← Акыда

Акыда · id 192

الأربعون العقدية

أيمن إسماعيل

Полный текст (1 126 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

فَيُجْلِسَانِهِ... ، قَالَ: وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ قَالَ: ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ أَعْمَى أَبْكَمُ مَعَهُ مِرْزَبَّةٌ مِنْ حَدِيدٍ لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ لَصَارَ تُرَابًا قَالَ: فَيَضْرِبُهُ بِهَا. (١) قال أبو العباس ابن تيمية: فقد صرح الحديث بإعادة الروح إلى الجسد وباختلاف أضلاعه، وهذا بيِّن في أن العذاب على الروح والبدن مجتمعين. (٢) * المخالفون لأهل السنة فى عذاب القبر: عذاب القبر حق ثابت وبهذا قال أهل السنة وأكثر الفرق الإسلامية، ولكنَّ الأمر كما قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه. فعن ابن عباس -رضى الله عنهما - قال: خطب عمر بن الخطاب فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أيها الناس، ألا إنه سيأتي من بعدكم أقوام يكذبون بالرجم وبالدجال، وبعذاب القبر، والشفاعة. (٣) قال ابن هانئ للإمام أحمد: وعذاب القبر ومنكر ونكير؟ قال أبو عبد الله: نؤمن بهذا كله، ومن أنكر واحدة من هذه، فهو جهمي. (٤)

стр. 842

وقال المروذي قال: لنا أبو عبد الله عذاب القبر حق، ما ينكره إلا ضال مضل. (١) قال الآجري: ما أسوأ حال من كذَّب بهذه الأحاديث، لقد ضل ضلالًا بعيداً، وخسر خسراناً مبيناً. (٢) وقد خالف في ذلك الخوارج وضرار بن عمرو وبشر المريسي وجماعة من متأخرى المعتزلة، فقالوا بنفى عذاب القبر؛ وذلك بناءً على قولهم أن الروح لا تبقى بعد فراق البدن، وأن البدن لا ينعم ولا يعذَّب. (٣) قال ابن حزم: "ذهب ضرار بن عمرو الغطفاني أحد شيوخ المعتزلة إلى إنكار عذاب القبر، وهو قول من لقينا من الخوارج، وذهب أهل السنة وبشر بن المعتمر والجبائي وسائر المعتزلة إلى القول به، وبه نقول لصحة الآثار عن رسول الله ﷺ في ذلك". (٤) * نقول: والمخالفون الذين خالفوا أهل السنة في هذا الأصل فنفوا القول بإثبات عذاب القبر قد جاء فساد تأصيلهم فى أنهم قد حكَّموا العقل وردوا عالم الغيب إلى عالم الشهادة، فقاسوا الأمور الغيبية على الأمور المشاهدة، وحكَّموا العقل فيما جاءت به النصوص في أن هذا يُعقل، وأن هذا لا يُعقل. فتراهم لا يؤمنون بما يحدث في القبر؛ لأنهم عقلانيون، فيسمّون أدلة الشرع ظنية، فأما أدلة العقل عندهم فهي يقينية، وهم فى ذلك قد نسوا أو قل تناسوا أن عذاب القبر وفتنة القبر أمر غيبي، والأمور الغيبية مجالها الاعتقاد؛ لأنها لا تدرك بالنظائر ولا تدركها العقول؛ بل تحار فيها العقول، فيجب الإيمان بها والتسليم على نحو ما جاء في الخبر الصادق في الوحي.

стр. 843

*و من شبهاتهم النفاة: قالوا: إنا نرى شخص الميت مشاهدة وهو غير معذَّب، وكذلك فإن الميت ربما تفترسه السباع وتأكله!! وجوابه: أن هذا هوس؛ أما مشاهدة الشخص فهو مشاهدة لظواهر الجسم، والمدرك للعقاب جزء من القلب أو من الباطن كيف كان، وليس من ضرورة العذاب ظهور حركة في ظاهر البدن، بل الناظر إلى ظاهر النائم لا يشاهد ما يدركه النائم من اللذة عند الاحتلام ومن الألم عند تخيل الضرب وغيره، ولو انتبه النائم وأخبر عن مشاهداته وآلامه ولذاته من لم يجر له عهد بالنوم لبادر إلى الإنكار اغتراراً بسكون ظاهر جسمه. فتعساً لمن ضاقت حوصلته عن تقدير اتساع القدرة لهذه الأمور المستحقرة بالاضافة إلى خلق السموات والأرض وما بينهما، مع ما فيهما من العجائب. (١) * ثم يقال لمن يشكل بعدم تحقق رؤية عذاب القبر بالبصر: أن الله - عزوجل - يبتلى عباده بالتكاليف الشرعية اختباراً وامتحاناً لهم، وهذه التكاليف شاملة لباب العلم والعمل: أ) ففي باب العمل: يكلفهم بجملة من العبادات الشرعية، والتى منها ما يكون غير معلوم الحكمة، فيجمع لهم بين التكليف بالاستسلام وتكليف القيام بالعمل. ب) وفي باب العلم: فقد يختبر الله -تعالى -عباده بالإيمان بالغيبيات التى تتآلت النصوص بإثباتها، فيظهر هنا من يؤمن بالغيب ممن هو منه في شك، إذ لو عاين

стр. 844

العباد الغيبيات لزالت حكمه التكليف والإيمان بالغيب، ومن هذا الباب فقدا اقتضت الحكمة أن يكون عذاب القبر خفياً؛ لأنَّه لو كان أمراً ظاهراً لما كان الإيمان به إيمان بالغيب، والإيمان النافع المنجي إنما هو الإيمان بالغيب. لذا فقد كان أول ما مدح الله تعالى - به أهل الإيمان فى كتابه أنهم يؤمنون بالغيب، فقد قال تعالى (ألم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)) (البقرة: ١ - ٣) * وأضف الي ذلك أنه قد اقتضت حكمة الله -تعالى- أن لا يكون عذاب القبر ظاهراً، إذ لو كان ظاهراً لما تدافن الناس، كما قال ﷺ : "إنَّ هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه". (١) * وأما قولهم بعدم حدوث عذاب القبر لمن أكله سبع أو حُرق!! فجوابه: فذكر العذاب والحاقه بالقبر إنما خرج على الغالب فلا مفهوم له؛ فالمصلوب والمحروق والغريق ومن أكلته السباع لهم من عذاب البرزخ ونعيمه بحسب ما تقتضيه أعمالهم، وإن تنوعت أسباب النعيم والعذاب وكيفياتهما. وإلا فسيقال من باب الإلزام بعدم بعث من أكلته السباع أو حرق، ومثل هذا مما لم يقل به نفاة القول بعذاب القبر، فكما قيل فى قوله تعالى (قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)) أنه خرج على الغالب، مع إثبات البعث لمن لم يكن له مرقد، كالمحروق ومن أكلته السباع، فكذا يقال بإثبات عذاب القبر ونعيمه لمن لم يُقبر. (٢)

стр. 845

قال ابن القيم: ومما ينبغى أن يعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزح، فكل من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه، قُبر أو لم يُقبر، فلو أكلته السباع أو أُحرق حتى صار رماداً ونسف في الهواء أو صلب أو غرق في البحر وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى المقبور. (١) * ويلخص ما سبق كلام بديع للسمعانى، حيث قال هو لما ذكر أمور الغيب من عذاب القبر وسؤال الملكين والحوض والميزان والصراط، قال ﵀: وهذه أمور لا ندرك حقائقها بعقولنا، وإنما ورد الأمر بقبولها والإيمان بها، فإذا سمعنا شيئاً من أمور الدين وعقلناه وفهمناه فلله الحمد في ذلك والشكر، ومنه التوفيق، وما لم يمكنا إدراكه وفهمه ولم تبلغه عقولنا آمنا به وصدَّقنا واعتقدنا أن هذا من قبل ربوبيته وقدرته، واكتفينا في ذلك بعلمه ومشيئته، وقال تعالى في مثل هذا ﴿ويسألونك عَن الرّوح قل الرّوح من أَمر رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ من الْعلم إِلَّا قَلِيلا﴾. (٢) * تنبيه وتصحيح: قد ذهب بعض المعتزلة إلى أن الله - سبحانه -يعذِّب الموتى في قبورهم، ويحدث فيهم الآلام وهم لا يشعرون فإذا حشروا وجدوا تلك الآلام وأحسوا بها، وقالوا بأن سبيل المعذَّبين من الموتى كسبيل السكران والمغشى عليه لو ضربوا لم يجدوا الآلام، فإذا عاد عليهم العقل أحسوا بألم الضرب. (٣) *وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية على ذلك، وبيَّن أن الأمر على خلاف ذلك، فقال ﵀: ولا يجوز أن يقال ذلك الذي يجده الميت من النعيم والعذاب مثلما يجده النائم في منامه؛ بل ذلك النعيم والعذاب أكمل وأبلغ وأتم. وهو نعيم حقيقي وعذاب حقيقي، ولكن يذكر هذا المثل لبيان إمكان ذلك إذا قال السائل: الميت لا يتحرك في

стр. 846

قبره والتراب لا يتغير، ونحو ذلك. مع أن هذه المسألة لها بسط يطول وشرح لا تحتمله هذه الورقة والله أعلم. (١) * إثبات عذاب القبر عند الأشاعرة: على الرغم من أن عذاب القبر عند الأشاعرة يعد من باب السمعيات، ومع ذلك تراهم يعلِّقون القول به على عدم استحالة العقل لقبوله، ثم يجعلون الأدلة السمعية تبعاً لذلك القبول العقلى. يقول الباقلاني: «ويجب أن يعلم كل ما ورد به الشرع من عذاب القبر، وسؤال منكر ونكير، ونصب الصراط، والميزان، والحوض، والشفاعة للعصاة من المؤمنين، كل ذلك حقٌّ وصدقٌ، ويجب الإيمان به، والقطع به؛ لأن جميع ذلك غير مستحيل في العقل». (٢) وقد نص على مثل ذلك: الآمدى واللقانى. (٣)

стр. 847

قال سفر الحوالى: فالقوم كما ترى ملتزمون بتقديم العقل وحكمه بالإمكان وعدم الاستحالة، ثم يوردون الأدلة السمعية مؤيدةً وظهيرةً، ومع هذا فالباب عندهم هو باب (السمعيات)!! (١) وقد نقض شيخ الإسلام ابن تيمية هذا التأسيس من أصله، فقال ﵀: ومن قال: أنا أثبت من السمعيات ما لم يخالفه العقل لم يكن لقوله ضابطٌ، فإنه تصديق بالسمع مشروطًا بعدم جنسٍ لا ضابط له ولا منتهى، وما كان مشروطًا بعدم ما لا ينضبط لم ينضبط، فلا يبقى مع هذا الأصل إيمان. (٢) والمعنى: أن عدم مخالفة العقل أمرٌ غير منضبط، فالعقول تختلف، وأوجه المخالفة تختلف، فإذا علقنا التصديق بثبوت شيء عليها، فقد علقناه على أمرٍ غير منضبط. وقال ﵀: لا يجوز أن يخبر الرسل بشيء يعلم بالعقل الصريح امتناعه، بل لا يجوز أن يخبروا بما لا يعلم بالعقل ثبوته فيخبرون بمحارات العقول لا بمحالات العقول، ويجوز أن يكون في بعض ما يخبرون به ما يعجز عقل بعض الناس عن فهمه وتصوره؛ فإن العقول متفاوتة. (٣) * الحاصل أن الأصل فى تعامل الأشاعرة مع النصوص الشرعية، وتقسيمها إلى) إلهيات، سمعيات، نبوات) إنما يعود فى الحقيقة على مدى موافقتها للعقل لمن عدمه، على طريقة: " وما آتاكم العقل فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا "، فيزعمون أن ما خالف العقل فليس بمقبول، ولو جاء به كل منقول!!! وفى حقيقة الأمر

стр. 848

أنهم إنما يردُّون ما خالف الرأى، لا ما خالف العقل؛ فإنه ما ورد نص قرآنى، ولا حديث نبوى صحيح إلا وهو يوافق العقل، عَلِمه من عَلِمه وجهِله من جهِله. *عودٌ إلى حديث الباب: قوله ﷺ : «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ.... " وقوله: " وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ.... " فيه وجهان: أحدهما: أن هذا ليس من الكبائر، فيكون المعنى التحذير من الكبائر؛ لأنه إذا وقع العذاب في القبر على ما ليس من الكبائر فكيف بالكبائر؟! والثاني: أنه ليس المراد أن هذا ليس بكبير في باب الدين، بل هو كبير في الذنوب وإن كان صغيرًا عندكم، ولكنه كبير عند الله تعالى، كما في قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ (النور آية: ١٥)، وليس بكبير على فاعله أن يحترز منه، إذ لا مشقة فى الاحتراز عن البول والنميمة ولاتنزه عنهما، وليس ذلك بالعسير على تاركه. ومما يؤيد هذا التوجيه: " لفظ البخارى: " يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، وَإِنَّهُ لَكَبِيرٌ ". (١) وهذا الذى مال إليه البخاري، حيث روى حديث الباب في كتاب الأدب في باب: " النميمة من الكبائر ".

стр. 849

* وعلى التأويل يكون الحديث أحد الأدلة التى تدحض منهج المرجئة و الخوارج: أ) أما المرجئة: فالمرجئة هم المنسوبون إلى الإِرجاء لتأخيرهم الأعمال عن الإِيمان، حيث زعموا أن مرتكب الكبيرة غير فاسق، وقالوا: لا يضر مع الإِيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وعندهم أن الأعمال ليست داخلة في مسمى الإِيمان، وأن الإِيمان لا يتبعض، وأن مرتكب الكبيرة كامل الإِيمان غير معرض للوعيد، ومذهبهم باطل ترده أدلة الكتاب والسنة. وحديث الباب حجة عليهم؛ لأنه أبان وقوع العذاب عليهما على فعلهما للكبيرة، رغم وجود أصل الإيمان. ب) وأما الخوارج: فهم الوعيدية القائلون بإنفاذ الوعيد، وأن مرتكب الكبيرة إذا مات ولم يتب منها فهو خالد مخلد في النار. ففى حديث الباب رد على تكفيرهم بالكبيرة؛ ووجه الشاهد أن الرسول ﷺ قد قال لما غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ جريدة: «لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا»، "وقال ﷺ : " فأحببت بشفاعتى أن يرفع ذلك عنهما ما دام القضيبان رطبين " (١) * ووجه الدلالة: أنه لو كان فاعل الكبيرة كافراً لما جازت له الشفاعة، فالأيات فى نفى الشفاعة عن الكافرين قد تتآلت تترا فى كتاب الله تعالى. *عودٌ إلى حديث الباب: قول الراوى: " ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً، فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ، فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: «لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا» قد استدل بعض الحنفية بفعل النبى ﷺ حين غرز الجريد فى قبريّ الرجلين على مشروعية هذا الفعل، وأنه يندب زرع الشجر والزرع على المقابر؛ لكونهما يسبحان ما داما رطبين، وهذا مذهب كثيرين أو الأكثرين من المفسرين في قوله

стр. 850

تعالى (وإن من شئ الا يسبح بحمده)، قالوا معناه: وإن من شئ حي، ثم قالوا حياة كل شئ بحسبه. (١) قال ابن عابدين: ويؤخذ من الحديث ندب وضع ذلك للاتباع، ويقاس عليه ما اعتيد في زماننا من وضع أغصان الآس ونحوه. (٢) وقد نقل السيوطى عمن لم يسمه ما نصه: " هذا الحديث أصل في غرس الأشجار عند القبور" (٣) والراجح -والله أعلم- أن التخفيف عن القبرين إنما حصل ببركة يده الشريفة ﷺ وشفاعته لهما. * يدل عليه: ما ورد فى حديث جابر -رضى الله عنه- أن النبي ﷺ قال له: ... «فَانْطَلِقْ إِلَى الشَّجَرَتَيْنِ فَاقْطَعْ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْنًا، فَأَقْبِلْ بِهِمَا، قَالَ جَابِرٌ: فَأَتَيْتُ الشَّجَرَتَيْنِ فَقَطَعْتُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْنًا، ثُمَّ أَقْبَلْتُ فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ، يَا رَسُولَ اللهِ فَعَمَّ ذَاكَ؟ قَالَ: «إِنِّي مَرَرْتُ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ، فَأَحْبَبْتُ بِشَفَاعَتِي، أَنْ يُرَفَّهَ عَنْهُمَا، مَا دَامَ الْغُصْنَانِ رَطْبَيْنِ». (٤) فقوله ﷺ : " فَأَحْبَبْتُ، بِشَفَاعَتِي أَنْ يُرَفَّهَ عَنْهُمَا ": قد دل على أن ذلك مداره على الخصوصية، لحصول شفاعة النبي ﷺ بذات فعله. *فدل ذلك على أن الحكمة من وضع الجريد وإن لم تظهر في حديث الباب فقد وردت فى حديث جابر رضى الله عنه، لأن الظاهر أن القصة واحدة، كما رجح ذلك القرطبى والنووى. (٥) حتى ولو قيل بأن الواقعتين مختلفتان، فى حديثى ابن عباس وجابر رضى الله عنهم، كما

стр. 851

مال إلى ذلك ابن حجر، فإن خير ما يفسر به الحديث هو الحديث، فقد ورد فى حديث جابر -رضى الله عنه- بيان الحكمة من فعله بغرز الجريد على القبرين، وهى أن حصول التخفيف عن المعذبيَن إنما حصل شفاعة النبي ﷺ ما دام الغصنان رطبين. قال القاضى عياض: وقوله ﵇: " فأحببت بشفاعتى أن يرفه عنهما ما دام الغصنان رطبين " يفسر مشكل قوله فى الحديث الآخر: " لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا "، وأن ذلك بدعوته لهما بذلك، .... فإن كانت القصة واحدة -أى في حديثى ابن عباس وجابر- فقد بيَّن أنه ﷺ دعا لهما وشفع، وإن كانت قصة أخرى فيكون المعنى فيهما واحداً، والله أعلم. (١) قال الخطابي: وأما غرسه ﷺ شق العسيب على القبر وقوله: (ولعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) فإنه من ناحية التبرك بأثر النبي ﷺ ودعائه بالتخفيف عنهما، وكأنه ﷺ جعل مدة بقاء النداوة فيهما حداً لما وقعت به المسألة من تخفيف العذاب عنها، وليس ذلك من أجل أن في الجريد الرطب معنىً ليس في اليابس، والعامة في كثير من البلدان تفرش الخوص في قبور موتاهم وأراهم ذهبوا إلى هذا وليس لما تعاطوه من ذلك وجه، والله أعلم. (٢)

стр. 852

وقال ابن الحاج: فالجواب عن قوله ﵊ (لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) راجع إلى بركة ما وقع من لمسه ﵊ لتلك الجريدة، وقد نص على ذلك الإمام الطرطوشي ﵀ في كتاب " سراج الملوك " له، لما ذكر هذا الحديث فقال عقبه: وذلك لبركة يده ﵊. وما نقل عن واحد من الصحابة فلم يصحبه عمل باقيهم ﵃؛ إذ لو فهموا ذلك لبادروا بأجمعهم إليه، ولكان يقتضي أن يكون الدفن في البساتين مستحباً. (١) * وكذا يقال: أن فعل النبي ﵊ بغرزه للجريد على القبرين قد انبنى على علم منه بوحى أن صاحبيهما يعذبان، فيقال لمن فعل مثل هذا الفعل بغرز الجريد أو زرعه على القبر، هل أنت على علم بوقوع العذاب على صاحب القبر؟!! وقد أورد ابن حجر رداً على هذا الجواب فقال: لا يلزم من كوننا لا نعلم أيعذب أم لا أن لا نتسبب له في أمر يخفف عنه العذاب أن لو عذِّب، كما لا يمنع كوننا لا ندري أرحم أم لا أن لا ندعو له بالرحمة. (٢) ولكن يناقش هذا: بأن الرسول ﷺ -لم يفعل ذلك إلا فى قبور مخصوصة قد أطلعه الله -تعالى- على تعذيب أهلها، ولو كان ذلك مشروعاً لفعله فى كل القبور، فلما لم يفعل ذلك إلا فى قبور علم تعذيب أهلها دل ذلك على أن سائر القبور ليس لها ذلك الحكم. (٣) * فإن قيل: قد ذكر البخاري تحت باب الجريد على القبر (٢/ ٩٥): " وأوصى

стр. 853

بريدة الأسلمي أن يجعل في قبره جريدان " (١) * فجوابه: أن هذا الفعل ورد على خلاف ما فهمه عامة الصحابة -رضى الله عنهم- والسلف الصالح، إذ أنهم لو فهموا من النص العموم لعملوا بمقتضاه، ولوضعوا الجريد على القبور. ولو أنهم فعلوا ذلك لاشتهر ذلك عنهم، ثم نقله الثقات إلينا. قال ابن الحاج: وما نقل عن واحد من الصحابة فلم يصحبه عمل باقيهم ﵃؛ إذ لو فهموا ذلك لبادروا بأجمعهم إليه، ولكان يقتضي أن يكون الدفن في البساتين مستحباً. (٢) وأما فعل بريدة رضى الله عنه: فيحتمل أن يكون أمر أن يجعل في داخل القبر لما في النخلة من البركة؛ لقوله تعالى (كشجرة طيبة) ويحتمل أنه فعله من باب الاقتداء بالنبي ﷺ في وضعه الجريدتين على القبر. ومما يؤيد الأول: أنه أوصى أن يوضع " في قبره "، وهى رواية الأكثرين. (٣) * تنبيه: قد انبنى على القول بأن وضع الجريد إنما كان لتسبيحه حال رطوبته القول باستحباب تلاوة قراءة القرآن عند القبر؛ لأنه إذا كان يرجى التخفيف بتسبيح الجريد، فتلاوة القرآن من باب أولى!! (٤) والراجح -والله أعلم- المنع من ذلك، وهو مَذهَب المالِكيَّة وقَوْلُ أبي حنيفة، وهى أصح الروايتين عن أحمد، واختيارُ أبي العباس ابنِ تيمِيَّة. (٥)

стр. 854

*ويدل هلى المنع عدة أمور: ١ - قد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان ﵊ بعد الدفن يقف ويقول: «استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل». ولو كانت القراءة عند القبر خيراً وشرعاً لأمر بها النبي ﷺ حتى تعلم الأمة ذلك. ٢ - كان النبي ﷺ يزور القبور، ويدعو للأموات بأدعية علمها أصحابه رضى الله عنه، وتعلموها منه، من ذلك: ... (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية). ولم يثبت عنه ﷺ أنه قرأ سورة من القرآن أو آيات منه للأموات مع كثرة زيارته لقبورهم، ولو كان ذلك مشروعاً لفعله، وبينه لأصحابه؛ رغبةً في الثواب، ورحمةً بالأمة، وأداءً لواجب البلاغ، فإنه كما وصفه تعالى بقوله: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة/١٢٨). فعدم الفعل مع وجود المقتضى وانتفاء الموانع فيه دلالة على عدم المشروعية. (١)

стр. 855

٣ - روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان ليفر من البيت يقرأ فيه البقرة" فلولا أن المقبرة لا يقرأ فيها لم يشبه البيت الذي لا يقرأ فيه بالمقبرة. قال أبو العباس ابن تيمية: نقل الجماعة عن أحمد كراهة القرآن على القبور، وهو قول جمهور السلف، ولم يقل أحد من العلماء المعتبرين: إن القراءة عند القبر أفضل، واتخاذ المصاحف عند القبر بدعة، ولو للقراءة ولو نفع الميت لفعله السلف. (١) تم بحمد الله.

стр. 856

الحديث الحادي والثلاثون: بلوغ الرُّبَى شرح حديث ضحك النبي تعجبا

стр. 857

*نص حديث الباب: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رضى الله عنه - قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَوْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ إِنَّ اللهَ - تَعَالَى - يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ، فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمَلِكُ. قال ابن مسعود: فَلَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَضْحَكُ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ »: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] إِلَى قَوْلِهِ ﴿يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] - تخريج الحديث: أخرجه البخارى (٤٨١١)، باب قوله: ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ [الأنعام: ٩١] ومسلم (٢٧٨٦) كتاب صفة القيامة والجنة والنار. . * أهم الفوائد المستنبطة من حديث الباب: قد دل حديث الباب على إثبات صفة من صفات الله - تعالى - الخبرية، وهى صفة الأصابع، فهى صفة ثابته بالسنة وإجماع الأمة، على ما يليق بالله -عزوجل- من غير تمثيل ولا تعطيل ولا تكييف ولا تفويض. - ووجه الشاهد من حديث الباب: فى قول ابن مسعود رضى الله عنه: " فَلَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَضْحَكُ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ " - ووجه الدلالة: قد روت عَائِشَةَ ﵂ أن رَسُول اللَّهِ ﷺ مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي

стр. 858

شَيْءٍ قَطُّ، إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ بِهَا لِلَّهِ، فلما بيَّن ابن مسعود -رضى الله عنه- أنه ﷺ ضْحَك تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا لِقَوْلِ اليهودى كان هذا منه إقراراً بثبوت صفة الأصابع لله تعالى. * ومما يؤيد ثبوت صفة الأصابع لله عزوجل: عن عَبْد اللهِ بْنَ عَمْرِو -رضى الله عنهما- أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ». (١) *وكذلك مما ثبت لله عزوجل فى هذا الباب صفة اليدين: أدلة الكتاب: ١ - قال تعالى (قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ (٧٥)] ص: ٧٥ [ وجه الدلاله من الآية: أضاف الله تعالى صفه اليدين إلى نفسه إضافة صفة إلى موصوف، فدل أنها صفه لله تعالى. ٢ - قال تعالى (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ) (٧١)) (يس/٧١) ٣ - قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)) الفتح/ ١٠) وجه الدلالة من هذه الآيات: أضاف الله - تعالى -صفه اليدين إلى نفسه إضافة صفة إلى موصوف، فدل أنها صفه لله تعالى. وقال تعالى) وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ قال) (المائدة /٦٤) وجه الدلالة: أن الله - تعالى - قد أنكر على اليهود زعمهم بأن يده مغلولة، ولم ينكر عليهم إثباتهم لأصل صفة اليد لله عزوجل. *أما أدلة السنة: فقد بلغت بعض الأحاديث درجة التواتر المعنوي في إثبات صفة اليدين.

стр. 859

١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رضى الله عنهما- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَرَأَ هَذِهِ - الْآيَةَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى الْمِنْبَرِ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ هَكَذَا بِيَدِهِ، وَيُحَرِّكُهَا، يُقْبِلُ بِهَا وَيُدْبِرُ: " يُمَجِّدُ الرَّبُّ نَفْسَهُ: أَنَا الْجَبَّارُ، أَنَا الْمُتَكَبِّرُ، أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْعَزِيزُ، أَنَا الْكَرِيمُ " فَرَجَفَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ الْمِنْبَرُ حَتَّى قُلْنَا: لَيَخِرَّنَّ بِهِ " (١) ٢ - وعَنْ أَنَسٍ-رضى الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " يَجْمَعُ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيَامَةِ كَذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ، أَمَا تَرَى النَّاسَ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ. (٢) ٣ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -رضى الله عنه- قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «تَكُونُ الأَرْضُ يَوْمَ القِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً، يَتَكَفَّؤُهَا الجَبَّارُ بِيَدِهِ كَمَا يَكْفَأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ، نُزُلًا لِأَهْلِ الجَنَّةِ». (٣) ٤ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: " يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالخَيْرُ فِي يَدَيْكَ. (٤) ٥ - وقد روى أصحاب الصحيح أن رَسُول اللَّهِ ﷺ كثيراً ما كان يقسم بقوله " " «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ". * الإجماع: قال أبو بكر الإسماعيلي: اعلموا - رحمكم الله - أن مذاهب أهل الحديث... يعتقدون بأن الله مدعو بأسمائه الحسنى، وموصوف بصفاته التي وصف بها نفسه، ووصفه بها نبيه، خلق آدم بيديه، ويداه مبسوطتان، بلا اعتقاد كيف. (٥)

стр. 860

وممن نقل الإجماع على ذلك: أبو العباس ابن تيمية وأبو الحسن الأشعرى وأبو العباس ابن سريج والآجري والسجزى. (١) * معتقد أهل السنة والجماعة بأن لله-تعالى- يدين اثنتين: قال أبو الحسن الأشعري: وأجمعوا على أنه يسمع ويرى، وأنَّ له تعالى يدين مبسوطتين. وممن نقل هذا الإجماع: أبو زيد القيرواني وابن القطان. (٢) * ومما ثبت لله -تعالى- فى هذا الباب: إثبات الأنامل: عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -رضى الله عنه - قَالَ: أن رَسُول اللَّهِ ﷺ قال: نَعَسْتُ فِي صَلَاتِي فَاسْتَثْقَلْتُ، فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي ﵎ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي رَبِّ، قَالَهَا ثَلَاثًا " قَالَ: " فَرَأَيْتُهُ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ، فَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ وَعَرَفْتُ. (٣) قال ابن منده: روي هذا الحديث عن عشرة من أصحاب النبي ﷺ ، ونقلها عنهم أئمة البلاد، من أهل الشرق والغرب. (٤) * ومما ثبت لله -تعالى- فى هذا الباب: إثبات الكف لله عزوجل: عن أبى هُرَيْرَة -رضى الله عنه - قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً، فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ

стр. 861

الْجَبَلِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ ". (١) * ومما ثبت لله -تعالى- فى هذا الباب: إثبات اليمين لله عزوجل: قال تعالى (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)) (الزمر/٦٧) عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ-رضى الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَطْوِي اللهُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ. ثُمَّ يَطْوِي الْأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ ". (٢) *سؤال: هل لله - تعالى- شمال؟ الجواب: روى عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ -رضى الله عنهما - أن النبى ﷺ قال: " يَطْوِي اللهُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ. ثُمَّ يَطْوِي الْأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ " (٣) * وذهب فريق من العلماء إلى عدم جواز إطلاق لفظة "الشمال" فى حق الله، ومن هؤلاء: ابن خزيمة والخطابى والبيهقى، وذهبوا إلى تضعيف لفظة " الشمال " من ناحية السند والمتن. (٤) أ) من ناحية السند: أن ذكر الشمال قد تفرد به عمر بن حمزة عن سالم، وقد روى هذا الحديث نافع وعبيد الله بن مقسم عن ابن عمر، لم يذكرا فيه الشمال،

стр. 862

ورواه أبو هريرة ﵁ وغيره عن النبي ﷺ فلم يذكر فيه أحد منهم الشمال، ب) من ناحية المتن: أنه قد صح عن النبي ﷺ أنه قال: " وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ " (١) وممن نص على ذلك ابن خزيمة فى كتاب التوحيد (ص/٦٦) * والراجح -والله أعلم - هو إثبات لفظة "الشمال "، وهو قول ابن جرير والدارمى وأبى يعلى؛ وذلك لورود ذلك فى الصحيح. (٢) * ومما يؤيد ذلك: ما ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ-رضى الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وَقَالَ: عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَبِيَدِهِ الأُخْرَى المِيزَانُ، يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ " (٣) فقوله: " وَبِيَدِهِ الأُخْرَى"، بعد أن ذكر اليمين يدل على أنها الأخرى ليست يميناً من ناحية الإسم. *وأما ما ورد من قوله ﷺ : "كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ ": فالمراد به أن يديه الثنتين من حيث الوصف، لا من حيث الاسم، فهما من حيث الوصف يمين مباركة، فيهما بركة فى العطاء والإنفاق والجود والسخاء، فلا نقص قد يتوهم فى شماله -عزوجل- كما هو حاصل في شمائل البشر. ولذا فجاء النص بقوله ﷺ : " كلتا يديه يمين "؛ لئلا يتوهم نقص في صفة الله تعالى، فإن الشمال في حقنا أضعف من اليمين وأنقص. *يؤيده: ما ورد عن أَبِي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ.... ، فَقَالَ اللَّهُ لَهُ وَيَدَاهُ مَقْبُوضَتَانِ: اخْتَرْ أَيَّهُمَا شِئْتَ، قَالَ: اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي وَكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ مُبَارَكَةٌ ". (٤)

стр. 863

فقوله: " وَكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ مُبَارَكَةٌ ": يدل على أن تسمية اليدين باليمين متعلق بحصول البركة والخير فى كليهما. ... وقد كانت العرب تحب التيامن، وتكره التياسر، لما في اليمين من التمام، وفي اليسار من النقص ولذلك قالوا: "اليمن والشؤم". فإذا كانت اليدان يمينين، كان العطاء بهما، أي تصب العطاء ولا ينقصها ذلك. ووصف اليدين بأن كلتيهما يمين لا يعني عند العرب أن الأخرى ليست يساراً، بل قد يوصف الإنسان بأن يديه كلتيهما يمين، كما قال المرَّار: وإِنَّ عَلَى الأمانَةِ مِنْ عَقِيلٍ... فَتىً كِلْتَا اليدَيْنِ لَهُ يَمِينَ. (١) ولا يعني أن لا شمال له، بل هو من كرمه وعطائه شماله كيَمِينه. قال أبو العباس ابن تيمية: قال غير واحد من العلماء لما كانت صفات المخلوقين متضمنة للنقص فكانت يسار أحدهم ناقصة في القوة ناقصة في الفعل بيَّن النبي ﷺ أن كلتا يمين الرب مباركة ليس فيها نقص ولا عيب بوجه من الوجوه، كما في صفات المخلوقين، مع أن اليمين أفضلهما. (٢) وقال الشيخ محمد خليل هرَّاس: يظهر أنَّ المنع من إطلاق اليسار على الله إنما هو على جهة التأدب فقط؛ فإنَّ إثبات اليَمِين وإسناد بعض الشؤون إليها كما في قوله تعالى: وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ، وكما في قوله ﵇: " إنَّ يَمِين الله ملأى سحاء الليل والنهار"، يدل على أنَّ اليد الأخرى المقابلة لها ليست يَمِيناً. (٣) * تنبيه مهم: قول ابن خزيمة: ولا يسار لخالقنا ، إذ اليسار من صفة المخلوقين، فجل ربنا عن أن يكون له يسار! (٤) نقول: والتعليل بهذا فيه نظر؛ إذ أننا لو طردنا مثل هذه القاعدة فى صفات الله -عزوجل -

стр. 864

لاستوجب ذلك نفى صفات: " العين والوجه والساق واليد.. " بدعوى أنها من صفات المخلوقين، ولكنَّ مدار الإثبات والنفى لا يقوم على مثل هذا التعليل، وإنما مداره على ثبوت الدليل، فإذا ثبت الدليل فى صفة ما توهم تشبيهاً فالقول بها فرضٌ مُحتَّم، ثم بعد ذلك يلزم الرجوع إلى قبلة هذا الباب التى ورد بها محكم التنزيل فى قوله تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)) (الشورى/١١) * المخالفون لأهل السنة والجماعة في إثبات صفة اليدين: قد خالف المعتزلة وكثير من الأشعرية والماتريدية أهل السنة فى إثبات صفة اليد لله عزوجل، فقالوا: إن اليد بمعنى القدرة، وأحياناً يفسرونها بمعنى النعمة!! وقد نص على ذلك القاضى عبد الجبار، ونص التلمسانى على أن أكثر أئمة الأشعرية على تفسير اليدين بالقدرة. (١) ومنهم من أوَّل اليدين على أنهما القدرة والنعمة، كما هو قول الرازى، بل ومن غرائب التأويلات ما ذهب إليه السنوسي فى تفسير قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فجعل المراد بالتثنية فى الأية هى القدرة والنعمة، وأن إبليس قد خُلق بيد القدرة، دون يد النعمة!! (٢) ولم يقف الأمرعند ذلك، بل قام الأشاعرة ومن على نحلتهم يرمون المثبتين لها من أهل السنة بأنهم حشوية مجسمة، كما نص على ذلك البيجورى وغيره!! يقول ابن جزى: وورد في القرآن والحديث ألفاظ يوهم ظاهرها التشبيه، كقوله

стр. 865

تعالى (بل يداه مبسوطتان) فحملها قوم على ظاهرها فلزمهم التجسيم، ويعزى ذلك إلى الحنبلية وبعض المحدثين!! (١) * وقد دلل الأشاعرة على ما ذهبوا إليه من تأويلاتهم بما يلى: أ- قالوا اليد هى القدرة: فالعرب تقول " ما لي بهذا الأمر من يد "، أي من قوة وطاقة، قال تعالى " (أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) [البقرة: ٢٣٧]، وقال تعالى عن أنبيائه (أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥)) [ص: ٤٥] ب) وقالوا اليد هى النعمة: فالعرب تقول: " لفلان عندي يد أشكره عليها " أى نعمة، و يقال " أيادي فلان في حق فلان ظاهرة " والمراد النعم. (٢) * الرد على المخالف: فأما الأشاعرة فقد خالفوا فيما ذهبوا إليه الكتاب والسنة وإجماع الأمة. بل قد خالفوا أئمتهم من كبار الأشاعرة الذين أثبتوا الصفات الخبرية لله عزوجل، ومنها اليد لله عزوجل. قال الباقلانى: وقد بيَّنا دين الأئمة وأهل السنة أن هذه الصفات تمر كما جاءت بغير تكييف ولا تحديد ولا تجنيس ولا تصوير، كما روي عن الزهري وعن مالك في الاستواء، فمن تجاوز هذا فقد تعدى وابتدع وضل. (٣)

стр. 866

وكذلك قد حكى التلمسانى في بغية الطالب (ص/٢٧٨) القول بإثبات صفة اليد عن ابن كلاب والقلانسي والجويني. قال أبو المعالي: ذهب بعض أئمتنا إلى أن اليد والعين والوجه صفات ثابتة للرب، والسبيل إلى إثباتها السمع دون قضية العقل. (١) *أما دعوى أن المراد باليد هى القدرة فمردود من أوجه: ١ - الوجه الأول: قال تعالى (يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) [ص: الأية ٧٥] قد دل على تشريف وتكريم خُص به آدم ﵇ دون غيره، وهذا التشريف لا يحصل إلا إذا كان قد خُلق بيد الله -تعالى- التى هى صفة من صفاته؛ إذ لو كانت اليد هى القدرة: أ- لما تحقق هذا التكريم والتشريف لآدم ﵇؛ إذ أن الجميع مخلوق بقدرته تعالى. ب- ولكانت الحجة لإبليس على ربه عزوجل؛ إذ أنه مخلوق بقدرة الله عزوجل، فلما حاد إبليس عن هذا الطريق إلى قوله (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ)، دل ذلك أنه فهم أن آدم ﵇ قد خُص بما لم يقع لغيره، وهو أنه خُلق بيد الله تعالى. ٢ - الوجه الثانى: ما ورد عن أَبِي هُرَيْرَةَ-رضى الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وَقَالَ: عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَبِيَدِهِ الأُخْرَى المِيزَانُ، يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ " (٢) وفي هذا الحديث: إبطال لكل تأويل قيل في يد الله ﵎؛ لأنه ذكر اليمين

стр. 867

وأنها ملأى لا يغيضها نفقة، ثم ذكر اليد الأخرى. فهل يقال: قدرته الأخرى أو قوته الأخرى؟!! (١) فإن قيل: إنما أضيف ذلك إلى آدم ليوجب له تشريفا وتعظيما على إبليس، ومجرد النسبة في ذلك كاف في التشريف، كناقة الله، وبيت الله، فهذا كاف في التشريف، وإن كانت النوق والبيوت كلها لله؟ فالرد على ذلك: التشريف بالنسبة إذا تجردت عن إضافة إلى صفة اقتضى مجرد التشريف، فأما النسبة إذا اقترنت بذكر صفة أوجب ذلك إثبات الصفة التي لولاها ما تمت النسبة، فإن قولنا: خلق الله الخلق بقدرته، لمَّا نُسب الفعل إلى تعلقه بصفة الله اقتضى ذلك إثبات الصفة، فكذلك هنا لما كان ذكر التخصيص مضافاً إلى صفة وجب إثبات تلك الصفة على وجه يليق بجلال الله وعظمته. (٢) ٣ - الوجه الثالث: لما أسندت بعض الأعمال إلى يد الله -عزوجل- على سبيل التشريف، كما فى قول موسى لآدم (خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ)، وقول آدم لموسى (كَتَبَ لَكَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ) دل ذلك على أنها يد حقيقية، فلو كانت اليد هى القدرة لم يكن لذكر هذه الفضائل فائدة؛ إذ أن كل شيء واقع ومتحقق بقدرة الله تعالى (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). *أما دعوى أن المراد باليد هى النعمة، فيقال: قد قَالَ تعالى (يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) (ص/٧٥)، فقد وردت اليد بصيغة التثنية، فيمتنع أن تكون على معنى النعمة، إذ أن نعم الله لا تحصى بعدد، قال تعالى (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (النحل /١٨) قال الميموني: قال الإمام أحمد: من زعم أن يديه: نعمتاه، كيف يصنع بقوله ﴿خلقت بيدي﴾ [ص: ٧٥]، مشددة؟! (٣)

стр. 868

قال أبو الحسن الأشعرى: وإذا كان الله إنما خاطب العرب بلغتها وما يجري مفهوما في كلامها، ومعقولاً في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان أن يقول القائل: فعلت بيدي، ويعني النعمة؛ بطل أن يكون معنى قوله تعالى: (بيدي) النعمة. (١) قال أبو العباس ابن تيمية: فقوله: ﴿لما خلقت بيديَّ﴾ لا يجوز أن يراد به القدرة؛ لأن القدرة صفة واحدة ولا يجوز أن يعبر بالاثنين عن الواحد. ولا يجوز أن يراد به النعمة لأن نعم الله لا تحصى؛ فلا يجوز أن يعبر عن النعم التي لا تحصى بصيغة التثنية. (٢) *فإن قلتم: قد ورد فى لغة العرب استعمال اليد بمعنى النعمة، كما فى قول عروة بن مسعود لأبي بكر-﵁ في يوم الحديبية: " أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا يَدٌ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ بِهَا لَأَجَبْتُكَ " فجوابه من وجوه: ١ - نعم تستعمل اليد فى لغة العرب على معنى " النعمة"، وهذا من باب السَّببيَّة: وهي كون الشيء المنقول عنه سببًا، ومؤثرًا في غيره؛، فالمرء إنما يعطى الخير ويبذل العطاء بيده، ولكن لا يتصور إطلاق اليد ويراد بها النعمة إلا لمن كانت له يد على الحقيقة، كما أنه غير متصور أن يقال لشخص: " اجعلنى بعينك "، ويقصد اجعلنى برعايتك، إلا إذا كان هذا الشخص ذا عينين حقيقيتين. ٢ - ما ورد من متعلقات ذكر اليد فى حق الله تعالى، من ذكر القبض والبسط والهز والأصابع والأنامل والكف، فمثل هذا لايكون إلا ليد على الحقيقة، على ما يليق به سبحانه.

стр. 869

قال عثمان بن سعيد الدارمي: قد علمتَ أيها المريسي أن هذه تفاسير مقلوبة، خارجة من كل معقول لا يقبله إلا كل جهول. فإذا ادعيت أن اليد عرفت في كلام العرب أنها نعمة، وقوة، قلنا لك: أجل، ولسنا بتفسيرها منك أجهل، غير أن تفسير ذلك يستبين في سياقة كلام المتكلم حتى لا يحتاج له من مثلك إلى تفسير.... (١) *فترتب على ذلك: أن القول بتأويل اليدين بالقدرتين أو النعمتين غير جائز، لأن التثنية في ﴿بِيَدَيّ﴾ يبطل القول بالتأويل؛ لأن التشديد تحقيق في التثنية، وتخصيص التثنية في نعم الله وقدرته ليس له معنى يصح، لأن قدرة الله واحدة لا حدود لها، ونعمه كثيرة لا تحصى، فلا يصح تأويل ﴿بِيَدَيّ﴾ بقدرتي أو بنعمتي، لعدم جواز انحصار قدرة الله ونعمه في عدد. * كذلك مما يرد تأويل اليدين على معنى القدرة والنعمة: ١ - قوله تعالى عن آدم ﵇ لمَّا ذكر خلقه (قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إذا أضاف الفعل إلى الفاعل، وعدِّى الفعل إلى اليد بحرف الباء، كقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فإنه نص في أنه فعل الفعل بيديه؛ ولهذا لا يجوز لمن تكلم أو مشى أن يقال: فعلت هذا بيديك، ويقال: هذا فعلته يداك؛ لأن مجرد قوله: فعلت، كافٍ في الإضافة إلى الفاعل، فلو لم يرد أنه فعله باليد حقيقة كان ذلك زيادة محضة من غير فائدة، ولست تجد في كلام العرب ولا العجم إن شاء الله تعالى أن فصيحًا يقول: فعلت هذا بيدي، أو فلان فعل هذا بيديه، إلا ويكون فعله بيديه حقيقة، ولا يجوز أن يكون لا يد له، أو أن يكون له يد والفعل وقع بغيرها. (٢)

стр. 870

٢ - ما ورد فى قول ابن عمر رضى الله عنهما- لما قرأ النبى ﷺ (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ)، قال ابن عمر: " وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ هَكَذَا بِيَدِهِ، وَيُحَرِّكُهَا، يُقْبِلُ بِهَا وَيُدْبِرُ "، وفى رواية "ويقبض أصابعه ويبسطها ": فقد أشار النبي ﷺ بيده قبضاً وبسطاً، والقدرة لا تقبض ولا تبسط، وكذا يقال فى النعمة. فإشارته ﷺ أفادت تحقيق الصفة المذكورة، ودلت على أن يده صفة له على الحقيقة، على ما يليق به، دون أن يوجب ذلك لأصحابه -رضى الله عنهم- شبهة التمثيل. قال ابن القيم: ورد لفظ اليد في القرآن والسنة وكلام الصحابة والتابعين في أكثر من مائة موضع مقروناً بما يدل على أنها يد حقيقية، من الإمساك والطي والقبض والبسط، والخلق باليدين وكتب التوراة بيده وغرس جنة عدن بيده، وكون المقسطين عن يمينه. (١) * وأما قولهم: بالإمساك عن الأحاديث التى نصت على إثبات صفة اليدين، مع الإيمان بها، واعتقاد أن الظاهر منها غير مراد!! (٢) فجوابه: نعم، يؤمن أهل السنة بصفات الله تعالى، وأما القول بأن الظاهر منها غير المراد ففيه تفصيل: أ) فإن كان المقصود بالظاهر هنا هو إثبات الصفة على ما يليق بالله تعالى، فهذا القول - الذى هو أن الظاهر منها غير المراد - مخالف للكتاب والسنة وإجماع الأمة؛ فقد دلت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة على إثبات صفة اليدين لله تعالى، وأن ظاهرها مراد.

стр. 871

ب) وإن كان المقصود بالظاهر هنا ما قد يفهم من إثبات الصفات لله -عزوجل- على نحو المشابهة لصفات المخلوقين فلا شك أننا ننفى ونرد هذا الظاهر، مع إثبات أصل الصفة لله -تعالى-على ما يليق به، فلا يحملنا هذا الظاهر الفاسد على نفى الصفات، كما هى طريقة النفاة. (١) * وأما قولكم: " واعتقاد أن الظاهر منها غير مراد "!! فهذا مما يخالف إجماع الأمة قال شيخ الإسلام ابن تيمية: بلغك أن في كتاب الله أو في سنة رسول الله ﷺ ، أو عن أحد من أئمة المسلمين: أنهم قالوا: المراد باليد خلاف ظاهره، أو الظاهر غير مراد. (٢) قال الذهبي: المتأخرون من أهل النظر قالوا مقالة مولَّدة، ما علمت أحداً سبقهم بها. قالوا: هذه الصفات تمر كما جاءت ولا تؤول، مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد. (٣) لقد كان السلف يعلمون معاني الصفات، ويفرِّقون بينها، بحسب ما دلت عليه مما تعرفه العرب في لسانها، فالعلم غير الحياة، والإتيان غير الإستواء على العرش، واليد غير الوجه، وهكذا سائر الصفات، فمعاني الصفات معلومة من لسان العرب ولغتها، كما هو متواتر النقل عن الإمام مالك وغيره. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولو كانوا يؤمنون باللفظ المجرّد من غير فهم لمعناه لما قالوا: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول. (٤)

стр. 872

وقد خاطبنا الله - تعالى - بلسان عربي مبين وبما نفهمه ونعقل معناه. والأصل في الكلام أن يجري على ظاهره، فنحن نعلم معاني صفات الرب سبحانه، ولا نعلم كيفيتها ونقطع بأنها لا تماثل صفات المخلوقين، ولم يزل الأئمة يذكرون كلمة الإمام مالك، والتى تقال فى كل صفة من صفات الله عزوجل: فمعانيها غير مجهولة، وكيفيتها غير معقولة، والإيمان بها واجب، والسؤال عنها بدعة. فهذا هو منهج أهل السنة في صفات الباري تعالى. والله أعلم. *وكذا يقال هنا: أن القول بحمل الأيات التى أثبتت صفة اليدين لله - تعالى- على المجاز، فهذا وإن استقام مع ظاهر الأدلة التى أثبتت اليد، فكيف يستقيم ذلك مع الأدلة الأخرى التى ذكرت متعلقات هذه اليد من ذكر البسط بها والقبض و الهز، كما هو وارد فى حديث الباب، وكذلك ذكر الأصابع والأنامل والكف واليمين والشمال؟!! فكل ذلك لا يكون إلا ليد حقيقية لله -عزوجل- على ما يليق بجلاله وعظمته. * وأما تأويلهم صفة الأصابع: أنها " النعمة "؛ استناداً إلى قول الرَّاعِي يَصِفُ رَاعِيًا: ضَعِيفُ العَصَا بادِي العُرُوقِ تَرَى لَه... عَلَيْهَا إِذا مَا أجْدَبَ الناسُ إصْبَعاً والاصبع الأثر الحسن، يقال للراعي الحسن الرعية للإبل الجميل الأثر فيها: إن له عليها إصبعاً. (١) * فجوابه: قد روى أَنَس -رضى الله عنه - أن رَسُول اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: "يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ"، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: "نَعَمْ، إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ ". (٢) فلو كانت الأصابع هى النعمة، لكان قلب المؤمن بين نعمتين من نعم الله، ولكان

стр. 873

القلب محفوظاً بتينك النعمتين، فلأي شيء دعا بالتثبيت؟! (١) * ومما يؤيده أنها أصابع على الحقيقة: ما روى جَابِر- ﵁ قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : : «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يَقُولُ بِهِ هَكَذَا» (٢) وفى رواية ابن منده قال: وصف سفيان الثوري بالسبابة والوسطى فحركهما، وهذا حديث ثابت باتفاق. (٣) *قلت: فى إشارة النبي ﷺ حال ذكره للأصابع دلالة على أنها صفة لله على الحقيقة، على ما يليق به سبحانه، فتصان الأذهان عن الخيالات الباطلة، وتقف الأفكار عن الظنون العاطلة. (٤) ولذا تراهم لما عجزوا عن توجيه حديث (يحمل الأرض على إصبع، وكذا على إصبع) على ما يوافق تأويلهم؛ لأن الإصبع هنا لا يستقيم أن يكون بمعنى النعمة، فقد عمدوا إلى إنكار الحديث. * وأما رمى المخالفين لأهل السنة المثبتين للصفات بأنهم حشوية مجسمة!! (٥) فجوابه: كما قال ابن القيم: كم ذَا توسلتم بِلَفْظ الْجِسْم والتـ؛؛؛ جسيم للتعطيل والكفران

стр. 874

وجعلتموه الترس ان قُلْنَا لكم؛؛؛؛ ... الله فَوق الْعَرْش والأكوان. قال خليل هرَّاس: فلقد كانت شبهة التجسيم من أعظم أسباب الضلال في باب الصفات. فقد جعلها المعطلة عرضة مانعة لهم من القول بالإثبات، ونصبوها صخرة عاتية يحطِّمون عليها صريح الأحاديث ومحكم الأيات، واتخذوا منها ترساً يحتمون به مما يوجه إليهم من طعنات. (١) * ثم يقال لهؤلاء الذين ينفون عن الله -عزوجل - صفة اليد خشية التجسيم والتشبيه: - أى تشبيه يتصور فى يد تطوي السماوات، وتقبض على الأرضين؟!! - أى تشبيه يتصور فى يدٍ ما السماوات السبع والأرضين السبع إليها إلا كخردلة في يد شخص؟!! (٢) * أى تشبيه يتصور فى يد ورد فيها أن الله -عزوجل- يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ؟!! حقاً وصدقاً ويقيناً نقول ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ وهذا يجسِّد لنا جناية أهل التحريف على نصوص الاعتقاد، حينما يلبّسون التحريف ثوب التنزيه، ويُرمون أهل

стр. 875

الإثبات بالتجسيم والتشبيه، فترى عطب الفهم في مسلاخ تأصيل وتأسيس. * ومن شبهاتهم: أن اليدين جوارح وأعضاء، فلو أثبتنا ذلك لله - تعالى - للزم أن يكون متبعضاً متركباً ذا أبعاض وجوارح وأعضاء!! *وجواب ذلك من وجوه: ١ - إذا كانت اليد جزءاً وبعضاً للمخلوق فمثل هذا مما لا يقال فى حق الله عزوجل؛ لأنه سبحانه ليس كمثله شيء، قال تعالى) لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ﴿الشورى: ١١﴾ وقال تعالى: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) ﴿مريم: ٦٥﴾ وقياس صفاته على صفات المخلوق قياس فاسد الاعتبار؛ لأنه قد صادم الكتاب والسنة وإجماع الأمة. ٢ - أن نفى صفة اليد بدعوى أن إثباتها مستلزم للأبعاض والأجزاء فى حق الله - تعالى- هو نفى مبنى على دعوى باطلة؛ لأنه خوض فى تصور كيفية الصفة، والسلف إنما تعاملوا مع نصوص الصفات من ناحية تفسير معانيها، دون الخوض فى كيفيتها، ونصوصهم فى ذلك متكاثرة متواترة. الوليد بن مسلم قال: سئل الأوزاعي ومالك وسفيان الثوري والليث بن سعد عن هذه الأحاديث: فقالوا أمروها كما جاءت بلا كيفية. (١) وقولهم: "أمروها كما جاءت بلا كيف ": إنما هو نفى للعلم بكيفية الصفات، دون نفى حقيقة الصفة. إذن فالكلام فى الكيف على سبيل التفصيل والتوصيف من القول على الله - تعالى - بغير علم. قال أبو العباس ابن تيمية: واعتقاد الفرقة الناجية المنصورة أهل السنة والجماعة: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله محمد ﷺ ، لا يكِّيفون ولا يمثِّلون صفات الله -تعالى- بصفات خلقه؛ لأنه سبحانه لا سميَّ له ولا كفو له ولا ند له،

стр. 876

ولا يقاس بخلقه . (١) *ومن عجيب تأويلهم: ١ - قالوا عَنْ حديث الباب: ليس ضحكه ﷺ وتعجبه وتلاوته للآية تصديقاً لكلام الحبروإقراراً له على إثبات صفة الأصابع لله تعالى، بل هو استخفاف باليهودي وإنكارلما قاله، وتعجب من سوء اعتقاده؛ فإن مذهب اليهود التجسيم، ففهم منه ذلك! (٢) * وجواب ذلك من وجوه: ١ - روي البخاري عن ابن مسعود -رضى الله عنه - أنه قال: «فَلَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَضْحَكُ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ " (٣)، ولا شك أن الراوى أعلم بما روى. وقال ابن أبى عاصم: قلت لأبي الربيع: فضحك تصديقاً؟ قال: نعم. وقال يحيى بن سعيد: وكان فضيل بن عياض يزيد فيه عن منصور: " فضحك رسول الله ﷺ تصديقا لقول الحبر؟ قال: نعم. (٤) ٢ - أن النبي ﷺ إنما ضحك تعجباً، لأن ما قاله اليهودى جاء موافقاً لما هو ثابت فى شريعة الإسلام من إثبات الصفات -ومنها الأصابع- على ما يليق بالله - عزوجل - من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تكييف ولا تفويض. فجاء خبر الحبر دالاً على اتفاق الشرائع المنزلة من عند الله -تعالى- على إثبات الصفات على ظاهرها، على ما يليق بعظمة الله. * وأما ما تأوله المتأولون لهذا النص فهو نتاج ومثال لمن يعتقد ثم يستدل، لذا تجده مضطراً لمثل هذه التأويلات التى يغنى ذكرها عن الرد عليها.

стр. 877

فهى - وللأسف- عقول أنهكها داء عضال وهو أن: " لازم إثبات الصفات مشابهة الخالق للذوات "، فراحت تتبع نصوص الصفات الواضحة للي أعناقها حسب ما جرهم إليه منهج التنزيه القائم على تعطيل ما وصف الله - تعالى- به نفسه. وكم يمتطون مراكب التأويل قاصدين سراب التنزيه، حتى تحط رحالهم فى ظلمات التعطيل (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) * ثم يقال: كان الرسول ﷺ لا يغضب لنفسه قط، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله، فينتقم لله ، فأنَّى له - على ما زعمتم - أن يسمع الباطل ولا يغضب لله عزوجل، وينكر هذا المنكر؟!! * ومن عجيب تأويلهم: ما نص عليه الرازى تأويلاً لقول النبي ﷺ : ... «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ... " قال: ويدل على تأويله وجوه: أنه يلزم أن يكون أصبعاه فى أجوافنا مع أنه على العرش عند المجسمة!! (١) * والرد عليه أن يقال: أولاً: أن أهل السنة فى حلٍ من هذه الإلزامات الباطلة، لأنهم أحسنوا فهم المراد من دلالات النصوص الشرعية، وإنما العيب فيمن كان معطوباً فى فهمه ثم يأتى ليلزم الناس بإلزامات لم يقل بها أنس قبله ولا جآن. قال شارح الطحاوية: ويجب أن يعلم أن المعنى الفاسد الكفري ليس هو ظاهر النص ولا مقتضاه، وأن من فهم ذلك منه فهو لقصور فهمه ونقص علمه. (٢) وكم من عائبٍ قولاً صحيحاً... وآفتهُ مِنْ الفهم السّقيم. ٢ - ثانياً: أن قوله ﷺ : " بين أصبعين " لا يلزم من البينية المماسة، فنظير ذلك قوله تعالى عن السحاب ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، إذاً

стр. 878

السحاب بين السماء والأرض، والسحاب ليس ملاصقاً للسماء وليس ملاصقاً للأرض، ولم يلزم من ذكر البيَّنية أن يكون السحاب مماساً للأرض ولا مماساً للسماء. ويقال: بدر بين مكة والمدينة رغم تباعد ما بينها وبينهما، وإذا كان هذا واقعاً فى شأن المخلوقات دون أن يستلزم مماسة، فكيف فى شأن الخالق عزوجل؟؟!! فقلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن حقيقة، ولا يلزم من ذلك مماسة ولا حلول. تم بحمد الله.

стр. 879

الحديث الثانى والثلاثون: فتح الأعز الأكرم شرح حديث أي الذنب أعظم

стр. 880

*نص حديث الباب: عن عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ -رضى الله عنه- قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا، وَهُوَ خَلَقَكَ»، قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ» *تخريح الحديث: أخرجه البخارى (٤٤٧٧) كتاب تفسير القرآن، بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] ومسلم (٨٦) كتاب الإيمان، باب كون الشرك أقبح الذنوب، وبيان أعظمها بعده. (أن تجعل لله ندًا وهو خلقك). * أهم الفوائد المستنبطة من حديث الباب: ١ - الفائدة الأولى: من أتى خلاف المعهود تجاوزت عاقبته الحدود: والمعنى: أن المرء إذا ما أتى خلاف ما يُعهد من حاله، سواء أكان ذلك بالخير أو بالسوء، فإن عاقبته تكون عظيمة، فإن كان فعله هذا فى باب الطاعات كان أجره عظيماً، وإن كان فعله هذا فى باب السيئات كان وزره عظيماً، وهذا مما يُستقرأ من أدلة الشرع، ولهذا أمثلة كثيرة، نذكرمنها ما يلى: ١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ" (١) فكل واحد منهم التزم المعصية المذكورة مع بعدها منه، وعدم ضرورته
следующие страницы →