← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1933

أحكام المجاهد بالنفس في سبيل الله عز وجل في الفقه الإسلامي

مرعي الشهري

Полный текст (646 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

جاء في سبب نزول هذه الآية: أن عبادة بن الصامت (١) ﵁ كان له حلفاء من اليهود، فلما خرج النبي ﷺ يوم الأحزاب قال عبادة: يا نبي الله إن معي خمسمائة رجل من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي فاستظهر بهم على العدو، فنزلت هذه الآية (٢) وهذا دليل على عدم جواز الاستعانة بهم في القتال. ٢- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧] . وجه الدلالة: أن هذه الآية وغيرها من الآيات التي تنهي عن مولاة الكفار تضمنت المنع من التأييد والانتصار بالمشركين (٣) . ٣- عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ خرج إلى بدر فتبعه رجل من المشركين فقال: (أتؤمن بالله ورسوله، قال: لا قال: فارجع فلن استعين بمشرك) (٤) . وجه الدلالة: أن الحديث جاء عام في كل مشرك، فلا يجوز الاستعان بهم في قتال العدو. ٤- أن الكافر لا يؤمن مكره وغائلته لخبث طويته فلا يستعان به (٥) . ونوقش الاستدلال بهذه الأدلة بما يلي:

стр. 352

١- أن أدلة المنع من الاستعانة بالكفار كانت في بدر، ثم رخص في الاستعانة بهم بعد ذلك (١) . ويمكن الجواب عن هذا: بأن الأصل المنع، وهو باق لعدم الدليل على الرخصة. ٢- أما حديث عائشة ﵂ فإن الذي رده النبي ﷺ يوم بدر تفرس فيه الرغبة في الدخول في الإسلام، فرده رجاء أن يسلم، وقد صدق ظنه وأسلم (٢) . والجواب عن هذا: بأن الحديث قوي وعام فلا دليل يمانعه، ولا مخصص يخصصه (٣) وإن وجد حالات استعانة بالكفار فهي محمولة على الضرورة. القول الثاني: يجوز الاستعانة بالكفار في قتال العدو، وبهذا قال الحنفية، وشرطوا: أن يكون حكم الإسلام هو الغالب (٤) والشافعية، وشرطوا: أن يعرف الإمام حسن رأيهم في المسلمين، ويأمن خيانتهم (٥) ورواية عند الحنابلة (٦) . واستدلوا بما يلي: ١- عن ابن عباس ﵄ قال: (استعان رسول الله ﷺ بيهود قينقاع (٧) فرضخ لهم (٨) ولم يسهم لهم) (٩) .

стр. 353

ونوقش هذا: بأن الحديث ضعيف، ولو صح فهو محمول على الاستعانة بهم للضرورة (١) . ٢- ماروي (أن صفوان بن أمية (٢) شهد حنينا مع النبي ﷺ وهو مشرك) (٣) . ونوقش هذا: بأن صفوان خرج دون أن يطلب أحد منه الخروج (٤) . ٣- إن الاستعانة بالكفار على الكفار زيادة كبت وغيظ لهم، والاستعانة بهم كالاستعانة بالكلاب على الكفار (٥) . ويمكن مناقشة هذا: بأن الكافر لا يؤمن مكره وخداعة وفي هذا ضرر على المجاهدين وكشف لأسرارهم. الترجيح الذي يظهر أن القول بتحريم الاستعانة بالكفار في قتال العدو من غير ضرورة، هو الراجح للأدلة الصحيحة في النهي عن الاستعانة بالكفار، وما ورد في الاستعانة بالكفار محمول على الضرورة، والله أعلم.

стр. 354

المجلد الثاني المطلب الثاني في بدء المعركة والالتحام مع العدو وفيه أحد عشر فرعا: الفرع الأول: الدعاء والتكبير. الفرع الثاني: علاقة القادة بالجند واتباع الخطط المرسومة. الفرع الثالث: الفرار من الزحف. الفرع الرابع: قتل المشارك في الحرب من العدو. الفرع الخامس: قتل من لم يشارك في الحرب من العدو. الفرع السادس: قتل المجاهد قريبه الكافر. الفرع السابع: قتل العدو إذا تترسوا بالنساء والأطفال، أو بأسرى الحرب من المسلمين. الفرع الثامن: الاعتداء على أعراض العدو. الفرع التاسع: المثلة بموتى العدو. الفرع العاشر: إقحام المجاهد نفسه فيما يغلب على ظنه أن فيه الهلكة. الفرع الحادي عشر: استسلام المجاهد للأسر.

стр. 355

الفرع الأول الدعاء والتكبير أولا: الدعاء عند لقاء العدو: المؤمن دائم الصلة بربه يدعوه في السراء والضراء وحين البأس، استجابة لأمر الله في قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٥٩] . وعند لقاء العدو الحاجة ماسة إلى الدعاء واستنصار الله على الأعداء، والاستجابة أقرب وأسرع، قال النووي: وقد اتفقوا على استحبابه (١) . قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٠، ٢٥١] . وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآَتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧، ١٤٨] . وكان ﷺ إذا لقي العدو وقف ودعاه واستنصر الله (٢) . ومن ذلك ما جاء عن ابن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب ﵁ قال: (لما كان يوم بدر (٣) نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه، اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما

стр. 356

وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] فأمده الله بالملائكة) (١) . فينبغي للمجاهد في سبيل الله أن يقتدي برسول الله ﷺ في الدعاء عند القتال (٢) وأن يخلص في الدعاء وليبشر بسرعة الإجابة والنصر على الأعداء مهما كان عددهم وعدتهم. ثانيا: التكبير عند لقاء العدو. يستحب التكبير عند لقاء العدو (٣) . يدل على ذلك ما جاء عن أنس ﵁ قال: صبح النبي ﷺ خيبر وقد خرجوا بالمساحي على أعناقهم، فلما رأوه قالوا: محمد والخميس محمد والخميس (٤) فلجئوا إلى الحصن، فرفع النبي ﷺ يديه وقال: (الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين..) (٥) .

стр. 357

وجه الدلالة من الحديث قوله ﷺ (الله أكبر خربت خيبر) فهذا دليل على مشروعية التكبير (١) عند لقاء العدو. ولأن ذكر الله فيه طمأنينة للنفوس المؤمنة، ورهبة في النفوس الكافرة. وبهذا يتقرر أن الإيمان بالله والتوكل عليه وطلب النصر منه على العدو والثقة بأن الله ناصر عباده المؤمنين، أعظم وأقوى سلاح للمؤمن المجاهد في مواجهة العدو، وهذا سر انتصار المسلمين على العدو في مواطن كثيرة رغم كثرة العدو عددا وعدة وقدرة على القتال، كما حصل في بدر وغيرها. قال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] . فعلى المجاهدين في سبيل الله أن لا ينبهروا بما وصل إليه الأعداء من أنواع الأسلحة المدمرة في هذا العصر، والجيوش الجرارة فيخافوا ويستسلموا وإنما عليهم إعداد العدة المادية مقرونة بالإيمان بالله والتوكل عليه وطلب النصر منه وحده، وهم بذلك سينتصرون على قوى الشر مهما عظمت بإذن الله، والله أعلم. الفرع الثاني علاقة القادة بالجند واتباع الخطط المرسومة الترابط بين القادة والجند واتباع الخطط المرسومة من الأمور المهمة في تحقيق النصر على العدو بعد توفيق الله تعالى. ولبيان هذه العلاقة ينبغي أن نذكر - بشيء من الإيجاز - بعض ما يجب على القائد نحو جنده، والعكس فيما يلي:

стр. 358

أولا: في جانب القائد: ١- يجب على القائد تقوى الله وحماية نفسه وجنده من الوقوع في المعاصي صغيرها وكبيرها، والحرص على فعل الطاعات من الفرائض، والنوافل. عن بريدة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أمرَّ أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرا) (١) . ٢- يجب على القائد أن يتحرى العدل في التعامل مع جنده (٢) . يدل على ذلك: أ- قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] . فالعدل مأمور به والقادة يدخلون في الأمر. ب- عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (إن المقسطين عند الله على منابر عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا) (٣) . فمن أقام العدل بين جنوده ملكهم، وتألف قلوبهم، وترابطوا أجساما وقلوبا وسمعا وطاعة، ونفذوا كل ما يطلب منهم، وبالعكس تنكسر قلوبهم وينحل ترابطهم فيخذلونه عند الحاجة إليهم (٤) .

стр. 359

٣- ينبغي للقائد مشاورة أهل الرأي منهم (١) . قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ... [آل عمران: ١٥٩] . ففي المشورة تطييبا لقلوبهم (٢) واستفادة من خبراتهم في القتال. ٤- الاهتمام بشئون الجند ومراعاتهم، والرفق بهم، والمحافظة على أرواحهم فلا يعرضهم لما فيه الهلاك (٣) . وإذا شعر الجند بهذا الاهتمام من القائد كانت العلاقة بينهم وبين قائدهم أكثر ترابطًا وقوةً، وكانوا لتنفيذ الأوامر الصادرة لهم من قائدهم أسرع وأتقن. ثانيا: في جانب الجند: ١- يلزم الجند طاعة قائدهم ما لم يأمرهم بمعصية (٤) يدل على ذلك ما يلي: أ- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] . فالأمر في الآية عام لجميع المؤمنين ومنهم الجند مع القائد. ب- عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني) (٥) . ج- عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «السمع والطاعة حق ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» (٦) .

стр. 360

ومما تقدم يتضح أن طاعة القائد واجبة ما لم يأمر بمعصية، وبطاعته يتحقق النصر بإذن الله ويسير الجند على الخطط المرسومة من قبل القادة. وعدم طاعة القائد وعدم الالتزام بالخطط المرسومة منه تؤدي إلى الهزيمة والفوضى في صفوف الجند فيسهل على العدو تمزيقهم والقضاء عليهم. وما أصاب المسلمين في غزوة أحد أقوى دليل على خطورة معصية القائد، وعدم اتباع الخطط المرسومة منه، حيث خالف الرماة أمر النبي ﷺ فظهر المشركون على المسلمين وقتلوا منهم سبعين قتيلا (١) . ٢- ومما يلزم الجند النصح للقائد (٢) . يدل على ذلك ما جاء عن تميم الداري (٣) ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الدين النصيحة قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) (٤) . وجه الدلالة: أن قائد الجند داخل في أئمة المسلمين فيجب النصح له، ولأنهم بنصحه ينصحون للمسلمين، ولأنه يدافع عنهم فإذا نصحوه كثر دفعه عنهم (٥) . فإذا تحققت هذه الأمور بين القائد والجند حصل الترابط والتآلف بينهم، وساد الاحترام، وعرف كل منهم ما يجب عليه، ومن ثم يكون النصر حليفهم والتفوق على العدو نصيبهم، بإذن الله ، والله أعلم.

стр. 361

الفرع الثالث الفرار من الزحف (١) للمجاهدين في سبيل الله مع العدو عند اللقاء حالتان: الحالة الأولى: أن يكون العدو مثلي عدد المجاهدين أو أقل (٢) . الحالة الثانية: أن يكون العدو أكثر من مثلي عدد المجاهدين. فأما الحالة الأولى: إذا كان العدو مثلي عدد المجاهدين أو أقل فإنه يجب على المجاهدين في سبيل الله الثبات ويحرم الفرار من العدو إلا في حالة التحرف (٣) لقتال أو التحيز (٤) إلى فئة من المسلمين، وبهذا قال عامة الفقهاء (٥) ونقل بعضهم الاتفاق على ذلك.

стр. 362

جاء في حاشية الروض المربع: (اتفقوا على أنه إذا التقى الزحفان وجب على المسلمين الحاضرين وحرم عليهم الانصراف والفرار) (١) . واستدلوا بما يلي: ١- قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٥، ١٦] . فالله سبحانه حرم على المؤمنين إذا لقوا العدو الانهزام والإدبار عنهم إلا لتحرف إلى قتال، أو تحيز إلى فئة من المسلمين، فمن أدبر بعد الزحف بغير نية التحريف، أو التحيز فقد استوجب من الله وعيده، إلا أن يعفو عنه (٢) . ٢- قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥] . والمراد: إذا لقيتم جماعة من أهل الكفر فاثبتوا لقتالهم، ولا تنهزموا عنهم ولا تولوهم الأدبار هاربين، وادعوا الله بالنصر عليهم (٣) . ٣- عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات (٤) وذكر منها التولي يوم الزحف) (٥) . وجه الدلالة: أن النبي ﷺ عد الفرار من الزحف من الكبائر (٦) فدل على شدة حرمة الفرار من الزحف.

стр. 363

الحالة الثانية: أن يكون العدو أكثر من مثلي المجاهدين. وفي هذه الحالة، إن غلب على ظن المجاهدين في سبيل الله الظفر بالعدو إذا ثبتوا لزمهم الثبات مهما كان عدد العدو للأدلة السابقة من الكتاب والسنة التي توجب الثبات عند لقاء العدو (١) ولما في ذلك من المصلحة للأمة (٢) . وإن غلب على ظنهم الهلاك جاز لهم الفرار، وبهذا قال عامة الفقهاء (٣) . واستدلوا بما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (٦٥) الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٥-٦٦] . وجه الدلالة من الآيات: أنه في أول الإسلام كان فرض على الواحد من المجاهدين قتال عشرة من الكفار ثم خفف فأصبح فرض الواحد اثنين (٤) فإن زاد العدو على الضعف لم يعد فرض عليه المصابرة وجاز له الفرار. ٢- قال تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] .

стр. 364

وجه الدلالة من الآية: أن بقاء المجاهدين في وجه العدو مع غلبة الظن أنهم يهلكون مدعاة إلى استئصال المجاهدين وهلاكهم دون تأثير في العدو، فيدخل ذلك تحت عموم النهي عن إلقاء النفس إلى التهلكة. ٣- عن ابن عباس ﵄ قال: (إن فر رجل من اثنين فقد فر وإن فر من ثلاثة لم يفر) (١) . وجه الدلالة: أن الفرار من الضعف لا يجوز فإن زاد عدد العدو على ضعف المجاهدين جاز واستثنى الحنفية (٢) والمالكية (٣) من جواز الفرار من الزحف ما إذا كان عدد المجاهدين اثنا عشر ألفا فأكثر، فإنه لا يجوز الفرار من الزحف مهما كان عدد العدو على أن تكون كلمة المجاهدين واحدة ومعهم السلاح. واستدلوا بحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة» (٤) .

стр. 365

والمراد لن يغلب لقلة العدد، وإن كان قد يغلب لأمر آخر، كالعجب بكثرة العدد، كما حصل للمسلمين في حنين (١) . ونوقش بأن المراد لا يغلب اثنا عشر ألفا من قلة بالنسبة لزمن النبي ﷺ فاثنا عشر ألفا في ذلك الزمن يعتبرون في حد الكثرة، ولذلك ضمن له النصر إذا صحت النيات (٢) . وذهب ابن حزم إلى أنه لا يجوز الفرار مطلقا ولو كثر العدو إلا أن يكون متحيزا إلى جماعة المسلمين أو ينوى الكر إلى القتال (٣) . واستدل بظاهر قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٥، ١٦] . ويمكن مناقشة ما أطلقه ابن حزم، بأن ذلك مقيد بما استدل به الجمهور من كون فرض المجاهد أن يصابر مثليه من العدو، فإن زادوا عن الضعف وظن الهلاك فله الفرار. الترجيح الذي يظهر أن الراجح قول عامة الفقهاء أنه يجوز الفرار من الزحف إذا كان العدو أكثر من مثلي المجاهدين سواء كان عدد المجاهدين اثنا عشر ألفا أو أكثر أو أقل إذا غلب على ظنهم إن ثبتوا الهلاك دون تأثير في العدو، وكان ذلك في جهاد الطلب، وإن ثبتوا جاز لهم ذلك لنيل الشهادة في سبيل الله مقبلين غير مدبرين، ولربما انتصروا، قال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] . والله أعلم.

стр. 366

الفرع الرابع قتل المشارك في الحرب من العدو اتفق الفقهاء رحمهم الله تعالى أن كل من شارك في القتال من العدو أنه يقتل سواء كان من أهل القتال أم من غيرهم (١) . فأما أهل القتال من العدو فيجوز قتلهم مطلقا سواء شاركوا في القتال أم لم يشاركوا. جاء في بدائع الصنائع (كل من كان من أهل القتال يحل قتله سواء قاتل أم لم يقاتل) (٢) . وأهل القتال من العدو هم: الذكران، البالغون، القادرون على القتال. جاء في بداية المجتهد: (يجوز في الحرب قتل المشركين، الذكران البالغين المقاتلين، وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين) (٣) . وجاء في الكافي (يقتل الرجال المقاتلة وغير المقاتلة إذا كانوا بالغين) (٤) . والأدلة على جواز قتلهم مطلقا ما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] . وجه الدلالة: أن الآية عامة في كل مشرك إلا ما استثناه الدليل على ما سيأتي. ٢- قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] .

стр. 367

وجه الدلالة: أن الآية عامة في أن كل من يقاتل من العدو يقتل. ٣- عموم قوله ﷺ فيما رواه أنس ﵁ (جاهدوا المشركين بأموالكم، وأنفسكم، وألسنتكم) (١) . وأما من ليس أهلا للقتال من العدو كالنساء والصبيان والعجزة ومن في حكمهم (٢) فإنهم إذا اشتركوا في القتال بالفعل أو الرأي أو التحريض على القتال، فإنه يجوز قتلهم باتفاق الفقهاء (٣) . جاء في كشاف القناع: (لا نعلم خلافا أن من قاتل ممن ليس أهلا للقتال فإنهم يقتلون) (٤) . وجاء في بدائع الصنائع: (وكل من لم يكن من أهل القتال لا يحل قتله إلا إذا قاتل حقيقة، أو معنى بالرأي، والطاعة، والتحريض) (٥) . والأدلة على جواز قتلهم ما يلي: ١- أن دريد الصمة (٦) قتل يوم حنين، وهو شيخ كبير لا قتال فيه، وقد خرجوا به يتيمنون به، ويستعينون برأيه (فلم ينكر النبي ﷺ قتله) (٧) .

стр. 368

فدل على أن من شارك في القتال من العدو ولو بالرأي يجوز قتله، لأن الرأي من أعظم المعونة في الحرب (١) . ٢- أن النبي ﷺ (أمر بقتل امرأة (٢) من بني قريظة ألقت رحا على خلاد بن سويد (٣) فقتلته) (٤) . الفرع الخامس قتل من لم يشارك في القتال من العدو الذي لا يشارك في القتال من العدو، له حالتان: الحالة الأولى: أن يكون من أهل القتال، وهم الرجال، البالغون القادرون على القتال، وقد سبق بيان أنهم يقتلون مطلقا ولو لم يشاركوا، لعموم الأدلة من الكتاب والسنة على جواز قتلهم، واتفاق الفقهاء على ذلك (٥) . الحالة الثانية: أن يكون من غير أهل القتال كالنساء، والصبيان، والعجزة ومن في حكمهم.

стр. 369

فأما النساء والصبيان فلا خلاف فيما أعلم على أنه لا يجوز قتلهم إذا لم يشاركوا في القتال (١) . جاء في بداية المجتهد: (ولا خلاف بين المسلمين أنه لا يجوز قتل نسائهم ولا صبيانهم ما لم يقاتل الصبي والمرأة) (٢) . وقال النووي: (أجمع العلماء على تحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا) (٣) . يدل على ذلك ما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] . وجه الدلالة: أن النساء والصبيان ليسوا من أهل القتال فلا يقاتلون إذا لم يقاتلوا (٤) . ٢- عن ابن عمر ﵄ قال: (وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله ﷺ فنهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء، والصبيان) (٥) . وجه الدلالة: أن النبي ﷺ نهى عن قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا والنهي يقتضي التحريم.

стр. 370

٣- عن بريدة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال: (اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا) (١) . الشاهد في الحديث قوله (ولا تقتلوا وليدا) فهذا نهى عن قتل الصبيان والنهى يقتضي تحريم ذلك إذا لم يشاركوا في القتال. وأما غير النساء والصبيان ممن ليس أهلا للقتال من العدو ولم يشارك في القتال. كالشيخ الفاني (٢) والراهب (٣) وأقطع اليد والرجل، والزمن (٤) والأجير وصاحب الحرفة (٥) فقد اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في جواز قتلهم إلى قولين: القول الأول: لا يجوز قتلهم وبه قال جمهور الفقهاء (٦) . واستدلوا بما يلي:

стр. 371

١- عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله، ولا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا ولا صغيرا ولا امرأة..) (١) . فقوله ﷺ (ولا تقتلوا شيخا فانيا) فيه نهي عن قتله والنهي يقتضي التحريم، والمقعد، والزمن ومقطوع اليدين والرجلين في معنى الشيخ الفاني، لأنه لا ضرر منهم على المسلمين فهم كالنساء والصبيان وليس لهم قدرة على القتال (٢) . ٢- عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث جيوشه قال: (اخرجوا بسم الله، تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، ولا تغدروا.. ولا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب الصوامع) (٣) . ففي الحديث نهى عن قتل أصحاب الصوامع، وهم: الرهبان لأنهم قصروا أنفسهم على العبادة ولم يحاربوا بفعل ولا رأي ولا تحريض ولا مال (٤) . وشرط الحنفية في عدم قتلهم أن لا يخالطوا الناس، فإن خالطوا الناس فلا بأس بقتلهم (٥) .

стр. 372

٣- عن حنظلة الكاتب (١) ﵁ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ فمررنا على امرأة مقتولة قد اجتمع عليها الناس، فأفرجوا له فقال: (ما كانت هذه تقاتل فيمن يقاتل) ثم قال لرجل: انطلق إلى خالد بن الوليد فقل له: إن رسول الله ﷺ يأمرك يقول: «لا تقتلن ذرية ولا عسيفا» (٢) . ففي هذه الحديث نهى الرسول ﷺ عن قتل العسيف وهو الأجير على حفظ الدواب لأنه من المستضعفين لا الأجير على القتال (٣) . ٤- عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «اتقوا الله في الفلاحين فلا تقتلوهم إلا أن ينصبوا لكم الحرب» (٤) . ٥- وعن جابر ﵁ قال: (كانوا لا يقتلون تجار المشركين) (٥) .

стр. 373

القول الثاني: أنه يجوز قتلهم. وهذا الأظهر عند الشافعية (١) وقول ابن حزم (٢) . واستدلوا بما يلي: ١- عموم قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥] . وجه الدلالة: أن قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ عام في كل مشرك (٣) والراهب، والأجير ونحوه ممن ذكر لا يخرجون عن المشركين فيجوز قتلهم. ونوقش هذا الاستدلال: بأن هذا العموم مخصوص بما ذكر من السنة في النهي عن قتل الراهب، والشيخ الفاني، والعسيف والمرأة والصبي ونحو ذلك (٤) . ٢- عن سمرة بن جندب (٥) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم (٦) » (٧) .

стр. 374

ونوقش هذا: بأن المراد بالشيوخ الذي أمر بقتلهم هم الذين فيهم قوة على القتال، أو المعونة عليه برأي أو تدبير، والذين نهى عن قتلهم هم الذين لم يبق فيهم نفع للكفار، ولا مضرة على المسلمين، جمعا بين الأحاديث (١) . الترجيح الذي يظهر أن قول الجمهور في عدم جواز قتلهم إذا لم يشاركوا في المعركة بأي وجه من وجوه المشاركة هو الراجح، لما ذكر من الأدلة في النهي عن قتلهم، ولأن هدف الجهاد إعلاء كلمة الله فيقاتل من يمنع إعلاءها ومن ليس كذلك فلا يقاتل. والله أعلم. الفرع السادس قتل المجاهد قريبه الكافر اتفق الفقهاء رحمهم الله تعالى - فيما أعلم - على جواز قتل المجاهد قريبه الكافر في المعركة وابتدائه بالقتل دون كراهة إذا اضطره إلى ذلك بأن قصده ليقتله (٢) ؛ لأن ذلك من ضرورات الدفع عن النفس (٣) . أما إن لم يقصده ليقتله فلا يخلو القريب الكافر أن يكون والدا للمجاهد، أو ابنا، أو غيرهما من الأقارب. فإن كان والدا للمجاهد، فقد ذهب الحنفية (٤) والشافعية (٥) إلى أن يكره ابتداؤه بالقتل، وقال المالكية (٦) لا يقتل المسلم أباه المشرك، إلا أن يضطره إلى ذلك.

стр. 375

واستدلوا بما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] . وجه الدلالة: أن الله أمر بمصاحبة الوالدين الكافرين بالمعروف وابتداؤهم بالقتل ليس من المصاحبة بالمعروف (١) . ٢- ما جاء في سنن البيهقي أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: (إني لقيت أبي، فتركته، وأحببت أن يليه غيري، فسكت عنه) (٢) . وجه الدلالة من الحديث: أن سكوت النبي ﷺ عن الصحابي الذي ترك قتل أبيه في المعركة ليتولاه غيره دليل على جواز ذلك، وأن خلافه مكروه. وذهب الحنابلة إلى جواز القتل مطلقا (٣) . جاء في الفروع: (وله في المعركة قتل أبيه وابنه) (٤) . واستدلوا بأن أبا عبيدة بن الجراح ﵁ قتل أباه يوم بدر (٥) فأنزل الله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] .

стр. 376

ونوقش الاستدلال: بأن والد أبي عبيدة ذكر الله تعالى بسوء وسب الرسول ﷺ فقتله وفي هذه الحالة يجوز قتله بلا كراهة (١) . والذي يظهر في هذه الحالة أن قول الجمهور هو الراجح، أنه لا يجوز ابتداءه بالقتل إذا لم يضطره إلى ذلك، لما سبق من الأدلة، والله أعلم. وإن كان ابنا للمجاهد فقد ذهب الشافعية إلى أنه يكره ابتداءه بالقتل، ككراهية ابتداء الابن لأبيه الكافر (٢) . ولأن النبي ﷺ كف أبا بكر عن قتل ابنه عبد الرحمن يوم أحد (٣) . وذهب الحنفية إلى أنه يجوز ابتداءه بالقتل دون كراهة (٤) وهذا قول الحنابلة بناء على إطلاقهم جواز قتل الابن أبيه والعكس (٥) . واستدل الحنفية: بأنه لا يجب على الوالد إحياء ابنه بالنفقة إلا إذا كان مسلما (٦) ، ويمكن أن يستدل للحنابلة، بما سبق من قتل أبي عبيدة لوالده (٧) . ووجه الدلالة: أنه إذا جاز قتل الابن لأبيه الكافر دون كراهه فالعكس من باب أولى أنه يجوز. الترجيح الذي يظهر أن ما ذهب إليه الشافعية من كراهة ابتدائه بالقتل هو الراجح لوجاهة استدلالهم ولأن عاطفة الأبوة قد تؤثر على الأب حين يقتل ابنه فيحدث له من الحزن والهم ما هو أعظم مما لو ترك غيره يباشره بالقتل، لاحتمال أنه ينجو من القتل في المعركة، ثم يهديه الله للإسلام فيقر الله به عين والده، والله أعلم.

стр. 377

أما إن كان قريب المجاهد غير الوالد والابن. فقد ذهب الحنفية (١) والحنابلة بناء على قولهم أنه يجوز القتل بين الأقارب مطلقا (٢) وقول عند الشافعية (٣) إلى أنه يجوز ابتداؤهم بالقتل دون كراهة؛ لأنهم في ذلك كغيرهم من الأجانب (٤) . وقال الشافعية في قول آخر عندهم (٥) أنه يكره قتلهم حتى يتراخى نسبهم ويبعد. قال الماوردي (٦) والذي عندي أنه ينظر لحالهم بعد ذوي المحارم، فإن كان ممن يرث بنسبه ويورث، كره له قتلهم لقوة نسبهم وتأكد حرمتهم، وإن كان ممن لا يرث ولا يورث لم يكره، وإن عمد إلى قتل أحدهم فلا حرج عليه (٧) . والذي ذكره الماوردي رحمه الله تعالى هو الأقرب إلى الرجحان لأن الشفقة على القريب قد تحمل المجاهد إلى أن يضعف عن الجهاد في سبيل الله والله أعلم.

стр. 378

الفرع السابع قتل العدو إذا تترسوا بالنساء والأطفال منهم أو بأسرى الحرب من المسلمين وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قتل العدو إذا تترسوا بنسائهم وأطفالهم . المسألة الثانية: قتل العدو إذا تترسوا بأسرى الحرب من المسلمين. المسألة الأولى قتل العدو إذا تترسوا بنسائهم وأطفالهم اتفق الفقهاء (١) رحمهم الله تعالى - فيما أعلم - أنه في حال تترس العدو بنسائهم وأطفالهم في حال التحام القتال وخيف منهم على المسلمين. أنهم يقاتلون ويرمون بآلات الرمي المختلفة وإن أدى ذلك إلى قتل نسائهم وأطفالهم، ولكن يتوقى ضرب النساء، والأطفال ما أمكن. والأدلة على ذلك ما يلي: ١- عن ابن عمر ﵄ (أن النبي ﷺ أغار علي بني المصطلق وهم غارون) (٢) .

стр. 379

وجه الدلالة من الحديث: أن النساء والأطفال لم يمنعوا النبي ﷺ من شن الغارات على بني المصطلق (١) ، وفي حالة تترس العدو بهم في القتال أولى أن لا يمنعوا من قتلهم. ٢- عن الصعب بن جثامة ﵁ قال: سئل النبي ﷺ عن أهل الدار يبيتون من المشركين فيصاب من نسائهم وذراريهم قال: (هم منهم) (٢) . وجه الدلالة من الحديث: أن في تبييت العدو قد يصاب النساء والأطفال لضرورة عدم العلم بهم وتمييزهم (٣) فكذلك إذا تتراس العدو بالأطفال والنساء حال التحام القتال. ٣- ولأن ترك قتالهم إذا تترسوا بنسائهم وأطفالهم يؤدي إلى محظورين: الأول: ترك الجهاد في سبيل الله ومنع الظفر بهم وهزيمتهم. الثاني: التولي عنهم وهم مقبلون على قتالنا (٤) . أما إذا تترسوا بهم في غير التحام القتال، ولم يخف منهم على المسلمين فقد اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في قتالهم وتوجيه الرمي إليهم إلى قولين: القول الأول: أنه يجوز قتلهم ولو في غير التحام القتال، ولو لم يخف منهم على المسلمين. وبهذا قال الحنفية (٥) والحنابلة (٦) والشافعية على الراجح عندهم (٧) . واستدلوا بما يلي:

стр. 380

١- ما سبق من أدلة جواز قتالهم في حال التحام الحرب (١) . ٢- ولأن في ذلك تغليبا لإقامة فرض الجهاد في سبيل الله (٢) . ٣- ولأن النبي ﷺ في قتاله للكفار لم يكن يتحين بالرمي إليهم حال التحام الحرب (٣) . القول الثاني: يكف عنهم ولا يقاتلون وبهذا قال: المالكية (٤) وهو قول عند الشافعية (٥) . واستدلوا بما يلي: ١- أن النساء والأطفال حتى للغانمين فيتركون دون قتل لحق الغانمين (٦) . ونوقش بأن ذلك في السبي المغنوم، لأنهم أصبحوا غنيمة للمجاهدين، أما وهم في دار الحرب فهم تبع لرجالهم (٧) . ٢- ولأنه لا ضرورة تدعو إلى قتالهم (٨) لأنه لا خوف منهم على المسلمين وليس ذلك في حالة قتال. ونوقش بأن تركهم مدعاة إلى ترك الجهاد في سبيل الله، وهذا أمر لا يجوز (٩) . ٣-ولما سبق من عموم أدلة النهي عن قتال النساء والصبيان في القتال (١٠) .

стр. 381

ويمكن مناقشة هذا: بأن النهي ينصب على تعمدهم بالقتل إذا لم يشاركوا في القتال، أما في حالة التترس بهم فإنهم لا يقصدون بالقتل وإن قتلوا فذلك لضرورة القتال. الترجيح الذي يظهر رجحان القول الأول في أنه يجوز قتلهم، لقوة الأدلة، ولأن ترك العدو إذا تترسوا بنسائهم وأطفالهم مدعاة إلى قوتهم، وإعادة ترتيب صفوفهم ووصول المدد إليهم فيجوز قتالهم ويتوقى قتل النساء والأطفال ما أمكن، والله أعلم. المسألة الثانية قتل العدو إذا تترسوا بأسرى الحرب من المسلمين لا يخلو أن يكون التترس بأسرى الحرب من المسلمين حال التحام القتال والخوف منهم على المسلمين أو يكون في غير التحام القتال وعدم الخوف منهم على المسلمين. فأما إذا تترسوا بأسرى الحرب من المسلمين في حال التحام القتال وهم مقبلون على حرب المسلمين والمسلمون يخافونهم. فلا خلاف بين الفقهاء (١) رحمهم الله تعالى فيما أعلم أنه يجوز قتالهم ورميهم، ويتوقى المسلمون الذين تترسوا بهم قدر الإمكان لما يأتي: ١- الضرورة إلى قتالهم ورميهم لأن في ترك قتالهم ورميهم ضررا على المسلمين فقتلهم ورميهم استدفاعا لأكثر الضررين بأقلهما (٢) .

стр. 382

٢- ولأن ترك قتالهم ورميهم تعطيل للجهاد وأدبار عن العدو وهو مقبل على المسلمين وهذا لا يجوز (١) . أما إذا تترسوا بأسرى الحرب من المسلمين في غير التحام القتال، وعدم الخوف منهم على المسلمين فقد اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في جواز قتالهم ورميهم إلى قولين: القول الأول: لا يجوز قتالهم ورميهم. وبهذا قال المالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) والحسن بن زياد من الحنفية (٥) . واستدلوا بما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥] . وجه الدلالة: أن هذه الآية نزلت بعد الحديبية وقد كف الله المسلمين عن عدوهم في مكة لأجل المؤمنين المختلطين بهم، لأن المسلمين لو وطئوهم وقتلوهم حال القتال لأصابهم من ذلك معرة أي إثم، فدل على أن موجب الإثم هو قتل المؤمنين المختلطين بالعدو فلا يجوز فعله، بدليل أن المشركين لو تميزا على المؤمنين بمكة لسلط الله تعالى نبيه ﷺ والمؤمنين معه على العدو بالقتل والسبي (٦) . ونوقش هذا الاستدلال: بأن الآية لا دلالة فيها على التحريم، لأن أكثر ما فيها أن الله كف المسلمين عنهم، لأنه كان فيهم قوم مسلمون لم يأمن أصحاب النبي ﷺ لو

стр. 383

دخلوا مكة بالسيف أن يصيبوهم، وذلك إنما يدل على إباحة ترك رميهم والإقدام عليهم على وجه التخيير (١) . ويمكن الجواب: بأنه لا دليل على التخيير بين الفعل والترك، بل حمل الآية على الترك أولى لحرمة دم المسلم. ٢- أنه لا ضرورة لقتالهم ورميهم، والإقدام على قتل المسلم حرام، وترك قتل الكافر جائز فمراعاة جانب المسلم مقدم (٢) . القول الثاني: يجوز قتلهم ورميهم، وبهذا قال الحنفية (٣) ورواية عند الحنابلة على خلاف المذهب (٤) . واستدلوا بما يلي: ١- أن في ترك قتال العدو ورميهم إذا تترسوا بأسرى الحرب من المسلمين سدا لباب الجهاد فيتضرر المسلمون بذلك، وفي قتالهم ورميهم دفع الضرر بإلحاق ضرر خاص أولى (٥) . ويمكن مناقشة هذا: بأن ترك رمي العدو لحرمة رمي الترس المسلم عملية مؤقتة حتى يتميز العدو، فلا يؤدي ذلك إلى سد باب الجهاد. ٢- أنه إذا جاز رمي الكفار ومعهم أطفالهم ونسائهم ولو لم يكن هناك ضرورة وهو منهي عن قتلهم فكذلك رميهم ومعهم الأسرى من المسلمين.

стр. 384

ويمكن مناقشة هذا بأنه قياس مع الفارق، لأن حرمة المسلم أعظم من حرمة أطفال ونساء الكفار، لأن المسلم محقون الدم بحرمة الدين فلا يجوز قتله لغير ضرورة بخلاف نسائهم وأطفالهم فإنه قد حقن دمهم لأنهم غنيمة، وليسوا من أهل القتال. الترجيح الذي يظهر بعد عرض الأقوال ومناقشتها أن القول الأول القائل بعدم جواز قتال العدو ورميهم إذا تترسوا بأسرى المسلمين، ولم يكن هناك ضرورة لقتالهم ورميهم ولا حاجة ملحة تتنزل منزلة الضرورة هو القول الأقرب إلى الرجحان لما يأتي: ١- قوة ما استدلوا به. ٢- ولأن حرمة دم المسلم أعظم من قتل الكفار وخاصة أنه لا ضرورة إلى قتلهم، ولا يترتب على عدم قتلهم أذى للمسلمين ولا خوف عليهم من العدو. الفرع الثامن الاعتداء على أعراض العدو يحرم على المجاهد في سبيل الله معاشرة نساء الكفار قبل أسرهن، والحكم عليهن بالرق، وتوزيعهن على المقاتلين، ولا خلاف بين الفقهاء (١) رحمهم الله تعالى فيما أعلم، في ذلك وأنه كبيرة من كبائر الذنوب، لأن الأصل في الأبضاع التحريم (٢) ولا تحل إلا بطريقين: الطريق الأول: النكاح الشرعي. الطريق الثاني: ملك اليمين.

стр. 385

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المعارج: ٢٩-٣١] والمؤمنون: ٥-٧. فنساء أهل الحرب قبل استرقاقهن وتوزيعهن على المجاهدين يحرم معاشرتهن لعدم النكاح الشرعي وعدم ملك اليمين. وفعل ذلك زنا محرم مجمع على تحريمه (١) . قال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا﴾ ... [الإسراء: ٣٢] . أما إذا ملك المجاهد نساء الكفار بعد قسمة الغنيمة، فإنه يجوز له معاشرتهن بعد انقضاء عدتهن، لأنهن أصبحن ملك يمين (٢) . يدل على ذلك ما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المعارج: ٣٠] ، [المؤمنون: ٦] . ٢- عن أبي سعيد الخدري ﵁ (أن رسول الله ﷺ يوم حنين بعث جيشا إلى أوطاس (٣) فلقوا عدوا فقاتلوهم فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا فكأن ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله في ذلك ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] أي فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن) (٤) .

стр. 386

وبهذا يتبين أن سبي نساء الكفار واسترقاقهن عند قتال الكفار ثابت باتفاق الفقهاء، وأن للمجاهد معاشرتهن بعد ملكهن بقسمة الغنيمة، وانقضاء عدتهن. فإن قيل: هل يمكن تطبيق هذا الحكم في العصر الحاضر في القتال مع الكفار؟ فالجواب على ذلك يتطلب بحث المسائل الآتية: المسألة الأولى: تقسيم الغنائم في العصر الحاضر بين الغانمين. المسألة الثانية: رد نساء الكفار إليهم بعد الأسر. المسألة الثالثة: الاتفاقات بين المسلمين والكفار. المسألة الأولى تقسيم الغنائم في العصر الحاضر بين المجاهدين الغانمين الغنائم في هذا العصر لا تقسم بين الغانمين، وسيأتي بيان ذلك في الغنائم إن شاء الله. والذي يهم هنا أن الغنائم إذا لم تقسم بين المجاهدين الغانمين فإن نساء الكفار اللواتي يقعن في الأسر لا يجوز لأحد من المجاهدين وطئهن ولا معاشرتهن. لما سبق من أنه لا يجوز وطء نساء الكفار إلا بعد ملكهن بقسمة الغنائم وحيث لا قسمة للغنائم فلا ملك لنساء الكفار (١) . جاء في حاشية ابن عابدين: وكذا حكام هذا الزمان وأمراء الجيوش لا ينفلون ولا يقسمون الغنيمة، فإذا لم يوجد تنفيل ولا قسمة ولا شراء من أمير، فلا يحل الوطء بأي وجه أصلا (٢) .

стр. 387

المسألة الثانية رد نساء الكفار بعد الأسر اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في هذه المسألة: فذهب المالكية (١) إلى أن الإمام أو القائد يفعل بهن ما هو الأصلح من الفداء، أو الاسترقاق أو المن وإخلاء سبيلهن دون مقابل. وقال الحنفية (٢) لا يفادي بنساء الكفار، وإنما يسترقون لمنفعة المسلمين إلا في حال الضرورة فيجوز المفاداة بهن. وقال الشافعية (٣) والحنابلة (٤) يلزم استرقاقهن بمجرد السبي لفعل النبي ﷺ (٥) وبه قال ابن حزم (٦) . إلا أن الحنابلة أجازوا أن يفادى بهن أسارى المسلمين (٧) لأن النبي ﷺ فادى بالمرأة التي أخذها من سلمة بن الأكوع (٨) . والذي يظهر أن ترك الخيار للإمام، أو القائد هو الأولى وهو ما ذهب إليه المالكية لأن المصلحة قد تكون في فدائهن، أو المن عليهن دون فداء. جاء في تفسير المنار: إن رأى المسلمون أن المصلحة في رد السبايا إلى قومهن جاز ذلك، وربما وجب عملا بقاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد (٩) .

стр. 388

المسألة الثالثة الاتفاقات بين المسلمين والكفار إذا حصل اتفاقات بين المسلمين والكفار على أمور معينة مشروعة فإنه يجب الوفاء بها في حدود ما تضمنته الاتفاقات، لعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] . فلو حصل اتفاق بين المسلمين والكفار أنه لا سبي ولا استرقاق للنساء والأطفال وأنهم يعادون إلى أهليهم، كان ذلك ملزما للطرفين (١) . جاء في شرح السير الكبير (ولو شرطوا أي العدو أن لا نقتل أسراهم إذا أصبناهم فلا بأس بأن نأسرهم ويكونوا فيئا ولا نقتلهم وإن شرطوا لا نأسر منهم أحدا فليس لنا أن نأسرهم أو نقتلهم إلا أن تظهر الخيانة منهم. فحينئذ يكون هذا نقضا منهم للعهد فلا بأس أن نقتل أسراهم، وأن نأسرهم كما كان لنا ذلك قبل العهد) (٢) . وبعد بيان هذه المسائل الثلاثة بشيء من الاختصار يتضح أنه في هذا العصر لا يمكن تطبيق سبي النساء واسترقاقهن في حال القتال مع الكفار لعدم تقسيم الغنائم على المجاهدين، وللاتفاقات المبرمة التي تمنع الرق في أسرى الحروب وتلزم بتسليم الأسرى إلى دولهم، فإذا قسمت الغنائم على المجاهدين، ولم يكن هناك اتفاقات ملزمة بين المسلمين والكفار، فإن الحكم ثابت في جواز سبيهن واسترقاقهن باتفاق الفقهاء. والله أعلم.

стр. 389

الفرع التاسع المثلة (١) بموتى الكفار اتفق الفقهاء (٢) رحمهم الله تعالى - فيما أعلم - أنه لا يجوز التمثيل بموتى الكفار إذا لم يكن في التمثيل بهم مصلحة، أو معاملة بالمثل. والأدلة على ذلك ما يلي: ١- عن سمرة بن جندب ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة) (٣) . ٢- وعن بريدة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميرا على جيش أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: أغزو باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا..) (٤) . وجه الدلالة من الحديثين: أنه ﷺ نهى عن المثلة، والنهي يقتضي التحريم. أما إذا كان في التمثيل بموتى العدو مصلحة للمجاهدين، أو معاملة بالمثل بأن مثلوا بموتى المسلمين فإنه يجوز التمثيل بموتاهم بما تتحقق به المصلحة وذلك عملا بقاعدة المصلحة والمفسدة (٥) .

стр. 390

جاء في البحر الرائق: لا بأس بحمل رءوس الكفار إذا كان فيه غيظ للمشركين بأن كان المقتول من قواد المشركين (١) . وقد حمل عبد الله بن مسعود ﵁ رأس أبي جهل يوم بدر إلى النبي ﷺ ولم ينكر عليه النبي ﷺ ذلك (٢) . وفي المغني: يكره قطع رءوس الكفار ورميها في المنجنيق إلا إذا فعلوا ذلك لمصلحة جاز؛ لأن عمرو بن العاص ﵁ حين حاصر الإسكندرية (٣) ظفر برجل من المسلمين فأخذوا رأسه فجاء قومه عمرا مغضبين فقال لهم عمرو: خذوا رجلا منهم فاقطعوا رأسه فارموا به إليهم في المنجنيق ففعلوا ذلك فرمى أهل الإسكندرية رأس المسلم إلى قومه (٤) . وجاء في حاشية الدسوقي في جواز التمثيل بالكفار معاملة بالمثل: (وإذا مثلوا بمسلم جاز التمثيل بهم ولو بعد القدرة عليهم) (٥) . وقال الخطابي في معرض بيان النهي عن المثلة: (وهذا إذا لم يكن الكافر فعل مثل ذلك بالمقتول المسلم فإن مثل بالمقتول جاز أن يمثل به) (٦) . قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] . وبما سبق يتقرر أن الفقهاء أجازوا التمثيل بموتى العدو لمصلحة راجحة، أو معاملة بالمثل، وما عدا ذلك يبقى على عدم الجواز. والله أعلم.
следующие страницы →