← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1933

أحكام المجاهد بالنفس في سبيل الله عز وجل في الفقه الإسلامي

مرعي الشهري

Полный текст (646 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أ- أنه يحتمل أن يكون السؤال والجواب عن لبس الخف مع مراعاة التوقيت (١) . ب- أنه قد روي عن عمر ﵁ التوقيت، فإما أن يكون رجع إليه حين جاءه التثبت عن النبي ﷺ في التوقيت، وإما أن يكون قوله: أصبت السنة، هو الموافق للسنة المشهورة في التوقيت (٢) . الترجيح الذي يظهر بعد عرض الأدلة والمناقشة، أن الراجح قول الجمهور في توقيت المسح على الخفين بثلاثة أيام ولياليها للمسافر، ويوم وليلة للمقيم، لقوة ما استدلوا به من الأحاديث الصحيحة وضعف أدلة عدم التوقيت. لكن إذا كان يلحق المجاهد ضرر بخلع الخف بعد مضي الوقت المحدد، كالخوف على نفسه من العدو، أو خوف فوات العدو، فإنه يجوز له أن يمسح على الخفين بعد مضي المدة للضرورة. وهذا ما أفتى به ابن تيمية ﵀: جاء في الفتاوى ما ملخصه: لو خاف الضرر من برد شديد، أو فوات الرفقة، أو خوف العدو متى خلع خفه بعد مضي الوقت، فإنه يمسح عليها للضرورة (٣) والله أعلم.

стр. 107

المطلب الثاني المسح على الجبيرة (١) سبق في المبحث الأول من هذا الفصل الحديث عن طهارة المجاهد بالماء وهو جريح وذكرنا أن له حالتين: الأولى: أن تكون جراحه مكشوفة، وقد فصلنا القول في هذه الحالة (٢) وبقي الحديث عن الحالة الثانية، وهي: أن تكون الجراح أو الكسور مستورة بجبائر، أو لصق أو عصابة، ونحو ذلك مما هو معروف الآن، كالجبس. والحديث عن هذه الحالة في فرعين: الفرع الأول: مشروعية المسح على الجبيرة. الفرع الثاني: كيفية المسح على الجبيرة.

стр. 108

الفرع الأول مشروعية المسح على الجبيرة اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في مشروعية المسح على الجبيرة بالماء إلى قولين: القول الأول: يشرع المسح على الجبيرة بالماء سواء كانت في أعضاء الوضوء، أو في سائر البدن في الحدث الأكبر، للمجاهد في سبيل الله وغيره، وبهذا قال الجمهور من الفقهاء (١) . وشرطوا: أن يكون في نزع الجبائر عن الجراح أو الكسور ضرر عليه، فإن لم يكن في نزعها ضرر، فلا يجوز المسح عليها (٢) . واستدل الجمهور بما يلي: ١- عن جابر ﵁ قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم فسأله أصحابه قال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك فقال: (قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العيّ السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده) (٣) .

стр. 109

٢- ما روي عن علي ﵁ قال: كسر زندي يوم أحد.. فقلت: يا رسول الله ما أصنع في الجبائر، فقال: (امسح عليها) (١) . وجه الدلالة: أنه إذا شرع المسح على الجبائر عند كسر الزند، فيلحق به ما كان في معناه من الجروح والقروح. ونوقش هذا الحديث: بأنه ضعيف (٢) . ويمكن الجواب عنه: بأن حديث علي ﵁ وإن كان ضعيفا، فإنه يعضد له حديث جابر ﵁ في صاحب الشجة، أنه يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها. ٣- عن ابن عمر ﵄ أنه توضأ وكفه معصوب فمسح على العصائب وغسل سوى ذلك (٣) .

стр. 110

ونوقش هذا: بأنه فعل من ابن عمر وليس إجابا للمسح (١) . ويمكن الجواب عنه: بأن ابن عمر ﵁ من أشد الصحابة التزاما بسنة النبي ﷺ ولأن الحاجة تدعو إلى المسح على الجبيرة، واستدامة لبسها للخوف على العضو المجروح يمنع من وصول الماء إليه (٢) . القول الثاني: لا يجوز المسح على الجبائر بالماء. وهو قول: الحناطي (٣) من الشافعية قال: يتيمم ولا يمسح على الجبيرة بالماء (٤) وقول ابن حزم (٥) . واستدل أصحاب هذا القول بما يلي: أنه لم يأت قرآن ولا سنة ثابتة بجواز المسح على الجبيرة فيسقط المسح (٦) . ويمكن الجواب عنه: بأن السنة جاءت بجواز المسح على الجبائر، كما في حديث صاحب الشجة.

стр. 111

٢- قول سعيد بن جبير (١) ﵀ في الجراح: (اغسل ما حوله ولا تقربه الماء) (٢) . ويمكن الجواب عنه: أنه يحتمل أن المراد الجراح المكشوفة إذا كانت تتضرر بالغسل، أو بالمسح بالماء. وبهذا يظهر أن قول الجمهور بجواز المسح على الجبائر هو الراجح، وأن قول ابن حزم في سقوط المسح والتيمم عن العضو الذي عليه جبيرة قول ضعيف، لأن العضو موجود فلا يسقط فرضة. ومن قال: ينتقل صاحب الجبيرة إلى التيمم ويترك المسح بالماء على الجبيرة فيه بعد لأن المسح بالماء أقرب إلى الطهارة بالماء، ولأن التيمم قد يكون في غير محل الجبيرة، ومحل التيمم هو الوجه والكفين (٣) فالمسح بالماء أولى، والله أعلم.

стр. 112

الفرع الثاني كيفية المسح على الجبيرة وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المسح على جميع أجزاء الجبيرة . المسألة الثانية: الجمع بين المسح على الجبيرة والتيمم. المسألة الأولى المسح على جميع أجزاء الجبيرة إذا تقرر مشروعية المسح على الجبيرة فهل يمسح جميع أجزاء الجبيرة، أم أكثرها أم يكفي مسح بعضها؟ للفقهاء في ذلك ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه يجب استيعاب جميع أجزاء الجبيرة بالمسح قال بهذا المالكية (١) وهو رواية عند الحنفية (٢) وقول الحنابلة (٣) وقول عند الشافعية، قال عنه النووي: أصح الأقوال عند الأصحاب (٤) . واستدلوا بما يلي: ١- أن المسح مبني على الضرورة فتراعي فيه قدر الإمكان (٥) .

стр. 113

٢- أن المسح على الجبيرة ينوب عن غسل العضو المكسور أو المجروح فيلزم استيعاب الجبيرة بالمسح (١) . ٣- أنه لا ضرر في تعميم المسح على الجبيرة (٢) فيلزم تعميم المسح عليها. القول الثاني: أنه يكفي في الجبيرة مسح أكثرها، وبهذا قال الحنفية على الصحيح من مذهبهم (٣) . واستدلوا بما يلي: ١- أن في استيعابها بالمسح ضرب من الحرج والمشقة فأقيم الأكثر مقام الجميع (٤) . ويمكن مناقشة هذا: بأن غسل أكثر العضو في الوضوء لا يجزئ والمسح على الجبائر نائب عن غسل العضو فلا يجزئ مسح الأكثر. ٢- ولأن مسح جميعها يؤدي إلى إفساد الجراحة (٥) . ويمكن مناقشة هذا: بأن ذلك في الجراح المكشوفة أما المسح على الجبيرة فلا يتصور تضرر الجراح به. القول الثالث: أنه يكفي مسح بعض الجبيرة، وهذا قول عند الشافعية (٦) .

стр. 114

واستدلوا بالقياس ووجه ذلك أن مسح الرأس والخفين يكفي فيهما أقل ما يسمى مسحا، فكذلك المسح على الجبيرة (١) . الترجيح الذي يظهر أن الراجح القول الأول، فيمسح جميع أجزاء الجبيرة ما أمكنه ذلك، ويقتصر على ما كان منها على محل الفرض في الحدث الأصغر، لأن ذلك أقرب إلى مشابهة غسل العضو لو كان صحيحا، ولأنه لا حرج في مسح جميع أجزاء الجبيرة، والله أعلم. المسألة الثانية الجمع بين المسح على الجبيرة والتيمم اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى الجمع بين المسح على الجبيرة والتيمم إلى قولين: القول الأول: أنه لا يجمع بين المسح على الجبيرة والتيمم وإنما يغسل الصحيح ويمسح على الجبيرة قال بهذا المالكية (٢) والحنفية (٣) والشافعية في أحد الوجهين عندهم (٤) ، والصحيح من مذهب الحنابلة، بشرط أن يشدها على طهارة، وأن لا تتجاوز الجبيرة قدر الحاجة وأن يكون في نزعها ضرر عليه (٥) . واستدلوا بما يلي:

стр. 115

١- أن النبي ﷺ أمر عليا ﵁ بالمسح على الجبائر (١) ولم يأمره بالتيمم (٢) . ويمكن مناقشة هذا: بأن الحديث ضعيف كما سبق بيان ذلك. ويمكن الجواب: بأن الحديث وإن كان ضعيفا فإنه يعضد له غيره كحديث ابن عمر ﵄ الآتي: ٢- عن ابن عمر ﵄: (أنه توضأ وكفه معصوبة فمسح على العصائب وغسل سوى ذلك) (٣) ولم يرد عنه أنه تيمم. ٣- ولأن المسح على الخفين لا يحتاج إلى تيمم، فكذلك المسح على الجبائر، بل الجبائر أولى إذ صاحب الضرورة أحق بالتخفيف (٤) . القول الثاني: أنه يجمع بين المسح على الجبيرة والتيمم فيغسل الصحيح ويمسح على الجبائر ويتيمم وهذا أظهر الوجهين عند الشافعية (٥) ورواية عند الحنابلة (٦) واستدلوا: بحديث جابر ﵁ السابق ذكره في صاحب الشجة وفيه (إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده) (٧) .

стр. 116

وجه الدلالة: أن الحديث صريح في الجمع بين التيمم والغسل والمسح على الجبيرة (١) . ونوقش استدلالهم بالحديث بما يلي: ١- أن رواية الجمع بين التيمم والغسل والمسح رواية ضعيفة (٢) . ٢- أن الواو الواردة في الحديث في قوله (ويعصر) بمعنى أو (٣) التي تفيد التخيير فلا يكون هناك جمع بين التيمم والمسح. وعلى هذا القول يجري الخلاف السابق في لزوم الترتيب بين العضو المغسول والممسوح والمتيمم له في طهارة المجاهد الجريح بالماء، وقد سبق بيان ذلك في الحالة الأولى (٤) وما قيل: هناك يقال هنا، والله أعلم. الترجيح الذي يظهر أن الراجح القول الأول، أنه لا يجمع بين التيمم والمسح على الجبيرة، وإنما يغسل الصحيح ويمسح على الجبيرة بالماء. لأن المناسب لحال الجريح، أو المكسور التخفيف ورفع الحرج والمشقة عنه، ولأن في الجمع إيجاب لطهارتين في محل واحد، وهذا مخالف لقواعد الشرع. قال ابن عثيمين حفظه الله (وإيجاب طهارتين لعضو واحد مخالف لقواعد الشرع، فإنه لا نظير له في الشرع، ولا يكلف الله عبدا بعبادتين سببهما واحد) (٥) . وعلى هذا فالمجاهد في سبيل الله يمسح على الجبيرة ولا تيمم عليه والله أعلم.

стр. 117

المطلب الثالث مسح المجاهد على ما يوضع على الرأس اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في مسح ما يوضع على الرأس من العمائم (١) ونحوها (٢) إلى قولين: القول الأول: يجوز المسح بالماء على ما يوضع على الرأس. وبهذا قال الحنابلة (٣) وابن حزم (٤) وشرطوا أن تكون العمامة ونحوها ساترة لجميع الرأس، إلا ما جرت العادة بكشفه، وأن تكون على صفة عمائم المسلمين محنكة أو ذات ذؤابة (٥) . واستدلوا بما يلي: ١- عن المغيرة بن شعبة ﵁ (أن النبي ﷺ توضأ فمسح بناصيته، وعلى العمامة، وعلى الخفين) (٦) .

стр. 118

ونوقش هذا: بأن الحديث يدل على أنه لا يجزئ المسح على العمامة دون مسح شيء من الرأس (١) . والجواب عنه من وجهين الأول: أن المسح على الناصية يجزئ، ولا يحتاج إلى المسح على العمامة. الثاني: أن حديث المغيرة يدل على أن النبي ﷺ مسح الناصية مرة، ومسح على العمامة مرة أخرة، فوقع ذلك في عمليتين متغايرتين (٢) . ٢- عن عمرو بن أمية الضمري (٣) ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ يمسح على عمامته وخفيه) (٤) . ونوقش هذا: بأنه يحتمل أنه رأى النبي ﷺ يمسح على العمامة بعد ما مسح ناصيته أو أنه مسح على العمامة لمرض (٥) . والجواب عنه: أن هذا الاحتمال بعيد، لأن الصحابة حريصون على تعلم دينهم من النبي ﷺ مباشرة فقول الصحابي (رأيت رسول الله ﷺ ..) دليل على أنه متابعه من أول وضوئه، ولو رأى النبي ﷺ يمسح على ناصيته لأخبر بذلك وحمله كذلك على أنه مريض بعيد، لأن المسح على الخفين والعمامة يثبت من غير عذر (٦) .

стр. 119

٣- واستدلوا كذلك: بأن العمامة ونحوها حائل في محل ورد الشرع بمسحه فجاز المسح عليه كالخفين (١) . ونوقش هذا: بأن مسح الرأس ممكن مع بقاء العمامة، أما غسل الرجلين فغير ممكن مع بقاء الخفين فجاز المسح على الخفين للحاجة (٢) . والجواب عنه: أن الحاجة إلى المسح على العمامة كالحاجة إلى المسح على الخفين لأن العمامة ساترة لجميع الرأس، ومحنكة، فلا يمكن مسح الرأس إلا بنزعها وفي ذلك مشقة فهي كالخفين (٣) . القول الثاني: لا يجوز المسح على العمامة ونحوها دون مسح شيء من الرأس، وبهذا قال الحنفية (٤) والمالكية (٥) والشافعية (٦) . واستدلوا بما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] . وجه الدلالة أنه أوجب مسح الرأس في الآية بغير حائل (٧) . ونوقش الاستدلال: بأن الله تعالى أوجب غسل الرجلين إلى الكعبين بغير حائل، وأنتم تقولون بجواز المسح على الخفين، فكذلك المسح على العمامة (٨) .

стр. 120

٢- عن أنس بن مالك ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وعليه العمامة، فأدخل يده من تحت العمامة، فمسح مقدم رأسه، ولم ينقض العمامة) (١) . وجه الدلالة من الحديث: أنه لو جاز المسح على العمامة ما تكلم ﷺ وأدخل يده تحت العمامة (٢) فدل على أنه لا يجوز مسح العمامة دون شيء من الرأس. ويمكن مناقشة هذا: بأنه يحتمل أن العمامة كانت صغيرة لا تستر الرأس، أو أنه لم يكن في نزعها مشقة. الترجيح الذي يظهر أن الراجح القول الأول: أنه يجوز المسح على العمامة ونحوها، للأدلة الصحيحة الواردة في ذلك. قال في عون المعبود: (أحاديث المسح على العمامة أخرجها البخاري ومسلم والترمذي وأحمد والنسائي وابن ماجه، وغير واحد من الأئمة من طرق قوية متصلة الإسناد) (٣) . والمجاهد في سبيل الله الذي يلبس ما يقي رأسه من ضربات العدو مما يربط على الرأس ويشق نزعه، له أن يمسح عليه إذا أراد الطهارة، والله أعلم.

стр. 121

الفصل الثاني أحكام المجاهد في الصلاة ويشتمل على ثلاثة مباحث: المبحث الأول: أحكام المجاهد في صلاة الخوف. المبحث الثاني: أحكام المجاهد في قصر الصلاة. المبحث الثالث: أحكام المجاهد في الجنائز

стр. 122

المبحث الأول أحكام المجاهد في صلاة الخوف، وفيه ثمانية عشر مطلبا: المطلب الأول: مشروعية صلاة الخوف. المطلب الثاني: شروط صلاة الخوف. المطلب الثالث: وقت صلاة الخوف. المطلب الرابع: كيفية صلاة الخوف. المطلب الخامس: الصلاة على الدواب والآليات إيماء. المطلب السادس: ترك التوجه إلى القبلة في صلاة الخوف. المطلب السابع: اشتراط الجماعة لصلاة الخوف. المطلب الثامن: كيفية قراءة الإمام في صلاة الخوف. المطلب التاسع: سهو الإمام في صلاة الخوف. المطلب العاشر: قطع الصلاة لسماع صفارات الإنذار. المطلب الحادي عشر: هجوم العدو أثناء الصلاة. المطلب الثاني عشر: المشي في صلاة الخوف. المطلب الثالث عشر: المتلطخ بالدم في صلاة الخوف. المطلب الرابع عشر: حمل السلاح في صلاة الخوف. المطلب الخامس عشر: حمل السلاح المتنجس في صلاة الخوف. المطلب السادس عشر: حصول الأمن أثناء صلاة الخوف. المطلب السابع عشر: حصول الأمن بعد صلاة الخوف. المطلب الثامن عشر: الصلاة لخوف ثبت توهمه.

стр. 123

المطلب الأول مشروعية صلاة الخوف لا خلاف بين الفقهاء ﵏ أن صلاة الخوف مشروعة في حياة النبي ﷺ (١) والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] . والسنة الصحيحة فقد صلاها رسول الله ﷺ بأصحابه، عن سهل بن أبي حثمة (٢) ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى بأصحابه في الخوف فصفهم خلفه صفين فصلى بالذين يلونه ركعة ثم قام فلم يزل قائما حتى صلى الذين خلفهم ركعة ثم

стр. 124

تقدموا وتأخر الذين كانوا قدامهم، فصلى بهم ركعة، ثم قعد حتى صلى الذين تخلفوا ركعة ثم سلم (١) . واختلفوا بعد وفاة النبي ﷺ فذهب عامة الفقهاء من الأئمة الأربعة وابن حزم وغيرهم، إلى مشروعية صلاة الخوف بعد النبي ﷺ وهي في البحر كالبر إذا كانوا في مركب واحد (٢) . واستدلوا بما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] . ووجه الدلالة من الآية أن صلاة الخوف ثابتة في حق النبي ﷺ وما ثبت في حقه ثبت في حق أمته ما لم يقم دليل على اختصاصه به (٣) . ٢- أن النبي ﷺ فعل صلاة الخوف (٤) وقال ﷺ «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٥) .

стр. 125

وجه الدلالة: أن هذا عام في صلاة الخوف وغيرها، وقد أمر بالصلاة فلزم اتباعه. ٣- إجماع الصحابة على فعلها بعد الرسول ﷺ وقد نقل إجماع الصحابة غير واحد من العلماء قال في المبدع (وأجمع الصحابة على فعلها) (١) وقال في الاختيار للموصلي (إن الصحابة صلوها بعد الرسول ﷺ ولم ينكر أحد عليهم فكان إجماعا) (٢) . ٤- أن سببها الخوف، والخوف متحقق بعد رسول الله ﷺ كما كان في حياته (٣) . وذهب أبو يوسف في أحد الأقوال عنه (٤) والحسن بن زياد (٥) من الحنفية والمزني من الشافعية إلى أن صلاة الخوف في حياة النبي ﷺ خاصة ولم تبق مشروعة بعده (٦) .

стр. 126

واستدلوا على ذلك بما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] . وجه الدلالة: أن كونه فيهم ﷺ شرط لإقامة صلاة الخوف، فلما خرج من الدنيا انعدمت الشرطية، فصلاة الخوف مخصوصة بالنبي ﷺ دون أمته (١) . ونوقش هذا الاستدلال بأن تخصيص النبي ﷺ بالخطاب لا يوجب تخصيصه بالحكم فهو وسائر أمته شركاء في الحكم، إلا أن يرد النص بتخصيصه ولم يرد مخصص فهو وأمته سواء مثل قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] فقد أنكر الصحابة على مانعي الزكاة قولهم: أن الله تعالى خص نبيه بأخذ الزكاة (٢) . وشرط كونه فيهم ﷺ إنما ورد لبيان الحكم لا لوجود أي: بين لهم بفعلك لأنه أوضح من القول (٣) .

стр. 127

٢- أن صلاة الخوف شرعت في حياة النبي ﷺ مع ما فيها من أعمال كثيرة منافية للصلاة لحاجة الناس إلى استدراك فضيلة الصلاة معه ﷺ وهذا المعنى منعدم بعد وفاته ﷺ فتصلي كل طائفة بإمام (١) . ونوقش هذا: بأن ترك المشي في الصلاة وترك استدبار القبلة فريضة والصلاة خلفه ﷺ فضيلة، فلا يجوز ترك الفريضة لإحراز الفضيلة، ثم الحاجة موجودة بعده ﷺ لتكثير الجماعة فكلما كانت الجماعة أكثر كانت أفضل (٢) . ٣- أن صلاة الخوف كانت ثم نسخت في زمن النبي ﷺ والدليل أن النبي ﷺ فاتته صلوات يوم الخندق ولو كانت صلاة الخوف جائزة لفعلها ولم يفوت الصلاة (٣) . ونوقش هذا الاستدلال: بأن دعوى النسخ لا تثبت إلا إذا علمنا تقدم المنسوخ وتعذر الجمع بين الأدلة، ولم يوجد هنا شيء من ذلك، بل المنقول المشهور أن صلاة الخوف نزلت بعد الخندق فكيف ينسخ به (٤) . الترجيح بعد عرض الأقوال والأدلة والمناقشة تبين أن الراجح قول الجمهور أن صلاة الخوف مشروعة بعد وفاة النبي ﷺ إلى ما شاء الله ﷺ لإجماع الصحابة على فعلها بعد النبي ﷺ ولزوم تأسينا بالنبي ﷺ في أقواله وأفعاله ما لم يرد دليل على أنه خصوصا للنبي ﷺ والحاجة إلى فعلها لوجود الخوف والله أعلم.

стр. 128

المطلب الثاني شروط صلاة الخوف يشترط لصلاة الخوف شروط نجملها فيما يلي: ١- أن يكون القتال جائزا أي مأذونا فيه كقتال الكفار (١) . خرج بهذا الشرط القتال المنهي عنه فلا يصلي فيه صلاة الخوف، كالقتال لمجرد شهوة النفس، أو قتال الإمام العادل (٢) ونحو ذلك. ٢- خوف هجوم العدو لقربهم من المجاهدين، أو لإخبار الثقة بقدومهم إلى المجاهدين، أو لخوف كمين أو مكيدة وهذا ما ذهب إليه الجمهور (٣) . لقوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٠١] . وذهب الحنفية إلى اشتراط معاينة العدو، وإلا لم يصلوا صلاة الخوف (٤) . ووجه قولهم: إن سبب الترخص لم يتحقق وهو الخوف، لعدم معاينة العدو (٥) . والذي يظهر أن قول الجمهور أرجح، لأن صلاة الخوف مشروعة عند وجود الخوف.

стр. 129

وقرب العدو من المجاهدين سبب لوجود الخوف فتشرع الصلاة حتى ولو لم يروهم، ولأنهم قد يعاينون العدو لكن بينهم وبين العدو ما يمنع وصولهم إليهم فلا تجوز حينئذ صلاة الخوف، والله أعلم. ٣- أن يكون المجاهدون مطلوبين من العدو، وهم في حالة ضعف وقلة والعدو في حالة قوة وكثرة أو كان المجاهدون متحرفين إلى القتال، أو متحيزين إلى فئة ففي هذه الحالات يجوز أن يصلوا صلاة الخوف (١) . قال ابن المنذر (٢) (كل من أحفظ عنه من أهل العلم يقول: أن المطلوب يصلي على دابته) (٣) . فإن انهزموا من العدو وهو أقل من مثليهم لم تجز لهم صلاة الخوف، لأنها رخصة والانهزام من العدو كبيرة ومعصية فلا تناط الرخصة بالمعصية (٤) . أما إن كان المجاهدون طالبين للعدون فقد اختلف أهل العلم في مشروعية صلاة الخوف لهم إلى قولين.

стр. 130

القول الأول: تجوز لهم إذا خافوا فوات العدو. قال بهذا المالكية (١) والشافعية في حالة ما إذ قل الطالبون عن المطلوبين، وانقطع الطالبون عن أصحابهم فخافوا عودة المطلوبين عليهم (٢) ورواية عند الحنابلة (٣) . واستدلوا بما يلي: ١- ما رواه عبد الله بن أنيس (٤) ﵁ قال: (بعثني رسول الله ﷺ إلى خالد بن سفيان الهذلي، وكان نحو عرنة وعرفات، فقال: اذهب فاقتله، قال: فرأيته وحضرت صلاة العصر، فقلت: إني لأخاف أن يكون بيني وبينه ما إن أؤخر الصلاة فانطلقت أمشي وأنا أصلي أومي إيماء نحوه، فلما دنوت منه قال: من أنت؟ قلت: رجل من العرب بلغني أنك تجمع لهذا الرجل فجئتك في ذاك قال: إني لفي ذاك، فمشيت معه ساعة حتى إذا أمكنني علوته بسيفي حتى برد (٥)) (٦) .

стр. 131

وجه الدلالة: أن عبد الله بن أنيس صلى صلاة الخوف وهو طالب للعدو. وظاهر حاله أنه أخبر بذلك النبي ﷺ فأقره، أو كان قد علم جوازه فإنه لا يظن به أنه فعل ذلك مخطئا (١) . ٢- ولأن فوات الكفار ضرر عظيم فأبيحت صلاة الخوف عند فوتهم (٢) . ٣- ولأن أمرهم مع عدوهم لم ينقض ولا يأمنون رجوعهم فهم خائفون (٣) . القول الثاني: لا تجوز لهم صلاة الخوف في حالة طلبهم للعدو. قال بهذا الحنفية (٤) والشافعية (٥) وبعض المالكية (٦) ورواية عند الحنابلة (٧) . ووجه قولهم: أن العلة في صلاة الخوف وجود الخوف وهو معدوم في حالة كونهم طالبين العدو فلا ضرر تدعوا إلى صلاة الخوف (٨) . والذي يظهر أن القول الأول هو الراجح وهو مشروعية صلاة الخوف لطالب العدو في حالة مطاردته لهم وهم يرونه ويراهم، لأن الاشتغال بالصلاة والتوقف عن ملاحقة العدو فيه خطر على المجاهدين، لأن العدو قد يستغل هذا التوقف لتنظيم صفوفه والهجوم المعاكس على المجاهدين أو وضع كمين في طريقهم، والله أعلم.

стр. 132

المطلب الثالث وقت صلاة الخوف صلاة الخوف هي إحدى الصلوات الخمس المكتوبة، ومعلوم من الدين بالضرورة وقت الصلوات الخمس المكتوبة حيث بينها النبي ﷺ ومما جاء في ذلك ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: «وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر وقت العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس» (١) . إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة في بيان أوقات الصلوات، وليس هذا مجال متسع لذكرها، وقد اتفق الفقهاء (٢) أنه لا يجوز فعل الصلاة قبل وقتها، ولا تأخيرها حتى يخرج وقتها من غير عذر واختلفوا في تأخيرها للمجاهد حتى يخرج وقتها في حال شدة الخوف والتحام الجيوش من غير نية الجمع إلى قولين: القول الأول: لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها، فإذا اشتد الخوف والتحم القتال صلوا رجالا وركبانا إيماءً بالركوع والسجود، مستقبلين القبلة أو غير مستقبلين على حسب استطاعتهم، وبهذا قال الجمهور (٣) .

стр. 133

واستدلوا بما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] . أي: إن خفتم من عدوكم حال التقائكم معهم فصلوا قياما، أو مشاة على أرجلكم أو ركبانا على ظهور دوابكم (١) . ٢- ولأنه مكلف تصح طهارته فلم يجز له إخلاء وقت الصلاة عن فعلها، كالمريض (٢) . القول الثاني: يجوز تأخير الصلاة عن وقتها في حالة التحام القتال، والاشتغال بالضرب والطعن والكر والفر، حتى ينكشف القتال. قال بهذا الحنفية (٣) وبعض المالكية (٤) وهو قول عند الشافعية (٥) رواية عند الحنابلة (٦) . واستدلوا بما يلي: ١- ما رواه جابر ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش وقال: يا رسول الله ما صليت العصر حتى كادت الشمس أن تغيب، قال ﷺ «وأنا والله ما صليتها بعد» قال: فنزل إلى

стр. 134

بطحان (١) فتوضأ وصلى العصر بعدما غابت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب (٢) . وجه الدلالة من الحديث: أنها لو جازت الصلاة مع القتال لما أخرها رسول الله ﷺ (٣) . ونوقش هذا الاستدلال بما يلي: أ- أن هذا الحديث كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] (٤) . ب- يحتمل أنه ﷺ نسيها يومئذ بدليل أن عمر ﵁ قال: ما صليت العصر فقال ﷺ «والله ما صليتها» (٥) . ٢- ولأن إدخال أعمال كثيرة ليست من أعمال الصلاة مفسد لها في الأصل فلا يترك هذا الأصل، إلا في مورد النص، والنص ورد في المشي لا في القتال (٦) . ونوقش هذا الدليل بأن العمل الكثير أبيح من أجل الخوف فلم تبطل الصلاة به كاستدبار القبلة والركوب والإيماء (٧) .

стр. 135

الترجيح الذي يظهر أن الراجح هو القول الأول، أنه لا يجوز تأخير الصلاة حال القتال والتحام الجيوش ما دام المجاهدون قادرين على فعل الصلاة، مدركين لها، سواء كانوا قائمين، أو قاعدين، أو راكبين، أو راجلين يومئون بالركوع والسجود ويجعلون السجود أخفض من الركوع، ولا يلزم استقبال القبلة إذا لم يقدروا عليها لأن الصلاة لا يجوز تأخيرها مع القدرة على فعلها بحال من الأحوال. فإن لم يقدروا على فعل الصلاة ولم يعوا ما يقولون وما يفعلون فيها ولم يقدروا على الإيماء بأن كان الرصاص والقنابل تأتيهم من كل جانب، ففي هذه الحالة يجوز تأخير الصلاة إلى أن ينكشف القتال إذا لم يمكن التأخير بنية الجمع (١) . لقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤] والله أعلم. المطلب الرابع كيفية صلاة الخوف للخوف ثلاث حالات: الحالة الأولى: الخوف غير الشديد. وضابط الخوف غير الشديد هو الخوف من هجوم العدو على المجاهدين في حال انشغالهم بالصلاة إما لقربهم من المجاهدين ومعاينتهم لهم، وإما بإخبار الثقة بقدوم العدو إلى المجاهدين دون أن يكون هناك قتال والتحام بين الجيوش (٢) .

стр. 136

وقد تعددت الروايات في كيفية صلاة الخوف في هذه الحالة، لأن الرواة إذا اختلفوا في قصة جعلوا ذلك وجها من فعل النبي ﷺ (١) واختلف الفقهاء في تعداد أنواع الصلاة الخوف تبعا لتعدد الروايات، فقد أوصلها بعضهم إلى ستة عشر صفة (٢) وقد صلاها النبي ﷺ بصفات مختلفة وإن كانت متفقة في المعنى، وذلك للمحافظة على الصلاة، والاحتياط من كيد العدو. جاء في معالم السنن: (صلاة الخوف أنواع، وقد صلاها رسول الله ﷺ في أيام مختلفة، وعلى أشكال متباينة يتوخى من كل ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة، وهي على اختلاف صورها مؤتلفة في المعاني) (٣) . وقال الإمام أحمد ﵀: (كل حديث يروى في أبواب صلاة الخوف فالعمل به جائز، وقال: ستة أوجه أو سبعة يروى فيها كلها جائزة) (٤) . والذي يظهر أن هذه الصور في صلاة الخوف غير الشديد التي جاءت بها الروايات الصحيحة جاءت مراعية للأحوال التي يكون عليها العدو، فمرة يكون العدو في جهة القبلة، ومرة يكون إلى غير جهة القبلة، ومرة يكون الحذر منهم أشد، إلى غير ذلك من الأحوال. وقد رأيت أن أجعل صلاة الخوف غير الشديد في أربعة أوجه لتستوعب الروايات التي جاءت عن النبي ﷺ في صلاة الخوف وذلك على النحو الآتي: الوجه الأول: الصلاة بالمجاهدين جميعا. وقد ورد في هذا الوجه ثلاث صفات:

стр. 137

الصفة الأولى: أن يصف الإمام المجاهدين خلفه صفين فأكثر حضرا كان الخوف أو سفرا، فيكبر بهم تكبيرة الإحرام جميعا ويركع بهم فإذا سجد، سجد الصف الأول معه وحرس الصف الآخر، فإذا قام الإمام إلى الركعة الثانية سجد الصف المتأخر، ثم يلحقون بالإمام ويتقدمون مكان الصف الأول ويتأخر الصف الأول (١) ، فإذا سجد الإمام في الركعة الثانية سجد معه الصف الذي يليه، فإذا جلس الإمام ومن معه للتشهد سجد الصف الحارس، ثم يلحقون بالإمام في التشهد ويسلم بهم جميعا (٢) . دليل هذه الصفة: ١- عن جابر ﵄ قال: (شهدت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف فصفنا صفين صف خلف رسول الله ﷺ والعدو بيننا وبين القبلة فكبر النبي ﷺ وكبرنا جميعا ثم ركع وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه وقام الصف المؤخر في نحر العدو فلما قضي النبي ﷺ السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم، ثم ركع النبي ﷺ ركعنا جميعا ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرا في الركعة الأولى وقام الصف المؤخر في نحور العدو فلما قضى

стр. 138

النبي ﷺ السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلم النبي ﷺ وسلمنا جميعا) (١) . ٢-عن أبي عياش الزرقي ﵁ (٢) قال: (كنا مع رسول الله ﷺ بعسفان (٣) وعلى المشركين خالد بن الوليد (٤) فصلينا الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غرة، لقد أصبنا غفلة لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر (٥) فلما حضرت العصر قام رسول الله ﷺ مستقبل القبلة والمشركون أمامه فصف خلف رسول الله ﷺ صف، وصف بعد

стр. 139

ذلك الصف صف أخر) ثم ذكر الحديث كحديث جابر السابق وزاد (فصلاها بعسفان مرة وصلاها يوم بني سليم) (١) . فصفة الصلاة في الحديثين واحدة، قال في عون المعبود: حديث جابر، وحديث أبي عياش الزرقي مفهومهما واحدا (٢) . شروط هذه الصفة: ذكر بعض الفقهاء شروطا لهذه الصفة هي (٣) . ١- أن يكون العدو في جهة القبلة. ٢- أن يكون العدو على مستوى من الأرض لا يسترهم شيء عن أبصار المجاهدين. ٣- أن يكون في المجاهدين كثرة حتى يتمكنوا من الصلاة والحراسة. ولم أجد -حسب ما اطلعت عليه- من منع الأخذ بهذه الصفة من الفقهاء (٤) ،

стр. 140

إلا أن الحنفية قالوا في صفتها: إذا سجد الإمام سجد معه الصف الأول، فإذا رفعوا روءسهم من السجدة الأولى، سجد الصف الثاني والصف الأول قعود يحرسونهم (١) وهم بهذا خالفوا النصوص الصحيحة، كما في حديث جابر، وأبي عياش، فالأولى الأخذ بما جاء في الأحاديث. وقال الشافعي: بأن الصف الأول يحرس، والصف الثاني هو الذي يسجد مع الإمام (٢) ، وهو قول عند الحنابلة لأنه أحوط (٣) . قال النووي: والصحيح المختار جواز الأمرين (٤) . والذي يظهر أن التزام الصفة التي جاءت في الأحاديث هو الأولى والله أعلم. الصفة الثانية: إذا حضرت الصلاة جعل الإمام المجاهدين طائفتين: طائفة معه، وطائفة في وجه العدو وظهورهم إلى القبلة ثم يكبر بهم جميعا التي معه والتي في وجه العدو، ثم يركع بالطائفة التي معه ويسجد فإذا قام إلى الركعة الثانية ذهبت الطائفة التي معه إلى وجه العدو وجاءت الأخرى فصلوا لأنفسهم الركعة الأولى، ثم لحقوا بالإمام وهو قائم ينتظرهم فصلى بهم الركعة الثانية، ثم جلسوا وجاءت الطائفة التي في الحراسة فصلوا الركعة الثانية لهم، ثم جلسوا مع الإمام والطائفة التي معه وسلم بهم جميعا (٥) .

стр. 141

دليل هذه الصفة: ما رواه أبو هريرة ﵁ عام غزوة نجد (١) قال: (قام رسول الله ﷺ إلى صلاة العصر فقامت معه طائفة، وطائفة أخرى مقابل العدو وظهورهم إلى القبلة، فكبر رسول الله ﷺ فكبروا جميعا الذين معه والذين مقابلوا العدو ثم ركع رسول الله ﷺ ركعة واحدة وركعت الطائفة التي معه، ثم سجد فسجدت الطائفة التي تليه والآخرون قيام فقابلوا العدو، ثم قام رسول الله ﷺ وقامت الطائفة التي معه فذهبوا إلى العدو فقابلوهم وأقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله ﷺ قائم كما هو، ثم قاموا فركع رسول الله ﷺ ركعة أخرى وركعوا معه وسجد وسجدوا معه ثم أقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله ﷺ قاعد ومن كان معه، ثم كان السلام، فسلم

стр. 142

رسول الله ﷺ وسلموا جميعا فكان لرسول الله ﷺ ركعتان ولكل رجل من الطائفتين ركعة) (١) . يظهر من هذا الحديث، أن العدو كانوا إلى غير جهة القبلة، وأن المجاهدين الذين معه الإمام والذين في جهة العدو كبروا جميعا مع الإمام تكبيرة الإحرام إلى غير جهة القبلة. لكن جاء من طريق آخر عن أبي هريرة قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى نجد حتى إذا كنا بذات الرقاع من نخل (٢) لقي جمعا من غطفان (٣)) فذكر معنى الحديث دون لفظه قال فيه حين ركع بمن معه وسجد قال: (فلما قاموا مشوا القهقرى (٤) إلى مصاف أصحابهم ولم يذكر استدبار القبلة) (٥) .

стр. 143

والذي يبدو أن الروايتين في قصة واحدة والخلاف بينهما، إنما هو في القبلة ففي الرواية الأولى، الذين في جهة العدو كبروا تكبيرة الإحرام إلى غير القبلة، وفي الرواية الثانية أنهم كبروا إلى جهة القبلة، والذي يظهر أن حمل الرواية الأولى على الثانية هو الأولى، لأن استقبال القبلة شرط في الصلاة لا يجوز تركه، إلا في حال الضرورة عند شدة الخوف والتحام القتال، ولا ضرورة هنا، والله أعلم. الصفة الثالثة: يقسم الإمام المجاهدين طائفتين: طائفة تصلي معه فتكبر إذا كبر وتركع معه وتسجد معه، فإذا رفع من السجدة الأولى مكث جالسا، وسجدوا لأنفسهم الثانية، ثم قاموا يمشون القهقرى إلى مصاف الطائفة الأخرى، وجاءت الطائفة الأخرى فكبروا وركعوا، ثم يسجد الإمام السجدة الثانية له من الركعة الأولى فيسجدون معه، ثم يقوم الإمام للركعة الثانية ويسجدون لأنفسهم السجدة الثانية، ثم يقومون مع الإمام وتأتي الطائفة الأخرى معهم فيركع بهم الإمام جميعا ويسجد بهم جميعا سريعا ثم يسلم بهم جميعا. دليل هذه الصفة: عن عائشة ﵂ قالت (صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف قالت: فصدع (١) رسول الله ﷺ الناس صدعتين، فصف طائفة وراءه وقامت طائفة وجاه العدو، قالت: فكبر رسول الله ﷺ وكبرت الطائفة الذين صفوا خلفه، ثم ركع وركعوا ثم سجد وسجدوا ثم رفع رأسه فرفعوا ثم مكث رسول الله ﷺ جالسا وسجدوا لأنفسهم السجدة الثانية ثم قاموا ثم نكصوا على أعقابهم يمشون القهقرى حتى قاموا من ورائهم وأقبلت الطائفة الأخرى فصفوا خلف

стр. 144

رسول الله ﷺ فكبروا ثم ركعوا لأنفسهم ثم سجد رسول الله ﷺ سجدته الثانية فسجدوا معه، ثم قام رسول الله ﷺ في ركعته وسجدوا لأنفسهم السجدة الثانية ثم قامت الطائفتان جميعا فصفوا خلف رسول الله ﷺ فركع بهم ركعة فركعوا جميعا، ثم سجد فسجدوا جميعا ثم رفع رأسه ورفعوا معه كل ذلك من رسول الله ﷺ سريعا جدا لا يألوا (١) أن يخفف ما استطاع ثم سلم رسول الله ﷺ فسلموا ثم قام رسول الله ﷺ قد شركه الناس في صلاته كلها) (٢) . والذي يظهر أن الصفة الثانية في حديث أبي هريرة ﵁ والصفة الثالثة في حديث عائشة ﵂ قد اتفقتا في أن المسبوق يبدأ بقضاء ما فاته ثم يلحق بالإمام. الوجه الثاني: قسمة المجاهدين في الصلاة إلى طائفتين. وقد ورد في هذا الوجه صفتان: الصفة الأولى: إذا حضرت الصلاة وخاف المجاهدون العدو جعلهم الإمام طائفتين: طائفة في وجه العدو، وطائفة يصلي بهم ركعة، ثم يقوم الإمام إلى الركعة الثانية ويتم الذين معه

стр. 145

صلاتهم ويسلمون ثم يذهبون إلى وجه العدو، وتأتي الطائفة الأخرى فيدخلون مع الإمام في الركعة الثانية له ويصلي بهم فإذا جلس للتشهد قاموا وأتموا الركعة الثانية وهو ينتظرهم فإذا لحقوه سلم بهم (١) . دليل هذه الصفة: حديث صالح بن خوات (٢) (عمن شهد مع النبي ﷺ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف أن طائفة صفت معه وطائفة وجاه العدو فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائما وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسا وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم (٣) . الصفة الثانية: يجعل الإمام المجاهدين طائفتين: واحدة في وجه العدو والأخرى يصلي بهم ركعة، فإذا قام الإمام إلى الركعة الثانية لم يتم المقتدون به الصلاة، وإنما يذهبون إلى مكان الطائفة التي في وجه العدو وهم في الصلاة فيقفون سكوتا، وتجيء الطائفة الأخرى فتصلى مع الإمام ركعته الثانية، فإذا سلم ذهبت إلى وجه العدو وجاء الأولون إلى مكان الصلاة وأتموا لأنفسهم، ثم ذهبوا إلى وجه العدو وجاءت الطائفة الأخرى إلى مكان الصلاة وأتموا (٤) .
следующие страницы →