← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1933

أحكام المجاهد بالنفس في سبيل الله عز وجل في الفقه الإسلامي

مرعي الشهري

Полный текст (646 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وبهذا يتبين أن سبي نساء الكفار واسترقاقهن عند قتال الكفار ثابت باتفاق الفقهاء، وأن للمجاهد معاشرتهن بعد ملكهن بقسمة الغنيمة، وانقضاء عدتهن. فإن قيل: هل يمكن تطبيق هذا الحكم في العصر الحاضر في القتال مع الكفار؟ فالجواب على ذلك يتطلب بحث المسائل الآتية: المسألة الأولى: تقسيم الغنائم في العصر الحاضر بين الغانمين. المسألة الثانية: رد نساء الكفار إليهم بعد الأسر. المسألة الثالثة: الاتفاقات بين المسلمين والكفار. المسألة الأولى تقسيم الغنائم في العصر الحاضر بين المجاهدين الغانمين الغنائم في هذا العصر لا تقسم بين الغانمين، وسيأتي بيان ذلك في الغنائم إن شاء الله. والذي يهم هنا أن الغنائم إذا لم تقسم بين المجاهدين الغانمين فإن نساء الكفار اللواتي يقعن في الأسر لا يجوز لأحد من المجاهدين وطئهن ولا معاشرتهن. لما سبق من أنه لا يجوز وطء نساء الكفار إلا بعد ملكهن بقسمة الغنائم وحيث لا قسمة للغنائم فلا ملك لنساء الكفار (١) . جاء في حاشية ابن عابدين: وكذا حكام هذا الزمان وأمراء الجيوش لا ينفلون ولا يقسمون الغنيمة، فإذا لم يوجد تنفيل ولا قسمة ولا شراء من أمير، فلا يحل الوطء بأي وجه أصلا (٢) .

стр. 387

المسألة الثانية رد نساء الكفار بعد الأسر اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في هذه المسألة: فذهب المالكية (١) إلى أن الإمام أو القائد يفعل بهن ما هو الأصلح من الفداء، أو الاسترقاق أو المن وإخلاء سبيلهن دون مقابل. وقال الحنفية (٢) لا يفادي بنساء الكفار، وإنما يسترقون لمنفعة المسلمين إلا في حال الضرورة فيجوز المفاداة بهن. وقال الشافعية (٣) والحنابلة (٤) يلزم استرقاقهن بمجرد السبي لفعل النبي ﷺ (٥) وبه قال ابن حزم (٦) . إلا أن الحنابلة أجازوا أن يفادى بهن أسارى المسلمين (٧) لأن النبي ﷺ فادى بالمرأة التي أخذها من سلمة بن الأكوع (٨) . والذي يظهر أن ترك الخيار للإمام، أو القائد هو الأولى وهو ما ذهب إليه المالكية لأن المصلحة قد تكون في فدائهن، أو المن عليهن دون فداء. جاء في تفسير المنار: إن رأى المسلمون أن المصلحة في رد السبايا إلى قومهن جاز ذلك، وربما وجب عملا بقاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد (٩) .

стр. 388

المسألة الثالثة الاتفاقات بين المسلمين والكفار إذا حصل اتفاقات بين المسلمين والكفار على أمور معينة مشروعة فإنه يجب الوفاء بها في حدود ما تضمنته الاتفاقات، لعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] . فلو حصل اتفاق بين المسلمين والكفار أنه لا سبي ولا استرقاق للنساء والأطفال وأنهم يعادون إلى أهليهم، كان ذلك ملزما للطرفين (١) . جاء في شرح السير الكبير (ولو شرطوا أي العدو أن لا نقتل أسراهم إذا أصبناهم فلا بأس بأن نأسرهم ويكونوا فيئا ولا نقتلهم وإن شرطوا لا نأسر منهم أحدا فليس لنا أن نأسرهم أو نقتلهم إلا أن تظهر الخيانة منهم. فحينئذ يكون هذا نقضا منهم للعهد فلا بأس أن نقتل أسراهم، وأن نأسرهم كما كان لنا ذلك قبل العهد) (٢) . وبعد بيان هذه المسائل الثلاثة بشيء من الاختصار يتضح أنه في هذا العصر لا يمكن تطبيق سبي النساء واسترقاقهن في حال القتال مع الكفار لعدم تقسيم الغنائم على المجاهدين، وللاتفاقات المبرمة التي تمنع الرق في أسرى الحروب وتلزم بتسليم الأسرى إلى دولهم، فإذا قسمت الغنائم على المجاهدين، ولم يكن هناك اتفاقات ملزمة بين المسلمين والكفار، فإن الحكم ثابت في جواز سبيهن واسترقاقهن باتفاق الفقهاء. والله أعلم.

стр. 389

الفرع التاسع المثلة (١) بموتى الكفار اتفق الفقهاء (٢) رحمهم الله تعالى - فيما أعلم - أنه لا يجوز التمثيل بموتى الكفار إذا لم يكن في التمثيل بهم مصلحة، أو معاملة بالمثل. والأدلة على ذلك ما يلي: ١- عن سمرة بن جندب ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة) (٣) . ٢- وعن بريدة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميرا على جيش أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: أغزو باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا..) (٤) . وجه الدلالة من الحديثين: أنه ﷺ نهى عن المثلة، والنهي يقتضي التحريم. أما إذا كان في التمثيل بموتى العدو مصلحة للمجاهدين، أو معاملة بالمثل بأن مثلوا بموتى المسلمين فإنه يجوز التمثيل بموتاهم بما تتحقق به المصلحة وذلك عملا بقاعدة المصلحة والمفسدة (٥) .

стр. 390

جاء في البحر الرائق: لا بأس بحمل رءوس الكفار إذا كان فيه غيظ للمشركين بأن كان المقتول من قواد المشركين (١) . وقد حمل عبد الله بن مسعود ﵁ رأس أبي جهل يوم بدر إلى النبي ﷺ ولم ينكر عليه النبي ﷺ ذلك (٢) . وفي المغني: يكره قطع رءوس الكفار ورميها في المنجنيق إلا إذا فعلوا ذلك لمصلحة جاز؛ لأن عمرو بن العاص ﵁ حين حاصر الإسكندرية (٣) ظفر برجل من المسلمين فأخذوا رأسه فجاء قومه عمرا مغضبين فقال لهم عمرو: خذوا رجلا منهم فاقطعوا رأسه فارموا به إليهم في المنجنيق ففعلوا ذلك فرمى أهل الإسكندرية رأس المسلم إلى قومه (٤) . وجاء في حاشية الدسوقي في جواز التمثيل بالكفار معاملة بالمثل: (وإذا مثلوا بمسلم جاز التمثيل بهم ولو بعد القدرة عليهم) (٥) . وقال الخطابي في معرض بيان النهي عن المثلة: (وهذا إذا لم يكن الكافر فعل مثل ذلك بالمقتول المسلم فإن مثل بالمقتول جاز أن يمثل به) (٦) . قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] . وبما سبق يتقرر أن الفقهاء أجازوا التمثيل بموتى العدو لمصلحة راجحة، أو معاملة بالمثل، وما عدا ذلك يبقى على عدم الجواز. والله أعلم.

стр. 391

الفرع العاشر إقحام المجاهد نفسه فيما يغلب على ظنه أن فيه الهلكة إذا أقحم المجاهد نفسه فيما يغلب على ظنه أن فيه هلاكه فلا يخلو الحال؛ أن يكون في ذلك مصلحة للمسلمين ونكاية بالعدو، أو لا يكون من ذلك شيء. فأما الحالة الأولى: وهي أن يكون في ذلك مصلحة للمسلمين ونكاية بالعدو. فعامة الفقهاء (١) رحمهم الله تعالى: على جواز إقحام المجاهد نفسه فيما فيه هلاكه في هذه الحالة. واستدلوا بما يلي: ١- عن أنس بن مالك ﵁ (أن رسول الله ﷺ أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش فلما رهقوه (٢) قال: من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة؟ فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه، فقال: من يردهم عنا وله الجنة، أو رفيقي في الجنة، فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتلوا السبعة..) (٣) . ووجه الدلالة: أن مقابلة الواحد للجماعة فيه هلاكه إلا أنه يجوز إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين كرد العدو عن المسلمين، كما في قوله ﷺ في الحديث السابق (من يردهم عنا وله الجنة) . ٢- عن أنس بن النضر (٤) ﵁ قال: (غبت عن أول قتال النبي ﷺ لئن أشهدني الله مع النبي ﷺ ليرين الله ما أجد، فلقي يوم أحد فهزم الناس، فقال: اللهم إني اعتذر

стр. 392

إليك مما صنع هؤلاء - يعني المسلمين - وأبرأ إليك مما جاء به المشركون فتقدم بسيفه فلقي سعد بن معاذ، فقال: أين يا سعد؟ إني أجد ريح الجنة دون أحد فمضى فقتل فما عرف حتى عرفته أخته بشامة أو ببنانه، وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم) (١) . قال في زاد المعاد: يجوز الانغماس في العدو كما انغمس أنس بن النضر وغيره (٢) وهذا إذا كان فيه مصلحة للمسلمين وتأثيرا في العدو، ونكاية بهم. وفي قول عند المالكية (٣) لا يجوز إقحام المجاهد نفسه فيما فيه هلاكه ولو كان في ذلك مصلحة، أو نكاية بالعدو. واستدلوا: بمعموم قوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] . ولعل هذا القول للمالكية محمول على عدم النفع للمسلمين، أو عدم النكاية بالعدو في إقحام المجاهد نفسه فيما فيه هلاكه، أو كونه يقاتل لإظهار شجاعته. وبهذا يتقرر أن للمجاهد في سبيل الله إقحام نفسه فيما فيه هلاكه إذا كان في ذلك نفع للمسلمين ونكاية بالعدو. أما الحالة الثانية: إذا لم يكن هناك نفع للمسلمين ولا نكاية بالعدو من إقحام المجاهد نفسه فيما فيه هلاكه، فإن عامة الفقهاء قالوا: لا يجوز للمجاهد أن يقحم نفسه فيما فيه هلاكه (٤) . واستدلوا بما يلي: ١- عموم قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] .

стр. 393

٢- وقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] . وقد جاء في تفسيرها: لا تدخلوا على العساكر التي لا طاقة لكم بها فإن ذلك من التهلكة (١) . ٣- ولأنه لا يحصل من إقحام المجاهد نفسه في الهلاك شيء من إعزاز الدين ولكنه يقتل فقط فيتلف نفسه من غير منفعة للمسلمين، ولا نكاية بالعدو (٢) . وذهب بعض الفقهاء إلى أنه يجوز أن يقحم المجاهد نفسه فيما فيه هلاكه، وإن لم يكن في ذلك منفعة ولا نكاية بالعدو. بشرط إخلاص النية في طلب الشهادة (٣) . جاء في أحكام القرآن للقرطبي: (وقيل: إذا طلب الشهادة وخلصت النية، فليحمل لأن مقصوده واحد منهم، وذلك بين في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٠٧] ) (٤) . الترجيح الذي يظهر أن القول الأول هو الأقرب إلى الرجحان وهو عدم جواز إقحام المجاهد نفسه فيما فيه هلاكه؛ لأن فيه إهلاك نفسه دون منفعة، ولا نكاية بالعدو وربما هذا التصرف يؤدي إلى وهن المسلمين بفقدهم جنودهم دون فائدة. والله أعلم.

стр. 394

الفرع الحادي عشر استسلام المجاهد للأسر ذهب الفقهاء (١) رحمهم الله تعالى إلى أن الأولى للمجاهد عدم الاستسلام للأسر حتى يفوز بالشهادة، ويحصل له الثواب العظيم، والدرجة الرفيعة، ويسلم من تحكم الكفار عليه بالتعذيب وفتنتهم له، فإن فعل واستسلم للأسر جاز له ذلك (٢) . والأصل في هذا حديث أبي هريرة ﵁ قال: (بعث النبي ﷺ سرية (٣) عينا (٤) وأمر عليهم عاصم بن ثابت (٥) فانطلقوا حتى إذا كان بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان (٦) فتبعوهم بقريب من مائة رام فاقتصوا آثارهم، حتى أتوا منزلا نزلوه، فوجدوا فيه نوى تمر تزودوه من المدينة فقالوا: هذا تمر يثرب فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم، فلما انتهى عاصم وأصحابه لجئوا إلى فدفد (٧) وجاء القوم فأحاطوا بهم، فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلا فقال عاصم: أما أنا

стр. 395

فلا أنزل في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك فقاتلوهم حتى قتلوا عاصما في سبعة نفر النبل وبقي خبيب (١) وزيد (٢) ورجل آخر (٣) فأعطوهم العهد والميثاق فلما أعطوهم العهد والميثاق نزلوا إليهم، فلما استمكنوا منهم حلوا أوتار قسيهم (٤) فربطوهم بها، فقال الرجل الثالث الذي معهما: هذا أول الغدر فأبى أن يصحبهم فجروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل فقتلوه..) (٥) . وجه الدلالة: أن عاصما ومن معه أخذوا بالعزيمة ولم يستسلموا للكفار، وخبيب ومن معه أخذوا بالرخصة في جواز الاستسلام وكلهم محمود غير مذموم ولا ملوم (٦) . وعلى هذا يجوز للمجاهد في سبيل الله أن يقاتل العدو ولا يستسلم حتى يقتل، وله أن يستسلم للأسر ولكن ينبغي له أن يختار الأصلح، فإن رأى أن الأسر أفضل فيستسلم وإن رأى فيه تعذيب له وإهانة وأنه تحت التعذيب قد يدلي بمعلومات عن المجاهدين فإن الأولى له أن لا يستسلم حتى يقتل في سبيل الله مقبلا غير مدبر. والله أعلم.

стр. 396

المبحث الثالث فيما يستخدمه المجاهد من الأسلحة في مواجهة العدو وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: التحريق بالنار. المطلب الثاني: التغريق بالماء. المطلب الثالث: الرمي. المطلب الرابع: التحصينات لردع العدو.

стр. 397

المطلب الأول التحريق بالنار اتفق الفقهاء (١) رحمهم الله تعالى - فيما أعلم - أنه يجوز تحريق الكفار بالنار في حال القتال إذا لم يقدروا عليهم بغيرها، وخيف منهم على المسلمين، ولم يكن فيهم أسرى مسلمون (٢) . واستدلوا بما جاء في سنن سعيد بن منصور بإسناده (أن جنادة ابن أبي أمية (٣) وعبد الله بن قيس الفزاري، وغيرهما من ولاة البحرين ومن بعدهم، كانوا يرمون العدو من الروم، وغيرهم بالنار، ويحرقونهم، هؤلاء لهؤلاء وهؤلاء لهؤلاء) وفي رواية عن عبد الله بن قيس الفزاري (أنه كان يغزو على الناس في البحر على عهد معاوية وكان يرمي العدو بالنار ويرمونه، ويحرقهم ويحرقونه، وقال: لم يزل أمر المسلمين على ذلك) (٤) .

стр. 398

واختلفوا فيما إذا قدروا على العدو بغير التحريق بالنار إلى قولين: القول الأول: لا يجوز إحراقهم بالنار إذا قدروا عليهم بغيرها. وبهذا قال المالكية (١) والحنابلة (٢) . واستدلوا: بحديث أبي هريرة ﵁ قال: بعثنا رسول الله ﷺ في بعث فقال: (إن وجدتم فلانا، وفلانا (٣) فأحرقوهما بالنار، ثم قال رسول الله ﷺ حين أردنا الخروج: إني أمرتكم أن تحرقوا فلانا، وفلانا، وأن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما) (٤) . وجه الدلالة: أن من ذكر في الحديث مقدور عليهما بغير الحرق بالنار، فلم يجز إحراقهما بالنار وإنما يقتلان بغير الإحراق. قال ابن حجر: ومحل الحديث إذا لم يتعين التحريق طريقا إلى الغلبة على الكفار حال الحرب (٥) . ومفهوم كلامه أنه إذا تعين التحريق طريقا إلى الغلبة على الكفار حال القتال جاز تحريقهم بالنار. القول الثاني: أنه يجوز إحراق العدو بالنار ولو قدروا عليهم بغيرها. وبهذا قال الحنفية (٦) والشافعية (٧) .

стр. 399

واستدلوا بما يلي: ١- إن دار الحرب غير ممنوعة بإسلام ولا عهد (١) . ٢- ولأن المقصود كبت العدو وكسر شوكتهم وبالتحريق يحصل ذلك (٢) . ٣- ويمكن أن يستدل لهم بما جاء في سنن سعيد بن منصور، وفيه (أن ولاة البحرين ومن بعدهم يرمون العدو من الروم وغيرهم بالنار ويحرقونهم) (٣) . الترجيح يظهر أن الراجح القول الأول. أنه لا يجوز إحراق العدو بالنار، إلا في حالة الضرورة إلى ذلك بأن لا يقدروا عليهم إلا بحرقهم بالنار، أو من قبيل المعاملة بالمثل. للحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ وهو في البخاري وغيره، ولأن القتل بغير الإحراق بالنار ممكن، وهدف الجهاد إعلاء كلمة الله، وتأديب من يقف حائلا دون نشر الإسلام، لا التشفي من العدو بالتعذيب بالنار، فلا يصار إلى ذلك إلا عند الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها. والله أعلم.

стр. 400

المطلب الثاني التغريق بالماء اتفق الفقهاء (١) رحمهم الله تعالى - فيما أعلم - أنه يجوز تغريق الكفار بالماء في حال القتال إذا لم يقدر عليهم إلا بذلك، أو من قبيل المعاملة بالمثل. أما إذا قدر عليهم بغير التغريق فقد اختلفوا، والخلاف في هذه المسألة، كالخلاف في مسألة التحريق بالنار فما قيل هناك، يقال: هنا (٢) والله أعلم. المطلب الثالث الرمي وفيه أربعة فروع: الفرع الأول: الرمي بالمنجنيق. الفرع الثاني: الرمي بالمدافع والدبابات والطائرات، ونحو ذلك. الفرع الثالث: الرمي بالسهام المسمومة. الفرع الرابع: الرمي بالأسلحة ذات الدمار الشامل.

стр. 401

الفرع الأول الرمي بالمنجنيق (١) اتفق الفقهاء (٢) رحمهم الله تعالى على جواز رمي العدو بالمنجنيق مع الحاجة إليها. واستدلوا على ذلك بما يلي: ١- عن مكحول الدمشقي (٣) ﵀: (أن النبي ﷺ نصب المنجنيق على أهل الطائف) (٤) . ٢- ولأن القتال به معتاد فأشبه السهام (٥) .

стр. 402

الفرع الثاني الرمي بالمدافع، والطائرات، والدبابات، ونحو ذلك سبق بيان اتفاق الفقهاء رحمهم الله تعالى على جواز رمي العدو بالمنجنيق في القتال (١) . والمدافع والطائرات والدبابات والصواريخ تقوم في هذا العصر مقام المنجنيق. جاء في الشرح الممتع (المنجنيق بمنزلة المدفع ففي الوقت الحاضر لا يوجد منجنيق لكن يوجد ما يقوم مقامه، من الطائرات، والمدافع والصواريخ وغيرها) (٢) . وفي توضيح الأحكام: (.. النبي ﷺ رمي أهل الطائف بالمنجنيق ومثله غيره من المدافع والصواريخ وغيرها) (٣) . وبهذا يكون الفقهاء متفقين على جواز استعمال المدافع، والطائرات والصواريخ وغيرها في قتال الكفار، لأنها تقوم مقام المنجنيق، والله أعلم. الفرع الثالث الرمي بالسهام (٤) المسمومة السهام والنبال سلاح متفق على جواز قتال الكفار به. جاء في بداية المجتهد: (اتفق المسلمون على جواز قتلهم بالسلاح) (٥) . والأدلة على ذلك كثيرة منها:

стр. 403

١- قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] . جاء في تفسير القوة في الآية بأنه: الرمي (١) . ٢- عن أبي أسيد ﵁ (٢) قال: قال النبي ﷺ يوم بدر حين صففنا لقريش وصفوا لنا: (إذا أكثبوكم (٣) فعليكم بالنبل) (٤) . ٣- عن أنس بن مالك ﵁ قال: (كان أبو طلحة (٥) حسن الرمي فكان إذا رمي يشرف النبي ﷺ فينظر إلى موضع نبله) (٦) . ويقوم مقام النبل في هذا العصر الرصاص الذي يستعمل عن طريق البندقية (٧) إذا تقرر هذا فهل النبال والسهام المسمومة تدخل في عموم هذه الأدلة فيجوز رمي العدو بها، أم لا؟ عامة الفقهاء رحمهم الله تعالى لم يتعرضوا لذلك، ولعل قولهم بجواز تحريق العدو بالنار وإغراقه بالماء (٨) إذا لم يمكن أخذه بغيرها دليل على أنه يجوز رمي العدو بالنبال والسهام المسمومة، فهي أقل ضررا بالعدو من التحريق بالنار والإغراق بالماء.

стр. 404

قال صاحب الحاوي الكبير: (يجوز أن يلقي عليهم أي العدو الحيات والعقارب ويفعل بهم جميع ما يفضي إلى إهلاكهم) (١) . وقد جاء في بعض كتب المالكية أن مالكا ﵀ كره رمي العدو بالنبال والسهام، أو الرماح المسمومة، وحملت الكراهة على التحريم (٢) . واستدلوا على ذلك بما يلي: ١- أنه لا يجوز رمي العدو بالنبال والسهام المسمومة حتى لا تعاد على المسلمين. ٢- أن هذا ليس فعل من مضى (٣) . ويمكن مناقشة هذه التعليلات بما يلي: ١- خوفهم أن تعاد على المسلمين لا يصلح مبررا لمنع قتالهم بما فيه نكاية بهم لمجرد الخوف، ثم النبال والسهام غير المسمومة يمكن أن تعاد على المسلمين، ولا أحد يقول بعدم جواز رمي العدو بها. ٢- وأما أنه ليس فعل من مضى، فإن النبي ﷺ استعمل المنجنيق في حصاره للطائف ولم تكن معلومة للعرب قبل ذلك (٤) . ولو قيل بهذا القول لمنع استخدام آلات الحرب الحديثة من طائرات ودبابات ومدافع ونحو ذلك ولبقي المسلمون على النبل والسهام غير المسمومة، ولم يقل بهذا أحد. وبهذا يتقرر جواز استخدام السهام والنبال المسمومة في قتال العدو للنيل منهم والظفر بهم وإرهابهم، إذا لم يمكن القدرة عليهم بغيرها. والله أعلم.

стр. 405

الفرع الرابع الرمي بالأسلحة ذات الدمار الشامل ، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: الرمي بالأسلحة النووية . المسألة الثانية: الرمي بالأسلحة الكيمائية والجرثومية. المسألة الأولى الرمي بالأسلحة النووية (١) تمهيد: يعتبر السلاح النووي من أقوى أنواع أسلحة الدمار الشامل في هذا العصر من حيث القوة التدميرية الذي يحدثها أثناء استخدامه، والأخطار اللاحقة التي تحدث بعد الانفجار سواء على المدى القصير، أم الطويل (١) . وأول استخدام فعلي لهذا السلاح في عام (١٩٤٥ م) حين استيقظ العالم على فجيعة قصف مدينتي هيروشيما ونجازاكي اليابانيتين، والذي كان حصيلته آلاف القتلى والجرحى، وتلوث ذري سوف يستمر أجيالا متعاقبة كثيرة.

стр. 406

وقد أشارت بعض الإحصاءات إلى أن (١٢) ميلا مربعا من مدينة هيروشيما دمر، وقتل (٨٠٠٠٠) ألف شخص وأصيب مثلهم بإصابات شديدة، وتشوهات خلقية، وأمراض سرطانية قاتلة، و (٤.٥) ميل مربع دمر من مدينة نجازاكي، وقتل (٤٠٠٠٠) ألف شخص وأصيب مثلهم بإصابات بالغة، وقيل: قتل (٧٣٨٨٤) ألف شخص وجرح (٦٠٠٠٠) ألف شخص (١) . ولا أحد يمكنه التكهن بتأثير عاصفة النيران الناجمة عن انفجار نووي، ومدى ما تحدثه من دمار في المنشأت، وما تخلفه من أعداد هائلة من القتلى والجرحى، وما تهلكه من الحيوانات والنباتات، إذا تقرر هذا فهل يجوز للمجاهد استخدام السلاح النووي في مواجهة العدو؟ هنا أمران ينبغي تقريرهما: الأول: أن معرفة كل جديد من الأسلحة، وكيفية استخدامها، ووسائل الوقاية منها، أمر واجب ومطلب محل للمجاهد في سبيل الله، ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة فقد حفر النبي ﷺ الخندق هو وأصحابه حول المدينة، ولم يكن ذلك معروفا عند العرب من قبل (٢) . ورمي أهل الطائف بسلاح المنجنيق، وهو سلاح جديد لم يكن معروفا من قبل (٣) . وعلى هذا يجوز امتلاك السلاح النووي للمجاهدين في سبيل الله والتعرف عليه، وكيف يستخدم وطرق الوقاية منه، وهذا من قبيل إعداد القوة وإرهاب العدو في عموم قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] . الثاني: أن الأصل في الإسلام عدم إتلاف النفوس، وعدم الفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل، وإنما شرع الجهاد في سبيل الله بقدر ما يقتضي دفع الفساد ورفع الظلم، ومنع معوقات الدخول في دين الله، ولقد سبق بيان أنه لا يجوز قتال الكفار إلا بعد دعوتهم

стр. 407

إلى الإسلام. أو دفع الجزية (١) وأنه لا يجوز قتل من ليس أهلا للقتال من العدو، كالنساء والأطفال والشيوخ والرهبان والعجزة ومن في حكمهم مالم يشتركوا في القتال (٢) وأنه لا يجوز استخدام سلاح يفتك بهم مع إمكانية الظهور عليهم بما هو أقل منه. فالإسلام لا يتشوف إلى إراقة الدماء وإزهاق الأنفس وإنما هدفه من الجهاد في سبيل الله إعلاء كلمة الله وجعل الحاكمية في الأرض لشرعه، فإذا تحقق ذلك توقف القتال مباشرة، ولو بقي أهل الكفر على كفرهم لأنه: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] . وعلى ما تقدم فإنه لا يجوز استخدام هذه الأسلحة النووية في مواجهة العدو إلا في حالتين: الحالة الأولى: أن يكون هناك ضرورة في استخدام السلاح النووي، كأن لا يمكن الظهور على العدو إلا باستخدام هذا السلاح، أو لا يمكن دفعهم عن المسلمين، إلا به على أن تقدر الضرورة بقدرها، ويتجنب رمي من ليس أهلا للقتال. لأن التخريب والإفساد في الأرض لا يجوز إلا لضرورة حربية، وهذا موضع اتفاق لا خلاف فيه (٣) لأن الضرورات تبيح المحظورات (٤) . ويمكن أن يستدل لهذه الحالة بما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] . وجه الدلالة: إن لفظ قوة في الآية نكرة يفيد العموم، والمعنى: أعدو لهم كل الذي تستطيعونه من آلات القتال والسلاح (٥) وكل عصر بما يناسبه.

стр. 408

٢- إن النصوص من الكتاب والسنة جاءت دالة على قتال الكفار ولم تبين كيفية القتل ولا الآلة التي تستخدم في قتلهم. قال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] . وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] . وقال ﷺ «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله..» (١) . قال الشوكاني (٢) : (قد أمر الله بقتل المشركين ولم يعين لنا الصفة التي يكون عليها ولا أخذ علينا أن لا نفعل إذا لكذا دون كذا فلا مانع من قتلهم بكل سبب للقتل من رمي، أوطعن أو تحريق أو هدم أو دفع من شاهق ونحو ذلك) (٣) . الحالة الثانية: أن يكون استخدام هذا السلاح النووي من قبيل المعاملة بالمثل وبهذا يظهر ضرورة امتلاك هذا السلاح والتدريب على استعماله حتى إذا فكر العدو استعماله مع المجاهدين وجد الردع الكافي والزاجر. ويدل على هذه الحالة: عموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] . وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] والله أعلم.

стр. 409

المسألة الثانية الرمي بالأسلحة الكيمائية (١) والجرثومية (٢) الرمي بالأسلحة الكيمائية والجرثومية يؤدي إلى القضاء على مظاهر الحياة، ولا يؤثر على العمران والمنشآت (٣) . وقد ذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى جواز استخدام ما يشبه هذه الأسلحة ومن ذلك إطلاق الزواحف والحشرات السامة على العدو، وإلقاء السموم في شراب العدو وطعامهم، جاء في الحاوي للماوردي (يجوز أن يلقى عليهم الحيات، والعقارب، ويفعل بهم جميع ما يقضى إلى إهلاكهم) (٤) .

стр. 410

ومع هذا فإن هناك بونا شاسعا بين تأثير هذه الحشرات السامة الذي يقتصر أثرها على عدد محدود من جنود الأعداء، ويمكن السيطرة على ذلك بقتل هذه الحشرات وبين ما تخلفه الأسلحة الكيمائية والجرثومية من دمار شامل على مساحات واسعة يقتل الإنسان دون تمييز بين عسكري ومدني، ويهلك الحيوان، والنبات، وأضراره تبقى أجيالا عديدة. وعلى هذا فإنه لا يجوز للمجاهد استخدام هذا السلاح الذي يهلك الحرث والنسل ويفسد في الأرض إلا في حالتين: الحالة الأولى: الضرورة القصوى ويستخدم على قدر الضرورة، ولا يقصد به غير المقاتلين من العدو. الحالة الثانية: المعاملة بالمثل بما يكفي شر العدو ويردعه عن جرمه (١) . وما قيل في المسألة السابقة من أدلة يمكن أن يستدل بها في هذه المسألة (٢) .

стр. 411

المطلب الرابع التحصينات لردع العدو ، وفيه أربعة فروع: الفرع الأول: حفر الخنادق . الفرع الثاني: وضع الأسلاك الشائكة. الفرع الثالث: زراعة الألغام. الفرع الرابع: نصب الصواريخ. الفرع الأول حفر الخنادق (١) ينبغي للإمام، والقائد اتخاذ كافة التدابير والتحصينات لردع العدو عن المسلمين، ومن ذلك حفر الخنادق (٢) . والأصل في ذلك فعل النبي ﷺ فقد أمر بحفر الخندق حول المدينة وباشر الحفر بنفسه (٣) وذلك لردع حشود الأحزاب من المشركين واليهود وغيرهم عن المدينة وعن المسلمين، وقد كان هذا الخندق بعد توفيق الله سببا قويا في انتصار المؤمنين وهزيمة الأحزاب وفشلهم (٤) .

стр. 412

قال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] . وهناك خنادق تستعمل الآن في الخطوط الدفاعية منها: ١- الخنادق المضادة للدبابات التي تعيق تقدمها وهي عبارة عن كمين تسقط الدبابات داخلها فلا تستطيع الخروج. ٢- الخنادق القتالية للأفراد والأسلحة وهي توفر للأفراد الحماية من شظايا القنابل المتفجرة، وهي ميدان ضرب نار جيد للمدافع تسبب إعاقة وتدمير قوات العدو (١) . فالخنادق بأنواعها المختلفة من الوسائل المهمة التي تمنع تقدم العدو، وتحمي المسلمين، وتعطي الفرصة في الاستعداد للقتال. الفرع الثاني وضع الأسلاك الشائكة يجوز للمجاهدين وضع الأسلاك الشائكة في وجه العدو لمنع تقدم المشاة من جنود العدو وآلياتهم. وفكرة الأسلاك الشائكة التي تستخدم في هذا العصر هي امتداد لفكرة الحسك الشائك (٢) الذي استخدمه المسلمون في قتال العدو، فقد استخدمه النبي ﷺ في حصار الطائف فيما رواه ابن سعد (أن النبي ﷺ حاصر أهل الطائف ونصب عليهم المنجنيق ونثر الحسك حول الحصن) (٣) .

стр. 413

وقد طور المسلمون هذا السلاح فجعلوه من أصابع حديدية مدببة تبث في وجه العدو فتمنع تقدم الخيل والراجلة (١) . واليوم تعتبر الأسلاك الشائكة مانع وقائي في المراحل الأولى لاحتلال المواقع الدفاعي، ولزيادة صعوبة اختراق هذا المانع يوضع أكثر من خط من الأسلاك الشائكة وتوضع بينها اللفات الحلزونية الشائكة، ويمكن توصيله بتيار كهربائي (٢) . الفرع الثالث: زراعة الألغام (٣) يجوز للمجاهدين في سبيل الله زراعة الألغام برية كانت أم بحرية ضد الأشخاص، أو الدبابات أو السفن على جبهة المدافعة، أو في ممر اضطراري للعدو لمنع تقدم جنود العدو، والمدرعات والسفن، وتهيئة الفرصة للمدافعين لإعادة التنظيم والتهيؤ للقتال (٤) . وفكرة الألغام المستخدمة في حروب هذا العصر هي امتداد لفكرة الحسك الشائك والذي طوره المسلمون إلى حديد مدبب يوضع في طريق العدو لمنع تقدم الخيل والراجلة (٥) . وتعد الألغام من الأسلحة الدفاعية ذات الفاعلية في صد هجوم العدو ولذا خصص لاستعمال هذا السلاح ما يسمى (بسلاح المهندسين) الذي يقوم بزراعة الألغام في الأماكن المناسبة (٦) .

стр. 414

ويمكن أن يستدل لجواز زراعة الألغام في موجهة العدو بعموم قوله: ... ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] فالآية عامة في كل قوة تؤدي إلى هزيمة العدو ومنع المسلمين من شره، والله أعلم. الفرع الرابع نصب الصواريخ (١) . من التحصينات التي يجب اتخاذها لردع هجوم العدو، نصب الصواريخ وتجهيزها لردع أي هجوم، وهي أنواع منها ما هو ضد الطائرات ومنها ما هو ضد الدبابات ومنها ما هو ضد الصواريخ المهاجمة بعيدة المدى، إلى غير ذلك من الأنواع المختلفة المهام (٢) . فأخذ الحذر والحيطة من خطر هجوم العدو أمر مطلوب من القادة والجند لحماية أنفسهم والمسلمين قال تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ [النساء: ١٠٢] . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] .

стр. 415

المبحث الرابع إتلاف المجاهد لأموال العدو وفيه سبعة مطالب: المطلب الأول: إتلاف مال العدو إذا خشي أن يسترده. المطلب الثاني: إتلاف مال العدو إذا لم يخشى استرداده. المطلب الثالث: إحراق المدن والزرع وقطع الأشجار ونحو ذلك. المطلب الرابع: إتلاف الكتب. المطلب الخامس: قتل الحيوانات. المطلب السادس: إراقة الخمور. المطلب السابع: إتلاف سلاح العدو.

стр. 416

المطلب الأول إتلاف مال (١) العدو إذا خشي أن يسترده العدو لا يخلو مال العدو الذي أخذه المجاهدون ويخشون أن يسترده العدو منهم، أن يكون ذا روح كالحيوانات، أو لا روح فيه كالسلاح والمتاع ونحو ذلك. فأما مالا روح فيه كالسلاح والمتاع ونحو ذلك فلا أعلم خلافا بين الفقهاء (٢) رحمهم الله تعالى: أنه يجوز إتلافه وإحراقه إذا خيف أن يسترده العدو وعللوا لذلك بما يلي: ١- أن في إتلافه منعا لهم من الانتفاع به (٣) والتقوي به على المسلمين. ٢- ولأن في إتلافه نكاية بالعدو وغيظا لهم (٤) وهذا أمر مطلوب. أما إن كان ذا روح كالحيوانات فسيأتي بحث ذلك قريبا في المطلب الخامس إن شاء الله.

стр. 417

المطلب الثاني إتلاف مال العدو إذا لم يخش استرداده لم أجد من الفقهاء من أجاز إتلاف المال الذي أخذه المجاهدون من العدو إذا لم يخش أن يسترده العدو منهم (١) فيما أعلم. جاء في روضة الطالبين. يحرم إتلاف مال العدو إذا تحقق أنه صار غنيمة للمسلمين (٢) وفي الوسيط: (كل ما يمكن اغتنامه لا يجوز إهلاكه) (٣) . وفي المبدع: (إذا جاز اغتنامه حرم إتلافه) (٤) . ويستدل لهذا بما يلي: ١- أنه أصبح غنيمة للمسلمين (٥) وتعلق به حق المجاهدين فلا يجوز إتلافه لأن في ذلك إتلافا لمال الغير. ٢- أن إتلاف مال العدو دون مبرر فيه إضاعة للمال، وقد ثبت أن النبي ﷺ (نهى عن إضاعة المال) (٦) .

стр. 418

المطلب الثالث إحراق المدن والزروع وقطع الأشجار ونحو ذلك الحديث في هذا المطلب لا يخلو من ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يحتاج المجاهدون إلى إحراق مدن العدو وزروعهم وقطع أشجارهم لكيفوا العدو عن القتال، أو يظفروا بهم. وفي هذه الحالة لا أعلم لا خلافا بين الفقهاء في جواز ذلك (١) لما يأتي: ١- حاجة المسلمين إلى ذلك لردع العدو والظفر بهم (٢) . ٢- عموم الأدلة في جواز إحراق المدن وهدمها عليهم وإحراق زروعهم وقطع أشجارهم وسيأتي ذكر بعض من هذه الأدلة في الحالة الثالثة إن شاء الله. الحالة الثانية: أن يتضرر المجاهدون بحرق المدن والزروع وقطع الأشجار فيحرم فعل شيء من ذلك ولم أجد فيما أعلم خلافا بين الفقهاء (٣) في هذه الحالة؛ لأن في ذلك ضررا على المجاهدين ودفع الضرر مقدم على جلب النفع. الحالة الثالثة: أن لا يحتاج المجاهدون إلى إحراق المدن وإتلاف الزروع وقطع الأشجار ولا يتضررون بفعل شيء من ذلك، إلا أن في ذلك غيظا للكفار وإضرارا بهم (٤) .

стр. 419

اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في هذه الحالة إلى قولين: القول الأول: يجوز إحراق مدن الكفار حال القتال وزروعهم وقطع أشجارهم وكل ما فيه غيظهم والنكاية به، وبهذا قال الجمهور (١) . واستدلوا على ذلك بما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] . وجه الدلالة: أن المجاهدين في سبيل الله لا يطئون أرض الكفار ولا ينالون منهم نيلا بإتلاف مال أو قتل نفس، إلا كتب لهم بذلك عمل صالح قد ارتضاه الله لهم (٢) . وإذا كان الأمر كذلك جاز فعل ما فيه غيظ للكفار، وعمل صالح يثابون عليه. ٢- قوله تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحشر: ٢] . قال قتادة (٣) : كان المسلمون يخربون ما يليهم من ظاهرها وتخرب اليهود من داخلها (٤) وجاء في تفسير هذه الآية ما يفيد أن المسلمين كانوا يخربون هذه البيوت لزيادة النكاية في العدو وإغاظتهم وقطع أملهم في البقاء (٥) .

стр. 420

٣- عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ (حرق نخل بني النضير، وقطع وهي البويرة (١) فأنزل الله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥] ) (٢) . قال النووي: وفي هذا الحديث دليل على جواز قطع شجر الكفار وإحراقه (٣) . ٤- ولأن ذلك من باب القتال، لما فيه من كبت العدو وقهرهم وغيظهم (٤) . القول الثاني: لا يجوز إحراق المدن والزروع وقطع الأشجار في قتال الكفار، وبهذا قال الأوزاعي (٥) والليث بن سعد (٦) وأبو ثور (٧) وهو رواية عند الحنابلة (٨) .

стр. 421

واستدلوا بحديث أبي بكر الصديق ﵁ في وصيته ليزيد بن أبي سفيان (١) حين بعثه على جيش إلى الشام جاء فيه (..ولا تقطعن شجرا مثمرا، ولا تخربن عامرا، ولا تعقرن شاة، ولا بعيرا إلا لمأكله، ولا تحرقن نخلا، ولا تفرقنه..) (٢) . وجه الدلالة: أنا أبا بكر ﵁ نهى قائد الجيش يزيد أن يحرق، أو يقطع ما فيه ثمر ونحو ذلك من أشجار الكفار، أو يخرب شيئا من بيوتهم وأبو بكر ﵁ ما قال ذلك إلا وعنده ما يؤيد ذلك من قول النبي ﷺ أو فعله. ونوقش هذا الاستدلال بما يلي: ١- أن ما روي عن أبي بكر ﵁ محمول على أنه سمع النبي ﷺ يذكر فتح الشام، فكان على يقين من أنها تفتح فتكون غنيمة للمسلمين وتخريبها وحرقها وقطع شجرها فيه ضرر للمسلمين، لا أنه يرى ذلك محرما، لأنه قد حضر مع النبي ﷺ تحريقه نخل بني النضير وكروم أهل الطائف وغير ذلك (٣) . ٢- أنه محمول على أن والي المسلمين يجوز له أن ينهي القائد والجند في حال القتال عن أمور يرى أن فيها مصلحة للمسلمين، والحكم في مصلحة المسلمين موكل إليه (٤) . الترجيح الذي يظهر أن القول الأول الذي يجيز تحريق مدن العدو وزروعهم وقطع أشجارهم هو أقرب للرجحان لما يأتي: ١- قوة ما استدلوا به. ٢- أن في ذلك غيظا للكفار وأجرا وثوابا للمجاهدين كما هو ظاهر الآية: ﴿وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] . إلا أنه يرجع في ذلك إلى إذن الإمام فإن أذن بذلك لمصلحة رآها وظهرت له جاز تحريق مدنهم وزروعهم وقطع أشجارهم ونحو ذلك، وإن نهى الإمام عن فعل شيء من ذلك لم يجز فعل شيء من ذلك، لأنه نهى عن ذلك لمصلحة ظهرت له. والله أعلم.

стр. 422

المطلب الرابع إتلاف الكتب وفيه نوعان: الفرع الأول: إتلاف الكتب الضارة . الفرع الثاني: إتلاف الكتب النافعة. الفرع الأول إتلاف الكتب الضارة لا خلاف بين الفقهاء (١) رحمهم الله تعالى فيما أعلم أنه يجب (٢) إتلاف الكتب الضارة، ككتب الكفر (٣) والإلحاد وكتب الفحش والفسق التي تدعوا إلى الرذيلة. وينظر الإمام إن كان لما هي مكتوبة فيه قيمة ومنفعة للمسلمين محا الكتابة وجعل ما كان مكتوبا فيه في الغنيمة وإلا أتلف الجميع. لأن في ترك هذه الكتب الضارة فتنة، ولا يؤمن ضلال من في قلبه هوى أو شهوة (٤) ولأن في هذه الكتب ضررا على المسلمين (والضرر يزال) (٥) .

стр. 423

الفرع الثاني إتلاف الكتب النافعة لا خلاف بين الفقهاء (١) رحمهم الله تعالى فيما أعلم أنه لا يجوز إتلاف ما وجد من كتبهم مما يحل للمسلمين الاستفادة منه ككتب الطب والحساب والشعر، والأدب ونحو ذلك مما لا مكروه فيه، وهي غنيمة (٢) . ولأن فيها مصلحة ونفعا للمسلمين، وليس فيها ضرر ولا محظور، فإتلافها إتلاف للمال (وقد نهينا عن إضاعة المال) (٣) . وينبغي للإمام أن يدعو إلى من يترجمها (٤) . لأن الحكمة ضالة المؤمن أين ما وجدها فهي له بل هو أحق بها. المطلب الخامس قتل الحيوانات اتفق الفقهاء (٥) رحمهم الله تعالى فيما أعلم أنه يجوز قتل كل ما قاتل عليه العدو من الحيوانات في حال الحرب لأن ذلك يؤدي إلى هزيمتهم والظفر بهم (٦) .

стр. 424

جاء في الإنصاف: (ويجوز قتل ما قاتلوا عليه، لأنه يتوصل به إلى هزيمتهم وليس في ذلك خلاف) (١) . واتفقوا كذلك على أنه يجوز ذبح ما يحل أكله من حيوانات العدو عند الحاجة إلى ذلك (٢) . جاء في المغني: (أما عقر الحيوانات للأكل فإن كانت الحاجة داعية إليه فمباح بغير خلاف) (٣) . واختلفوا فيما عدا ذلك إلى قولين: القول الأول: يجوز قتل حيوانات العدو إذا عجز المجاهدون عن الانتفاع بها، وبهذا قال الحنفية وقالوا: تحرق بعد القتل (٤) والمالكية (٥) ورواية عند الحنابلة (٦) . واستدلوا بما يلي: ١- إن في ترك الحيوانات للعدو دون قتل منفعة لهم يتقوون بها على المسلمين (٧) . ٢- إن في قتل حيواناتهم غيظا لهم وكبتا، وهذا أمر مطلوب (٨) . ونوقشت هذه الأدلة: بأنه لو جاز قتل حيواناتهم من أجل إضعافهم وغيظهم، لكان إضعافهم وغيظهم بقتل نسائهم وأولادهم أشد، وقتل نسائهم وأولادهم لا يجوز (٩) .

стр. 425

٣- إن هذه الحيوانات مال، والمال يحرم إيصاله إلى العدو بالبيع فتركه لهم بدون عوض أولى بالتحريم (١) . القول الثاني: لا يجوز قتل حيوانات العدو ومواشيهم ولو خيف أخذهم لها، وبهذا قال الشافعية (٢) . والحنابلة في رواية قال في الإنصاف: إنها المذهب (٣) وابن حزم الظاهري (٤) . واستدلوا بما يلي: ١- وصية أبي بكر ﵁ ليزيد بن أبي سفيان ﵁ حينما بعثه على رأس جيش إلى الشام قال: (..ولا تعقرن شاة ولا بعيرا إلا لمأكله..) (٥) . ٢-عن أنس بن مالك ﵁ قال: (نهى النبي ﷺ أن تصبر (٦) البهائم) (٧) . ٣- ولأنه حيوان له حرمة فأشبه النساء والأطفال (٨) . ونوقش ما جاء في وصية أبي بكر ﵁: بأن ذلك النهي محمول على أن بلاد الشام ستفتح وتكون بلد إسلام فلا تعقر الدواب والحيوانات، لأن ذلك إتلاف لمال المسلمين (٩) .
следующие страницы →