← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1933

أحكام المجاهد بالنفس في سبيل الله عز وجل في الفقه الإسلامي

مرعي الشهري

Полный текст (646 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

القول الثاني: لا يجوز استعمال الأدوية من الغنيمة في أرض العدو. وبهذا قال الحنفية (١) والمالكية إذا كانت من غير نبت الأرض (٢) والصحيح من قولي الشافعية (٣) . واستدلوا بما يلي (٤) : ١- أن الأدوية ليست من الطعام، فلا يجوز استعمالها. ٢- أن الحاجة تندر إلى استعمال الأدوية. الترجيح الذي يظهر أن القول الأول هو الراجح. لأن الحاجة تدعو إلى ذلك ولو لم تكن الأدوية من الطعام، وقولهم تندر الحاجة إلى استعمال الأدوية فيه نظر. لأنهم في أرض العدو معرضون للمرض وللجراح والإصابات المختلفة فهم في أشد الحاجة إلى العلاج، وعلى هذا يجوز استخدام المستشفيات في أرض العدو، ومعالجة المجاهدين فيها بكل طاقاتها ومقوماتها وتقديم العلاج اللازم لهم. والله أعلم.

стр. 457

الفرع الثالث قسمة الغنيمة قبل أن يكون للجند راتب من الدولة وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تخميس الغنيمة . المسألة الثانية: سهم الفارس. المسألة الثالثة: سهم الراجل. المسألة الأولى تخميس الغنيمة اتفق الفقهاء (١) رحمهم الله تعالى فيما أعلم أن الغنيمة تخمس عدا الأراضي (٢) فخمس الغنيمة لأربابه الذين قال الله تعالى فيهم ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١] . وأربعة أخماسها للغانمين الذين حضروا للجهاد وكانوا مسلمين بالغين أحرارا أصحاء سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا.

стр. 458

جاء في البحر الرائق: يجب على الإمام تقسيم الغنيمة ويخرج خمسها، وأربعة أخماسها للغانمين قال: (وعليه إجماع المسلمين) (١) . وجاء في بداية المجتهد: اتفق المسلمون أن خمس الغنيمة للإمام وأربعة أخماسها للذين غنموها (٢) . وجاء في مشارع الأشواق: (اتفقوا على أن من حضر الواقعة بنية الجهاد وهو ذكر حر بالغ مسلم صحيح، استحق السهم سواء قاتل أو لم يقاتل) (٣) . إذا تقرر أن أربعة أخماس الغنيمة للمجاهدين الذين حضروا القتال ممن هم أهل للجهاد فما نصيب كل منهم من الغنيمة؟ والجواب عن هذا يأتي في المسألة الثانية والثالثة إن شاء الله. المسألة الثانية سهم الفارس (٤) من الغنيمة اتفق الفقهاء (٥) رحمهم الله تعالى - فيما أعلم - أن الفارس يفضل في سهمه على الراجل (٦) جاء في الحاوي الكبير: لا اختلاف أن الفارس يفضل في الغنيمة على الراجل (٧) .

стр. 459

واختلفوا في مقدار التفضيل إلى قولين: القول الأول: أن الفارس يعطي من الغنيمة ثلاثة أسهم؛ سهم له وسهمان لفرسه، وبهذا قال الجمهور (١) . واستدلوا بما يلي: ١- عن ابن عمر ﵄ (أن رسول الله ﷺ جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهما) (٢) . قال ابن حجر ﵀: فيصير للفارس ثلاثة أسهم (٣) . ٢- ولأن الفارس أكثر مؤنة من الراجل فوجب أن يزاد له في السهام (٤) . ونوقش قول الجمهور بما يلي: ١- أن في ذلك تفضيلا للبهيمة على الآدمي وذلك غير جائز، لأن الاستحقاق بالقتال، والراجل يقاتل والفرس لا تقاتل وحدها، ولهذا كان القياس أن لا يسوي بينهم، وأن لا يستحق بالفرس شيئا لأنه من آلات الحرب، لكن الآثار اتفقت على تفضيله بسهم واحد فيأخذ بما اتفق عليه، ويبقى ما اختلف فيه على أصل القياس (٥) . ٢- وأما اعتبار المؤنة في التفضيل فلا معنى له فصاحب الحمار والبغل يلتزم المؤنة ولا يستحق شيئا بذلك، وكذا صاحب الفيل والبعير (٦) . والجواب على هذه المناقشة

стр. 460

أن الحنفية قد فضلوا الدابة على الإنسان في بعض الأحكام فقالوا: لو قتل كلب صيد قيمته أكثر من عشرة آلاف أداها، فإن قتل عبدا مسلما لم يؤد فيه إلا دون العشرة آلاف درهم (١) ثم إذا جازت المساواة بين البهيمة والآدمي في السهام فما الذي يمنع التفضيل (٢) ؟ القول الثاني: يعطي الفارس سهما وفرسه سهما، فيكون للفارس سهمان، وهذا قول أبي حنيفة (٣) . واستدل (٤) بحديث مجمع بن جارية الأنصاري (٥) (أن النبي ﷺ قسم خيبر على أهل الحديبية (٦) ثمانية عشرة سهما وكان الجيش ألفا وخمسمائة فيهم ثلاثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين وأعطى الراجل سهما) (٧) . ونوقش هذا: بأنه يحتمل أنه أعطى الفارس سهمين لفرسه وأعطى الراجل سهما أي صاحب الفرس فيكون للفارس ثلاثة أسهم (٨) . ثم حديث ابن عمر أصح منه (٩) قال ابن حزم: مجمع مجهول وأبوه كذلك (١٠) .

стр. 461

الترجيح الذي يظهر أن الراجح القول الأول أن للفارس ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه لما سبق من الأدلة الصحيحة، ولأن نفع الفارس أكثر ومؤنة الفرس أكثر من الراجل، ويمكن أن يقاس في هذا العصر على الخيل الطائرات بجامع السرعة فيكون للطيار سهم وللطائرة سهمان، ويعطي القائد سهمه، وسهم الطائرة، يعطي من يملكها (١) والله أعلم. المسألة الثالثة سهم الراجل اتفق الفقهاء (٢) رحمهم الله تعالى - فيما أعلم - أن للراجل سهما من الغنيمة. جاء في المغني: لا خلاف في أن للراجل سهما (٣) . يدل على ذلك ما يلي: ١- ما سبق من الأدلة في مسألة سهم الفارس وأن النبي ﷺ أعطى الراجل سهما واحدا (٤) . ٢-ولأن الراجل يحتاج إلى أقل مما يحتاج إليه الفارس فيكون سهمه أقل (٥) .

стр. 462

الفرع الرابع قسمة الغنيمة بعد أن أصبح للجند راتب لا تقسم الغنائم بين الجند في هذا العصر بعد أن أصبح للجند رواتب تصرف من الجهة المسئولة عنهم وهي ما يسمى (وزارة الدفاع) (١) . والتي لها ميزانية خاصة يعطى الجند منها مرتباتهم وملابسهم وإعاشتهم ويمنعون من ممارسة غير العمل العسكري (٢) وهذا في الجند النظامين المسجلة أسماؤهم في سجلات الجيش. والغنائم التي يحصل عليها الجند من جراء قتال الكفار لا يجوز لهم أخذ شيء منها، لأن ذلك غلول محرم (٣) . ولا تقسم بينهم وإنما يصرف خمسها إلى بيت مال المسلمين العام يصرفه الإمام في مصالح المسلمين. وأربعة أخماس الغنيمة تؤخذ لصالح ميزانية الجهة المسئولة عن الجند يصرف منها على الجند رواتبهم وما يحتاجون إليه. وذلك لما يأتي: ١- أن الجند أصبح لهم رواتب تكفيهم عن الغنيمة. ٢- أن الإمام إذا رأى عدم قسمة الغنيمة للمصلحة العامة فإن له ذلك. ٣- أن الأموال المغنومة في هذا العصر، كالصواريخ والدبابات يصعب على الفرد أن يمتلكها ويتعذر على الدولة أن تملكها لأفراد قواتها المسلحة (٤) والله أعلم.

стр. 463

المطلب الثاني في أحكام الفيء وفيه فرعان الفرع الأول: حكم أخذ الفيء . الفرع الثاني: قسمة الفيء على الجنود في الماضي والحاضر. الفرع الأول حكم أخذ الفيء (١) لا خلاف بين الفقهاء (٢) رحمهم الله تعالى - فيما أعلم - على جواز أخذ الفيء. والأصل في ذلك ما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٦، ٧] . ٢- عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله ﷺ مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب فكانت لرسول الله ﷺ خاصة وكان ينفق على أهله نفقة سنته، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله) (٣) .

стр. 464

الفرع الثاني قسمة الفيء بين الجنود في الماضي (١) والحاضر (٢) . أولا: في الماضي: اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في الجهة التي يصرف فيها الفيء إلى قولين: القول الأول: أن الفيء لجميع المسلمين ويدخل الجنود فيه دخولا أوليا فيعطون منه ما يكفيهم وهذا قول الجمهور (٣) . واستدلوا بما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٦، ٧] . قال عمر ﵁ لما قرأ هذه الآيات: (استوعبت المسلمين) (٤) . وقال أحمد ﵀: (فيه حق لكل المسلمين) (٥) .

стр. 465

٢- عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله ﷺ مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله ﷺ خاصة، وكان ينفق على أهله نفقة سنته، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله) (١) . وجه الدلالة: أن النبي ﷺ اختص بأموال الفيء أنفق منها على نفسه وأهله، وجعل الباقي في مصالح المسلمين، من تأمين السلاح وعدة القتال في سبيل الله، وهكذا من ولى أمر المسلمين يأخذ منها نفقته، والباقي لمصالح المسلمين. القول الثاني: أن الفيء يخمس كالغنيمة، فخمس يصرف في مصرف خمس الغنيمة، كما جاءت بذلك الآية في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١] . وأربعة أخماس الفيء للجنود لا يشاركهم فيه أحد. وهذا أظهر الأقوال عند الشافعية (٢) وقول عند الحنابلة (٣) . واستدلوا بما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧] . ووجه الدلالة: أن هذه الآية مطلقة وآية الغنيمة مقيدة: ﴿واعلموا- وابن السبيل﴾ [الأنفال: ٤١] . فيحمل المطلق على المقيد جمعا بينهما لاتحاد الحكم وهو رجوع المال من المشركين إلى المسلمين، وإن اختلف السبب بالقتال وعدمه، كما حملت الرقبة في الظهار على المؤمنة في كفارة القتل (٤) .

стр. 466

٢- ولأن المقاتلة أولى الناس بالفيء لأنه لا يحصل إلا بهم (١) . ويمكن مناقشة هذا بما يلي: ١- أن الغنيمة تختلف عن الفيء فالغنيمة مال أخذ بالقتال والقهر والغلبة والفيء بدون ذلك. ٢- أن الله تعالى أضاف الفيء إلى أهل الخمس، كما أضاف خمس الغنيمة إلى أهله، فإيجاب الخمس في الفيء فيه منع لما جعله الله لهم بغير دليل (٢) . الترجيح الذي يظهر أن الجميع متفقون على إعطاء المجاهدين من الفيء إلا أن الجمهور يعطونهم اشتراكا مع عامة المسلمين ويقدمونهم على غيرهم في العطاء بالأولوية. أما الشافعية في الأظهر عندهم ورواية عند الحنابلة، فإنهم خصصوا لهم أربعة أخماس الفيء دون غيرهم. وقول الجمهور أقرب إلى الرجحان، لا اختلاف الفيء عن الغنيمة ولحديث عمر ﵂ في صحيح البخاري (أن أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله ﷺ فكانت له خاصة) (٣) . ولو كان الفيء يخمس لفعله النبي ﷺ والله أعلم. ثانيا: في الحاضر: بعد أن أصبح للجند رواتب من جهات مسئولة عنهم، وعن كل ما يحتاجون إليه فيمكن القول أن الفيء يذهب إلى المؤسسة المالية للدولة ليصرف منه في حاجات البلاد (٤) . وعلى قول الشافعية في الأظهر عندهم ورواية الحنابلة أن أربعة أخماس الفيء للجند فإن الخمس يذهب إلى المؤسسة المالية للدولة، أما أربعة أخماس الفيء فتذهب إلى ميزانية الجهة المسئولة عن الجند. والله أعلم.

стр. 467

المطلب الثالث في أحكام النفل للمجاهد وفيه ثلاثة فروع: الفرع الأول: حكم النفل . الفرع الثاني: فائدة النفل. الفرع الثالث: النفل في الماضي والحاضر. الفرع الأول حكم النفل (١) اتفق الفقهاء (٢) ﵏ فيما أعلم - على جواز تنفيل الإمام من الغنيمة، أو من يقوم مقامه للجند أو بعضهم إذا كان في ذلك مصلحة، وكان بعد إصابة الغنائم (٣) . جاء في بداية المجتهد (اتفق العلماء على جواز تنفيل الإمام من الغنيمة) (٤) . يدل على ذلك ما جاء عن ابن عمر ﵄ قال: (بعث النبي ﷺ سرية (٥) قبل نجد فكنت فيها بلغت سهامنا اثنا عشر بعيرا ونفلنا بعيرا بعيرا فرجعنا بثلاثة عشر بعيرا) (٦) .

стр. 468

وعنه ﵁ (أن رسول الله ﷺ كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم سوى قسم عامة الجيش) (١) . واختلفوا في جواز التنفيل قبل إصابة الغنائم كأن يقول أمير الجيش (القائد) من طلع هذا الحصن أو هدم هذا السور أو فعل كذا فله كذا (٢) . فذهب جمهور الفقهاء (٣) إلى جواز ذلك: واستدلوا بما يلي: ١- عن قتادة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه» (٤) . ٢- وعن عبادة بن الصامت ﵁ (أن النبي ﷺ كان ينفل في البدأة (٥) الربع وفي القفول (٦) الثلث) (٧) .

стр. 469

٣- عن حبيب بن مسلمة الفهري (١) ﵁ أنه قال: (كان رسول الله ﷺ ينفل الربع بعد الخمس والثلث بعد الخمس إذا قفل) (٢) . وذهب الإمام مالك ﵀ إلى أنه لا يجوز التنفيل قبل القتال وإصابة الغنائم (٣) واستدل بما يلي: ١- حديث قتادة ﵁ الذي استدل به الجمهور ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ ما قال ذلك إلا بعد أن برد القتال، وإن فرض إنه قال ذلك قبل القتال. فما قاله ﷺ إلا يوم حنين (٤) . ونوقش هذا: بأن حديث قتادة (من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه) حكم ثابت فيما يأتي من الغزوات (٥) . وأما قوله: أنه ما بلغه ذلك عن النبي ﷺ إلا يوم حنين، فمردود بأن ذلك حفظ عن النبي ﷺ في عدة مواطن، منها يوم بدر، ومنها حديث حاطب بن أبي بلتعة أنه قتل رجلا يوم أحد فسلم له رسول الله ﷺ سلبه (٦) والمقرر عند الصحابة أن السلب للقاتل ولذا أنكروا على خالد بن الوليد ﵁ أخذ السلب من القاتل (٧) .

стр. 470

٢- واستدل كذلك بأن التنفيل قبل القتال وإصابة الغنائم قتال على الدنيا (١) وهذا ليس مقصود من الجهاد في سبيل الله. الترجيح الذي يظهر أن قول الجمهور هو الراجح في جواز التنفيل قبل إصابة الغنائم لما ثبت من الأدلة في ذلك، ولأن فيه مصلحة للمسلمين وتحريضا على القتال، والله أعلم. الفرع الثاني فائدة النفل فائدة النفل التحريض على القتال (٢) والتحريض على القتال مأمور به أمير الجيش (القائد) قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥] . وهذا خطاب للرسول ﷺ ولكل من قام مقامه من أمته (٣) . جاء في بدائع الصنائع (الحاجة تدعو إلى التنفيل لاختصاص بعض الغزاة بزيادة شجاعة، لأنه لا ينقاد طبعه لإظهارها إلا بالترغيب بزيادة من المصاب بالتنفيل) (٤) . فيحسن بالإمام أو قائده أن ينفل من الغنيمة ما يرى أن فيه مصلحة للمسلمين. والله أعلم.

стр. 471

الفرع الثالث النفل في الماضي والحاضر أولا: في الماضي كان النفل يعطي من الغنيمة كأن يقال: خذ يا فلان هذا الدينار أو البعير مثلا، أو مما سيغنم من الكفار كأن يقال: من قتل قتيلا فله سلبه، أو من فعل كذا فله كذا. وقد سبقت الأدلة على ذلك كما في حديث قتادة وعبادة وحبيب بن سلمة (١) ، وقد يكون التنفيل من مال المصالح المرصدة في بيت مال المسلمين (٢) ، إذا تقرر هذا فإن الفقهاء رحمهم الله تعالى اختلفوا في مسألتين. المسألة الأولى: هل النفل من أربعة أخماس الغنيمة أم من الخمس (٣) ؟ المسألة الثانية: ما مقدار النفل؟ المسألة الأولى هل النفل من أربعة أخماس الغنيمة أم من خمسها فقط اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى إلى قولين: القول الأول: أن النفل من أربعة أخماس الغنيمة:

стр. 472

وبهذا قال الحنفية قبل إحراز الغنائم (١) والحنابلة (٢) وابن حزم (٣) . واستدلوا بما سبق من حديث عبادة وحبيب بن سلمة أن النبي ﷺ (نفل الربع والثلث بعد الخمس) (٤) . ووجه الدلالة: أن الربع والثلث لا يتصور إخراجها من الخمس (٥) فلزم أن يكون النفل من أربعة أخماس الغنيمة. القول الثاني: أن النفل يكون من الخمس. وبهذا قال الحنفية إذا أحرزت الغنائم (٦) وهو قول المالكية (٧) والصحيح من أقوال الشافعية (٨) واستدلوا بما جاء عن ابن عمر ﵄ قال: (بعث النبي ﷺ سرية قبل نجد فكنت فيها فبلغت سهامنا اثنا عشر بعيرا ونفلنا بعيرا بعيرا فرجعنا بثلاثة عشر بعيرا) (٩) . وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أعطى كل منهم سهمه من الغنيمة ثم نفلهم من الخمس بعيرا بعيرا. ونوقش استدلالهم بحديث ابن عمر ﵄ أن ذلك محمول على أنه نفلهم من أربعة أخماس الغنيمة وليس من الخمس ويتعين حمل الخبر على هذا، لأنه لو أعطى جميع

стр. 473

الجيش لم يكن ذلك نفلا، وكان قد قسم لهم أكثر من أربعة أخماس الغنيمة وهو خلاف قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] . وخلاف الأخبار الدالة على أن للجنود أربعة أخماس الغنيمة (١) . الترجيح الذي يظهر رجحان القول الأول أن النفل يكون من أربعة أخماس الغنيمة لما سبق من الأدلة. والله أعلم. المسألة الثانية مقدار ما ينفل؟ اختلف الفقهاء- رحمهم الله تعالى- في مقدار ما ينفل إلى قولين: القول الأول: لا يجوز أن ينفل أكثر من الثلث نص عليه أحمد (٢) وهو قول الجمهور من العلماء (٣) واستدلوا بما سبق من حديث عبادة بن الصامت، وحبيب بن مسلمة (أن النبي ﷺ نفل الربع بعد الخمس والثلث بعد الخمس) (٤) . ووجه الدلالة: أن نفل النبي ﷺ انتهى إلى الثلث فينبغي أن لا يتجاوزه (٥) . القول الثاني: أنه لا حد للنفل، وهذا قول الشافعية (٦) .

стр. 474

ووجه هذا القول: أن النفل راجع إلى اجتهاد الإمام فله أن ينفل ما يراه مناسبا ويجعله بقدر العمل وخطره (١) . ونوقش بأن هذا متناقض مع قول الشافعية أن النفل لا يكون إلا من الخمس، أو من خمس الخمس (٢) . الترجيح الذي يظهر رجحان القول الأول أنه لا يتجاوز بالنفل الثلث، لأن الأدلة لم تزد على الثلث. والله أعلم. ثانيا: النفل في الحاضر: إذا تميز أحد أفراد الجيش في هذا العصر في قتال العدو فإن الإمام أو القائد ينفله رتبة عسكرية، أو وسام (٣) وقد يكون مع ذلك مبلغا من المال، ولا علاقة لهذا النفل بشيء من الغنائم، أو الفيء، وإنما يكون ذلك من ميزانية الجهة المسئولة عن هذا الجيش، والله أعلم.

стр. 475

الباب الثاني أحكام المجاهد بالنفس في المعاملات وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: أحكام المجاهد في البيع. الفصل الثاني: أحكام المجاهد في الإجارة، والجعالة، والعارية، واللقطة. الفصل الثالث: أحكام المجاهد في الرهن والضمان.

стр. 476

الفصل الأول أحكام المجاهد في البيع ويشمل على ستة مباحث: المبحث الأول: بيع المجاهد السلاح على العدو. المبحث الثاني: شراء المجاهد السلاح من العدو. المبحث الثالث: شراء المجاهد ما يحتاجه من تجار العدو غير السلاح. المبحث الرابع: التعامل بالربا بين المجاهد والحربى في أرض العدو. المبحث الخامس: تصرف المجاهد ببيع شيء من الغنيمة. المبحث السادس: بيع الحربى ولده على المجاهد في دار الحرب.

стр. 477

المبحث الأول بيع (١) المجاهد السلاح على العدو اتفق الفقهاء (٢) فيما أعلم أنه يحرم بيع السلاح على العدو. جاء في المجموع: (بيع السلاح لأهل الحرب حرام بالإجماع) (٣) . يدل على ذلك ما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿ولا تعاونوا- والعدوان﴾ [المائدة: ٢] . ووجه الدلالة: أن في الآية نهى عن معاونة الغير على المعصية، وبيع السلاح للعدو معاونة على المعصية (٤) . ٢- عن عمران بن الحصين ﵁ (أن النبي ﷺ نهى عن بيع السلاح في الفتنة) (٥) . ووجه الدلالة: أن في الحديث نهيا عن بيع السلاح للمسلم في حال الفتنة بينهم حتى لا يقتل بعضهم بعضا، فإذا كان البيع على العدو ليقتل به المسلم كانت الحرمة في ذلك أعظم وأشد. ٣- ولأن في بيع السلاح على العدو معونة لهم على قتل المسلمين وإضعاف الدين (٦) .

стр. 478

المبحث الثاني شراء المجاهد السلاح من العدو لا أعلم خلافا (١) في أنه يجوز شراء السلاح من العدو (٢) . يدل على ذلك ما يلي: ١- عموم قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ... [الأنفال: ٦٠] . قال ابن سعدي ﵀: (أي كل ما تقدرون عليه من القوة العقلية والبدنية وأنواع الأسلحة، ثم قال: فإن لم توجد إلا بتعلم الصناعة وجب ذلك، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) (٣) . ٢- ما جاء في السير أن النبي ﷺ بعث بطائفة من سبايا بني قريظة إلى نجد والشام لبيعهم وشراء السلاح والخيل (٤) . ٣- ولأنه إذا جاز شراء الطعام والأدوية والأمتعة لحاجتهم لها (٥) فالسلاح من باب أولى. إذا تقرر هذا فإنه ينبغي للأمة الإسلامية أن تستغني عن شراء السلاح من يد العدو ببناء المصانع التي تنتج آلات الحرب من بنادق ومدافع ودبابات وطائرات وذخائر، وكافة الأسلحة، حتى لا يكون للكفار سبيل على المؤمنين. والله أعلم.

стр. 479

المبحث الثالث شراء المجاهد ما يحتاجه من تجار العدو غير السلاح يجوز شراء المجاهد من تجار العدو ما يحتاج إليه من الطعام والدواء ونحو ذلك (١) ، ولا أعلم خلافا في ذلك حسب ما اطلعت عليه. يدل على ذلك حديث عبد الرحمن بن أبي بكر (٢) ﵄ قال: (كنا مع النبي ﷺ ثم جاء رجل مشرك مشعان (٣) طويل بغنم يسوقها، فقال النبي ﷺ بيعا أم عطية أو قال: أم هبة، فقال: لا، بيع. فاشترى منه شاة) (٤) . جاء في فتح الباري: (معاملة الكفار جائزة، إلا بيع ما يستعين به أهل الحرب على المسلمين) (٥) ، ولأن المجاهد يحتاج إلى الطعام والشراب والكساء والدواء، فإذا لم توفر له ووجد ذلك مع الكفار الذين لهم عقد أمان، جاز شراءه منهم، وأما أهل الحرب الذين لا أمان لهم، فإن أموالهم مباحة للمجاهد في سبيل الله والله أعلم.

стр. 480

المبحث الرابع التعامل بالربا (١) بين المجاهد والحربى (٢) في أرض العدو اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في التعامل بالربا بين المجاهد والحربي في أرض العدو إلى قولين: القول الأول: أنه لا يجوز التعامل مع العدو بالربا مطلقا، وبهذا قال جمهور الفقهاء (٣) . واستدلوا بما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] . ٢- وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩] .

стр. 481

٣- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] . ووجه الدلالة من الآيات: أن الأمر بترك الربا والنهي عنه والوعيد لمن أخذه جاء في الآيات عاما، لم يخصص بمكان ولا زمان ولا أشخاص، فيبقى العموم على عمومه، فيتناول المسلم مع الحربى (١) . ٤- عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (لعن رسول الله ﷺ آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء) (٢) . ٥- عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق (٣) بالورق إلا وزنا بوزن مثلا بمثل سواء بسواء» (٤) . ٦- عن عثمان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين» (٥) . ووجه الدلالة من الأحاديث السابقة: أن الأحاديث جاءت عامة على تحريم الربا، فتبقى على عمومها في سائر الأمكنة والأزمنة وعلى كل الأشخاص، فتشمل المسلم مع الحربي (٦) . ٧- أن كل ما كان حراما في دار الإسلام، كان حراما في دار الحرب، كسائر الفواحش والمعاصي (٧) فالربا يبقى على حرمته.

стр. 482

القول الثاني: يجوز للمجاهد أن يتعامل بالربا مع الحربي في دار الحرب، وبهذا قال الحنفية (١) وهو رواية عند الحنابلة بين المسلم والحربي الذي لا أمان بينهما (٢) . واستدلوا بما يلي: ١- ما روي عن مكحول عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب» (٣) . ونوقش بما يلي: أ- أن هذا الحديث ليس بثابت فلا حجة فيه (٤) . ب- أنه لو كان ثابتا لكان معارضا لإطلاق النصوص من الكتاب والسنة الواردة في تحريم الربا، فلا يجوز ترك تلك النصوص لخبر مجهول، لم يرد في صحيح ولا مسند ولا كتاب موثوق به (٥) . ٦ج- يحتمل أن المراد بقوله (لا ربا) النهي عن الربا (٦) كقوله تعالى: ... ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] فيكون المقصود به تحريم الربا بين المسلم والحربي كما هو محرم بين المسلمين، ويؤيد هذا الاحتمال العمومات من الكتاب والسنة في تحريم الربا كما سبق. قال النووي ﵀ لو صح حديث مكحول لتأولناه على أن معناه: لا يباح الربا في دار الحرب جمعا بين الأدلة (٧) .

стр. 483

٢- عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال في خطبة يوم الوداع بعرفات (وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع (١) ربانا ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله..) (٢) . وجه الدلالة: أن العباس ﵁ بعدما أسلم رجع إلى مكة، وكانت حينئذ دار حرب، وكان يرابي فيها قبل نزول التحريم وبعده إلى زمن الفتح، فلو لم يكن الربا بين المسلم والمشرك حلالا في دار الحرب لكان ربا العباس موضوعا يوم أسلم وما قبض منه بعد ذلك مردود (٣) لقوله تعالى: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] . ونوقش هذا: بأنه لا دليل واضح يدل على أن العباس ﵁ استمر بعد إسلامه في التعامل بالربا، ثم لو سلم ذلك، فإنه قد لا يكون عالما بالتحريم فأراد النبي ﷺ إنشاء هذه القاعدة وتقريرها من يومئذ (٤) . ٣- ولأن ما لهم مباح، فإذا أخذ برضاهم وطيب أنفسهم بالربا أخذ مالا مباحا (٥) . جاء في فتح القدير (ولو لم يرد خبر مكحول، أجازه النظر: أي كون ماله مباحا) (٦) ونوقش هذا: بأنه لا يلزم من كون أموالهم مباحة بالاغتنام استباحتها بالعقد الفاسد، ولهذا أبيحت أبضاع نسائهم بالسبي، دون العقد الفاسد (٧) .

стр. 484

الترجيح الذي يظهر بعد عرض الأقوال وذكر الأدلة ومناقشتها، أن الراجح قول الجمهور، أن الربا محرم بين المجاهد والحربي في دار الحرب وفي غير دار الحرب، لما يأتي: ١- عموم الآيات الكريمة، ونصوص السنة المطهرة في تحريم الربا والوعيد الشديد لمن يتعامل به، ولم تفصل فتبقى الأدلة على عمومها. ٢- ولأن الربا كما هو محرم في حق المسلمين، محرم كذلك على الكفار وخاصة أهل الكتاب، قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦٠، ١٦١] . فالأمم السابقة نهو عن الربا لما فيه من محق البركة، وإشعال نار الحقد والضغائن بين الناس. والله أعلم.

стр. 485

المبحث الخامس تصرف المجاهد ببيع شيء من الغنيمة لا أعلم خلافا بين الفقهاء (١) رحمهم الله تعالى أنه يجوز للمجاهد بيع نصيبه من الغنائم بعد القسمة. لأن ذلك أصبح ملكه، وهو بالغ عاقل مختار جائز التصرف، ولا أعلم خلافا كذلك، أنه لا يجوز للمجاهد بيع شيء من الغنيمة قبل قسمتها بين المجاهدين (٢) . يدل على ذلك ما يلي: ١- أن صاحب جيش الشام كتب إلى عمر ﵁ أنا أصبنا أرضا كثيرة الطعام والعلف وكرهت أن أتقدم في شيء من ذلك إلا بأمرك فكتب إليه عمر ﵁ (دع الناس يعلفون ويأكلون، فمن باع منهم شيئا بذهب أو فضة، ففيه خمس الله وسهام المسلمين) (٣) . ٢- عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ (أنه نهى عن بيع الغنائم حتى تقسم..) (٤) .

стр. 486

٣- ولأنه بيع مال الغنيمة بغير ولاية ولا نيابة فيجب رد المبيع ونقض البيع (١) . إذا تقرر هذا فهل يجوز للإمام، أو نائبه التصرف في بيع الغنائم أو شيء منها قبل القسمة؟ ذهب جمهور الفقهاء (٢) إلى أن للإمام أو نائبه التصرف في بيع الغنائم أو شيء منها قبل القسمة، لأن قسمة الغنائم موكلة إلى الإمام، أو نائبه وإذا رأى أن المصلحة في بيعها وكان باجتهاد منه نفذ ما ذهب إليه باجتهاده. إلا أنهم قالوا: لا يجوز له أن يشتري شيئا من الغنائم لنفسه لما يأتي: ١- أنه قد يحابي (٣) ولذا رد عمر ﵁ ما اشتراه ابنه عبد الله في غزوة جلولاء (٤) وقال: (إنه يحابي) (٥) . ٢- ولأنه هو البائع أو وكيله فكأنه يشتري من نفسه أو وكيل نفسه (٦) . وذهب بن حزم، إلى أنه لا يجوز بيع الغنائم مطلقا؛ لأنه لم يأت نص بيعها، وإنما جاءت النصوص بالقسمة بينهم (٧) . الترجيح الذي يظهر أن الراجح قول الجمهور، لأن قسمة الغنائم مؤكلة إلى الإمام أو نائبه وقد يرى أن الغنائم إذا قسمت أعيانا تكون مشغلة للمجاهدين وتحتاج إلى رعاية ونقل، فيبيعها ويقسم بينهم الثمن، وفي هذا رفع لمشقة نقل الغنائم، وأقرب إلى العدل بين المجاهدين في القسمة. والله أعلم.

стр. 487

المبحث السادس بيع الحربي ولده في دار الحرب على المجاهد اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في جواز بيع الحربى ولده في دار الحرب على المجاهد إلى قولين: القول الأول: أنه يجوز أن يبيع الحربي ولده في دار الحرب على المجاهد وبهذا قال الجمهور (١) وشرط المالكية أن يكون بيننا وبين العدو هدنة (٢) . ودليلهم: أنه يجوز للمجاهد سبيهم واسترقاقهم إذا وقعوا في الأسر فإذا أعطوه أو باعوه كان ذلك جائزا من باب أولى. قال ابن تيمية ﵀ (إذا دخل المسلم دار الحرب بغير أمان فاشترى منهم أولادهم وخرج بهم إلى دار الإسلام كانوا ملكا له باتفاق الأئمة، وله أن يبيعهم للمسلمين، ويجوز أن يشتروا منه، ويستحق على المشتري جميع الثمن، وكذلك إذا باع الحربي نفسه للمسلم وخرج به فإنه يكون ملكه بطريق الأولى والأحرى، بل لو أعطوه أولادهم بغير ثمن وخرج بهم ملكهم فكيف إذا باعوه ذلك) (٣) . القول الثاني: لا يجوز بيعهم، وبه قال الحنفية (٤) وهو رواية عند الحنابلة (٥) . ويمكن أن يستدل لهم بعموم ما رواه أبو هريرة ﵁ (أن النبي ﷺ قال: قال الله: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: وذكر منهم ورجل باع حرا فأكل ثمنه..) (٦) .

стр. 488

وجه الدلالة: أن الحديث عام يشمل المسلم وغير المسلم، فلا يجوز أن يبيع الحربي ولده على المجاهد، لأن الأصل حريته. ويمكن مناقشة هذا الاستدلال، بأن الحربي وولده يجوز سبيهم واسترقاقهم في الحرب وبذلك يجوز بيعهم وشراؤهم فيخرج الحربي وولده من عموم الحديث. الترجيح الراجح القول الأول، أنه يجوز بيع الحربي ولده على المجاهد في أرض الحرب، ويجوز للمجاهد شراؤه منه، وتملكه لأن في ذلك مصلحة للمسلمين وإضعافا للمشركين وإذلالهم. والله أعلم.

стр. 489

الفصل الثاني أحكام المجاهد في الإجارة والجعالة والعارية واللقطة ويشتمل على أربعة مباحث: المبحث الأول: في الإجارة. المبحث الثاني: في الجعالة. المبحث الثالث: استعارة المجاهد آلات الحرب. المبحث الرابع: أخذ المجاهد لقطة دار الحرب.

стр. 490

المبحث الأول في الإجارة وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: أخذ الأجرة على الجهاد . المطلب الثاني: استئجار من ينوب عنه في الجهاد. المطلب الثالث: استئجار آلات الحرب. المطلب الرابع: استئجار كافر لمساعدته المطلب الأول أخذ الأجرة (١) على الجهاد لا أعلم خلافًا بين الفقهاء (٢) رحمهم الله تعالى أنه لا يجوز أخذ الأجرة على الجهاد في سبيل الله إذا تعين على المجاهد. لأنه إذا تعين عليه الفرض لم يجز أن يفعله عن غيره، كالحج (٣) .

стр. 491

واختلفوا فيما إذا كان الجهاد فرض كفاية إلى قولين: القول الأول: لا يجوز أخذ الأجرة على الجهاد مطلقا، وبهذا قال جمهور الفقهاء (١) . واستدلوا بما يلي: ١- أن الجهاد عمل يختص فاعله أن يكون من أهل القربة فلا تصح الإجارة عليه (٢) . ٢- أنه إذا لم يكن الجهاد متعينا عليه فإنه متى حضر صف القتال تعين عليه، ولا يجوز أخذ الأجرة على فرض العين (٣) . ٣- أن المجاهد يستحق السهم من الغنيمة فلا يستحق الأجر مع ذلك (٤) . القول الثاني: يجوز أخذ الأجرة، وهذا قول عند الحنابلة (٥) وقول ابن حزم (٦) . واستدلوا بما يلي: ١- عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (للغازي أجره وللجاعل أجره وأجر الغازي) (٧) . وجه الدلالة أن الحديث دل على جواز الجعل على الجهاد، فالإجارة كذلك.

стр. 492

ونوقش هذا الاستدلال: بأن قياس الإجارة على الجعل قياس مع الفارق، لأن الجعالة تعطي للمجاهد تبرعا لا استئجارًا وإعانة له على القتال لطلب الأجر والثواب من الله (١) فلا يلزم من جواز الجعالة جواز الإجارة. ٢- أن الجهاد إذا لم يتعين عليه جاز أن يؤجر نفسه عليه، كالعبد (٢) . ونوقش هذا: بأن الجهاد يكون في حقه فرض كفاية إذا لم يحضر، أما إذا حضر الصف فإنه يتعين عليه، ولا يجوز أخذ الأجرة على فرض العين (٣) . والقياس على العبد قياس مع الفارق، لأن العبد لا يجب عليه الجهاد مطلقا والمجاهد إذا حضر يجب عليه عينا. الترجيح الذي يظهر أن الراجح قول الجمهور، أنه لا يجوز أخذ الأجرة على الجهاد في سبيل الله ولو لم يتعين عليه الجهاد، لأن المجاهد إذا حضر تعين عليه، ولأن أخذ الأجرة على الجهاد قدح في نيته ومنقص لأجره وثوابه. أما ما يعطى المجاهد من بيت مال المسلمين إذا كان في ديوان الجند سواء كان العطاء سنويًا أم شهريا، فإن ذلك إعانة له على الجهاد، وترغيب له فيه، وكفاية له ولمن يعوله، لأنه حبس نفسه على الجهاد، وليس ذلك أجرا على الجهاد في سبيل الله، وإنما أجره على الجهاد إذا أخلص النية يناله من الله ، وهو أعظم من أن يقاس بعطاء دنيوي والله أعلم.

стр. 493

المطلب الثاني استئجار من ينوب عنه في الجهاد تقرر في المطلب السابق أنه لا خلاف بين الفقهاء رحمهم الله تعالى أنه لا يجوز أخذ الأجرة على الجهاد إذا تعين على المجاهد (١) . وعليه لا يجوز له استئجار من ينوب عنه في هذا الحالة باتفاق الفقهاء (٢) . أما إذا لم يتعين عليه الجهاد، فذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجوز استئجار من ينوب عنه (٣) . واستدلوا بما يلي: ١- أنه وإن كان الجهاد عليه فرض كفاية، فإن من باشره يتعين عليه، فلم يجز أن ينوب فيه عنه غيره، كالحج عن غيره إذا كان عليه فرضه. ٢- أنه إذا حضر الزحف يدافع عن نفسه فلم يجز أن يدافع عن نفسه بعوض على غيره (٤) . وذهب المالكية إلى جواز أن ينوب عن المجاهد غيره يجعل وشرطوا: ١- أن يكون النائب والمنوب عنه من ديوان جند واحد. ٢- أن يكون الجعل عن خرجة واحدة. ٣- أن لا يعين الإمام شخص الخارج وإنما يعين طائفة كأن يقول: يخرج مائة دون أن يعين الأشخاص. ٤- أن يكون ذلك بعلم الإمام (٥) . واستدلوا بما يلي: ١- أن الناس مضوا على ذلك أن يجعل القاعد للخارج إذا كانوا من ديوان واحد. ٢- أن مهمتهم سد الثغور، فمن خرج لذلك فقد أدى المهمة (٦) .

стр. 494

وما ذهب إليه المالكية فيه نظر، لما يلي: ١- أن الأصل عدم جواز أخذ الأجرة على الجهاد مطلقا، وما ذكره المالكية من الجعالة فهي من باب الأجرة، لأن المجاهد ينوب عن غيره من أجلها. ٢- أن الخروج بأجرة عن المجاهد يقدح في نية الخارج فيفوته الأجر والثواب. ٣- أن ذلك يؤدي إلى التكاسل عن الجهاد وعدم وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وبهذا يظهر رجحان ما ذهب إليه الجمهور من عدم جواز استئجار المجاهد من ينوب عنه في الغزو مطلقا. والله أعلم. المطلب الثالث استئجار آلات الحرب مطلوب من المجاهدين في سبيل الله الاستعداد للعدو بكل ما يستطيعون من قوة السلاح سواء كان ذلك عن طريق التصنيع أو الشراء أو العارية، وهذا جائز كله (١) . وكذلك عن طريق الإجارة ولا أعلم من يخالف في جواز استئجار السلاح (٢) . يدل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] . فيشمل الإعداد، الحصول على السلاح بكل الطرق المشروعة ومن ذلك الإجارة والله أعلم.

стр. 495

المطلب الرابع استئجار كافر لمساعدته سبق الحديث عن الاستعانة بالمشركين في قتال العدو وخلاف الفقهاء في ذلك وأن الراجح جواز الاستعانة بهم عند الضرورة إذا أمن مكرهم (١) . أما استئجار الكافر لخدمة المجاهد ومساعدته، فلم أجد خلافا في جواز ذلك حسب ما اطلعت عليه (٢) . يدل على ذلك حديث عائشة ﵂ (واستأجر النبي ﷺ وأبو بكر ﵁ رجلا (٣) من بني الديل.. هاديا خريتا (٤) .. وهو على دين قريش، فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور (٥) بعد ثلاث ليلا، فأتاهما براحلتيهما صبيحة ليال ثلاث فارتحلا ... ) (٦) . وجه الدلالة: أن الحديث دل على جواز استئجار المسلم الكافر على هداية الطريق إذا أمن إليه (٧) فكذلك استئجاره للخدمة والمساعدة في الغزو إذا أمن مكره. إذا تقرر جواز استئجار الكافر لمساعدة المجاهد، فإن ذلك يكون عند الضرورة أو الحاجة الملحة، كتعذر وجود مسلم يكفي في ذلك (٨) لما في قلوب الكفار من الغل والحق على الإسلام وأهله فلا يؤمن جانبهم إذا سنحت لهم الفرصة أن يضروا بالمسلمين ويفشوا أسرارهم ويدلوا على عوراتهم. والله أعلم.
следующие страницы →