← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1933

أحكام المجاهد بالنفس في سبيل الله عز وجل في الفقه الإسلامي

مرعي الشهري

Полный текст (646 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

واستدلوا بما جاء في الصحيحين من حديث طويل عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال لمعاذ (١) : (.. فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) (٢) . وجه الدلالة: أن الزكاة تؤخذ من الأغنياء وتعطى الفقراء، فلا يجوز أن تؤخذ من الأغنياء وتعطى الأغنياء. ويمكن مناقشة هذا الاستدلال: بأن دلالة الحديث عامة واستثني الغازي في سبيل الله من هذا العموم بحديث عطاء بن يسار ﵀ فلا تعارض بين الأدلة. والذي يظهر أن ما ذهب إليه الجمهور من أنه يعطي المجاهد من الزكاة وإن كان غنيا هو الراجح لحديث عطاء بن يسار، ولأن في ذلك إعانة لهم على الغزو، وتشجيعا لهم على الاستمرار في الجهاد والله أعلم. إذا تقرر أن المجاهد يأخذ من الزكاة، فما مقدار ما يأخذه؟ يعطى المجاهد في سبيل الله من الزكاة ما يكفيه في غزوه من الدواب والسلاح والنفقة والكسوة مدة الذهاب والرجوع والمقام في أرض العدو، أو في الثغور وإن طال المقام (٣) وهذا العطاء يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة وتغير الأحوال وباختلاف المجاهدين، فالتقدير يرجع إلى ولي الأمر، يعطيه ما يناسب حاله والله أعلم.

стр. 282

المطلب الثاني إخراج الزكاة من مال المجاهد في غيبته لا خلاف بين الفقهاء -فيما أعلم- على جواز الوكالة في إخراج الزكاة الواجبة (١) وعلى هذا فإن المجاهد في سبيل الله يوكل المسلم الثقة (٢) في إخراج زكاة أمواله. جاء في المجموع (له أن يوكل في صرف الزكاة.. فإن شاء وكل في الدفع إلى الإمام والساعي وإن شاء وكل في التفرقة على الأصناف، وكلاهما جائز بلا خلاف، وجاز التوكيل في ذلك مع أنها عبادة، لأنها تشبه قضاء الديون، ولأن الحاجة تدعوا إلى الوكالة لغيبة المال وغير ذلك) (٣) . وجاء في الفروع: (ويجوز التوكيل في إخراج الزكاة ولا بد من كون الوكيل ثقة نص عليه الإمام أحمد) (٤) . ومما تقدم يتضح أن المجاهد إذا غاب في الجهاد وله مال يزكى فإنه يخرج زكاة أمواله عن طريق الوكالة الشرعية، وينبغي اختيار الوكيل المسلم الثقة الأمين، في إخراج الزكاة، ودفعها إلى أهلها والله أعلم.

стр. 283

المبحث الثاني أحكام المجاهد في الصوم وفيه مطلبان: المطلب الأول: إفطار المجاهد في نهار الصوم. المطلب الثاني: صوم الأسير إذا لم يعرف بدء الشهر.

стр. 284

المطلب الأول إفطار المجاهد في نهار رمضان وفيه ثلاث فروع: الفرع الأول: إفطار المجاهد المسافر للجهاد . الفرع الثاني: إفطار المجاهد المقيم. الفرع الثالث: إجبار المجاهد على الإفطار في نهار رمضان. الفرع الأول إفطار المجاهد المسافر للجهاد يجوز للمجاهد المسافر للجهاد في سبيل الله أن يفطر في نهار رمضان (١) . يدل على ذلك الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة. فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] .

стр. 285

ومن السنة ما جاء عن ابن عباس ﵄ (أن رسول الله ﷺ خرج إلىمكة في رمضان فصام حتى بلغ الكديد (١) أفطر فأفطر الناس) (٢) . وأما إجماع الأمة فقد نقل غير واحد من أهل العلم إجماع المسلمين على جواز الفطر للمسافر في الجهاد، أو الحج ونحو ذلك. جاء في رحمة الأمة: (اتفقوا على أن المسافر والمريض الذي يرجى برؤه مباح لهما الفطر) (٣) وفي حاشية الروض المربع: (يجوز الفطر بإجماع المسلمين سواء كان سفر حج أو جهاد أو تجارة) (٤) . وفي المغني: وأجمع المسلمون على إباحة الفطر للمسافر في الجملة (٥) . إذا تقرر أنه يجوز للمجاهد المسافر للجهاد في سبيل الله الفطر في نهار رمضان، فإن إنشاءه للسفر لا يخلو من ثلاث حالات. الحالة الأولى: أن ينشئ السفر قبل رمضان فيدخل عليه الشهر وهو مسافر فيباح له الفطر بالإجماع، قال ابن قدامة (لا نعلم بين أهل العلم خلافا في إباحة الفطر له) (٦) .

стр. 286

الحالة الثانية: أن ينشئ السفر في أثناء شهر رمضان ليلا، فله الفطر في صبيحية الليلة التي يخرج فيها وما بعدها، وهذا قول عامة أهل العلم (١) . والأدلة على هذا ما سبق ذكره من الكتاب والسنة والإجماع على جواز إفطار المجاهد المسافر للجهاد، ولأنه مسافر أبيح له الفطر، كما لو سافر قبل الشهر (٢) . وقال أبو عبيدة السلماني (٣) وسويد بن غفلة (٤) وغيرهما: لا يفطر من سافر بعد دخول الشهر (٥) . واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥] . وهذا قد شهده فلا يجوز له الإفطار (٦) . ونوقش بأن الآية تناولت الأمر بالصوم لمن شهد الشهر كله والمسافر لم يشهد الشهر كله (٧) . قال ابن القيم عن القول بعدم الفطر بعد دخول الشهر: هذا قول شاذ جدا (٨) .

стр. 287

الحالة الثالثة: أن ينشئ السفر في نهار رمضان. اختلف الفقهاء في هذه الحالة، هل يجوز إفطار ذلك اليوم الذي سافر فيه أم لا؟ إلى قولين: القول الأول: أن له أن يفطر، وبهذا قال الحنابلة على الصحيح من المذهب (١) وهو قول المزني من الشافعية (٢) . واستدلوا بمايلي: ١- ما روي عن عبيد بن جبر (٣) قال: (ركبت مع أبي بصرة الغفاري (٤) في سفينة من الفسطاط (٥) في شهر رمضان فدفع ثم قرب غداءه فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة ثم قال: اقترب قلت: ألست ترى البيوت؟ قال أبو بصرة: أترغب عن سنة رسول الله ﷺ فأكل) (٦) .

стр. 288

٢- ولأن السفر معنى، لو وجد ليلا واستمر في النهار لأباح الفطر، فإذا وجد في أثناء النهار أباح الفطر كالمرض (١) . القول الثاني: أنه لا يباح له الفطر في ذلك اليوم الذي سافر فيه، وهذا القول رواية عن أحمد وهو قول الجمهور (٢) . وعللوا لقولهم بما يلي: ١- أنه حين أصبح مقيما وجب عليه أداء الصوم في هذا اليوم حقا لله تعالى، وإنما أنشأ السفر باختياره فلا يسقط ما تقرر وجوبه عليه (٣) . ويمكن مناقشة هذا: بأن المجاهد في سبيل الله قد ينشئ السفر لا باختياره وإنما يستنفره الإمام لجهاد العدو، فيلزمه الخروج. ٢- ولأن الصوم عبادة تختلف بالسفر والحضر، فإذا اجتمعا فيها غلب حكم الحضر كالصلاة (٤) . ونوقش هذا: بأن الصوم يفارق الصلاة، فإن الصلاة يلزم إتمامها بنيته، بخلاف الصوم (٥) . ويظهر مما تقدم رجحان القول الأول بأنه يباح له الفطر إذا سافر في أثناء يوم الصيام، وذلك للأخبار الصحيحة في ذلك، ولعموم أدلة جواز الفطر في رمضان للمسافر دون تمييز بين من سافر ليلا أو نهارا، والله أعلم.

стр. 289

إذا تقرر أن للمجاهد المسافر الفطر في رمضان سواء دخل عليه شهر الصوم وهو مسافر أو سافر في ليل من رمضان أو أنشأ السفر أثناء النهار، فإن الأفضل للمجاهد في السفر للجهاد في سبيل الله أن يفطر. جاء في القوانين الفقهية: إن كان السفر لغزو وقرب من العدو، فالفطر في السفر أفضل للقوة (١) وجاء في كافية الأخيار: ولو لم يتضرر في الحال لكنه يخاف الضعف لو صام وكان في سفر غزو فالفطر أولى (٢) . ويدل على ذلك ما جاء عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صيام قال: فنزلنا منزلا فقال رسول الله ﷺ (إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم، فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلا آخر فقال: إنكم مصبحوا عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا ... ) (٣) . الفرع الثاني إفطار المجاهد المقيم (٤) . هناك روايتان عن الإمام أحمد ﵀ في إفطار المجاهد المقيم في نهار رمضان. الرواية الأولى: يجوز للمجاهد المقيم الفطر في نهار رمضان، اختار هذه الرواية ابن تيمية وأفتى بها العساكر الإسلامية، وابن قيم الجوزية (٥) وبهذا قال الحنفية، إذا علم المجاهد يقينا أنه يقاتل العدو ويخاف أن يضعفه الصوم سواء كان مسافرا أو مقيما (٦) .

стр. 290

ولم أجد للمالكية، والشافعية قولا في ذلك -حسب ما اطلعت عليه- من كتبهم إلا أنه يمكن تخريج قولهم على القول بجواز الفطر للحامل والمرضع ومن خشي على نفسه التلف بعطش ونحوه (١) فالمجاهد أولى من هؤلاء بجواز الفطر وهو مقيم لأن الإفطار قوة للمجاهد وللمسلمين فالمصلحة أعظم. وقد استدل ابن قيم الجوزية ﵀ لهذه الرواية بما ملخصه (٢) . ١- أن فطر المجاهد المقيم أولى من الفطر لمجرد السفر، بل إباحة الفطر للمسافر تنبيه على إباحته في هذه الحالة فإنها أحق بجوازه، لأن المصلحة الحاصلة بالفطر للمجاهد أعظم من المصلحة بفطر المسافر. ٢-أن الله ﷺ يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] والفطر عند لقاء العدو من أسباب القوة، والنبي ﷺ فسر القوة في الآية بالرمي (٣) وهو لا يتم ولا يحصل به مقصوده إلا بما يقوي ويعين عليه من الفطر والغذاء. الرواية الثانية: لا يجوز للمجاهد المقيم الفطر في نهار رمضان (٤) . ويمكن أن يستدل لهم: بأن المجاهد في هذه الحالة ليس مسافرا ولا مريضا، والله سبحانه يقول: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] فلا يجوز له الفطر في نهار رمضان، إلا إذا كان مسافرا أو مريضا. ويمكن مناقشة هذا الاستدلال: بأن إباحة الفطر ليست خاصة بالمسافر والمريض فقط، بل هناك من يفطر وهو مقيم وليس به مرض، كمن خشي تلف نفسه بالصوم أو

стр. 291

أفطر من أجل إنقاذ غريق ونحوه. قال الشوكاني: ووجوب الإفطار لخشية التلف معلوم من قواعد الشريعة كلياتها وجزئياتها كقوله تعالى: ﴿تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] وقوله ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وقوله ﷺ «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (١) . وحفظ النفس واجب ولم يتعبد الله عباده بما خشي منه تلف الأنفس، وقد رخص لهم في الإفطار في السفر، لأنه مظنة المشقة، فكيف لا يجوز لخشية التلف أو الضرر (٢) . ومما تقدم يظهر جواز إفطار المجاهد المقيم ليتقوى على جهاد الإعداء ويحمي المسلمين وأعراضهم وأموالهم، بل إنه قد يجب عليه أن يفطر لأمر النبي ﷺ لأصحابه عند ما قربوا من لقاء العدو بأن يفطروا فأفطروا جميعا (٣) والله أعلم. الفرع الثالث إجبار المجاهد على الفطر في نهار رمضان المقصود من هذا أن المجاهد في سبيل الله إذا كان صائما في رمضان وتحقق لقاء العدو وعلم القائد، أو ولي الأمر، أو غلب على الظن أن هذا الصوم يوهن من عزيمة المجاهد ويضعفه عن الجهاد ويلحق به الضرر وبالمسلمين، فإن القائد أو ولي الأمر إجبار المجاهد في هذه الحالة على الإفطار في نهار رمضان. ويلزم المجاهد الطاعة لمن أمره بالإفطار لتحقق المصلحة، لأن الفطر يصبح في حقه في مثل هذه الحالة عزيمة (٤) .

стр. 292

قال الشوكاني ﵀ (إذا كان لقاء العدو متحققا فالإفطار عزيمة، لأن الصائم يضعف عن منازلة الأقران ولا سيما عند غليان مراجل الضرب والطعان ولا يخفى ما في ذلك من الإهانة للجنود والمحقين وإدخال الوهن على عامة المجاهدين من المسلمين) (١) . والدليل على ذلك ما يلي: ١- عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صيام قال: فنزلنا منزلا، فقال رسول الله ﷺ : «إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى لكم» فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلا آخر فقال: «إنكم مصبحوا عدوكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا» وكانت عزمة فأفطرنا.. (٢) . في هذا الحديث أمور تدعو إلى وجوب الإفطار: فمن ذلك قرب لقاء العدو (إنكم مصبحوا عدوكم) . ومنها أيضا، أن على الإفطار هي التقوي على الأعداء، ففيه دليل على أن صيام المجاهد يضعفه ويوهن عزمه عند اللقاء. ومنها أمر النبي ﷺ بالإفطار وهذا أمر مطلق يدل على الوجوب وقد استجاب الصحابة ﵃ فأفطروا جميعا. ٢- ولأن مصلحة الأمة في الانتصار على العدو وحماية النفوس والأموال والأعراض أعظم من مواصلة الصيام الذي قد يؤدي إلى الهزيمة واستباحة بيضة الإسلام، وإذا كانت المرضع تجبر على الإفطار في رمضان لمصلحة الولد (٣) فمصلحة الأمة أولى في إجبار المجاهد على الإفطار. والله أعلم.

стр. 293

المطلب الثاني صوم الأسير إذا لم يعرف بدء الشهر أو التبست عليه الأشهر لا يخلو حال الأسير في معرفته شهر رمضان من حالتين: الحالة الأولى: أن يعرف شهر رمضان من بين الشهور لكنه لا يعرف بدء الشهر. الحالة الثانية: أن لا يعرف شهر رمضان من بين الشهور. فأما الحالة الأولى: إذا لم يعرف بدء شهر رمضان برؤية الهلال أو سؤال من يثق به فإن الواجب في حقه إكمال شعبان ثلاثين يوما، ثم يصوم رمضان ويكمله ثلاثين يوما، ثم يفطر، قال الشوكاني ولا خلاف في ذلك (١) . يدل على ذلك ما يلي: ١- عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «الشهر تسع وعشرون ليلة فلا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» (٢) . ٢- عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة» (٣) .

стр. 294

وأما الحالة الثانية: أن تلتبس عليه الأشهر فلا يعرف شهر رمضان من بين الشهور، فهل يسقط عنه الصوم أم لا؟ ذهب الجمهور من العلماء أنه لا يسقط عنه صوم رمضان لبقاء التكليف في حقه، وتوجه الخطاب إليه (١) . وذهب ابن حزم إلى أنه يسقط عنه صوم رمضان إذا أشكل عليه معرفته (٢) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] فلم يوجب الله صيامه إلى على من شهده وبالضرورة من جهل وقته لم يشهده قال تعالى: ﴿يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] . والذي يظهر أن قول الجمهور هو الراجح، أن صيام رمضان لا يسقط لعدم معرفته الشهر، بل يبقى في ذمته حتى يقدر على صيامه، لأنه أهل للخطاب والتكليف. إذا تقرر أنه لا يسقط عنه صوم رمضان، فكيف يصومه مع التباس الأشهر عليه؟ اتفق الفقهاء على أنه يجب على الأسير أن يجتهد ويتحرى قدر وسعه في معرفة شهر رمضان (٣) وله بعد هذا التحري والاجتهاد حالتان: الحالة الأولى: أن يغلب على ظنه ويترجح عنده أحد الشهور أنه رمضان. الحالة الثانية: أن تتساوى عنده الاحتمالات فلا يترجح عنده شيء. فأما الحالة الأولى: إن غلب على ظنه وترجح عنده أحد الشهور أنه رمضان فإنه يصومه بناء على هذا الظن. ثم له بعد صومه هذا الشهر حالتان: الأولى: أن لا ينكشف له الحال ويبقى على صومه الذي صامه بناء على اجتهاده وظنه وفي هذه الحالة صومه صحيح ويجزئه عند عامة الفقهاء (٤) .

стр. 295

لأنه أدى فرضه باجتهاده أشبه المصلي يوم الغيم إذا اشتبه عليه الوقت (١) . وخالف ابن القاسم (٢) من المالكية فقال: لا يجزئه لاحتمال وقوعه قبل رمضان، ولا تبرأ الذمة إلا بيقين (٣) . والراجح ما ذهب إليه عامة الفقهاء؛ لأنه غلب على ظنه أنه رمضان بعد اجتهاد وتحري، وغلبة الظن تبنى عليها الأحكام ولم يظهر له خلاف ظنه فيبقى صومه صحيحا حتى يظهر خلاف ذلك. الثانية: أن ينكشف الحال ويعلم الشهر الذي صامه فله في هذه الحالة أربع صور. الصورة الأولى: أن ينكشف له الحال أن الشهر الذي صامه كان موافقا لشهر رمضان، وفي هذه الصورة صومه صحيح ويجزئه عند عامة الفقهاء (٤) لأنه أدرك مقصوده بالتحري، ولأن المتحري مأمور بالصيام وجازم بنيته (٥) . وخالف الحسن بن صالح (٦) وابن القاسم، فقالا: لا تجزئه لأنه صامه على شك كما لو صام يوم الشك فبان من رمضان (٧) .

стр. 296

ونوقش هذا: بأن الأسير أدى فرضه باجتهاده في محله، فإذا أصاب أجزأه، وفارق يوم الشك، لأن يوم الشك ليس محلا للاجتهاد (١) . ويظهر أن خلافهما خارج محل النزاع، لأن المسألة التي معنا أنه صام رمضان بغلبة الظن المبني على الاجتهاد والتحري، فلا مدخل للشك هنا. والله أعلم. الصورة الثانية: أن ينكشف له الحال أن الشهر الذي صامه وافق بعد رمضان، وفي هذه الصورة صومه صحيح ويجزئه في قول الفقهاء (٢) لأنه وقع قضاء لما وجب عليه فصح، كما لو علم (٣) . وخالف الحسن بن صالح فقال: لا يجزئه. لأنه صامه على شك (٤) . وقد سبق مناقشة قوله في الصورة الأولى. وكون الشهر الذي صامه وافق بعد رمضان يكون قضاء، يحتمل أن يكون الشهر الذي صامه بعد رمضان ناقصا وكان رمضان ثلاثين يوما، فيلزمه قضاء ما بقي ليتم عدة رمضان الذي يجب صيامه، ويحتمل أن يكون الشهر الذي صامه بعد رمضان شوال، وفي هذه الحالة يجب عليه قضاء يوم العيد، لأنه يحرم صومه إذا كان رمضان كاملا ثلاثين يوما (٥) وكذا لو كان الشهر الذي صامه ذو الحجة يجب عليه صيام يوم عن يوم العيد، لأنه يحرم صومه إذا كان رمضان كاملاً ثلاثين يوماً وثلاثة أيام عن أيام التشريق على القول بحرمة صيامها (٦) .

стр. 297

الصورة الثالثة: أن ينكشف له الحال أن الشهر الذي صامه وافق قبل رمضان، فلا يجزئه صومه عن رمضان في قول عامة أهل الفقه (١) لأنه أتى بالعبادة قبل وقتها (٢) . وقال بعض الشافعية يجزئه، كما لو اشتبه يوم عرفة فوقفوا قبله (٣) . ونوقش هذا: بأنه لا يسلم ذلك إلا إذا أخطأ الناس كلهم لعظم المشقة عليهم، أما إن وقع الخطأ من بعضهم لم يجزئه (٤) ويظهر أن وقوع الخطأ منهم جميعا بعيد جدا. الصورة الرابعة: أن يوافق ما صامه بعض من رمضان أو بعده. فما وافق رمضان أو بعده أجزأه، وما كان قبل رمضان لم يجزئه على ما سبق بيانه وخلاف الفقهاء في ذلك (٥) . الحالة الثانية: إذا اجتهد الأسير وتحرى معرفة شهر رمضان ولم يترجح عنده شيء وتساوت الاحتمالات. اختلف الفقهاء في هذه الحالة، هل يلزمه الصوم أم لا؟ فذهب جمهور الفقهاء إلى أن من لم يغلب على ظنه دخول رمضان فإنه لا يلزمه صومه، وإن صامه لم يجزئه وإن وافق رمضان، لأنه صامه على شك (٦) . وذهب المالكية في قول عندهم، أن الاحتمالات إذا تساوت عند الأسير في معرفة شهر رمضانه فإنه يتخير شهرا ثم يصومه، فإن زال الالتباس وكان الشهر الذي صامه بعد رمضان أجزأ، وإن كان قبله لم يجز، حتى وإن وافق رمضان (٧) .

стр. 298

وقال أبو حامد (١) من الشافعية: يلزمه أن يصوم على سبيل التخمين ويلزمه القضاء، كالمصلي إذا لم تظهر له القبلة بالاجتهاد فإنه يصلي ويقضي (٢) . ويمكن مناقشة قول المالكية: بأن الظن معتبر في الأحكام الفقهية، والشك غير معتبر ولا يبنى عليه حكم، فلا يجوز التسوية بينهما. ونوقش أبو حامد: بأن من لم يعلم دخول رمضان بيقين ولا ظن لم يلزمه صيامه، كمن شك في وقت الصلاة فإنه لا يلزمه أن يصلي، وأما في القبلة فقد تحقق دخول وقت الصلاة وعجز عن شرطها فأمر بالصلاة بحسب الإمكان لحرمة الوقت (٣) . واعتذر النووي لأبي حامد، فقال: لعل أبا حامد أراد إذا علم أو ظن أن رمضان قد جاء أو مضى ولم يعلم ولا ظن عينه (٤) . الترجيح يظهر رجحان قول الجمهور أن الأسير إذا اشتبهت عليه الأشهر واجتهد وتحرى في معرفة رمضان فلم يصل إلى شيء، واستوت عنده الاحتمالات، أنه لا يلزمه الصوم حتى يعلم أو يغلب على ظنه أن هذا الشهر رمضان، لأن الصيام مع الشك لا يجوز، والله أعلم.

стр. 299

المبحث الثالث أحكام المجاهد في الحج وفيه مطلبان: المطلب الأول: فضل الجهاد على الحج. المطلب الثاني: ترك الجهاد للحج بأهله.

стр. 300

المطلب الأول فضل الجهاد على الحج ذكرنا في مبحث سابق حكم الجهاد في سبيل الله، وأنه فرض كفاية وقد يكون فرض عين في صور (١) . وبناء على ذلك يأتي الحديث عن فضل الجهاد على الحج في الصور الآتية: الصورة الأولى: أن يكون الجهاد فرض عين. وفي هذه الصورة الجهاد أفضل من الحج سواء كان الحج فرضا، أم تطوعا. قال ابن النحاس (٢) (الجهاد إذا صار فرض عين فهو مقدم على حجة الإسلام لوجوب فعله على الفور) (٣) . وقال الدسوقي (٤) (فإن كان الجهاد متعينا بفجأة العدو أو تعيين الإمام أو بكثرة الخوف كان أفضل من الحج سواء تطوعا أو واجبا وحينئذ يقدم عليه ولو على القول بفورية الحج) (٥) .

стр. 301

وقال الشوكاني: (إذا تعين الجهاد يقدم على الحج، ووجه تقدم الجهاد أن مصلحته عامة) (١) . يدل على ذلك ما يلي: ١- عن أبي هريرة ﵁ قال: (سئل رسول الله ﷺ أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا قال الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور) (٢) . قال ابن حجر: فإن قيل: لم قدم الجهاد وليس بركن (٣) على الحج وهو ركن؟ فالجواب: أن نفع الحج قاصر غالبا، ونفع الجهاد متعد غالبا، أو كان ذلك حيث كان الجهاد فرض عين (٤) . ٢- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قيل للنبي ﷺ ما يعدل الجهاد في سبيل الله قال: (لا تستطيعونه قال: فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول: لا تستطيعونه، وقال في الثالثة: مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله تعالى) (٥) . قال النووي: (وفي هذا الحديث عظم فضل الجهاد، لأن الصلاة والصيام والقيام بآيات الله أفضل الأعمال، وقد جعل المجاهد مثل من لا يفتر عن ذلك

стр. 302

في لحظة من اللحظات ومعلوم أن هذا لا يتأتى لأحد ولهذا قال ﷺ (لا تستطيعونه)) (١) . ٣- قال عمر ﵁: (عليكم بالحج فإنه عمل صالح أمر الله به والجهاد أفضل منه) (٢) . ٤- وعن آدم بن علي (٣) قال: سمعت ابن عمر يقول: (لسفرة في سبيل الله أفضل من خمسين حجة) (٤) . وبما سبق يتقرر فضل الجهاد إذا كان فرض عين على الحج مطلقا ولم أجد من خالف في هذا - حسب ما اطلعت عليه - والله أعلم. وأما ما جاء عن الإمام أحمد، والحنفية من أنه لا شيء من الأعمال أفضل بعد الفرائض من الجهاد في سبيل الله. محمول على أن الجهاد ليس فرض عين، وإنما فرض كفاية، وسيأتي بيان ذلك قريبا إن شاء الله. الصورة الثانية: أن يكون الجهاد في سبيل الله فرض كفاية، والحج تطوعا، وفي هذه الصورة الجهاد في سبيل الله أفضل من حج التطوع. يدل على ذلك ما يلي:

стр. 303

١- ما سبق من الأحاديث والآثار في تفضيل الجهاد في سبيل الله على الحج. ٢- عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (حجة من لم يحج خير من عشر غزوات وغزوة من قد حج خير من عشر حجج) (١) . ٣- عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «غزوة في سبيل الله بعد حجة الإسلام أفضل من ألف حجة» (٢) . ٤- قال الإمام أحمد ﵀ (لا أعلم شيئا من العمل بعد الفرائض أفضل من الجهاد) (٣) . ٥- وقال ابن تيمية ﵀: (الجهاد أفضل ما تطوع به الإنسان، وكان باتفاق العلماء أفضل من الحج والعمرة..) (٤) . وقال المالكية: حج التطوع أفضل من الغزو التطوع، إلا في حالة الخوف فيقدم الغزو وجوبا (٥) ويظهر أن الجهاد إذا كان فرض كفاية أفضل من حج التطوع مطلقا، لأن نفع الجهاد عام لفاعله ولغيره في الدين والدنيا، ولأن الجهاد يشتمل على جميع أنواع العبادات الباطنة والظاهرة من محبة الله والإخلاص والتوكل والصبر وذكر الله وسائر أنواع الأعمال وهذا ما لا يشتمل عليه عمل آخر (٦) .

стр. 304

الصورة الثالثة: أن يكون الجهاد فرض كفاية والحج فرض عين، ففي هذه الحالة يقدم الحج على الجهاد في سبيل الله. وعلى هذه الصورة يحمل قول مالك: الحج أفضل من الغزو، واستدل بقوله ﷺ «بني الإسلام على خمس» (١) فذكر الحج ولم يذكر الغزو (٢) . وقول الإمام أحمد والحنفية: أنه لا شيء من العمل بعد الفرائض أفضل من الجهاد (٣) أيضا محمول على هذه الصورة، لأن الجهاد إذا كان فرض عين يقدم على الحج مطلقا، وقد سبق بيان ذلك في الصورة الأولى. يدل على هذه الصورة ما جاء عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ «حجة من لم يحج خير من عشر غزوات، وغزوة من قد حج خير من عشر حجج» (٤) . قال ابن النحاس: (حجة الإسلام أفضل من الجهاد إذا كان فرض كفاية) (٥) . مما تقدم يتضح أن الحج مقدم على الجهاد في هذه الصورة، ولم أجد من خالف في هذا حسب ما اطلعت عليه والله أعلم.

стр. 305

المطلب الثاني ترك الجهاد للحج بأهله (١) المحافظة على الأعراض من الضروريات التي أمر الدين بحفظها والمرأة إذا سافرت دون محرم حتى لو كان السفر لأداء فريضة الحج، فقد تتعرض للفتنة أو تفتن هي غيرها، ولذا نهى النبي ﷺ أن تسافر المرأة دون محرم (٢) . وأمر ﷺ من اكتتب في الجهاد أن يترك الجهاد ويحج مع أهله ففي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول «لا يخلون رجل بامرأة ولا تسافرن امرأة إلا ومعها محرم» فقام رجل (٣) فقال: يا رسول الله اكتتبت في غزوة كذا وكذا (٤) وخرجت امرأتي حاجة. قال: «اذهب فاحجج مع امرأتك» (٥) .

стр. 306

فهذا الحديث صريح في تقديم السفر مع الزوجة لحج الفريضة على الجهاد لأهمية حفظ المرأة. قال النووي: (فيه تقديم الأهم من الأمور المتعارضة، لأنه لما تعارض سفره في الغزو وفي الحج معها رجع الحج معها، لأن الغزو يقوم غيره في مقامه عنه بخلاف الحج معها) (١) . ولا يلزمه الحج معها (٢) لأن في الحج مشقة شديدة وكلفة عظيمة فلا تلزم أحدا لأجل غيره، كما لم يلزمه أن يحج عنها إذا كانت مريضة (٣) . وفي رواية عن أحمد، ووجه للشافعي (٤) يلزمه ذلك لظاهر حديث ابن عباس السابق فقد أمر النبي ﷺ الزوج أن يترك الجهاد ويحج مع امرأته (٥) والأمر يقتضي الوجوب. ويمكن مناقشة هذا: بأن الأمر في الحديث محمول على الندب، لما علم من قواعد الدين أنه لا يجب على أحد بذل منافع نفسه لتحصيل غيره ما يجب عليه. والذي يظهر: أن الزوج غير ملزم بالخروج مع زوجته للحج، وإنما ذلك تفضل منه ومراعاة لحسن العشرة وطيب المعاملة مع الزوجة، ولا يلزم المرأة الحج إذا لم تجد من يحج معها. والله أعلم.

стр. 307

الفصل الرابع أحكام المجاهد في باب الجهاد ويشتمل على ستة مباحث المبحث الأول: خروج المجاهد للجهاد المبحث الثاني: أحكام المجاهد في مواجهة العدو. المبحث الثالث: فيما يستخدمه المجاهد من الأسلحة في مواجهة العدو. المبحث الرابع: إتلاف المجاهد لأموال العدو. المبحث الخامس: إطلاق المجاهد من الأسر. المبحث السادس: أحكام الغنيمة والفيء والنفل.

стр. 308

المبحث الأول خروج المجاهد للجهاد وفيه سبعة مطالب: المطلب الأول: إذن الإمام في خروجه للجهاد. المطلب الثاني: إذن الوالدين في خروجه للجهاد. المطلب الثالث: إذن الدائن في خروجه للجهاد. المطلب الرابع: إذن القائد في الخروج من المعسكر. المطلب الخامس: خروج المجاهد مع القائد الفاجر. المطلب السادس: خروج النساء مع المجاهد. المطلب السابع: خروج المجاهد بالقرآن إلى أرض العدو.

стр. 309

المطلب الأول إذن الإمام في خروجه للجهاد للمجاهد في خروجه للجهاد حالتان (١) : الحالة الأولى: خروجه لطلب العدو في ديارهم. الحالة الثانية: خروجه للدفاع عن ديار الإسلام والمسلمين لمفاجأة العدو ديار المسلمين. أما الحالة الأولى: وهي خروجه لطلب العدو في ديارهم. فقد اتفق الفقهاء رحمهم الله تعالى فيما أعلم على مشروعية استئذان الإمام، أو من يقوم مقامه (٢) . جاء في المغنى (ولا يخرجون إلا بإذن الأمير..) (٣) . وفي المقدمات لابن رشد (.. ولا يخرجوا إلا بإذنه..) (٤) . واختلفوا في حكم خروج المجاهد بدون إذن الإمام إلى قولين: القول الأول: إنه يحرم خروج المجاهد بدون إذن الإمام لأن إذنه في الخروج واجب. بهذا قال المالكية (٥) والحنابلة (٦) وهو قول الحنفية إذا لم يكن فيمن خرج للجهاد منعة أو كان الإمام نهاهم عن الخروج للجهاد (٧) .

стр. 310

واستدلوا بما يلي: ١- أن أمر الحرب موكلة إلى الإمام، وهو أعلم بكثرة العدو وقلتهم ومكامن العدو، فينبغي أن يرجع إلى رأيه (١) . ٢- ولأن ذلك أحوط للمسلمين (٢) . القول الثاني: أنه يكره خروج المجاهد بدون إذن الإمام، ولا يحرم. وبهذا قال الشافعية (٣) وهو قول الحنفية، إذا كان في من خرج منعة عند مواجهة العدو (٤) . واستدلوا على كراهية الخروج، بما استدل به الفريق الأول على تحريم الخروج. واستدلوا على أنه لا يحرم بأنه ليس فيه أكثر من التغرير بالنفس وهو جائز في الجهاد (٥) . الترجيح الراجح في هذه الحالة هو القول الأول، أنه يجب استئذان الإمام، لأنه بحكم إمامته أعلم الناس بالعدو، وبقدراته، ومتى يمكن قتاله ومتى لا يمكن. ثم الخروج إلى الجهاد بدون إذن الإمام يؤدي إلى فوضى واضطرابات بين المجاهدين، ولذا ما كان الرسول ﷺ يرسل سرية أو جيشا إلا يؤمر عليهم ويأمرهم بطاعته. لكن إن كان الإمام لا يأمر بالجهاد في سبيل الله، ولا يعد العدة له، وكان متهاونا في غزو العدو، ففي هذه الحالة يمكن الخروج بدون إذن بقيود منها: ١- أن يكون الجهاد فرض عين. ٢- أن لا يكون في الخروج ضرر أعظم من البقاء.

стр. 311

٣- أن لا يكون قد صدر منع عام من الإمام والله أعلم. الحالة الثانية: خروجه للدفاع عن ديار الإسلام والمسلمين لمفاجأة العدو ديار المسلمين لا خلاف بين الفقهاء -فيما أعلم- أنه إذا فاجأ العدو ديار المسلمين وتعذر استئذان الإمام فإن المجاهد يخرج لملاقاة الكفار بغير إذن الإمام (١) . والأدلة على ذلك ما يلي: ١- أن الكفار أغاروا على لقاح (٢) النبي ﷺ فصادفهم سلمة بن الأكوع (٣) خارجا من المدينة فتبعهم فقاتلهم من غير إذن فمدحه النبي ﷺ وقال: «خير رجالتنا سلمة بن الأكوع، وأعطاه سهم فارس وراجل» (٤) . فدل هذا على أنه لا يشترط إذن الإمام إذا فاجأ العدو ديار المسلمين. ٢- إن المصلحة تتعين في قتالهم والخروج إليهم دون إذن لتعين الفساد في تركهم (٥) .

стр. 312

المطلب الثاني إذن الوالدين في خروجه للجهاد لا يخلو أن يكون الجهاد في حق الابن متعينا، أو غير متعين، ولا يخلو الوالدان أن يكونا مسلمين أو كافرين أو أحدهما مسلما والآخر كافرا. فهنا حالات: الحالة الأولى: أن يكون الجهاد متعينا في حق الابن. وفي هذه الحالة لا يشترط إذن الوالدين لخروج الابن إلى الجهاد باتفاق الفقهاء (١) رحمهم الله تعالى فيما أعلم. والأدلة على هذه الحالة ما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١] . وقد تعددت الأقوال في معنى ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا﴾ قال في جامع البيان: وأولى الأقوال أن يقال: إن -الله تعالى ذكره- أمر المؤمنين بالنفر لجهاد أعدائه في سبيله، خفافا وثقالا، وقد يدخل في الخفاف كل من كان سهلا عليه النفر لقوة بدنه على ذلك، وصحة جسمه وشبابه، ومن كان ذا يسر بمال وفراغ من الاشتغال، وقادر على الظهر والركاب؟ ويدخل في الثقال من كان بخلاف ذلك (٢) .

стр. 313

والابن من ضمن المأمورين بالنفر لجهاد أعداء الله، فلا يمنعه من الخروج للجهاد عدم إذن والديه لعموم الآية. ٢- ولأن الجهاد في حقه فرض عين، وتركه معصية، ولا طاعة لأحد في معصية الله تعالى، كالصلاة والصوم والحج (١) لا طاعة لأحد في تركها. ويؤيد هذا ما جاء عن ابن عمر ﵄ أن الرسول ﷺ قال: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» (٢) . الحالة الثانية: أن يكون الجهاد غير متعين في حق الابن. وفي هذه الحالة لا يخلو أن يكون الوالدان مسلمين، أو كافرين، أو أحدهما مسلما والآخر كافرا. فإن كان الوالدان مسلمين، أو أحدهما مسلما، والجهاد غير متعين على الابن، فلا خلاف فيما أعلم بين الفقهاء رحمهم الله تعالى على اشتراط إذن الوالدين في الخروج للجهاد (٣) جاء في رحمة الأمة (واتفقوا على أن من لم يتعين عليه الجهاد لا يخرج إلا بإذن أبويه إن كان مسلمين) (٤) .

стр. 314

يدل على ذلك ما يلي: ١- عن عبد الله بن عمرو (١) ﵄ قال: جاء رجل (٢) إلى النبي ﷺ فاستأذنه في الجهاد فقال (أحي والدك؟) قال: نعم، قال: «ففيهما فجاهد» (٣) . ٢- وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رجلا (٤) هاجر إلى رسول الله ﷺ من اليمن، فقال: (هل لك أحد باليمن؟) قال: أبواي، قال: (أذنا لك؟) قال: لا، قال: «ارجع إليهما فاستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما» (٥) . ووجه الدلالة من الحديثين، أن النبي ﷺ أمر الابن ببر أبويه واستئذانهما للجهاد فإن لم يأذنا فإنه لا يخرج للجهاد وهذا دليل على تحريم الخروج بدون إذنهما (٦) .

стр. 315

٣- أن الجهاد في هذه الحالة فرض كفاية لأنه لم يتعين على الابن، وبر الوالدين فرض عين فكان مقدما على فرض الكفاية (١) . إذا تقرر اشتراط إذن الوالدين المسلمين في حالة كون الجهاد غير متعين على الابن، فإن له في الإذن ثلاثة أحوال (٢) : الأول: أن يأذنا له جميعا فله الخروج للجهاد، فإن رجعا عن الإذن رد عليهما ما لم يلتق الزحفان، لأنه صار في حقه حينئذ فرض عين. الثاني: أن يمتنعا عن الإذن فيمتنع عن الجهاد. الثالث: أن يأذن أحدهما ويمتنع الآخر، فيغلب حكم المنع على الإذن فلا يخرج للجهاد أما إن كان الوالدان كافرين أو أحدهما كافرا. فقد اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في اشتراط إذن الأبوين الكافرين إلى قولين: القول الأول: لا يشترط إذن الأبوين الكافرين لخروج الابن إلى الجهاد، وبهذا قال: المالكية (٣) والشافعية (٤) والحنابلة (٥) والحنفية في حالة ما إذا كان منعهما له كراهية قتال الكفار (٦) . واستدلوا بما يلي: ١- أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يجاهدون معه وفيهم من له أبوان كافران من غير استئذانهما (٧) منهم أبو بكر الصديق، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة (٨) ،

стр. 316

وأبو عبيدة (١) ﵃ وقد قتل أباه يوم بدر (٢) وغيرهم وقد أقرهم النبي ﷺ على ذلك. فدل على عدم استئذان الوالدين الكافرين. ٢- ولأن الوالدين الكافرين متهمان في الدين، لأنهما لا يحبان قتال أهل دينهما، فلا عبرة بإذنهما (٣) . القول الثاني: أنه يشترط إذنهما لخروج ابنهما إلى الجهاد في سبيل الله وهو قول الحنفية (٤) والمالكية (٥) في حالة ما إذا وجدت قرينة تدل على أن منعهما من أجل الشفقة على ولدهما، لا من أجل قتال أهل الكفر. واستدلوا بما يلي: ١- عموم الأخبار (٦) كحديث عبد الله بن عمرو وأبي سعيد الخدري ﵃ اللذين سبق ذكرهما (٧) حيث أن الحديثين يدلان على وجوب الاستئذان من الأبوين من غير التفريق بين مسلم وكافر (٨) .

стр. 317

ونوقش هذا: بأن الأحاديث التي تدل على وجوب الاستئذان مخصوصة بمن كان مسلما من الوالدين بدليل أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يجاهدون وفيهم من له أبوان كافران من غير استئذانهما، وأقرهم الرسول ﷺ على ذلك فدل على أن الإذن مخصوص بالمؤمنين منهما (١) . ٣- واستدلوا كذلك بما يلحقهما من المشقة لأجل الخوف على ابنهما من القتل (٢) ونوقش هذا: بأنهما متهمان في الدين في جميع الأحوال وقد يتظاهران بالشفقة ويخفيان كراهيتهما لقتال أهل دينهما (٣) . الترجيح والذي يظهر بعد عرض الأقوال والأدلة والمناقشة أن القول الأول هو الأقرب إلى الرجحان لفعل الصحابة ﵃ وإقرار النبي ﷺ لهم بل وقتل بعضهم لآبائهم كما فعل أبو عبيدة في غزوة بدر. قال تعالى: ﴿اتَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [المجادلة: ٢٢] . والله أعلم.

стр. 318

المطلب الثالث إذن الدائن في خروجه للجهاد المجاهد المدين له مع الجهاد حالتان: الحالة الأولى: أن يكون الجهاد متعينا في حقه. الحالة الثانية: أن يكون الجهاد غير متعين في حقه. فأما الحالة الأولى: أن يكون الجهاد متعينا في حقه. فلا خلاف فيما أعلم بين الفقهاء (١) رحمهم الله تعالى أنه لا يشترط إذن الدائن لخروج المجاهد للجهاد، سواء كان الدين حالا، أم لا، وسواء كان معسرا، أم موسرا. والأدلة على ذلك ما يلي: ١- قال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١] . وجه الدلالة من الآية: أن الله أمر المؤمنين بالخروج للجهاد خفافا وثقالا، وجاء في معنى ﴿خِفَافًا وَثِقَالا﴾ أي: فقراء وأغنياء إذا تعين عليهم الجهاد (٢) . فلا يشترط إذن المدين. ٢- ولأن الجهاد إذا كان فرض عين لا يحتمل التأخير وقضاء الدين يحتمل، والضرر في ترك الخروج أعظم من الضرر في الامتناع عن قضاء الدين، لأن الضرر في ترك الخروج يرجع إلى كافة المسلمين فالواجب الاشتغال بدفع أعظم الضررين (٣) .

стр. 319

٣- ولأن الجهاد إذا تعين يعتبر فرضا وتركه معصية (١) . الحالة الثانية: أن يكون الجهاد غير متعين في حقه. وفي هذه الحالة لا يخلو الدين من صور: الصورة الأولى: أن يكون الدين حالا عليه، وفي هذه الصورة لا يخلو المدين الذي حل عليه الدين أن يكون موسرا أو معسرا. فإن كان موسرا فلا خلاف - فيما أعلم - بين الفقهاء أنه ليس للمدين الموسر الذي حل عليه الدين أن يخرج للجهاد بغير إذن الدائن حتى يقضي الدين، أو يترك وفاءه، أو يقيم كفيلا (٢) . والأدلة على ذلك ما يلي: ١- عن أبي قتادة (٣) ﵁ أن النبي ﷺ ذكر فضل الجهاد فقام رجل فقال: يا رسول الله أرايت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله ﷺ «نعم إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر. إلا الدين فإن جبريل ﵇ قال لي ذلك» (٤) .

стр. 320

وجه الدلالة من الحديث: أن الدين من حقوق الآدميين، والجهاد والشهادة في سبيل الله لا يكفره (١) فدل على وجوب قضائه قبل الخروج للجهاد أو استئذان صاحب الحق. ٢- ولأن فرض الدين متعين عليه والجهاد على الكفاية، وفروض الأعيان مقدمة (٢) . ٣- ولأن الجهاد تقصد منه الشهادة التي تفوت بها النفس، فيفوت الحق بفواتها (٣) . إما إن كان معسرا والدين حالا عليه، فقد اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى هل يستأذن الدائن أم لا؟ إلى قولين. القول الأول: يشترط إذن الدائن في الخروج للجهاد. وهو قول الحنفية (٤) والحنابلة (٥) ووجه عند الشافعية (٦) وقول بعض المالكية (٧) واستدلوا بما يلي: ١- حديث أبي قتادة السابق ذكره قريبا (٨) . ٢- ولأن الجهاد يقصد منه الشهادة التي تفوت بها النفس فيفوت الحق بفواتها (٩) ، وإذا كان الأمر كذلك فلا يجوز بغير إذن الدائن.
следующие страницы →