← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1933

أحكام المجاهد بالنفس في سبيل الله عز وجل في الفقه الإسلامي

مرعي الشهري

Полный текст (646 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

٢- إذا عين إمام المسلمين شخصا بعينه للجهاد وعلى هذا يكون الجهاد فرض عين على العسكر المعينين من قبل الإمام في ديوان الجند. ٣- إذا كان النفير عاما، كأن يستنفر الإمام أهل بلد أو قرية إلى الجهاد. لقوله ﷺ : «وإذا استنفرتم فانفروا» (١) . الحالة الثانية: دفع العدو عن بلاد المسلمين. والجهاد في هذه الحالة فرض عين على أهل البلد، ثم الذين يلونهم، حتى يكون على جميع المسلمين وحتى يندفع شر العدو، وهذا مجمع عليه. جاء في أحكام القرآن للجصاص (ومعلوم في اعتقاد جميع المسلمين أنه إذا خاف أهل الثغور من العدو ولم تكن فيهم مقاومة لهم فخافوا على بلادهم وأنفسهم وذراريهم أن الفرض على كافة الأمة أن ينفر إليهم من يكف عاديتهم عن المسلمين وهذا لا خلاف فيه بين الأمة..) (٢) . وفي الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: (إذا تعين الجهاد بغلبة العدو على قطر من الأقطار.. وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافا وثقالا، شبابا وشيوخا كل على قدر طاقته.. فإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا، على حسب ما لزم أهل تلك البلدة حتى يعلموا أن منهم طاقة على القيام بهم ومدافعتهم، وكذلك كل من علم بضعفهم عن عدوهم وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضا الخروج إليهم فالمسلمون كلهم يد على من سواهم) (٣) . ويستدل لذلك بعموم النصوص من الكتاب والسنة التي تدل على فرض الجهاد بالنفس في سبيل الله وقد سبق ذكرها (٤) .

стр. 72

الباب الأول أحكام المجاهد بالنفس في العبادات وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: أحكام المجاهد في الطهارة. الفصل الثاني: أحكام المجاهد في الصلاة. الفصل الثالث: أحكام المجاهد في الزكاة والصوم والحج. الفصل الرابع: أحكام المجاهد في باب الجهاد.

стр. 73

الفصل الأول أحكام المجاهد في الطهارة ويشتمل على أربعة مباحث: المبحث الأول: طهارة المجاهد بالماء وهو جريح. المبحث الثاني: طهارة أعضاء المجاهد المقطوعة. المبحث الثالث: تيمم المجاهد. المبحث الرابع: مسح المجاهد.

стр. 74

المبحث الأول طهارة المجاهد بالماء وهو جريح (١) لا يختلف المجاهد في سبيل الله في الطهارة بالماء وهو جريح عن غيره من الجرحى، وإنما أفردته بالذكر لأنه الأكثر تعرضا للجراح فيحتاج إلىمعرفة كيفية الطهارة مع الجراح سواء كانت الطهارة من الحدث الأكبر أو من الأصغر، وله مع الجراح حالتان: الحالة الأولى: أن تكون جراحة مكشوفة. الحالة الثانية: أن تكون جراحة مستورة بحائل (٢) . فأما الحالة الأولى إذا كانت جراحة مكشوفة، فالأصل أن فرضه غسل العضو المجروح بالماء سواء كان من بدنه في الحدث الأكبر، أو من أعضاء وضوئه في الحدث الأصغر، إلا أن يخاف ضررا بغسله، فإن خاف ضررا بغسله فقد اختلف الفقهاء، رحمهم الله تعالى، في كيفية طهارته إلى ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه يغسل الصحيح من بدنه في الحدث الأكبر ومن أعضاء وضوئه في الحدث الأصغر، ويمسح بالماء على الجراح إذا لم يتضرر من ذلك وجوبا، ولا يحتاج إلى التيمم وهذا القول رواية عند الحنابلة هي الصحيح من المذهب اختارها ابن تيمية (٣) .

стр. 75

واستدلوا بما يلي: ١- عموم قوله ﷺ «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (١) . ٢- ولأنه عجز عن غسله وقدر على مسحه، وهو بعض الغسل فوجب الإتيان بما قدر عليه، كمن عجز عن الركوع والسجود وقدر على الإيماء (٢) . ٣- ولأنه إذا جاز مسح الجبيرة ومسح الخف وكان ذلك أولى من التيمم، فلأن يكون مسح العضو بالماء أولى من التيمم (٣) . القول الثاني: الجمع بين الغسل بالماء والتيمم، فيغسل الصحيح من بدنه في الحدث الأكبر، والصحيح من أعضاء وضوئه في الحدث الأصغر ويتيمم عن الجراح التي يضره غسلها، وبهذا قال الشافعية سواء قدر على مسح الجراح أم لا (٤) والحنابلة إذا لم يمكن مسح الجراح بالماء (٥) .

стр. 76

واستدلوا بما يلي: ١- عن جابر ﵁ قال: خرجنا في سفر فأصاب رجل منا شجة في وجهه ثم احتلم، فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك فقال: «قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال، إنما يكفيه أن يتيمم ويعصب على جراحه خرقة ثم يمسح عليها ثم يغسل سائر جسده» (١) . فهذا الحديث نص صريح في الجمع بين الماء والتيمم (٢) . ٢- ولأن العجز عن إيصال الماء إلى بعض أعضائه لا يقتضي سقوط الفرض عن إيصاله إلى ما لم يعجز عنه قياسا على ما إذا كان عادما لبعض أعضائه (٣) .

стр. 77

٣- ولأنها طهارة ضرورة فلم يعف فيها إلا على قدر ما دعت إليه الضرورة، كطهارة المستحاضة (١) . وقد اتفق أصحاب هذا القول أنه لا يلزم الترتيب بين العضو المغسول والعضو المتيمم له في الطهارة من الحدث الأكبر (٢) لأن التيمم للعجز عن استعمال الماء في الجراح وهو متحقق على كل حال (٣) . واختلفوا في لزوم الترتيب في الطهارة من الحدث الأصغر. فالصحيح عند الحنابلة (٤) ، وقول عند الشافعية (٥) أنه لا يلزم الترتيب. واستدلوا بما يلي (٦) . ١- أن التيمم طهارة مفردة فلا يجب الترتيب بينها وبين الطهارة الأخرى، كما لو كان الجريح جنبا. ٢- ولأن في لزوم الترتيب حرج وضرر وذلك مدفوع بقوله تعالى: ... ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] .

стр. 78

وفي قول عند الحنابلة (١) وقول عند الشافعية (٢) أنه يلزم الترتيب فيجعل التيمم في مكان الغسل الذي تيمم بدلا عنه، وصفة الطهارة على هذا القول كما يلي (٣) . أ- إن كان الجرح في وجهه بحيث لا يمكنه غسل شيء منه لزمه التيمم أولا، ثم يكمل الوضوء. ب- إن كان الجرح في بعض وجهه فله أن يغسل صحيح وجهه ثم يتيمم، أو العكس ثم يكمل وضوءه. ج- إن كان الجرح في عضو آخر غسل ما قبله وجوبا، ثم تيمم ثم يكمل الوضوء. د- إن كانت الجراح في وجهه ويديه ورجليه احتاج في كل عضو إلى تيمم في محل غسل الجراح. ودليلهم مراعاة الترتيب فلا ينتقل عن العضو المعلول حتى يكمل طهارته أصلا وبدلا (٤) . وهذا القول فيه مشقة وحرج وهذا يتنافى مع قواعد الشريعة التي تدعو إلى رفع الحرج والمشقة، ثم فيه أنه يتيمم أربع مرات لطهارة واحدة وهذا لا دليل عليه. والله أعلم. والقول الثالث: في كيفية طهارة الجريح أنه لا يجمع بين الغسل بالماء والتيمم، فإن كان أكثر بدنه في الحدث الأكبر وأعضاء وضوئه في الحدث الأصغر صحيحا غسل الصحيح ولا تيمم عليه للجريح، وإن كان الأكثر جريحا تيمم ولا غسل عليه للعضو الصحيح وبهذا قال الحنفية (٥) والمالكية (٦) .

стр. 79

واستدلوا بما يلي: ١- أن الأقل تابع للأكثر فالمجدور يكفيه التيمم ولم يقل أحد أن المجدور يغسل ما صح من بدنه بين الجراح فدل أن العبرة للأكثر (١) . ونوقش هذا: بأن الاستدلال بالأغلب أصل لا يعتبر في الطهارة، فإنه لو غسل أكثر جسده من جنابة أو أكثر أعضاء وضوئه من حدث لم يجزه تغليبا للأكثر فكذلك هنا (٢) . ٢- أنه لا يجمع بين الأصل والبدل على سبيل رفع أحدهما للآخر، فإذا كان الأكثر مجروحا لم يكن له بد من التيمم (٣) . ونوقش هذا: بأنه لا جمع بين بدل ومبدل لأن التيمم بدل ما لم يصل إليه الماء فلم يكن جمعا في محل بين بدل ومبدل (٤) . ويأتي على هذا القول ما إذا كان نصف أعضاء البدن في الحدث الأكبر ونصف أعضاء الوضوء في الحدث الأصغر صحيحا والنصف الأخر جريحا. اختلف الحنفية في هذه الحالة، فمنهم من قال: فرضه التيمم لأنها طهارة كاملة. ذكره في الاختيار، وقال عنه: حسن، وقال في فتح القدير: هو أشبه بالفقه (٥) .

стр. 80

ومنهم من قال: فرضه الغسل ومسح الجرح ما لم يضره، لأنها طهارة حقيقة وحكمية فكان الغسل مع المسح أولى، اختار هذا القول صاحب البحر الرائق، وقال: هو أحوط (١) وقال المالكية: يغسل الصحيح ويمسح الجريح (٢) . الترجيح بعد ذكر أقوال الفقهاء ﵏ وأدلة كل قول ومناقشة ما أمكن مناقشته منها، فإن الأقرب إلى الرجحان القول الأول، حيث يغسل ما صح من بدنه في الحدث الأكبر ومن أعضاء وضوئه في الحدث الأصغر ويمسح الجراح بالماء ويكفيه ذلك عن التيمم سواء كان أكثر البدن أو أعضاء الوضوء صحيحا أم جريحا، لأن في هذا رفع للحرج والمشقة عن الجريح والمسح بالماء مع القدرة عليه أولى من التيمم، فإن لم يمكن المسح بالماء وخاف الضرر منه تيمم أولا لجميع الجراح في بدنه أو أعضاء وضوئه، ثم يغسل الصحيح من بدنه أو من أعضاء وضوئه، لأنه لما عجز عن مسح الجريح بالماء تيمم له حتى لا يبقى عضو دون تطهير. والله أعلم.

стр. 81

المبحث الثاني طهارة أعضاء المجاهد المقطوعة (١) لا يختلف المجاهد في سبيل الله عن غيره في طهارة ما بقي من الأعضاء المقطوعة وإنما أفردته بالذكر لأنه يتعرض لقطع الأعضاء في الجهاد في سبيل الله. والأعضاء المقطوعة لها حالات. الحالة الأولى: أن تقطع من فوق المرفق في اليد ومن فوق الكعب في الرجل. الحالة الثانية: أن تقطع من دون المرفق في اليد ومن دون الكعب في الرجل. الحالة الثالثة: أن تقطع من المرفق في اليد ومن الكعب في الرجل. الحالة الأولى: أن تقطع من فوق المرفق في اليد ومن فوق الكعب في الرجل: لا نزاع بين العلماء فيما أعلم في هذه الحالة أنه يسقط وجوب الغسل. قال في الإنصاف: (أن يكون القطع من فوق محل الفرض فلا يجب الغسل بلا نزاع) (٢) . ووجه هذه الحالة؛ أنه انعدام محل الغسل بالقطع (٣) .

стр. 82

لكن قال الشافعية: يستحب غسل ما فوق المرفق والكعب لأنه موضع قد يصل إليه الماء في إسباغ الوضوء (١) . وقال الحنابلة: يستحب مسح القطع بالماء لئلا يخلو العضو عن الطهارة (٢) . الحالة الثانية: أن يكون القطع من دون المرفق في اليد ومن دون الكعب في الرجل. لا نزاع بين العلماء فيما أعلم في هذه الحالة أنه يجب غسل ما بقي من محل الفرض. قال في مواهب الجليل (إذا قطع بعض محل الفرض وجب غسل ما بقي منه بلا خلاف) (٣) وفي المجموع (يجب غسل باقي محل الفرض بلا خلاف) (٤) . وفي الإنصاف: (إن بقي من محل الفرض شيء فيجب غسله بلا نزاع) (٥) . وأدلة هذه الحالة ما يلي: ١- قوله ﷺ «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (٦) . ٢- ولأن الميسور لا يسقط بالمعسور (٧) . ٣- ولأن كل عضو سقط بعضها يتعلق الحكم بباقيه غسلا ومسحا (٨) . الحالة الثالثة: أن يكون القطع من المرفق في اليد ومن الكعب في الرجل. وفيه هذه الحالة هل يجب غسل راس العضد من اليد ورأس الساق من الرجل أم لا؟

стр. 83

اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى إلى قولين: القول الأول: إنه يجب الغسل. قال به الحنفية (١) وهو رواية عن الإمام مالك (٢) وقول عند الشافعية، قال النووي هو المذهب (٣) وهو الصحيح من مذهب الحنابلة وعليه أكثر الأصحاب (٤) . واستدلوا على هذا القول بما يلي: ١- أن الأمر بالغسل تعلق باليد، واليد اسم لهذه الجارحة من رءوس الأصابع إلى الإبط، ولولا ذكر المرفق لوجب غسل اليد كلها فكان ذكر المرفق لإسقاط ما وراءه لا لمد الحكم إليه لدخوله تحت اسم اليد (٥) . ٢- أن «إلى» في قوله تعالى ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ و ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] بمعنى مع، وعلى هذا يكون المعنى فاغسلوا أيدكم مضافة إلى المرافق (٦) وأرجلكم مضافة إلى الكعبين. ٣- ولأن رأس العضد من المرفق، وغسل اليدين مع المرفقين واجب (٧) وكذلك رأس الساق من الكعب وغسل الرجلين مع الكعبين واجب. القول الثاني: أنه لا يجب غسل رأس العضد من اليد ورأس الساق من الرجل.

стр. 84

قال به زفر (١) من الحنفية (٢) وهو رواية عن الإمام مالك (٣) اختارها أشهب (٤) ونقله المزني من الشافعية في المختصر، وحكي أنه القديم عند الشافعية (٥) وهو قول عند الحنابلة على خلاف المذهب (٦) . واستدلوا على هذا القول بما يلي: ١- أن الله تعالى جعل المرفق غاية فلا يدخل تحت ما جعلت له الغاية، كما لا يدخل الليل تحت الأمر بالصيام في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] (٧) . ونوقش هذا الاستدلال بأن المرفق لا يصلح غاية لحكم ثبت في اليد لكونه بعض اليد، بخلاف الليل في باب الصوم فإنه لولا ذكر الليل لما اقتضى الأمر إلا وجوب صوم ساعة فذكر الليل لمد الحكم إليه لا لدخول الغاية فيه (٨) .

стр. 85

٢- ولأن غسل العضد تابع للمرفق في اليد، والساق تابع للكعب في الرجل وقد سقط المتبوع فيسقط التابع (١) . ونوقش هذا الدليل: بأن رأس العضد من المرفق ورأس الساق من الكعب أصلا لا تبعا (٢) . ٣- أن «إلى» تحتمل في كلام العرب دخول الغاية في الحد وخروجها منه وإذا احتمل الكلام ذلك لم يجز لأحد القضاء بأنها داخلة فيه (٣) . ونوقش هذا الدليل: بأن السنة بينت أن المراد من «إلى» في قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ و ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ أنها لدخول الغاية (٤) ومن ذلك: ما جاء عن أبي هريرة ﵁ (أنه توضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل اليمنى حتى أشرع في العضد ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ (٥)) . وبهذا يظهر أن القول بوجوب غسل رأس العضد ورأس الساق هو الراجح وهو القول الأول، لقوة أدلتهم، ومناقشة أدلة أصحاب القول الثاني، ولأن لفظ «إلي» في الآية أفاد دخول الغاية بالسنة المطهرة، والله أعلم.

стр. 86

المبحث الثالث تيمم المجاهد وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: تيمم المجاهد لخوف من العدو. المطلب الثاني: تيمم المجاهد في الأسر إذا منعه العدو الماء. المطلب الثالث: تيمم المجاهد بالغبار. المطلب الرابع: تيمم المجاهد بغير التراب مما هو من جنس الأرض، كالرمل، والحصى ونحو ذلك.

стр. 87

المطلب الأول تيمم (١) المجاهد لخوفه من العدو

стр. 88

إذا خاف المجاهد على نفسه من العدو إذا خرج لطلب الماء، أو عند استعماله فإن له أن يتيمم بدلا عن الماء (١) وبهذا قال عامة الفقهاء من الأئمة الأربعة وغيرهم (٢) -ولم أجد حسب ما اطلعت عليه- خلافا في ذلك إلا رواية عند الإمام أحمد ذكرها صاحب الفروع والإنصاف أن الغازي إذا كان بقربه ماء يخاف إن ذهب إليه على نفسه لا يتيمم ويؤخر (٣) ولعله يريد بذلك تأخير التيمم إلى آخر الوقت فقد جاء في الكافي (وإن علم بماء قريب لزمه قصده ما لم يخف على نفسه أو ماله أو فوات الوقت) (٤) . وعلى هذا فإن العلماء متفقون فيما يظهر على جواز التيمم لمن خاف من العدو على نفسه، يدل على ذلك ما يلي: ١- أن الخوف في الشريعة الإسلامية سبب من أسباب التخفيف وهو داخل في قاعدة (المشقة تجلب التيسير) (٥) . فالخائف على نفسه من العدو يجوز له التيمم (٦) . ٢- أن الخوف من العدو عذر في جواز التيمم للمجاهد لأنه كعادم الماء (٧) .

стр. 89

والله يقول: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] . ٣- ولأن حرمة النفس لا تكون دون حرمة المال إذ لو كان يلحقه الخسران في المال باستعمال الماء بأن كان لا يباع إلا بثمن باهظ جاز له التيمم (١) فعند الخوف من العدو على النفس إذا طلب الماء، أو أراد استعماله أولى. المطلب الثاني تيمم المجاهد في الأسر إذا منعه العدو من استعمال الماء نص الحنفية على جواز تيمم الأسير إذا منعه العدو من الوضوء حيث قالوا (يجوز للأسير أن يتيمم إذا منعه الكفار من الوضوء ويصلي فإذا زال المانع أعاد) (٢) . (لأن المنع من قبل العباد ووجوب الصلاة بالطهارة لحق الله فلا يسقط بما هو من عمل العباد (٣)) وقال أبو يوسف (٤) لا إعادة عليه. لأنه عاجز عن استخدام الماء حقيقة (٥) وهذا الأقرب إلى الرجحان لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] .

стр. 90

ولقوله ﷺ «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (١) . فهو قد أتى بالعبادة على قدر استطاعته. وأما الجمهور فلم ينصوا على التيمم للأسير -حسب ما اطلعت عليه- وإنما ذكروا جواز التيمم للمحبوس الذي منع منه الماء، ولا إعادة عليه (٢) إلا عند الشافعية إذا كان محبوسا في الحضر فيجب عليه إعادة الصلاة (٣) . والذي يظهر أن الأسير في معنى المحبوس فيجوز له التيمم عند هؤلاء الأئمة قياسا على المحبوس بل إنه أولى من المحبوس، لأن المحبوس ربما كان حبسه في بلاد الإسلام فيجد من يناوله الماء ويهيئ له أسباب القيام بالعبادة. أما الأسير عند العدو فربما رأوا أن منعه من ممارسة العبادات من أشد التنكيل به فيمنعونه من الطهارة بالماء حتى لا يؤدي الصلاة ونحوها، فكان جواز التيمم في حقه أولى. ولا إعادة عليه، لأنه أدى العبادة على حالة لا يمكنه أداءها على غيرها، كعادم الماء إذا صلى بالتيمم ثم وجد الصلاة لا إعادة عليه، والله أعلم.

стр. 91

المطلب الثالث تيمم المجاهد بالغبار اتفق الفقهاء -رحمهم الله تعالى فيما أعلم- على جواز التيمم بالتراب الذي له غبار. جاء في التمهيد (أجمع العلماء على أن التيمم بالتراب ذي الغبار جائز) (١) . واختلفوا في جواز التيمم بالغبار يكون على الثوب، أو الجدار ونحو ذلك. فذهب جمهور الفقهاء إلى جواز التيمم بالغبار (٢) . واستدلوا بما يلي: ١- عن أبي جهيم الأنصاري (٣) ﵁ قال: (أقبل النبي ﷺ من نحوبئر جمل (٤) فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ثم رد ﵇ (٥) .

стр. 92

وجه الدلالة: أنه ﷺ تيمم بالغبار العالق بالجدار لأن جدرانهم مبنية من الطين فلا تخلو من غبار. قال النووي: (وفي هذا الحديث جواز التيمم بالجدار إذا كان عليه غبار، وهذا جائز عندنا، وعند الجمهور من السلف والخلف) (١) . ٢- أن الغبار من الصعيد فهو جزء من أجزاء الأرض فيجوز التيمم به (٢) بل هو جزء من أجزاء التراب المتفق على جواز التيمم به. وخالف المالكية فقالوا: لا يجوز التيمم بالغبار (٣) . واستدلوا على ذلك: بأن الغبار لا يسمى صعيدا (٤) لأن الصعيد كل ما صعد على وجه الأرض (٥) . ويمكن مناقشتهم: بأن الغبار من الصعيد وجزء من أجزاء التراب. الترجيح الذي يظهر أن الراجح قول الجمهور، أنه يجوز التيمم بالغبار، لما سبق من حديث أبي جهيم الأنصاري، ولأن الغبار من أجزاء التراب. وعلى هذا فيجوز للمجاهد أن يتيمم بالغبار يكون في ملابسة أو على الآلة التي يستقلها، أو غير ذلك، والله أعلم.

стр. 93

المطلب الرابع تيمم المجاهد بغير التراب مما هو من جنس الأرض كالرمل والحصى ونحو ذلك اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في التيمم بغير التراب مما هو من جنس الأرض، كالرمل والحصى ونحو ذلك إلى قولين. القول الأول: أنه لا يجوز التيمم بغير التراب. وبهذا قال الشافعية (١) ، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢) وأبو يوسف من الحنفية (٣) . واستدلوا بما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] . فالمقصود بالصعيد في الآية التراب. قال ابن عباس (٤) ﵁: (الصعيد التراب الخالص) (٥) .

стр. 94

٢- عن حذيفة (١) ﵁ أن النبي ﷺ قال: «جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا» (٢) فخص التراب كبونه طهورا (٣) . القول الثاني: أنه يجوز التيمم بغير التراب مما هو من جنس الأرض، كالحصي والرمل ونحو ذلك وبهذا قال الحنفية (٤) والمالكية (٥) ورواية عند الحنابلة (٦) . واستدلوا بما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] . وجه الدلالة من الآية: أن الصعيد المذكور في الآية مشتق من الصعود وهو العلو وهذا لا يوجب الاختصاص بالتراب، بل يعم جميع أنواع الأرض، فكل ما صعد على وجه الأرض فهو صعيد (٧) .

стр. 95

ونوقش هذا الاستدلال بأن حديث حذيفة وتفسير ابن عباس للصعيد الوارد في الآية يخصص الصعيد بالتراب (١) . ٢- قوله ﷺ «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» (٢) , وجه الدلالة من الحديث أن اسم الأرض يتناول جميع أنواعها (٣) فيشمل التراب والحصى والرمل ونحو ذلك. ونوقش هذا: بأنه محمول على ما قيده حديث حذيفة ﵁ فيكون المقصود بالأرض في الطهور التراب (٤) . والذي يظهر أن الراجح هو القول الأول، أنه لا يجوز التيمم إلا بالتراب الذي له غبار لما خصت به الآية من حديث حذيفة وتفسر ابن عباس ﵄، وذلك عند وجود التراب. فإن عدم التراب والغبار جاز التيمم بما هو من جنس الأرض، من الرمل أو الحصى أو نحو ذلك للضرورة (٥) . وعلى هذا فالمجاهد في سبيل الله يتيمم بالتراب، أو بالغبار على ملابسة أو الجدار، ونحو ذلك. فإن لم يجد التراب ولا الغبار، فإن له أن يتيمم بما هو من جنس الأرض للضرورة إلى ذلك. والله أعلم.

стр. 96

المبحث الرابع مسح المجاهد ، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: المسح على الخفين ونحوهما . المطلب الثاني: المسح على الجبيرة. المطلب الثالث: مسح المجاهد على ما يوضع على الرأس. المطلب الأول المسح على الخفين ونحوهما (١) وفيه أربعة فروع: الفرع الأول: المراد بالخف في اللغة والشرع. الفرع الثاني: جواز المسح على الخفين للمجاهد. الفرع الثالث: مسح المجاهد على الخف المصنوع من غير الجلود. الفرع الرابع توقيت المسح على الخفين للمجاهد في سبيل الله.

стр. 97

الفرع الأول المراد بالخف في اللغة والشرع أولا: في اللغة: بالرجوع إلى معاجم اللغة تبين أن الخف هو: ما يلبس على الرجل من الجلود. ففي المعجم الوسيط: الخف: ما يلبس في الرجل من الجلد الرقيق (١) . وفي لسان العرب: الخف الذي يلبس، وتخفف خفا لبسه (٢) . وفي المصباح المنير: الخف الملبوس (٣) . وفي المحيط في اللغة: الخف: ما يتخفف به الإنسان ويلبسه (٤) . ثانيا: في الشرع: لا يختلف عن المعنى اللغوي كثيرا، فهو في الشرع: ما يلبس على الرجل من الجلود المخرزة، ويستر القدم إلى الكعبين فصاعدا (٥) .

стр. 98

الفرع الثاني جواز المسح على الخفين للمجاهد المسح على الخفين جائز عند عامة الصحابة (١) وعلماء أهل السنة (٢) للمجاهد في سبيل الله، وغيره في الحضر (٣) والسفر (٤) .

стр. 99

يدل على ذلك: الأحاديث الكثيرة الصحيحة قال الإمام أحمد ﵀: (ليس في قلبي من المسح شيء فيه أربعون حديثًا عن رسول الله ﷺ ) (١) . وقال ابن حجر ﵀ في فتح الباري: (وقد صرح جمع من الحفاظ بأن المسح على الخفين متواتر) (٢) . ومن هذه الأحاديث: ١- عن المغيرة بن شعبة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه خرج لحاجة فاتبعه المغيرة بإداوة فيها ماء فصب عليه حين فرغ من حاجته، فتوضأ ومسح على الخفين (٣) . ٢- حديث جرير بن عبد الله البجلي (٤) ﵁ أنه بال ثم توضأ ومسح على خفيه ثم قام فصلى، فسئل، فقال: رأيت رسول الله ﷺ صنع مثل هذا (٥) .

стр. 100

وقد ذكر غير واحد من العلماء أنه لا خلاف في جواز المسح على الخفين. قال عبد الله بن المبارك (١) ﵀: (ليس في المسح على الخفين اختلاف أنه جائز) (٢) . وقال أبو حنيفة ﵀: (لولا أن المسح لا يختلف فيه ما مسحنا..) (٣) . وقال النووي ﵀: (أجمع من يعتد به في الإجماع على جواز المسح على الخفين في السفر، والحضر لحاجة أو لغيرها..) (٤) . وبهذا يتقرر جواز المسح على الخفين، وهذا من يسر الشريعة الإسلامية السمحة، مراعاة لأحوال الناس، ورفع الحرج والمشقة عنهم. الفرع الثالث مسح الجاهد على الخف المصنوع من غير الجلود سبق بيان أن الخف الذي ورد الشرع بجواز المسح عليه هو المصنوع من الجلود، وهناك ما يصنع من غير الجلود، كالبسطار المعروف عند العسكر اليوم، ونحو ذلك مما ذكره الفقهاء (٥) .

стр. 101

وفي جواز المسح على الخفاف المصنوعة من غير الجلود اختلاف بين الفقهاء. فذهب جمهور الفقهاء إلى جواز المسح على الخفاف المصنوعة من غير الجلود وشرطوا فيها أن تثبت بنفسها ويمكن متابعة المشي عليها، وأن تكون مباحة، وطاهرة العين، وساترة للقدم إلى الكعبين (١) . واستدلوا بما يلي: ١- أن سبب الإباحة في المسح الحاجة، وهو موجودة في المسح على ما صنع من غير الجلود (٢) . ٢- أنه خف ساتر يمكن المشي فيه أشبه الجلود، فيشترك مع الخفاف المصنوعة من الجلود في المعنى المبيح للمسح (٣) . وذهب المالكية (٤) والحنابلة في رواية (٥) إلى أنه لا يجوز المسح على ما صنع من غير الجلود. واستدلوا بما يلي: ١- أن من شرط الخف الذي يجوز المسح عليه أن يكون جلدا لا ما صنع على هيئة الخف من قطن ونحوه (٦) .

стр. 102

٢- ولأن الرخصة التي وردت في الخفاف المصنوعة من الجلود للحاجة، فلا يصح في غيرها لعدم الحاجة (١) . ويمكن مناقشة ما استدلوا به بما يلي: ١- أن الخف المصنوع من غير الجلد يأخذ حكم المصنوع من الجلد، إذا توافرت فيه الشروط فلا سبيل لحصر جواز المسح على ما صنع من الجلود فقط. ٢- أن الحاجة داعية إلى المسح على الخف المصنوع من غير الجلد، كالمصنوع من الجلد. وبهذا يظهر رجحان ما ذهب إليه الجمهور من جواز المسح على الخف المصنوع من غير الجلد؛ لأن الخف المصنوع من غير الجلد في حكم المصنوع من الجلد، وعلى هذا فيجوز للمجاهد أن يمسح على الخفاف المصنوعة من البلاستيك، وهو ما يعرف بالبسطار، أو غير ذلك إذا تحققت الشروط والله أعلم الفرع الرابع توقيت المسح على الخفين للمجاهد في سبيل الله اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في توقيت المسح على الخفين إلى قولين: القول الأول: أن المسح على الخفين مؤقت بيوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام ولياليها للمسافر، مجاهدا في سبيل الله أو غيره، وبهذا قال جمهور الفقهاء (٢) . واستدلوا بما يلي: ١- ما جاء عن علي بن أبي طالب ﵁ لما سئل عن المسح على الخفين فقال: (جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم) (٣) .

стр. 103

٢- عن صفوان بن عسال (١) ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة ولكن من بول، وغائط، ونوم) (٢) . فالحديثان دلاَّ على أن المسح على الخفين مؤقت بيوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام ولياليها للمسافر وأن المسح في الحدث الأصغر دون الأكبر. القول الثاني: أنه يجوز المسح على الخفين دون توقيت. وبهذا قال المالكية (٣) وهو قول عند الشافعية (٤) . واستدلوا بما يلي: ١- ما رواه أبي بن عمارة (٥) ﵁ أنه قال: (يا رسول الله أمسح على الخفين؟ قال: نعم قال: يوما، قال: ويومين، قال: ويومين،

стр. 104

قال: وثلاثة، قال: نعم، وما شئت) (١) . وجه الدلالة: أن قوله (وما شئت) يدل على عدم التوقيت في المسح بالأيام المذكورة. ونوقش هذا الاستدلال: بأن هذا صحيح إذا نزع خفيه كل ثلاث، وليس الأمر باستدامته ما شاء دون نزع بعد المدة (٢) . ٢- حديث خزيمة (٣) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (امسحوا على الخفاف ثلاثة أيام ولو استزدناه لزادنا) (٤) .

стр. 105

وجه الدلالة: أن قوله (ولو استزدناه لزادنا) يدل على أن التحديث بثلاثة أيام غير مراد به التوقيت. ونوقش بأنه لا دليل فيه على عدم التوقيت، لأنه ما استزاده ولو استزاده لجاز أن لا يزيده (١) . ٣- ما جاء عن عمر ﵁ (أنه سأل عقبة بن عامر (٢) وقد قدم يبشر الناس بفتح دمشق متى عهدك بالمسح؟ قال: سبعا، قال عمر ﵁: أصبت السنة) (٣) . وجه الدلالة أن قول عقبة: سبعا، وقول عمر: أصبت السنة، يدل على عدم التوقيت بأيام معدودة. ونوقش هذا بما يلي:

стр. 106

أ- أنه يحتمل أن يكون السؤال والجواب عن لبس الخف مع مراعاة التوقيت (١) . ب- أنه قد روي عن عمر ﵁ التوقيت، فإما أن يكون رجع إليه حين جاءه التثبت عن النبي ﷺ في التوقيت، وإما أن يكون قوله: أصبت السنة، هو الموافق للسنة المشهورة في التوقيت (٢) . الترجيح الذي يظهر بعد عرض الأدلة والمناقشة، أن الراجح قول الجمهور في توقيت المسح على الخفين بثلاثة أيام ولياليها للمسافر، ويوم وليلة للمقيم، لقوة ما استدلوا به من الأحاديث الصحيحة وضعف أدلة عدم التوقيت. لكن إذا كان يلحق المجاهد ضرر بخلع الخف بعد مضي الوقت المحدد، كالخوف على نفسه من العدو، أو خوف فوات العدو، فإنه يجوز له أن يمسح على الخفين بعد مضي المدة للضرورة. وهذا ما أفتى به ابن تيمية ﵀: جاء في الفتاوى ما ملخصه: لو خاف الضرر من برد شديد، أو فوات الرفقة، أو خوف العدو متى خلع خفه بعد مضي الوقت، فإنه يمسح عليها للضرورة (٣) والله أعلم.

стр. 107

المطلب الثاني المسح على الجبيرة (١) سبق في المبحث الأول من هذا الفصل الحديث عن طهارة المجاهد بالماء وهو جريح وذكرنا أن له حالتين: الأولى: أن تكون جراحه مكشوفة، وقد فصلنا القول في هذه الحالة (٢) وبقي الحديث عن الحالة الثانية، وهي: أن تكون الجراح أو الكسور مستورة بجبائر، أو لصق أو عصابة، ونحو ذلك مما هو معروف الآن، كالجبس. والحديث عن هذه الحالة في فرعين: الفرع الأول: مشروعية المسح على الجبيرة. الفرع الثاني: كيفية المسح على الجبيرة.

стр. 108

الفرع الأول مشروعية المسح على الجبيرة اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في مشروعية المسح على الجبيرة بالماء إلى قولين: القول الأول: يشرع المسح على الجبيرة بالماء سواء كانت في أعضاء الوضوء، أو في سائر البدن في الحدث الأكبر، للمجاهد في سبيل الله وغيره، وبهذا قال الجمهور من الفقهاء (١) . وشرطوا: أن يكون في نزع الجبائر عن الجراح أو الكسور ضرر عليه، فإن لم يكن في نزعها ضرر، فلا يجوز المسح عليها (٢) . واستدل الجمهور بما يلي: ١- عن جابر ﵁ قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم فسأله أصحابه قال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك فقال: (قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العيّ السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده) (٣) .

стр. 109

٢- ما روي عن علي ﵁ قال: كسر زندي يوم أحد.. فقلت: يا رسول الله ما أصنع في الجبائر، فقال: (امسح عليها) (١) . وجه الدلالة: أنه إذا شرع المسح على الجبائر عند كسر الزند، فيلحق به ما كان في معناه من الجروح والقروح. ونوقش هذا الحديث: بأنه ضعيف (٢) . ويمكن الجواب عنه: بأن حديث علي ﵁ وإن كان ضعيفا، فإنه يعضد له حديث جابر ﵁ في صاحب الشجة، أنه يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها. ٣- عن ابن عمر ﵄ أنه توضأ وكفه معصوب فمسح على العصائب وغسل سوى ذلك (٣) .

стр. 110

ونوقش هذا: بأنه فعل من ابن عمر وليس إجابا للمسح (١) . ويمكن الجواب عنه: بأن ابن عمر ﵁ من أشد الصحابة التزاما بسنة النبي ﷺ ولأن الحاجة تدعو إلى المسح على الجبيرة، واستدامة لبسها للخوف على العضو المجروح يمنع من وصول الماء إليه (٢) . القول الثاني: لا يجوز المسح على الجبائر بالماء. وهو قول: الحناطي (٣) من الشافعية قال: يتيمم ولا يمسح على الجبيرة بالماء (٤) وقول ابن حزم (٥) . واستدل أصحاب هذا القول بما يلي: أنه لم يأت قرآن ولا سنة ثابتة بجواز المسح على الجبيرة فيسقط المسح (٦) . ويمكن الجواب عنه: بأن السنة جاءت بجواز المسح على الجبائر، كما في حديث صاحب الشجة.
следующие страницы →