← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1933

أحكام المجاهد بالنفس في سبيل الله عز وجل في الفقه الإسلامي

مرعي الشهري

Полный текст (646 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

واستدلوا بأنه لا يمكن في حال اشتداد الخوف الاقتداء بالإمام، لأنه قد يتأخر ويتقدمون عنه (١) . الترجيح والذي يظهر أن قول الجمهور هو الراجح لأنه إذا أمكن صلاتها فرادى فصلاتها جماعا أولى لكن بشرط متابعة الإمام، ولا يضر التقدم عليه للحاجة إلى ذلك في صلاة الخوف (٢) ولا تجب لأن شدة الخوف عذر في ترك الجماعة. والله أعلم. المطلب الثامن كيفية قراءة الإمام في صلاة الخوف وفيه فرعان: الفرع الأول: كيفية قراءة الإمام في صلاة الخوف من حيث السر والجهر . الفرع الثاني: التخفيف في القراءة. الفرع الأول كيفية قراءة الإمام في صلاة الخوف من حيث السر والجهر لا إشكال أنه يسر الإمام بالقراءة في مواضع السر ويجهر في مواضع الجهر من الصلاة (٣) والجهر بالقراءة سنة في الصلاة (٤) فإن خشي إن رفع صوته في موضع الجهر في الصلاة

стр. 177

أن يسمعه العدو فيستغلوا انشغالهم بالصلاة فيحملوا عليهم، إذا خشي ذلك، خفف صوته بقدر إسماع من حوله، والله أعلم. الفرع الثاني التخفيف في القراءة أولا: الركعة الأولى: يستحب تخفيف القراءة في الركعة الأولى في مواطن القراءة بالسور الطوال (١) لأن صلاة الخوف مبنية على التخفيف، لأن المجاهد في حالة شغل وحرب ومخاطرة (٢) قال الشافعي ﵀ لو قرأ بالفاتحة وقل هو الله أحد (الإخلاص) لم أكره ذلك (٣) . ثانيا: الركعة الثانية: يندب للإمام إطالة القراءة في الركعة الثانية حتى تقضي الطائفة التي فارقت الإمام وتأتي الطائفة الأخرى التي كانت في الحراسة فتصلي معه وهذا على القول بأن الإمام في حال انتظاره الطائفة الثانية يقرأ قبل مجيء الطائفة الثانية، وهذا قول الحنابلة، وقول عند الشافعية (٤) ؛

стр. 178

لأن القيام محل للقراءة فلا يسكت فيه (١) . أما على القول الثاني للشافعية (٢) بأن الإمام لا يقرأ حتى تدخل معه الطائفة الثانية، حتى يسوي بين الطائفتين في القراءة فإن الإمام لا يطيل القراءة، وإنما يقرأ بالفاتحة وسورة قصيرة. قال أبو إسحاق المروزي (٣) إذا علم أنه إذا قرأ لم تدركه الطائفة الثانية في القراءة لم يقرأ وإن علم أنهم يدركونه قرأ (٤) اهـ وهذا جمع سديد بين القولين. فإذا أدركته الطائفة الثانية وهو يقرأ، قرأ بعد مجيئها بقدر الفاتحة وسورة، وإن لم يقرأ بعد مجيئها وأدركته في الركوع صح ذلك، ويكون قد ترك المستحب، وهو القراءة بعد مجيئها بقدر الفاتحة وسورة (٥) والله أعلم. المطلب التاسع سهو الإمام في صلاة الخوف السهو في صلاة الخوف كغيرها من الصلوات، ولا يخلو أن يسهو الإمام وهو يصلي بالطائفة الأولى، أو بعد مفارقة الطائفة الأولى له وقبل دخول الثانية، أو بعد دخول الطائفة الثانية.

стр. 179

فإذا سها الإمام وهو يصلي بالطائفة الأولى فلا يخلو أن يكون موجب سجود السهو ظاهرا للمأمومين كالزيادة أو النقصان فهذا لا يحتاج إلى إشارة الإمام (١) وإن كان مما يخفى عليهم أشار إليهم الإمام بما يفهمون به أنه سها (٢) . وقال المالكية: إن لم يفهموا الإشارة كلمهم بشرط أن يكون السجود لما يوجب البطلان (٣) أي بطلان الصلاة، فإن لم يعلموا سهو الإمام فانصرفوا ثم علموا فإن كانوا قريبا عادوا وإلا فلا. لأن سجود السهو ليس من صلب الصلاة وقد ذهب موضعه. ويسجدون لسهو إمامهم بعد أن يكملوا صلاتهم ويسجدون للسهو قبل إمامهم للضرورة، أما إذا سها الإمام بعد مفارقتهم إياه، فلا يلزمهم سجود السهو، لأنهم قد أكملوا صلاتهم وفارقوه دون سهو منه (٤) . أما الطائفة الثانية: فإنها تخاطب بسجود السهو، سواء سها الإمام معها أو مع الطائفة الأولى أو بعد مفارقة الطائفة الأولى له وقبل دخولها معه (٥) .

стр. 180

ووجه ذلك: أنهم معه كالمسبوق، فيسجدون لسهوه فيما أدركوه وفيما فاتهم (١) ، ويسجدون للسهو مع إمامهم بعد أن يتموا لأنفسهم ما بقي من صلاتهم، وهذا على قول الحنابلة، والشافعية وقول عند المالكية على ما سبق بيانه في صلاة الخوف (٢) . لأن الإمام ينتظرهم حتى يسلم بهم، ولأن ذلك موضع لسجود السهو (٣) . أما على القول الثاني عند المالكية، أن الإمام يسلم بالطائفة الثانية ثم يقومون فيتمون لأنفسهم ما بقي من صلاتهم، فإنهم يسجدون مع الإمام للسهو إذا كان مكان السجود قبل السلام، كالسجود لنقص في الصلاة، أما إن كان السجود بعد السلام، كالسجود لزيادة في الصلاة، فإنهم يسجدون للسهو بعد فراغهم من صلاتهم (٤) والله أعلم. المطلب العاشر قطع الصلاة لسماع صفارات الإنذار إذا بدأ المجاهدون الصلاة صلاة أمن، فحدث خوف أعلن عنه بصفارات الإنذار، أو غيرها من وسائل الإنذار، فإن لهم أن يقطعوا الصلاة ويصلونها صلاة الخوف، إن خافوا خروج الوقت. جاء في مواهب الجليل: (إذا صلوا الأمن فحدث الخوف الشديد في أثناء الصلاة قطعوا وعادوا إلى الصلاة الخوف، سواء كان ذلك بعد عقد ركعة أو قبلها) (٥) وإن لم

стр. 181

يخافوا خروج الوقت، وقد انحرفوا عن القبلة من الخوف استأنفوا الصلاة بعد زوال الخوف. جاء في الأم. (ولو فزعوا فانحرفوا عن القبلة لغير قتال ولا خروج من الصلاة وهم ذاكرون حتى يستدبروا القبلة، استأنفوا) (١) . وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية، بأن من كان في محل الخطر غالبا، كأصحاب السفينة، والمطارات والقواعد الحربية ومن كان في محل المواجهة للعدو، فإن عليهم قطع الصلاة عند سماع الصفارات الإنذار للقيام بما يلزم من التوقي والمجابهة للعدو. لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] . وعليهم أن يعيدوا الصلاة كاملة عند زوال الخوف إذا كانت فرضا، وأما النوافل فلا يلزم قضاؤها (٢) . المطلب الحادي عشر هجوم العدو أثناء الصلاة إذا هجم العدو على المجاهدين وهم في الصلاة سواء كانت صلاة أمن أو صلاة الخوف غير الشديد، فهل يقطعون الصلاة أم يكملونها على حسب استطاعتهم ركبانا أو رجالا يومئون بالركوع والسجود؟ اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى إلى قولين:

стр. 182

القول الأول: يكملون الصلاة حسب استطاعتهم مشاة وركبانا إيماء ولا يقطعون صلاتهم، وبهذا قال المالكية في المشهور (١) ، والحنابلة على المذهب (٢) . والأرجح عند الشافعية (٣) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] . ولأن القتال ورد العدو عمل أبيح للحاجة فلم يمنع من صحة الصلاة (٤) . القول الثاني: أنهم يقطعون الصلاة، ويستأنفونها من جديد حال الأمن، وبهذا قال الحنفية (٥) وقول عند المالكية (٦) وقول عند الشافعية (٧) ورواية عند الحنابلة (٨) لأن القتال في الصلاة مبطل لها (٩) . وقد سبق بيان هذه الأقوال والراجح منها عند الحديث عن وقت صلاة الخوف (١٠) والله أعلم.

стр. 183

المطلب الثاني عشر المشي في صلاة الخوف اتفق الفقهاء رحمه الله تعالى فيما أعلم على جواز المشي في صلاة الخوف غير الشديد لتقدم صف أو تأخر صف، أو تقدم طائفة أو تأخر أخرى، لأن هذا الأمر لا بد منه في صلاة الخوف (١) وقد تقدم بيان كيفية صلاة الخوف غير الشديد في أربعة أوجه (٢) : أما إذا كان المشي في صلاة الخوف الشديد فقد اختلفوا في جواز المشي في هذه الحالة إلى قولين: القول الأول: يجوز المشي في الصلاة بقدر الحاجة إلى ذلك، وبهذا قال الجمهور (٣) . واستدلوا بما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] . جاء في تفسير هذه الآية، أي: إن خفتم من عدوكم حال التقائكم معهم فصلوا قياما، أو مشاة على أرجلكم أو ركبانا على ظهور دوابكم (٤) .

стр. 184

٢- ولأن النبي ﷺ صلى بأصحابه في غير شدة الخوف فأمرهم بالمشي إلى وجه العدو، ثم يعودون لقضاء ما بقي عليهم، وهذا مشي كثير ولم تبطل صلاتهم، فمع شدة الخوف من باب أولى (١) . القول الثاني: لا يجوز المشي في الصلاة، وبهذا قال الحنفية (٢) والشافعية إذا كان المشي كثيرا (٣) . واستدلوا بأن المشي في الصلاة عمل كثير والعمل الكثير مبطل للصلاة (٤) . ونوقش الحنفية: بأنهم أجازوا المشي في صلاة الخوف غير الشديد فمع شدة الخوف يجوز من باب أولى (٥) . ونوقش الشافعية: بأن المشي الكثير عمل أبيح من أجل الخوف، فلم تبطل الصلاة به، كاستدبار القبلة والركوب والإيماء (٦) . الترجيح الذي يظهر أن الراجح قول الجمهور، أنه يجوز المشي في صلاة شدة الخوف بقدر الحاجة إذا صلى المجاهدون وهم يدركون صلاتهم ويعون أقوالها وأفعالها.

стр. 185

لقوله تعالى (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا) [البقرة: ٢٣٩] فهذا نص على جواز المشي في الصلاة في شدة الخوف، ولأن في صلاة شدة الخوف يغتفر فيها على الإتيان ببعض الأركان كالركوع والسجود إلا بالإيماء للضرورة إلى تركها، فالمشي عند الضرورة أولى أن يغتفر عنه، والله أعلم. المطلب الثالث عشر المتلطخ بالدم (١) في صلاة الخوف تمهيد: ذهب عامة الفقهاء رحمهم الله تعالى إلى أن الدم المسفوح نجس (٢) وذكر غير واحد من أهل العلم الاتفاق على ذلك.

стр. 186

قال في تحفة الفقهاء: لا خلاف أن ما يخرج من بدن الإنسان من الدم نجس (١) . وقال القرطبي: اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس (٢) . وقال النووي: الدلائل على نجاسة الدم متظاهرة ولا أعلم فيه خلافا عن أحد من المسلمين (٣) . وفي حاشية الروض: الدم نجس لا نزاع فيه (٤) . واستدلوا بما يلي: ١- عموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] . وجه الدلالة: أن الله سبحانه سمى الدم المسفوح رجسا، والرجس المراد به النجس (٥) . ٣- حديث أسماء (٦) بنت أبي بكر ﵄ قالت: (جاءت امرأة النبي ﷺ

стр. 187

فقالت: أرأيت إحدانا تحيض في الثوب كيف تصنع؟ قال: تحته ثم تقرصه (١) بالماء وتنضحه (٢) وتصلي فيه) (٣) . وجه الدلالة: أنه ﷺ أمر بغسل الثوب وبالغ في إزالة أثر الدم بالحت والقرص والنضح بالماء، فدل على نجاسة دم الحيض (٤) ويقاس على دم الحيض غيره من الدماء لعدم الفرق (٥) . إذا تقرر هذا فإن المتلطخ بالدم في صلاة الخوف له حالتين: الحالة الأولى: أن يكون الدم خارجا من بدنه. الحالة الثانية: أن يكون الدم من غيره كمن أمسك سلاحا متلطخا بالدم. فأما الحالة الأولى إذا كان الدم خارجا من بدنه من غير السبيلين فقد اختلف الفقهاء في نقضه للوضوء إلى قولين: القول الأول: أنه لا ينقض الوضوء وبهذا قال المالكية (٦) والشافعية (٧) وابن تيمية (٨) وابن حزم (٩) .

стр. 188

واستدلوا ما يلي: ١- عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ (احتجم فصلى، ولم يتوضأ ولم يزد على غسل محاجمه) (١) . وجه الدلالة من الحديث أن النبي ﷺ خرج منه دم الحجامة ولم يتوضأ فدل على أن الدم الخارج من سائر البدن لا ينقض الوضوء. ونوقش هذا: بأنه يحتمل أنه ﷺ خرج من محاجمه دم يسير فلم ينتقض وضوءه ويحتمل أنه ﷺ توضأ ولم يره أنس، ويحتمل أنه نسي أن يتوضأ، ومع الاحتمال يبطل الاستدلال (٢) . ويمكن الجواب عن هذه المناقشة: بأنه لو كان دم الحجامة ينقض الوضوء لبينه النبي ﷺ لأصحابه، لحاجتهم إلى معرفة ما يبطل الوضوء، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. ٢- عن جابر بن عبد الله ﵁ (أن النبي ﷺ كان في غزوة ذات الرقاع (٣) فرمي رجل بسهم فنزفه (٤) الدم فركع وسجد ومضى في

стр. 189

صلاته) (١) . وجه الدلالة: أنه لو كان الدم الخارج من البدن ناقضا للوضوء لكانت صلاته باطلة بسيلان الدم أول ما أصابته الرمية، ولم يجز له بعد ذلك أن يركع ويسجد وهو محدث، ويبعد أن لا يطلع النبي ﷺ على هذه الحادثة، ولم ينقل أنه أبطل صلاته (٢) فاستمراره في صلاته دليل على أنها صحيحة وأن وضوءه لم ينتقض بخروج الدم. ونوقش هذا: بأنه لا دليل فيه على عدم انتقاض الوضوء، لأن النبي ﷺ لم يأمره بغسل الدم، وغسل الدم واجب والصلاة معه فاسدة عند الجميع، فكذلك الوضوء (٣) . والجواب عن هذه المناقشة: أن الدم الخارج معفو عنه لأنه يسير أو لأنه كدك الاستحاضة وسلس البول الذي لا يمنع من صحة الصلاة (٤) .

стр. 190

٣- أن المسلمين ما زالوا يصلون بجراحهم في القتال وقد يسيل منهم الدم الكثير ولم يرد عنه ﷺ أنه أمرهم بغسله ولم يرد عنهم التحرز الشديد من الدم بحيث يتركون ثيابهم الملطخة بالدماء إذا وجدوا غيرها (١) فعمر ﵁ (لما طعن صلى وجرحه يثعب (٢) دما) (٣) . وسعد بن معاذ (٤) ﵁ (أصيب يوم الخندق فضرب له خيمة في المسجد فجلس في المسجد ودمه يسيل حتى مات) (٥) . ٤- أن الدم من سائر البدن خرج من مخرج غير معتاد، والنقض بالخارج إنما هو من حيث خروجه لا من حيث ذاته (٦) . ونوقش هذا: بأنه منتقض بما إذا انسد السبيل وانفتح أسفل المعدة فخرج منها خارج أنه ينقض الوضوء عند الجميع (٧) .

стр. 191

القول الثاني: أنه ينقض الوضوء فتنقطع الصلاة، وبهذا قال الحنفية على أن يكون الدم الخارج سائلا بنفسه إلى موضع يجب تطهيره (١) . والحنابلة على المذهب على أن يكون الدم الخارج فاحشا (٢) أما اليسير فيعفى عنه (٣) . واستدلوا بما يلي: ١- عن فاطمة بنت حبيش (٤) ﵂ أنها جاءت إلى النبي ﷺ فقالت يا رسول الله إني امرأة أستحاض (٥) فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال:

стр. 192

«لا، إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي» (١) . وفي رواية «توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت» (٢) . وجه الدلالة أنه ﷺ علل بأنه دم عرق وعلق عليه الوضوء، والدم الخارج من البدن دم عرق، فاقتضى تعليله إيجاب الوضوء منه (٣) . ونوقش هذا الاستدلال بأنه لا يجوز قياس ما يخرج من سائر البدن على ما يخرج من القبل أو الدبر، لأنهم قد أجمعوا على الفرق بين ريح تخرج من الدبر وبين الطعام المتغير يخرج من الفم، فتجب الطهارة من الريح الخارجة من الدبر بالإجماع، ولا تجب من الطعام المتغير الخارج من الفم، فدل هذا التفريق على عدم جواز القياس (٤) . ٢- عن تميم الداري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «الوضوء من كل دم سائل» (٥) .

стр. 193

ونوقش هذا: بأنه حديث ضعيف، بل قال في الذخيرة أنه لا يثبت (١) . ٣- أن الدم خارج نجس من بدن الآدمي فينقض الوضوء كالخارج من السبيلين (٢) . ونوقش هذا: بأن الطهارة عبادة لا يجوز القياس فيها لعدم العلة الجامعة (٣) . واستدل الحنابلة على استثناء اليسير من الدم بما يلي. ١- عن ابن عمر ﵄ (أنه عصر بثرة (٤) فخرج منها دم وقيح، فمسح بيده وصلى ولم يتوضأ) (٥) . ٢- أن المخارج غير السبيلين خلقت أصلا لخروج الطهارات كالدمع واللبن، فكان خروج النادر اليسير منها وإن كان نجسا ملحقا بالغالب مما يخرج منها، في أنه لا ينقض الوضوء، حتى إذا كثر الخارج النجس منها وغلب قوي وصار أصلا بنفسه (٦) .

стр. 194

٣- أن إيجاب الوضوء من يسير الدم فيه وحرج على الناس لأن الإنسان لا يخلو في غالب حاله من بثرة أو دمل أو رعاف والله ما جعل علينا في الدين من حرج (١) . الترجيح الذي يظهر أن الراجح هو القول الأول، أن الدم الخارج من البدن غير السبيلين، لا ينقض الوضوء، لأن الأصل عدم النقض، إلا بدليل، ولا دليل على نقضه للوضوء، ولما جاء عن الصحابة ﵁ ومن بعدهم، أنهم يصلون فتصيبهم الجراح ويخرج منهم الدم، ولا يقطعون صلاتهم، ولو كان الوضوء ينتقض لكانوا يصلون على غير طهارة وهذا لا يصح أن يقال في حقهم. وعلى هذا فإن المجاهد في سبيل الله إذا كان في صلاة الخوف فجرح وخرجت منه الدماء، أن وضوءه لا ينتقض، وصلاته صحيحة لا تنقطع والله أعلم. الحالة الثانية: أن يكون الدم المتلطخ به المجاهد من غيره، كأن يمسك سلاحا ملطخا بالدماء، أو يمسك مصابا بالجراح ونحو ذلك. اتفق الفقهاء - فيما أعلم - أن المجاهد إذا أصابته الدماء في ملابسه أو جسده وهو في صلاة الخوف، أن صلاته صحيحة لأنه وإن كان الدم المسفوح نجسا، إلا أن ذلك من الأعذار العامة في حق المجاهد (٢) . يدل على هذه الحالة ما يلي:

стр. 195

١- عن جابر بن عبد الله ﵁ (أن النبي ﷺ كان في غزوة ذات الرقاع فرمي رجل بسهم فنزفه الدم فركع وسجد ومضى في صلاته) (١) . وجه الدلالة: أنه يلزم بخروج الدم منه أن يصيب ملابسه، وقد مضى في صلاته ولم يقطعها، فدل ذلك على أن تلطخ ملابسه بالدم لا يؤثر. ٢- أن المسلمين ما زالوا يصلون بجراحهم في القتال وقد يسيل منهم الدم الكثير، ولم يرد عنه ﷺ أنه أمرهم بغسله ولم يرد عنهم التحرز الشديد من الدم بحيث يتركون ثيابهم الملطخة بالدماء إذا وجدوا غيرها. فعمر ﵁ (لما طعن صلى وجرحه يثعب دما) (٢) وسعد بن معاذ ﵁ (أصيب يوم الخندق فضرب له خيمة في المسجد فجلس في المسجد ودمه يسيل حتى مات) (٣) . وبهذا يتقرر صحة صلاة المجاهد إذا تلطخ بالدم وهو في صلاة الخوف، وإن أمكنه إزالة الدم، أو خلع الثوب المتلطخ بالدم فهو أولى. والله أعلم. المطلب الرابع عشر حمل السلاح في صلاة الخوف اختلف الفقهاء في حكم حمل السلاح في صلاة الخوف إلى قولين: القول الأول: إنه واجب وبهذا قال المالكية (٤) وهو قول للشافعية (٥) ورواية عند الحنابلة (٦) .

стр. 196

واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] . وجه الدلالة: أن الأمر للوجوب ولا صارف عن ذلك، بل إن رفع الجناح عن تاركه في حالة العذر في قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] دال على أن الجناح لا حق بتاركه من غير عذر، فدل على الوجوب (١) . القول الثاني: أن حمل السلاح في صلاة الخوف مستحب، وبهذا قال الحنفية (٢) وهو قول للشافعية (٣) وظاهر المذهب الحنبلي (٤) . واستدلوا بما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] .

стр. 197

وجه الدلالة: أن الأمر بأخذ الأسلحة في الصلاة محمول على الندب، لأن الأمر للرفق بهم والصيانة لهم، فلم يكن للإيجاب، كما أن النبي ﷺ نهى عن الوصال في الصيام رفقا بأصحابه ولم يكن للتحريم (١) . ٢- أنه لو وجب أخذ السلاح لكان شرطا في الصلاة كالسترة والإجماع قائم على صحة الصلاة بدون السلاح فدل على أن حمله غير واجب (٢) . ٣- ولأن الطائفة التي تصلي مع الإمام محروسة بغيرها، والقتال غير متعين عليها، وحمل السلاح إنما يكون للحراسة أو للقتال ولا يتعين عليهم شيء من ذلك، فلا يجب حمل السلاح (٣) . الترجيح الذي يظهر أنه في حالة ما إذا غلب على الظن هجوم العدو على المصلين، والطائفة التي تحرس لا تقدر على رد العدو، فإنه يجب عليهم حمل السلاح في الصلاة ليستطيعوا رد العدو عنهم، وليس وجوب حمل السلاح في صلاة الخوف شرطا في صحة الصلاة، وإنما هو قوة لهم لأمر خارج عن الصلاة (٤) . قال تعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] .

стр. 198

أما إن غلب على الظن أن العدو لا يهجم عليهم وهم في الصلاة، أو كانت الحراسة قوية بحيث لا يستطيع العدو الهجوم، فإن لهم أن يتركوا حمل ما أثقلهم من السلاح، وما في حمله منع لهم من كمال الخشوع في الصلاة. والله أعلم. المطلب الخامس عشر حمل السلاح المتنجس في صلاة الخوف اتفق الفقهاء -فيما أعلم- أنه لا يجوز حمل السلاح المتنجس في صلاة الخوف إلا في حالة الحاجة إليه فيجوز حمله (١) . وهل عليه إعادة الصلاة إذا صلى بسلاح نجس للحاجة إليه؟ روايتان عند الحنابلة، والشافعية (٢) . الأولى: لا إعادة عليه، كالمتيمم في الحضر لبرد. الثانية: عليه الإعادة، لأنه عذر نادر. والراجح عدم الإعادة، لأنه أدى الصلاة في وقتها على قدر استطاعته ولا يكلف إلا وسعه قال تعالى ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال شيخ الإسلام ابن تيمية

стр. 199

رحمه الله: (من فعل العبادة كما أمر بحسب وسعه فلا إعادة عليه، كما قال تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] ولم يعرف قط أن رسول الله ﷺ أمر العبد أن يصلي الصلاة مرتين (١) . المطلب السادس عشر حصول الأمن أثناء صلاة الخوف ذهب الفقهاء ﵀ أنه في حالة حصول الأمن أثناء صلاة الخوف فإن المجاهدين يتمونها صلاة أمن، ويبنون على ما مضى من صلاة الخوف، لأن صلاتهم كانت صحيحة قبل الأمن فجاز البناء عليها (٢) . وفصل المالكية الحالات التي يمكن أن يحصل فيها الأمن وهم في صلاة الخوف فقالوا: إن حصل الأمن وهم في صلاة شدة الخوف (صلاة المسايفة) فيتم كل واحد صلاته على حدته: أي منفردا. وإن كانوا في صلاة غير شدة الخوف وقد قسمهم الإمام إلى طائفتين، فإن حصل الأمن مع الطائفة الأولى استمرت مع الإمام وجاءت الطائفة الثانية فدخلت مع الإمام، وإن حصل الأمن بعد مفارقة الطائفة الأولى وقبل دخول الطائفة الثانية معه وجب رجوعهم إلى الإمام، فإن كان بعضهم قد صلى لنفسه شيئا انتظر الإمام حتى يفعل ما فعله، ثم يقتدي به فيما بقي ولو لم يبق إلا السلام، ومن أكمل صلاته منهم ولم يرجع إلى الإمام

стр. 200

أو ينتظره وكان ذلك عمدا أو جهلا بطلت صلاته، وإن كان سهوا صحت صلاته، لأن الإمام يتحمل عنه السهو. وإن حصل الأمن مع الثانية بعد أن أتمت الطائفة الأولى ما بقي عليها، فإن صلاة الطائفة الأولى صحيحة، وتصلي الطائفة الثانية مع الإمام صلاة أمن (١) والله أعلم. المطلب السابع عشر حصول الأمن بعد صلاة الخوف المقصود من هذا المطلب أن المجاهدين إذا حضرت الصلاة وهم في حال خوف فصلوا صلاة الخوف، ثم أمنوا بعد الانتهاء من صلاة الخوف، فهل يعيدون صلاة الخوف في حال الأمن أم لا؟ لم أجد من تكلم عن هذا من الفقهاء - حسب ما اطلعت عليه - إلا المالكية قالوا: لا إعادة عليهم في وقت ولا في غيره (٢) . لأنهم صلوا الصلاة في وقتها على الحالة التي يستطيعونها ولا يطالبون بغيرها. قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] . وقال النبي ﷺ «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (٣) . ولأن هذا كمن صلى بالتيمم لعدم الماء ثم وجد الماء بعد الصلاة لا يعيد الصلاة.

стр. 201

المطلب الثامن عشر الصلاة لخوف ثبت توهمه المقصود أن المجاهدين إذا رأوا سوادا فظنوه عدوا، فصلوا صلاة الخوف ثم تبين أنه ليس عدوا، أو أنه عدو لكن بينهم وبينه ما يمنع وصوله إليهم، فقد اختلف الفقهاء ﵏ في إعادة الصلاة في هذه الحالة إلى قولين: القول الأول: أن عليهم الإعادة إن أدركوا الوقت، أو القضاء إن خرج الوقت، وإلى هذا ذهب الحنفية (١) وهو قول عند المالكية (٢) والأظهر من قولي الشافعية إذا صلوا صلاة الخوف الشديد أو إذا صلوا وهم في دار الإسلام (٣) والصحيح من مذهب الحنابلة سواء كانت الصلاة صلاة شدة خوف أو غيرها (٤) . واستدلوا بما يلي: ١- أن ما ترك من أفعال الصلاة على وجه الخطأ كتركه له عمدا، وقد ترك بعض واجبات الصلاة وأركانها وشرائطها كاستقبال القبلة والركوع والسجود فوجب أن يعيد الصلاة (٥) . ٢- أنهم مخطئون في ظنهم ولا عبرة بالظن البين خطؤه (٦) فالخوف غير متحقق فلا صلاة دون حصول الخوف وتحققه كمن أخطأ أو شك في الطهارة (٧) .

стр. 202

القول الثاني: أنه لا إعادة عليهم، وهذا قول عند المالكية (١) وقول عند الشافعية في حالة صلاة شدة الخوف (٢) وهو قول عند الحنابلة (٣) . واستدلوا بما يلي: ١- أن الله أباح لهم الصلاة عند وجود الخوف لا عند وجود العدو والخوف موجود وهو سبب الرخصة (٤) . ٢- أنهم صلوا على اجتهادهم فجاز لهم كما لو أخطأوا القبلة (٥) . الترجيح الذي يظهر أن القول بإعادة الصلاة إذا صلوا صلاة شدة الخوف هو الراجح؛ لأنهم تركوا بعض أركان الصلاة بناء على ظن خاطئ فتجب عليهم الإعادة. أما قولهم أن الله أباح الصلاة عند وجود الخوف: فهذا صحيح لكن الخوف هنا غير متحقق. أما في حالة الخوف غير الشديد فإن الصلاة كاملة بأركانها وواجباتها وإنما حصل تغيير في الكيفية والعفو في هذا أولى من الإعادة أما في حالة تحقق وجود العدو ولا حائل بينهم وبين المجاهدين فإن سبب الترخيص متحقق فلا إعادة وأما أن نيتهم الصلح فلا أحد يعلم بالنيات إلا الله .

стр. 203

المبحث الثاني أحكام المجاهد في قصر الصلاة وجمعها ، وفيه مطلبان: المطلب الأول: قصر الصلاة للمجاهد . المطلب الثاني: الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما. المطلب الأول قصر الصلاة للمجاهد، وفيه أربعة فروع: الفرع الأول: قصر الصلاة للطيارين الذين يقومون بدوريات على الثغور . الفرع الثاني: قصر الصلاة في السفن الحربية الثابتة في البحر. الفرع الثالث: قصر الصلاة في السفن الحربية المتحركة في البحر. الفرع الرابع: قصر الصلاة للمجاهد وهو في الأسر. الفرع الأول قصر الصلاة للطيارين الذين يقومون بدوريات على الثغور (١) . يجوز للطيارين الذين يقومون بالدوريات على الثغور قصر الصلاة الرباعية إذا تجازوا بطائراتهم المسافة التي يقصر عندها المسافر وهي أربعة برد (٢) يمانية وأربعون ميلا تقريبا.

стр. 204

بناء على ما ذهب إليه جمهور الفقهاء في تحديد السفر الذي يقصر عنده المسافر بالمسافة (١) . واستدلوا بما يلي: ١- ما رواه ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «يا أهل مكة لا تقصروا الصلاة في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان» (٢) . ٢- ما جاء عن ابن عمر وابن عباس ﵄ (أنهما كانا يقصران في أربعة برد) (٣) . ٣- أنها مسافة تجمع مشقة السفر في الحل والشد فجاز القصر فيها (٤) .

стр. 205

ونوقشت هذه الأدلة بما يلي: ١- أن حديث ابن عباس ضعيف (١) . والجواب أنه روي عن ابن عباس موقوفا بسند صحيح (٢) والموقوف له حكم المرفوع، لأن مثله في تحديد المسافة التي يقصر عندها المسافر لا يقال بالرأي. ٢- أن أكثر الروايات عن ابن عمر وابن عباس مخالفة لما قالا به هنا، فلا يؤخذ ببعض أقوالهما ويترك البعض الأخر (٣) . والجواب: أن ما روي عنهما في جواز القصر في أقل من أربعة برد محمول على أن المسافر يقصر إذا خرج من البلد ميلا، أو فرسخا وهو مسافر سفرا طويلا، لما روي أن النبي ﷺ (صلى الظهر بالمدينة أربعا، والعصر بذي الحليفة ركعتين) (٤) . وعلى القول الثاني الذي ذهب إليه ابن تيمية، وابن القيم، وابن حزم، وابن قدامة، وغيرهم من أنه لا تحديد لمسافة السفر الذي تقصر عنده الصلاة، وإنما يرجع في معرفة السفر إلى العرف (٥) فما تعارف عليه الناس أنه سفر قصرت الصلاة فيه وإلى اللغة فما عرفه أهل اللغة بأنه سفر قصرت الصلاة فيه (٦) وعلى هذا القول يجوز

стр. 206

للطيارين الذين يقومون بدوريات على الثغور قصر الصلاة الرباعية في أقل من أربعة برد، إذا كان سفرا في عرف الناس أو أهل اللغة. واستدلوا بما يلي: ١- أن التقدير بمسافة يترخص عندها المسافر لم يرد به دليل (١) . ويمكن مناقشة هذا: بما جاء عن ابن عباس وابن عمر ﵁ أنهما لا يقصران الصلاة في أقل من أربعة برد، وهذا في حكم المرفوع، لأنهما لن يقولا في تحديد المسافة بالرأي، ثم إنه قد جاء عن ابن تيمية، وابن حزم ما يدل على أن القصر لا يكون إلا إلى مسافة، قال ابن تيمية: (وقد بينت السنة القصر في مسافة بريد، وأما ما دون البريد كالميل فلا يقصر فيه) (٢) . ٢- أن أقوال الصحابة التي جاء فيها التحديد متعارضة ومختلفة، فلا حجة فيها مع الاختلاف (٣) . ويمكن مناقشة هذا: بأنه لا تعارض في أقوال الصحابة، فما جاء عنهم في القصر دون أربعة برد محمول على أنهم إذا خرجوا مسافة أقل من أربعة برد في سفر طويل بدءوا القصر. الترجيح بعد ذكر الأقوال والأدلة ومناقشة ما أمكن مناقشته يظهر أن الراجح هو القول الأول، أنه لا يجوز قصر الصلاة في مسافة أقل من أربعة برد (ثمانية وأربعون ميلا) تقريبا لما سبق من الأدلة، ولأن الرجوع في تحديد السفر إلى العرف ليس بدقيق لاختلاف الأعراف من زمن إلى زمن ومن بلد إلى بلد.

стр. 207

ثم الأخذ بقول الجمهور يمنع من تساهل الناس في قصر الصلاة وإفطار رمضان في أدنى خروج وأيسره. وعلى هذا فإن الطيارين الذين يقومون بالدوريات يقصرون الصلاة إذا كانوا في سفر مسافته أربعة برد (ثمانية وأربعون ميلا) تقريبا فأكثر. وإن لم يكن ذلك فلا يجوز لهم القصر (١) والله أعلم. الفرع الثاني قصر الصلاة في السفن الحربية الثابتة في البحر إذا كانت السفن الحربية ثابتة في عرض البحر وقد بعدت عن قواعدها مسافة القصر على ما رجحناه المسألة السابقة، فهل يأخذ المجاهدون على هذه السفن بأحكام السفر ومن ذلك قصر الصلاة ما داموا ثابتين أم ينقطع حكم سفرهم بثبوتهم في عرض البحر؟ لا يخلو حال المجاهدين على هذه السفن أن ينووا الإقامة مدة معينة باختيارهم وهم في حال سلم، أو لا ينووا الإقامة مدة معينة وهم في حال حرب، أو إقامة اضطرارية. فأما الحالة الأولى: وهي أن ينووا الإقامة مدة معينة باختيارهم وهم في حال سلم وأمن، فقد اختلف الفقهاء في نية الإقامة مدة معينة هل تقطع أحكام السفر أم لا؟ إلى قولين: القول الأول: أن نية الإقامة مدة معينة تقطع أحكام السفر وعلى هذا لا يجوز الأخذ بأحكام السفر فلا يجوز لهم قصر الصلاة، قال بهذا جمهور الفقهاء من الأئمة الأربعة وغيرهم (٢) .

стр. 208

ثم اختلف أصحاب هذا القول في مقدار المدة التي إذا نوى المسافر إقامتها انقطع عنه حكم السفر إلى أقوال: فذهب الحنفية إلى أن المسافر إذا نوى الإقامة خمسة عشر يوما فأكثر انقطع حكم سفره، وعلى هذا لا يجوز له قصر الصلاة، ولا الأخذ بأحكام السفر الأخرى (١) لكنهم شرطوا أن يكون المكان الذي أقام فيه المسافر صالحا للإقامة، وعلى هذا الشرط لا يصح عندهم أن تكون السفن مكانا صالحا للإقامة، لأن السفن ليست موضعا صالحا للقرار في الأصل. وعلى هذا يجوز لمن كانوا على السفن أن يأخذوا بأحكام السفر ومن ذلك قصر الصلاة وإن نووا الإقامة (٢) . ولا دليل على هذا التفريق. وذهب المالكية (٣) والشافعية (٤) ورواية عند الحنابلة (٥) إلى أن المسافر إذا نوى إقامة أربعة أيام فأكثر أتم صلاته ولم يجز له القصر، ولا فرق بين الإقامة في البر أو البحر. واستدلوا بأن النبي ﷺ رخص للمهاجرين في الإقامة بمكة بعد قضاء النسك ثلاثة أيام، بعد أن كان محرما عليهم. عن علاء بن الحضرمي ﵁ (٦) قال: قال رسول الله ﷺ «ثلاث للمهاجر بعد الصدر» (٧) .

стр. 209

وجه الدلالة: أن أقل إقامة للمسافر لا ينقطع بها سفره ثلاثة أيام. قال في الأم: (فأشبه ما قال رسول الله ﷺ من مقام المهاجر ثلاثا حد مقام السفر وما جاوزه كان مقام الإقامة) (١) . وقال في فتح الباري: (ويستنبط من ذلك أن إقامة ثلاثة أيام لا تخرج صاحبها عن حكم المسافر) (٢) . ونوقش هذا الاستدلال: بأنه لا حجة في هذا لا بنص ولا بإشارة إلى المدة التي إذا اقامها المسافر أتم. ثم قياس إقامة المسافر على المهاجر باطلة، لأن المسافر أن يقيم أكثر من ثلاث بدون كراهية، بخلاف المهاجر فلا تناسب بين الإقامتين (٣) . وذهب الإمام أحمد في المشهور عنه إلى أن من نوى إقامة مدة يصلي فيها أكثر من إحدى وعشرين صلاة أتم، وإلا قصر (٤) وهي بالأيام أربعة، فإن زاد على ذلك أتم. واستدل على ذلك: بأن النبي ﷺ قدم مكة في حجة الوداع لأربع خلون من ذي الحجة (٥) فأقام في مكة أربعة أيام يقصر الصلاة وخرج في اليوم الثامن بعد أن صلى صلاة الصبح إلى مني، فإقامته بمكة أربعة أيام يقصر الصلاة وعددها عشرون صلاة

стр. 210

وصبح يوم التروية تمام إحدى وعشرين صلاة، فدل على أن من أقام إحدى وعشرين صلاة قصر، ومن زاد على ذلك أتم (١) . ونوقش بأنه لا دليل على أن مدة الإقامة أربعة أيام أو أكثر، فإنه ﷺ قدم إلى مكة صبح رابعة من ذي الحجة، وكان يصلي ركعتين، ثم لو قدم صبح ثالثة أو ثانية أكان يتم، ويأمر أصحابه بالإتمام؟ ليس في قوله وعمله ما يدل على ذلك (٢) . وذهب ابن حزم إلى أن من أقام عشرين يوما فأقل، فإنه يقصر ولا بد، ومن زاد على ذلك مدة صلاة واحدة فأكثر أتم ولا بد (٣) . لحديث جابر ﵁ (أن النبي ﷺ أقام بتبوك (٤) عشرين يوما يقصر الصلاة) (٥) .

стр. 211

ونوقش هذا: بأن النبي ﷺ أقام بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة، ولم يقل للأمة لا يقصر أحد الصلاة إذا أقام أكثر من ذلك، ولكن اتفقت إقامته هذه المدة، وهذه الإقامة في حال السفر لا تخرج عن حكم السفر، سواء طالت أو قصرت إذا كان غير مستوطن ولا عازم على الإقامة بذلك الموضع (١) . القول الثاني: عدم التحديد بمدة معينة إذا أقامها المسافر تنقطع عندها أحكام السفر، وإنما الناس مسافر فيترخص برخص السفر، أو مقيم لا يأخذ برخص السفر وهذا قول ابن تيمية، واختار هذا القول الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀، والشيخ ابن عثيمين وغيرهما من أهل العلم (٢) . واستدلوا: بأنه لا دليل على التحديد بمدة معينة إذا أقامها المسافر تنقطع عندها أحكام السفر. قال ابن تيمية ﵀: (فمن جعل للمقيم حدا من الأيام إما ثلاثة وإما أربعة وإما عشرة وإما اثني عشر وإما خمسة عشر فإنه قال قولا لا دليل عليه) (٣) . وقال في موضع أخر: (والتمييز بين المقيم والمسافر بنية أيام معدودة بعينها ليس هو أمرا معلوما لا بشرع ولا بلغة ولا بعرف) (٤) . وقال الشيخ ابن عثيمين حفظه الله: لم يحدد الله في كتابه ولا رسوله ﷺ المدة التي ينقطع بها حكم السفر. فمن القرآن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ

стр. 212

عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء: ١٠١] . وهذا خطاب عام يشمل كل ضارب، ومن المعلوم أن الضارب في الأرض أحيانا يحتاج إلى مدة، قال تعالى: ﴿وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المزمل: ٢٠] فالذين يضربون في الأرض للتجارة مثلا، هل يكفيهم أن يقيموا أربعة أيام فأقل في البلد؟ ربما يكفيهم وربما لا يكفيهم (١) . ومن السنة: أن النبي ﷺ اقام مددا مختلفة يقصر فيها، فأقام في تبوك عشرين يوما يقصر الصلاة (٢) وأقام في مكة عام الفتح تسعة عشر يوما يقصر الصلاة (٣) وأقام في مكة عام حجة الوداع عشرة أيام يقصر الصلاة. سئل أنس ﵁ كم أقمتم في مكة؟ أي في حجة الوداع قال: (أقمنا بها عشرا) (٤) . مناقشة هذا القول: أولا: ما قاله ابن تيمية ﵀ يمكن حمله على المسافر الذي أقام وليس له نية إقامة معينة كالمقيم في حال الجهاد أثناء سفره، أو المقيم لحاجة لا يدري متى تنتهي، أو المقيم مكرها، ونحو ذلك.

стр. 213

ويؤيد هذا ما جاء عنه حيث قال: (وأما من قال غدا أسافر أو بعد غد أسافر ولم ينو المقام، فإنه يقصر أبدا فإن النبي ﷺ أقام بمكة بضع عشر يوما يقصر الصلاة وأقام بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة) (١) . ثانيا: استدلال الشيخ ابن عثيمين بالقرآن والسنة نوقش بما يلي: ١- صحيح أن الآية عامة في عموم الضارب في الأرض، فهي تدل على أن لكل ضارب القصر، وإنما المخالفة في جعل الإقامة نوع من أنواع السفر الذي دل عليه عموم الآية، فالله لما علق حكم القصر في الآية على الضارب دون المقيم، والمقيم نقيض الضارب كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ [النحل: ٨٠] . فلا يصح إذا أن تكون الآية دليلا على أمرين متناقضين وهما القصر حال الضرب، والقصر لمن توقف ضربه وصار مقيما (٢) . ٢- أن إقامة النبي ﷺ بتبوك وبمكة عام الفتح كانتا بسبب الجهاد وليستا إقامة مقصودة من قبل معلومة البداية والنهاية، أما إقامته بمكة عام حجة الوداع فإنها إقامة مقصودة معلومة البداية والنهاية لمعرفة الرسول ﷺ الطريق بين مكة والمدينة، وكم من الزمن يحتاجه المسافر لقطعه ولمعرفة وقت الذهاب إلى مني، وبهذا حمل الجمهور كل حديث على ما دل عليه (٣) .

стр. 214

فالمدة التي قصر فيها بسبب الجهاد محمولة على أنه لم ينو الإقامة لظروف الجهاد، والمدة التي قصر فيها بسبب الإقامة المقصودة محمولة على القصر أربعة أيام فأقل، كما فعل النبي ﷺ في إقامته بمكة في حجة الوداع. الترجيح بعد عرض الأقوال وأدلتها ومناقشة الأدلة يظهر أن الراجح قول الجمهور، أن التحديد بمدة معينة إذا نوى المسافر إقامتها تنقطع بها أحكام السفر، فلا يقصر الصلاة، لأن الأصل إتمام الصلاة والقصر إنما هو في حال السفر فإذا انقطع السفر بنية الإقامة انقطعت أحكامه. والراجح في مقدار مدة الإقامة التي ينقطع بها السفر، هو ما ذهب إليه الحنابلة على المذهب أنه إذا نوى الإقامة باختياره أكثر من أربعة أيام فإن سفره ينقطع لأن النبي ﷺ مكث في مكة بالأبطح (١) أربعة أيام يقصر الصلاة، فمن زاد على أربعة أيام، انقطع سفره، ولأن في ذلك احتياطا في العبادة. وأما ما ذهب إليه المالكية، والشافعية أن من أقام أربعة أيام فأكثر يتم الصلاة واستدلالهم بمقام النبي ﷺ بالأبطح، فإن ذلك مبني على أنهم لم يحسبوا يوم الرابع وهو يوم الدخول، ويوم الثامن وهو يوم الخروج، فجعلوا أكثر مدة يقصر عندها ثلاثة أيام تامة. وهذا الإخراج لا دليل عليه. والمقام في المراسي في البحر كالمقام في البر لا يختلف (٢) إلا عند الحنفية، فلم يعتبروا السفن مكانا صالحا للإقامة وسبق بيان قولهم.

стр. 215

إذا تقرر هذا، فإن المجاهدين على السفن الحربية الثابتة في عرض البحر إذا نووا الإقامة باختيارهم وهم في حال السلم أكثر من أربعة أيام فإنهم لا يقصرون الصلاة ولا يترخصون برخص السفر الأخرى، لأن سفرهم قد انقطع بهذه الإقامة، وإن نووا الإقامة أربعة أيام فأقل كان لهم الأخذ برخص السفر ومن ذلك قصر الصلاة، والله أعلم. أما الحالة الثانية: وهي: أن المجاهدين على هذه السفن الثابتة في البحر لم ينووا الإقامة مدة معينة، وهم في حال قتال يمكن أن يتحولوا عن أماكنهم في أي وقت حسب ما تدعوا إليه الحاجة، فإن سفرهم في هذه الحالة لا ينقطع بإقامتهم وإن طالت، ولهم قصر الصلاة والأخذ برخص السفر الأخرى، وإقامتهم في البحر كالإقامة في البر في حال الجهاد في سبيل الله، وهذا قول جمهور الفقهاء (١) . جاء في حاشية الخرشي (٢) : (العسكر يقصرون الصلاة بدار الحرب وإن نووا الإقامة مدة طويلة) (٣) . وجاء في المستوعب وغيره: (ومن نوى الإقامة لحاجة لا يعلم أنها تنقضي، كمن ينتظر خروج القافلة، أو استواء الريح إن كان سفره في البحر، أو انفتاح الحصن إن كان محاصرا له بحق، أو انقضاء الحرب إن كان محاربا بحق، قصر أبدا ولو أقام سنتين) (٤) .
следующие страницы →