← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1933

أحكام المجاهد بالنفس في سبيل الله عز وجل في الفقه الإسلامي

مرعي الشهري

Полный текст (646 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

دليل هذه الصفة: ما رواه أبو هريرة ﵁ عام غزوة نجد (١) قال: (قام رسول الله ﷺ إلى صلاة العصر فقامت معه طائفة، وطائفة أخرى مقابل العدو وظهورهم إلى القبلة، فكبر رسول الله ﷺ فكبروا جميعا الذين معه والذين مقابلوا العدو ثم ركع رسول الله ﷺ ركعة واحدة وركعت الطائفة التي معه، ثم سجد فسجدت الطائفة التي تليه والآخرون قيام فقابلوا العدو، ثم قام رسول الله ﷺ وقامت الطائفة التي معه فذهبوا إلى العدو فقابلوهم وأقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله ﷺ قائم كما هو، ثم قاموا فركع رسول الله ﷺ ركعة أخرى وركعوا معه وسجد وسجدوا معه ثم أقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله ﷺ قاعد ومن كان معه، ثم كان السلام، فسلم

стр. 142

رسول الله ﷺ وسلموا جميعا فكان لرسول الله ﷺ ركعتان ولكل رجل من الطائفتين ركعة) (١) . يظهر من هذا الحديث، أن العدو كانوا إلى غير جهة القبلة، وأن المجاهدين الذين معه الإمام والذين في جهة العدو كبروا جميعا مع الإمام تكبيرة الإحرام إلى غير جهة القبلة. لكن جاء من طريق آخر عن أبي هريرة قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى نجد حتى إذا كنا بذات الرقاع من نخل (٢) لقي جمعا من غطفان (٣)) فذكر معنى الحديث دون لفظه قال فيه حين ركع بمن معه وسجد قال: (فلما قاموا مشوا القهقرى (٤) إلى مصاف أصحابهم ولم يذكر استدبار القبلة) (٥) .

стр. 143

والذي يبدو أن الروايتين في قصة واحدة والخلاف بينهما، إنما هو في القبلة ففي الرواية الأولى، الذين في جهة العدو كبروا تكبيرة الإحرام إلى غير القبلة، وفي الرواية الثانية أنهم كبروا إلى جهة القبلة، والذي يظهر أن حمل الرواية الأولى على الثانية هو الأولى، لأن استقبال القبلة شرط في الصلاة لا يجوز تركه، إلا في حال الضرورة عند شدة الخوف والتحام القتال، ولا ضرورة هنا، والله أعلم. الصفة الثالثة: يقسم الإمام المجاهدين طائفتين: طائفة تصلي معه فتكبر إذا كبر وتركع معه وتسجد معه، فإذا رفع من السجدة الأولى مكث جالسا، وسجدوا لأنفسهم الثانية، ثم قاموا يمشون القهقرى إلى مصاف الطائفة الأخرى، وجاءت الطائفة الأخرى فكبروا وركعوا، ثم يسجد الإمام السجدة الثانية له من الركعة الأولى فيسجدون معه، ثم يقوم الإمام للركعة الثانية ويسجدون لأنفسهم السجدة الثانية، ثم يقومون مع الإمام وتأتي الطائفة الأخرى معهم فيركع بهم الإمام جميعا ويسجد بهم جميعا سريعا ثم يسلم بهم جميعا. دليل هذه الصفة: عن عائشة ﵂ قالت (صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف قالت: فصدع (١) رسول الله ﷺ الناس صدعتين، فصف طائفة وراءه وقامت طائفة وجاه العدو، قالت: فكبر رسول الله ﷺ وكبرت الطائفة الذين صفوا خلفه، ثم ركع وركعوا ثم سجد وسجدوا ثم رفع رأسه فرفعوا ثم مكث رسول الله ﷺ جالسا وسجدوا لأنفسهم السجدة الثانية ثم قاموا ثم نكصوا على أعقابهم يمشون القهقرى حتى قاموا من ورائهم وأقبلت الطائفة الأخرى فصفوا خلف

стр. 144

رسول الله ﷺ فكبروا ثم ركعوا لأنفسهم ثم سجد رسول الله ﷺ سجدته الثانية فسجدوا معه، ثم قام رسول الله ﷺ في ركعته وسجدوا لأنفسهم السجدة الثانية ثم قامت الطائفتان جميعا فصفوا خلف رسول الله ﷺ فركع بهم ركعة فركعوا جميعا، ثم سجد فسجدوا جميعا ثم رفع رأسه ورفعوا معه كل ذلك من رسول الله ﷺ سريعا جدا لا يألوا (١) أن يخفف ما استطاع ثم سلم رسول الله ﷺ فسلموا ثم قام رسول الله ﷺ قد شركه الناس في صلاته كلها) (٢) . والذي يظهر أن الصفة الثانية في حديث أبي هريرة ﵁ والصفة الثالثة في حديث عائشة ﵂ قد اتفقتا في أن المسبوق يبدأ بقضاء ما فاته ثم يلحق بالإمام. الوجه الثاني: قسمة المجاهدين في الصلاة إلى طائفتين. وقد ورد في هذا الوجه صفتان: الصفة الأولى: إذا حضرت الصلاة وخاف المجاهدون العدو جعلهم الإمام طائفتين: طائفة في وجه العدو، وطائفة يصلي بهم ركعة، ثم يقوم الإمام إلى الركعة الثانية ويتم الذين معه

стр. 145

صلاتهم ويسلمون ثم يذهبون إلى وجه العدو، وتأتي الطائفة الأخرى فيدخلون مع الإمام في الركعة الثانية له ويصلي بهم فإذا جلس للتشهد قاموا وأتموا الركعة الثانية وهو ينتظرهم فإذا لحقوه سلم بهم (١) . دليل هذه الصفة: حديث صالح بن خوات (٢) (عمن شهد مع النبي ﷺ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف أن طائفة صفت معه وطائفة وجاه العدو فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائما وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسا وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم (٣) . الصفة الثانية: يجعل الإمام المجاهدين طائفتين: واحدة في وجه العدو والأخرى يصلي بهم ركعة، فإذا قام الإمام إلى الركعة الثانية لم يتم المقتدون به الصلاة، وإنما يذهبون إلى مكان الطائفة التي في وجه العدو وهم في الصلاة فيقفون سكوتا، وتجيء الطائفة الأخرى فتصلى مع الإمام ركعته الثانية، فإذا سلم ذهبت إلى وجه العدو وجاء الأولون إلى مكان الصلاة وأتموا لأنفسهم، ثم ذهبوا إلى وجه العدو وجاءت الطائفة الأخرى إلى مكان الصلاة وأتموا (٤) .

стр. 146

دليل هذه الصفة: ١- عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (غزوت مع رسول الله ﷺ قبل نجد فوازينا العدو فصاففنا فقال رسول الله ﷺ يصلي لنا فقامت طائفة معه تصلي وأقبلت طائفة على العدو وركع رسول الله ﷺ بمن معه وسجد سجدتين، ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل فجاءوا فركع رسول الله ﷺ بهم ركعة وسجد سجدتين، ثم سلم فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين) (١) . ٢- عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الخوف فقاموا صفين، صف خلف رسول الله ﷺ وصف مستقبل العدو فصلى بهم رسول الله ﷺ ركعة، ثم جاء الآخرون فقاموا مقامهم واستقبل هؤلاء العدو فصلى بهم النبي ﷺ ركعة، ثم سلم فقام هؤلاء فصلوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا، ثم ذهبوا فقاموا مقام أولئك مستقبلي العدو ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا) (٢) .

стр. 147

وقد ذهب جمهور الفقهاء (١) إلى ترجح الأخذ بالصفة الأولى فيصلى بالطائفة الأولى ركعة، ثم يتمون لأنفسهم ويسلمون وتأتي الثانية تصلي معه ركعة ثم تتم ما بقي عليها ثم يسلم بهم (٢) . واستدلوا على ترجيح هذه الصفة بما يلي: أ- أنها أوفق لظاهر كتاب الله وذلك أن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء: ١٠٢] فيه إضافة الفعل إليه ﷺ ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ فأضاف فعل السجود إليهم، فأقتضى الظاهر انفرادهم به، ثم أباح لهم الانصراف بعد فعله فصار تقدير قوله تعالى: ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ أي صليت بهم ركعة فعبر عنه بالقيام الذي هو ركن فيها وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ أي صلوا الركعة الثانية فلينصرفوا فعبر عنه بالسجود الذي هو ركن فيها.

стр. 148

وقوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ فظاهر قوله تعالى: ﴿لم يصلوا﴾ أي لم يصلوا شيئا منها، وظاهر قوله تعالى: ... ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ أي جميع الصلاة بكاملها (١) . ب- لسلامتها من كثرة المخالفة، ولأنها أحوط للحرب، لأن المجاهد يتمكن من الضرب والطعن وإعلام غيرة بما يراه من أمر العدو (٢) . وذهب الحنفية (٣) وبعض المالكية (٤) إلى ترجيح الصفة الثانية التي يسندها حديث عبد الله بن عمر، وابن مسعود ﵃ وجه ترجيحهم ما يلي: ١- أن هذه الصفة موافقة للأصول في أن المأموم لا يتم صلاته قبل إمامه (٥) . ٢- أن رواية ابن عمر قوية الإسناد فهي وردت بنقل أهل المدينة وهم حجة في النقل على من خالفهم (٦) .

стр. 149

الترجيح الذي يظهر أن الصفة التي ذهب إليها الجمهور هي الأولى في صلاة الخوف على هذا الوجه، لأنها موافقة لظاهر القرآن، والصفة التي أختارها الحنفية فيها مخالفات عدة منها: ١- أن قولهم تنصرف الطائفة الأولى وهي في الصلاة يؤدي إلى أن تمشي أو تركب وهي في الصلاة، وهذا عمل كثير ينافي الصلاة، وفيه استدبار للقبلة دون حاجة أو ضرورة. ٢- أن صلاة الخوف مبنية على التخفيف، وعلى قولهم تطول الصلاة أضعاف ما كانت حال الأمن، والخائف أولى بالتخفيف لحاجته إليه، وللرفق به (١) . وكلا الصفتين ثابتة وجائز العمل بهما والخلاف إنما هو في الأفضل والله أعلم. إذا تقرر معرفتنا من خلال هذا الوجه بصفتيه كيف تصلي صلاة الخوف الثنائية سواء كانت المقصورة في السفر أو صلاة الفجر فكيف تصلي المغرب المجمع على أنها لا تقصر (٢) والصلاة الرباعية في الحضر على هذا الوجه؟ أولا: صلاة المغرب: ذهب الجمهور إلى أن الإمام يصلي بالطائفة الأولى ركعتين وبالطائفة الثانية ركعة (٣) واستدلوا على هذا بما يلي (٤) :

стр. 150

١- أن صلاة الخوف مبنية على المساواة بين الطائفتين، فإذا لم يمكن انقسام الركعة كان صلاته بالأولى ركعتين أولى، لأن أول الصلاة أكمل من آخرها. ٢- ولأن في ذلك خفة في الانتظار، وإسراع في الفراغ من الصلاة، وهذا المطلوب في صلاة الخوف. ٣- ولأن الطائفة الأولى أحق بالركعتين، لما لها من حق السبق. ٤- ولأن الطائفة الثانية تصلي جميعا صلاتها في حكم الإتمام، والأولى في حكم الانفراد، فكانت الطائفة الأولى أحق. وذهب الشافعية في قول على خلاف الأظهر، أنه يصلي بالطائفة الأولى ركعة وبالثانية ركعتين (١) . واستدلوا بما يلي: ١- أنه روي عن علي ﵁ أنه صلى ليلة الهرير (٢) هكذا (٣) . ٢- ولأن الطائفة الأولى أدركت مع الإمام فضيلة الإحرام والتقدم، فينبغي أن تزيد الثانية في الركعات ليجبر النقص (٤) .

стр. 151

والذي يظهر أن قول الجمهور هو الراجح لما يلي: ١- لقوة تعليلاتهم، ولأن صلاة الخوف مبنية على التخفيف، وما ذكره الجمهور أقرب إلى المقصود. ٢- أن ما روي عن علي ﵁ ليلة الهرير أنه صلى بالأولى ركعة، فقد روي عنه أنه صلى صلاة الخوف ليلة الهرير بالطائفة الأولى ركعتين (١) وبهذا يوافق الجمهور في أن الأولى أن يصلي بالطائفة الأولى ركعتين. فإن صلى بالأولى ركعة وبالثانية ركعتين فقد خالف الأولى وصلاته صحيحه عند الجمهور (٢) لأن صلاة المغرب لم يرد فيها شيء عن النبي ﷺ قال الشوكاني لم يرد في صلاة المغرب في الخوف فعل ولا قول عن النبي ﷺ (٣) . وقال الحنفية: إذا صلى بالأولى ركعة وبالثانية ركعتين فسدت صلاة الطائفتين، أما الطائفة الأولى فلانصرافهم في غير أوان الانصراف، وأما الثانية فلأنهم لما أدركوا الركعة الثانية صاروا من الطائفة الأولى لإدراكهم الشفع الأول، وقد انصرفوا في أوان رجوعهم فتبطل (٤) . والراجح ما ذهب إليه الجمهور أن الصلاة صحيحة، وقد خالف الأولى لما سبق من الأدلة. فإن صلى المغرب بكل طائفة ركعة فهل تصح الصلاة؟

стр. 152

ذهب الحنفية (١) والمالكية (٢) إلى أن صلاة الطائفة الأولى باطلة لا تصح، ووجه البطلان: أن الطائفة الأولى انصرفت من الصلاة في غير أوان الانصراف، وتصح صلاة الطائفة الثانية والثالثة. ووجه ذلك أنها موافقة سنة صلاة الخوف. ولم أجد للحنابلة والشافعية قول في ذلك -حسب ما اطلعت عليه- من كتبهم. ثانيا: الصلاة الرباعية: لا خلاف بين الفقهاء فيما أعلم أن الإمام يصلي بالطائفة الأولى ركعتين، وبالطائفة الثانية ركعتين (٣) . لأن صلاة الخوف مبنية على المساواة بين الطائفتين وفي الرباعية تحصل المساواة وإنما الخلاف فيما إذا جعل الإمام المجاهدين أربع فرق فصلى بكل فرقة ركعة، ثم يكملون لأنفسهم ما بقي عليهم، فقد اختلفوا إلى ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الصلاة صحيحة في حق الإمام ومن خلفه، ولا إعادة عليه ولا عليهم، ولكن هذا خلاف الأولى، وهذا قول عند الشافعية (٤) وقول عند الحنابلة (٥) .

стр. 153

ودليلهم: أن الحاجة تدعو إلى ذلك، فأشبه ما لو فرقهم فرقتين (١) . ونوقش: أنه لا فرق بين أن تكون به حاجة إلى ذلك أم لا، لأن الرخص إنما يصار إليها بما ورد الشرع به (٢) . القول الثاني: أن الصلاة تصح من البعض وتبطل من البعض الآخر وبهذا قال الجمهور (٣) إلا أنهم اختلفوا فيمن تصح صلاته ومن تبطل من الطوائف ففي قول عند الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (٤) أنها تصح صلاة الطائفة الأولى والثانية وتفسد صلاة الإمام والطائفة الثالثة والرابعة. ووجه صحة صلاة الطائفة الأولى والثانية: أنهما خرجتا من الصلاة قبل أن تفسد صلاة الإمام بالانتظار الثالث، لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ انتظار ثالث في صلاة الخوف، فزاد انتظار لم يرد الشرع به. ووجه فساد صلاة الإمام والطائفة الثالثة والرابعة: إن الإمام بطلت صلاته بالانتظار الثالث، ولأن الطائفة الثالثة والرابعة إنما به وصلاته باطلة من أولها، فبطلت صلاتهما (٥) فإن لم تعلما ببطلان صلاة الإمام فلا تبطل صلاتهما؛ لأن ذلك مما يخفى كما لو أتم بمحدث لم يعلم حدثه لم تبطل صلاة المأموم (٦) .

стр. 154

وقال الحنفية (١) ، والمالكية (٢) تبطل صلاة الطائفة الأولى والثالثة، لأنهما فارقا الإمام في غير محل المفارقة. وتصح صلاة الإمام في الجميع، لأنهم لم يجعلوا كثر الانتظارات من الإمام مبطلة للصلاة، وتصح كذلك صلاة الطائفة الثانية والرابعة، لأن مفارقتهما للإمام كانت وفي وقت الانصراف (٣) . القول الثالث: أن الصلاة باطلة في حق الإمام وجميع الطوائف، قال به سحنون (٤) من المالكية وهو قول عند الحنابلة (٥) . لأن الصلاة تبطل بالانتظار الأول، لأنه زاد على انتظار الرسول ﷺ زيادة لم يرد الشرع بها (٦) . والذي يظهر في صلاة المغرب والصلاة الرباعية في الحضر في حال الخوف أن قسمة المجاهدين إلى طائفتين يصلي بالطائفة الأولى ركعتين وبالطائفة الأخرى باقي الصلاة هو الأولى والأرجح لما يأتي: ١- أن ذلك أقرب إلى المساواة بين الطائفتين في الصلاة.

стр. 155

٢- أن النبي ﷺ كان يقسم الناس إلى طائفتين يصلي بالأولى نصف الصلاة وبالأخرى النصف الثاني، كما سبق في الأحاديث الصحيحة ولم يرد عنه ﷺ فيما أعلم أنه قسم الناس إلى ثلاث طوائف أو أربع. ٣- أن صلاة الخوف مبنية على التخفيف والإسراع فيها حتى يتفرغ المجاهدون للقتال، وقسمة المجاهدين إلى أكثر من طائفتين يؤدي إلى التطويل في الصلاة وكثرة المشقة فيها. إذا تقرر أنه يصلي بالطائفة الأولى ركعتين وبالثانية بقية الصلاة فهل ينتظر الإمام الطائفة الثانية قائما للركعة الثالثة أم جالسا في التشهد؟. اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى إلى قولين: القول الأول: أنه ينتظر الطائفة الثانية قائما، وهو المشهور عند المالكية (١) ووجه عند الشافعية (٢) وصف بأنه الأفضل، ورواية عند الحنابلة (٣) . واستدلوا بما يلي: ١- أنه لا غاية من قعوده ولا أمارة يعلمون بها فراغه من تشهده أو أوان قيامهم لقضاء ما عليهم إلا أن يشير إليهم وذلك زيادة عمل في الصلاة مستغنى عنه، فكان انتظاره إياهم قائما أولى (٤) . ٢- ولأن الإمام يحتاج إلى التطويل من أجل الانتظار والتشهد يستحب تخفيفه (٥) .

стр. 156

٣- ولأن أجر القائم أكثر من القاعد (١) . القول الثاني: أنه ينتظرهم جالسا، وهذا قول عند المالكية (٢) وأحد الوجهين عند الشافعية (٣) ورواية عند الحنابلة (٤) . واستدلوا بما يلي: ١- أن انتظاره إياهم في الجلوس أقر إلى المساواة لأنهم يدركونه في أول قيامه (٥) . ٢- ولأن الجلوس أخف على الإمام من القيام، وإذا انتظرهم قائما احتاج إلى قراءة سورة بعد الفاتحة وهذا خلاف السنة (٦) . قال في الشرح الكبير: كلا الآمرين جائز (٧) والذي يظهر أن الخلاف إنما هو في الأفضلية ولعل انتظاره إياهم في القيام أفضل، لأن ثواب القائم في الصلاة أكثر وحتى لا يحصل إشكال على الطائفة الأولى في المفارقة والطائفة الثانية في الدخول إلى الصلاة، لأن الطائفة الثانية قد تحرم بالصلاة معه قبل قيامه فلا يحصل الاتباع، والله أعلم. الوجه الثالث: الصلاة بكل طائفة صلاة كاملة. صفة الصلاة على هذا الوجه:

стр. 157

إذا حضرت الصلاة جعل الإمام المجاهدين طائفتين طائفة في وجه العدو، والطائفة الأخرى معه يصلي بها جميع الصلاة سواء كانت ركعتين أو ثلاثا أو أربعا، ثم يسلم بهم فيذهبون إلى وجه العدو وتأتي الطائفة الأخرى، فيصلى بهم تلك الصلاة مرة ثانية تكون لهم فريضة وله نافلة (١) . أدلة هذه الصفة ما يلي: ١- عن جابر ﵁ قال: (كنامع النبي ﷺ بذات الرقاع (٢) فأقيمت الصلاة فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين فكان للنبي ﷺ أربع وللقوم ركعتان) (٣) . قال النووي (معناه صلى بالطائفة الأولى ركعتين وسلم وسلموا، وبالثانية كذلك، وكان النبي ﷺ متنفلا في الثانية، وهم مفترضون) (٤) . ٢- عن أبي بكرة (٥) ﵁ قال: (صلى النبي ﷺ في خوف الظهر فصف بعضهم خلفه وبعضهم بإزاء العدو فصلى بهم ركعتين، ثم سلم فانطلق الذين صلوا

стр. 158

معه فوقفوا موقف أصحابهم ثم جاء أولئك فصلوا خلفه فصلى بهم ركعتين، ثم سلم فكانت لرسول الله ﷺ أربعا ولأصحابه ركعتين ركعتين) (١) . ٣- عن أبي بكرة ﵁ (أن النبي ﷺ صلى بالقوم في الخوف صلاة المغرب ثلاث ركعات، ثم انفرقوا وجاء الآخرون فصلى بهم ثلاث ركعات) (٢) . وقد اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في الأخذ بهذه الصفة إلى قولين: القول الأول: يجوز الأخذ بهذه الصفة، وبهذا قال الشافعية (٣) والحنابلة (٤) وابن حزم (٥) .

стр. 159

واستدلوا بما سبق من أدلة هذه الصفة من حديث جابر، وأبي بكرة ﵁ قال ابن حزم: هي أفضل صفات صلاة الخوف، لأن هذا آخر فعل رسول الله ﷺ لأن أبا بكرة شهد معه ولم يسلم إلا يوم الطائف، ولم يغز ﵊ بعد الطائف إلا غزوة تبوك (١) . وقال ابن قدامة: (وهذه صفة حسنة قليلة الكلفة لا يحتاج فيها إلى مفارقة إمامه ولا إلى تعريف كيفية الصلاة، وليس فيها أكثر من أن الإمام في الثانية متنفل يؤم مفترضين) (٢) . القول الثاني: لا يجوز الأخذ بهذه الصفة وبهذا قال الحنفية (٣) والمالكية (٤) . واستدلوا بأنه في حق الطائفة الثانية يحصل اقتداء المفترض بالمتنفل وهذا لا يجوز (٥) وقال الحنفية: إن كان الإمام مقيما فصلى بكل طائفة ركعتين جاز ذلك (٦) لأنه في هذه الحالة لا يحصل اقتداء مفترض بمتنفل. والذي يظهر أن الراجح هو القول الأول، فيجوز الأخذ بهذه الصفة، لأن الروايات التي جاءت في صفتها صحيحة والله أعلم. الوجه الرابع: صلاة الخوف ركعة واحدة في السفر. وصفة هذا الوجه: إذا حضرت الصلاة قسم الإمام المجاهدين إلى طائفتين طائفة في وجه العدو، وطائفة يصلي بهم ركعة، ثم يذهبوا إلى مواقع الطائفة الأخرى وتأتي الطائفة الأخرى فيصلى

стр. 160

بهم ركعة ثم يسلم بهم ولا يقضون فله ركعتان ولكل طائفة ركعة (١) . وأدلة هذه الصفة ما يلي: ١- عن ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ صلى بذي قرد (٢) فصف الناس خلفه صفين، صف خلفه وصف مواز العدو، فصلى بالذين خلفه ركعة، ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء وجاء أولئك، فصلى بهم ركعة ولم يقضوا) (٣) . ٢- وعن ثعلبة بن زهدم (٤) قال: (كنا مع سعيد بن العاص (٥) بطبرستان (٦) فقام

стр. 161

فقال: أيكم صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف؟ فقال أبو حذيفة: أنا فصلى بهؤلاء ركعة ولم يقضوا) (١) . وقد اختلف الفقهاء في الأخذ بهذه الصفة إلى قولين: القول الأول: يجوز الأخذ بهذه الصفة، قال به جمع من الصحابة والتابعين وابن حزم الظاهري وظاهر كلام الإمام أحمد يقتضي الجواز (٢) . واستدلوا بما يلي: ١- ما سبق من حديث ابن عباس، وما جاء عن حذيفة ﵄ في صلاة الخوف أنها ركعة واحدة. ٢- ما جاء عن ابن عباس ﵄ قال: (فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة) (٣) .

стр. 162

٣- ولأنه لما سقط شطر الصلاة لأجل المشقة في السفر، وجب أن يسقط بالخوف شطر أخر لتزايد المشقة (١) . القول الثاني: أنه لا يجوز الأخذ بهذه الصفة، وبهذا قال الجمهور (٢) . واستدلوا: بأن الخوف لا ينقص من عدد الركعات شيئا، وإنما تأثيره في هيئة الصلاة وصفتها (٣) . وناقشوا أدلة من جوز هذه الصفة بما يلي: ١- ناقشوا حديث ابن عباس في صلاة الخوف بذي قرد من وجهين: الأول: أن هذا الحديث لا يثبت. الثاني: وعلى فرض ثبوته فإن ابن عباس لم ينقل ذلك عن النبي ﷺ لصغر سنه فالأخذ برواية من حضرها وصلاها مع النبي ﷺ أولى، وهي مخالفة لما رواه ابن عباس (٤) . ٢- وناقشوا ما جاء عن حذيفة: بأنه أخرج البيهقي من حديث سليم السلولي أن حذيفة صلاها بطبرستان مثل صلاة النبي ﷺ بعسفان (٥) وتقدمت صفتها.

стр. 163

فالأخذ بهذه الرواية موافق للرواية الصحيحة في صلاة الخوف فيحمل حديث حذيفة عليها: ٣- أن المراد بقوله في حديث ابن عباس وحذيفة: (لم يقضوا) أي لم يعيدوا الصلاة بعد الأمن، أو لم يقضوا في علم من روى ذلك (١) . ٤- وناقشوا حديث ابن عباس في أن صلاة الخوف في السفر ركعة: بأن المراد ركعة مع الإمام وركعة أخرى يأتي بها منفردا كما جاء في الأحاديث الصحيحة في صلاة النبي ﷺ وأصحابه في الخوف جمعا بين الروايات (٢) . ٥- وناقشوا تعليلهم بأنه لما سقط شطر الصلاة لأجل المشقة في السفر وجب أن يسقط بالخوف الشطر الآخر لتزايد المشقة بأن هذا منتقض بالمرض فإن مشقته أشد ولا أثر له في القصر بالإجماع، ثم يبطل ما ذهبوا إليه بالإمام، فإنه يصلي ركعتين (٣) . والجواب على هذه المناقشة كما يلي: ١- قولهم أن حديث ابن عباس بذي قرد لا يثبت، فيه نظر فقد صححه الحاكم، ووافقه الذهبي على التصحيح (٤) .

стр. 164

وقولهم أن ابن عباس لم ينقل ذلك عن النبي ﷺ لا يؤثر، فقد اتفقت الأمة على قبول رواية ابن عباس ونظرائه من الصحابة مع أن عامتها مرسلة عن النبي ﷺ ولم ينازع في ذلك أحد من السلف وأهل الحديث والفقهاء (١) . ٢- وأما قولهم أن حذيفة صلاها بطبرستان مثل صلاة النبي ﷺ بعسفان، كما في رواية سليم السلولي عند البيهقي، فيحتمل أن هذه صفة أخرى لصلاة الخوف في طبرستان حيث كان العدو إلى جهة القبلة فصلاها كصلاة النبي ﷺ بعسفان، ثم هذه الرواية ضعيفة، لأن سليما السلولي مجهول كما قال ابن حزم (٢) . ٣- أما قولهم أن المراد بقوله في الحديث (لم يقضوا) أي لم يعيدوا بعد الأمن فقد قال الشوكاني: هذا بعيد جدا (٣) ويرد عليهم بحديث ابن عباس عند مسلم (وفي الخوف ركعة) (٤) . فهذا حديث صحيح ذكر أن صلاة الخوف ركعة. ٤- وأما قولهم في حديث ابن عباس الذي جاء فيه (وفي الخوف ركعة) أن المراد ركعة مع الإمام وأخرى يأتي بها متفردا: فإنه مردود بما جاء في حديث ابن عباس بذي قرد، وحديث حذيفة (ولم يقضوا) أي أنهم لم يأتوا بركعة منفردين، وما جاء عن حذيفة أنه أمر بقضاء ركعة، فهذا قد انفرد به الحجاج بن أرطاة (٥) وهو ساقط لا تحل الرواية عنه، ثم لو صح لما منع من

стр. 165

رواية الثقات أنهم لم يقضوا بل يكون كل ذلك جائزا (١) . الترجيح الذي يظهر بعد ما تقدم من الأدلة، والمناقشة أن هذه الصفة ثابتة لصحة الأحاديث التي جاءت بها، لكن تحمل على الصلاة في شدة الخوف والتحام الجيوش فتصلي ركعة واحدة وتجزئ كما ذهب إلى ذلك بعض أهل العلم من التابعين وغيرهم (٢) قال مجاهد (٣) في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] قال: هذه في حال العدو يصلي راكبا وراجلا يومئ حيث كان وجهه والركعة الواحدة تجزئه (٤) ولأن في صلاة شدة الخوف يغتفر ترك الركوع والسجود، فكذلك ترك الركعة والله أعلم. الحالة الثانية من حالات الخوف: شدة الخوف. وضابط شدة الخوف هو: إطلال العدو على المجاهدين فيتراءون معا، ولا يدعهم العدو يصلون نازلين بل يهاجمونهم والمجاهدون في غير حصن فينالهم السلام والرمي (٥) .

стр. 166

اتفق الفقهاء -فيما أعلم- على أن المجاهدين يصلون رجالا وركبانا إلى القبلة وغير القبلة إيماء بالركوع والسجود، ويجعلون السجود أخفض من الركوع في حال شدة الخوف دون حصول القتال والتحام الجيوش والضرب والطعن (١) . واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ الآية [البقرة: ٢٣٩] . قال ابن عمر ﵄ (فإن كان خوفا هو أشد.. صلوا رجالا قياما على أقدامهم، أو ركبانا مستقبل القبلة أو غير مستقبليها) (٢) . الحالة الثالثة للخوف: التحام الجيوش وحصول القتال، والضرب والطعن. اختلف الفقهاء في هذه الحالة، هل يصلي المجاهدون صلاة شدة الخوف أم يؤخرون الصلاة إلى انكشاف القتال؟ إلى قولين: القول الأول: أنهم يصلون صلاة شدة الخوف رجالا أو ركبانا إلى القبلة أو إلى غيرها يؤمئون بالركوع والسجود على حسب استطاعتهم وقدرتهم ولا يتركون الصلاة مطلقا.

стр. 167

وبهذا قال جمهور الفقهاء (١) . القول الثاني: أنهم لا يصلون صلاة شدة الخوف في حال القتال وكثرة الضرب والطعن ويؤخرون الصلاة إلى انكشاف القتال، وبهذا قال الحنفية (٢) وهو قول عند المالكية (٣) وقول عند الشافعية (٤) ورواية عند الحنابلة (٥) . وقد سبق بيان هذه الأقوال، وأدلة كل قول ومناقشتها والترجيح عند الحديث عن وقت صلاة الخوف، وما قيل: هناك، يقال: هنا (٦) والله أعلم. المطلب الخامس الصلاة على الدواب والآليات إيماء اتفق الفقهاء رحمهم الله تعالى على أن المجاهدين يصلون في شدة الخوف ركبانا على الدواب (والآليات التي تقوم مقام الدواب اليوم) يومئون بالركوع والسجود إلى القبلة أو إلى غيرها على حسب استطاعتهم (٧) .

стр. 168

يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] . جاء في تفسير هذه الآية، أي: إن خفتم من عدوكم حال التقائكم معهم فصلوا قياما، أو مشاة على أرجلكم أو ركبانا على ظهور دوابكم (١) . وقال ابن عمر ﵄ (فإن كان خوفا هو أشد.. صلوا رجالا قياما على أقدامهم أو ركبانا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها) (٢) . المطلب السادس ترك التوجه إلى القبلة في صلاة الخوف اتفق الفقهاء رحمهم الله تعالى على أن التوجه إلى القبلة شرط في الصلاة وأن التحول عن القبلة لغير عذر مبطل للصلاة (٣) . قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] . فإن وجد عذر، كالقتال في سبيل الله ، وكان ذلك في حال شدة الخوف وعجز المجاهد عن استقبال القبلة ولو عند افتتاح الصلاة، فإنه يجوز له ترك التوجه إلى القبلة باتفاق الفقهاء (٤) .

стр. 169

يدل على ذلك ما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] . جاء في تفسيرها إذا وقع الخوف فليصل الرجل على كل جهة قائما أو راكبا (١) . ٢- عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (فإن كان خوفا هو أشد من ذلك صلوا رجلا قياما على أقدامهم أو ركبانا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها) (٢) . ٣- ولأن المجاهد ترك التوجه إلى القبلة بسبب العدو للضرورة إلى ذلك (٣) . أما حالة الخوف غير الشديد فقد سبق بيان كيفية الصلاة فيها، وأن الإمام يصلي بهم أما حالة الخوف غير الشديد فقد سبق بيان كيفية الصلاة فيها، وأن الإمام يصلي بهم جميعا إذا كان العدو جهة القبلة، وإن كانوا إلى غير جهة القبلة جعلهم الإمام طائفتين: طائفة في الحراسة وطائفة تصلي إلى جهة القبلة (٤) . وعلى هذا يلزم استقبال القبلة في حالة كون الخوف غير شديد. والله أعلم. المطلب السابع اشتراط الجماعة لصلاة الخوف تمهيد: لا خلاف بين العلماء أن صلاة الجماعة مشروعة (٥) واختلفوا في حكمها في حال الأمن إلى قولين:

стр. 170

القول الأول: أن صلاة الجماعة واجبة على الأعيان. قال بهذا الحنابلة (١) وهو قول عند الشافعية (٢) وابن حزم (٣) . واستدلوا بما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] . وجه الدلالة من الآية: أن الله أمر بإقامة الجماعة حال الخوف ففي غيره أولى (٤) . ٢- عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم..) (٥) . وجه الدلالة من الحديث: أنه ﷺ توعدهم بالعقوبة، ولا عقوبة إلا على ترك واجب أو فعل محرم (٦) . واختلف أصحاب هذا القول هل الجماعة شرط لصحة الصلاة أم لا؟ فنص الإمام أحمد ﵀ على أن الجماعة ليست شرطا لصحة الصلاة (٧) .

стр. 171

والدليل ما رواه ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) (١) . وجه الدلالة: أن المفاضلة تدل على أن المفضول فيه فضل، فيلزم من ذلك أن يكون صحيحا (٢) . ويستدل أيضا: بأنه لا قائل بوجوب الإعادة على من صلى وحده (٣) . وفي رواية عند الإمام أحمد أخذ بها ابن تيمية، وابن حزم وغيرهما، أن الجماعة شرط لصحة الصلاة، فمن صلى في بيته دون عذر لم تصح صلاته (٤) . واستدلوا بما سبق من أدلة وجوب الصلاة على الأعيان. وبما جاء عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من سمع المنادي فلم يمنع من اتباعه عذر. قالوا: وما العذر؟ قال: خوف أو مرض لم تقبل منه الصلاة التي صلى» (٥) .

стр. 172

ولأن ما ثبت وجوبه في الصلاة كان شرطا في صحة الصلاة كسائر الواجبات (١) . القول الثاني في حكم صلاة الجماعة: أنها غير واجبة على الأعيان، ثم اختلفوا بينهم. هل هي فرض كفاية، أم سنة مؤكدة؟ فعند الشافعية على الصحيح أنها فرض كفاية (٢) . وعند الحنفية (٣) والمالكية (٤) أنها سنة مؤكدة والسنة المؤكدة عند كثير من الحنفية بمعنى الواجب قال في بدائع الصنائع: قال عامة مشائخنا أنها واجبة، ورد على الكرخي (٥) وغيره من الحنفية الذين قالوا: أنها سنة مؤكدة، بأن هذا ليس اختلافا في الحقيقة، بل من حيث العبارة، لأن السنة المؤكدة والواجب سواء، فإن الكرخي قال: هي سنة، ثم فسرها بالواجب، فقال: الجماعة سنة لا يرخص لأحد التأخر عنها، إلا لعذر وهذا تفسير الواجب (٦) . واستدلوا بأنها ليست فرضا على الأعيان:

стр. 173

بقوله ﷺ (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) (١) . وجه الدلالة: أن المفاضلة تكون حقيقتها بين فاضلين جائزين (٢) . وناقشوا استدلال أصحاب القول الأول بما يلي: ١-الآية التي استدلوا بها المراد بها تعليم صلاة الخوف وبيانها عند ملاقاة العدو، لأن ذلك أبلغ في الحراسة فلا دليل على وجوب الجماعة فيها (٣) . والجواب من وجهين: الأول: أنه أمرهم بصلاة الجماعة معه في صلاة الخوف، والأمر المطلق يقتضي الوجوب فهي واجبة حال الخوف (٤) . الثاني: أن صلاة الخوف يجوز فيها ما لا يجوز في غيرها من ترك استقبال القبلة والعمل الكثير والتأخر عن متابعة الإمام، ولو كانت صلاة الجماعة غير واجبة لكان قد التزم المصلي محظورا مبطلا للصلاة لأجل فعل مستحب، فعلم أنها واجبة (٥) . ٢- وناقشوا الاستدلال بالحديث من وجهين: الأول: أن الحديث ورد في قوم منافقين يتخلفون عن الجماعة ولا يصلون فرادى.

стр. 174

الثاني: أن النبي ﷺ قال: (لقد هممت) ولم يفعل ولو كان واجبا ما تركه (١) . والجواب على الوجه الأول: أن النبي ﷺ كان يقيل المنافقين في الأمور الباطنة، أما ما ظهر منهم من ترك واجب أو فعل محرم فإنه يعاقبهم عليه، فلولا أن في ذلك ترك واجب لما حرقهم ثم إنه رتب العقوبة على ترك شهود الصلاة فيجب ربط الحكم بالسبب الذي ذكره (٢) . أما الوجه الثاني: فإنه تركهم، لأنه يجوز ترك الواجب لما هو أوجب منه (٣) وربما أنه كان في البيوت أطفال ونساء ممن لا تجب عليهم صلاة الجماعة، فترك ذلك من أجلهم، قال الشيخ ابن عثيمين: الذي منعه، أنه لا يعاقب بالنار إلا الله (٤) . الترجيح الذي يظهر لي مما تقدم في حكم صلاة الجماعة أنها فرض عين لما سبق من الأدلة الدالة على وجوبها على الأعيان، ولمواظبة النبي ﷺ عليها حتى في حالات قتال الأعداء وشدة الخوف، ثم لو كانت سنة لما توعد تاركها بالعقاب، ولو كانت فرض كفاية لكانت قائمة بالرسول ﷺ وبمن صلى معه، فتعين أنها فرض عين وليست شرطا في صحة الصلاة، كما ذهب إليه بعض الحنابلة، وابن حزم، وغيرهم لما سبق من أحاديث المفاضلة التي تدل على صحة صلاة الفرد بدون عذر، وقياسهم الشروط على

стр. 175

سائر الواجبات في الصلاة قياس مع الفارق، لأن صلاة الجماعة واجبة للصلاة وسائر الواجبات في الصلاة واجبة في الصلاة ذاتها، فهي ألصق بها من الواجب لها (١) والله أعلم. إذا تقرر هذا فهل الجماعة شرط في صلاة الخوف؟ إذا كان الخوف غير شديد فهي واجبة على الأعيان، وليست شرطا لصحة الصلاة على ما رجحنا من أقوال أهل العلم، ويجري فيها الخلاف السابق ذكره. والأدلة على أنها واجبة على الأعيان في الخوف غير الشديد ما سبق من أدلة الوجوب، وما سبق أيضا من صفات صلاة الخوف والتي كان فيها الرسول ﷺ محافظا على صلاة الجماعة على اختلاف صورها وصفاتها (٢) . ولأن في صلاة المجاهدين جماعة، هيبة في قلوب العدو، وتأليف بين المجاهدين، وتقوية لهم على الجهاد في سبيل الله. أما إقامة الجماعة في حال شدة الخوف، فقد اختلف الفقهاء في ذلك فذهب الجمهور إلى أنه يصح إقامة الجماعة في صلاة شدة الخوف ويومئون بالركوع والسجود (٣) واستدلوا بما سبق من الأدلة الواردة في فضل صلاة الجماعة ولزومها. وقال الحنفية وهو قول عند الحنابلة لا يلزمهم إقامة الصلاة جماعة في اشتداد الخوف (٤)

стр. 176

واستدلوا بأنه لا يمكن في حال اشتداد الخوف الاقتداء بالإمام، لأنه قد يتأخر ويتقدمون عنه (١) . الترجيح والذي يظهر أن قول الجمهور هو الراجح لأنه إذا أمكن صلاتها فرادى فصلاتها جماعا أولى لكن بشرط متابعة الإمام، ولا يضر التقدم عليه للحاجة إلى ذلك في صلاة الخوف (٢) ولا تجب لأن شدة الخوف عذر في ترك الجماعة. والله أعلم. المطلب الثامن كيفية قراءة الإمام في صلاة الخوف وفيه فرعان: الفرع الأول: كيفية قراءة الإمام في صلاة الخوف من حيث السر والجهر . الفرع الثاني: التخفيف في القراءة. الفرع الأول كيفية قراءة الإمام في صلاة الخوف من حيث السر والجهر لا إشكال أنه يسر الإمام بالقراءة في مواضع السر ويجهر في مواضع الجهر من الصلاة (٣) والجهر بالقراءة سنة في الصلاة (٤) فإن خشي إن رفع صوته في موضع الجهر في الصلاة

стр. 177

أن يسمعه العدو فيستغلوا انشغالهم بالصلاة فيحملوا عليهم، إذا خشي ذلك، خفف صوته بقدر إسماع من حوله، والله أعلم. الفرع الثاني التخفيف في القراءة أولا: الركعة الأولى: يستحب تخفيف القراءة في الركعة الأولى في مواطن القراءة بالسور الطوال (١) لأن صلاة الخوف مبنية على التخفيف، لأن المجاهد في حالة شغل وحرب ومخاطرة (٢) قال الشافعي ﵀ لو قرأ بالفاتحة وقل هو الله أحد (الإخلاص) لم أكره ذلك (٣) . ثانيا: الركعة الثانية: يندب للإمام إطالة القراءة في الركعة الثانية حتى تقضي الطائفة التي فارقت الإمام وتأتي الطائفة الأخرى التي كانت في الحراسة فتصلي معه وهذا على القول بأن الإمام في حال انتظاره الطائفة الثانية يقرأ قبل مجيء الطائفة الثانية، وهذا قول الحنابلة، وقول عند الشافعية (٤) ؛

стр. 178

لأن القيام محل للقراءة فلا يسكت فيه (١) . أما على القول الثاني للشافعية (٢) بأن الإمام لا يقرأ حتى تدخل معه الطائفة الثانية، حتى يسوي بين الطائفتين في القراءة فإن الإمام لا يطيل القراءة، وإنما يقرأ بالفاتحة وسورة قصيرة. قال أبو إسحاق المروزي (٣) إذا علم أنه إذا قرأ لم تدركه الطائفة الثانية في القراءة لم يقرأ وإن علم أنهم يدركونه قرأ (٤) اهـ وهذا جمع سديد بين القولين. فإذا أدركته الطائفة الثانية وهو يقرأ، قرأ بعد مجيئها بقدر الفاتحة وسورة، وإن لم يقرأ بعد مجيئها وأدركته في الركوع صح ذلك، ويكون قد ترك المستحب، وهو القراءة بعد مجيئها بقدر الفاتحة وسورة (٥) والله أعلم. المطلب التاسع سهو الإمام في صلاة الخوف السهو في صلاة الخوف كغيرها من الصلوات، ولا يخلو أن يسهو الإمام وهو يصلي بالطائفة الأولى، أو بعد مفارقة الطائفة الأولى له وقبل دخول الثانية، أو بعد دخول الطائفة الثانية.

стр. 179

فإذا سها الإمام وهو يصلي بالطائفة الأولى فلا يخلو أن يكون موجب سجود السهو ظاهرا للمأمومين كالزيادة أو النقصان فهذا لا يحتاج إلى إشارة الإمام (١) وإن كان مما يخفى عليهم أشار إليهم الإمام بما يفهمون به أنه سها (٢) . وقال المالكية: إن لم يفهموا الإشارة كلمهم بشرط أن يكون السجود لما يوجب البطلان (٣) أي بطلان الصلاة، فإن لم يعلموا سهو الإمام فانصرفوا ثم علموا فإن كانوا قريبا عادوا وإلا فلا. لأن سجود السهو ليس من صلب الصلاة وقد ذهب موضعه. ويسجدون لسهو إمامهم بعد أن يكملوا صلاتهم ويسجدون للسهو قبل إمامهم للضرورة، أما إذا سها الإمام بعد مفارقتهم إياه، فلا يلزمهم سجود السهو، لأنهم قد أكملوا صلاتهم وفارقوه دون سهو منه (٤) . أما الطائفة الثانية: فإنها تخاطب بسجود السهو، سواء سها الإمام معها أو مع الطائفة الأولى أو بعد مفارقة الطائفة الأولى له وقبل دخولها معه (٥) .

стр. 180

ووجه ذلك: أنهم معه كالمسبوق، فيسجدون لسهوه فيما أدركوه وفيما فاتهم (١) ، ويسجدون للسهو مع إمامهم بعد أن يتموا لأنفسهم ما بقي من صلاتهم، وهذا على قول الحنابلة، والشافعية وقول عند المالكية على ما سبق بيانه في صلاة الخوف (٢) . لأن الإمام ينتظرهم حتى يسلم بهم، ولأن ذلك موضع لسجود السهو (٣) . أما على القول الثاني عند المالكية، أن الإمام يسلم بالطائفة الثانية ثم يقومون فيتمون لأنفسهم ما بقي من صلاتهم، فإنهم يسجدون مع الإمام للسهو إذا كان مكان السجود قبل السلام، كالسجود لنقص في الصلاة، أما إن كان السجود بعد السلام، كالسجود لزيادة في الصلاة، فإنهم يسجدون للسهو بعد فراغهم من صلاتهم (٤) والله أعلم. المطلب العاشر قطع الصلاة لسماع صفارات الإنذار إذا بدأ المجاهدون الصلاة صلاة أمن، فحدث خوف أعلن عنه بصفارات الإنذار، أو غيرها من وسائل الإنذار، فإن لهم أن يقطعوا الصلاة ويصلونها صلاة الخوف، إن خافوا خروج الوقت. جاء في مواهب الجليل: (إذا صلوا الأمن فحدث الخوف الشديد في أثناء الصلاة قطعوا وعادوا إلى الصلاة الخوف، سواء كان ذلك بعد عقد ركعة أو قبلها) (٥) وإن لم
следующие страницы →