)
قال ابن القيم:
لما أشكل علي الصحابة -رضى الله عنهم - المراد بالظلم، وظنوا أن من ظلم نفسه أي ظلم كان لا يكون آمناً، أجابهم بأن الظلم الرافع للأمن والهداية على الإطلاق هو الشرك، وهذا - والله - الجواب الذي يشفي العليل ويروي الغليل؛ فإن الظلم المطلق التام هو الشرك الذي هو وضع العبادة في غير موضعها، والأمن والهدى المطلق هو الأمن في الدنيا والآخرة، فالظلم المطلق التام مانع من الأمن والهدى المطلق، ولا يمنع ذلك أن يكون مطلق الظلم مانعاً من مطلق الأمن ومطلق الهدى فتأمله، فالمطلق للمطلق والحصة للحصة. (٣)
قال الخطابي:
إنما قال الصحابة هذا القول لأنهم اقتضوا من الظلم ظاهره الذي هو الافتيات بحقوق الناس، أو الظلم الذي ظلموا به أنفسهم، من ركوب معصية أو
стр. 776
إتيان محرم، كقوله : ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم﴾ الآية (١).
* الفائدة الثالثة: أقسام الظلم:
قد روى أنس بن مالك -رضى الله عنه- عن النبي ﷺ أنه قال:
" الظُّلْمُ ثَلَاثةٌ: فَظُلْمٌ لَا يَغْفِرُهُ اللهُ، وَظُلْمٌ يَغْفِرُهُ، وَظُلْمٌ لَا يَتْرُكُهُ فَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي
لَا يَغْفِرُهُ اللهُ تعالى:
فَالشِّرْكُ، قَالَ اللهُ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي يَغْفِرُهُ: فَظُلْمُ العِبَادِ أَنْفُسَهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لَا يَتْرُكُهُ: فَظُلْمُ العِبَادِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، حَتَّى يَقُتصُّ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ " (٢)
* ومما يستفاد من هذا الحديث أن الظلم أقسام ثلاثة:
١ - الأول:
ظلم لا يغفره الله تعالى، وهو الشرك به، قال الله ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾، والشرك لا يغفره الله -تعالى- بحال من الأحوال، قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)) (النساء/٤٨)
وقد ورد اطلاق الظلم على ما كان شركاً فى مواضع عدة من كتاب الله تعالى، قال تعالى (ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢)) (يونس/٥٢)، وقال تعالى (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)) (البقرة/٢٥٤)
٢ - الثاني:
وهو ظلم العباد أنفسهم فيما بينهم وبين ربهم، فيما دون الشرك، وهذا الظلم يغفره الله - تعالى- إن شاء فيدخل المرء الجنة بلا عذاب، ومن عُذِّب عليه فمآله إلى الجنة، كما قال تعالى ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا...﴾ (فاطر/٣٢)
стр. 777
وهذه مما قيل فيها أنها أرجى أيه في القرآن؛ فقد وردت واو الجماعة في قوله تعالى (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا...) عائدة على الأقسام الثلاثة، والتى منها
" الظالم لنفسه بما دون الشرك ".
٣) الثالث:
وهو الظلم الذي لا يتركه الله تعالى، وهو ظلم العباد بعضهم بعضاً، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ» (١)
* وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
"أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ " قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ:
"إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ" (٢)
* وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ، مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ". (٣) قال سفيان الثوري:
إن لقيت الله -تعالى- بسبعين ذنباً فيما بينك وبين الله تعالى أهون عليك من أن تلقاه بذنب واحد فيما بينك وبين العباد. (٤)
стр. 778
* لذا يقال فى تحقيق العلاقة بين وقوع الظلم وتحقق الأمن والاهتداء أن ذلك على حالات:
١ - الحالة الأولى:
من تخلَّص من أنواع الظلم الثلاثة التي سلف ذكرها، فحقق الإيمان التام الذي لم تشبه شوائب الشرك الأكبر المنافي لجميعه، ولا الشرك الأصغر المنافي لكماله، ولا المعاصي المحبطة لثمراته من الطاعات، كان له الأمن والاهتداء التام المطلق، ومعنى الأمن المطلق هو الذي ليس معه عذاب.
٢ - الحالة الثانية:
أن يتخلَّص من أعظم الظلم، الذى هو الشرك، ولكنه قد وقع في الأنواع الأخرى فهذا له الأمن من الخلود في النار، وهو ما يسمى " مطلق الأمن "، أى:
أن معه أصل الأمن وأصل الاهتداء، وإن عوقب على بقية أنواع الظلم الأخرى، وهذا وفق مشيئة الله تعالى.
فالذين سلِموا من الشرك لهم الأمن، إما الأمن المطلق، وإما مطلق الأمن، والأمن المطلق هو الذي ليس معه عذاب، وأما مطلق الأمن فهذا الذي قد يكون معه شيء من العذاب على حسب الذنوب.
وهذا هو المراد بقوله تعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾؛ فقد بيَّن الرسول ﷺ أن المراد من هذه الأية ليس السلامة من مطلق الظلم، فمثل هذا لا ينفك عنه أحد، كما ورد عَنْ أَبِي ذَرٍّ -رضى الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ ﵎ أَنَّهُ قَالَ:
(... يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، ...) (١)
، وإنما المراد من هذه الأية هو السلامة من الظلم المطلق، والذى بتحققه ينتفى عن المرء مطلق الأمن والاهتداء، لا الأمن أو الاهتداء المطلق.
٣ - الحالة الثالثة:
وهذه لمن لم يسلم من الشرك الأكبر، وصاحبها ينتفى معه مطلق
стр. 779
الأمن والاهتداء، وهذا هو الظلم الأكبر المراد فى قوله تعالى (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)) (المائدة/٧٢)، وفي قول لقمان لابنه ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان /١٣).
* وقد أجمل أبوالعباس ابن تيمية ﵀ هذه المعانى السابقة فقال:
من سلم من أجناس الظلم الثلاثة؛ كان له الأمن التام والاهتداء التام، ومن لم يسلم من ظلمه نفسه كان له الأمن والاهتداء مطلقاً، بمعنى أنه لا بد أن يدخل الجنة، ويحصل له من نقص الأمن والاهتداء بحسب ما نقص من إيمانه بظلمه نفسه. وليس مراد النبي ﷺ بقوله ﴿إنما هو الشرك﴾ أن من لم يشرك الشرك الأكبر يكون له الأمن التام والاهتداء التام؛ فإن أحاديثه الكثيرة مع نصوص القرآن تبين أن أهل الكبائر معرَّضون للخوف لم يحصل لهم الأمن التام ولا الاهتداء التام الذي يكونون به مهتدين إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من غير عذاب يحصل لهم؛ بل معهم أصل الاهتداء إلى هذا الصراط ومعهم أصل نعمة الله عليهم ولا بد لهم من دخول الجنة. وقول النبي ﷺ ﴿إنما هو الشرك﴾ إن أراد به الشرك الأكبر فمقصوده أن من لم يكن من أهله فهو آمن مما وعد به المشركون من عذاب الدنيا والآخرة، وهو مهتد إلى ذلك. (١)
قال ابن القيم:
الظلم المطلق التام هو الشرك الذي هو وضع العبادة في غير موضعها، والأمن والهدى المطلق هو الأمن في الدنيا والآخرة، فالظلم المطلق التام مانع من الأمن والهدى المطلق، ولا يمنع ذلك أن يكون مطلق الظلم مانعاً من مطلق الأمن ومطلق الهدى فتأمله، فالمطلق للمطلق والحصة للحصة. (٢)
стр. 780
* وهذا هو الذى عليه أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بأنواع المظالم الثلاثة، وهم في ذلك وسط بين مدرستين قد ضَلَّتَا الفهم في هذا الباب:
١ - مدرسة الخوارج والمعتزلة:
فعندهم أن أصحاب الكبائر الذين ماتوا مصرُّون عليها دون توبة مخلّدون في النار، فتراهم يكفِّرون بظلم النفس بالكبائر، وينفون عن صاحبه مطلق الأمن والاهتداء.
٢ - مدرسة المرجئة:
وهم يرون أن ظلم النفس بما دون الشرك لا يكون مؤثراً في كمال الإيمان الواجب، بل لصاحبه - وإن مات مصرَّاً على الكبائر- الأمن والاهتداء المطلق.
*الفائدة الرابعة:
شذوذ أهل البدع في تعريف الظلم:
١ - قول الجهمية والأشاعرة:
قالوا في تعريف الظلم: أنه التصرف في ملك الغير، لذا فلو عذَّب الله -تعالى- المطيعين ونعَّم العاصين لم يكن ظالماً، لأن الظلم عندهم إنما هو التصرف في ملك الغير، والله - تعالى - مالك الملك، فأي فعل فعله ولو كان تعذيب أنبيائه وملائكته وأهل طاعته، وتكريم أعدائه من الكفار والشياطين لم يكن ظالماً؛ لأنه لم يتصرف إلا في ملكه. (١)
قال الغزالي:
لله إيلام الخلق وتعذيبهم من غير جرم سابق ومن غير ثواب لاحق؛ لأنه متصرف في ملكه، ولا يتصور أن يعدو تصرفه ملكه، والظلم هو عبارة عن التصرف في ملك الغير بغير إذنه، وهو محال على الله تعالى. (٢)
стр. 781
٢ - قول المعتزلة:
وهؤلاء يقولون: إن الظلم مقدور لله تعالى، ولكنه تعالى منزَّه عنه، وهذا حق، ولكنَّ هذا قد جرَّهم إلى القول بالقدر، فهم قدرية نفاة لخلق الله -تعالى- لأفعال العباد، فالله -تعالى- لما كان عدلاً لا يظلم أحداً فقد اقتضى ذلك -عندهم -ألا يكون خالقاً لأفعال العباد؛ لأنه لو كان خالقاً لها ثم عاقبهم عليها لكان ظالماً. (١)
والعدل عند المعتزلة أحد الأصول الخمسة التى بنوا عليهم مذهبهم، وتعرفيه عندهم كما سبق ذكره هو القول بالقدر.
٣ - قول أهل السنة:
قالوا: الظلم وضع الشيء في غير موضعه وهذا معناه في اللغة، فالظلم الذي حرمه الله - تعالى - على نفسه هو أنه سبحانه لا يحمل المرء سيئات لم يفعلها، ولا يعذِّب المرء إلا بما كسبت يداه، كما قال تعالى
(الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧)) (غافر/١٧)، وقال سبحانه (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)) (الأنعام/١٦٠)
وكما ورد في حديث عبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو-رضى الله عنهما- أن رَسُول اللهِ ﷺ قال:
" إِنَّ اللهَ يَسْتَخْلِصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ:
" أَظَلَمَتْكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ؟ قَالَ: لَا، يَا رَبِّ، ... " (٢)
стр. 782
قال أبو العباس ابن تيمية:
فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ قال أهل التفسير من السلف: لا يخاف أن يظلم فيحمل عليه سيئات غيره، ولا يهضم فينقص من حسناته. (١)
* لذا فالقول ما قاله أهل السنة:
أن معنى الظلم المنفي عن الله -هو وضع الشيء في غير موضعه، بأن يزيد في سيئاته أو أن يحمل عليه أوزار غيره، أو أن ينقصه من حسناته شيئاً. فالظلم المنفي عن الله - تعالى - ما هو ممكن، وليس ممتنعاً لذاته؛ لكنَّ الله -تعالى - نفاه عن نفسه ونزَّه نفسه عنه وحرَّمه على نفسه لأنه لا يليق به ؛ فإن الله - تعالى - لا يظلم لكمال عدله.
* الرد على الأشاعرة والجهمية:
١) هذا التفسير تفسير باطل، ولازمه الذى لا ينفك عنه هو نفي الحكمة عن الله عزوجل، ومعلوم أن كون الله يعذب الناس بلا ذنب هذا عبث ولا حكمة فيه، ومثل هذا مما ينزه الله - تعالى - عنه.
قال الله : ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ (ص: ٢٨) وقال تعالى ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)﴾ (الجاثية: ٢١).
* لذا فمن الخطأ البيِّن الذى راجع فيه أهل العلم صاحب العقيدة السفارينية فى قوله:
وَجَاز للْمولى يعذَّب الورى... من غير مَا ذَنْب وَلَا جرم جرى.
فَكل مَا مِنْهُ تَعَالَى يجمل... لِأَنَّهُ عَن فعله لَا يسْأَل.
فهذا القول الذي ذكره المؤلف ظن أنه مذهب أهل السنة، وليس هذا هو مذهب أهل السنة، بل هو مذهب الأشاعرة ومن وافقهم من متأخري بعض أهل السنة من
стр. 783
المالكية والشافعية والحنابلة.
قال ابن العثيمين:
ولكن هذا القول باطل؛ لقول الله تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) (هود: ١١٧)، والتعليل لذلك بقوله " فَكل مَا مِنْهُ تَعَالَى يجمل.. " تعليل باطل؛ فتعذيب المطيع القائم بأمر الله -تعالى - ليلاً ونهاراً حتى مات، لا أحد يشك في أنه ظلم وأنه غير جميل.
أما التعليل الثاني في قوله: (لأنه عن فعله لا يسأل) فهذا صحيح، فالله - تعالى - لا يسأل عما يفعل، فلا يسأل لماذا هدي هذا الرجل حتى استقام، ولماذا أضل الآخر حتى انحرف، فلا يسأل عن هذا؛ لأن الله له الحكمة فيما قدَّر، لكن بعد أن يوجد السبب المقتضي للثواب أو العقاب، فلو أن الله -تعالى - عاقبه لكان هناك سؤال عن سبب معاقبة الله لهذا الرجل، ولهذا أيضاً يسقط هذا التعليل. (١)
* فإن قيل:
فإذا قال قائل: أليس الخلق كله ملكاً لله -تعالى - فله أن يفعل في ملكه ما شاء؟
فالجواب: بلى، ولكن نقول: هو نفسه أخبر بأنه لا يمكن أن يظلم أحداً، ولا يمكن أن يعذب طائعاً، فيكون هذا الشيء - أي تعذيب المطيع - ممتنعاً بمقتضى خبر الله ، وبمقتضى أسمائه وصفاته، وأنه احكم الحاكمين واعدل العادلين. (٢)
وعليه فنسبة ذلك غلط على أهل السنة، كما قرر هذا شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وكثير من محققي العلم، والمذهب المنسوب إلى السلف هو ما تقدم تقريره من أن الله لا يعذِّب إلا بذنب.
* يؤيده ما يلى:
١ - الأدلة الشرعية التى نصت على عدم إيقاع العقاب على من كان معذوراً بجهله،
стр. 784
كما قال تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)) (الإسراء/١٥)،
وقال تعالى (ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١)) (الأنعام/١٣١)
أي: إنما أعذرنا إلى الثقلين بإرسال الرسل وإنزال الكتب، لئلا يعاقب أحد بظلمه، وهو لم تبلغه دعوة، ولكن أعذرنا إلى الأمم، وما عذبنا أحداً إلا بعد إرسال الرسل إليهم. (١)
وقال تعالى (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)) (هود/١١٧) فأخبر تعالى أنه لم يهلك قرية إلا وهي ظالمة لنفسها، ولم يأت قرية مصلحة بأسه وعذابه قط حتى يكونوا هم الظالمين.
وعَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ- رضى الله عنه-عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَرْبَعَةٌ يَحْتَجُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَصَمُّ، وَرَجُلٌ أَحْمَقُ، وَرَجُلٌ هَرِمٌ، وَرَجُلٌ مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ، فَأَمَّا الْأَصَمُّ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ، وَمَا أَسْمَعُ شَيْئًا، وَأَمَّا الْأَحْمَقُ، فَيَقُولُ: رَبِّ، قَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَالصِّبْيَانُ يَحْذِفُونَنِي بِالْبَعَرِ، وَأَمَّا الْهَرِمُ، فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَعْقِلُ، وَأَمَّا الَّذِي مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ، فَيَقُولُ: رَبِّ،
مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ، فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ، فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ رَسُولًا أَنِ ادْخُلُوا النَّارَ، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ دَخَلُوهَا كَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا". (٢)
فهذه الأدلة الشرعية قد أفادت بما لا يدع مجالاً للشك أن الله -تعالى- لا يعذِّب من فعل ذنباً -ولو كان شركاً- إذا لم تبلغه الرسالة والحجة، فكيف يعذّب أولياءه الذين عاشوا طائعين عابدين، لا يعصون الله - تعالى - ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون؟!!
٢ - أننا مأمورون شرعاً أن نؤمن بجميع ما صح من أسماء الله -تعالى- وصفاته، فكما أننا نؤمن باسم الله الملك، الذى له الملك المطلق، فكذلك علينا أن نؤمن باسم الحكيم، ومعناه أنه سبحانه الذي يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها اللائقة بها في خلْقه وأمره، لذا فالقول أن مالك الملك لو عذَّب أهل طاعته، وكرَّم أعداءه لم يكن ظالماً؛
стр. 785
لأنه لم يتصرف إلا في ملكه فهذا كلام من البطلان البيِّن؛ فهذه غفلة عظيمة عن الإيمان باسم الله الحكيم، أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ؟!!.
* إشكال:
قد صح عن النبي ﷺ أنه قال:
(لو أنّ الله عذَّب أهلَ سماواته وأهلَ أرضه عذَّبهم وهو غير ظالمٍ لهم). (١) الجواب:
أن معنى الحديث أن الله -تعالى- لو وضع عدله على أهل سماواته فحاسبهم بنعمه عليهم وأعمالهم لصاروا مدينين له، فلو حاسبهم على نعمة واحدة - كنعمة البصر مثلاً- لاستوفت ولرجحت على جميع ثواب أعمالهم وطاعاتهم التى بذلوها، وحينئذ يكون المرء مديناً لربه - تعالى- بسائر نعمه التى ما أدى حقها، وحينئذ
فلو عذَّبهم الله لعذبهم وهو غير ظالم لهم؛ وما ذلك إلا لتقصيرهم في شكر نعمه عليهم. (٢)
قال ابن رجب:
لا نجاة للعبد بدون المغفرة والعفو والرحمة والتجاوز، وأنه متى أقيم العدل المحض عَلَى عبد هَلك.
ومما يبين ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]، فهذا يدلُّ عَلَى أن الناسُ يسألون عن النعيم في الدُّنْيَا، وهل قاموا بشكره أم لا؟
فمن طولب بالشكر عَلَى كل نعمة من عافية وستر وصحةِ جسم وسلامة حواسٍّ وطيب عيش واستُقصي ذلك عليه، لم تَفِ أعمالُهُ كلُّها بشكر بعض هذه النعم، وتبقى سائر النعم غير مقابلة بشكر فيستحق صاحبها العذاب بذلك. (٣)
стр. 786
٢) قولهم بأن " الظلم الذى نفاه الله - تعالى - عن نفسه ممتنع لذاته " كلام باطل من وجوه:
أ) الأول:
تفسير نفي الظلم عن الله -تعالى- بالامتناع عليه ليس فيه مدح ولا كمال، وإنما المدح والكمال أن يقال إن الله - سبحانه- منزَّه عن الظلم، وأنه لا يفعله لكمال عدله، والمدح إنما يكون بترك المقدور عليه، لا بترك الممتنع، فعلم أن من الممكنات ما هو ظلم تنزَّه الله - تعالى- عنه مع قدرته عليه، وبذلك استحق الحمد؛ لأن الحمد إنما يقع بالأمور الاختيارية من فعل أو ترك. (١)
ب) الثانى:
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ (طه/١١٢)
ووجه الدلالة:
أن نفي الظلم لو كان على وجه الامتناع لم يكن ثمة فائدة من نفي الخوف من تحققه، فالذي يُخاف إنما هو الممكن.
* يؤيده:
ما ورد عن أَبِي ذَرٍّ- رضى الله عنه- أنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ ﵎ أَنَّهُ قَالَ:
"يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا، ... " (٢) ووجه الدلالة:
أن الممتنع لذاته لا يُحتاج إلى تحريم؛ لأنه ممتنع لذاته، وبيان ذلك أنه ليس لشخص أن يقول -مثلاً - حرَّمت على نفسي أن أطير في الهواء؛ ولا يقال:
" إن فلاناً الأعمى يغض بصره عن النساء!! "؛ لأن هذا ممتنع لذاته، وليس رغبة عنه، فالذي يحرم لا يتوجه إلا لما كان ممكناً. (٣)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
الأمر الذى لا يمكن القدرة عليه لا يصلح أن يمدح الممدوح بعدم إرادته، وإنما يكون المدح بترك الأفعال إذا كان الممدوح قادراً عليها، فعلم أن الله قادر على ما نزه نفسه عنه من الظلم وأنه لا يفعله، والذى حرَّمه على
стр. 787
نفسه هو أمر مقدور عليه، لكنه لا يفعله لأنه حرَّمه على نفسه، وهو سبحانه منزَّه عن فعله مقدَّس عنه. (١)
* الرد على المعتزلة:
أما قولهم: " أن الله -تعالى- لا يظلم، وأن عدله يقتضي ألا يكون خالقاً لأفعال العباد؛ لأنه لو كان خالقاً لها ثم عاقبهم عليها لكان ظالماً لهم!!!
* فالرد من وجوه:
١) الأول:
إنه -تعالى -إنما يعذبهم على ما أحدثوه من ذنوب، وكان بمشيئتهم وقدرتهم، وكونه تعالى خالق أفعالهم لا يمنع أن تكون أفعالهم مضافة إليهم على الحقيقة، فلا تعارض بين الأمرين إلا عند من ضاق أفقه.
٢) الثاني:
إن ما يبتلى به العبد من الذنوب، وإن كانت خلقاً لله تعالى، فهي عقوبة للعبد على ذنوب قبلها، وبما كسبت أيدى الناس، فالذنب يكسب الذنب، ومن عقاب السيئة السيئة بعدها، فالذنوب والأمراض التي يورث بعضها بعضاً.
يبقى أن يقال:
فالكلام في الذنب الأول الجالب لما بعده من الذنوب؟
يقال: هو عقوبة أيضا على عدم فعل ما خلق له وفطر عليه، فإن الله سبحانه خلقه لعبادته وحده لا شريك له، وفطره على محبته وتألهه والإنابة إليه، كما قال تعالى:
... ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ [الروم: ٣٠].
فإن لم يفعل ما خلق له وفطر عليه، من محبة الله وعبوديته، والإنابة إليه - عوقب على ذلك بأن زين له الشيطان ما يفعله من الشرك والمعاصي، فإنه صادف قلبا خاليا قابلا للخير والشر، ولو كان فيه الخير الذي يمنع ضده لم يتمكن منه الشر، كما قال تعالى: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾ [يوسف: ٢٤] ....... ، وأما إذا صادفه فارغاً من ذلك، تمكن منه بحسب فراغه، فيكون جعله مذنبا مسيئا في هذه الحال عقوبة له على عدم هذا الإخلاص. وهي محض العدل.
*فإن قلت:
فذلك العدم من خلقه فيه؟
стр. 788
قيل:
هذا سؤال فاسد، فإن العدم كاسمه، لا يفتقر إلى تعلّق التكوين والإحداث به، فإن عدم الفعل ليس أمراً وجودياً حتى يضاف إلى الفاعل، بل هو شر محض، والشر ليس إلى الله سبحانه. (١)
*ومما قاله المعتزلة:
الله -تعالى -عدل لا يظلم أحداً، وأفعال العباد فيها ظلم كثير، فلو كان الله - خالقاً- لأفعال العباد لكان متصفاً بالظلم!!! (٢)
* والجواب:
هذا الإلزام غير صحيح؛ لأن كون الباري تعالى خالقاً لا يوجب أن يتصف بما خلق من ظلم وكذب وطاعة ومعصية؛ لأن هذه الصفات؛ إنما هي لمن قامت به، وليس لمن خلقها.
فالصفات وصف لمن قامت به، فالظلم مثلاً: صفة للظالم، ولا يكون صفة لله تعالى، فصح أن خلقه تعالى لهذه الصفات لا يلزم وصفه بها.
قال أبو العباس ابن تيمية:
كون الفعل قبيحاً من فاعله لا يقتضي أن يكون قبيحاً من خالقه; لأن الخالق خلقه في غيره لم يقم بذاته، فالمتصف به من قام به الفعل لا من خلقه في غيره.... والله -تعالى- إذا خلق الإنسان هلوعاً جزوعاً - كما أخبر تعالى بقوله: ﴿إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعاً﴾ [سورة المعارج: ١٩ - ٢١] - لم يكن هو سبحانه لا هلوعاً ولا جزوعاً ولا منوعاً، كما تزعم القدرية أنه
إذا جعل الإنسان ظالماً كاذباً كان هو ظالماً كاذباً، تعالى عن ذلك. (٣)
تم بحمد الله تعالى.
стр. 789
الحديث الثامن والعشرون: ضوء الثريا شرح حديث من عادى لى ولياً
стр. 790
* نص الحديث:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
" إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ "
* تخريج الحديث:
أخرجه البخارى (٦٥٠٢) كتاب الرقاق، باب التواضع، وأخرجه أحمد (٢٦١٩٣)
*أهم الفوائد المتعلقة بحديث الباب:
الفائدة الأولى: الفرق بين القرآن والحديث القدسى:
حديث الباب حديث قدسى يرويه الصحابى الجليل أبو هريرة -رضى الله عليه- عن النبى ﷺ .
*الحديث القدسي " لغة و اصطلاحاً ":
لغةً: القُدْسِيُّ نسبة إلى "القُدْس"؛ أي: الطُّهْر؛ أي: الحديث المنسوب إلى الذات القدسية، وهو الله .
اصطلاحًا: هو ما نُقل إلينا عن النبي ﷺ مع إسناده إياه إلى ربه .
стр. 791
وبين *الحديث القدسى والحديث النبوى أوجه تشابه وأوجه اختلاف. (١)
فهما يتفقان ويفترقان:
١ - أولاً: أوجه الاتفاق: كلاهما كلام الله -تعالى- لفظاً ومعنى.
٢ - ثانياً: أوجه الافتراق:
أ) أن القرآن قد تكفَّل الله -تعالى-بحفظه، كما قال عزوجل (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)) (الحجر/٩)، ولذا فالقرآن كله قطعي الثبوت و متواتر النقل. وأما الحديث القدسي فليس كذلك؛ فإن فيه الصحيح وفيه الضعيف.
ب) أن القرآن قد تحدّى الله -تعالى- به مشركى العرب أن يأتوا بمثله، فهو مُعجِز بلفظه ومعناه، قال تعالى (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)) (يونس/٣٨)، وقال تعالى (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) (هود/١٣)، ومثل هذا لم يقع مع الأحاديث القدسية، فليست الأحاديث القدسية محلّ تحدٍّ.
ج - أن القرآن قد تعبَّد الله -تعالى- الناس بتلاوته، وتلاوته لا تكون بالمعنى. قال عزوجل (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧)) (الكهف/٢٧)
وعن أَبى أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ- رضى الله عنه- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ:
«اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ، اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ، وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا، اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطلة». (٢)
стр. 792
وعن ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
" مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ، فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ: ﴿الم﴾ حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ ". (١)
ومثل هذا لم يقع مع الأحاديث القدسية، فهى غير مُتعبد بتلاوتها، ويجوز روايتها بالمعنى.
* عودٌ إلى حديث الباب: الفائدة الثانية:
قوله ﷺ " إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا "
قد نص حديث الباب على شرف وقدر أولياء الله عزوجل، وكما قال أبو العباس ابن تيمية: هذا حديث شريف قد رواه البخاري من حديث أبي هريرة، وهو أصح حديث روي في صفة الأولياء ". (٢)
قال الشيخ أبو الفضل بن عطاء:
في هذا الحديث عظم قدر الولي؛ لكونه خرج عن تدبيره إلى تدبير ربه، وعن انتصاره لنفسه إلى انتصار الله له، وعن حوله وقوته بصدق توكله. (٣)
فالله - تعالى- هو الولىّ، الذى يتولّى عباده وأولياءه الصالحين بحفظه لهم وهدايته لأحوالهم، هداية التوفيق والالهام، ويمن عليهم بكفايتهم من كيد أعدائهم.
قال تعالى ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦)﴾ (الأعراف/١٩٦) وقال تعالى (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) (البقرة /٢٥٧)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: "الله ولي الذين آمنوا"، نصيرهم
стр. 793
وظهيرهم، يتولاهم بعونه وتوفيقه. (١)
وقد سمّى اللَّه - تعالى- نفسه بهذا الاسم، فهو من الأسماء الحسنى، قال اللَّه تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (الشورى/٢٨)
*وتأمل في هذه اللطيفة:
قوله (من عادى لي ولياً):
وإنما قال: «من عادى لي»، ولم يقل: «وليا لي»؛ تفخيماً لشأن العداوة؛ لأن في الأول إيذاناً بأن عداوة وليّ، كأنها عداوة الله تعالى، بخلاف الثاني. (٢)
قالَ عَبْدُ اللَّهِ بن الزبير رضى الله عنه:
لَمَّا وَقَفَ الزُّبَيْرُ يَوْمَ الجَمَلِ دَعَانِي، فَجَعَلَ يُوصِينِي بِدَيْنِهِ، وَيَقُولُ:
«يَا بُنَيِّ إِنْ عَجَزْتَ عَنْهُ فِي شَيْءٍ، فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ مَوْلَايَ»، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا دَرَيْتُ مَا أَرَادَ حَتَّى قُلْتُ: يَا أَبَةِ مَنْ مَوْلَاكَ؟ قَالَ: «اللَّهُ»، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا وَقَعْتُ فِي كُرْبَةٍ مِنْ دَيْنِهِ، إِلَّا قُلْتُ: يَا مَوْلَى الزُّبَيْرِ اقْضِ عَنْهُ دَيْنَهُ، فَيَقْضِيهِ. (٣)
وكما أن الله -تعالى - يتولى أولياءه كذلك فإن اللَّه يتولاه عباده الصالحون بعبادته وطاعته والتقرب إليه بالقُربات، وفعل الطاعات وترك المنكرات.
* وقد وقع فى زماننا لغلط وخلط في اصطلاح " أولياء الله "، فصار هذا اللفظ يطلق على أناس من رؤوس البدع والضلال، يترك الواحد منهم الصلاة بالكلية بدعوى أنه قد وصل إلى درجة اليقين، الوارد فى قوله تعالى (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)) (الحجر/٩٩) (٤)
والتى هى - على زعمهم- منتهى وغاية تحقيق العبادة، وبذلك يصير ولياً من
стр. 794
أولياء الله، الذين هم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون!!
حتى إذا مات هذا الولى المزعوم أُسس له الضريح وبنى على قبره القباب والمساجد، وتقرَّب الناس عنده بشتى العبادات التى لا تُصرف إلا لله تعالى. (١)
وهذه من الموازين المختلة والمفاهيم الضالة التى عمت بها بلدان المسلمين و طمت،، وفتنت عوام الناس، وسفهاء الأحلام، و سخفاء العقول، فصاروا يعتقدون في الولى ما لا يُعتقد إلا فى الله تعالى، من أن الولي الفلاني يغيث المحتاجين ويفرِّج عن الملهوفين، ويكلم أصحابه ويستجيب لمريديه، ويتصرف في الأمور الدنيوية.
وما هذا إلا من الخرافات التي ملكت عقولهم الضعيفة، وخزعبلاتهم التي استولت على خيالاتهم الفاسدة.
وتزداد الفتنة عندما تجري على يد ذلك الولى حال حياته الخوارق الشيطانية، التى تكون قاصمة الظهر للعقول المريضة، فتتشرَّب الفتنة وتقع في شراكها.
* وهنا السؤال: من هو ولى الله تعالى؟
قد بيَّن الله- فى كتابه طرفاً من صفات أوليائه الصالحين، فقال تعالى (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)) (يونس/٦٣)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
فكل من كان مؤمناً تقياً كان لله -تعالى- ولياً. (٢)
وقال تعالى ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ (الأعراف/١٦٩)
قال أبو العباس ابن تيمية:
إذا كان أولياء الله هم المؤمنون المتقون، فبحسب إيمان العبد وتقواه تكون ولايته لله تعالى، فمن كان أكمل إيماناً وتقوى، كان أكمل ولاية لله، فالناس متفاضلون في ولاية الله ، بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى. (٣)
стр. 795
وقال ﵀:
أولياء الله هم الذين آمنوا به ووالوه، فأحبوا ما يحب، وأبغضوا ما يبغض، ورضوا بما يرضى، وسخطوا بما يسخط، وأمروا بما يأمر، ونهوا عما نهى، وأعطوا لمن يحب أن يعطى، ومنعوا من يحب أن يمنع. (١)
قال ابن حجر:
المراد بولي الله العالم بالله، المواظب على طاعته، المخلص في عبادته. (٢)
* فإنما يُعرف ولي الله - تعالى - بموافقته للكتاب والسنة اعتقاداً وعلماً وعملاً، حتى وإن جري على يديه ما جري من خوارق العادات فليست دالة على ولايته، إلا بعرض هديه وعمله على الوحيين، فإن كان على الجادة فلا شك إنها كرامة، وأما إن كان من أرباب البدع فلا يكون ما يجرى على يديه إلا رجساً من عمل الشيطان، من باب قوله تعالى ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ *
تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١، ٢٢٢]. (٣)
قال يونس بن عبد الأعلى:
" يقول قال صاحبنا - يعني الليث بن سعد - لو رأيت صاحب بدعة يمشي على الماء ما قبلته، فقال الشافعي إنه ما قصَّر، لو رأيته يمشي على الهواء ما قبلته. (٤)
قال ابن كثير:
وقد استدل بعضهم على أن الخارق قد يكون على يدي غير الولي،
стр. 796
بل قد يكون على يد الفاجر والكافر أيضاً بما ثبت عن ابن صياد أنه قال:
هو " الدخ "، وكان يملأ الطريق إذا غضب حتى ضربه عبد الله بن عمر، وبما ثبت به الأحاديث عن الدجال بما يكون على يديه من الخوارق الكثيرة:
من أنه يأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، وأنه يقتل ذلك الشاب ثم يحييه. (١)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وتجد كثيراً من هؤلاء، عمدتهم في اعتقاد كونه ولياً لله تعالى، أنه قد صدر عنه بعض التصرفات الخارقة للعادة، مثل أن يشير إلى شخص فيموت، أويطير في الهواء إلى مكة، .. وليس في شيء من هذه الأمور ما يدل على أن صاحبها ولي الله، بل قد اتفق أولياء الله، على أن الرجل لو طار في الهواء، أو مشى على الماء، لم يغتر به حتى ينظر متابعته لرسول الله ﷺ ، وموافقته لأمره ونهيه. (٢)
قال الشوكانى:
ولا يجوز للولي أن يعتقد في كل ما يقع له من الواقعات والمكاشفات أن ذلك كرامة من الله سبحانه، فقد يكون من تلبيس الشيطان ومكْرُه؛ بل الواجب عليه أن يعرض أقواله وأفعاله على الكتاب والسنة، فإن كانت موافقة لها فهي حق وصدق وكرامة من الله سبحانه. وإن كانت مخالفة لشيء من ذلك، فليعلم أنه مخدوع ممكور به قد طمع منه الشيطان فلَّبس عليه. (٣)
فمن اعتقد في بعض البُله أوالمولعين، مع تركه لمتابعة الرسول ﷺ في أقواله وأفعاله وأحواله - أنه من أولياء الله، ويفضله على متبعي
طريقة الرسول ﷺ ، فهو ضال مبتدع، مخطئ في اعتقاده.
فإن ذاك الأبله، إما أن يكون شيطاناً زنديقاً، أو مجنوناً معذوراً، فكيف
يفضل على من هو من أولياء الله، المتبعين لرسوله؟! أو يساوى به؟! (٤)
* الولاية عند الأشاعرة:
ذكر البيجورى فى حاشيته على الجوهرة أن
стр. 797
الولاية على قسمين:
١ - ولاية مكتسبة:
وهذه تحصل بامتثال الأوامرواجتناب النواهى، وهى الولاية العامة.
٢ - ولاية غير مكتسبة:
وهذه تتمثل فى العطايا الربانية، كالعلم اللدنى ورؤية اللوح المحفوظ. (١)
* وهنا يقال:
أن ما نص عليه البيجوري فيما يعرف بالولاية غير المكتسبة، والتى تبنى على العلم اللدّني، فهذا مما لبَّس به الشيطان على أوليائه.
والعلم اللدنى:
هو تقديم الذوق على النصوص وتأويل النص ليوافق هذا الذوق.
وهو من مصادر التلقي عند الصوفية، ويعتبرونه علماً يأتي من لدّن الله . وقد استندوا إلى قوله تعالى الله عن الخضرعليه السلام
(فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) (الكهف/٦٥)
ودعوى أن الانسان - من دون الأنبياء - قد يسمع في نفسه هاتفاً من الرب يحدَّثه، هذه دعوى مشهورة عند أرباب التصوف، وهذه أكثرها ما يكون من تلبيس الشيطان على الخلق، يتكلم في نفوسهم بكلام ويوهمهم بأنه كلام رب العالمين، فيغترون بذلك على سذاجتهم وقلة علمهم، ويطيعون ذلك الهاتف كأنه وحي من السماء، وإن حدَّثهم بما يخرق حدود الشرع.
* فإن قيل:
قال علي بن أبي طالب ﵁ وقد سئل:
هل خصكم رسول الله ﷺ بشيء دون الناس؟
فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهماً يؤتيه الله عبداً في كتابه ". (٢)
* فجوابه:
أن المراد بقوله: " إلا فهماً يؤتيه الله عبداً في كتابه ":
هوالعلم والفهم اللذان يحصلان للعبد من ثمرة العبودية والمتابعة، والصدق مع الله تعالى،
стр. 798
والإخلاص له، وبذل الجهد في تلقي العلم من مشكاة رسوله ﷺ . وكمال الانقياد له. فيفتح له من فهم الكتاب والسنة بأمر يخصه به.
فالبون شاسع والفرق واسع بين:
العلم اللدني الرحماني: هو ثمرة هذه الموافقة، والمحبة التي أوجبها التقرب بالنوافل بعد الفرائض.
واللدني الشيطاني: ثمرة الإعراض عن الوحي، وتحكيم الهوى والشيطان.
والله المستعان.
*الفائدة الثالثة: قوله: ﴿من عادى لى وليًا﴾، وفيها فائدتان:
١ - الأولى:
أي: اتخذه عدوًا، ولا يكون هذا إلا أنه عادى الولى من أجل ولايته لله تعالى، فإنه يشير إلى الحذر من إيذاء قلوب أولياء الله على الإطلاق، أما منازعة الوليّ في محاكمة أو خصومة راجعة لاستخراج حق أو كشف غامض فلا يدخل في هذا الوعيد.
فقد جرى نوع ما من الخصومة بين أبي بكر وعمر وبين عليّ والعباس وغيرهم من الصحابة ﵃ أجمعين مع أن الكل أولياء الله تعالى. (١)
٢ - الثانية:
وقد استشكل وجود أحد يعاديه ولي الله تعالى؛ لأن المعاداة إنما تقع من الجانبين، ومن شأن الولي الحلم والصفح عمن يجهل عليه؟!
وأجيب بأن المعاداة لم تنحصر في الخصومة والمعاملة الدنيوية مثلاً، بل قد تقع عن بغض ينشأ عن التعصب، كالرافضي في بغضه لأبي بكر رضى الله عنه، والمبتدع في بغضه السني، فتقع المعاداة من الجانبين:
أما من جانب الولي فلله تعالى وفي الله تعالى، وأما من جانب الآخر فلما تقدم وكذا الفاسق المتجاهر يبغضه الولي في الله تعالى، ويبغضه الآخر لإنكاره عليه وملازمته لنهيه عن شهواته. وقد تطلق المعاداة ويراد بها
стр. 799
الوقوع في أحد الجانبين بالفعل ومن الآخر بالقوة. (١)
*الفائدة الرابعة: عودٌ إلى حديث الباب: قوله عزوجل " فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ... "
وهذا الحديث مما ركن إليه أهل البدع من الحلولية والاتحادية فى فريتهم المشئومة بأن الله -تعالى- يحل في مخلوقاته ويتحد بهم، تعالى الله عمَّا يقول الظالمون علواً كبيراً.
* وتعتقد غلاة القبورية جهاراً دون إسرار، ولا حياء من العباد ولا من رب العباد أن الولي قد يصل إلى درجة، يصل إلى الله، تعالى - عن الأنداد - بحيث أن الله - تعالى - إنما يحل فيه فيكون الولي مظهراً من مظاهر الله تعالى، أو يكون الولي عين الله تعالى؛ فيكون يد الولي وسمعه وبصره - يد الله وسمعه وبصره؛ فحينئذ طلب المدد من الولي والاستغاثة به - في الحقيقة طلب من الله تعالى واستغاثة به.
وقد تشبثوا بحديث " من عادى لى ولياً " فى إثبات هذا الإلحاد والزندقة وجواز الاستغاثة بالأموات، وطلب الغوث والمدد منهم؛ بناءً على أن الولي قد صار هو عين الله، أو أن الله -تعالى -قد حلَّ في الولى. (٢)
* وهذه المسألة التى هى حلول الله واتحاده بخلقه، أو تجليه فى صورهم هى إحدى البدع الكفرية التى تظهر لنا ما وصل إليه غلاة الصوفية، لذا فقد حكم عليهم أهل الإسلام بالكفر والزندقة.
* وإليك طرفٌ من أقوالهم فى هذا الباب:
يقول ابن الفارض فى التائية:
ولي من أتم الرؤيتين إشارةٌ... تُنزّه عن دعوى الحلول عقيدتي
وفي الذكر ذكر اللبْس ليس بمنكر... ولم أعدْ عن حكمى كتاب ولا سنة
стр. 800
* والمعنى العام:
أن ابن الفارض يزعم أن الله - تعالى - لا يحل ولا يتحد فى شيء من خلقه، وإنما هو يتجلى فى صور خلقه، ثم يقول:
" وفي الذكر ذكر اللبْس ليس بمنكر... ":
أى: أن القول ذلك التجلى في بعض صور خلقه ليس بالقول المنكر، بل إن الذكر -أى القرآن- ما يؤيد ذلك " وهو يقصد أن الله -تعالى - قد تجلى لموسي ﵇ فى صورة النار التى رآها، وكذلك فى الشجرة التى قالت * إننى أنا الله.... *!!!
يقول سعيد الفرغاني -وهو من أكابر أتباعهم- في شرحه على التائية:
"وتنزه تلك الإشارة عقيدتي عن رأي الحلول، فإنه لما جاز ووقع أن يكون لملك مخلوق قدرة التلبس بأي صورة شاء، بلا معنى الحلول فيه، يصح أن يتلبس الحق تعالى بصورتي بفناء أنانيتى بالكلية، وإن تعللتَ بعدم جواز تلبسه بالصورة، وعللتَ بتنزيهه عن ذلك التلبس، منعناك، ورددنا تعليلك بالكتاب والسنة. (١)
* وقرين ابن الفارض فى هذا الدرب هو ابن عربي النكرة، له مصنف " فصوص الحكم "، التى قال عنها الذهبى:
" ومن أردإ تواليفه كتاب (الفصوص)، فإن كان لا كفر فيه فما في الدنيا كفر!!! نسأل الله العفو والنجاة. (٢)
ومن قبيح ما قاله ابن عربي فى " الفصوص ":
: "العارف من يرى الحق في كل شيء، بل يراه عين كل شيء"، ويقول: "فيحمدني واحمده.. ويعبدني واعبده". (٣)
стр. 801
* وله أبيات يقول فيها:
لقد صارَ قلبي قابلاً كلَ صُورةٍ.. فمرعىً لغزلانٍ ودَيرٌ لرُهبَانِ
وبيتٌ لأوثانٍ وكعبةُ طائفٍ.. وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قرآن
أدينُ بدينِ الحبِ أنّى توجّهتْ.. ركائبهُ، فالحبُّ ديني وإيمَاني. (١)
قال أبو زرعة العراقي:
لا شك في اشتمال" الفصوص" المشهورة على الكفر الصريح الذي لا شك فيه، وكذلك " فتوحاته المكية "، فإن صحّ صدور ذلك عنه، واستمر عليه إلى وفاته: فهو كافر مخلد في النار بلا شك. (٢)
قال على القارى:
قول ابن عربى فى" الفتوحات": سبحان من أوجد الأشياء، وهو عينها، هو كفر صريح، ليس له تأويل صريح. (٣)
قال ابن حجر:
ذُكِر لمولانا شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني، شيئ من كلام ابن عربي المشكل، فقال شيخنا البلقيني: هو كافر. (٤)
стр. 802
قال شرف الدين إسماعيل بن أبي بكر المقري:
تجاسر فيه ابن العربي واجترا... على الله فيما قال كل المتجاسر
فقال بأنَّ الرب والعبد واحد... فربي مربوب بغير تغاير
وأنكر تكليفاً، إذ العبد عنده... إله وعبد، فهو إنكار فاجر
وقال: تجلى الحق في كل صورة... تجلى عليها، فهي إحدى المظاهر. (١)
*وممن يلهث فى سلك هؤلاء، وينعق على دربهم: حسين بن منصور الحلَّاج:
قال ابن العربي المالكي:
أجمع فقهاء بغداد على قتل الحلاّج وصلبه لدعواه الإلوهية والقول بالحلول، ولم يقبلوا توبته. (٢)
قال أبو العباس ابن تيمية:
صاحب هذا الكتاب المذكور الذي هو فصوص الحكم وأمثاله، مثل صاحبه القونوي والتلمساني وابن سبعين والششتري وابن الفارض وأتباعهم؛ مذهبهم الذي هم عليه:
أن الوجود واحد؛ ويسمُّون أهل وحدة الوجود ويدَّعون التحقيق والعرفان، وهم يجعلون وجود الخالق عين وجود المخلوقات،
стр. 803
فكل ما يتصف به المخلوقات من حسن وقبيح ومدح وذم إنما المتصف به عندهم: عين الخالق، وليس للخالق عندهم وجود مباين لوجود المخلوقات منفصل عنها أصلاً؛ بل عندهم ما ثم غير أصلًا للخالق ولا سواه. ومن كلماتهم: " ليس إلا الله ". (١)
*تنبيه:
مما نشير إليه هنا أن التكلف الباطل فى توجيه كلام هؤلاء الضآلين وحمله على المحامل الحسنة ما هو إلا نوع من التلبيس والتضليل، وتسمية الأشياء بغير اسمها.
فقد وقفت على طرف من ذلك لما طالعت بعض شروحات على " فصوص ابن عربى "، أمثال: " حل كلمات الفصوص " لعبد الغنى المقدسي، وشرح القاشانى على الفصوص، وكذلك شرح عبدالرحمن المصطاوى لديوان "ترجمان الأشواق" لابن عربي، فتراهم يأتون على ألفاظ هى من الضلال البيِّن و الكفر الصريح فيتأولونها بما يوافق الهوى.
حتى أن أحدهم وهو يبرر ما نطق به النكرة ابن عربي من الكفريات يقول:
والذى دعاهم لتكفير ابن عربي الذي حين قال وهو ينفض جُبّته:
" ما في الجُبّة إلا الله "، لأنهم ظنوه يصف نفسه بالألوهية، وما كان يقصد سوى أنه لا حقيقة إلا الله الموجود في كل شيء، وما عداه لا شيء! (٢)
وأمثلة ذلك كثيرة لمن طالع كتب القوم، ومن ذلك شرح القيصري على التائية (١/ ٧٢) والمحب المحبوب شرح التائية للكتانى (ص/٨٠)
* نقول:
ولكنَّ الأمر ما قاله الفاسى، وصدق ﵀:
" وبعض المثنين علي ابن عربي يعرفون ما في كلامه من المنكرات، ولكنهم يزعمون أن لها تأويلات، وحملهم على ذلك كونهم تابعين لابن عربي في طريقته، فثناؤهم على ابن عربي مطروح لتزكيتهم معتقدهم" (٣).
стр. 804
وكذلك يقول الذهبى عن ابن عربي:
وقد عظَّمه جماعة وتكلفوا لما صدر منه ببعيد الاحتمالات، ولا ريب أن كثيراً من عباراته له تأويل إلا كتاب (الفصوص). (١)
وقد بيَّن الذهبي حقيقة الذين تابوا من أهل الانصاف منهم فقال:
ولقد اجتمعتُ بغير واحد ممن كان يقول بوحدة الوجود ثم رجع وجدَّد إسلامه، وبيَّنوا لي مقالة هؤلاء أن الوجود هو الله تعالى، وأنه تعالى يظهر في الصور المليحة والأشياء البديعة. (٢)
... عَودٌ إلى المقصود:
فترى هؤلاء المأفونين يدينون بعقيدة " وحدة الوجود "، وأن جميع ما في هذا الكون شيء واحد في الحقيقة، وإنما الفرق في الأحكام والآثار، وأن الخالق والمخلوق شيء واحد في الحقيقة، فما ثَم إلا هو، وإنما الفرق بالاعتبار لا بالحقيقة.
بل ويعدُّون أن التوحيد هو الاعتقاد بوحدة الوجود، فالموحد عند الصوفية الوجودية الاتحادية هو المعتقد لذلك.
وإن تعجب فعجب قولهم؛ أنهم لا يتحركون إلا بأثر!!
وهذا معنى كلام ابن الفارض في التائية: " ولم أعدْ عن حكمى كتاب، ولا سنة " (٣)
*ومما يستدلون به:
أن موسى ﵇ لما رأى ناراً وجاءها سمع قول الله (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢))، فظهر الله -تعالى - لموسى في صورة النار!!! وكذلك ظهر له فى صورة الشجرة!!
* ومما استدلوا به من السنة على زعمهم الباطل:
حديث الباب؛ وذلك فى قول الله تعالى: " فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، ....)
стр. 805
فقد قال ابن عربي تشبثاً بهذا الحديث بعد تحريفه:
" أخبر محمد ﷺ عن الحق تعالى: (بأنه عين السمع، والبصر، واليد، والرجل، واللسان، أي هو عين الحواس)!!! (١).
وها هو سمع بل لسان أجل بدا... لنا هكذا بالنقل أخبر شارع
فعم قوانا والجوارح كونه... لساناً وسمعاً، ثم رجلاً تسارع. (٢)
وتراهم يزعمون أن الولي إذا صار سمع الله وبصره ويده تسلب عنه قواه البشرية، ويعطى القوة الربوبية والألوهية، فيستحق العبادة، ولا سيما الاستغاثة به، فإنه هو الله، أو حل فيه الله!!
قال سليمان الطوفى:
والاتحادية زعموا أن قوله " كنت سمعه... " على حقيقته، وأن الحق عين العبد، واحتجوا بمجيء جبريل في صورة دحية، قالوا فهو روحاني خلع صورته وظهر بمظهر البشر، قالوا فالله أقدر على أن يظهر في صورة الوجود الكلي أو بعضه، تعالى الله عمَّا يقول الظالمون علواً كبيراً. (٣)
*نقول:
ولا شك أن حمل حديث الباب على هذه التأويلات الباطلة قد أوقعت فئاماً من هؤلاء المتجرئين في هذه البدعة الكفرية، بدعة الحلول والاتحاد.
والاتحادية يزعمون أن قرب النوافل: يوجب أن يكون عين الحق عين أعضائه وأن قرب الفرائض: يوجب أن يكون الحق عين وجوده كله وهذا فاسد من وجوه كثيرة بل كفر صريح. (٤)
وإنما المقدَّم فى تأويل حديث الباب أن العبد لا يزال يرتقى فى مقامات العبودية
стр. 806
بأداء الفرائض، ويتزلف لرب البرية بالسنن والنوافل حتى يفتح عليه بالتوفيق والتسديد، فيكون عبداً موفقاً فى سمعه وبصره ولسانه، فلا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم ولا يخطو خطوة إلا فيما يكون موافقاً لمرضاة الله عزوجل.
قال أبو العباس ابن تيمية:
فالملاحدة والاتحادية يحتجون به على قولهم لقوله: " كنت سمعه وبصره ويده ورجله "، والحديث حجة عليهم من وجوه كثيرة:
- منها قوله: ﴿من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة﴾، فأثبت معادياً محارباً وولياً غير المعادي، وأثبت لنفسه سبحانه هذا وهذا.
ومنها قوله: ﴿وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه﴾ فأثبت عبداً متقرباً إلى ربه، ورباً افترض عليه فرائض.
ومنها قوله: ﴿ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه﴾ فأثبت متقرباً ومتقرباً إليه، ومحباً ومحبوباً غيره. وهذا كله ينقض قولهم: الوجود واحد. (١)
وقال ﵀:
والحديث حق كما أخبر به النبي ﷺ ؛ فإن ولي الله لكمال محبته لله وطاعته لله يبقى إدراكه لله وبالله و عمله لله وبالله؛ فما يسمعه مما يحبه الحق أحبه، وما يسمعه مما يبغضه الحق أبغضه، وما يراه مما يحبه الحق أحبه، وما يراه مما يبغضه الحق أبغضه؛ ويبقى في سمعه وبصره من النور ما يميز به بين الحق والباطل. (٢)
وقال ﵀:
وفي رواية في غيرالصحيح: ﴿فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي﴾ (٣).
стр. 807
فقوله:
" بي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي " بين معنى قوله: ﴿كنت سمعه وبصره ويده ورجله﴾، لا أنه يكون نفس الحدقة والشحمة والعصب والقدم وإنما يبقى هو المقصود بهذه الأعضاء والقوى وهو بمنزلتها في ذلك. (١)
قال ابن حجر:
ولا متمسك للاتحادية ولا القائلين بالوحدة المطلقة؛ لقوله في بقية الحديث " ولئن سألني، ولئن استعاذني.... "، فإنه كالصريح في الرد عليهم. (٢)
قال الشيخ ابن العثيمين:
فلو قال قائل:
ظاهر الحديث أن الله -تعالى- يكون سمع الإنسان وبصره ويده ورجله، فلماذا تؤولون هذا الحديث وتقولون: " إن المراد أن الله يسدد هذا الرجل في سمعه وبصره ومشيه وبطشه "؟
*فالجواب أن نقول:
لأن عندنا دليلاً يدل على ذلك، وهو قول الله في الحديث القدسي:
(وما تقرب إلىَّ عبدي... فهنا يوجد عابد ومعبود، ويوجد متقرب ومتقرب إليه (ما تقرَّب إلي عبدي)، ويوجد فارض ومفروض عليه (مما افترضت عليه) وفيه أيضا سائل ومسئول، ومعطي ومعطى، ومستعيذ ومستعاذ به، في قوله:
(ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه).
وكل هذا يدل على التباين بين هذا
стр. 808
وبين ذاك، فإذا كان هذا دالًا على التباين، فكيف يكون هذا الشيء المبايِن بعضاً من الشيء المبايَن؟!
وكيف يكون سمعه وبصره ويده ورجله؟! فهذا مستحيل.
وأيضا السمع والبصر واليد والرجل بعض من المخلوق ولا يمكن أن يكون بعض المخلوق هو الخالق، فهذا شيء مستحيل. (١)
قال ابن رجب:
من اجتهد بالتقرب إلى الله بالفرائض، ثم بالنوافل، قربه إليه، ورقَّاه من درجة الإيمان إلى درجة الإحسان، فيصير يعبد الله على الحضور والمراقبة كأنه يراه، فيمتلئ قلبه بمعرفة الله تعالى، ومحبته، وعظمته، وخوفه، ومهابته، وإجلاله، والأنس به، والشوق إليه، حتى يصير هذا الذي في قلبه من المعرفة مشاهداً له بعين البصيرة.
فمتى امتلأ القلب بعظمة الله- تعالى- محا ذلك من القلب كل ما سواه، ولم يبق للعبد شيء من نفسه وهواه، ولا إرادة إلا لما يريده منه مولاه، فحينئذ لا ينطق العبد إلا بذكره، ولا يتحرك إلا بأمره، فإن نطق، نطق بالله، وإن سمع، سمع به، وإن نظر، نظر به.
فهذا هو المراد بقوله: (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها)، ومن أشار إلى غير هذا، فإنما يشير إلى الإلحاد من الحلول، أو الاتحاد، والله ورسوله بريئان منه. (٢)
*عودٌ إلى حديث الباب: الفائدة الخامسة:
قوله عزوجل: " وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ "
ف هل يوصف الله -تعالى- بصفة التردد ؟؟ (٣)
стр. 809
والجواب هنا لا يكون بإطلاق الإيجاب، ولا بإطلاق النفى، بل عندنا مقدّمتان ينبنى عليهما تحرير معنى التردد المراد فى حق الله تعالى:
أ) الأولى:
أصل استعمال هذه الكلمة إنما يكون لمن نازعها أمران يريد فعل واحد منهما، ولكنه لجهله بعاقبة هذا الاختيار فقد صار متردداً بينهما.
ب) الثانية:
أن التردد على المعنى المذكور فى المقدمة الأولى مما يُنزه الله - تعالى- عنه؛ فإن علم الله -عزوجل - مما وسع كل شيء، يعلم ما كان وما يكون وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾
فينبني على هاتين المقدمتين أن التردد الواقع فى حق الله - تعالى- ليس من جنس التردد الذى يقع للبشر، والذى منشؤه عندهم من الجهل بعواقب الأمور، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)) (الشورى /١١)، وإنما التردد المراد قد بيَّنه سياق حديث الباب، (يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ..)، يكون بين أمرين:
الأول:
" انفاذ ما قدِّر من موت المؤمن، ولا شك أنه قضاء نافذ لا محالة، قال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) "
الثانى:
" كراهية ما يحصل من مساءة المؤمن بتقدير الموت عليه ".
فصار الأمر محبوباً من جهة ومبغوضاً من جهة، محبوب من جهة أنه يؤدي إلى ما هو خير؛ فبالموت ينتقل المؤمن إلى ما هو خير له، ومكروه من جهة أن العبد يكره ذلك. (١)
стр. 810
*فإن قيل:
كيف يكون العبد ولياً لله -تعالى - وهو يكره الموت ولقاء الله ؟
* وجوابه:
لا شك أن المؤمن يحب لقاء ربه عزوجل، ولكنه كذلك يحب الاستزادة من أعمال الخير؛ ليزداد رفعة عند ربه عزوجل، وقد سئل رَسُوَل اللهِ ﷺ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟
فقَالَ: " مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ " (١).
* قال ابن هبيرة:
المؤمنون لا يكرهون الموت إلا لنقلهم من الخدمة إلى النعمة، فيرون أنهم لم يقضوا نهمهم من عبادة الله ولا من خدمته سبحانه في أرضه، فإذا نقلوا إلى مقر الراحة وموطن الإباحة ومحل النعم، لم يكونوا إلى ذلك مشتاقين ولا عليه متهافتين.
*فأما من دون هؤلاء في المقام، فإنهم قد يكرهون الموت لخوفهم من بعض أعمالهم، ويحبون البقاء لتدارك الفائت وتلافي الفارط.
ودون هؤلاء أيضًا: من يكره الموت؛ لأنه لم يقض بعد أشغاله، ولم يفرغ من استعداد جهازه للقاء ربه. (٢)
* قال أبوالعباس ابن تيمية:
المتردد منا وإن كان تردده في الأمر لأجل كونه ما