← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1933

أحكام المجاهد بالنفس في سبيل الله عز وجل في الفقه الإسلامي

مرعي الشهري

Полный текст (646 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ونوقش هذا: بأن النبي ﷺ أقام بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة، ولم يقل للأمة لا يقصر أحد الصلاة إذا أقام أكثر من ذلك، ولكن اتفقت إقامته هذه المدة، وهذه الإقامة في حال السفر لا تخرج عن حكم السفر، سواء طالت أو قصرت إذا كان غير مستوطن ولا عازم على الإقامة بذلك الموضع (١) . القول الثاني: عدم التحديد بمدة معينة إذا أقامها المسافر تنقطع عندها أحكام السفر، وإنما الناس مسافر فيترخص برخص السفر، أو مقيم لا يأخذ برخص السفر وهذا قول ابن تيمية، واختار هذا القول الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀، والشيخ ابن عثيمين وغيرهما من أهل العلم (٢) . واستدلوا: بأنه لا دليل على التحديد بمدة معينة إذا أقامها المسافر تنقطع عندها أحكام السفر. قال ابن تيمية ﵀: (فمن جعل للمقيم حدا من الأيام إما ثلاثة وإما أربعة وإما عشرة وإما اثني عشر وإما خمسة عشر فإنه قال قولا لا دليل عليه) (٣) . وقال في موضع أخر: (والتمييز بين المقيم والمسافر بنية أيام معدودة بعينها ليس هو أمرا معلوما لا بشرع ولا بلغة ولا بعرف) (٤) . وقال الشيخ ابن عثيمين حفظه الله: لم يحدد الله في كتابه ولا رسوله ﷺ المدة التي ينقطع بها حكم السفر. فمن القرآن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ

стр. 212

عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء: ١٠١] . وهذا خطاب عام يشمل كل ضارب، ومن المعلوم أن الضارب في الأرض أحيانا يحتاج إلى مدة، قال تعالى: ﴿وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المزمل: ٢٠] فالذين يضربون في الأرض للتجارة مثلا، هل يكفيهم أن يقيموا أربعة أيام فأقل في البلد؟ ربما يكفيهم وربما لا يكفيهم (١) . ومن السنة: أن النبي ﷺ اقام مددا مختلفة يقصر فيها، فأقام في تبوك عشرين يوما يقصر الصلاة (٢) وأقام في مكة عام الفتح تسعة عشر يوما يقصر الصلاة (٣) وأقام في مكة عام حجة الوداع عشرة أيام يقصر الصلاة. سئل أنس ﵁ كم أقمتم في مكة؟ أي في حجة الوداع قال: (أقمنا بها عشرا) (٤) . مناقشة هذا القول: أولا: ما قاله ابن تيمية ﵀ يمكن حمله على المسافر الذي أقام وليس له نية إقامة معينة كالمقيم في حال الجهاد أثناء سفره، أو المقيم لحاجة لا يدري متى تنتهي، أو المقيم مكرها، ونحو ذلك.

стр. 213

ويؤيد هذا ما جاء عنه حيث قال: (وأما من قال غدا أسافر أو بعد غد أسافر ولم ينو المقام، فإنه يقصر أبدا فإن النبي ﷺ أقام بمكة بضع عشر يوما يقصر الصلاة وأقام بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة) (١) . ثانيا: استدلال الشيخ ابن عثيمين بالقرآن والسنة نوقش بما يلي: ١- صحيح أن الآية عامة في عموم الضارب في الأرض، فهي تدل على أن لكل ضارب القصر، وإنما المخالفة في جعل الإقامة نوع من أنواع السفر الذي دل عليه عموم الآية، فالله لما علق حكم القصر في الآية على الضارب دون المقيم، والمقيم نقيض الضارب كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ [النحل: ٨٠] . فلا يصح إذا أن تكون الآية دليلا على أمرين متناقضين وهما القصر حال الضرب، والقصر لمن توقف ضربه وصار مقيما (٢) . ٢- أن إقامة النبي ﷺ بتبوك وبمكة عام الفتح كانتا بسبب الجهاد وليستا إقامة مقصودة من قبل معلومة البداية والنهاية، أما إقامته بمكة عام حجة الوداع فإنها إقامة مقصودة معلومة البداية والنهاية لمعرفة الرسول ﷺ الطريق بين مكة والمدينة، وكم من الزمن يحتاجه المسافر لقطعه ولمعرفة وقت الذهاب إلى مني، وبهذا حمل الجمهور كل حديث على ما دل عليه (٣) .

стр. 214

فالمدة التي قصر فيها بسبب الجهاد محمولة على أنه لم ينو الإقامة لظروف الجهاد، والمدة التي قصر فيها بسبب الإقامة المقصودة محمولة على القصر أربعة أيام فأقل، كما فعل النبي ﷺ في إقامته بمكة في حجة الوداع. الترجيح بعد عرض الأقوال وأدلتها ومناقشة الأدلة يظهر أن الراجح قول الجمهور، أن التحديد بمدة معينة إذا نوى المسافر إقامتها تنقطع بها أحكام السفر، فلا يقصر الصلاة، لأن الأصل إتمام الصلاة والقصر إنما هو في حال السفر فإذا انقطع السفر بنية الإقامة انقطعت أحكامه. والراجح في مقدار مدة الإقامة التي ينقطع بها السفر، هو ما ذهب إليه الحنابلة على المذهب أنه إذا نوى الإقامة باختياره أكثر من أربعة أيام فإن سفره ينقطع لأن النبي ﷺ مكث في مكة بالأبطح (١) أربعة أيام يقصر الصلاة، فمن زاد على أربعة أيام، انقطع سفره، ولأن في ذلك احتياطا في العبادة. وأما ما ذهب إليه المالكية، والشافعية أن من أقام أربعة أيام فأكثر يتم الصلاة واستدلالهم بمقام النبي ﷺ بالأبطح، فإن ذلك مبني على أنهم لم يحسبوا يوم الرابع وهو يوم الدخول، ويوم الثامن وهو يوم الخروج، فجعلوا أكثر مدة يقصر عندها ثلاثة أيام تامة. وهذا الإخراج لا دليل عليه. والمقام في المراسي في البحر كالمقام في البر لا يختلف (٢) إلا عند الحنفية، فلم يعتبروا السفن مكانا صالحا للإقامة وسبق بيان قولهم.

стр. 215

إذا تقرر هذا، فإن المجاهدين على السفن الحربية الثابتة في عرض البحر إذا نووا الإقامة باختيارهم وهم في حال السلم أكثر من أربعة أيام فإنهم لا يقصرون الصلاة ولا يترخصون برخص السفر الأخرى، لأن سفرهم قد انقطع بهذه الإقامة، وإن نووا الإقامة أربعة أيام فأقل كان لهم الأخذ برخص السفر ومن ذلك قصر الصلاة، والله أعلم. أما الحالة الثانية: وهي: أن المجاهدين على هذه السفن الثابتة في البحر لم ينووا الإقامة مدة معينة، وهم في حال قتال يمكن أن يتحولوا عن أماكنهم في أي وقت حسب ما تدعوا إليه الحاجة، فإن سفرهم في هذه الحالة لا ينقطع بإقامتهم وإن طالت، ولهم قصر الصلاة والأخذ برخص السفر الأخرى، وإقامتهم في البحر كالإقامة في البر في حال الجهاد في سبيل الله، وهذا قول جمهور الفقهاء (١) . جاء في حاشية الخرشي (٢) : (العسكر يقصرون الصلاة بدار الحرب وإن نووا الإقامة مدة طويلة) (٣) . وجاء في المستوعب وغيره: (ومن نوى الإقامة لحاجة لا يعلم أنها تنقضي، كمن ينتظر خروج القافلة، أو استواء الريح إن كان سفره في البحر، أو انفتاح الحصن إن كان محاصرا له بحق، أو انقضاء الحرب إن كان محاربا بحق، قصر أبدا ولو أقام سنتين) (٤) .

стр. 216

وجاء في المجموع: (إقامة المحارب على القتال بحق فيه قولان مشهوران عند الشافعية أحدها يقصر أبدا) (١) . واستدل الجمهور على ما ذهبوا إليه بما يلي: ١- عن ابن عباس ﵄ قال: (أقام النبي ﷺ بمكة تسعة عشر يوما يصلي ركعتين) (٢) . وجه الدلالة: أن النبي ﷺ يوم فتح مكة قصر الصلاة الرباعية طيلة إقامته، لأنه لم ينو إقامة معينة فلا يعلم متى تنتهي الحرب. وقد فهم هذا المعنى ابن عباس ﵄ حينما سأله رجل فقال: إنا نطيل القيام بالغزو بخرسان فكيف ترى، فقال: (صلى ركعتين وإن أقمت عشر سنين) (٣) . ٢- عن جابر ﵁ قال: (أقام النبي ﷺ بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة) (٤) . وجه الدلالة: أنه قصر الصلاة ﷺ مدة إقامته وهو لم ينو تلك الإقامة، وإنما حالة الحرب دعته إلى أن يقيم هذه المدة. ٣- ولأن الإقامة نية قرار والإقامة في الجهاد ليست كذلك، لأن حال المجاهدين متردد بين القرار والفرار والتحول، فهم في حال كر وفر والحرب سجال ومباغته (٥) .

стр. 217

وذهب الشافعية في قول ثان عندهم (١) ، أن المجاهد كغيره فلا يقصر الصلاة إذا أقام أربعة أيام فأكثر وقد نوى الإقامة، أو لم ينو. وهذا القول مخالف لما ورد عن النبي ﷺ في غزواته، أنه أقام تسع عشر يوما في فتح مكة وعشرين يوما في تبوك يقصر الصلاة. ويمكن حمل هذا القول على حالة السلم إذا نوى إقامة معينة، وبهذا لا يحصل اختلاف مع الجمهور. وذهب الشافعية في قول ثالث عندهم (٢) أنه يقصر المجاهد ثمانية عشر يوما، أو سبعة عشر يوما، فإن زاد على ذلك أتم، لأن النبي ﷺ أقام بمكة عام الفتح سبعة عشر أو ثمانية عشر يوما يقصر الصلاة (٣) . لكن الصحيح في إقامة النبي ﷺ بمكة عام الفتح أنها تسعة عشر يوما لما سبق من حديث ابن عباس ﵄ (أنه ﷺ أقام بمكة تسعة عشر يوما يقصر الصلاة) (٤) .

стр. 218

وتحديد المدة التي يقصر فيها المجاهد بثمانية عشر أو سبعة عشر يوما أو غير ذلك، لا يستقيم في حق المجاهد، لأن الحرب لا يعلم متى تنتهي، والنبي ﷺ مكث في مكة تسعة عشر يوما مدة الفتح، ولو احتاج إلى أكثر من ذلك لبقي يقصر الصلاة، كما هو الحال في تبوك بقي عشرين يوما يقصر الصلاة. وعلى ما تقدم يتضح رجحان ما ذهب إليه الجمهور أن المجاهد إذا لم ينو الإقامة مدة معينة كان له الأخذ برخص السفر ومن ذلك قصر الصلاة وإن طالت مدة إقامته. إذا تقرر هذا. فإن المجاهدين على السفن الحربية الثابتة في البحر إذا لم ينووا الإقامة مدة معينة، وكانوا في حال قتال وخوف، أن لهم أن يقصروا الصلاة وإن طالت مدة إقامتهم، ويترخصوا برخص السفر الأخرى، والله أعلم. الفرع الثالث قصر الصلاة في السفن الحربية المتحركة في البحر إذا كانت السفن الحربية المتحركة في البحر تقطع مسافة السفر الذي يجوز عندها الأخذ برخص السفر على ما سبق ترجيحه في مقدار المسافة التي يقصر عندها المسافر، فإن لهم في حال سفرهم قصر الصلاة والأخذ برخص السفر الأخرى. ولا أعلم في ذلك خلافا بين الفقهاء رحمهم الله تعالى: جاء في المغني: أجمع أهل العلم على أن من سافر سفرا تقصر في مثله الصلاة في حج أو عمرة أو جهاد أن له أن يقصر الرباعية فيصليها ركعتين (١) . يدل على ذلك ما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء: ١٠١] .

стр. 219

وجه الدلالة: أن هذا عام في كل ضارب سواء في البر، أو البحر. جاء في الأم: إذا سافر في البحر، أو النهر مسيرة يحيط العلم أنها لو كانت في البر قصرت فيها الصلاة قصر (١) . ٢- عن أنس ﵁ قال: (خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة، قيل أقمتم بمكة شيئا؟ قال: أقمنا بها عشرا) (٢) . وجه الدلالة: أن النبي ﷺ قصر الصلاة في سفره برا من المدينة إلى أن رجع إليها، والمسافر في البحر كالمسافر في البر يقصر الصلاة. والله أعلم. الفرع الرابع قصر الصلاة للمجاهد وهو في الأسر لا يخلو الأسير عند العدو من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون متنقلا مع العدو من مكان إلى مكان. الحالة الثانية: أن يكون أسيرا في حصونهم ومقر إقامتهم. فأما الحالة الأولى: إن كان متنقلا مع العدو من مكان إلى مكان، وكان هذا التنقل سفرا، فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن له القصر (٣) لما يلي: ١- أنه مسافر سفرا بعيدا غير محرم، فأبيح له القصر (٤) .

стр. 220

٢- ولأنه تابع لمن يقصد مسافة القصر (١) . وذهب الشافعية إلى أنه لا يقصر إلا إذا سار مرحلتين (٢) وفي رواية عند الحنابلة أنه لا يقصر مطلقا (٣) . لأنه غير ناو للسفر، ولا جازم به، فإن نيته أنه متى أفلت رجع (٤) . ونوقش هذا: بأن المرأة مع زوجها والعبد مع سيده يقصرون الصلاة، مع العزم أنه لو مات الزوج أو زال ملك السيد رجعوا (٥) . وعلى هذا فقول الجمهور هو الراجح أنه يقصر الصلاة، لأنه مسافر، ولا تشترط نية السفر، لأنه مكره عليه والترخيص في حقه أولى من غيره، والله أعلم. الحالة الثانية: أن يكون أسيرا في حصونهم ومقر إقامتهم. ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يتم الصلاة ولا يقصرها (٦) . لأنه قد انقطع سفره بإقامته (٧) ولأنه وإن لم يعزم على الإقامة فهو مسجون (٨) . وقال ابن قدامة في المغني: يحتمل أنه لا يلزمه الإتمام، لأنه عزم أنه متى انفلت رجع فأشبه المحبوس ظلما (٩) .

стр. 221

والذي يظهر أن هذا الاحتمال قوي. لأن الأسير لم ينو الإقامة في أرض العدو، وإنما أكره على السفر وعلى الإقامة. فحاله حال المسافر الذي أقام لأمر لا يدري متى ينتهي فالأسير في أرض العدو أولى بالترخص، فيجوز له القصر. والله أعلم. المطلب الثاني الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما للمجاهد لا يخلو أن يكون المجاهد في سبيل الله إما مسافرا للجهاد أو مقيما، فإن كان مسافرا للجهاد فإنه يجوز له الجمع بين الصلاتين الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء جمع تقديم (١) أو جمع تأخير (٢) وبهذا قال جمهور الفقهاء (٣) رحمهم الله تعالى.

стр. 222

واستدلوا بما يلي: ١- عن معاذ بن جبل ﵁ قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فكان يصلي الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا) (١) . ٢- عن ابن عمر ﵄ قال: كان النبي ﷺ يجمع بين المغرب والعشاء إذا جد به السير (٢) . ٣- عن ابن عباس ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ يجمع بين صلاة الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير ويجمع بين المغرب والعشاء) (٣) . ٤- عن أنس ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يجمع بين صلاة المغرب والعشاء في السفر) (٤) . ٥- عن أنس بن مالك ﵁ قال: (كان النبي ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم يجمع بينهما، وإذا زاغت صلى الظهر ثم ركب) (٥) .

стр. 223

وذهب الحنفية إلى أنه لا يجوز الجمع بين صلاتين في وقت إحداهما، إلا في عرفة فيجمع فيها بين الظهر والعصر، وبمزدلفة فيجمع فيها بين المغرب والعشاء، لاتفاق رواة نسك رسول الله ﷺ أنه فعله (١) . واستدلوا بما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] . أي فرضا مؤقتا لا يجوز تأخيرها عنه. ٢- عن أبي قتادة عن النبي ﷺ أنه قال: (أما إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى..) (٢) . ونوقش الاستدلال بالآية وحديث أبي قتادة: بأن ذلك عام في المحافظة على المواقيت في الحضر والسفر، وأحاديث الجمع خاصة بالسفر فقدمت (٣) . ٣- عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (من جمع بين صلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر) (٤) .

стр. 224

ونوقش هذا الحديث بأنه ضعيف والروايات الصحيحة عن ابن عباس ﵄ في الجمع بين الصلاتين وعلى فرض صحته، فإن السفر عذر يجيز الجمع بين الصلاتين (١) . ٤- القياس: ووجهه أنه لا يجمع بين العشاء والفجر ولا بين الفجر والظهر لاختصاص كل منهما بوقت منصوص عليه شرعا، فكذلك الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء (٢) . ونوقش هذا: بأن الأدلة جاءت في الجمع بين الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء فلا جمع مع الفجر بأي حال، ولا خلاف بين الأمة في تحريم ذلك (٣) والقياس مع النص باطل. وتأول الحنفية الأخبار الواردة في الجمع بين الصلاتين التي استدل بها الجمهور، بأن الجمع بين الصلاتين كان فعلا لا وقتا، وبيان الجمع فعلا أن المسافر يؤخر الظهر إلى آخر الوقت ثم ينزل فيصلي الظهر ثم يمكث ساعة حتى يدخل وقت العصر فيصليها في أول الوقت، وكذا يؤخر المغرب إلى آخر الوقت، ثم يصليها آخر الوقت والعشاء في أول الوقت جامعا بينهما فعلا (٤) . والجواب عن هذا التأويل ما يلي: ١- أن الجمع رخصة، فلو كان على ما ذكروه من الجمع الصوري بين الصلاتين في آخر وقت الأولى وأول وقت الثانية لكان أعظم ضيقا من الإتيان بكل صلاة في وقتها، لأن أوائل الأوقات وآخرها مما لا يدركه أكثر الخاصة فضلا عن العامة.

стр. 225

٢- أن الأخبار جاءت صريحة بالجمع في وقت إحدى الصلاتين، وذلك هو المتبادر إلى الفهم من لفظ الجمع. ٣- أنه يرد على الجمع الصوري الذي قالوا به جمع التقديم (١) . الترجيح الذي يظهر أن الراجح ما ذهب إليه الجمهور من جواز الجمع بين الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء في وقت إحداهما للمسافر مجاهدا كان أو غير مجاهد، لما سبق من الأدلة الثابتة في الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما والتي لا تحتمل تأويل. والله أعلم. أما إن كان المجاهد مقيما فقد اختلف الجمهور القائلون بجواز الجمع بين الصلاتين للمسافر، في جواز الجمع للمجاهد المقيم بسبب الخوف من العدو إلى قولين: القول الأول: يجوز له الجمع وهذا القول ظاهر كلام الإمام أحمد (٢) وهو قول عند المالكية (٣) وقول عند الشافعية (٤) . واستدلوا بما يلي: ١- عن ابن عباس ﵄ قال: (صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا في غير خوف ولا سفر) (٥) . وفي رواية (في غير خوف ولا مطر) (٦) .

стр. 226

وجه الدلالة: أنه لما جاز الجمع للمقيم الآمن، فالخائف يجوز له الجمع من باب أولى. ٢- أن حاجة الخائف للجمع آكد من حاجة الممطور (١) . القول الثاني: لا يجوز له الجمع وبهذا قال الشافعية في المشهور (٢) وهو قول عند الحنابلة (٣) وقول للمالكية (٤) . واستدلوا بما يلي: ١- أن أدلة المواقيت لا يجوز مخالفتها إلا بنص صريح (٥) ولا نص صريح يخالفها. ٢- أن الجمع للخوف لا وجه له، لأن صلاة الخوف مشروعة وهي أولى من الجمع (٦) . الترجيح الذي يظهر أن القول الأول هو الراجح، في أنه يجوز للمجاهد المقيم الجمع بين الصلاتين للخوف من العدو لما يأتي: ١- حديث ابن عباس ﵄ فهو نص في جواز الجمع في الإقامة دون خوف ولا سفر، ففي الخوف من باب أولى. ٢- أن مشروعية صلاة الخوف لا يعني عدم جواز الجمع، لأن المجاهد في حال شدة الخوف قد يؤخر الصلاة حتى خروج وقتها، وتأخيرها بنية الجمع أولى والله أعلم.

стр. 227

المبحث الثالث أحكام المجاهد في الجنائز وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: ما يستحق به المجاهد وصف الشهادة . المطلب الثاني: غسل الشهيد. المطلب الثالث: تكفين الشهيد. المطلب الرابع: الصلاة على الشهيد. المطلب الخامس: دفن الشهيد المطلب الأول ما يستحق به المجاهد وصف الشهادة وفيه سبعة فروع الفرع الأول: التعريف بالشهيد. الفرع الثاني: موت المجاهد بعد خروجه للجهاد وقبل المعركة. الفرع الثالث: موت المجاهد في الأسر. الفرع الرابع: موت المجاهد بعد انتهاء المعركة. الفرع الخامس: موت المجاهد متأثرا بإصابته في المعركة. الفرع السادس: قتله خطأ في المعركة. الفرع السابع: قتل المجاهد نفسه خطأ.

стр. 228

الفرع الأول التعريف بالشهيد أولا: الشهيد في اللغة: الشهيد وزن فعيل من الفعل شهد، والفعل شهد يدل على معان عدة، قال في معجم مقابيس اللغة: الشين والهاء والدال أصل، يدل على حضور وعلم إعلام، والشهيد القتيل في سبيل الله (١) . وجاء في لسان العرب: والشهيد في الأصل من قتل مجاهدا في سبيل الله، ثم اتسع فيه فأطلق على من سماه النبي ﷺ من المبطون والغريق ونحوه (٢) وجاء في المصباح المنير: الشهيد من قتله الكفار في المعركة (٣) . فالشهيد في اللغة عام يطلق على شهيد المعركة مع الكفار، وعلى غيره. ثانيا: الشهيد عند الفقهاء. عرفه الحنفية بأنه: من قتله المشركون أو وجد في المعركة وبه أثر الجراحة، أو قتله المسلمون ظلما ولم تجب بقتله دية (٤) أو قتل مدافعا عن نفسه، أو ماله، أو أهله، أو أحد من المسلمين أو أهل الذمة (٥) .

стр. 229

وعرفه المالكية بأنه: من قتل في قتال الحربيين (١) فقط ولو ببلد الإسلام (٢) بأن غزا الحربيون المسلمين، أو لم يقاتل بأن كان غافلا، أو نائما أو قتله مسلما يظنه كافرا، أو داسته الخيل، أو رجع عليه سيفه أو سهمه أو تردى في بئر أو سقط من شاهق حال القتال (٣) . وعرفه الشافعية بأنه: من مات بسبب قتال الكفار حال قيام القتال سواء قتله كافر، أو أصابه سلاح مسلم خطأ، أو عاد إليه سلاح نفسه، أو سقط عن فرسه، أو رمحته دابته فمات، أو وطئته دواب المسلمين، أو غيرهم أو أصابه سهم لا يعرف هل رمى به مسلم أو كافر، أو وجد قتيلا عند انكشاف الحرب ولم يعلم سبب موته، سواء كان عليه أثر دم أم لا، وسواء مات في الحال أم بقي زمنا ثم مات بذلك السبب قبل انقضاء الحرب، وسواء أكل أو شرب أو أوصى أم لم يفعل شيئا من ذلك (٤) . وعرفه الحنابلة بأنه: من مات بسبب القتال مع الكفار وقت قيام القتال (٥) .

стр. 230

وعرفه ابن حزم بأنه: المقتول بأيد المشركين خاصة في سبيل الله في المعركة خاصة (١) . والذي يظهر من تعريف الفقهاء للشهيد أن مرادهم، الشهيد الذي تطبق عليه الأحكام الدنيوية فلا يغسل، ولا يصلي عليه، ويدفن في ثيابه التي قتل فيها، ولا بد لحصول لذلك من قيدين. الأول: أن يقتل في المعركة أو ما يسمى (مسرح العمليات) (٢) سواء كان في البر، أو البحر، أو الجو، وبهذا القيد يخرج من مات في غير المعركة، أو جرح في المعركة ومات بعد انتهاء الحرب وفي هذا تفصيل سيأتي إن شاء الله. الثاني: أن يكون قتيل حرب الكفار، وبهذا القيد يخرج ما لو قتله المسلمون، كأهل البغي فإنه لا يعتبر شهيد، فيغسل ويكفن ويصلى عليه (٣) . وهذان القيدان تحققا في تعريف الجمهور للشهيد: أما ما ذهب إليه الحنفية من أن المقتول ظلما ولم تدفع ديته، أوالمقتول دفاعا عن ماله، أو عرضه، أو نفسه، أو أحد من المسلمين، أنه شهيد، فإن ذلك توسع منهم في معنى الشهيد ويمكن حمل ذلك على أنه شهيد في الآخرة، كما في المبطون والغريق، ونحو ذلك ممن سماهم النبي ﷺ شهداء وغسلوا وصلى عليهم وكفنوا، فكان المراد شهداء في الآخرة (٤) والله أعلم.

стр. 231

أما الشهيد الذي يأخذ أحكام الشهيد الدنيوية، فلا يغسل ولا يصلي عليه ويدفن بثيابه التي قتل فيها، ويعتبر شهيد بالنسبة لأحكام الآخرة من حيث الأجر والثواب الذي وعد الله به الشهداء فإن له ثلاثة قيود: القيدان السابقان فيمن تحققت فيه أحكام الشهيد الدنيوية. والقيد الثالث وهو في غاية الأهمية: أن يكون مراد المجاهد من القتال الذي قتل فيه إعلاء كلمة الله ونصرة دينه (١) . لأن من قاتل الكفار فقتل في المعركة وليس هدفه إعلاء كلمة الله عزوجل، وإنما قاتل لوطنية، أو قومية، أو عصبية، أو رياء، أو من أجل المغنم، فإنه لا يكون شهيدا في الآخرة ولا ينال أجر الشهداء الذي أعده الله لهم وإن طبقت عليه أحكام الشهيد الدنيوية. والدليل على أنه ليس بشهيد ما جاء في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل للذكر والرجل يقاتل ليُرى مكانه فمن في سبيل الله؟ قال ﷺ «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (٢) . فليحذر جنود الإسلام أن يكون هدفهم من القتال الوطن لذاته، أو أهداف مالية، أو مناصب دنيوية أو حمية، أو عصبية لأن في ذلك هلاكا في الدنيا وخسرانا في الآخرة وليكن هدفهم إعلاء دين الله وحماية بلاد المسلمين من أجل أن يقام الإسلام فيها حتى ينالوا الشهادة إذا قتلوا.

стр. 232

قال الشيخ ابن عثيمين محذرا من القتال لوطنية أو قومية أو عصبية: (أما من قاتل لوطنية أو قومية، أو عصبية فليس بشهيد ولو قتل، أما من قتل حماية لوطنه الإسلامي من أجل أنه وطن إسلامي، فقد قاتل لحماية الدين، فيكون من هذا الوجه في سبيل الله. ولهذا يجب أن نبين لإخواننا في الجيش أنهم إنما يتأهبون للقتال، لا دفاعا عن وطنهم من أجل أنه وطنهم، ولكن من أجل أنه وطن إسلامي يقاتلون لحماية الإسلام حتى يكونوا عند الموت شهداء) (١) . ونخلص مما تقدم إلى أن الشهداء ثلاثة: ١- شهيد قتل في المعركة مع الكفار ومقصده من القتال إعلاء دين الله، وتحكيم شريعته في الأرض، فيأخذ أحكام الشهيد الدنيوية، وأحكام الشهيد الأخروية. ٢- شهيد قتل في المعركة مع الكفار، ولم يكن مقصده من القتال إعلاء دين الله، فيأخذ أحكام الشهيد الدنيوية، وليس له حظ في الآخرة. ٣- شهيد أصيب في المعركة مع الكفار وبقي حيا حياة مستقرة ثم مات، وكان مقصده من القتال إعلاء دين الله، فهو شهيد في الآخرة، ولا يأخذ أحكام الشهيد الدنيوية. الفرع الثاني موت المجاهد بعد خروجه للجهاد وقبل المعركة إذا خرج المجاهد للجهاد في سبيل الله، ثم مات بمرض ونحوه قبل المعركة دون سبب من العدو، فهل يأخذ أحكام الشهيد الدنيوية، فلا يغسل ولا يصلي عليه ويدفن بثيابه، أم لا؟

стр. 233

الذي يظهر من تعريف الفقهاء لشهيد المعركة الذي لا يغسل ولا يصلي عليه ويدفن بثيابه، أنه من قتل بسبب العدو في أرض المعركة (١) وعلى هذا فإن من مات دون أن يكون للعدو سبب في ذلك، لا يكون في حكم شهيد المعركة، فيغسل ويكفن ويصلى عليه. جاء في كشاف القناع: (إذا مات في دار الحرب حتف أنفه، أي بغير سبب يفضي إلى الموت من جرح، أو ضرب أو غيره غسل وصلي عليه وجوبا) (٢) . وجاء في الحاوي: (إلا أن يموت بين الصفين حتف أنفه فهو كغيره من موتي المسلمين، يغسل ويكفن ويصلى عليه) (٣) . وفي بدائع الصنائع: (أن يكون مقتولا، حتى لو مات حتف أنفه.. لا يكون شهيدا، لأنه ليس بمقتول فلم يكن في معنى شهداء أحد) (٤) . وبهذا يتبين أن المجاهد إذا مات بعد خروجه للجهاد وقبل المعركة، أنه ليس شهيد معركة وهو شهيد في الآخرة إذا كانت نيته من خروجه إعلاء كلمة الله تعالى، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى. عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من صرع (٥) عن دابته في سبيل الله فهو شهيد» (٦) .

стр. 234

الفرع الثالث موت المجاهد في الأسر المقصود أن المجاهد إذا مات في الأسر، هل يلحق بشهيد المعركة، فلا يغسل ولا يصلي عليه ويدفن بثيابه أم لا؟ لا يخلو المجاهد إذا مات في الأسر من حالتين. الحالة الأولى: أن يموت في الأسر بمرض ونحوه، وليس للعدو في ذلك سبب. وفي هذه الحالة لا يكون شهيد معركة، فيغسل ويكفن ويصلي عليه، وهو كمن خرج للجهاد ثم مات بمرض ونحوه، وقد سبق بيان ذلك، وما قيل: هناك، يقال: هنا (١) . الحالة الثانية: أن يموت في الأسر على يد العدو، وله صورتان. الأولى: أن يقتله العدو والمعارك ما زالت قائمة بين المسلمين والكفار، فهو في هذه الصورة شهيد معركة مع الكفار فتطبق عليه أحكام شهيد المعركة (٢) . الثانية: أن يقتله العدو بعد انتهاء الحرب: اختلف الفقهاء في هذه الصورة هل يلحق بشهيد المعركة أم لا؟ إلى قولين: القول الأول: إنه لا يلحق بشهيد المعركة، فيغسل ويكفن ويصلى عليه. وهذا قول المالكية، بناء على أن من قتل مظلوما ليس بشهيد، وبناء على أن الشهيد هو من قتل في المعركة في قتال الكفار كما سبق بيانه (٣) وأحد الوجهين عن الشافعية، قياسا على الجريح إذا خلص حيا، ثم مات بعد انتهاء المعركة (٤) ، ورواية عند الحنابلة أن المقتول ظلما ليس بشهيد (٥) .

стр. 235

ويمكن أن يستدل لهم بما يلي: ١- أن رتبته دون شهيد المعركة فلا يلحق به. ٢- أن خروج روحه في غير المعترك فأشبه الجريح في المعركة يموت بعد انتهاء القتال بعد أن يحيا حياة مستقرة، فلا يأخذ أحكام شهيد المعركة مع الكفار (١) . القول الثاني: أنه يلحق بشهيد المعركة مع الكفار وتطبق عليه أحكامه. وهذا قول الحنفية تخريجا على تعريفهم للشهيد، كما سبق بيانه، وأن المقتول ظلما سواء في المعركة أو غيرها شهيد (٢) وأحد الوجهين عند الشافعية جاء في الحاوي (لو أسر المشركون رجلا وقتلوه بأيديهم صبرا ففي غسله والصلاة عليه وجهان: أحدهما: لا يغسل ولا يصلي عليه لأنه قتل ظلما بيد مشرك حربي كالقتل في المعترك) (٣) . وهذا القول رواية عند الحنابلة. جاء في كشاف القناع: (من قتله الكفار صبرا في غير الحرب ألحق بشهيد المعركة في أنه لا يغسل ولا يصلى عليه) (٤) وهو قول عند المالكية جاء في المدونة (.. فكل من قتله العدو بأي قتلة كانت بصبر أو غيره في معركة أو غير معركة فأراه مثل الشهيد في المعركة) (٥) . ويمكن أن يستدل لهذا القول بما يلي: ١- ما جاء عن سعيد بن زيد (٦) ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من

стр. 236

قتل دون دينه فهو شهيد» (١) . ٢- ولأنه قتل ظلما بيد كافر حربي فهو كقتل المعركة (٢) . ويمكن مناقشة أدلة هذا القول بما يلي: ١- أن المراد بكونه شهيدا في الحديث أي: شهيد في الآخرة من حيث الأجر والثواب، أما في الدنيا فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، كما في المبطون والغريق والمحترق، ونحو ذلك ممن سماهم الرسول ﷺ شهداء وغسلهم وصلى عليهم. ٢- وأما كونه مقتولا ظلما، فإنه كذلك لا يأخذ حكم شهيد المعركة في الدنيا فيغسل ويكفن ويصلى عليه. لأن عمر وعليا وابن الزبير ﵁ قتلوا ظلما وغسلوا وصلي عليهم (٣) . ومما سبق يظهر أن الأسير إذا قتله العدو بعد انتهاء المعركة فإنه لا يأخذ أحكام شهيد المعركة فيغسل ويكفن ويصلى عليه، لأنه قتل في غير معركة فأختل شرط من شروط إلحاقه بشهيد المعركة، وهو شهيد في الآخرة إن كانت نيته من قتال الكفار إعلاء كلمة الله. والله أعلم.

стр. 237

الفرع الرابع موت المجاهد بعد انتهاء المعركة المقصود أنه إذا وجد المجاهد بعد انتهاء المعركة ميتا، أو وجد مجروحا ثم مات متأثرا بجراحه، فهل يكون شهيد معركة لا يغسل ولا يصلي عليه، كما عند الجمهور ويدفن بثيابه التي مات فيها أم لا يعتبر شهيد معركة؟ هنا حالتان: الحالة الأولى: أن يوجد بعد المعركة ميتا. وهو لا يخلو في هذه الحالة أن يوجد ميتا وبه أثر جراحة أو ضرب ونحو ذلك أو لا يوجد به أثر. فأما إن وجد به أثر جراحة ونحوها، فإنه شهيد معركة لا يغسل ولا يصلى عليه ويدفن في ثيابه التي قتل فيها، وهذا باتفاق الفقهاء (١) - فيما أعلم - لأنه قتل في المعركة مع العدو بسبب منهم. أما إن وجد ميتا وليس به أثر لجراحة ونحوها، فقد اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في هذه الحالة هل يكون شهيد معركة أم لا؟ إلى قولين: القول الأول: أنه شهيد معركة مع الكفار، وإلى هذا القول ذهب المالكية (٢) والشافعية (٣) لأنه مات في المعركة في قتال الكفار، فلعله ركله فرس، أو مات بسبب من أسباب القتال (٤) .

стр. 238

القول الثاني: أنه ليس شهيد معركة، فيغسل ويكفن ويصلى عليه، وهذا قول الحنفية (١) والحنابلة (٢) . وعللوا لقولهم بما يلي: ١- أن الآثار من جراحه وغيرها دليل على القتل، فإن لم يكن به أثر فليس بشهيد (٣) . ٢- أن الأصل وجوب الغسل والصلاة، فلا يسقط الوجوب باحتمال أنه مات بسبب العدو (٤) . الترجيح الذي يظهر أن ما ذهب إليه المالكية، والشافعية من أنه شهيد لا يغسل ولا يصلي عليه ويكفن بثيابه التي قتل فيها، هو الراجح لما يأتي: ١- أن التفريق بين من وجد ميتا وبه آثار قتل من جراحة وغيرها وبين من لم يوجد به آثار، تفريق لا دليل عليه، بل الدليل على عدم التفريق فالمتتبع لغزوات النبي ﷺ وأصحابه من بعده، يجد أن من وجدوه في أرض المعركة ميتا دفنوه بثيابه ولم يغسلوه ولم يصلوا عليه، دون تمييز بين من به أثر جراح أو غيره. ٢- أن احتمال موته بأيدي العدو دون أن يظهر عليه آثار احتمال قوي، وخاصة في هذا العصر الذي تعددت فيه وسائل القتل التي لا يظهر معها أثر. والله أعلم. الحالة الثانية: أن يوجد مجروحا في المعركة، ثم يموت متأثر بجراحه، وهذه الحالة نتناولها بالبحث إن شاء الله تعالى في الفرع الخامس الآتي:

стр. 239

الفرع الخامس موت المجاهد متأثراً بإصابته في المعركة لا يخلو حال المجاهد المصاب بالجراح في المعركة بعد انتهاء القتل في حالتين: الحالة الأولى: أن يوجد في المعركة وفيه رمق حياة ثم يموت سواء حمل أم لا؟ الحالة الثانية: أن يوجد في المعركة وفيه حياة مستقرة ثم يموت. فأما الحالة الأولى: أن يوجد في المعركة وفيه رمق حياة ثم يموت فإنه لم يظهر خلاف بين الفقهاء -فيما أعلم- أنه شهيد معركة يأخذ أحكام الشهيد الدنيوية (١) . جاء في المبسوط وغيره: إن حمل المجروح بين الصفين كي لا تطأه الخيل، لا للتداوي، فإنه شهيد لا يغسل لأنه لم ينل مرافق الحياة (٢) . وقال المالكية: إذا رفع حيا منفوذ المقاتل، أو مغمورا (٣) فهو شهيد لا يغسل ولا يصلي عليه ويدفن بثيابه التي قتل فيها (٤) . وقال الشافعية: إذا انقضى القتال وفي المجروح حركة مذبوح، فهو شهيد بلا خلاف، فلا يغسل ولا يصلى عليه ويدفن بثيابه التي قتل فيها (٥) . وقال الحنابلة: لو مات عقب حمله من المعركة وفيه رمق لم يغسل ولم يصلى عليه (٦) .

стр. 240

ويمكن أن يستدل لهذه الحالة بما جاء في موطأ الإمام مالك ﵀: لما كان يوم أحد قال رسول الله ﷺ «من يأتيني بخير سعد بن الربيع؟» (١) فقال رجل (٢) : أنا يا رسول الله، فذهب الرجل يطوف بين القتلى، فقال له سعد بن الربيع: ما شأنك؟ فقال له الرجل: بعثني إليك رسول الله ﷺ لآتيه بخبرك قال: فاذهب إليه فأقرئه مني السلام وأخبره أني قد طعنت ثنتي عشرة طعنة، وأني قد أنفذت مقاتلي، وأخبر قومك أنه لا عذر لهم عند الله إن قتل رسول الله ﷺ وواحد منهم حي (٣) . وجه الدلالة أنه وجد بعد انتهاء المعركة منفوذ المقاتل ولم يفرد عن شهداء أحد بحكم. أما الحالة الثانية: أن يوجد في المعركة وفيه حياة مستقرة، ثم يموت بعد ذلك متأثرا بجراحه في المعركة مع الكفار. الذي يظهر من كلام الفقهاء أنه ليس بشهيد معركة، ولا يلحق به فيغسل ويكفن في ثيابه ويصلى عليه.

стр. 241

قال الحنفية: إن نال مرافق الحياة فأكل أو شرب أو أوصى بشيء من أمور الدنيا (١) ، أو تداوى أو باع أو اشترى أو صلى أو حمل من المعركة حيا (٢) أو نصب له خيمة أو عاش أكثر من يوم وهو يعقل فليس بشهيد (٣) . وقال المالكية: من عاش فأكل وشرب أو عاش حياة بينة، يغسل ويكفن ويصلى عليه، وكذا من حمل من المعترك جريحا فبقي زمنا أو أياما ثم مات (٤) . وقال الشافعية: إن قطع بموته من تلك الجراحة وبقي فيه بعد انقضاء الحرب حياة مستقرة، فقولان: أصحهما وأظهرهما: أنه ليس بشهيد (٥) قال في المجموع: إذا انقضت الحرب وهو متوقع الحياة فليس بشهيد بلا خلاف (٦) . وقال الحنابلة: إن حمل فأكل أو طال بقاؤه فليس بشهيد نص عليه أحمد (٧) . وقال ابن حزم: إن حمل عن المعركة وهو حي فمات غسل وكفن وصلى عليه (٨) .

стр. 242

واستدلوا بما يلي: ١- أن النبي ﷺ غسل سعد بن معاذ وصلى عليه، وكان شهيدا، رمي يوم الخندق بسهم فقطع أكحله (١) فحمل إلى المسجد فلبث فيه أياما ثم مات (٢) . ٢- ولأنه عاش بعد انقضاء الحرب، فأشبه ما لو مات بسبب آخر (٣) . ٣- ولأنه نال مرافق الحياة من أكل وشرب ونحو ذلك، ولا يكون ذلك إلا من ذي حياة مستقرة (٤) . وبناء على ما تقدم من كلام الفقهاء في الحالتين السابقتين، وما استدلوا به فإن المجاهد في سبيل الله إذا وجد في أرض المعركة (مسرح العمليات) بعد انتهاء القتال وبه رمق حياة ولو تكلم أو أكل أو شرب أو نقل من المعركة ثم مات بعد ذلك بزمن قصير عرفا، فإنه شهيد معركة لا يغسل ولا يصلى عليه، ويدفن بثيابه التي قتل فيها. وإن نقل من أرض المعركة وأسعف (في المستشفى) وبقي زمنا طويلا عرفا، واستقرت حالته، ثم توفي بعد ذلك فإنه ليس شهيد معركة فيغسل ويكفن ويصلى عليه. وهو شهيد في الآخرة بإذن الله إذا كان مراده من قتاله الكفار، إعلاء كلمة الله وإعزاز دينه. والله أعلم.

стр. 243

الفرع السادس إذا قتل خطأ من قبل مسلم لا يخلو الحال أن يكون قد قتل في غير المعركة، أو في المعركة مع الكفار، فأما إن قتل في غير المعركة فليس بشهيد معركة، فيغسل ويصلى عليه ويكفن، لأن الشهيد كما سبق بيانه، من قتل في المعركة في قتال الكفار، فإن اختل أحد الأمرين فإنه لا يعتبر شهيد معركة (١) . أما إن قتل في المعركة فقد اختلف الفقهاء هل يعتبر شهيد معركة أم لا؟ إلى قولين القول الأول: أنه يعتبر شهيد معركة، فلا يغسل ولا يصلى عليه ولا يكفن، وإنما يدفن في ثيابه التي قتل فيها. وهذا قول الشافعية (٢) وقول عند المالكية (٣) . بناء على أن الشهيد عندهم من مات بسبب قتال الكفار حال قيام القتال سواء قتله كافر، أو أصابه سلاح مسلم خطأ أو قتله مسلم يظنه كافرا (٤) . ويمكن توجيه هذا القول: بأنه قتل في المعركة مع الكفار وبسبب قتالهم فهو شهيد تطبق عليه أحكام الشهيد الدنيوية. القول الثاني: أنه ليس بشهيد معركة، فيغسل ويكفن ويصلى عليه، وهذا قول الحنفية (٥) والحنابلة (٦) وقول للمالكية (٧) .

стр. 244

جاء في تبيين الحقائق: إن رمى مسلم إلى الكفار فأصاب مسلما فمات، لم يعتبر شهيدا، لأن هذا الفعل قطع النسبة إلى العدو (١) . وفي مواهب الجليل: ولو قتل المسلمون في المعترك مسلما ظنوه من العدو، فإنه يغسل ويصلى عليه (٢) . وفي المبدع وغيره: من قتله المسلمون خطأ غسل رواية واحدة (٣) . ويمكن توجيه هذا القول: بأنه قتل بغير سبب من العدو فلا يصل منزلة من قتله العدو، فلا يأخذ أحكام الشهيد الدنيوية فيغسل ويكفن ويصلى عليه. والقول الأول أقرب إلى الرجحان، لأنه وإن لم يقتله العدو مباشرة، فإن قتالهم سبب في قتله، ولأنه قتل في أرض المعركة مع الكفار فلا يختلف عن غيره من قتلى المعركة من المسلمين والله أعلم. الفرع السابع قتل المجاهد نفسه خطأ إذا قتل المجاهد نفسه خطأ بأن رجع عليه سلاحه، فلا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون ذلك في غير المعركة. سبق في تعريف الشهيد عند الفقهاء أن الشهيد من قتل في المعركة، في قتال الكفار وعلى هذا لا يكون ليس شهيد معركة، فيغسل ويكفن ويصلى عليه. الحالة الثانية: إذا قتل نفسه خطأ في المعركة مع الكفار. اختلف الفقهاء في هذه الحالة، هل يعتبر شهيد معركة، فلا يغسل ولا يصلي عليه ويدفن بثيابه أم لا؟ اختلفوا إلى قولين:

стр. 245

القول الأول: أنه شهيد معركة، فلا يغسل ولا يصلى عليه ويدفن بثيابه التي قتل فيها. وهذا قول المالكية على المشهور (١) وقول الشافعية (٢) وقول عند الحنابلة (٣) . واستدلوا بما يلي: ١- (أن عامر بن الأكوع (٤) ﵁ بارز مرحبا (٥) يوم خيبر، فذهب يسفل له (٦) فرجع سيفه على نفسه، فكانت فيها نفسه) (٧) . وجه الدلالة: أن عامر بن الأكوع لم يفرد عن الشهداء بحكم، فدل على أن من قتل نفسه خطأ في قتال الكفار، أنه شهيد معركة (٨) . ٢- عن أبي سلام (٩) عن رجل (١٠) من أصحاب النبي ﷺ قال: أغرنا على حي من جهينة (١١) فطلب رجل من المسلمين رجلا فضربه فأخطأه وأصاب نفسه بالسيف

стр. 246

فقال رسول الله ﷺ : «أخوكم يا معشر المسلمين فابتدره الناس فوجدوه قد مات» فلفه رسول الله ﷺ بثيابه ودمائه وصلى عليه (١) ودفنه فقالوا يا رسول الله: أشهيد هو؟ قال: نعم وأنا له شهيد (٢) . قال في نيل الأوطار: فظاهره أنه لم يغسله النبي ﷺ ولا أمر بغسله فدل على أن من قتل نفسه في المعركة خطأ حكمه كمن قتله غيره في ترك الغسل (٣) . ٣- ولأنه شهيد أشبه ما لو قتله الكفار (٤) . القول الثاني: أنه ليس شهيد معركة، فيغسل ويكفن وصلى عليه وهذا قول الحنفية (٥) . وقول عند المالكية (٦) والصحيح من مذهب الحنابلة (٧) . وعللوا لقولهم: بأنه مات بغير أيدي المشركين، أشبه من أصابه ذلك في غير المعركة (٨) . الترجيح الذي يظهر أن القول الأول هو الراجح أن المجاهد إذا قتل نفسه خطأ في أرض المعركة فإنه شهيد معركة يأخذ أحكام الشهيد الدنيوية، لقوة ما استدلوا من الأحاديث ولأنه قتل بسبب حمله على الكفار. والله أعلم.

стр. 247

المطلب الثاني غسل الشهيد وفيه خمسة فروع: الفرع الأول: غسل الشهيد إذا قتل في ميدان المعركة. الفرع الثاني: غسل الشهيد إذا قتل جنبا. الفرع الثالث: غسل الشهيد يحمل وفيه رمق حياة ثم يموت. الفرع الرابع: غسل الشهيد يحمل ويبقى أيام، ثم يموت. الفرع الخامس: غسل الشهيد الملوث بالمواد الكيمائية.

стр. 248

الفرع الأول غسل الشهيد إذا قتل في ميدان المعركة ذهب عامة الفقهاء من الأئمة الأربعة وابن حزم وغيرهم (١) إلى أن شهيد المعركة لا يغسل، ونقل بعضهم الاتفاق على ذلك. جاء في شرح السنة: اتفق العلماء على أن الشهيد المقتول في معركة الكفار لا يغسل (٢) . واستدلوا بما يلي: ١- عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ في شهداء أحد: (أمرهم بدفنهم في دمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم) (٣) . ٢- عن أنس بن مالك ﵁ (أن شهداء أحد لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم، ولم يصل عليهم) (٤) .

стр. 249

وجه الدلالة: أن الحديثين صحيحان صريحان في أن شهداء أحد لم يغسلوا، ولا سيما أن جابر بن عبد الله ﵁ كان حاضر المعركة، فهو يخبر بما رأي، وهكذا سائر الشهداء في ميدان المعركة مع العدو لا يغسلوا. وذهب الحسن البصري (١) وسعيد بن المسيب إلى أنه يغسل (٢) . وعللوا لقولهم بما يلي (٣) . ١- أن الغسل سنة الموتى من بني آدم. ٢- أن غسل الميت تطهير له حتى يجوز الصلاة عليه بعد غسله. وقال في عدم غسل شهداء أحد: أن الجراحات فشت في الصحابة في ذلك اليوم، وكان يشق عليهم حمل الماء إلى المدينة (٤) . ونوقش هذا بما يلي: ١- أما التعليلات المذكورة، فتردها السنة الصحيحة في ترك غسلهم (٥) . ٢- وأما قولهم إن الجراحات كثرت في الصحابة وشق عليهم حمل الماء من المدينة ليغسلوهم، فإنه لو كان ترك غسلهم للتعذر، لأمر النبي ﷺ أن ييمموا بالتراب، ولكنه لم يأمرهم. وكذلك لم يعذرهم في ترك الدفن، والمشقة في حفر القبور أعظم منها في الغسل (٦) .

стр. 250

الترجيح الراجح ما ذهب إليه عامة الفقهاء أن شهداء المعركة لا يغسلون، للسنة الصحيحة لترك غسل من قتل في المعركة، كما في شهداء أحد، ولأن دفنهم بدمائهم دون غسل ميزة للشهداء يوم القيامة. كما في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله- والله أعلم بمن يكلم في سبيله- إلا جاء يوم القيامة واللون لون الدم والريح ريح المسك» (١) . الفرع الثاني غسل الشهيد إذا قتل جنبا اختلف الفقهاء- رحمهم الله تعالى- في الشهيد إذا قتل جنبا في أرض المعركة هل يغسل، أم لا؟ إلى قولين: القول الأول: أنه لا يغسل، وبهذا قال المالكية على الأظهر (٢) والأصح عند الشافعية (٣) وقول أبي يوسف ومحمد من الحنفية (٤) ورواية عند الحنابلة (٥) . واستدلوا بما يلي: ١- عموم الأدلة في أن النبي ﷺ لم يغسل شهداء أحد، كما سبق في حديث جابر، وأنس بن مالك (٦) ﵄ ولم يميز بين من كان جنبا أو غيره.
следующие страницы →