← Акыда

Акыда · id 192

الأربعون العقدية

أيمن إسماعيل

Полный текст (1 126 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

بأداء الفرائض، ويتزلف لرب البرية بالسنن والنوافل حتى يفتح عليه بالتوفيق والتسديد، فيكون عبداً موفقاً فى سمعه وبصره ولسانه، فلا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم ولا يخطو خطوة إلا فيما يكون موافقاً لمرضاة الله عزوجل. قال أبو العباس ابن تيمية: فالملاحدة والاتحادية يحتجون به على قولهم لقوله: " كنت سمعه وبصره ويده ورجله "، والحديث حجة عليهم من وجوه كثيرة: - منها قوله: ﴿من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة﴾، فأثبت معادياً محارباً وولياً غير المعادي، وأثبت لنفسه سبحانه هذا وهذا. ومنها قوله: ﴿وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه﴾ فأثبت عبداً متقرباً إلى ربه، ورباً افترض عليه فرائض. ومنها قوله: ﴿ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه﴾ فأثبت متقرباً ومتقرباً إليه، ومحباً ومحبوباً غيره. وهذا كله ينقض قولهم: الوجود واحد. (١) وقال ﵀: والحديث حق كما أخبر به النبي ﷺ ؛ فإن ولي الله لكمال محبته لله وطاعته لله يبقى إدراكه لله وبالله و عمله لله وبالله؛ فما يسمعه مما يحبه الحق أحبه، وما يسمعه مما يبغضه الحق أبغضه، وما يراه مما يحبه الحق أحبه، وما يراه مما يبغضه الحق أبغضه؛ ويبقى في سمعه وبصره من النور ما يميز به بين الحق والباطل. (٢) وقال ﵀: وفي رواية في غيرالصحيح: ﴿فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي﴾ (٣).

стр. 807

فقوله: " بي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي " بين معنى قوله: ﴿كنت سمعه وبصره ويده ورجله﴾، لا أنه يكون نفس الحدقة والشحمة والعصب والقدم وإنما يبقى هو المقصود بهذه الأعضاء والقوى وهو بمنزلتها في ذلك. (١) قال ابن حجر: ولا متمسك للاتحادية ولا القائلين بالوحدة المطلقة؛ لقوله في بقية الحديث " ولئن سألني، ولئن استعاذني.... "، فإنه كالصريح في الرد عليهم. (٢) قال الشيخ ابن العثيمين: فلو قال قائل: ظاهر الحديث أن الله -تعالى- يكون سمع الإنسان وبصره ويده ورجله، فلماذا تؤولون هذا الحديث وتقولون: " إن المراد أن الله يسدد هذا الرجل في سمعه وبصره ومشيه وبطشه "؟ *فالجواب أن نقول: لأن عندنا دليلاً يدل على ذلك، وهو قول الله في الحديث القدسي: (وما تقرب إلىَّ عبدي... فهنا يوجد عابد ومعبود، ويوجد متقرب ومتقرب إليه (ما تقرَّب إلي عبدي)، ويوجد فارض ومفروض عليه (مما افترضت عليه) وفيه أيضا سائل ومسئول، ومعطي ومعطى، ومستعيذ ومستعاذ به، في قوله: (ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه). وكل هذا يدل على التباين بين هذا

стр. 808

وبين ذاك، فإذا كان هذا دالًا على التباين، فكيف يكون هذا الشيء المبايِن بعضاً من الشيء المبايَن؟! وكيف يكون سمعه وبصره ويده ورجله؟! فهذا مستحيل. وأيضا السمع والبصر واليد والرجل بعض من المخلوق ولا يمكن أن يكون بعض المخلوق هو الخالق، فهذا شيء مستحيل. (١) قال ابن رجب: من اجتهد بالتقرب إلى الله بالفرائض، ثم بالنوافل، قربه إليه، ورقَّاه من درجة الإيمان إلى درجة الإحسان، فيصير يعبد الله على الحضور والمراقبة كأنه يراه، فيمتلئ قلبه بمعرفة الله تعالى، ومحبته، وعظمته، وخوفه، ومهابته، وإجلاله، والأنس به، والشوق إليه، حتى يصير هذا الذي في قلبه من المعرفة مشاهداً له بعين البصيرة. فمتى امتلأ القلب بعظمة الله- تعالى- محا ذلك من القلب كل ما سواه، ولم يبق للعبد شيء من نفسه وهواه، ولا إرادة إلا لما يريده منه مولاه، فحينئذ لا ينطق العبد إلا بذكره، ولا يتحرك إلا بأمره، فإن نطق، نطق بالله، وإن سمع، سمع به، وإن نظر، نظر به. فهذا هو المراد بقوله: (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها)، ومن أشار إلى غير هذا، فإنما يشير إلى الإلحاد من الحلول، أو الاتحاد، والله ورسوله بريئان منه. (٢) *عودٌ إلى حديث الباب: الفائدة الخامسة: قوله عزوجل: " وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ " ف هل يوصف الله -تعالى- بصفة التردد ؟؟ (٣)

стр. 809

والجواب هنا لا يكون بإطلاق الإيجاب، ولا بإطلاق النفى، بل عندنا مقدّمتان ينبنى عليهما تحرير معنى التردد المراد فى حق الله تعالى: أ) الأولى: أصل استعمال هذه الكلمة إنما يكون لمن نازعها أمران يريد فعل واحد منهما، ولكنه لجهله بعاقبة هذا الاختيار فقد صار متردداً بينهما. ب) الثانية: أن التردد على المعنى المذكور فى المقدمة الأولى مما يُنزه الله - تعالى- عنه؛ فإن علم الله -عزوجل - مما وسع كل شيء، يعلم ما كان وما يكون وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ فينبني على هاتين المقدمتين أن التردد الواقع فى حق الله - تعالى- ليس من جنس التردد الذى يقع للبشر، والذى منشؤه عندهم من الجهل بعواقب الأمور، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)) (الشورى /١١)، وإنما التردد المراد قد بيَّنه سياق حديث الباب، (يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ..)، يكون بين أمرين: الأول: " انفاذ ما قدِّر من موت المؤمن، ولا شك أنه قضاء نافذ لا محالة، قال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) " الثانى: " كراهية ما يحصل من مساءة المؤمن بتقدير الموت عليه ". فصار الأمر محبوباً من جهة ومبغوضاً من جهة، محبوب من جهة أنه يؤدي إلى ما هو خير؛ فبالموت ينتقل المؤمن إلى ما هو خير له، ومكروه من جهة أن العبد يكره ذلك. (١)

стр. 810

*فإن قيل: كيف يكون العبد ولياً لله -تعالى - وهو يكره الموت ولقاء الله ؟ * وجوابه: لا شك أن المؤمن يحب لقاء ربه عزوجل، ولكنه كذلك يحب الاستزادة من أعمال الخير؛ ليزداد رفعة عند ربه عزوجل، وقد سئل رَسُوَل اللهِ ﷺ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ فقَالَ: " مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ " (١). * قال ابن هبيرة: المؤمنون لا يكرهون الموت إلا لنقلهم من الخدمة إلى النعمة، فيرون أنهم لم يقضوا نهمهم من عبادة الله ولا من خدمته سبحانه في أرضه، فإذا نقلوا إلى مقر الراحة وموطن الإباحة ومحل النعم، لم يكونوا إلى ذلك مشتاقين ولا عليه متهافتين. *فأما من دون هؤلاء في المقام، فإنهم قد يكرهون الموت لخوفهم من بعض أعمالهم، ويحبون البقاء لتدارك الفائت وتلافي الفارط. ودون هؤلاء أيضًا: من يكره الموت؛ لأنه لم يقض بعد أشغاله، ولم يفرغ من استعداد جهازه للقاء ربه. (٢) * قال أبوالعباس ابن تيمية: المتردد منا وإن كان تردده في الأمر لأجل كونه ما

стр. 811

يعلم عاقبة الأمور، لا يكون ما وصف الله به نفسه بمنزلة ما يوصف به الواحد منا؛ فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ثم هذا باطل؛ فإن الواحد منا يتردد تارة لعدم العلم بالعواقب، وتارة لما في الفعلين من المصالح والمفاسد، ... فإذا أتى العبد بكل ما يقدر عليه من محبوب الحق؛ فأحبه الحق لفعل محبوبه من الجانبين بقصد اتفاق الإرادة بحيث يحب ما يحبه محبوبه ويكره ما يكرهه محبوبه والرب يكره أن يسوء عبده ومحبوبه، فلزم من هذا أن يكره الموت ليزداد من محاب محبوبه. والله قد قضى بالموت فكل ما قضى به فهو يريده ولا بد منه، فالرب مريد لموته لما سبق به قضاؤه، وهو مع ذلك كاره لمساءة عبده، فصار الموت مراداً للحق من وجه مكروهاً له من وجه. وهذا حقيقة التردد وهو: أن يكون الشيء الواحد مراداً من وجه مكروهاً من وجه، وإن كان لا بد من ترجح أحد الجانبين كما ترجح إرادة الموت؛ لكن مع وجود كراهة مساءة عبده، وليس إرادته لموت المؤمن الذي يحبه ويكره مساءته كإرادته لموت الكافر الذي يبغضه ويريد مساءته. (١) وقال ﵀: والمقصود هنا التنبيه على أن الشيء المعين يكون محبوباً من وجه مكروهاً من وجه، وأن هذا حقيقة التردد، وكما أن هذا في الأفعال فهو في الأشخاص، والله أعلم. (٢) تم بحمد الله

стр. 812

الحديث التاسع والعشرون: المعانى الراسيات شرح حديث إنى معلمك كلمات

стр. 813

* نص الحديث: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ -رضى الله عنهما- أَنَّهُ رَكِبَ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَا غُلامُ، إِنِّي مُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، وَإِذَا سَأَلْتَ فاَسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ " * تخريج الحديث: أخرجه أحمد (٢٦٦٩)، والترمذي (٢٥١٦) في كتاب صفة القيامة، باب " ٥٩ "، والحاكم (٦٣٠٣)، و قال الترمذي: حسن صحيح. وقال ابن رجب: " وبكل حال فطريق حنش التي خرجها الترمذي حسنة جيدة ". (١) *منزلة هذا الحديث: ولعظم هذا الحديث فقد أفرده الأئمة بالشرح والتصنيف، كما هو فعل الحافظ ابن رجب، فقد أفرده بالكلام على رواياته ومعانيه برسالة سمَّاها: " نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي ﷺ لابن عباس "، وكذلك فقد ذكره النووي في " الأربعين حديثاً ".

стр. 814

قال ابن رجب: وهذا الحديث يتضمن وصايا عظيمة وقواعد كلية من أهم أمور الدين، حتى قال ابن الجوزى: تدبرت هذا الحديث، فأدهشني وكدت أطيش، فوا أسفا من الجهل بهذا الحديث، وقلة التفهم لمعناه ". (١) * أهم الفوائد المتعلقة بحديث الباب: ١ - الفائدة الأولى: قوله: " ﷺ : " احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ ": قال النووي: احفظ أوامره وامتثلها، وانته عن نواهيه، يحفظك في تقلباتك، وفي دنياك، وآخرتك، قال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً (٩٧)) (النحل: ٩٧) فكل ما يحصل للعبد من البلاء والمصائب، فسببه الرئيس إنما تضييعه لأوامر الله تعالى؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]. (٢) * وهذه جملة متضمنة لأمر وإخبار: أما الأول: فهو الأمر: وهو أمرٌ للعبد أن يقوم بحق الله -تعالى - عليه، وحفظ العبد لأمر الله - تعالى - على نوعين: أ) حفظ أمر الله القدري: وذلك بالصبر على الأقدار، فهذه من علامات صدق الإيمان، فعَنْ صُهَيْبٍ -رضى الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " عَجِبْتُ مِنْ أَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، كَانَ ذَلِكَ لَهُ خَيْرًا، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ فَصَبَرَ، كَانَ ذَلِكَ لَهُ خَيْرًا " (٣)، فجعل الصبر على القدر لا يحصل إلا للمؤمن. ب) حفظ أمر الله الشرعى: وذلك بالقيام بحق الشرع، بامتثال الأوامر واجتناب

стр. 815

النواهى. كما قال تعالى (َالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)) (الأنفال /٧٤)، وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)) (المؤمنون/٦١) * والذى يتنبه لدلالات ألفاظ القرآن والسنة يجد أنها قد حثت في أبواب الآخرة على الجد والسعى والمبادرة والمسارعة، وأما فى أمور الدنيا فقد جاء الأمر بالتمهّل والإجمال. *فمن أدلة المبادرة والمسارعة في أمور الآخرة: قوله تعالى (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) (البقرة: ١٤٨) وقال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران: ١٣٣) وفى حديث أبي هريرة-رضى الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: " "بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا" ". (١) فالحديث فيه الحث على المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل تعذّرها، والاشتغال عنها بما سيقع من الفتن الشاغلة المتراكمة كتراكم قطع الليل المظلم. وفي حديث أبي سعيد الخدري -رضى الله عنه- أن رسول الله ﷺ لما رأى في أصحابه تأخراً عن الحضور للمسجد قال لهم: " لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله " (٢) * وأما في أمور الدنيا فقد أمر الله - تعالى- فيها بالتؤدة: فقد قال تعالى (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)) (الملك/١٥) وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " "أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي

стр. 816

الطَّلَبِ، فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ، وَدَعُوا مَا حَرُمَ" ". (١) وفى حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ-رضى الله عنه- قَالَ: كَانَ أَخَوَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ أَحَدُهُمَا يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ وَالْآخَرُ يَحْتَرِفُ، فَشَكَا المُحْتَرِفُ أَخَاهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ ﷺ : " لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ ". (٢) * *وأما الثانى: فهو الإخبار: فقد وردت البشارة لكل عبد قائم بأمر الله -تعالى- إذعاناً وامتثالاً، مسارعة وإقداماً، بشارة بحفظ الله -عزوجل- له في أصلين: ١ - الأول: حفظ الله -تعالى- لعباده من مضلات الفتن في دينهم، فيحفظ عليه دينهم حتى يتوفاهم عَلَى الإسلام. ٢ - الثانى: حفظ الله - تعالى- لعباده من مضايق المحن في دنياهم. وأما الأصل الأول: فيدل عليه قوله تعالى (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)) (النحل/٩٩)، وقوله تعالى عن يوسف ﵇ ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] قال ابن رجب: فمن أخلص لله-تعالى- خلَّصه الله -تعالى- من السوء والفحشاء، وعصمه منهما من حيث لا يشعر، وحال بينه وبين أبواب المعاصي المهلكة. (٣) كذلك ما جاء بيانه فى حديث الولاية. وهو ما رواه أَبو هُرَيْرَة -رضى الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ،

стр. 817

وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ. (١) *وأما الأصل الثانى: والذى هو النجاة من محن الدنيا ومضايقها، ومن كل أذى فله موارد كثيرة، قال تعالى (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) (الرعد/١١) قال ابن عباس رضى الله عنهما: والمعقبات من الله هم الملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله تعالى: خلوا عنه. (٢) قال ابن كثير: للعبد ملائكة يتعاقبون عليه، حرس بالليل وحرس بالنهار، يحفظونه من الأسواء والحادثات. (٣) وفى حديث أبى هريرة -رضى الله عنه- لما قَالَ له الشيطان: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ، لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ ذَاكَ شَيْطَانٌ» (٤) قال ابن رجب: ومن حفظ الله للعبد: أن يحفظه في صحة بدنه وقوته وعقله وماله، وقد تأول بعضهم على ذلك قوله تعالى (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) (التين: ٥ - ٦) وكان أبو الطيب الطبري قد جاوز المائة سنة وهو متمتع بعقله وقوته، فوثب يوماً من سفينة كان فيها إلى الأرض وثبة شديدة، فعوتب على ذلك، فقال: هذه جوارح حفظناها في الصغر، فحفظها الله علينا في الكبر. وقال محمد بن المنكدر: إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده وقريته التي هو فيها والدويرات التي حولها فما يزالون في حفظ من الله وستر. (٥) وقال تعالى: (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ) [الأنبياء: ٤٢] قال ابن كثير: أي بدل الرحمن، يمتنُّ بنعمته على عبيده وحفظه

стр. 818

لهم بالليل والنهار، وكلاءته وحراسته لهم بعينه التي لا تنام. (١) * نقول: فبقدر ما تحقق من حفظك لأوامر الله تعالى، بقدر ما يتحقق حفظ الله -تعالى - لك. ونظير ذلك ما قد ورد في قوله تعالى ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]، فإنه بقدر ما تحقق من الامتثال والعبودية، بقدر ما يتحقق لك من الكفاية والهداية. قال الطبري: يقول تعالى ذكره: (فَلَوْلا أَنَّهُ) يعني يونس (كَانَ مِنَ) المُصَلِّينَ لله قبل البلاء الذي ابتُلي به من العقوبة بالحبس في بطن الحوت (لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) يقول: لبقي في بطن الحوت إلى يوم القيامة، يوم يبعث الله فيه خلقه محبوساً، ولكنه كان من الذاكرين الله قبل البلاء، فذكره الله في حال البلاء، فأنقذه ونجَّاه. (٢) * حفظ الله - تعالى- لأولياءه: عن سفينة مولى رسول الله ﷺ ، قال: " ركبت سفينة في البحر فانكسرت، فركبت لوحا منها فطرحني في أجمة فيها أسد، قال: فقلت: يا أبا الحارث، أنا سفينة مولى رسول الله ﷺ ، قال: فطأطأ رأسه وجعل يدفعني بجنبه - أو بكتفه - حتى وضعني على الطريق، فلما وضعني على الطريق همهم، فظننت أنه يودعني " (٣) *وهنا إشكال: كيف الجمع بين قوله ﷺ : "احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ "، وبين ما يقع لأهل الإيمان من البلاء والمحن ؟ * وجواب ذلك أن يقال: أن الحفظ نوعان: " حفظ إيمان، وحفظ أبدان " فأما حفظ الإيمان: فهذا هو المراد بحديث الباب، فالعبد إذا ما حفظ الله -تعالى - فى أمره ونهيه فإن الله - تعالى - يحفظ عليه دينه وإيمانه، ويجعل له بصيرة تنجيه من مضلات الفتن و شبهات البدع، قال تعالى (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا) (الأنفال/٢٩)، وقال تعالى (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ

стр. 819

بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)) (البقرة /٢١٣) * وأما حفظ الأبدان: فمثل هذا وإن كان من حيث الأصل العام داخلاً فى حكم القسم الأول، إلا أنه غير ممتنع الوقوع، فخير الحافظين لأمر الله -عزوجل- وهو النبى ﷺ لم يسلم من مثل ذلك، ففى يوم أحد قد شُج في وجهه وكُسرت رباعيته ودُمِي وهُشمت البيضة على رأسه، ودخلت حلقتان من المغفر الذي يستر به وجهه في وجنته. وكذلك فقد سُحر ﷺ على يد رجل يهودى، فاشتكى فأتاه جبريل ﵇ بالمعوذتين. ولم يكن لذلك السحر أثر على شأن الوحى والرسالة، بل كان يخيَّل إليه أنه قد صنع شيئاً وما صنعه، حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، أي أنه أثَّر على جسده فقط، أما الوحي والتبليغ فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. * الحاصل هنا: أن أصل حفظ الله -تعالى- لأنبيائه وأولياءه إنما هو حفظ لما وقر فى قلوبهم من الإيمان الراسخ و الاعتقاد السابغ، وأما ما يتعلق بما قد يصيبهم من بلاء أو أذى في بدن أو نفس أو مال ونحو هذا... فهذا غير ممتنع الوقوع. * وتأمل في قوله تعالى (وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢)) (يوسف/٣٢) فقد أكد الفعل الأول الذي هو السجن -وهذا من بلاء الدنيا- بنون التوكيد، وقد وقع بالفعل، أما حال ذكره للصَغار الذى هو الذل والهوان -وهذا مما لا يحصل لأهل الإيمان - فقد جاء الفعل مصحوباً بالنون الخفيفة﴾ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ ﴿، فلم يقل "وليكوننَّ "، والنون الثقيلة التوكيد بها أشد وأبْلغ؛ لأنَّ زِيادة المبنَى تدلُّ على زيادة المعنى غالباً. قال ابن القيم: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدَّس الله روحه - يقول: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني، إنَّ حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة. (١)

стр. 820

* ولاشك أن البلاء، وإن كان واقعاً ولا بد، فإن حصوله فى أمور الدنيا أهون من حصوله فى أمر الدين، لذا فقد كان من دعائه ﷺ : " وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا " (١). وفى مثل هذا المعنى قد قَالَ يوسف ﵇ (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) (يوسف/٣٣) * نقول: حتى ما يقدِّره الله -عزوجل- على أولياءه من المحن والبلاء فإنما يقع لحكم عظيمة، منها: ١ - أن يكون هذا إظهاراً لصدقهم: فيثبت أهل الإيمان، ويُفضح أهل النفاق، قال تعالى (وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ) (آل عمران/١٦٦ - ١٦٧) وقال تعالى (الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (العنكبوت/١ - ٢ - ٣) ٢ - وقد يكون هذا رفعة لدرجاتهم وتكفيراً لسيئاتهم: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -رضى الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ... «مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ، وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ». (٢) * الفائدة الثانية: قوله ﷺ : " احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ.. " والمعنى: أنه بحفظ حدود الله -تعالى- يُرزق العبد المعية الخاصة، ومعية الله -عزوجل - الخاصة معناها أنه سبحانه يحوطه وينصره ويحفظه ويوفقه ويؤيده ويسدده. فمن راعى حدود الله - عزوجل - وجد الله معه في كل أحواله، حيث توجه، يحوطه، وينصره، ويحفظه ويوفقه ويسدده ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] ". إنها معية الله -تعالى- لأنبيائه وأوليائه، قال تعالى (ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ

стр. 821

هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) (التوبة/٤٠)، قال تعالى (قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥)) (الشعراء/١٥)، وقال عزوجل فى خبر موسى ﵇ (قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) (الشعراء/٦٢) *الفائدة الثالثة: " وَإِذَا سَأَلْتَ فاَسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ... " وقد أمر الله تعالى بسؤاله، فَقَالَ: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢] وفارق بين سؤال الخالق، وسؤال المخلوق: فأما سؤال الخالق: فالأصل فيه الإلحاح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه-أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: (يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ: يَقُولُ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي) (١) قال ابن حجر: وفي هذا الحديث أدب من آداب الدعاء وهو أنه يلازم الطلب، ولا ييأس من الإجابة؛ لما في ذلك من الانقياد والاستسلام وإظهار الافتقار. (٢) قال ابن القيم: " ومن أنفع الأدوية: الإلحاح في الدعاء " (٣) * وأما سؤال المخلوق: فإن الأصل فيه المنع، ففى حديث عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ-رضى الله عنه - قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟» قَالَ: فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ ﷺ : عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَتُطِيعُوا - وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً - وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا، فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ، فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ. (٤) وعَنْ ثَوْبَانَ -رضى الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " مَنْ يَتَكَفَّلُ لِي بِوَاحِدَةٍ، وَأَتَكَفَّلُ لَهُ بِالْجَنَّةِ "، قَالَ ثَوْبَانُ: أَنَا. قَالَ: " لَا تَسْأَلِ النَّاسَ "، يَعْنِي شَيْئًا، قَالَ: نَعَمْ.

стр. 822

قَالَ عبد الرحمن بن يزيد: فَكَانَ ثوبان لَا يَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا، ويَقَعُ سَوْطُهُ وَهُوَ رَاكِبٌ، فَلَا يَقُولُ لِأَحَدٍ نَاوِلْنِيهِ، حَتَّى يَنْزِلَ فَيَتَنَاوَلَهُ. (١) وعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ- ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ. (٢) * الفائدة الرابعة: قوله ﷺ : " وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ ": وهذه عبادة من أعظم العبادات التي يتوجه بها العبد إلى ربه عزوجل، وقد أمر الله -تعالى- بها عباده، قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ (البقرة/ ١٥٣) وقال موسى لقومه: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾ [الأعراف: ١٢٨]، وقال الله لنبيه ﷺ : ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ قال ابن رجب: وفي استعانة الله -تعالى - وحده فائدتان: الأولى: أن العبد عاجز عن الاستقلال بنفسه في عمل الطاعات. والثانية: أنَّه لا معين له عَلَى مصالح دينه ودنياه إلا الله ، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله الله فهو المخذول. (٣) * الفائدة الخامسة: قوله ﷺ : " وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ " وهذه معانى عظيمة النفع لقلب العبد؛ فإن العبد إذا ما امتلأ قلبه يقيناً أن كل ما يصيبه إنما هو مما قدَّره الله -تعالى- وقضاه ازداد تعلقاً بربه وتوكلاً عليه. فصار القلب متوجهاً بكليته شطر خالقه عزوجل، على اليقين الجازم أن الأولياء وغيرهم من المخلوقين لا يملكون لأنفسم نفعاً ولا ضراً؛ فضلاً عن أن يملكوا لغيرهم، كما أنهم لا يملكون موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، وأن غيره تعالى غير قادر

стр. 823

على العطاء والمنع، ودفع الضر وجلب النفع. قال تعالى ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] قوله تعالى (ومن يؤمن بالله): يصدق أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله تعالى له. ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ يوفقه لليقين، حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وللقول الحسن فلا يقول إلا ما يرضي الله ، إنا لله وإنا إليه راجعون ويسلم لقضاء الله - تعالى - وقدره. * ومما صح في تفسير هذه الأية: قال ابن عباس رضى الله عنهما: قوله تعالى: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) يعني: يهدي قلبه لليقين، يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. (١) وقال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: «هُوَ الَّذِي إِذَا أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ رَضِيَ وَعَرَفَ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ». (٢) وعن زَيْد بْن ثَابِتٍ-رضى الله عنه- أن النَّبِيَّ ﷺ قال: " لَوْ أَنْفَقْتَ جَبَلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فِي سَبِيلِ اللهِ، مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَلَوْ مِتَّ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، لَدَخَلْتَ النَّارَ " (٣) قال أبو العباس ابن تيمية: فمن سلك هذا المسلك العظيم استراح من تعلق قلبه بالخلق ونظره إليهم، وتجرد التوحيد في قلبه، وتوكل على الله -تعالى - فهو حسبه. (٤) قال ابن رجب: إن العبد إذا علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله -تعالى- له من خير وشر ونفع وضر، وأن اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مفيد البتة علم حينئذ أن الله وحده هو الضار النافع، المعطي المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه

стр. 824

وإفراده بالطاعة والخوف والرجاء والمحبة والسؤال والتضرع والدعاء وتقديم طاعته على طاعة الخلق جميعاً، وأن يتقي سخطه ولو كان فيه سخط الخلق جميعاً، وإفراده بالاستعانة به والسؤال له، وإخلاص الدعاء له في حال الشدة وحال الرخاء. (١) وقال تعالى (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) ((يونس/١٠٧) فإذا ما مسك ضر فلن يستطيع الخلق كلهم من أولهم إلى آخرهم أن يرفعوا هذا الضر عنك، إلا إذا أراده الله تعالى، وإذا أصابك خير قدَّره الله -تعالى- لك فلن يستطيع الخلق كلهم أن يمنعوا هذا الخير، إلا إذا أراد الله تعالى. ولا شك أن لهذا الاعتقاد متعلقاً وثيقاً بتوحيد الربوبية؛ فإن الرب سبحانه هو المالك المدبر، المعطي المانع، الضار النافع، الخافض الرافع، المعز المذل، فمن شهد أن المعطي أو المانع، أو الضار أو النافع، أو المعز أو المذل غيره، فقد أشرك بربوبيته. وقال سبحانه ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ [الإسراء - ٥٦] فمن دلائل بطلان عبادة من سوى الله - عزوجل - أنهم لا يملكون كشف الضر عن المرء ولا تحويله، فهذا أحد أوجه الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية. * الفائدة السادسة: قوله ﷺ : " رُفِعَتِ الْأَقْلامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ ": والمعنى: أن الله -تعالى- قد قضى كل شيء وقدَّره تقديراً، وأمر بكتابة هذا الذى قدَّره فى اللوح المحفوظ، ويسمى أيضاً أم الكتاب، و الكتاب المبين. قال تعالى ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ (القمر/٥٣)، وقال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ

стр. 825

يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢] وعن عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ -رضى الله عنه- قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ قَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ " (١) وقد بوَّب الإمام اليخاري ﵀ فى كتاب القدر من صحيحه: " بَابٌ: جَفَّ القَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ "، وذكر تحته ما يلى: قوله تعالى ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣]، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : «جَفَّ القَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ») قلت: وأما ذكر البخاري لهذه الأية تحت هذا التبويب ففيه دلالة أنه ﵀ يرجَّح أن هذا العلم المقصود فى هذه الأية هو علم الله -تعالى -السابق، فيكون المعنى أن ضلال هذا العبد إنما وقع وفق ما قدَّره الله -عزوجل- فى علمه الأزلى، وأنه لا يستحق إلا ذلك. (٢) *وأما حديث أبى هريرة-رضى الله عنه- الذى ذكره البخاري هاهنا معلقاً فقد وصله في باب النكاح برقم (٥٠٧٦)، ومناسبته هناك أن أَبِا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ شَابٌّ، وَأَنَا أَخَافُ عَلَى نَفْسِي العَنَتَ، وَلَا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّسَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ جَفَّ القَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ، فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ ذَرْ» * وقوله ﷺ لأبي هريرة رضى الله عنه: " جَفَّ القَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ "، هو معنى ما ورد فى حديث الباب: " رُفِعَتِ الْأَقْلامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ ": فهذه كناية عن الفراغ من الأمر الذي سبق به القدر، فكل ما يجري في الوجود فقد سبق به علم الله-تعالى - وكتابه، فقد فُرغ من الكتابة التي أمر الله -تعالى - بها القلم حين خلقه، وأمره أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.

стр. 826

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو-رضى الله عنهما- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ". (١) وقوله ﷺ : (كتب الله مقادير الخلائق): قال العلماء المراد تحديد وقت الكتابة في اللوح المحفوظ أو غيره، وليس أصل التقدير؛ فإن ذلك أزلي لا أول له. قال أبو الحسن الأشعرى: وأجمعوا على أنه تعالى قد قدَّر جميع أفعال الخلق وآجالهم وأرزاقهم قبل خلقه لهم، وأثبت في اللوح المحفوظ جميع ما هو كائن منهم إلى يوم يبعثون. (٢) * وهذا الذى كتب فى اللوح المحفوظ يشتمل على كلمات الله الشرعية والكونية: أ) أما الكلمات الشرعية: فمنها التوراة بيمينه لموسى في الألواح، وأنزل على إبراهيم صحفاً وعلى موسى صحفاً، وكذلك القرآن فإنه مكتوب عنده في اللوح المحفوظ، كما قال في وصف القرآن: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١ - ٢٢]، وقال تعالى (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ) ﴿الواقعة: ٧٧ - ٧٨﴾. ب) وأما الكلمات الكونية: وهى كل ما قدَّره الله -تعالى- من أقدار وأعمال وأخبار، كما قال تعالى ﴿ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب﴾ (الحج: ٧٠)، وقال تعالى ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] قال ابن كثير: وكل شيء أحصيناه في إمام مبين أي وجميع الكائنات مكتوب في كتاب مسطور مضبوط في لوح محفوظ، والإمام المبين هاهنا هو أم الكتاب. (٣) قال ابن قدامة: لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس في

стр. 827

العالم شيء يخرج عن تقديره ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد لأحد عن القدر المقدور، ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور. (١) * وهنا سؤال: قد دل حديث الباب على أن مقادير الخلائق قد فرغ منها، فقد رفعت الأقلام وجفت الصحف، لكن قد يشكل على هذا ما قد ورد فى أدلة أخري يعارض ظاهرها هذا الأمر، مثل قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد/ ٣٩]، وكذلك ما ورد فى حديث ابْنِ عَبَّاسٍ-رضى الله عنهما - أَنَّ رَسُول اللهِ ﷺ قال: إِنَّ اللهَ لَمَّا خَلَقَ آدَمَ، مَسَحَ ظَهْرَهُ، فَأَخْرَجَ مِنْهُ مَا هُوَ مِنْ ذَرَارِيَّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَجَعَلَ يَعْرِضُ ذُرِّيَّتَهُ عَلَيْهِ، فَرَأَى فِيهِمْ رَجُلًا يَزْهَرُ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا ابْنُكَ دَاوُدُ، قَالَ: أَيْ رَبِّ، كَمْ عُمْرُهُ؟ قَالَ: سِتُّونَ عَامًا، قَالَ: رَبِّ زِدْ فِي عُمْرِهِ..... (٢)، وقوله ﷺ : «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ». (٣) * وجواب ذلك أن يقال: أن كل ما هو كائن إلى يوم القيامة قد قدَّره الله -تعالى - وكتبه في اللوح المحفوظ، وهذا الذى سطِّر فى اللوح المحفوظ لا يبدل، ولا يغير، ولا يمحى، وإنما الذي يقبل التغيير والمحو والإثبات، هو ما في صحف الملائكة، كما قال عزوجل (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) ﴿الرعد: ٣٩﴾. والمعنى: أن الذى فى أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ لا محو فيه ولا تغيير، وهو من الغيب المطلق الذى لا يطلع عليه ملك مقرَّب ولا نبي مرسل، وأما الذى يسطَّر فى صحف الملائكة فهذا الذى قال تعالى عنه (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ)، وكل ما يقع في هذه الصحف من التغيير والإثبات فهو مكتوب في اللوح المحفوظ تفصيله، ونهايته. *فالحاصل أن القضاء نوعان:

стр. 828

١ - قضاء مبرم: فهذا الذى لا تبديل فيه ولا تغيير، وهو المسطر في اللوح المحفوظ، وهو أم الكتاب أى أصله. ٢ - قضاء معلَّق: وهو المراد فى قوله تعالى ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾، فالمحو فيه والإثبات يتعلق بأسباب قدَّرها الله عزوجل، ومنها الدعاء وصلة الرحم. ومثال الأول: ما ورد عن أُمِّ حَبِيبَةَ -رضى الله عنها - أنها قالت: اللهُمَّ مَتِّعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ، وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّكِ سَأَلْتِ اللهَ لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ، وَآثَارٍ مَوْطُوءَةٍ، وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ. (١) وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ -رضى الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَرَغَ اللَّهُ إِلَى كُلِّ عَبْدٍ مِنْ خَمْسٍ: مِنْ أَجَلِهِ وَرِزْقِهِ وَأَثَرِهِ وَشَقِيٍّ أَمْ سَعيدٍ». (٢) *ومثال الثانى: ما ورد من قول عمر بن الخطاب ﵁ وهو يطوف بالكعبة: اللهم إن كنت كتبتَني في أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبت عليَّ الذّنب والشِّقوة فامحُني وأثبتني في أهل السّعادة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أمّ الكتاب. (٣) وقال ابن عباس رضى الله عنهما: كتابان: كتابٌ يمحو منه ما يشاء ويثبت، وعنده أمّ الكتاب. (٤) *وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية: عن قوله تعالى ﴿يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾، هل المحو والإثبات في اللوح المحفوظ، وقد جاء: ﴿جف القلم﴾ فما معنى ذلك في المحو والإثبات؟ وهل الصحيح عندكم أن العمر يزيد بصلة الرحم كما جاء في الحديث؟ أفتونا مأجورين. فأجاب ﵁: الجواب المحقق: أن الله يكتب للعبد أجلاً في صحف الملائكة، فإذا وصل رحمه زاد في ذلك المكتوب، وإن عمل ما يوجب النقص نقص من ذلك المكتوب.

стр. 829

وهذا معنى ما روي عن عمر أنه قال: " اللهم إن كنت كتبتني شقياً فامحني واكتبني سعيداً؛ فإنك تمحو ما تشاء وتثبت. والله سبحانه عالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون؛ فهو يعلم ما كتبه له وما يزيده إياه بعد ذلك، والملائكة لا علم لهم إلا ما علمهم الله، فلهذا قال العلماء: إن المحو والإثبات في صحف الملائكة وأما علم الله سبحانه فلا يختلف ولا يبدو له ما لم يكن عالماً به، فلا محو فيه ولا إثبات. (١) والأجل أجلان " أجل مطلق " يعلمه الله " وأجل مقيد " وبهذا يتبين معنى قوله ﷺ ﴿من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه﴾ فإن الله أمر الملك أن يكتب له أجلاً وقال: " إن وصل رحمه زدته كذا وكذا " والملك لا يعلم أيزداد أم لا؛ لكن الله يعلم ما يستقر عليه الأمر، فإذا جاء ذلك لا يتقدم ولا يتأخر. (٢) * أصل القضاء لا يعارض العمل: عَنْ جَابِرٍ -رضى الله عنه - قَالَ: جَاءَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ -رضى الله عنه- قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ بَيِّنْ لَنَا دِينَنَا كَأَنَّا خُلِقْنَا الْآنَ، فِيمَ الْعَمَلُ الْيَوْمَ؟ أَفِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ، وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ، أَمْ فِيمَا نَسْتَقْبِلُ؟ قَالَ: «لَا، بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ» قَالَ: فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ فَقَالَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٦]، إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١٠] (٣) فقد قدَّر الله -تعالى- ترتيب المسبَبَات على الأسباب، ما يجيء لك ولد إلا إذا تزوجت، ولا يعقل أن تقول " إنْ كتب الله لي ولدا فسيأتي ولو لم أتزوج "!، أو تترك طلب الرزق وتقول: " إنْ كتب الله لي رزقاً سيأتيني وأنا نائم "! نعم قد يكون؛ لكن

стр. 830

ليس هذا موجب العقل والفطرة والشرع. بل موجب العقل والفطرة والشرع أن تسعى في طلب الرزق، ولو توكلت على الله-تعالى - فلا بد لك من الأخذ بالأسباب، وأعظم من ذلك أمر السعادة، فلا تكون السعادة إلا بأسبابها وهي الإيمان والعمل الصالح، ولا يمكن أن يكون الإنسان سعيدًا إلا بالأسباب، فمن تحققت له أسباب السعادة فنعلم بذلك أنه قد سبق علم الله -تعالى- وكتابه بسعادته. *ولكن مع تقدير الله -تعالى - الأزلى لمنازل أهل السعادة وأهل الشقاء فقد أمر -تعالى- بتحصيل العمل الصالح الذى به تحصل سعادة الدارين، قال تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وقال تعالى (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)) فجعل-تعالى- من علامات صدق الدعوى بذل العمل، وإلا فالمدَّعون كثر، لكن لم يزل أهل الصدق إلى قلة. تم بحمد الله.

стр. 831

الحديث الثلاثون: نثر الجمَّان بفوائد حديث إنهما ليعذبان

стр. 832

*نص حديث الباب: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضى الله عنهما - قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ- ﷺ بِقَبْرَيْنِ، فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً، فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ، فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: «لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا» * تخريج الحديث: أخرجه البخاري (١٣٧٨) فى مواضع من صحيحه، منها فى " باب عذاب القبر من الغيبة والبول "، ومسلم (٢٩٢) " باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه " * أهم الفوائد المستقاة من حديث الباب: الفائدة الأولى: قد دل حديث الباب على إثبات أصل من الأصول التى قال بها أهل السنة، ونصوا عليها خلافاً لأهل البدع، وهى مسألة عذاب القبر. قال النووى: وأما فقه الباب ففيه إثبات عذاب القبر، وهو مذهب أهل الحق خلافا للمعتزلة. (١) وهذا الأصل في الإيمان بعذاب القبر، قد دل عليه القرآن والسنة وتظاهرت الأدلة وتواترت من سنة النبي ﷺ في الدلالة على أن القبر والبرزخ يكون فيه عذاب ويكون فيه نعيم للإنسان المكلف، على ما يحكم الله به على الميت.

стр. 833

وأصل إيراد هذه المسألة في العقائد إنما جاء لأجل أن الخوارج والجهمية والفلاسفة وأهل الكلام ينكرون عذاب القبر. ونظير ذلك ما أورده البربهاري في "شرح السنة" من ذكره لمسائل المسح على الخفين؛ وذلك لأن الروافض لم تقل بها، وذكره لمسألة الصلاة فى السراويل رداً على من كرهها من الهادوية. * الأيات الدالة على إثبات عذاب القبر: قوله تعالى (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) (الأنعام: الآية ٩٣) فقال سبحانه (الْيَوْمَ) يعني يوم إخراج أنفسهم، أي يوم موتهم يجزون عذاب الهون. قال ابن القيم: فقول الملائكة «اليوم تجزون عذاب الهون» المراد به: عذاب البرزخ الذي أوله يوم القبض والموت. (١) وقال تعالى في آل فرعون (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) (غافر: ٤٦) فقال: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً). وذلك قبل قيام الساعة؛ فإنه تعالى قال بعدها (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ). قال ابن كثير: هذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور. (٢) وقال تعالى عن قوم نوح ﵇: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ (نوح/)

стр. 834

فدل العطف بالفاء على أن دخولهم النار حصل عقيب إغراقهم، وأنه قبل يوم القيامة. (١) وهذه الأدلة القرآنية ربما تأولها المعارض ولم يرها دالة على إثبات عذاب القبر؛ لكن كثرتها وظهور كلام السلف فيها يدل على أنها في عذاب القبر والبرزخ. وأما الأحاديث الدالة على عذاب القبر أحاديث متواترة، وممن نص على تواترها: أبوالعباس ابن تيمية وابن القيم والطحاوى و ابن عبد البر وابن الملقن، وقد ذكر الكتانى رواة أحاديث عذاب القبر من الصحابة -رضى الله عنهم- فعد اثنين وثلاثين نفساً، وسمَّى غيره أسماء رواة الصحابة فعد تسعة وأربعين صحابياً. (٢) وقد بوَّب أصحاب الصحاح فى مصنفاتهم أبواباً فى إثبات عذاب القبر، كما هو فعل البخارى، قال: " باب ما جاء في عذاب القبر "، وفى صحيح مسلم: " باب: " إثبات عذاب القبر والتعوذ منه ". قال ابن عبد البر: والآثار في عذاب القبر لا يحوط بها كتاب. (٣) وروى الشيخان عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ-رضى الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] " قَالَ: " نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ.

стр. 835

(١) وورد فى زيادة عند مسلم والنسائي: يُقَالُ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَدِينِي دِينُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] " (٢) *وعَنْ عَائِشَةَ -رضى الله عنها- قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزَانِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ المَدِينَةِ، فَقَالَتَا لِي: إِنَّ أَهْلَ القُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، فَكَذَّبْتُهُمَا، وَلَمْ أُنْعِمْ أَنْ أُصَدِّقَهُمَا، فَخَرَجَتَا، وَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عَجُوزَيْنِ، وَذَكَرْتُ لَهُ، فَقَالَ: «صَدَقَتَا، إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَذَابًا تَسْمَعُهُ البَهَائِمُ كُلُّهَا» (٣)، فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِي صَلَاةٍ إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ. (٤) في هذا الحديث دليل على أن عذاب القبر تعرفه اليهود، وذلك - والله أعلم - في التوراة؛ لأن مثل هذا لا يدرك بالرأي. وعنْ مُصْعَبٍ قال: كَانَ سَعْدٌ بن أبى وقاص-رضى الله عنه - يَأْمُرُ بِخَمْسٍ، وَيَذْكُرُهُنَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِهِنَّ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا- يَعْنِي فِتْنَةَ الدَّجَّالِ- وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ". (٥)

стр. 836

* وعن زَيْد بْن ثَابِتٍ-رضى الله عنه- قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ فِي حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ، عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ وَنَحْنُ مَعَهُ، إِذْ حَادَتْ بِهِ فَكَادَتْ تُلْقِيهِ، وَإِذَا أَقْبُرٌ سِتَّةٌ أَوْ خَمْسَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ، فَقَالَ: «مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الْأَقْبُرِ؟» فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا، قَالَ: فَمَتَى مَاتَ هَؤُلَاءِ؟ " قَالَ: مَاتُوا فِي الْإِشْرَاكِ، فَقَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا، لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ»، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: «تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» (١) * وعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ-رضى الله عنه - قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ- ﷺ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرَ، وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ فِي الْأَرْضِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: " اسْتَعِيذُوا بِاللهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، "، ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنَ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ- ﵇ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: " أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ، اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ ". قَالَ: " فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ، فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا، فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ، وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ " قَالَ: " فَيَصْعَدُونَ بِهَا، فَلَا يَمُرُّونَ، يَعْنِي بِهَا، عَلَى مَلَإٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَيَقُولُ اللهُ : اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ، وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ، وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ، وَمِنْهَا

стр. 837

أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى ". قَالَ: " فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، فَيَأْتِيهِ

стр. 838

مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا عِلْمُكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللهِ، فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ، فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ: أَنْ صَدَقَ عَبْدِي، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ ". قَالَ: " فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا، وَطِيبِهَا، وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ ". قَالَ: " وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيَابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ، فَيَقُولُ: رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي ". قَالَ: " وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ مَلَائِكَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ، مَعَهُمُ الْمُسُوحُ، فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ، حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ، اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنَ اللهِ وَغَضَبٍ "، قَالَ: " فَتُفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ، فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ مِنَ الصُّوفِ الْمَبْلُولِ، فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ الْمُسُوحِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَيَصْعَدُونَ بِهَا، فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ، فَلَا يُفْتَحُ لَهُ "، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ ... [الأعراف: ٤٠] فَيَقُولُ اللهُ : " اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى، فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا. فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ، فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ، فَافْرِشُوا لَهُ مِنَ النَّارِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ، فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا، وَسَمُومِهَا، وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ، وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ، قَبِيحُ الثِّيَابِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوءُكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ، فَيَقُولُ: رَبِّ لَا تُقِمِ السَّاعَةَ. (١) وعن سعيد بن المسيب، قال: "صَلَّيْتُ وراء أبي هريرة على صبيِّ لم يعمل خطيئةَ قطُّ، سمعتُه يقول: "اللهمَّ أعِذْهُ من عذاب القبر". (٢) * الإجماع: قال أبو العباس ابن تيمية: مذهب سائر المسلمين إثبات الثواب والعقاب في البرزخ - ما بين الموت إلى يوم القيامة - هذا قول السلف قاطبة وأهل السنة والجماعة؛ وإنما أنكر ذلك في البرزخ قليل من أهل البدع. (٣)

стр. 839

وقال أبو الحسن الأشعري وهو يذكر ما خالف فيه المعتزلة وأهل القدر نهج أهل السنة: وجحدوا عذاب القبر، وأن الكفار في قبورهم يعذَّبون، وقد أجمع على ذلك الصحابة والتابعون ﵃ أجمعين. (١) وممن نقل هذا الإجماع: ابن بطة العكبري والأصبهاني الملقب بقوام السنة والطحاوى والبربهاري وغيرهم خلق كثير. (٢) * مسألة: هل عذاب القبر يكون على الروح فقط، أم على الروح والبدن ؟ قد ذهب ابن حزم إلى أن فتنة القبر وعذابه والمسألة إنما هي للروح فقط بعد فراقه للجسد، قُبِر أو لم يقبر، وأن الروح لا تعاد إلى البدن عند السؤال، فالسؤال إنما يقع للروح خاصة، وكذلك سماع الخطاب، وأنكر أن تعاد الروح إلى الجسد في القبر للعذاب وغيره. (٣) ومما استدل به على قوله هذا: قوله تعالى ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾ [غافر: ١١] فلو كانت الروح تُرد إلى الجسد فى القبر ذلك للزم أن يموت الإنسان ثلاث مرات ويحيى ثلاث مرات، والقرآن دل على أنهما موتتان وحياتان فقط!! * وكذلك فقد ذهب ابن حزم إلى القول بتضعيف حديث البراء الطويل، فقال ﵀: ولم يرو أحد أن في عذاب القبر رد الروح إلى الجسد إلا المنهال بن عمرو، وليس بالقوي. (٤) * وجواب ذلك: ١ - أما استدلاله بالأية فقد قال أجاب عن ذلك الحافظ ابن رجب فقال: وهذا ضعيف جداً، فإن

стр. 840

حياة البرزخ ليست حياة تامة مستقلة كحياة الدنيا وكالحياة الآخرة بعد البعث، وإنما فيها نوع اتصال الروح في البدن بحيث يحصل بذلك شعور البدن وإحساس بالنعيم والعذاب وغيرهما، وليست هي حياة تامة حتى يكون انفصال الروح به موتاً تاماً، وإنما هو شبيه بانفصال روح النائم عنه، ورجوعها إليه، فإن ذلك يسمى موتاً وحياةً. كما كان النبي ﷺ يقول إذا استيقظ من منامه: "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا، وإليه النشور" وسمَّاه الله تعالى وفاة، لقوله تعالى ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزُّمَرِ: ٤٢] مع هذا فلا ينافي ذلك أن يكون النائم حياً، وكذلك اتصال روح الميت ببدنه وانفصالها عنه لا يوجب أن يصير للميت حياة مطلقة. (١) ٢ - أما تضعيفه لحديث البراء - رضى الله عنه- فقد رددنا عليه فى تخريج الحديث، والذي سبق بيانه قريباً. فالصحيح -والله أعلم -هو الذى عليه جمهور أهل السنة أن نعيم القبر وعذابه يحصل للروح والبدن. قال شيخ الإسلام ابن تيمة: مذهب سلف الأمة وأئمتها أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه ولبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحياناً فيحصل له معها النعيم والعذاب. (٢) * وهذا الذى دلت عليه السنة: فعَنْ أَنَسٍ- ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: العَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتُوُلِّيَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، .... ... قال: وَأَمَّا الكَافِرُ- أَوِ المُنَافِقُ - فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ، ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ. (٣) وفى حديث الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ- ﷺ فِي جِنَازَةِ..... ، فكان مما ذكر: وَإِنَّ الْكَافِرَ فَذَكَرَ مَوْتَهُ. وَقَالَ: وَتُعَادُ رُوحُهُ إلَى جَسَدِهِ فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ

стр. 841

فَيُجْلِسَانِهِ... ، قَالَ: وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ قَالَ: ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ أَعْمَى أَبْكَمُ مَعَهُ مِرْزَبَّةٌ مِنْ حَدِيدٍ لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ لَصَارَ تُرَابًا قَالَ: فَيَضْرِبُهُ بِهَا. (١) قال أبو العباس ابن تيمية: فقد صرح الحديث بإعادة الروح إلى الجسد وباختلاف أضلاعه، وهذا بيِّن في أن العذاب على الروح والبدن مجتمعين. (٢) * المخالفون لأهل السنة فى عذاب القبر: عذاب القبر حق ثابت وبهذا قال أهل السنة وأكثر الفرق الإسلامية، ولكنَّ الأمر كما قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه. فعن ابن عباس -رضى الله عنهما - قال: خطب عمر بن الخطاب فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أيها الناس، ألا إنه سيأتي من بعدكم أقوام يكذبون بالرجم وبالدجال، وبعذاب القبر، والشفاعة. (٣) قال ابن هانئ للإمام أحمد: وعذاب القبر ومنكر ونكير؟ قال أبو عبد الله: نؤمن بهذا كله، ومن أنكر واحدة من هذه، فهو جهمي. (٤)

стр. 842

وقال المروذي قال: لنا أبو عبد الله عذاب القبر حق، ما ينكره إلا ضال مضل. (١) قال الآجري: ما أسوأ حال من كذَّب بهذه الأحاديث، لقد ضل ضلالًا بعيداً، وخسر خسراناً مبيناً. (٢) وقد خالف في ذلك الخوارج وضرار بن عمرو وبشر المريسي وجماعة من متأخرى المعتزلة، فقالوا بنفى عذاب القبر؛ وذلك بناءً على قولهم أن الروح لا تبقى بعد فراق البدن، وأن البدن لا ينعم ولا يعذَّب. (٣) قال ابن حزم: "ذهب ضرار بن عمرو الغطفاني أحد شيوخ المعتزلة إلى إنكار عذاب القبر، وهو قول من لقينا من الخوارج، وذهب أهل السنة وبشر بن المعتمر والجبائي وسائر المعتزلة إلى القول به، وبه نقول لصحة الآثار عن رسول الله ﷺ في ذلك". (٤) * نقول: والمخالفون الذين خالفوا أهل السنة في هذا الأصل فنفوا القول بإثبات عذاب القبر قد جاء فساد تأصيلهم فى أنهم قد حكَّموا العقل وردوا عالم الغيب إلى عالم الشهادة، فقاسوا الأمور الغيبية على الأمور المشاهدة، وحكَّموا العقل فيما جاءت به النصوص في أن هذا يُعقل، وأن هذا لا يُعقل. فتراهم لا يؤمنون بما يحدث في القبر؛ لأنهم عقلانيون، فيسمّون أدلة الشرع ظنية، فأما أدلة العقل عندهم فهي يقينية، وهم فى ذلك قد نسوا أو قل تناسوا أن عذاب القبر وفتنة القبر أمر غيبي، والأمور الغيبية مجالها الاعتقاد؛ لأنها لا تدرك بالنظائر ولا تدركها العقول؛ بل تحار فيها العقول، فيجب الإيمان بها والتسليم على نحو ما جاء في الخبر الصادق في الوحي.

стр. 843

*و من شبهاتهم النفاة: قالوا: إنا نرى شخص الميت مشاهدة وهو غير معذَّب، وكذلك فإن الميت ربما تفترسه السباع وتأكله!! وجوابه: أن هذا هوس؛ أما مشاهدة الشخص فهو مشاهدة لظواهر الجسم، والمدرك للعقاب جزء من القلب أو من الباطن كيف كان، وليس من ضرورة العذاب ظهور حركة في ظاهر البدن، بل الناظر إلى ظاهر النائم لا يشاهد ما يدركه النائم من اللذة عند الاحتلام ومن الألم عند تخيل الضرب وغيره، ولو انتبه النائم وأخبر عن مشاهداته وآلامه ولذاته من لم يجر له عهد بالنوم لبادر إلى الإنكار اغتراراً بسكون ظاهر جسمه. فتعساً لمن ضاقت حوصلته عن تقدير اتساع القدرة لهذه الأمور المستحقرة بالاضافة إلى خلق السموات والأرض وما بينهما، مع ما فيهما من العجائب. (١) * ثم يقال لمن يشكل بعدم تحقق رؤية عذاب القبر بالبصر: أن الله - عزوجل - يبتلى عباده بالتكاليف الشرعية اختباراً وامتحاناً لهم، وهذه التكاليف شاملة لباب العلم والعمل: أ) ففي باب العمل: يكلفهم بجملة من العبادات الشرعية، والتى منها ما يكون غير معلوم الحكمة، فيجمع لهم بين التكليف بالاستسلام وتكليف القيام بالعمل. ب) وفي باب العلم: فقد يختبر الله -تعالى -عباده بالإيمان بالغيبيات التى تتآلت النصوص بإثباتها، فيظهر هنا من يؤمن بالغيب ممن هو منه في شك، إذ لو عاين

стр. 844

العباد الغيبيات لزالت حكمه التكليف والإيمان بالغيب، ومن هذا الباب فقدا اقتضت الحكمة أن يكون عذاب القبر خفياً؛ لأنَّه لو كان أمراً ظاهراً لما كان الإيمان به إيمان بالغيب، والإيمان النافع المنجي إنما هو الإيمان بالغيب. لذا فقد كان أول ما مدح الله تعالى - به أهل الإيمان فى كتابه أنهم يؤمنون بالغيب، فقد قال تعالى (ألم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)) (البقرة: ١ - ٣) * وأضف الي ذلك أنه قد اقتضت حكمة الله -تعالى- أن لا يكون عذاب القبر ظاهراً، إذ لو كان ظاهراً لما تدافن الناس، كما قال ﷺ : "إنَّ هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه". (١) * وأما قولهم بعدم حدوث عذاب القبر لمن أكله سبع أو حُرق!! فجوابه: فذكر العذاب والحاقه بالقبر إنما خرج على الغالب فلا مفهوم له؛ فالمصلوب والمحروق والغريق ومن أكلته السباع لهم من عذاب البرزخ ونعيمه بحسب ما تقتضيه أعمالهم، وإن تنوعت أسباب النعيم والعذاب وكيفياتهما. وإلا فسيقال من باب الإلزام بعدم بعث من أكلته السباع أو حرق، ومثل هذا مما لم يقل به نفاة القول بعذاب القبر، فكما قيل فى قوله تعالى (قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)) أنه خرج على الغالب، مع إثبات البعث لمن لم يكن له مرقد، كالمحروق ومن أكلته السباع، فكذا يقال بإثبات عذاب القبر ونعيمه لمن لم يُقبر. (٢)

стр. 845

قال ابن القيم: ومما ينبغى أن يعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزح، فكل من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه، قُبر أو لم يُقبر، فلو أكلته السباع أو أُحرق حتى صار رماداً ونسف في الهواء أو صلب أو غرق في البحر وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى المقبور. (١) * ويلخص ما سبق كلام بديع للسمعانى، حيث قال هو لما ذكر أمور الغيب من عذاب القبر وسؤال الملكين والحوض والميزان والصراط، قال ﵀: وهذه أمور لا ندرك حقائقها بعقولنا، وإنما ورد الأمر بقبولها والإيمان بها، فإذا سمعنا شيئاً من أمور الدين وعقلناه وفهمناه فلله الحمد في ذلك والشكر، ومنه التوفيق، وما لم يمكنا إدراكه وفهمه ولم تبلغه عقولنا آمنا به وصدَّقنا واعتقدنا أن هذا من قبل ربوبيته وقدرته، واكتفينا في ذلك بعلمه ومشيئته، وقال تعالى في مثل هذا ﴿ويسألونك عَن الرّوح قل الرّوح من أَمر رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ من الْعلم إِلَّا قَلِيلا﴾. (٢) * تنبيه وتصحيح: قد ذهب بعض المعتزلة إلى أن الله - سبحانه -يعذِّب الموتى في قبورهم، ويحدث فيهم الآلام وهم لا يشعرون فإذا حشروا وجدوا تلك الآلام وأحسوا بها، وقالوا بأن سبيل المعذَّبين من الموتى كسبيل السكران والمغشى عليه لو ضربوا لم يجدوا الآلام، فإذا عاد عليهم العقل أحسوا بألم الضرب. (٣) *وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية على ذلك، وبيَّن أن الأمر على خلاف ذلك، فقال ﵀: ولا يجوز أن يقال ذلك الذي يجده الميت من النعيم والعذاب مثلما يجده النائم في منامه؛ بل ذلك النعيم والعذاب أكمل وأبلغ وأتم. وهو نعيم حقيقي وعذاب حقيقي، ولكن يذكر هذا المثل لبيان إمكان ذلك إذا قال السائل: الميت لا يتحرك في
следующие страницы →