← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1933

أحكام المجاهد بالنفس في سبيل الله عز وجل في الفقه الإسلامي

مرعي الشهري

Полный текст (646 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

واستدلوا بحديث أبي بكر الصديق ﵁ في وصيته ليزيد بن أبي سفيان (١) حين بعثه على جيش إلى الشام جاء فيه (..ولا تقطعن شجرا مثمرا، ولا تخربن عامرا، ولا تعقرن شاة، ولا بعيرا إلا لمأكله، ولا تحرقن نخلا، ولا تفرقنه..) (٢) . وجه الدلالة: أنا أبا بكر ﵁ نهى قائد الجيش يزيد أن يحرق، أو يقطع ما فيه ثمر ونحو ذلك من أشجار الكفار، أو يخرب شيئا من بيوتهم وأبو بكر ﵁ ما قال ذلك إلا وعنده ما يؤيد ذلك من قول النبي ﷺ أو فعله. ونوقش هذا الاستدلال بما يلي: ١- أن ما روي عن أبي بكر ﵁ محمول على أنه سمع النبي ﷺ يذكر فتح الشام، فكان على يقين من أنها تفتح فتكون غنيمة للمسلمين وتخريبها وحرقها وقطع شجرها فيه ضرر للمسلمين، لا أنه يرى ذلك محرما، لأنه قد حضر مع النبي ﷺ تحريقه نخل بني النضير وكروم أهل الطائف وغير ذلك (٣) . ٢- أنه محمول على أن والي المسلمين يجوز له أن ينهي القائد والجند في حال القتال عن أمور يرى أن فيها مصلحة للمسلمين، والحكم في مصلحة المسلمين موكل إليه (٤) . الترجيح الذي يظهر أن القول الأول الذي يجيز تحريق مدن العدو وزروعهم وقطع أشجارهم هو أقرب للرجحان لما يأتي: ١- قوة ما استدلوا به. ٢- أن في ذلك غيظا للكفار وأجرا وثوابا للمجاهدين كما هو ظاهر الآية: ﴿وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] . إلا أنه يرجع في ذلك إلى إذن الإمام فإن أذن بذلك لمصلحة رآها وظهرت له جاز تحريق مدنهم وزروعهم وقطع أشجارهم ونحو ذلك، وإن نهى الإمام عن فعل شيء من ذلك لم يجز فعل شيء من ذلك، لأنه نهى عن ذلك لمصلحة ظهرت له. والله أعلم.

стр. 422

المطلب الرابع إتلاف الكتب وفيه نوعان: الفرع الأول: إتلاف الكتب الضارة . الفرع الثاني: إتلاف الكتب النافعة. الفرع الأول إتلاف الكتب الضارة لا خلاف بين الفقهاء (١) رحمهم الله تعالى فيما أعلم أنه يجب (٢) إتلاف الكتب الضارة، ككتب الكفر (٣) والإلحاد وكتب الفحش والفسق التي تدعوا إلى الرذيلة. وينظر الإمام إن كان لما هي مكتوبة فيه قيمة ومنفعة للمسلمين محا الكتابة وجعل ما كان مكتوبا فيه في الغنيمة وإلا أتلف الجميع. لأن في ترك هذه الكتب الضارة فتنة، ولا يؤمن ضلال من في قلبه هوى أو شهوة (٤) ولأن في هذه الكتب ضررا على المسلمين (والضرر يزال) (٥) .

стр. 423

الفرع الثاني إتلاف الكتب النافعة لا خلاف بين الفقهاء (١) رحمهم الله تعالى فيما أعلم أنه لا يجوز إتلاف ما وجد من كتبهم مما يحل للمسلمين الاستفادة منه ككتب الطب والحساب والشعر، والأدب ونحو ذلك مما لا مكروه فيه، وهي غنيمة (٢) . ولأن فيها مصلحة ونفعا للمسلمين، وليس فيها ضرر ولا محظور، فإتلافها إتلاف للمال (وقد نهينا عن إضاعة المال) (٣) . وينبغي للإمام أن يدعو إلى من يترجمها (٤) . لأن الحكمة ضالة المؤمن أين ما وجدها فهي له بل هو أحق بها. المطلب الخامس قتل الحيوانات اتفق الفقهاء (٥) رحمهم الله تعالى فيما أعلم أنه يجوز قتل كل ما قاتل عليه العدو من الحيوانات في حال الحرب لأن ذلك يؤدي إلى هزيمتهم والظفر بهم (٦) .

стр. 424

جاء في الإنصاف: (ويجوز قتل ما قاتلوا عليه، لأنه يتوصل به إلى هزيمتهم وليس في ذلك خلاف) (١) . واتفقوا كذلك على أنه يجوز ذبح ما يحل أكله من حيوانات العدو عند الحاجة إلى ذلك (٢) . جاء في المغني: (أما عقر الحيوانات للأكل فإن كانت الحاجة داعية إليه فمباح بغير خلاف) (٣) . واختلفوا فيما عدا ذلك إلى قولين: القول الأول: يجوز قتل حيوانات العدو إذا عجز المجاهدون عن الانتفاع بها، وبهذا قال الحنفية وقالوا: تحرق بعد القتل (٤) والمالكية (٥) ورواية عند الحنابلة (٦) . واستدلوا بما يلي: ١- إن في ترك الحيوانات للعدو دون قتل منفعة لهم يتقوون بها على المسلمين (٧) . ٢- إن في قتل حيواناتهم غيظا لهم وكبتا، وهذا أمر مطلوب (٨) . ونوقشت هذه الأدلة: بأنه لو جاز قتل حيواناتهم من أجل إضعافهم وغيظهم، لكان إضعافهم وغيظهم بقتل نسائهم وأولادهم أشد، وقتل نسائهم وأولادهم لا يجوز (٩) .

стр. 425

٣- إن هذه الحيوانات مال، والمال يحرم إيصاله إلى العدو بالبيع فتركه لهم بدون عوض أولى بالتحريم (١) . القول الثاني: لا يجوز قتل حيوانات العدو ومواشيهم ولو خيف أخذهم لها، وبهذا قال الشافعية (٢) . والحنابلة في رواية قال في الإنصاف: إنها المذهب (٣) وابن حزم الظاهري (٤) . واستدلوا بما يلي: ١- وصية أبي بكر ﵁ ليزيد بن أبي سفيان ﵁ حينما بعثه على رأس جيش إلى الشام قال: (..ولا تعقرن شاة ولا بعيرا إلا لمأكله..) (٥) . ٢-عن أنس بن مالك ﵁ قال: (نهى النبي ﷺ أن تصبر (٦) البهائم) (٧) . ٣- ولأنه حيوان له حرمة فأشبه النساء والأطفال (٨) . ونوقش ما جاء في وصية أبي بكر ﵁: بأن ذلك النهي محمول على أن بلاد الشام ستفتح وتكون بلد إسلام فلا تعقر الدواب والحيوانات، لأن ذلك إتلاف لمال المسلمين (٩) .

стр. 426

ويمكن مناقشة الاستدلال بحديث أنس ﵁ بأن النهي عن صبر البهائم إنما هو في غير القتال، أما في القتال فيجوز. الترجيح الذي يظهر بعد عرض الأدلة ومناقشتها أن القول الأول الذي يجيز قتل الحيوانات هو الأقرب إلى الرجحان. لقوة ما استدلوا به، ولما يحصل من غيظ العدو في قتل هذه الحيوانات. وحتى لا تكون قوة لهم في قتال المسلمين، والله أعلم. المطلب السادس إراقة الخمور (١) ونحو ذلك (٢) لم أجد من الفقهاء من خالف في وجوب إراقة الخمور إذا وجدت، وقد نص على إراقتها وإتلافها الشافعية، والحنابلة. جاء في روضة الطالبين: (إذا دخلنا دارهم غزاة أرقنا الخمور..) (٣) . وفي المغني: (وإن وجدوا خمرا أراقوه..) (٤) . ولم أجد للحنفية والمالكية -حسب ما اطلعت عليه- من كتبهم نصا في ذلك إلا أن منهجهم إزالة الضرر عن المسلمين، والخمور ضرر فتزال، وقد سبق قولهم في الكتب الضارة (٥) أنها تتلف لمنع الافتتان بها، فكذلك الخمر من باب أولى، والله أعلم.

стр. 427

المطلب السابع إتلاف سلاح العدو لا يخلو الحال أن يكون الإتلاف في أثناء المعركة مع الكفار أو بعدها؛ فأما أثناء المعركة فلا خلاف بين الفقهاء (١) رحمهم الله تعالى أنه يتلف سلاح العدو ويعتمد ضربه وإتلافه، لأن في ذلك وسيلة إلى قتل العدو والظهور عليهم. وقد سبق بيان أن الحيوانات التي تستعمل في المعركة، كالخيل ونحو ذلك يجوز قتلها باتفاق الفقهاء (٢) ويقوم مقامها في هذا العصر ما وجد من الطائرات، والدبابات والمدافع، والسفن ونحو ذلك، فإن تدميرها أثناء القتال يؤدي إلى ضعف العدو ووهنه والظهور عليه وغلبته بأقل الخسائر. أما إن كان سلاح العدو قد وقع غنيمة للمسلمين، فلا يجوز إتلافه، لأنه مال (وقد نهينا عن إضاعة المال) (٣) ولأن في ذلك تقوية للمجاهدين على عدوهم، إلا أن خيف أن يسترده العدو فإنه يجوز إتلافه حتى لا ينتفعوا به (٤) والله أعلم.

стр. 428

المبحث الخامس إطلاق المجاهد من الأسر ، وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: فداء الأسرى. المطلب الثاني: قتل أسرى العدو إذا قتلوا أسرى المسلمين. المطلب الثالث: هرب المجاهد من الأسر بعد قتل العدو وأخذ ماله. المطلب الرابع: إذا أطلقه العدو على أن يبقى في ديارهم. المطلب الخامس: إذا أطلقه العدو على أن ينفذ لهم في بلاد الإسلام ما يريدون.

стр. 429

المطلب الأول فداء الأسرى وفيه فرعان: الفرع الأول: فداء الأسرى بالمال . الفرع الثاني: فداء الأسرى بأسرى من العدو. الفرع الأول فداء الأسرى بالمال اتفق الفقهاء (١) رحمهم الله تعالى فيما أعلم أنه يجوز فداء الأسرى المسلمين من أيدي العدو بالمال غير السلاح (٢) . واستدلوا على ذلك بما يلي: ١- حديث أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (فكوا العاني يعني الأسير وأطعموا الجائع وعودوا المريض) (٣) . ٢- وعن أبي جحيفة (٤) ﵁ قال: قلت لعلي ﵁ هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ قال: (لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، وما أعلمه إلا فهما

стр. 430

يعطيه الله رجلا في القرآن، وما في هذه الصحيفة قلت: وما في الصحيفة، قال العقل (١) وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر) (٢) . ٣- ما روى سعيد بن منصور بإسناده أن رسول الله ﷺ قال: (إن على المسلمين في فيئهم أن يفادوا أسيرهم ويؤدوا عن غارمهم) (٣) . وبهذا يقرر جواز فداء الأسرى من أيدي العدو بالمال من بيت مال المسلمين، فإن تعذر فداؤهم من بيت مال المسلمين، فمن مال أغنياء المسلمين فرضا كفائيا، لما سبق من الأدلة ولضرورة استنقاذ الأسير المسلم من أيدي الكفار. والله أعلم. الفرع الثاني فداء الأسرى بأسرى من العدو اختلف الفقهاء في جواز فداء الأسرى المسلمين بأسرى من العدو إلى قولين: القول الأول: يجوز فداء الأسرى بالأسرى من العدو، وبهذا قال جمهور الفقهاء (٤) . واستدلوا على ذلك بما يلي: ١- عن عمران بن الحصين (٥) ﵁ (أن رسول الله ﷺ فدى رجلين من المسلمين برجل مشرك) (٦) .

стр. 431

٢- أن المفاداة بالأسرى إنقاذ للمجاهد المسلم من الأسر، وذلك أولى من إهلاك الكافر (١) . القول الثاني: لا يجوز فداء الأسرى من المسلمين بأسرى من العدو، وهذا القول هو الرواية المشهورة من مذهب أبي حنيفة (٢) ﵀. واستدل على ذلك بعموم الآيات الدالة على قتل الكفار منها. ١- قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] . ٢- وقوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢] . وجه الدلالة من الآيتين السابقتين: أن قتل الكفار فرض وفي المفاداة بالأسرى ترك له، ولا يجوز ترك الفرض مع التمكن من إقامته بأي حال (٣) . ونوقش استدلال أبي حنيفة بعموم الآيات، بأن ذلك ليس على إطلاقه بل ذلك واجب حال القتال وأما بعد أن نقدر عليهم فلا يجب (٤) . الترجيح الذي يظهر رجحان القول الأول أنه يجوز فداء الأسرى بالأسرى من العدو وذلك لقوة ما استدلوا به، ولما في ذلك من إنقاذ المسلم من الأسر، والله أعلم.

стр. 432

المطلب الثاني قتل أسرى العدو إذا قتلوا أسرى المسلمين اتفق الفقهاء رحمهم الله تعالى فيما أعلم على أن لإمام المسلمين الحق في قتل أسرى العدو إذ رأى في ذلك مصلحة. جاء في المعونة: لا خلاف في جواز قتل أسرى العدو (١) . وفي رحمة الأمة: (اتفقوا على أن الإمام مخير في الأسرى بين القتل والاسترقاق) (٢) ، وعلى هذا يجوز قتل أسرى العدو إذا قتلوا أسرى المسلمين إذا رأى الإمام أن في ذلك مصلحة. لعموم قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] . وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] . ولأن النبي ﷺ قتل جماعة من الأسرى يوم بدر منهم عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث وغيرهما (٣) .

стр. 433

المطلب الثالث هرب المجاهد من الأسر وقتل العدو وأخذ أموالهم اتفق الفقهاء (١) رحمهم الله تعالى- فيما أعلم -: أن المجاهد إذا استطاع الهرب من أسر العدو فإن له أن يقتل من قدر عليه منهم، وأن يأخذ ما استطاع من أموالهم. جاء في الحاوي الكبير: (المسلم إذا أسره أهل الحرب فالأسير مستضعف تكون الهجرة عليه إذا قدر عليها فرضا، ويجوز له أن يغتالهم في نفوسهم وأموالهم ويقاتلهم إن أدركوه هاربا) (٢) . وعلى هذا فالمجاهد إذا وقع في أسر العدو فإن عليه أن يحاول الهرب بالوسائل الممكنة، ويقتل العدو ويأخذ أمواله. ويدل على ذلك ما جاء في قصة أبي بصير (٣) (حين سلمه النبي ﷺ إلى رجلين من قريش جاءا يطلبانه بناء على ما تم في صلح الحديبية، أنه لا يأتي رجل من المشركين إلى النبي ﷺ ولو كان مسلما إلا رده إليهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا فاستله الآخر.. فقال أبو بصير: أرني انظر إليه، فأمكنه منه فضربه حتى برد وفر الأخر..) (٤) . وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم ينكر على أبي بصير قتله للرجل، ولا أمر فيه بقود ولا دية (٥) فدل على أنه ما فعله أبو بصير جائز.

стр. 434

المطلب الرابع إذا أطلقه العدو على أن يبقى في ديارهم إذا أطلق العدو الأسير المسلم بشرط أن يبقى في ديارهم ولا يخرج منها ولا يخونهم في شيء من الأموال والأنفس. اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في الوفاء بهذا الشرط إلى ثلاثة أقوال: القول الأول: يلزمه الوفاء بالشرط. وبهذا قال الحنابلة (١) والمالكية في قول (٢) . واستدلوا بما يلي: ١- عموم قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١] . ٢- وقول النبي ﷺ : (المسلمون عند شروطهم) (٣) . القول الثاني يلزمه الوفاء بالشرط في إنه لا يقتل أحد منهم ولا يأخذ شيئا من أموالهم ولا يلزمه الشرط في البقاء في بلادهم، ويجب عليه الخروج من بلادهم، وبهذا قال الحنفية (٤) ، والمالكية في قول (٥) والشافعية (٦) . واستدلوا بما يلي:

стр. 435

١- أن حبسهم إياه في بلادهم ظلم منهم له, ليس بظالم بخروجه من أيديهم (١) . ٢- ولأن المقام في بلد الحرب حرام فلا يجوز له ذلك ولا يفي بوعدهم (٢) . القول الثالث: لا يلزمه الوفاء بالشرط مطلقا فله أن يهرب ويقتل من قدر عليه منهم ويأخذ أموالهم، وهذا قول عند المالكية (٣) وقول الحنفية في حال أمانهم إياه دون أن يؤمنهم هو (٤) والمفهوم من كلام ابن حزم أن المواثيق والإيمان التي أعطاهم لا شيء عليه فيها (٥) . واستدلوا على ذلك بما يلي: ١- أن الأصل في أمره أنه مكره، والمكره لا شيء عليه (٦) . ٢- ولأن حبسهم إياه ظلم فلا مانع أن يقاوم الظلم بشتى الوسائل (٧) . الترجيح الذي يظهر بعد عرض الأقوال أن الأسير إذا أطلقه العدو على أن يبقى في ديارهم لا يخلو أن يكون قادرا على إظهار دينه حرا في تعبده لله ، أو لا يقدر على إظهار دينه، فهو مضطهد فيه.

стр. 436

فأما الحالة الأولى: إذا قدر على إظهار دينه، فإن القول الأول الذي يلزمه بالوفاء بالشروط التي أطلق من الأسر عليها هو الراجح في حقه. لما سبق من الأدلة التي تلزمه بالوفاء، ولأن في ذلك مصلحة للأسرى حيث يمكن إطلاقهم إذا وفوا بالشروط المتفق عليها. ثم في ذلك دعوة إلى الإسلام، فربما بقاؤهم في بلاد الكفار وهم قادرون على إظهار دينهم أولى من خروجهم، لأنهم بذلك يستطيعون نشر الإسلام وإظهاره. أما إن كان الأسير الذي أطلق ليبقى في بلاد الكفار لا يقدر على إظهار دينه ومضطهدا فيه، فإن الراجح في حقه في هذه الحالة أن يخرج من بلاد الكفر هربا بدينه. ولا يجوز له أن يقتل أحدا منهم ولا أن يأخذ من أموالهم شيئا وفاء بالشروط ما أمكن إلى ذلك سبيلا، وعلى هذا يترجح في هذه الحالة القول الثاني فلا يقتل أحدا منهم ولا يأخذ شيئا من أموالهم ولا يلزمه البقاء في بلادهم. أما القول الثالث: فيمكن حمله على ما إذا منعوه من الخروج وهو غير قادر على إظهار دينه فله أن يقتل من يمنعه من الخروج ويأخذ ماله، وأما غير ذلك فلا يجوز لما سبق من وجوب الوفاء بالشروط، والله أعلم.

стр. 437

المطلب الخامس إذا أطلقه العدو على أن ينفذ لهم في بلاد المسلمين ما يريدون وفيه فرعان: الفرع الأول: إذا أطلقه العدو على أن يحمل لهم من بلاد الإسلام الفداء . الفرع الثاني: إذا أطلقه العدو ليكون جاسوسا لهم على المجاهدين. الفرع الأول: إذا أطلقه العدو على أن يحمل لهم فداء من المال من بلاد الإسلام اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في الوفاء بهذا الشرط إلى قولين: القول الأول: يلزمه الوفاء بالشرط فيبعث إليهم بالمال، أو يعود إليهم به، وبهذا قال الجمهور (١) إلا أن الحنابلة، والشافعي في القديم شرطوا أن لا يكون الأسير مكرها على الفداء، فإن كان مكرها لم يلزمه الوفاء (٢) . واستدل الجمهور بما يلي: ١- عموم قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١] . ٢- وعموم قوله ﷺ : «المسلمون عند شروطهم» (٣) . ٣- ولأن النبي ﷺ لما صالح قريشا في الحديبية على أن يرد من جاء من قريش ولو كان مسلما وفىّ لهم بالشروط. وقال: (إنا لا يصلح في ديننا الغدر) (٤) .

стр. 438

٤- ولأن في الوفاء مصلحة للأسرى وفي الغدر مفسدة لهم، لأنه إذا غدر الأسير لم يؤمنوا بعده أحدا من الأسرى، والحاجة تدعو إلى أن يطلقوا الأسرى فلزمه الوفاء (١) . القول الثاني: لا يلزمه الوفاء بالشرط. وبهذا قال الشافعية في المشهور (٢) وهو قول عند المالكية (٣) ورواية عند الحنابلة فيما إذا عجز عن الفداء (٤) وهو قول ابن حزم (٥) . واستدلوا بما يلي: ١- أن النبي ﷺ منع رد النساء المسلمات إلى الكفار بعد صلح الحديبية (٦) . لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] . ٢-ولأن الهجرة من بلاد الحرب واجبة والعود إليها معصية فلم يجز العود (٧) . ونوقش الاستدلال بالآية: بأن منع رد النساء المسلمات إلى الكفار جاء على سبيل الاستثناء، لأن في رد النساء المسلمات إلى الكفار تسليطا لهم على وطئهن وذلك محرم، أما الرجال فقد رد النبي ﷺ أبا بصير وغيره إلى الكفار (٨) فدل على لزوم الوفاء بالشرط. الترجيح يظهر رجحان القول الأول لقوة ما استدلوا به، ولمصلحة الأسرى في الفكاك من الأسر وللترغيب في الدخول في الإسلام الذي يأمر بالوفاء وينهي عن الغدر حتى مع العدو إلا أنه يبعث إليهم بالمال ولا يعود إليهم، لما في العودة إليهم من مفاسد عليه. والله أعلم.

стр. 439

الفرع الثاني إذا أطلقه العدو ليكون جاسوسا (١) لهم على المسلمين اتفق الفقهاء (٢) رحمهم الله تعالى أنه يحرم على المسلم أن يتجسس على المسلمين لصالح العدو بأي وسيلة ولأي سبب كان. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧] . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١] . واختلفوا في العقوبة التي يعاقب بها من فعل ذلك إلى ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه يعزر بما يناسب من ضرب وحبس ولا يقتل. وبهذا قال: الحنفية (٣) والشافعية (٤) والمالكية في قول (٥) وظاهر قول الحنابلة (٦) . واستدلوا على ذلك بما يلي: ١- ما جاء في قصة الصحابي حاطب بن أبي بلتعة (٧) ﵁ حيث بعث إلى قريش بكتاب يخبرهم بعزم النبي ﷺ على فتح مكة.

стр. 440

فعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير، والمقداد بن الأسود (١) وقال: (انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ (٢) فإن بها ظعينة (٣) ومعها كتاب فخذوه منها، فانطلقنا تعادي بنا خيلنا (٤) حتى انتهينا إلى الروضة فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب، أو لنلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها (٥) فأتينا به رسول الله ﷺ فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من أهل مكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ ما هذا يا حاطب؟ قال: يا رسول الله لا تعجل علي إني كنت إمرأً ملصقا (٦) في قريش ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذا فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي، وما فعلت كفرا، ولا ارتداد ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله ﷺ قد صدقكم، فقال عمر: يا رسول الله دعني اضرب عنق هذا المنافق ﷺ قال: إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل (٧) الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم (٨)) (٩) .

стр. 441

وفي رواية فقال عمر: (إنه قد خان الله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه) (١) . وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ لم يقتل حاطب بن أبي بلتعة مع أنه خابر المشركين بأمر النبي ﷺ وقد كان ﷺ يريد غرتهم، وهذا عام في حاطب وغيره (٢) . ونوقش هذا الاستدلال، بأن النبي ﷺ لم يقتل حاطبا لأنه كان من أهل بدر، وهذا مانع لا يوجد في غيره (٣) . ٢- عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، أني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس والثيب الزاني والمفارق لدينه التارك للجماعة» (٤) . وجه الدلالة من الحديث: أنه لا يحل قتل المسلم إلا بإحدى هذه الثلاث فالتجسس على المسلمين لصالح الكفار لا يحل دم المسلم (٥) . ويمكن مناقشة هذا الاستدلال: بأن قتل المسلم ليس مقصورا على ما ورد في حديث ابن مسعود، لأن هناك نصوصا صحيحة تدل على جواز قتل المسلم في غير ما ورد في حديث ابن مسعود. ومن ذلك قوله ﷺ «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه» (٦) .

стр. 442

القول الثاني: أن عقوبته القتل. وهذا قول عند المالكية (١) وقول عند الحنابلة (٢) . واستدلوا بما يلي: ١- حديث حاطب بن أبي بلتعة السابق. ووجه الدلالة منه: أن النبي ﷺ أقر عمر ﵁ على إرادة القتل لحاطب لولا المانع، وهو أنه شهد بدرا وهذا منتف في غير حاطب، فلو كان الإسلام مانعا من قتله لما علل بأخص منه وهو كونه شهد بدرا (٣) . ويمكن مناقشة هذا الاستدلال: بأن المانع من قتل حاطب هو الإسلام لا كونه شهد بدرا فيشمل ذلك كل مسلم. يدل على ذلك أن فرات بن حيان (٤) وقد أمر النبي ﷺ بقتله لأنه كان جاسوسا على المسلمين قال: إني مسلم فقال ﷺ «إن منكم رجالا نكلهم إلى إيمانهم منهم فرات بن حيان» (٥) .

стр. 443

فلم يقتله النبي ﷺ رغم أنه كان جاسوسا للعدو على المسلمين، لأنه قال: إني مسلم، فالإسلام مانع من قتله. ٢- ولأن في قتله دفعا لشره وردعا لأمثاله (١) . القول الثالث: أن عقوبته ترجع إلى اجتهاد الإمام. فإن رأى الإمام أن المصلحة في قتله، قتله وإن رأى غير ذلك فعل به ما يناسب حاله، وما يكون رادعا لأمثاله. وهذا القول روي عن مالك (٢) واختاره ابن القيم من الحنابلة (٣) . جاء في الذخيرة: قال مالك (يجتهد فيه الإمام كالمحارب) (٤) . وفي زاد المعاد: (والصحيح أن قتله راجع إلى رأي الإمام فإن رأى في قتله مصلحة للمسلمين قتله، وإن كان استبقاؤه أصلح، استبقاه) (٥) . الترجيح القول الثالث هو الراجح أن عقوبته إلى اجتهاد الإمام لأن الإمام موكول إليه أمر الجهاد وتدبير الحرب وهو الذي بيده تقدير المصلحة والمفسدة فعقوبة الجاسوس تكون إليه، ولأن في هذا القول جمعا بين القولين السابقين وإعمالا للأدلة.

стр. 444

المبحث السادس في أحكام الغنيمة والفيء والنفل وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: في أحكام الغنيمة . المطلب الثاني: في أحكام الفيء. المطلب الثالث: في أحكام النفل. المطلب الأول في أحكام الغنيمة وفيه أربعة فروع: الفرع الأول: الغلول في الغنيمة . الفرع الثاني: ما يجوز للمجاهد أخذه من الغنيمة قبل القسمة. الفرع الثالث: قسمة الغنيمة قبل أن يكون للجند راتب من الدولة. الفرع الرابع: قسمة الغنيمة بعد أن أصبح للجند راتب من الدولة. الفرع الأول الغلول في الغنيمة وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: المراد بالغلول. المسألة الثانية: حكم الغلول. المسألة الثالثة: عقوبة الغال.

стр. 445

المسألة الأولى المراد بالغلول أولا: في اللغة. الغلول: الخيانة، جاء في لسان العرب: غل يغل غلولا، وأغل خان. قال الشاعر: جزي الله عنا حمزة ابنة نوفل جزاء مغلٍ بالأمانة كاذب. والغلول: الخيانة في المغنم، والسرقة من الغنيمة، وكل من خان في شيء خفية فقد غل. وخص بعضهم الغل بأنه في الفيء والغنيمة (١) . ثانيا: عند الفقهاء: عرفه الحنفية بأنه السرقة من الغنيمة (٢) . والمالكية بأنه: أخذ ما لم يبح الانتفاع به من الغنيمة قبل حوزها (٣) . والشافعية بأنه: ما أخذه أمير الجيش، أو أحد الغزاة من المغنم مما يجب قسمته بين العسكر، ولا يأتي به إلى متولي القسم ليقسمه بين مستحقيه (٤) . وعرفه الحنابلة بأنه: كتم الغنيمة، أو بعضها (٥) . والذي يظهر من هذه التعاريف أن الغلول من الغنيمة والفيء يكون على وجه الكتمان والخفاء وأن ذلك مما لم يبح الانتفاع به من الغنيمة للحاجة، وأنه مما يجب قسمته بين الجنود. ولذا يمكن تعريف الغلول بأنه: ما أخذ من الغنيمة أو الفيء على وجه الكتمان مما لم يبح الانتفاع به مما يجب قسمته بين العسكر، والله أعلم.

стр. 446

المسألة الثانية حكم الغلول من الغنيمة (١) والفيء (٢) الغلول من الغنيمة والفيء حرام قليله وكثيره، يدل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع الأمة فمن الكتاب. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] . والمراد من يخن من غنائم المسلمين شيئا وفيئهم يأتي به يوم القيامة في المحشر، حاملا له على ظهره ورقبته، معذبا بجملة وثقله، ومرعوبا بصوته، وموبخا بإظهار خيانته على رءوس الأشهاد (٣) ومن السنة. ١- ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قام فينا النبي ﷺ فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره، قال: (لا ألفين (٤) أحدكم يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة (٥) يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك وعلى رقبته بعير له رغاء (٦) يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك

стр. 447

لك شيئا، قد أبلغتك وعلى رقبته صامت (١) فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك أو علي رقبته رقاع تخفق (٢) فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك) (٣) . ٢- وعن أبي هريرة ﵁ قال: (افتتحنا (٤) خيبر ولم نغنم ذهبا ولا فضة، إنما غنمنا البقر والإبل والمتاع والحوائط ثم انصرفنا مع رسول الله ﷺ إلى وادي القرى (٥) ومعه عبد له يقال له مدعم أهداه له أحد بني الضباب، فبينما هو يحط رحل رسول الله ﷺ إذ جاءه سهم عائر حتى أصاب ذلك العبد، فقال الناس هنيئا له الشهادة فقال رسول الله ﷺ بلي والذي نفسي بيده، إن الشملة (٦) التي أصابها يوم خيبر من الغنائم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا، فجاء رجل حين سمع ذلك من النبي ﷺ بشراك (٧) أو بشراكين فقال: هذا شيء كنت أصبته، فقال رسول الله ﷺ : شراك أو شراكان في النار) (٨) .

стр. 448

وقد أجمعت الأمة على أن الغلول من الغنيمة والفيء محرم. جاء في بداية المجتهد (اتفق المسلمون على تحريم الغلول) (١) . إذا تقرر تحريم الغلول بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، فما هي عقوبة الغال؟ المسألة الثالثة عقوبة الغال للغال من الغنيمة والفيء عقوبتان (٢) : العقوبة الأولى: عقوبة أخروية إذا مات ولم يتب ويتحلل مما غل، وقد تقدمت الأدلة على ذلك والتي توضح أن الغال يأتي يوم القيامة بما غل يحمله معذبا به وموبخا بإظهار خيانته على رءوس الأشهاد، وأنه يحرم الفوز بالشهادة ويعذب في النار (٣) . العقوبة الثانية: عقوبة دنيوية وتكون عامة وخاصة. فأما العامة: فإن الغلول ما ظهر في قوم إلا ألقي في قلوبهم الرعب وتأخر النصر عنهم (٤) . عن ابن عباس ﵃ قال: (ما ظهر الغلول في قوم إلا ألقي في قلوبهم الرعب..) (٥) . وأما الخاصة فهي فيمن غل. اتفق الفقهاء (٦) -رحمهم الله تعالى فيما أعلم- على أن للإمام تعزيزه بالضرب، أو الحبس أو ما يراه مناسبا لعقوبته ورادعا لأمثاله.

стр. 449

واختلفوا في إحراق رحل الغال ومتاعه إلى قولين: القول الأول: أنه لا يحرق رحله ولا متاعه، وهذا قول الجمهور (١) . واستدلوا بما يلي: ١- ما جاء في حديث مدعم مولى الرسول ﷺ الذي غل الشملة في خيبر وقد تقدم ذكره (٢) وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يحرق رحله، وإنما بين أن الشملة تشتعل عليه نارا، فكذلك من غل لا يحرق رحله ومتاعه (٣) . ٢- ولأن حرق رحله ومتاعه إضاعة للمال (وقد نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال) (٤) . ونوقشت هذه الأدلة بما يلي: ١- أما حديث معدم فلا حجة لهم فيه، لأنه لم يعترف أنه أخذه على سبيل الغلول، ولا أنه أخذه لنفسه (٥) وإنما أخبر النبي ﷺ بذلك بعد أن قتل. ٢- أما النهي عن إضاعة المال، فإنما يكون ذلك إذا لم يكن فيه مصلحة، أما إذا كان فيه مصلحة فلا بأس بذلك، ولا يعد تضييع للمال، كإلقاء المتاع في البحر إذا خيف الغرق (٦) . ويمكن الجواب على هذه المناقشة: بأن الناس قد جاءوا بعدما سمعوا هذا الوعيد للغال بما لديهم من شراك ونحوه، ولم يحرق النبي ﷺ متاعهم.

стр. 450

وأما القياس على إلقاء المتاع في البحر للمحافظة على النفس فهو قياس مع الفارق، لأن في ذلك إتلاف للمال للمحافظة على النفوس التي هي أعظم من المال، أما في الغال فإحراق المال عقوبة له ويمكن عقابه بغير إحراق المال. والله أعلم. القول الثاني: أنه يحرق رحله ومتاعه قال به الحنابلة على المذهب (١) والأوزاعي (٢) وغيرهم واستثنوا من ذلك الحيوان، لأنه لا يدخل في اسم المتاع، وسرج الحيوان لأنه ملبوس له وثياب الغال، لأنه لا يجوز تركه عريانا، والمصحف فإنه لا يحرق لحرمته، والسلاح لأنه يحتاج إليه للقتال، ونفقته لأن ذلك مما لا يحرق عادة (٣) . واستدلوا بما يلي: ١- عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إذا وجدتم الرجل قد غل فأحرقوا متاعه واضربوه) (٤) . ٢- عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده (أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر أحرقوا متاع الغال) (٥) .

стр. 451

ونوقشت هذه الأدلة بما يلي: ١- أن هذه الأحاديث ضعيفة، ومما يدل على ذلك: أن الغلول كان كثيرا في زمن النبي ﷺ لكثرة المنافقين والأعراب، وأهل المغازي لم يتركوا شيئا مما فعله النبي ﷺ في مغازيه إلا ذكروه، فلو كان أحرق رحل أحد لنقلوا ذلك لنا مستفيضا وحيث لم ينقل ذلك في كتب السير المشهورة دل على ضعفها أو أنه لا أصل لها (١) . وكذلك مخالفة الأحاديث والآثار المشهورة في أن النبي ﷺ لم يحرق أحدا ولو صحت الأحاديث لاحتمل أن يكون ذلك حين كانت العقوبات في الأموال، كما في مانعي الزكاة (٢) . ٢- أن الذين قالوا يحرق الرحل والمتاع استثنوا المصحف والحيوان والسلاح وملابس الغال ونفقته، فيقاس على ذلك سائر الأمتعة، الغازي لا يحمل معه في العادة إلا ما يحتاج إليه للقتال (٣) . الترجيح الذي يظهر رجحان قول الجمهور أنه لا يحرق متاعه ورحله لما سبق من الأدلة؛ ولأن المجاهد لا يوجد معه إلا سلاحه ولباسه وطعامه وشرابه ولا يحرق شيء من ذلك بالاتفاق. والله أعلم.

стр. 452

الفرع الثاني ما يجوز للمجاهد أخذه من الغنيمة قبل القسمة وفيه أربع مسائل: المسألة الأولى: أخذ السلاح من الغنيمة للقتال به، ثم رده بعد القتال . المسألة الثانية: الأكل من الغنيمة بقدر الحاجة. المسألة الثالثة: تموين المركوب من الغنيمة في أرض العدو. المسألة الرابعة: استعمال الأدوية من الغنيمة للعلاج. المسألة الأولى أخذ السلاح من الغنيمة للقتال به ثم رده بعد القتال اتفق الفقهاء رحمهم الله تعالى فيما أعلم أنه يجوز أخذ المجاهد للسلاح من الغنيمة قبل القسمة إذا احتاج إليه في قتال العدو، ثم يرده بعد القتال (١) . يدل على ذلك ما يلي: ١- قال ابن مسعود ﵁ (انتهيت إلى أبي جهل فوقع سيفه من يده فأخذته فضربته به حتى برد) (٢) . وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم ينكر على ابن مسعود استخدام سلاح العدو في القتال فدل ذلك على جواز استخدام سلاح العدو في القتال عند الحاجة. ٢- ولأن الحاجة إلى السلاح أعظم من الحاجة إلى الطعام، وضرر استعماله أقل من ضرر الأكل من الغنيمة لعدم زوال عين السلاح بالاستعمال (٣) .

стр. 453

وبهذا يتقرر جواز أخذ السلاح من الغنيمة لقتال العدو عند الحاجة إلى ذلك فإن لم تكن هناك حاجة. فلا يجوز أخذه (١) والله أعلم. المسألة الثانية الأكل من الغنيمة بقدر الحاجة اتفق الفقهاء (٢) رحمهم الله تعالى - فيما أعلم - أنه يجوز الأكل من الغنيمة بقدر الحاجة. جاء في شرح صحيح مسلم: (أجمع العلماء على جواز أكل طعام الحربيين ما دام المسلمون في دار الحرب، فيأكلون منه قدر حاجتهم) (٣) . والأدلة على ذلك ما يلي: ١- عن ابن عمر ﵄ قال: (كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكل ولا نرفعه) (٤) . ٢-عن عبد الله بن مغفل (٥) ﵁ قال: (كنا محاصرين قصر خيبر فرمي إنسان بجراب (٦) فيه شحم فنزوت (٧) لأخذه فالتفت فإذا النبي ﷺ فاستحييت منه) (٨) .

стр. 454

وعند مسلم بلفظ (أصبت جرابا من شحم يوم خيبر، قال فالتزمته فقلت: لا أعطي اليوم أحدا من هذا شيئا، قال: فالتفت فإذا رسول الله ﷺ متبسما) (١) . وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم ينكر عليهم أكلهم من الغنائم التي أصابوها بل في رواية مسلم ما يدل على إقرار النبي ﷺ لذلك قال: (فالتفت فإذا رسول الله ﷺ متبسما) (٢) . ٣- ولأن الحاجة داعية إلى جواز أكلهم من الغنائم لأن ما معهم من الطعام ينفذ ويصعب عليهم حمل كل ما يحتاجون من الطعام من بلاد الإسلام فيأكلون من الغنائم بقدر الحاجة (٣) . المسألة الثالثة تموين المركوب من الغنيمة في أرض العدو اتفق الفقهاء (٤) رحمهم الله تعالى فيما أعلم أنه يجوز تموين المركوب بما يحتاج من أرض العدو جاء في فتح الباري: (اتفق علماء الأمصار على جواز أكل الطعام.. وأما العلف فهو في معناه..) (٥) . ويدل على ذلك ما يلي: ١- عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يوم خيبر (كلوا واعلفوا ولا تحملوا) (٦) .

стр. 455

فقوله: (واعلفوا) يدل على جواز تموين المركوب من أرض العدو. ٢- ولأن الحاجة داعية إلى ذلك، لأنه لا يمكنهم أن يصطحبوا من التموين مقدار ما يكفيهم فالحاجة إلى تموين المركوب كالحاجة إلى الطعام من الغنيمة (١) . إذا تقرر جواز تموين المركوب من الغنيمة في أرض العدو، فإن المركوب يختلف باختلاف الزمان، فكان المركوب في الزمن الماضي من الدواب وهذا ما جاءت النصوص به وبجواز العلف له من أرض العدو. أما العصر الحاضر فالمركوب طائرات ودبابات وناقلات، ونحو ذلك من وسائل النقل المختلفة وآليات الحرب المتعددة، وهذه الآليات تقوم مقام الدواب في الزمن الماضي وعلى هذا يجوز تزويدها بالوقود وما تحتاج إليه من الغنيمة في أرض العدو. والله أعلم. المسألة الرابعة استعمال الأدوية من الغنيمة للعلاج اختلف الفقهاء في هذه المسألة إلى قولين: القول الأول: يجوز استعمال الأدوية من الغنيمة في أرض العدو عند الحاجة إلى ذلك، وبهذا قال الحنابلة (٢) والمالكية إذا كانت من نبت الأرض (٣) وقول عند الشافعية (٤) . واستدلوا بما يلي: ١- أن الأدوية من الطعام، والطعام يجوز الأكل منه بقدر الحاجة بالاتفاق. ٢- أن الحاجة تدعو إلى ذلك، لصعوبة حمل الدواء والحاجة لإنقاذ المرضى والجرحى (٥) .

стр. 456

القول الثاني: لا يجوز استعمال الأدوية من الغنيمة في أرض العدو. وبهذا قال الحنفية (١) والمالكية إذا كانت من غير نبت الأرض (٢) والصحيح من قولي الشافعية (٣) . واستدلوا بما يلي (٤) : ١- أن الأدوية ليست من الطعام، فلا يجوز استعمالها. ٢- أن الحاجة تندر إلى استعمال الأدوية. الترجيح الذي يظهر أن القول الأول هو الراجح. لأن الحاجة تدعو إلى ذلك ولو لم تكن الأدوية من الطعام، وقولهم تندر الحاجة إلى استعمال الأدوية فيه نظر. لأنهم في أرض العدو معرضون للمرض وللجراح والإصابات المختلفة فهم في أشد الحاجة إلى العلاج، وعلى هذا يجوز استخدام المستشفيات في أرض العدو، ومعالجة المجاهدين فيها بكل طاقاتها ومقوماتها وتقديم العلاج اللازم لهم. والله أعلم.

стр. 457

الفرع الثالث قسمة الغنيمة قبل أن يكون للجند راتب من الدولة وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تخميس الغنيمة . المسألة الثانية: سهم الفارس. المسألة الثالثة: سهم الراجل. المسألة الأولى تخميس الغنيمة اتفق الفقهاء (١) رحمهم الله تعالى فيما أعلم أن الغنيمة تخمس عدا الأراضي (٢) فخمس الغنيمة لأربابه الذين قال الله تعالى فيهم ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١] . وأربعة أخماسها للغانمين الذين حضروا للجهاد وكانوا مسلمين بالغين أحرارا أصحاء سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا.

стр. 458

جاء في البحر الرائق: يجب على الإمام تقسيم الغنيمة ويخرج خمسها، وأربعة أخماسها للغانمين قال: (وعليه إجماع المسلمين) (١) . وجاء في بداية المجتهد: اتفق المسلمون أن خمس الغنيمة للإمام وأربعة أخماسها للذين غنموها (٢) . وجاء في مشارع الأشواق: (اتفقوا على أن من حضر الواقعة بنية الجهاد وهو ذكر حر بالغ مسلم صحيح، استحق السهم سواء قاتل أو لم يقاتل) (٣) . إذا تقرر أن أربعة أخماس الغنيمة للمجاهدين الذين حضروا القتال ممن هم أهل للجهاد فما نصيب كل منهم من الغنيمة؟ والجواب عن هذا يأتي في المسألة الثانية والثالثة إن شاء الله. المسألة الثانية سهم الفارس (٤) من الغنيمة اتفق الفقهاء (٥) رحمهم الله تعالى - فيما أعلم - أن الفارس يفضل في سهمه على الراجل (٦) جاء في الحاوي الكبير: لا اختلاف أن الفارس يفضل في الغنيمة على الراجل (٧) .

стр. 459

واختلفوا في مقدار التفضيل إلى قولين: القول الأول: أن الفارس يعطي من الغنيمة ثلاثة أسهم؛ سهم له وسهمان لفرسه، وبهذا قال الجمهور (١) . واستدلوا بما يلي: ١- عن ابن عمر ﵄ (أن رسول الله ﷺ جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهما) (٢) . قال ابن حجر ﵀: فيصير للفارس ثلاثة أسهم (٣) . ٢- ولأن الفارس أكثر مؤنة من الراجل فوجب أن يزاد له في السهام (٤) . ونوقش قول الجمهور بما يلي: ١- أن في ذلك تفضيلا للبهيمة على الآدمي وذلك غير جائز، لأن الاستحقاق بالقتال، والراجل يقاتل والفرس لا تقاتل وحدها، ولهذا كان القياس أن لا يسوي بينهم، وأن لا يستحق بالفرس شيئا لأنه من آلات الحرب، لكن الآثار اتفقت على تفضيله بسهم واحد فيأخذ بما اتفق عليه، ويبقى ما اختلف فيه على أصل القياس (٥) . ٢- وأما اعتبار المؤنة في التفضيل فلا معنى له فصاحب الحمار والبغل يلتزم المؤنة ولا يستحق شيئا بذلك، وكذا صاحب الفيل والبعير (٦) . والجواب على هذه المناقشة

стр. 460

أن الحنفية قد فضلوا الدابة على الإنسان في بعض الأحكام فقالوا: لو قتل كلب صيد قيمته أكثر من عشرة آلاف أداها، فإن قتل عبدا مسلما لم يؤد فيه إلا دون العشرة آلاف درهم (١) ثم إذا جازت المساواة بين البهيمة والآدمي في السهام فما الذي يمنع التفضيل (٢) ؟ القول الثاني: يعطي الفارس سهما وفرسه سهما، فيكون للفارس سهمان، وهذا قول أبي حنيفة (٣) . واستدل (٤) بحديث مجمع بن جارية الأنصاري (٥) (أن النبي ﷺ قسم خيبر على أهل الحديبية (٦) ثمانية عشرة سهما وكان الجيش ألفا وخمسمائة فيهم ثلاثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين وأعطى الراجل سهما) (٧) . ونوقش هذا: بأنه يحتمل أنه أعطى الفارس سهمين لفرسه وأعطى الراجل سهما أي صاحب الفرس فيكون للفارس ثلاثة أسهم (٨) . ثم حديث ابن عمر أصح منه (٩) قال ابن حزم: مجمع مجهول وأبوه كذلك (١٠) .
следующие страницы →