← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1933

أحكام المجاهد بالنفس في سبيل الله عز وجل في الفقه الإسلامي

مرعي الشهري

Полный текст (646 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وأبو عبيدة (١) ﵃ وقد قتل أباه يوم بدر (٢) وغيرهم وقد أقرهم النبي ﷺ على ذلك. فدل على عدم استئذان الوالدين الكافرين. ٢- ولأن الوالدين الكافرين متهمان في الدين، لأنهما لا يحبان قتال أهل دينهما، فلا عبرة بإذنهما (٣) . القول الثاني: أنه يشترط إذنهما لخروج ابنهما إلى الجهاد في سبيل الله وهو قول الحنفية (٤) والمالكية (٥) في حالة ما إذا وجدت قرينة تدل على أن منعهما من أجل الشفقة على ولدهما، لا من أجل قتال أهل الكفر. واستدلوا بما يلي: ١- عموم الأخبار (٦) كحديث عبد الله بن عمرو وأبي سعيد الخدري ﵃ اللذين سبق ذكرهما (٧) حيث أن الحديثين يدلان على وجوب الاستئذان من الأبوين من غير التفريق بين مسلم وكافر (٨) .

стр. 317

ونوقش هذا: بأن الأحاديث التي تدل على وجوب الاستئذان مخصوصة بمن كان مسلما من الوالدين بدليل أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يجاهدون وفيهم من له أبوان كافران من غير استئذانهما، وأقرهم الرسول ﷺ على ذلك فدل على أن الإذن مخصوص بالمؤمنين منهما (١) . ٣- واستدلوا كذلك بما يلحقهما من المشقة لأجل الخوف على ابنهما من القتل (٢) ونوقش هذا: بأنهما متهمان في الدين في جميع الأحوال وقد يتظاهران بالشفقة ويخفيان كراهيتهما لقتال أهل دينهما (٣) . الترجيح والذي يظهر بعد عرض الأقوال والأدلة والمناقشة أن القول الأول هو الأقرب إلى الرجحان لفعل الصحابة ﵃ وإقرار النبي ﷺ لهم بل وقتل بعضهم لآبائهم كما فعل أبو عبيدة في غزوة بدر. قال تعالى: ﴿اتَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [المجادلة: ٢٢] . والله أعلم.

стр. 318

المطلب الثالث إذن الدائن في خروجه للجهاد المجاهد المدين له مع الجهاد حالتان: الحالة الأولى: أن يكون الجهاد متعينا في حقه. الحالة الثانية: أن يكون الجهاد غير متعين في حقه. فأما الحالة الأولى: أن يكون الجهاد متعينا في حقه. فلا خلاف فيما أعلم بين الفقهاء (١) رحمهم الله تعالى أنه لا يشترط إذن الدائن لخروج المجاهد للجهاد، سواء كان الدين حالا، أم لا، وسواء كان معسرا، أم موسرا. والأدلة على ذلك ما يلي: ١- قال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١] . وجه الدلالة من الآية: أن الله أمر المؤمنين بالخروج للجهاد خفافا وثقالا، وجاء في معنى ﴿خِفَافًا وَثِقَالا﴾ أي: فقراء وأغنياء إذا تعين عليهم الجهاد (٢) . فلا يشترط إذن المدين. ٢- ولأن الجهاد إذا كان فرض عين لا يحتمل التأخير وقضاء الدين يحتمل، والضرر في ترك الخروج أعظم من الضرر في الامتناع عن قضاء الدين، لأن الضرر في ترك الخروج يرجع إلى كافة المسلمين فالواجب الاشتغال بدفع أعظم الضررين (٣) .

стр. 319

٣- ولأن الجهاد إذا تعين يعتبر فرضا وتركه معصية (١) . الحالة الثانية: أن يكون الجهاد غير متعين في حقه. وفي هذه الحالة لا يخلو الدين من صور: الصورة الأولى: أن يكون الدين حالا عليه، وفي هذه الصورة لا يخلو المدين الذي حل عليه الدين أن يكون موسرا أو معسرا. فإن كان موسرا فلا خلاف - فيما أعلم - بين الفقهاء أنه ليس للمدين الموسر الذي حل عليه الدين أن يخرج للجهاد بغير إذن الدائن حتى يقضي الدين، أو يترك وفاءه، أو يقيم كفيلا (٢) . والأدلة على ذلك ما يلي: ١- عن أبي قتادة (٣) ﵁ أن النبي ﷺ ذكر فضل الجهاد فقام رجل فقال: يا رسول الله أرايت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله ﷺ «نعم إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر. إلا الدين فإن جبريل ﵇ قال لي ذلك» (٤) .

стр. 320

وجه الدلالة من الحديث: أن الدين من حقوق الآدميين، والجهاد والشهادة في سبيل الله لا يكفره (١) فدل على وجوب قضائه قبل الخروج للجهاد أو استئذان صاحب الحق. ٢- ولأن فرض الدين متعين عليه والجهاد على الكفاية، وفروض الأعيان مقدمة (٢) . ٣- ولأن الجهاد تقصد منه الشهادة التي تفوت بها النفس، فيفوت الحق بفواتها (٣) . إما إن كان معسرا والدين حالا عليه، فقد اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى هل يستأذن الدائن أم لا؟ إلى قولين. القول الأول: يشترط إذن الدائن في الخروج للجهاد. وهو قول الحنفية (٤) والحنابلة (٥) ووجه عند الشافعية (٦) وقول بعض المالكية (٧) واستدلوا بما يلي: ١- حديث أبي قتادة السابق ذكره قريبا (٨) . ٢- ولأن الجهاد يقصد منه الشهادة التي تفوت بها النفس فيفوت الحق بفواتها (٩) ، وإذا كان الأمر كذلك فلا يجوز بغير إذن الدائن.

стр. 321

القول الثاني: لا يشترط إذن الدائن في الخروج للجهاد إذا حل عليه الدين وهو معسر، وبهذا قال المالكية (١) والشافعية على الصحيح (٢) . ويمكن أن يستدل لهم بما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] . وجه الدلالة من الآية: أن الله أمر بإنظار المعسر وهي عامة في جميع الناس، فكل من أعسر أنظر (٣) والمجاهد المعسر بدين حال من جملة الناس فينظر ولا يمنعه ذلك من الخروج للجهاد. ونوقش هذا الدليل: بأن الجهاد يقصد منه الشهادة التي تفوت بها النفس فيفوت الحق بفواتها (٤) بخلاف إنظار المعسر إلى حين الميسرة في حال الأمن، فليس فيه فوات للحق. ٢- واستدلوا كذلك بأن المعسر لا تتوجه له المطالبة بالدين في الحال (٥) . ويمكن مناقشته بما نوقش به الدليل السابق. الترجيح الذي يظهر رجحان القول الأول الذي يشترط إذن الدائن في خروج المجاهد للجهاد إذا كان معسرا، والدين حالا عليه، والجهاد في حقه غير متعين، لما سبق من حديث أبي قتادة، وأن الدين لا يكفره شيء حتى الشهادة في سبيل الله، ولأنه بخروجه للجهاد يعرض نفسه للخطر فيفوت الحق بفوات نفسه، والله أعلم.

стр. 322

الصورة الثانية: أن يكون الجهاد غير متعين عليه والدين مؤجلا. اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في هذه الصورة إلى قولين: القول الأول: لا يجوز له الخروج إلى الجهاد دون إذن الدائن، إلا أن يترك وفاء لدينه، أو يقيم كفيلا يقضي عنه، أو يوثق الدين برهن. وبهذا قال الحنابلة على المذهب (١) وهو وجه عند الشافعية (٢) . واستدلوا بما يلي: ١- أن عبد الله بن عمرو بن حرام (٣) ﵁ خرج إلى أحد وعليه دين كثير فاستشهد (٤) وقضاه عنه ابنه بعلم النبي ﷺ ولم يذمه النبي ﷺ على ذلك، ولم ينكر فعله، بل مدحه (٥) وقال: (ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه) (٦) وجه الدلالة: أن عبد الله بن حرام أقام ابنه جابرا كفيلا يقضي عنه دينه فجاز له الخروج وعليه دين. جاء في أسد الغابة: (ولما أراد يخرج إلى أحد دعا ابنه جابرا فقال: يا بني إني لا أراني إلا مقتولا في أول من يقتل.. وإن علي دينا فاقض عني ديني) (٧) .

стр. 323

٢- ولأن الجهاد يقصد منه الشهادة التي تفوت بهاالنفس، فيفوت الحق بفواتها (١) فلا يجوز الخروج إلا بإذن صاحب الدين. القول الثاني: يجوز له الخروج إلى الجهاد دون إذن الدائن إذا لم يحل الدين. وبهذا قال: الحنفية بشرط أنه يعلم بالظاهر أنه يرجع قبل حلول الدين (٢) والمالكية (٣) والصحيح عند الشافعية (٤) وقول للحنابلة (٥) . واستدلوا بما يلي: ١- القياس على السفر لغير الجهاد بجامع عدم حلول الدين، فإذا جاز لمدين أن يسافر لغير الجهاد بغير إذن الدائن، فكذاك له أن يخرج للجهاد بغير إذن الدائن (٦) . ونوقش بأنه قياس مع الفارق إذ الخروج للجهاد مظنة الشهادة وفوات النفس الذي يفوت بفواتها الحق، والسفر لغير الجهاد بخلاف ذلك (٧) . ٢- أن الدين قبل حلوله لا يتوجه الحق للدائن بمطالبة المدين (٨) وإذا كان الأمر كذلك فلا يحق له منعه من الخروج للجهاد ولا يشترط طلب إذنه. ويمكن مناقشته: بأن السفر للجهاد فيه خطر على النفس التي تعلق بها الدين وهذا يؤدي إلى الضرر بالدائن وضياع ماله، فلا يجوز الخروج إلا بإذنه وعلمه. الترجيح الراجح والله أعلم القول الأول الذي منع الخروج للجهاد إلا بإذن الدائن حتى يتمكن من استيفاء دينه، لعظم شأن الدين واهتمام الشرع بأدائه.

стр. 324

المطلب الرابع إذن القائد في الخروج من المعسكر لا يجوز لأحد من الجند الخروج من المعسكر، لقضاء حاجة أو إغارة على العدو، أو غير ذلك إلا بإذن القائد. لأن القائد أعرف بحال الناس، ومكامن العدو، وقربه وبعده، ومواضع الأمن، فلا يأذن للجند إلا مع أمنه عليهم، وإن خرجوا من غير أمره، لم يأمنوا كمينا للعدو، أو مهلكة يهلكون بها وربما رحل الجيش فيضيع الخارج (١) . وقد سبق بيان إذن الإمام في خروج المجاهد للجهاد وما ورد هناك من الخلاف يرد هنا (٢) لأن طاعة القائد كطاعة الإمام. عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعصي الأمير فقد عصاني..» (٣) .

стр. 325

المطلب الخامس خروج المجاهد مع القائد الفاجر (١) لا خلاف بين الفقهاء رحمهم الله تعالى - فيما أعلم - أنه يجوز الخروج مع القائد الفاجر، إن كان يحفظ المسلمين وفجوره على نفسه. جاء في حاشية الروض المربع: (ويجب النفير مع كل أمير برا كان أو فاجرا بلا نزاع، بشرط أن يحفظ المسلمين) (٢) . والأدلة على ذلك ما يلي: ١- عن أبي هريرة ﵁ من حديث طويل، أن النبي ﷺ قال: «إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» (٣) . ٢- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برا كان، أو فاجرا» (٤) . ٣- ولأن ترك الجهاد مع القائد الفاجر يؤدي إلى ترك الجهاد فيظهر الكفار على المسلمين، وفي هذا ضرر عظيم على الإسلام والمسلمين، فيخرج مع القائد الفاجر ارتكابا لأخف الضررين (٥) .

стр. 326

المطلب السادس خروج النساء مع المجاهد لا خلاف بين الفقهاء رحمهم الله تعالى فيما أعلم على جواز خروج النساء مع المجاهد في سبيل الله لسقي الماء ومعالجة الجرحى ونحو ذلك (١) . يدل على ذلك ما يلي: ١- عن أنس ﵁ قال: (لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي ﷺ قال: ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم (٢) وإنهما لمشمرتان أرى خدم سوقهن (٣) تنقزان القرب (٤) وقال غيره تنقلان القرب على متونهما ثم تفرغانه في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملأنها، ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم) (٥) . ٢- وعن الربيع بنت معوذ (٦) قالت: (كنا مع النبي ﷺ نسقي ونداوي الجرحى ونرد القتلى إلى المدينة) (٧) وفي رواية (كنا نغزو مع النبي ﷺ ) (٨) .

стр. 327

إذا تقرر أنه يجوز خروج النساء مع المجاهد في سبيل الله، فإن الفقهاء جعلوا لذلك قيود منها: ١- أن تخرج إلى الجهاد مع محرمها بإذنه (١) . ٢- أن يكون خروجها في عسكر عظيم يؤمن عليها معهم (٢) . قال في مشارع الأشواق (اتفقوا على أنه لا يسافر بالنساء إلى أرض العدو إلا أن يكون في جيش عظيم يؤمن عليهم) (٣) . ٣- أن تخرج العجائز للسقي وضماد الجرحى ونحو ذلك، أما خروج الشابات فمكروه، لأن خروجهن فتنة، ثم لا يؤمن ظفر العدو بهن فيستحلون منهن ما حرم الله (٤) . أما خروج النبي ﷺ بمن تقع عليها القرعة من زوجاته وخروجه بعائشة ﵂ مرات، فإن تلك امرأة واحدة يأخذها لحاجته، ويجوز مثل ذلك للأمير عند الحاجة، ولا يرخص لسائر المجاهدين، لما سبق من المحظورات التي قد تقع لهن (٥) . أما هذا العصر حيث الجيوش النظامية فلا يحتاج الجيش لخدمات المرأة حيث يتولى الإمدادات للجيش من عدة وعتاد فرق مخصصة لذلك. وكذلك يقوم على نقل الجرحى وإسعافهم، ونقل القتلى فرق مخصصة لذلك، فلا حاجة لخروج المرأة مع الجيش مطلقا لما في ذلك من الفساد، والله أعلم.

стр. 328

المطلب السابع خروج المجاهد بالقرآن إلى أرض العدو اتفق الفقهاء رحمهم الله تعالى فيما أعلم أنه لا يجوز الخروج بالقرآن إلى أرض العدو إذا خيف عليه أن تناله أيديهم (١) جاء في مشارع الأشواق: (اتفقوا على أنه لا يسافر بالمصحف إلى أرض العدو إلا في جيش يؤمن عليه فيه) (٢) . يدل على ذلك: ما جاء في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ (أن النبي ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو) (٣) . وعند مسلم بلفظ (إنه كان ينهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو) (٤) . واختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في الخروج بالقرآن إلى أرض العدو إذا لم يخف عليه منهم كأن يكون الجيش آمنا إلى قولين: القول الأول: أنه يحرم الخروج به إلى أرض العدو، ولو كان الجيش آمنا، قال بهذا المالكية (٥) والحنابلة (٦) وابن حزم (٧) . واستدلوا بما يلي: ١- عموم حديث ابن عمر السابق (نهى النبي ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو) .

стр. 329

وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ نهى أن يسافر بالمصحف إلى أرض العدو والنهي يقتضي التحريم. ٢- ولأنه قد يقع في أيديهم فيهينونه ولأنهم لا يتحرزون عن النجاسة فيمسوه وهو منزه عن ذلك (١) . قال تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] . القول الثاني: أنه يجوز الخروج به إلى أرض العدو إذا كان لا يخشى عليه منهم، وقال بهذا الحنفية (٢) والشافعية (٣) . واستدلوا: بما جاء عند مسلم وغيره من حديث ابن عمر ﵄ (إنه ﷺ كان ينهي أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو) (٤) . وجه الدلالة من الحديث: أنه إذا كان العسكر عظيما يأمنون عليه من العدو لقوتهم وشوكتهم. فلا بأس أن يحمل المجاهد المصحف ليقرأ فيه (٥) . الترجيح الذي يظهر أن الراجح هو القول الأول، أنه لا يجوز الخروج بالمصحف إلى أرض العدو حال القتال مطلقا، لأن العدو وإن كان هناك عسكر عظيم من المجاهدين لا يؤمن أن يسقط القرآن في أيديهم فيهينونه، أو يحرفونه وفي ذلك تحقير لما عظم الله، فالأولى أن لا يخرجوا به حال لقاء العدو ونشوب القتال أما وهم مرابطون في الثغور أو ليسوا في ميدان المعركة فلا بأس بأخذ المصحف وتلاوته وتدبر معانيه، لأن تلاوته عبارة، ولأن ذلك يقوي إيمانهم بالله وبنصره القريب، والله أعلم.

стр. 330

المبحث الثاني أحكام المجاهد في مواجهة العدو وفيه مطلبان: المطلب الأول: ما قبل بدء المعركة والالتحام بالعدو. المطلب الثاني: في بدء المعركة والالتحام مع العدو.

стр. 331

المطلب الأول ما قبل بدء المعركة والالتحام بالعدو وفيه ستة فروع: الفرع الأول: دعوة العدو قبل القتال. الفرع الثاني: الإنذار بالهجوم. الفرع الثالث: تبييت العدو في الليل. الفرع الرابع: معرفة مواقع العدو وقدراته عن طريق الاستطلاع للأخبار وإرسال العيون. الفرع الخامس: الحرب النفسية والخديعة بالعدو. الفرع السادس: الاستعانة بالكفار في قتال العدو.

стр. 332

الفرع الأول دعوة العدو إلى الإسلام قبل القتال سبق في الحديث عن مراحل الجهاد في سبيل الله، أن المرحلة الأخيرة التي استقر عليها أمر الجهاد في سبيل الله، هي قتال الكفار حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية وهم صاغرون (١) . لكن، هل يقاتلون دون أن يدعوا إلى الإسلام، أم لا بد من دعوتهم أولا؟ لا يخلو حال الكفار من حالتين: الحالة الأولى: أن تكون دعوة الإسلام لم تبلغهم. الحالة الثانية: أن تكون دعوة الإسلام قد بلغتهم. الحالة الأول: أن تكون دعوة الإسلام لم تبلغهم. لم أجد بين الفقهاء (٢) رحمهم الله تعالى فيما اطلعت عليه خلافا أن من لم تبلغه دعوة الإسلام فإنه يجب دعوته قبل القتال. قال في بداية المجتهد: (شرط الحرب بلوغ الدعوة باتفاق، فلا يجوز حربهم حتى تبلغهم الدعوة وذلك شيء مجمع عليه من المسلمين) (٣) .

стр. 333

إلا أنه في حالة معالجة الكفار للمسلمين بالقتال، فإنهم يقاتلون في هذه الحالة من غير دعوة لضرورة الدفاع عن الأنفس والأعراض (١) . واستدل الفقهاء على وجوب دعوة من لم تبلغه الدعوة بما يلي: ١- عن بريدة (٢) ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرا على جيش، أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال:.. وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال فأيتهن أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا، فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم..) (٣) . وجه الدلالة من الحديث: أنه بدأ ﷺ بالأمر بدعوتهم إلى الإسلام قبل قتالهم والأمر يقتضي الوجوب فدل على وجوب دعوتهم أولا إذا لم تبلغهم الدعوة. ٢- ولأن بالدعوة إلى الإسلام قبل القتال يعلمون ماذا يقاتلون عليه، فربما ظنوا أن من يقاتلهم لصوصا يريدون أموالهم وسبي ذراريهم فإذا علموا أنهم يقاتلون على الدعوة إلى الدين، ربما أجابوا وانقادوا للحق من غير قتال (٤) . الحالة الثانية: أن تكون دعوة الإسلام قد بلغتهم. اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في هذه الحالة إلى قولين:

стр. 334

القول الأول: لا يجب دعوتهم إلى الإسلام وقد بلغتهم الدعوة وإنما يستحب ذلك، إلا إذا علم أنهم بالدعوة يستعدون ويتحصنون فلا يدعون. قال في فتح القدير: (ما لم يعلم أنهم بالدعوة يستعدون أو يحتالون أو يتحصنون..) (١) . وإن غاروا عليهم دون دعوة جاز ذلك. وهذا قول جمهور الفقهاء (٢) . واستدلوا بما يلي: ١- عن ابن عمر ﵄ (أن النبي ﷺ أغار على بني المصطلق (٣) وهم غارون وأنعامهم تسقي على الماء فقتل مقاتلهم وسبي ذراريهم وأصاب يومئذ جويرية (٤)) (٥) . ٢- عن سهل بن سعد ﵁ (أن النبي ﷺ قال لعلي ﵁ حين أعطاه الراية يوم خيبر (٦) انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه..) (٧) .

стр. 335

وجه الدلالة من الحديثين: أن الكفار قد بلغتهم الدعوة وقد أغار عليهم كما في الحديث الأول، فدل على جواز قتال الكفار الذي بلغتهم الدعوة (١) والإغارة عليهم دون دعوة إلى الإسلام، وفي حديث سهل أمر النبي ﷺ بدعوتهم إلى الإسلام وقد بلغتهم الدعوة، فدل على استحباب دعوتهم إذا لم يكن في ذلك ضرر على المسلمين. القول الثاني: يجب دعوة الكفار إلى الإسلام قبل قتالهم وإن كانت الدعوة قد بلغتهم وهذا المشهور عند المالكية (٢) . جاء في الشرح الكبير بهامش حاشية الدسوقي: (ودعوا وجوبا للإسلام ثلاثة أيام بلغتهم الدعوة أم لا، ما لم يعاجلونا بالقتال) (٣) . ويمكن أن يستدل لهذا القول: بما سبق من حديث بريدة ﵁ (٤) . وجه الدلالة من الحديث: أن ظاهر الحديث يدل على أن الأمر بالدعوة جاء عاماً يشمل من بلغتهم الدعوة ومن لم تبلغهم. ويمكن مناقشته: بما سبق من حديث ابن عمر: (أن النبي ﷺ أغار على بني المطلق) (٥) . فهذا الحديث يخصص عموم حديث بريدة. الترجيح الذي يظهر أن القول الأول هو الراجح، أنها لا تجب دعوتهم إذا بلغتهم الدعوة، وإنما تستحب لأن فيه جمعا بين الأحاديث التي فيها أمر بالدعوة قبل القتال والتي فيها الإغارة على العدو ثم إن من بلغته الدعوة لم يعد له عذر، لكن استحباب دعوته وتكرارها أفضل إن ترتب على ذلك مصلحة، وإن كانت دعوة العدو يترتب عليها ضرر، بأن يستعد للمجابهة، أو يتحصن ونحو ذلك، فالأفضل عدم الدعوة والله أعلم.

стр. 336

الفرع الثاني الإنذار بالهجوم الإنذار بالهجوم على العدو وعدمه مبني على بلوغ دعوة الإسلام إلى العدو وعدمها. وقد سبق الحديث عن ذلك في دعوة العدو قبل القتال (١) . فمن لم تبلغه دعوة الإسلام يجب إنذاره بالهجوم باتفاق الفقهاء رحمهم الله تعالى (٢) واستدلوا بما يلي: ١- حديث بريدةالسابق ذكره وفيه: (.. وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، فأيتهن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبو فاستعن بالله وقاتلهم..) (٣) وجه الدلالة أن الدعوة إلى الإسلام، أو قبول إعطاء الجزية مبالغة في إنذارهم. ٢- ولأن إنذار من لم تبلغه الدعوة، ربما أدى إلى انصياعهم للحق إذا عرفوه فيسلمون ونسلم من القتال (٤) . أما من بلغته الدعوة الإسلامية من الكفار. فقد ذهب جمهور الفقهاء (٥) إلى جواز قتالهم دون إنذار وطلب غرتهم. واستدلوا على ذلك: بحديث ابن عمر ﵄ (أن النبي ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارون وأنعامهم تسقي على الماء فقتل مقاتلهم وسبي ذراريهم) (٦) .

стр. 337

ويستحب إنذارهم إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين (١) لحديث سهل بن سعد ﵁ وفيه: (أن النبي ﷺ قال لعلي ﵁ حين أعطاه الراية يوم خيبر: انفذ على رسلك حتى تتنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه) (٢) . وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ أمره أن يدعهم إلى الإسلام، مع أن الدعوة قد بلغتهم، فدل ذلك على الاستحباب، لأن النبي ﷺ قد أغار على بني المصطلق وقد بلغتهم الدعوة ولم يدعهم (٣) . وذهب المالكية في المشهور عنهم (٤) أنه لا يجوز قتالهم دون إنذار واستدلوا بما يلي: ١- حديث بريدة ﵁ السابق ذكره (٥) . وجه الدلالة منه: أنه أمر ﷺ بدعوة المشركين قبل قتالهم دون أن يفرق بين من بلغته الدعوة ومن لم تبلغه. ٢- حديث سهل بن سعد في غزوة خيبر وقد سبق ذكره (٦) . وجه الدلالة منه: أن النبي ﷺ قد أمر عليا ﵁ أن يدعوهم إلى الإسلام قبل قتالهم، وقد بلغتهم الدعوة، فدل على عدم جواز قتالهم قبل الدعوة مطلقا. ويمكن مناقشة استدلالهم بما يلي: ١- حديث بريدة ﵁ محمول على دعوة من لم تبلغه الدعوة الإسلامية دون من بلغته. ٢- أما حديث سهل بن سعد في غزوة خيبر فهو محمول على الاستحباب لأن الدعوة بلغتهم بدليل (أنه ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارون) (٧) .

стр. 338

وأغار كذلك في بداية غزوة خيبر على أهل خيبر، كما في حديث أنس ﵁ (١) ، لأن الدعوة قد بلغتهم (٢) . ٣- أنه قد جاء عن الإمام مالك ﵀ ما يدل على جواز طلب غرة من بلغته الدعوة. ففي المدونة قال مالك: (أما من قارب الدروب فالدعوة مطروحة لعلمهم بما يدعون إليه وما هم عليه من البغض والعداوة للدين وأهله، ومن طول معارضتهم للجيوش ومحاربتهم لهم فتطلب غرتهم..) (٣) . الترجيح الذي يظهر أنه يستحب إنذارهم قبل الهجوم إن كان في ذلك مصلحة، بأن ينقادوا إلى الحق فلا يحصل قتال، أو يقبلوا بالدخول في حماية الدولة الإسلامية مقابل الجزية التي تؤخذ منهم. ويجوز عدم إنذارهم، ومباغتتهم بالهجوم، لأنه قد يكون في ذلك مصلحة، وذلك بتقليل الخسائر في الأنفس والممتلكات. والإنذار وعدمه راجع إلى قائد الجيش أو أميره، فهو القادر على عمل الأصلح فإن رأى قتالهم دون إنذار فله ذلك، وإن رأى إنذارهم فله ذلك (٤) والله أعلم.

стр. 339

الفرع الثالث تبييت (١) العدو في الليل الكلام في هذه المسألة مبني على ما سبق ذكره في دعوة العدو قبل القتال والإنذار بالهجوم (٢) ، فمن لم تبلغه الدعوة لا يجوز تبييته قبل دعوته إلى الإسلام وهذا متفق عليه بين الفقهاء، فلم أجد من خالف فيه - حسب ما اطلعت عليه (٣) - ويمكن أن يستدل بحديث بريدة، وقد سبق ذكره (٤) . ووجه الدلالة منه: أنه نهى عن قتال المشركين قبل دعوتهم فلا يجوز تبييتهم حتى يدعو. أما من بلغته الدعوة فعامة الفقهاء رحمهم الله تعالى على جواز تبييتهم (٥) . قال الإمام أحمد ﵀: (لا بأس بالبيات، ولا نعلم أحد كره بيات العدو) (٦) . والأدلة على ذلك ما يلي: ١- عن الصعب بن جثامة (٧) قال: سئل النبي ﷺ عن أهل الدار يبيتون من المشركين فيصاب من نسائهم وذراريهم قال: (هم منهم) (٨) .

стр. 340

وجه الدلالة من الحديث: أن قوله ﷺ (هم منهم) إقرار بجواز تبييت العدو. ٢- ما سبق من حديث عمر ﵄ (أن النبي ﷺ أغار على بني المصطلق) (١) وحديث أنس ﵁ (أنه أغار على أهل خيبر في أول الأمر) (٢) . وعند المالكية، بناء على قولهم في من بلغته الدعوة أنه يجب دعوته قبل قتاله (٣) بناء على ذلك لا يجوز تبييت العدو. ومن قال منهم يستحب دعوة من بلغته الدعوة قال: يكره تبييتهم في الليل (٤) وقد سبق ذكر أدلتهم في حديث بريدة في وجوب دعوة العدو قبل القتال، وحديث سهل بن سعد ﵃ ومناقشتها (٥) . الترجيح الذي يظهر أنه يجوز تبييتهم إن كانوا ممن بلغتهم الدعوة، وهذا مذهب جماهير أهل العلم، للأحاديث الصحيحة، كحديث الصعب بن جثامة وغيره. والله أعلم. الفرع الرابع معرفة مواقع العدو وقدراته عن طريق الاستطلاع للأخبار وإرسال العيون (٦) لا خلاف بين الفقهاء رحمهم الله تعالى (٧) إنه ينبغي للإمام أو أمير الجيش (قائده) بعث الجواسييس وإرسال الطلائع لكشف خبر العدو، ومعرفة قدراته العسكرية وخططه في القتال حتى يستطيع وضع الخطط المناسبة لمواجهة العدو.

стр. 341

جاء في زاد المعاد (وكان ﷺ يبعث العيون يأتونه بخبر العدو ويطلع الطلائع..) (١) . يدل على ذلك ما يلي: ١- عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (من يأتيني بخبر القوم يوم الأحزاب (٢) فقال الزبير (٣) أنا ثم قال: من يأتيني بخبر القوم، قال الزبير أنا قال ﷺ لكل نبي حواري، وحواري الزبير) (٤) . والمراد خبر بني قريظة هل نقضوا العهد أم لا؟ (٥) . ٢- وعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب (٦) (ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة فسكتنا فلم يجبه منا أحد فقال: قم يا حذيفة فأتنا بخبر القوم، فلم أجد بدا إذ دعان باسمي أن أقوم، قال: اذهب فأتني بخبر القوم ولا تذعرهم (٧) علي.. فأخبرته بخبر القوم) (٨) .

стр. 342

والمراد خبر الأحزاب، وذلك لما اشتد الحصار على المسلمين يوم الخندق. وقد ذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى أن التجسس على العدو ومعرفة أخبارهم وأحوالهم مما يستعان به على القتال ويؤمن معه مكر العدو وخداعهم. جاء في الأحكام السلطانية: (يلزم أمير الجيش (قائده)) أن يعرف أخبار عدوه حتى يقف عليها، ويتصفح أحواله حتى يخبرها، فيسلم من مكره ويتلمس الغرة في الهجوم عليه (١) . وفي مشارع الأشواق: (وأهم ما ينبغي لصاحب الجيش (قائده)) قبل القتال أن يبث الجواسيس الثقات عنده في عسكر عدوه، ليتعرف أخبارهم مع الساعات، وما عندهم من العدد والآلات.. (٢) . إذا تقرر هذا فإنه ينبغي للمجاهد في هذا العصر، وقد تطورت وسائل نقل المعلومات وتعددت، أن يستفيد من ذلك في معرفة أخبار الأعداء وقدراتهم ومواطن الضعف فيهم، لأن ذلك من أهم عوامل النصر بإذن الله . يقول صاحب كتاب المخابرات في الدولة الإسلامية: (وفي الوقت الحاضر تحرص المخابرات المعاصرة على نقل المعلومات التي تحصل عليها بأقصى سرعة ممكنة، لأن تأخيرها دقائق ربما أدى إلى كارثة، فنجدها تسخر التكنولوجيا لتطوير مواصلاتها، ووسائل اتصالها، فاستخدمت الأقمار الصناعية، والغواصات في أعماق البحار، وأنفقت الملايين من أجل وصول المعلومات إليها في أقصر وقت ممكن) (٣) . والمجاهد في سبيل الله أحق أن يستفيد من هذه الوسائل بكل أنواعها وأشكالها في قتال أعداء الله.

стр. 343

الفرع الخامس الحرب النفسية والخديعة بالعدو وفيه أربع مسائل: المسألة الأولى: الإعلام . المسألة الثانية: إظهار القوة. المسألة الثالثة: إشاعة الفرقة وبث الرعب بين الأعداء. المسألة الرابعة: مخادعة العدو. المسألة الأولى الإعلام الإعلام وسيلة مهمة بأنواعه المختلفة، المسموعة والمقروءة والمرئية واستخدامه في حال القتال ضرورة ملحة لبث الروح الانهزامية في الأعداء، وقذف الرعب في قلوبهم، وإظهار قوة المسلمين المجاهدين، والحوار الذي دار بين أبي سفيان (١) وعمر بن الخطاب ﵁ بعد غزوة أحد يعد نموذجا للإعلام المسموع.

стр. 344

ففي صحيح البخاري من حديث البراء بن عازب (١) ﵁ (.. وأشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد؟ فقال ﷺ : لا تجيبوه فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال ﷺ لا تجيبوه فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قتلوا فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدو الله أبقى الله عليك ما يخزيك، قال أبو سفيان: أعل هبل (٢) فقال النبي ﷺ أجيبوه، قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل، قال أبو سفيان: لنا العزى (٣) ولا عزى لكن، فقال ﷺ أجيبوه، قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا الله مولانا ولا مولى لكم..) (٤) . جاء في زاد المعاد في سياق ذكر هذا الحديث عند قول عمر بن الخطاب ﵁ كذبت يا عدو الله فكان في الإعلام من الإذلال للعدو، وبيان قوة المسلمين وأنهم لم يهنوا ولم يضعفوا ما يدعو العدو إلى الخوف من قوة المسلمين وبسالتهم، وكان في الإعلام ببقاء الثلاثة الذي سأل عنهم أبو سفيان بعد ظنه وظن قومه أنهم قد قتلوا من المصلحة وغيظ العدو والفت في عضده ما ليس في جوابه حين سأل عنهم واحدا واحدا (٥) . وبهذا يتضح دور الأعلام المسموع في فت عضد العدو، وإرهابه وإذلاله.

стр. 345

وكذلك الإعلام المقروء له دور في إرهاب العدو وبث الرعب بين صفوفه، جاء في مشارع الأشواق: وينبغي للقائد أن يكتب على السهام أخبار ومعلومات تطابق ما وصل إليه من الجواسيس ويرمي بها في جيش العدو (١) . ويمكن الآن استخدام الطائرات في نشر مثل هذه المنشورات على العدو لبث الرعب في نفوسهم وتحطيم معنوياتهم. فكل الإعلام بوسائله المختلفة وتقنياته المتقدمة في هذا العصر ينبغي أن يستفيد منه المجاهدون في سبيل الله في جهاد العدو وإذلالهم ونشر الرعب والخوف بين صفوفهم والله أعلم. المسألة الثانية إظهار القوة إعداد العدة وإظهار القوة للأعداء في القتال مطلب مهم في بث الرعب بينهم وإرهابهم، وبث الروح الانهزامية في صفوفهم. يدل على ذلك ما يلي: ١- قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] . ففي هذه الآية أمر للمؤمنين بإعداد السلاح وآلات القتال قبل القتال إرهابا للعدو (٢) . ولفظ قوة عام يشمل جميع ما يستعان به على العدو من سائر أنواع السلاح والآلات من المدافع والرشاشات والبنادق والطائرات والمراكب البرية والبحرية ونحو ذلك (٣) .

стр. 346

٢- أجاز النبي ﷺ الخيلاء في الحرب لما في ذلك من القوة وإرهاب العدو، كما في حديث جابر بن عتيك (١) (فأما الخيلاء التي يحب الله فاختيال الرجل بنفسه عند القتال..) (٢) . ٣- أن الرسول ﷺ لما خرج لفتح مكة أمر بإيقاد النيران فأوقدوا عشرة آلاف نار (٣) في ليلة واحدة حتى ملأت الأفق، فكان لمعسركهم منظر مهيب كادت تنخلع قلوب قريش من شدة هوله، وقد قصد النبي ﷺ من ذلك إظهار قوة المسلمين وتحطيم نفسيات العدو حتى لا يفكروا في المقاومة ويستسلموا وقد تحقق ذلك (٤) . فإظهار القوة أمام الأعداء وإعداد العدة لملاقاتهم وسيلة عظيمة من وسائل حرب العدو نفسيا وبث الخوف والرعب بين مقاتليهم، وهذا باب من أبواب النصر على العدو. المسألة الثالثة إشاعة الفرقة وبث الرعب بين العدو أولا: إشاعة الفرقة بين العدو: إن الترابط إذا حصل في صفوف العدو، كان ذلك خطرا على المسلمين، وصعب معه الوصول إلى هزيمتهم، وإن خلخلة صفوف العدو وتفريق وحدتهم من الأمور المهمة في سياسة القتال للوصول إلى هزيمة العدو وتشتيت شملهم وما عقدوا العزم عليه.

стр. 347

يؤيد هذا ما جاء في غزوة الخندق؛ أن نعيم بن مسعود (١) ﵁ جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله. إني قد أسلمت فمرني بما شئت، فقال رسول الله ﷺ «إنما أنت رجل واحد فخذل (٢) عنا ما استطعت فإن الحرب خدعة» (٣) . فذهب من فوره إلى بني قريظة (٤) وكان عشيرا (٥) لهم في الجاهلية فدخل عليهم وهم لا يعلمون بإسلامه، فقال: يا بني قريظة، إنكم قد حاربتم محمد وإن قريشا إن أصابوا فرصة انتهزوها وإلا انشمروا (٦) إلى بلادهم راجعين، وتركوكم ومحمدا فانتقم منكم قالوا: فما العمل يا نعيم؟ قال: لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن، قالوا: لقد أشرت بالرأي، ثم مضى على وجه إلى قريش، فقال لهم: تعلمون ودي لكم، ونصحي لكم، قالوا: نعم، قال: إن يهود قد ندموا على ما كان منهم من نقض عهد محمد وأصحابه، وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه، ثم يمالئونه عليكم، فإن سألوكم رهائن فلا تعطوهم، ثم ذهب إلى غطفان (٧) فقال لهم مثل ذلك، فلما كان ليلة السبت من شوال بعثوا إلى اليهود إنا لسنا

стр. 348

بأرض مقام وقد هلك الكراع (١) والخف (٢) فانهضوا بنا حتى نناجز محمدا، فأرسل إليهم اليهود إن اليوم يوم السبت، وقد علمتم ما أصاب من قبلنا حين أحدثوا فيه، ومع هذا فإنا لا نقاتل معكم حتى تبعثوا إلينا رهائن فلما جاءتهم رسلهم بذلك قالت قريش: صدقكم والله نعيم، فبعثوا إلى يهود: إنا والله لا نرسل إليكم أحدا، فاخرجوا معنا حتى نناجز محمدا فقالت قريظة صدقكم والله نعيم، فتخاذل الفريقان (٣) . فتخذيل العدو وبث الفرقة بينهم مما يؤدي إلى خذلانهم وانهزامهم أمر مطلوب من قائد الجيش المسلم. ثانيا: بث الرعب بين العدو: بث الرعب في صفوف العدو من الأهمية بمكان في خذلان العدو، وهزيمته والظهور عليه، وقد نصر الله رسوله ﷺ والمؤمنين على العدو، بأن ألقى في قلوب العدو الرعب قال تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [آل عمران: ١٥١] . وعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (..نصرت بالرعب مسيرة شهر..) (٤) . وقد سبق الحديث عن الإعلام وإظهار القوة وأثر ذلك في إرهاب العدو وبث الرعب في قلوبهم (٥) . وكل ذلك يؤيد أن إرهاب العدو، وبث الرعب في قلوبهم أمر مطلوب في سياسة القتال وأنه يسهل هزيمتهم والانتصار عليهم بإذن الله.

стр. 349

المسألة الرابعة مخادعة العدو لا خلاف بين الفقهاء (١) رحمهم الله تعالى -فيما أعلم- أنه يجوز خداع الكفار والتمويه عليهم، ما أمكن ذلك في الحرب. قال النووي ﵀: (اتفق العلماء على جواز خداع الكفار في الحرب، وكيف أمكن الخداع إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحل..) (٢) . ويدل على جواز خداع الكفار في الحرب ما يلي: ١- عن جابر بن عبد الله ﵄ قال رسول الله ﷺ «الحرب خدعة (٣) » (٤) . ٢- وعن كعب بن مالك (٥) ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ قلما يريد غزوة يغزوها إلا ورّى (٦) بغيرها) (٧) . وبهذا يتبين أن خداع العدو والتمويه عليهم في الحرب أمر ضروري في سياسة الحروب، حتى يتمكن المجاهد في مباغته العدو وأخذه على غرة وفي ذلك توفير في طاقة الجيش وعتاده، وتقليل الخسائر في الأرواح، والله أعلم.

стр. 350

الفرع السادس الاستعانة بالكفار في قتال العدو (١) اتفق الفقهاء رحمهم الله تعالى -فيما أعلم- أنه يجوز الاستعانة بالكفار في قتال العدو عند الضرورة إلى ذلك (٢) لمقتضى القاعدة الفقهية المشهورة (الضرورات تبيح المحظورات) (٣) . واختلفوا في الاستعانة بهم لغير ضرورة إلى قولين: القول الأول: يحرم الاستعانة بهم لغير ضرورة، وبهذا قال: المالكية (٤) والصحيح من مذهب الحنابلة (٥) وابن حزم (٦) . واستدلوا بما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨] .

стр. 351

جاء في سبب نزول هذه الآية: أن عبادة بن الصامت (١) ﵁ كان له حلفاء من اليهود، فلما خرج النبي ﷺ يوم الأحزاب قال عبادة: يا نبي الله إن معي خمسمائة رجل من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي فاستظهر بهم على العدو، فنزلت هذه الآية (٢) وهذا دليل على عدم جواز الاستعانة بهم في القتال. ٢- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧] . وجه الدلالة: أن هذه الآية وغيرها من الآيات التي تنهي عن مولاة الكفار تضمنت المنع من التأييد والانتصار بالمشركين (٣) . ٣- عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ خرج إلى بدر فتبعه رجل من المشركين فقال: (أتؤمن بالله ورسوله، قال: لا قال: فارجع فلن استعين بمشرك) (٤) . وجه الدلالة: أن الحديث جاء عام في كل مشرك، فلا يجوز الاستعان بهم في قتال العدو. ٤- أن الكافر لا يؤمن مكره وغائلته لخبث طويته فلا يستعان به (٥) . ونوقش الاستدلال بهذه الأدلة بما يلي:

стр. 352

١- أن أدلة المنع من الاستعانة بالكفار كانت في بدر، ثم رخص في الاستعانة بهم بعد ذلك (١) . ويمكن الجواب عن هذا: بأن الأصل المنع، وهو باق لعدم الدليل على الرخصة. ٢- أما حديث عائشة ﵂ فإن الذي رده النبي ﷺ يوم بدر تفرس فيه الرغبة في الدخول في الإسلام، فرده رجاء أن يسلم، وقد صدق ظنه وأسلم (٢) . والجواب عن هذا: بأن الحديث قوي وعام فلا دليل يمانعه، ولا مخصص يخصصه (٣) وإن وجد حالات استعانة بالكفار فهي محمولة على الضرورة. القول الثاني: يجوز الاستعانة بالكفار في قتال العدو، وبهذا قال الحنفية، وشرطوا: أن يكون حكم الإسلام هو الغالب (٤) والشافعية، وشرطوا: أن يعرف الإمام حسن رأيهم في المسلمين، ويأمن خيانتهم (٥) ورواية عند الحنابلة (٦) . واستدلوا بما يلي: ١- عن ابن عباس ﵄ قال: (استعان رسول الله ﷺ بيهود قينقاع (٧) فرضخ لهم (٨) ولم يسهم لهم) (٩) .

стр. 353

ونوقش هذا: بأن الحديث ضعيف، ولو صح فهو محمول على الاستعانة بهم للضرورة (١) . ٢- ماروي (أن صفوان بن أمية (٢) شهد حنينا مع النبي ﷺ وهو مشرك) (٣) . ونوقش هذا: بأن صفوان خرج دون أن يطلب أحد منه الخروج (٤) . ٣- إن الاستعانة بالكفار على الكفار زيادة كبت وغيظ لهم، والاستعانة بهم كالاستعانة بالكلاب على الكفار (٥) . ويمكن مناقشة هذا: بأن الكافر لا يؤمن مكره وخداعة وفي هذا ضرر على المجاهدين وكشف لأسرارهم. الترجيح الذي يظهر أن القول بتحريم الاستعانة بالكفار في قتال العدو من غير ضرورة، هو الراجح للأدلة الصحيحة في النهي عن الاستعانة بالكفار، وما ورد في الاستعانة بالكفار محمول على الضرورة، والله أعلم.

стр. 354

المجلد الثاني المطلب الثاني في بدء المعركة والالتحام مع العدو وفيه أحد عشر فرعا: الفرع الأول: الدعاء والتكبير. الفرع الثاني: علاقة القادة بالجند واتباع الخطط المرسومة. الفرع الثالث: الفرار من الزحف. الفرع الرابع: قتل المشارك في الحرب من العدو. الفرع الخامس: قتل من لم يشارك في الحرب من العدو. الفرع السادس: قتل المجاهد قريبه الكافر. الفرع السابع: قتل العدو إذا تترسوا بالنساء والأطفال، أو بأسرى الحرب من المسلمين. الفرع الثامن: الاعتداء على أعراض العدو. الفرع التاسع: المثلة بموتى العدو. الفرع العاشر: إقحام المجاهد نفسه فيما يغلب على ظنه أن فيه الهلكة. الفرع الحادي عشر: استسلام المجاهد للأسر.

стр. 355

الفرع الأول الدعاء والتكبير أولا: الدعاء عند لقاء العدو: المؤمن دائم الصلة بربه يدعوه في السراء والضراء وحين البأس، استجابة لأمر الله في قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٥٩] . وعند لقاء العدو الحاجة ماسة إلى الدعاء واستنصار الله على الأعداء، والاستجابة أقرب وأسرع، قال النووي: وقد اتفقوا على استحبابه (١) . قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٠، ٢٥١] . وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآَتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧، ١٤٨] . وكان ﷺ إذا لقي العدو وقف ودعاه واستنصر الله (٢) . ومن ذلك ما جاء عن ابن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب ﵁ قال: (لما كان يوم بدر (٣) نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه، اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما
следующие страницы →