← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1933

أحكام المجاهد بالنفس في سبيل الله عز وجل في الفقه الإسلامي

مرعي الشهري

Полный текст (646 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فقال رسول الله ﷺ : «أخوكم يا معشر المسلمين فابتدره الناس فوجدوه قد مات» فلفه رسول الله ﷺ بثيابه ودمائه وصلى عليه (١) ودفنه فقالوا يا رسول الله: أشهيد هو؟ قال: نعم وأنا له شهيد (٢) . قال في نيل الأوطار: فظاهره أنه لم يغسله النبي ﷺ ولا أمر بغسله فدل على أن من قتل نفسه في المعركة خطأ حكمه كمن قتله غيره في ترك الغسل (٣) . ٣- ولأنه شهيد أشبه ما لو قتله الكفار (٤) . القول الثاني: أنه ليس شهيد معركة، فيغسل ويكفن وصلى عليه وهذا قول الحنفية (٥) . وقول عند المالكية (٦) والصحيح من مذهب الحنابلة (٧) . وعللوا لقولهم: بأنه مات بغير أيدي المشركين، أشبه من أصابه ذلك في غير المعركة (٨) . الترجيح الذي يظهر أن القول الأول هو الراجح أن المجاهد إذا قتل نفسه خطأ في أرض المعركة فإنه شهيد معركة يأخذ أحكام الشهيد الدنيوية، لقوة ما استدلوا من الأحاديث ولأنه قتل بسبب حمله على الكفار. والله أعلم.

стр. 247

المطلب الثاني غسل الشهيد وفيه خمسة فروع: الفرع الأول: غسل الشهيد إذا قتل في ميدان المعركة. الفرع الثاني: غسل الشهيد إذا قتل جنبا. الفرع الثالث: غسل الشهيد يحمل وفيه رمق حياة ثم يموت. الفرع الرابع: غسل الشهيد يحمل ويبقى أيام، ثم يموت. الفرع الخامس: غسل الشهيد الملوث بالمواد الكيمائية.

стр. 248

الفرع الأول غسل الشهيد إذا قتل في ميدان المعركة ذهب عامة الفقهاء من الأئمة الأربعة وابن حزم وغيرهم (١) إلى أن شهيد المعركة لا يغسل، ونقل بعضهم الاتفاق على ذلك. جاء في شرح السنة: اتفق العلماء على أن الشهيد المقتول في معركة الكفار لا يغسل (٢) . واستدلوا بما يلي: ١- عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ في شهداء أحد: (أمرهم بدفنهم في دمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم) (٣) . ٢- عن أنس بن مالك ﵁ (أن شهداء أحد لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم، ولم يصل عليهم) (٤) .

стр. 249

وجه الدلالة: أن الحديثين صحيحان صريحان في أن شهداء أحد لم يغسلوا، ولا سيما أن جابر بن عبد الله ﵁ كان حاضر المعركة، فهو يخبر بما رأي، وهكذا سائر الشهداء في ميدان المعركة مع العدو لا يغسلوا. وذهب الحسن البصري (١) وسعيد بن المسيب إلى أنه يغسل (٢) . وعللوا لقولهم بما يلي (٣) . ١- أن الغسل سنة الموتى من بني آدم. ٢- أن غسل الميت تطهير له حتى يجوز الصلاة عليه بعد غسله. وقال في عدم غسل شهداء أحد: أن الجراحات فشت في الصحابة في ذلك اليوم، وكان يشق عليهم حمل الماء إلى المدينة (٤) . ونوقش هذا بما يلي: ١- أما التعليلات المذكورة، فتردها السنة الصحيحة في ترك غسلهم (٥) . ٢- وأما قولهم إن الجراحات كثرت في الصحابة وشق عليهم حمل الماء من المدينة ليغسلوهم، فإنه لو كان ترك غسلهم للتعذر، لأمر النبي ﷺ أن ييمموا بالتراب، ولكنه لم يأمرهم. وكذلك لم يعذرهم في ترك الدفن، والمشقة في حفر القبور أعظم منها في الغسل (٦) .

стр. 250

الترجيح الراجح ما ذهب إليه عامة الفقهاء أن شهداء المعركة لا يغسلون، للسنة الصحيحة لترك غسل من قتل في المعركة، كما في شهداء أحد، ولأن دفنهم بدمائهم دون غسل ميزة للشهداء يوم القيامة. كما في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله- والله أعلم بمن يكلم في سبيله- إلا جاء يوم القيامة واللون لون الدم والريح ريح المسك» (١) . الفرع الثاني غسل الشهيد إذا قتل جنبا اختلف الفقهاء- رحمهم الله تعالى- في الشهيد إذا قتل جنبا في أرض المعركة هل يغسل، أم لا؟ إلى قولين: القول الأول: أنه لا يغسل، وبهذا قال المالكية على الأظهر (٢) والأصح عند الشافعية (٣) وقول أبي يوسف ومحمد من الحنفية (٤) ورواية عند الحنابلة (٥) . واستدلوا بما يلي: ١- عموم الأدلة في أن النبي ﷺ لم يغسل شهداء أحد، كما سبق في حديث جابر، وأنس بن مالك (٦) ﵄ ولم يميز بين من كان جنبا أو غيره.

стр. 251

٢- أن الجنابة طهارة من حدث، فوجب أن تسقط بالقتل كالطهارة الصغرى (١) . ٣- ولأن الحي الجنب إنما يغتسل ليصلي، والميت إنما يغسل ليصلى عليه، وإذا كان القتيل الجنب لا يصلى عليه فلا معنى لغسله (٢) . القول الثاني: أنه يغسل قال بهذا أبو حنفية (٣) وهو قول عند المالكية (٤) والصحيح من مذهب الحنابلة (٥) وقول عند الشافعية (٦) . واستدلوا بما يلي: ١- أن حنظلة (٧) قتل يوم أحد، فقال رسول الله ﷺ «إن صاحبكم حنظلة تغسله الملائكة فسلوا صاحبته» (٨) فقالت: خرج وهو جنب لما سمع الهائعة (٩) . فقال رسول الله ﷺ «فلذاك غسلته الملائكة» (١٠) .

стр. 252

وجه الدلالة من الحديث: أنه لما غسلته الملائكة، والملائكة لا تغسله إلا عن أمر الله سبحانه، دل على أن غسله مأمور به (١) . ونوقش الاستدلال: بأن حنظلة قتل يوم أحد جنبا ولم يغسله النبي ﷺ فلو كان الغسل واجبا لم يسقط إلا بفعلنا (٢) . ٢- أنه لزمه غسل جميع بدنه في حال حياته، فوجب أن لا يسقط بالقتل، كما إذا كان على جميع بدنه نجاسة ثم قتل شهيدا (٣) . ونوقش هذا: بأن هناك فرق بين النجاسة والجنابة، فقليل النجاسة يجب إزالته، فكذلك كثيرها، أما الجنابة فهي حدث، وإذا كان لا يجب إزالة الحدث الأصغر، فكذلك الأكبر (٤) . الترجيح الذي يظهر والله أعلم أن ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من عدم غسل الشهيد إذا مات في ميدان المعركة جنبا، هو الراجح لما يأتي: ١- عموم أدلة عدم غسل شهيد المعركة، وتقدم ذكرها فلم تميز بين جنبا وغيره. ٢- أن قتلى المعركة لا يقدر أحد على التمييز بين من قتل منهم جنبا أو غيره، ولولا أن النبي ﷺ رأى الملائكة تغسل حنظلة، لما علم أنه قتل جنبا، ولذا قال: (سلوا صاحبته) (٥) .

стр. 253

الفرع الثالث غسل الشهيد يحمل وفيه رمق حياة ثم يموت سبق بيان أن من وجد في المعركة، أو حمل منها وفيه رمق حياة، أو لا يعقل كما عند الحنفية، أو كان في غمرة الموت كما عند المالكية، أو كانت حياته حياة مذبوح كما قال الشافعية، ثم مات بعد ذلك أنه شهيد معركة، لا يغسل ولم يظهر فيما أعلم خلاف بين الفقهاء في ذلك، وقد سبق بيان ذلك عند الحديث عن موت المجاهد متأثر بإصابته في المعركة وما قيل هناك يقال: هنا (١) . وعلى هذا فالمجاهد في سبيل الله إذا أصيب في أرض المعركة (مسرح العمليات) وفيه رمق حياة، ثم مات أو نقل ومات بعد ذلك بزمن يسير، فإنه شهيد معركة لا يغسل. والله أعلم. الفرع الرابع غسل الشهيد يحمل ويبقى أياما ثم يموت سبق بيان أن من أصيب بجراح في أرض المعركة ثم مات وفيه حياة مستقرة ونال مرافق الحياة، أنه ليس بشهيد معركة، فيغسل كغيره من الموتى، وقد سبق الكلام في هذا عند الحديث عن موت المجاهد متأثر بإصابته في المعركة الحالة الثانية، وما قيل: هناك يقال: هنا (٢) وعلى هذا فالمجاهد إذا نقل من المعركة (مسرح العمليات) وفيه حياة مستقرة وأسعف في المستشفى ونال من مرافق الحياة، بأن أكل وشرب ونام وصلى إلى غير ذلك ثم مات، فإنه يغسل، والله أعلم.

стр. 254

الفرع الخامس غسل الشهيد الملوث بالمواد الكيمائية إذا قتل الشهيد في المعركة مع الكفار، فسبق بيان أنه، لا يغسل عند عامة أهل العلم، وعلى هذا فلا يغسل الشهيد سواء كان ملوثا بمواد كيمائية، أو غير ملوث. فإن قتل بالمواد الكيمائية في غير المعركة فينظر. إن أمكن غسله دون أن يلحق المغسل ضررا غسل وتؤخذ الاحتياطات اللازمة والواقية. وإن لم يمكن غسله إلا بإلحاق الضرر بالمغسل، فإنه لا يغسل، وينتقل إلى التيمم إن أمكن، وإلا دفن بحاله التي هو عليها دون غسل، ولا تيمم لعموم قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦] . وقوله ﷺ «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (١) . ولأنه إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما (٢) فتركه بدون غسل ولا تيمم مفسدة، لكنها أخف من مفسدة تلف نفوس الأحياء، فقدمت، والله أعلم.

стр. 255

المطلب الثالث تكفين الشهيد وفيه أربعة فروع: الفرع الأول: فيما يكفن فيه الشهيد. الفرع الثاني: في نزع الدروع والحديد والخفاف ونحو ذلك منه. الفرع الثالث: في كيفية تكفين الشهيد. الفرع الرابع: في تكفين الملوث بالمواد الكيمائية.

стр. 256

الفرع الأول فيما يكفن فيه الشهيد اتفق الأئمة الأربعة، وابن حزم وغيرهم. أن شهيد المعركة مع الكفار يكفن في ثيابه التي قتل فيها (١) . واستدلوا بما يلي: ١- عن جابر ﵁ قال: (رمي رجل بسهم في صدره أو في حلقه فمات، فأدرج في ثيابه كما هو، قال: ونحن مع رسول الله ﷺ ) (٢) . ٢- عن ابن عباس ﵄ قال: (أمر رسول الله ﷺ بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم) (٣) .

стр. 257

إذا تقرر أن شهيد المعركة مع الكفار يكفن في ثيابه التي قتل فيها، فهل هذا على وجه الاستحباب والأولوية، أم للوجوب، اختلف الفقهاء إلى قولين: القول الأول: أنه يجب تكفينه في ثيابه التي قتل فيها ولا تنزع عنه، وهذا قول الحنفية (١) والمالكية (٢) والصحيح عند الحنابلة (٣) واختاره الشوكاني (٤) . واستدلوا بحديث ابن عباس ﵄ قال: (أمر رسول الله بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم) (٥) . وجه الدلالة: أنه أمر ﷺ أن يدفنوا بثيابهم والأمر عند إطلاقه يقتضي الوجوب. ونوقش: بأن الأمر فيه محمول على الاستحباب للجمع بين الأدلة (٦) . القول الثاني: إنه يستحب تكفينه في ثيابه التي قتل فيها، ولولي الشهيد أن ينزع عنه ملابسه التي قتل فيها، ودفنه فيها أفضل وأولى، وهذا قول الشافعية (٧) ورواية عند الحنابلة اختارها ابن قدامة (٨) . واستدلوا بما روي عن صفية (٩) ﵂ (أنها أرسلت إلى النبي ﷺ ثوبين يكفن فيها حمزة ﵁ فكفنه في أحدهما، وكفن في الآخر رجل آخر) (١٠) .

стр. 258

وجه الدلالة: أن النبي ﷺ كفن حمزة رضي الله في ثوب غير الذي قتل فيه، وكذلك الرجل الذي وجد مقتولا كفن في ثوب غير الذي قتل فيه، فدل ذلك على جواز تكفين الشهيد في غير ما قتل فيه. ونوقش هذا الاستدلال: بأنه محمول على أن حمزة ﵁ والرجل الذي وجد معه قد سلبت ثيابهما لأن المشركين مثلوا بحمزة وعلى هذا فإن تكفينه في هذه الحالة بثوب آخر واجب، ويحتمل أن الثوب الذي وضع على حمزة وعلى صاحبه ضم إلى ما كان عليهما من ثياب قتلا فيها (١) . الترجيح الذي يظهر أن القول الأول الذي يوجب دفن شهيد المعركة مع الكفار بثيابه التي قتل فيها، هو الراجح لأمر النبي ﷺ بذلك، كما في حديث ابن عباس ﵄ ولم يوجد صارف لهذا الأمر بشرط أن تستر ثيابه جميع بدنه، فإن لم تستر جميع بدنه زيد في ثيابه ما يستره. والله أعلم. الفرع الثاني نزع الدروع والحديد والخفاف ونحو ذلك عنه لا خلاف فيما أعلم أن الشهيد ينزع عنه السلاح من دروع وسيوف ونحو ذلك (٢) واختلف الفقهاء فيما عدا السلاح من الجلود، والخفاف، والفراء، ونحو ذلك. فذهب الجمهور إلى أنها تنزع عن الشهيد (٣) .

стр. 259

واستدلوا بما يلي: ١- عن ابن عباس ﵄ قال: (أمر رسول الله ﷺ بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم) (١) . وجه الدلالة: أن الحديث نص على نزع الجلود عن الشهيد، ويلحق بالجلود ما صنع منها، كالخفاف وكل ما لا يعتاد لبسه. ٢- ولأن الجلود والفراء ليست من جنس الكفن فتترع عنه (٢) . وذهب المالكية (٣) وابن حزم (٤) إلى أنها لا تنزع عن الشهيد. واستدلوا بما جاء في حديث ابن عباس السابق، أنه ﷺ (أمر بقتلى أحد.. أن يدفنوا بدمائهم وثيابهم) (٥) . ووجه الدلالة: أنه ﷺ أمر أن يدفنوا بثيابهم، والأمر عام فيشمل كل ما لبسوه من غير سلاح، ونوقش: بأن المراد بالثياب في الحديث ما اعتاد الناس لبسه. والفراء والخفاف ونحو ذلك هي مما لم يعتد الناس لبسها فتنزع (٦) . الترجيح يظهر أن الراجح القول الأول إنها تنزع عن الشهيد، لحديث ابن عباس ﵄ ولأنها مما لم يعتد الناس لبسه، ولأنها مال وفي دفنها مع الشهيد إضاعة للمال دون حاجة والله أعلم.

стр. 260

الفرع الثالث في كيفية تكفين الشهيد شهيد المعركة مع الكفار يكفن في ثيابه التي قتل فيها كما تقرر سابقا. أما كيفية التكفين. فإنه يدرج في ثيابه التي قتل فيها إدراجا لحديث جابر ﵁ قال: (رمي رجل بسهم في صدره أو حلقه فمات فأدرج في ثيابه كما هو ونحن مع رسول الله ﷺ ) (١) . وهذا إذا سترت ثيابه التي قتل فيها جميع بدنه، فإن بقي من بدنه شيء لم يغط، غطاه بما يستره، لما ثبت في الصحيحين من حديث خباب (٢) ﵁: (أن مصعب بن عمير (٣) ﵁ قتل يوم أحد قال: فلم نجد ما نكفنه إلا بردة، إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه وإذا غطينا رجليه خرج رأسه، فأمر النبي ﷺ أن نغطي رأسه، وأن نجعل على رجليه من الإذخر (٤)) (٥) .

стр. 261

الفرع الرابع في تكفين المجاهد الملوث بالمواد الكيمائية إذا قتل المجاهد في ميدان المعركة وكان ملوثا بالمواد الكيمائية أو الجرثومية التي تضر بمن يقترب منها، أو يشمها، أو يلمسها (١) فإنه يجب عند تكفينه بعد وضع التحصينات وأخذ الاحتياطيات اللازمة لمنع انتقال ضرر المواد الملوثة إلى المكفن، فإن لم يوجد ما يمنع الانتقال فإنه يدفن على حاله. لعموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] . وقوله ﷺ (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (٢) . ولأنه إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما (٣) فتركه دون تكفين مفسدة، لكنها أخف من مفسدة تلف نفس المكفن بالمواد الملوثة أو إلحاق الضرر به فقدمت والله أعلم.

стр. 262

المطلب الرابع الصلاة على الشهيد وفيه خمسة فروع: الفرع الأول: الصلاة عليه إذا قتل في ميدان المعركة. الفرع الثاني: الصلاة عليه إذا حمل وفيه رمق حياة ثم مات. الفرع الثالث: الصلاة عليه يبقى أياما بعد الإصابة، ثم يموت. الفرع الرابع: الصلاة على من رجع عليه سلاحه فقتله. الفرع الخامس: الصلاة على من اختلط بموتى الكفار.

стр. 263

الفرع الأول الصلاة على الشهيد إذا قتل في ميدان المعركة اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في شهيد المعركة مع الكفار، هل يصلى عليه، أم لا؟ إلى ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه لا يصلى عليه، وهذا قول المالكية (١) والشافعية على الصحيح (٢) والحنابلة على أصح الروايات (٣) . واستدلوا بما يلي: ١- عن جابر ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: أيهم أكثر أخذا للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليه) (٤) . ٢- عن أنس بن مالك ﵁ (أن شهداء أحد لم يغسلوا، ودفنوا بدمائهم، ولم يصل عليهم) (٥) . ٣- ولأن الشهيد في معركة الكفار لا يغسل مع إمكانية غسله، فلم يصل عليه كسائر من لم يغسل (٦) .

стр. 264

القول الثاني: أنه يصلى عليه إذا قتل في ميدان المعركة مع الكفار، وهذا قول الحنفية (١) وقول عند الشافعية (٢) ورواية عند الحنابلة (٣) . واستدلوا بما يلي: ١- عن عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ (خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر) (٤) . وفي رواية (صلى رسول الله ﷺ على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات ثم طلع المنبر) (٥) . ٢- عن ابن عباس ﵄ قال في شهداء أحد: (أتي بهم رسول الله ﷺ يوم أحد فجعل يصلي على عشرة عشرة، وحمزة هو كما هو، يرفعون وهو كما هو موضوع) (٦) .

стр. 265

وقد ورد في هذا المعنى عدة روايات عن ابن عباس وغيره كلها لا تخلو من ضعف (١) . ٣- عن شداد بن الهاد (٢) (أن رجلا من الأعراب جاء إلى النبي ﷺ فآمن به واتبعه، ثم قال: أهاجر معك.. فلبثوا قليلا، ثم نهضوا في قتال العدو، فأتى به النبي ﷺ يحمل قد أصابه سهم، ثم كفنه النبي ﷺ في جبته ثم قدمه فصلى عليه..) (٣) . القول الثالث: التخيير بين الصلاة على الشهيد وعدمها، قال بهذا الحنابلة في رواية (٤) ، وهو قول ابن حزم (٥) . واستدلوا على عدم الصلاة بحديث جابر ﵁ السابق، وفي الصلاة عليه بحديث عقبة بن عامر ﵁ السابق، فكأنهم أرادوا الجمع بين الأدلة والأقوال.

стр. 266

المناقشة والترجيح ناقش الحنفية استدلال أصحاب القول الأول بحديث جابر ﵁ بما يلي: ١- أن حديث جابر ليس بقوي (١) . ٢- أن جابر كان يومئذ مشغولا، فقد قتل أبوه وأخوه وخاله، فرجع إلى المدينة ليدبر كيف يحملهم إلى المدينة، فلم يكن حاضرا حين صلى النبي ﷺ ولذا روى ما روى، ومن شاهد النبي ﷺ فقد روي أنه صلى عليهم (٢) فكأنهم يقولون: شهادة إثبات صلاة النبي ﷺ على شهداء أحد مقدم على شهادة النفي. والجواب على هذه المناقشة ما يلي: ١- أما إنه ليس بقوي فهذه دعوى مردودة فقد رواه الشيخان البخاري ومسلم، وقد اتفقت الأمة على قبول ما أثبتاه في صحيحهما. ٢- أن شهادة النفي إنما ترد إذا لم يحط بها علم الشاهد، ولم تكن محصورة، أما ما أحاط به علمه وكان محصورا فيقبل بالاتفاق، وهذه قصة معينة أحاط بها جابر وغيره علما، ثم رواية الإثبات ضعيفة، فوجودها كالعدم (٣) . ونوقش ما استدل به الحنفية ومن معهم بما يلي: ١- المراد من الصلاة على شهداء أحد في حديث عقبة بن عامر، الدعاء لهم، وهذا التأويل لا بد منه لأمرين: الأول: أن النبي ﷺ إنما فعل ذلك قبل موته بعد دفنهم بثمان سنين، ولو كانت صلاة الجنازة المفروضة، لما أخرها ثمان سنين.

стр. 267

الثاني: أن الصلاة على القبر عند الحنفية تكون إلى ثلاثة أيام (١) والجمهور لا يرون الصلاة على الشهيد، فليس المراد من حديث عقبة صلاة الجنازة بالإجماع، فوجب تأويل الحديث بأن المراد من الصلاة الدعاء لهم (٢) . ويظهر أن حديث عقبة خارج محل النزاع، لأن النزاع في الصلاة على الشهيد قبل دفنه، وحديث عقبة إنما هو في الصلاة بعد الدفن. ٢- ونوقش حديث ابن عباس وما جاء في معناه من روايات متعددة: أنها ضعيفة كلها، والأخبار جاءت من وجوه متواترة أنه لم يصل على قتلى أحد (٣) . ٣- أما حديث شداد بن الهاد فنوقش، بأنه يحتمل أن الرجل الذي صلى عليه النبي ﷺ بقي حيا مدة طويلة حياة مستقرة حتى انتهى القتال، ثم مات فصلى عليه (٤) . وعلى ما تقدم فالراجح أن الأولى والأفضل ترك الصلاة على شهداء المعركة في حرب الكفار، لأن حديث جابر ﵁ صحيح وصريح في ترك الصلاة على شهداء أحد، وهو عام في كل الشهداء في المعركة ولأن الحرب وما يحدث فيها من كثرة القتل وانشغال المجاهدين بالقتال يصعب معه الصلاة على الشهداء. فإن صلى عليهم، فلا بأس بذلك للآثار الواردة في ذلك. والله أعلم.

стр. 268

الفرع الثاني الصلاة عليه إذا حمل وفيه رمق حياة ثم مات سبق بيان أن المجاهد إذا وجد في المعركة وبه رمق حياة، أو منفوذ المقاتل، أو بقي فيه حياة مذبوح، ثم مات فإنه شهيد معركة تجري عليه أحكام الشهيد الدنيوية، سواء حمل من المعركة، أو مات في ميدان المعركة (١) . وعلى هذا فما قيل في الصلاة على الشهيد إذا مات في ميدان المعركة، وخلاف الفقهاء في ذلك، يأتي هنا في الصلاة عليه إذا حمل وفيه رمق حياة ثم مات (٢) والله أعلم. الفرع الثالث الصلاة عليه يبقى أياما بعد الإصابة ثم يموت سبق بيان أن من أصيب في المعركة مع الكفار بجراح ثم حمل من المعركة وبقي أياما فأكل وشرب وتكلم وأوصى وبقي حياة مستقرة، فإنه ليس بشهيد معركة، فلا يأخذ أحكام الشهيد الدنيوية باتفاق الفقهاء (٣) وما قيل هناك، يقال هنا. وعلى هذا فإنه لا خلاف بين الفقهاء فيما أعلم أنه يصلي عليه كغيره من الموتى، والله أعلم. الفرع الرابع الصلاة على من رجع عليه سلاحه فقتله سبق الحديث عن قتل المجاهد نفسه خطأ في ميدان المعركة مع الكفار، وذكر خلاف الفقهاء في ذلك، والترجيح أنه شهيد معركة (٤) .

стр. 269

وعلى هذا، فإن الخلاف بين الفقهاء الذي سبق في الصلاة على شهيد المعركة يأتي هنا، وما قيل هناك من أقوال وأدلة وترجيح يأتي في هذه المسألة (١) والله أعلم. الفرع الخامس الصلاة على من اختلط بموتى الكفار إذا قتل المجاهد في أرض المعركة مع الكفار فاختلط بموتاهم ولم يمكن التمييز فكيف يصلى عليه؟ سبق بيان أقوال الفقهاء في الصلاة على شهيد المعركة، وأن جمهور الفقهاء قالوا: لا يصلى عليه، وعلى هذا لا ترد هذه المسألة عند الجمهور (٢) . أما الحنفية ومن معهم فإنهم قالوا: يصلى على شهيد المعركة، وعلى هذا فالصلاة على الشهيد إذا اختلط بموتى الكفار عندهم تكون بحسب الغلبة، فإن كان موتى المسلمين أكثر صلي عليهم جميعا، لأن الحكم للغلبة والمغلوب لا يظهر حكمه مع الغالب، وإن كانت الغلبة لموتى الكفار تركت الصلاة عليهم جميعا، لأن الصلاة على الكفار منهي عنها، ويجوز ترك الصلاة على بعض المسلمين (٣) . وقد سبق ترجيح قول الجمهور في ترك الصلاة على شهيد المعركة وهذه المسألة تدعم ما سبق ترجيحه، لأن معرفة الأكثر موتا يصعب الوصول إليه، ثم لو علم فإن كان الكثرة للمسلمين، فإن هذا يؤدي إلى أن يصلى على الكفار وهذا منهي عنه، وإن كانت الغلبة للكفار فإن الحنفية يرجعون إلى القول بترك الصلاة على شهيد المعركة. ثم هناك حالة التساوي بين قتلى المسلمين والكفار على فرض معرفة عددهم. ولهذا ترك الصلاة على شهيد المعركة هو الأولى والمخرج من هذا الإشكال، والله أعلم.

стр. 270

المطلب الخامس دفن الشهيد وفيه خمسة فروع: الفرع الأول: دفنه وعليه شيء من السلاح والحديد ونحو ذلك. الفرع الثاني: دفن أكثر من شهيد في قبر واحد. الفرع الثالث: نبش قبر الشهيد. الفرع الرابع: إبقاء الشهيد في الثلاجة مدة طويلة. الفرع الخامس: كتابة اسم المجاهد وفصيلة دمه وتعليقها في العنق، أو في اليد حتى يعرف.

стр. 271

الفرع الأول دفنه وعليه شيء من السلاح، والحديد ونحو ذلك سبق بيان أن الشهيد ينزع عنه السلاح، والحديد ونحو ذلك، ولم يخالف في ذلك أحد من الفقهاء حسب ما اطلعت عليه (١) . وعلى هذا فإنه لا يجوز دفن الشهيد وعليه شيء من السلاح والحديد لما يأتي: ١- أن السلاح والحديد ونحو ذلك مال، ودفنه مع الشهيد إضاعة له بغير وجه شرعي (٢) وإضاعة المال منهي عنه (٣) . ٢- ولأن عادة أهل الجاهلية أنهم كانوا يدفنون أبطالهم بما عليهم من الأسلحة، وقد نهينا عن التشبه بهم (٤) حتى لا نكون منهم لقوله ﷺ «من تشبه بقوم فهو منهم» (٥) .

стр. 272

الفرع الثاني دفن أكثر من شهيد في قبر واحد الأصل أنه لا يدفن أكثر من شهيد في قبر واحد، إلا عند الضرورة لذلك، كأن يكثر القتلى ويعسر دفن كل واحد منهم في قبر. فإذا وجدت الضرورة جاز دفن أكثر من شهيد في قبر واحد، ويقدم أفضلهم إلى القبلة، ولا أعلم في ذلك خلافا بين الفقهاء (١) . والدليل على ذلك حديث جابر بن عبد الله ﵄ (أن النبي ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد) (٢) والله أعلم. الفرع الثالث نبش قبر الشهيد لا يختلف الشهيد عن غيره من الموتى في أنه يحرم نبش قبره، إلا لضرورة شرعية، فإذا وجدت الضرورة الشرعية الداعية إلى نبش القبر، كمن دفن عاريا دون ثياب، أو وجه إلى غير القبلة، أو نسي في القبر مال محترم، ونحو ذلك من الضرورات الشرعية، فإن جمهور الفقهاء قالوا يجوز نبش القبر ما لم يتغير المدفون (٣) ؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات (٤) .

стр. 273

وذهب الحنفية إلى أن القبر ينبش ما لم يهل عليه التراب، فإذا أهيل على الميت التراب فيحرم نبشه حينئذ، إلا لحق آدمي كأن يدفن في أرض مغصوبة، أو بمال معه فإنه ينبش (١) والذي يظهر أن الضرورة إذا وجدت وكان لنبش القبر مصلحة راجحة، فإن القبر ينبش وتستخرج الجثة سواء تغيرت، أم لا، والله أعلم. الفرع الرابع إبقاء الشهيد في الثلاجة مدة طويلة السنة في شهداء المعركة أن يدفنوا في ميدان المعركة. قال ابن القيم ﵀: (إن السنة في الشهداء أن يدفنوا في مصارعهم ولا ينقلوا إلى مكان آخر) (٢) . والدليل على ذلك حديث جابر ﵄ (أن النبي ﷺ أمر بقتلى أحد أن يردوا إلى مصارعهم وكانوا قد نقلوا إلى المدينة) (٣) . إذا تقرر هذا. فإن الشهيد إذا لم يمكن دفنه في ميدان المعركة، لصعوبة دفنه، أو عدم صلاحية المكان لدفنه (٤) أو لغرض صحيح يتطلب بقاءه دون دفن.

стр. 274

فإنه لا بأس أن يوضع في الثلاجة المعدة للموتى، ولو بقي في ذلك مدة طويلة ما دام ذلك لغرض صحيح والله أعلم الفرع الخامس كتابة اسم المجاهد وفصيلة دمه وتعليقها في العنق أو في اليد حتى يعرف التعليقات التي يضعها المجاهد حال القتال في عنقه، أو في يده لا تخلو في حالات: الحالة الأولى: أن يقصد بهذه التعليقات التي يجعلها في عنقه، أو في يده، أو في رجله دفع ضر عنه، أو جلب منفعة له أو حراسته من العدو فهذا من الشرك بالله . يدل على ذلك: ١- عن عمران بن حصين ﵁ (أن النبي ﷺ رأى رجلا (١) في يده حلقة من صفر، فقال: ما هذا؟ قال: من الواهنة (٢) فقال: انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا) (٣) . ٢- عن عقبة بن عامر ﵁ (من تعلق تميمة (٤) فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة

стр. 275

فلا ودع الله له (١)) (٢) . وفي رواية (من تعلق تميمة فقد أشرك (٣)) (٤) . إذا تقرر هذا فإنه لو مات على هذا الاعتقاد فإنه يخشى أن يدخل تحت عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] . الحالة الثانية: أن يقصد بهذه التعليقات التشبه بالكفار، فهذا حرام لقوله ﷺ (من تشبه بقوم فهو منهم) (٥) . الحالة الثالثة: أن يقصد أن يعرف من بين القتلى إذا قتل في المعركة، فإذا قصد ذلك فلا بأس، والأولى ترك هذه التعليقات حتى لا يقع في المحظور، لأنه لو قتل وتغيرت معالمه بحيث لا يعرف لم تفد هذه التعليقات شيئا، لأنها ستزول عنه، والله أعلم.

стр. 276

الفصل الثالث أحكام المجاهد في الزكاة والصوم والحج ويشتمل على ثلاثة مباحث: المبحث الأول: أحكام المجاهد في الزكاة. المبحث الثاني: أحكام المجاهد في الصوم. المبحث الثالث: أحكام المجاهد في الحج.

стр. 277

المبحث الأول أحكام المجاهد في الزكاة وفيه مطلبان: المطلب الأول: أخذ المجاهد من الزكاة. المطلب الثاني: إخراج الزكاة من مال المجاهد في غيبته.

стр. 278

المطلب الأول أخذ المجاهد من الزكاة لا خلاف فيما أعلم أنه يجوز للمجاهد في سبيل الله الأخذ من الزكاة (١) لقوله تعالى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠] وسبيل الله المراد به الغزو (٢) . جاء في الجامع البيان: في سبيل الله يعني في النفقة في نصرة دين الله. بقتال أعدائه وذلك هو غزو الكفار (٣) . ولأن سبيل الله إذا أطلق في عرف الشرع يراد به الغزو (٤) . قال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١] .

стр. 279

وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤] . إذا تقرر هذا، فإن المجاهد الذي يأخذ من الزكاة. هو المتطوع بالجهاد وليس له راتب من ديوان الجند (١) أما الغزاة الذين لهم راتب من ديوان الجند (٢) فلا يعطون من الزكاة بسبب الغزو، قال في المجموع: بلا خلاف (٣) . فإذا لم يوجد في ديوان الجند ما يكفيهم فهل يعطون ما يكفيهم من الزكاة؟ اختلف الفقهاء فذهب الحنابلة والشافعية في قول إلى أنهم يعطون لأنهم غزاة (٤) . وذهب الشافعية في الأصح إلى أنهم لا يعطون، ويجب على أغنياء المسلمين إعانتهم (٥) . ويظهر أن القول الأول هو الراجح فيعطون من الزكاة ما يكفيهم لأنه في سبيل الله ومحتاجون لما يعينهم في جهاد العدو. إذا تقرر أن المجاهد الذي يعطى من الزكاة، هو المتطوع الذي لا راتب له من ديوان الجند، فهل يشترط في المجاهد الذي يأخذ من الزكاة أن يكون فقيرا؟ اختلف الفقهاء.

стр. 280

فذهب الجمهور إلى أنه لا يشترط أن يكون فقيرا (١) . واستدلوا بما روى عطاء بن يسار (٢) أن النبي ﷺ قال: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: وذكر منهم الغازي في سبيل الله..» (٣) . ووجه الدلالة: أنه نفي أن تحل الصدقة للغني عموما ثم استثنى الغازي في سبيل الله فتحل له مع الغنى. ونوقش هذا الاستدلال، بأن الاستثناء محمول على حدوث الحاجة للمجاهد بعد خروجه للجهاد لأنه يحتاج إلى السلاح والنفقة ولا يكفيه ما في يده فيجوز له أخذ الزكاة، وسماه في الحديث غنيا على اعتبار ما كان قبل حدوث الحاجة وهو مقيم في داره وعنده كفايته (٤) . ويمكن الجواب عن هذا المناقشة: بأن الحديث نص على أن المغازي في سبيل الله يأخذ من الزكاة مع غناه، وآية أهل الزكاة جاءت عامة كذلك، فتأويلهم للحديث تأويل بعيد وذهب الحنفية وقول عند المالكية، إلى أنه لا يعطى المجاهد من الزكاة، إلا إذا كان فقيرا (٥) .

стр. 281

واستدلوا بما جاء في الصحيحين من حديث طويل عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال لمعاذ (١) : (.. فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) (٢) . وجه الدلالة: أن الزكاة تؤخذ من الأغنياء وتعطى الفقراء، فلا يجوز أن تؤخذ من الأغنياء وتعطى الأغنياء. ويمكن مناقشة هذا الاستدلال: بأن دلالة الحديث عامة واستثني الغازي في سبيل الله من هذا العموم بحديث عطاء بن يسار ﵀ فلا تعارض بين الأدلة. والذي يظهر أن ما ذهب إليه الجمهور من أنه يعطي المجاهد من الزكاة وإن كان غنيا هو الراجح لحديث عطاء بن يسار، ولأن في ذلك إعانة لهم على الغزو، وتشجيعا لهم على الاستمرار في الجهاد والله أعلم. إذا تقرر أن المجاهد يأخذ من الزكاة، فما مقدار ما يأخذه؟ يعطى المجاهد في سبيل الله من الزكاة ما يكفيه في غزوه من الدواب والسلاح والنفقة والكسوة مدة الذهاب والرجوع والمقام في أرض العدو، أو في الثغور وإن طال المقام (٣) وهذا العطاء يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة وتغير الأحوال وباختلاف المجاهدين، فالتقدير يرجع إلى ولي الأمر، يعطيه ما يناسب حاله والله أعلم.

стр. 282

المطلب الثاني إخراج الزكاة من مال المجاهد في غيبته لا خلاف بين الفقهاء -فيما أعلم- على جواز الوكالة في إخراج الزكاة الواجبة (١) وعلى هذا فإن المجاهد في سبيل الله يوكل المسلم الثقة (٢) في إخراج زكاة أمواله. جاء في المجموع (له أن يوكل في صرف الزكاة.. فإن شاء وكل في الدفع إلى الإمام والساعي وإن شاء وكل في التفرقة على الأصناف، وكلاهما جائز بلا خلاف، وجاز التوكيل في ذلك مع أنها عبادة، لأنها تشبه قضاء الديون، ولأن الحاجة تدعوا إلى الوكالة لغيبة المال وغير ذلك) (٣) . وجاء في الفروع: (ويجوز التوكيل في إخراج الزكاة ولا بد من كون الوكيل ثقة نص عليه الإمام أحمد) (٤) . ومما تقدم يتضح أن المجاهد إذا غاب في الجهاد وله مال يزكى فإنه يخرج زكاة أمواله عن طريق الوكالة الشرعية، وينبغي اختيار الوكيل المسلم الثقة الأمين، في إخراج الزكاة، ودفعها إلى أهلها والله أعلم.

стр. 283

المبحث الثاني أحكام المجاهد في الصوم وفيه مطلبان: المطلب الأول: إفطار المجاهد في نهار الصوم. المطلب الثاني: صوم الأسير إذا لم يعرف بدء الشهر.

стр. 284

المطلب الأول إفطار المجاهد في نهار رمضان وفيه ثلاث فروع: الفرع الأول: إفطار المجاهد المسافر للجهاد . الفرع الثاني: إفطار المجاهد المقيم. الفرع الثالث: إجبار المجاهد على الإفطار في نهار رمضان. الفرع الأول إفطار المجاهد المسافر للجهاد يجوز للمجاهد المسافر للجهاد في سبيل الله أن يفطر في نهار رمضان (١) . يدل على ذلك الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة. فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] .

стр. 285

ومن السنة ما جاء عن ابن عباس ﵄ (أن رسول الله ﷺ خرج إلىمكة في رمضان فصام حتى بلغ الكديد (١) أفطر فأفطر الناس) (٢) . وأما إجماع الأمة فقد نقل غير واحد من أهل العلم إجماع المسلمين على جواز الفطر للمسافر في الجهاد، أو الحج ونحو ذلك. جاء في رحمة الأمة: (اتفقوا على أن المسافر والمريض الذي يرجى برؤه مباح لهما الفطر) (٣) وفي حاشية الروض المربع: (يجوز الفطر بإجماع المسلمين سواء كان سفر حج أو جهاد أو تجارة) (٤) . وفي المغني: وأجمع المسلمون على إباحة الفطر للمسافر في الجملة (٥) . إذا تقرر أنه يجوز للمجاهد المسافر للجهاد في سبيل الله الفطر في نهار رمضان، فإن إنشاءه للسفر لا يخلو من ثلاث حالات. الحالة الأولى: أن ينشئ السفر قبل رمضان فيدخل عليه الشهر وهو مسافر فيباح له الفطر بالإجماع، قال ابن قدامة (لا نعلم بين أهل العلم خلافا في إباحة الفطر له) (٦) .
следующие страницы →