← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1933

أحكام المجاهد بالنفس في سبيل الله عز وجل في الفقه الإسلامي

مرعي الشهري

Полный текст (646 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

واختلفوا فيما إذا كان الجهاد فرض كفاية إلى قولين: القول الأول: لا يجوز أخذ الأجرة على الجهاد مطلقا، وبهذا قال جمهور الفقهاء (١) . واستدلوا بما يلي: ١- أن الجهاد عمل يختص فاعله أن يكون من أهل القربة فلا تصح الإجارة عليه (٢) . ٢- أنه إذا لم يكن الجهاد متعينا عليه فإنه متى حضر صف القتال تعين عليه، ولا يجوز أخذ الأجرة على فرض العين (٣) . ٣- أن المجاهد يستحق السهم من الغنيمة فلا يستحق الأجر مع ذلك (٤) . القول الثاني: يجوز أخذ الأجرة، وهذا قول عند الحنابلة (٥) وقول ابن حزم (٦) . واستدلوا بما يلي: ١- عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (للغازي أجره وللجاعل أجره وأجر الغازي) (٧) . وجه الدلالة أن الحديث دل على جواز الجعل على الجهاد، فالإجارة كذلك.

стр. 492

ونوقش هذا الاستدلال: بأن قياس الإجارة على الجعل قياس مع الفارق، لأن الجعالة تعطي للمجاهد تبرعا لا استئجارًا وإعانة له على القتال لطلب الأجر والثواب من الله (١) فلا يلزم من جواز الجعالة جواز الإجارة. ٢- أن الجهاد إذا لم يتعين عليه جاز أن يؤجر نفسه عليه، كالعبد (٢) . ونوقش هذا: بأن الجهاد يكون في حقه فرض كفاية إذا لم يحضر، أما إذا حضر الصف فإنه يتعين عليه، ولا يجوز أخذ الأجرة على فرض العين (٣) . والقياس على العبد قياس مع الفارق، لأن العبد لا يجب عليه الجهاد مطلقا والمجاهد إذا حضر يجب عليه عينا. الترجيح الذي يظهر أن الراجح قول الجمهور، أنه لا يجوز أخذ الأجرة على الجهاد في سبيل الله ولو لم يتعين عليه الجهاد، لأن المجاهد إذا حضر تعين عليه، ولأن أخذ الأجرة على الجهاد قدح في نيته ومنقص لأجره وثوابه. أما ما يعطى المجاهد من بيت مال المسلمين إذا كان في ديوان الجند سواء كان العطاء سنويًا أم شهريا، فإن ذلك إعانة له على الجهاد، وترغيب له فيه، وكفاية له ولمن يعوله، لأنه حبس نفسه على الجهاد، وليس ذلك أجرا على الجهاد في سبيل الله، وإنما أجره على الجهاد إذا أخلص النية يناله من الله ، وهو أعظم من أن يقاس بعطاء دنيوي والله أعلم.

стр. 493

المطلب الثاني استئجار من ينوب عنه في الجهاد تقرر في المطلب السابق أنه لا خلاف بين الفقهاء رحمهم الله تعالى أنه لا يجوز أخذ الأجرة على الجهاد إذا تعين على المجاهد (١) . وعليه لا يجوز له استئجار من ينوب عنه في هذا الحالة باتفاق الفقهاء (٢) . أما إذا لم يتعين عليه الجهاد، فذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجوز استئجار من ينوب عنه (٣) . واستدلوا بما يلي: ١- أنه وإن كان الجهاد عليه فرض كفاية، فإن من باشره يتعين عليه، فلم يجز أن ينوب فيه عنه غيره، كالحج عن غيره إذا كان عليه فرضه. ٢- أنه إذا حضر الزحف يدافع عن نفسه فلم يجز أن يدافع عن نفسه بعوض على غيره (٤) . وذهب المالكية إلى جواز أن ينوب عن المجاهد غيره يجعل وشرطوا: ١- أن يكون النائب والمنوب عنه من ديوان جند واحد. ٢- أن يكون الجعل عن خرجة واحدة. ٣- أن لا يعين الإمام شخص الخارج وإنما يعين طائفة كأن يقول: يخرج مائة دون أن يعين الأشخاص. ٤- أن يكون ذلك بعلم الإمام (٥) . واستدلوا بما يلي: ١- أن الناس مضوا على ذلك أن يجعل القاعد للخارج إذا كانوا من ديوان واحد. ٢- أن مهمتهم سد الثغور، فمن خرج لذلك فقد أدى المهمة (٦) .

стр. 494

وما ذهب إليه المالكية فيه نظر، لما يلي: ١- أن الأصل عدم جواز أخذ الأجرة على الجهاد مطلقا، وما ذكره المالكية من الجعالة فهي من باب الأجرة، لأن المجاهد ينوب عن غيره من أجلها. ٢- أن الخروج بأجرة عن المجاهد يقدح في نية الخارج فيفوته الأجر والثواب. ٣- أن ذلك يؤدي إلى التكاسل عن الجهاد وعدم وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وبهذا يظهر رجحان ما ذهب إليه الجمهور من عدم جواز استئجار المجاهد من ينوب عنه في الغزو مطلقا. والله أعلم. المطلب الثالث استئجار آلات الحرب مطلوب من المجاهدين في سبيل الله الاستعداد للعدو بكل ما يستطيعون من قوة السلاح سواء كان ذلك عن طريق التصنيع أو الشراء أو العارية، وهذا جائز كله (١) . وكذلك عن طريق الإجارة ولا أعلم من يخالف في جواز استئجار السلاح (٢) . يدل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] . فيشمل الإعداد، الحصول على السلاح بكل الطرق المشروعة ومن ذلك الإجارة والله أعلم.

стр. 495

المطلب الرابع استئجار كافر لمساعدته سبق الحديث عن الاستعانة بالمشركين في قتال العدو وخلاف الفقهاء في ذلك وأن الراجح جواز الاستعانة بهم عند الضرورة إذا أمن مكرهم (١) . أما استئجار الكافر لخدمة المجاهد ومساعدته، فلم أجد خلافا في جواز ذلك حسب ما اطلعت عليه (٢) . يدل على ذلك حديث عائشة ﵂ (واستأجر النبي ﷺ وأبو بكر ﵁ رجلا (٣) من بني الديل.. هاديا خريتا (٤) .. وهو على دين قريش، فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور (٥) بعد ثلاث ليلا، فأتاهما براحلتيهما صبيحة ليال ثلاث فارتحلا ... ) (٦) . وجه الدلالة: أن الحديث دل على جواز استئجار المسلم الكافر على هداية الطريق إذا أمن إليه (٧) فكذلك استئجاره للخدمة والمساعدة في الغزو إذا أمن مكره. إذا تقرر جواز استئجار الكافر لمساعدة المجاهد، فإن ذلك يكون عند الضرورة أو الحاجة الملحة، كتعذر وجود مسلم يكفي في ذلك (٨) لما في قلوب الكفار من الغل والحق على الإسلام وأهله فلا يؤمن جانبهم إذا سنحت لهم الفرصة أن يضروا بالمسلمين ويفشوا أسرارهم ويدلوا على عوراتهم. والله أعلم.

стр. 496

المبحث الثاني في الجُعالة وفيه مطلبان: المطلب الأول: أخذ الجعل على الجهاد . المطلب الثاني: وقت استحقاق الجعل على الجهاد. المطلب الأول أخذ الجُعل (١) على الجهاد سبق الحديث عن أخذ الأجرة على الجهاد وأن ذلك لا يجوز باتفاق الفقهاء إذا تعين الجهاد على المجاهد، وخلاف مرجوح إذا لم يتعين عليه. والجعل هنا يختلف عن الأجرة (٢) فهو يطلق على أمور: أولا: يطلق الجعل على ما يأخذه المجاهد من بيت المال عونا له على الجهاد في سبيل الله ولا أعلم خلاف في جواز ذلك -حسب ما اطلعت عليه-. جاء في فتح القدير وغيره: كره الحنفية أن يكلف الإمام الناس بأن يقوي بعضهم بعضا بالسلاح والنقود والزاد ما دام للمسلمين فيء، لأن بيت المال معد للمسلمين (٣) .

стр. 497

وجاء في الذخيرة: أن عمر والصحابة من بعده ﵃ جعلوا الفيء وخراج الأراضين وقفا للمجاهدين، فمن افترض فيه ونيته الجهاد جاز (١) . وفي الحاوي الكبير: فأما جعالة السلطان إذا بذلها للغزاة من بيت المال فجائز لأمرين: أحدهما: أنه بذلها للجهاد عن الكافة. الثاني: أنه بذلها من مال هو مستحق لهم (٢) . وفي الفروع: ما يؤخذ من بيت المال ليس عوضا ولا أجرة، بل رزق للإعانة على الطاعة فمن عمل منهم لله أثيب، وما يأخذ فهو رزق للمعونة على الطاعة (٣) . وبهذا يتقرر جواز أخذ المجاهد من بيت المال قدر كفايته ومن يعول، ويعتبر ذلك عونا له على الجهاد في سبيل الله، لا أجرة على الجهاد. وما يأخذه الجند اليوم من رواتب شهرية يمكن جعلها من هذا الباب، لا أنها أجرة، وبهذا ينال الجند أجر الجهاد في سبيل الله. أما إن تغيرت النية وأصبح الراتب الهدف بحيث لو منع منهم لم يخرجوا للجهاد، فإنه يخش أن لا يكون لهم أجر، وإن قتلوا أن لا يكونوا شهداء عند الله. والله أعلم. ثانيًا: يطلق الجعل ويراد به ما يأخذه المجاهد لعمل قام به، أو سوف يقوم به، كأن يقول الإمام أو نائبه: من فتح القلعة، أو أغار على العدو، أو فتح ثغرة يدخل منها فله كذا وكذا وقد ذهب الجمهور إلى جواز ذلك للحاجة، وكرهه المالكية وقد سبق الكلام في هذا وذكر الأقوال والأدلة في باب النفل. فليراجع (٤) . ثالثًا: يطلق الجعل على ما يأخذه المجاهد من التبرعات المحضة التي تبرع بها الناس للمجاهدين ولا أعلم في جواز أخذ ذلك خلافا بين الفقهاء (٥) .

стр. 498

جاء في فتح الباري (إن أخرج الرجل من ماله شيئا متطوع به، أو أعان الغازي على غزوة بفرس ونحوها فلا نزاع فيه) (١) . يدل على ذلك ما يلي: ١- عن زيد بن خالد (٢) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا ... » (٣) . ٢- عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «للغازي أجره وللجاعل أجره وأجر الغازي» (٤) . وبما تقدم يتقرر جواز أخذ المجاهد الجعل على الجهاد في سبيل الله في كل صورة. والله أعلم. المطلب الثاني وقت استحقاق الجعل على الجهاد لا يخلو أن يكون الجعل من بيت المال، أو يكون مشروطا بعمل يعمله. فإذا كان الجعل من بيت المال، فإنه يعطى المجاهد حسب الوقت الذي تستوفى فيه حقوق بيت المال، فإن كانت تستوفى في وقت واحد من السنة جعل العطاء له في رأس كل السنة، وإن كانت تستوفى في وقتين جعل العطاء في كل سنة مرتين، وإن كان في رأس كل شهر جعل العطاء في رأس كل شهر (٥) .

стр. 499

وإن احتاجوا في الحال إلى التجهيز للقتال أخذوا من موجودات بيت المال في الحال ليخرجوا إلى القتال لأن الأمر لا يحتمل التأخير. أما إذا كان الجعل مشروطا بعمل يعمله، فإنه يستحق الجعل عليه فور الانتهاء من العمل ولا أعلم في ذلك خلافا (١) . جاء في كشاف القناع: (يستحق الجعل بفعل ما جعل له ... كسائر الجعالات) (٢) . المبحث الثالث استعارة (٣) المجاهد آلات الحرب اتفق الفقهاء (٤) -رحمهم الله تعالى- على جواز استعارة المجاهد آلات الحرب التي يمكن استخدامها دون هلاك عينها (٥) . قال ابن حزم في مراتب الإجماع: (واتفقوا أن عارية السلاح ليقاتل به أو الدواب لركوبها جائزة، وكذلك كل شيء يستعمل في أغراضه ولا يعدم شخصه ولا يتغير ... ) (٦) . يدل على ذلك ما يلي:

стр. 500

١- عن صفوان بن أمية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين درعا» قلت يا رسول الله أعارية مضمونة، أم عارية مؤداة، قال: «بل عارية مؤداة» (١) . ٢- وعن قتادة ﵁ قال: سمعت أنسا ﵁ يقول: (كان فزع (٢) بالمدينة فاستعار النبي ﷺ فرسا من أبي طلحة، يقال له: المندوب (٣) فركبه، فلما رجع قال: «ما رأينا من شيء، وإن وجدناه لبحرا (٤) » ) (٥) .

стр. 501

المبحث الرابع أخذ المجاهد لقطة (١) دار الحرب الأصل في جواز أخذ اللقطة ما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] . وجه الدلالة: أن هذا أمر بالإحسان عموما، فيشمل جميع أنواع الإحسان، ويدخل في الإحسان أخذ مال المسلم الضائع لحفظه ورده إليه، ومال الكافر المحارب لوضعه في الغنيمة لمصلحة المسلمين (٢) . ٢- عن زيد بن خالد ﵁ قال: جاء رجل (٣) إلى رسول الله ﷺ فسأله عن اللقطة فقال: (أعرف عفاصها (٤) ووكاءها (٥) ثم عرفها (٦) سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها، قال: فضالة الغنم؟ قال: هي لك أو لأخيك أو للذئب، قال: فضالة الإبل؟

стр. 502

قال: مالك ولها؟ معها سقاؤها (١) وحذاؤها (٢) ترد المال وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها) (٣) . ٣- إجماع الفقهاء في الجملة على جواز أخذ اللقطة. جاء في رحمة الأمة: وأجمعوا على جواز الالتقاط في الجملة (٤) . إذا تقرر جواز أخذ اللقطة فإن للمجاهد أخذ لقطة دار الحرب وله مع اللقطة في دار الحرب ثلاث حالات (٥) . الحالة الأولى: أن يعلم أن اللقطة لأهل الحرب، فتكون غنيمة يضعها في الغنائم، ولا يجوز أخذ شيئا منها لنفسه. الحالة الثانية: أن يعلم أن ما وجده لمسلم سواء كان من المجاهدين أو غيرهم، فإنه يُجِري فيه أحكام اللقطة فيعرفه سنة كاملة إن كان له قيمة (٦) . جاء في رحمة الأمة: (أجمع الأئمة على أن اللقطة تعرف حولا كاملا إذا لم يكن شيئا تافها يسيرا، أو شيئا لا بقاء له) (٧) .

стр. 503

ويبدأ بالتعريف في الجيش الذي هو فيه، لأنه يحتمل أن يكون لأحدهم (١) ويعرف اللقطة بكل الوسائل الممكنة التي تؤدي إلى إعادة المال إلى صاحبه، فإن انتهت السنة ولم يأت له مالك، فله أن يتصرف فيه فإن قدم صاحبه يوما ضمنه له (٢) . والأولى أن يدفع المجاهد اللقطة إلى الإمام أو القائد المسئول عنه، وذلك لأمرين: الأول: أن الإمام أو القائد يملك من الوسائل ما يمكنه من إيصال المال إلى صاحبه في أقرب وقت. الثاني: أن المجاهد يخلي مسئوليته من حفظ اللقطة، وضمانها فيما لو تلفت بتعدي منه. الحالة الثالثة: أن يكون ما وجده مشكوكا فيه، هل هو من مال العدو فيكون غنيمة، أم من مال المسلمين فيأخذ أحكام اللقطة؟ جاء في الحاوي: (إن وجد في معسكر أهل الحرب كان غنيمة، وإن وجد في معسكر المسلمين كان لقطة باعتبار اليد) (٣) . وجاء في المغني: (وإن احتملت الأمرين، غلب فيها حكم مال المسلمين في التعريف، وحكم مال أهل الحرب في كونها غنيمة احتياطا) (٤) . وما ذهب إليه صاحب المغني أولى؛ لأنه يعرفها سنة كاملة فإذا جاء صاحبها تبين إن كان مسلما أعطاه إياه، وإن كان حربيا وضعها في الغنيمة، وإن انتهت السنة ولم يعرف صاحبها غَلَّب كونها من مال الحربي ووضعها في الغنيمة احتياطا. والله أعلم.

стр. 504

الفصل الثالث أحكام المجاهد في الرهن والضمان ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: رهن المجاهد سلاحه للعدو في شراء الطعام ونحوه. المبحث الثاني: في الضمان.

стр. 505

المبحث الأول رهن (١) المجاهد سلاحه للعدو في شراء الطعام، ونحوه لم أجد من الفقهاء -رحمهم الله تعالى- من أجاز للمجاهد رهن سلاحه عند الحربي الذي لا عهد له ولا أمان، على -حسب ما اطلعت عليه-؛ لأنه يجوز للمجاهد قتل الحربي الذي لا أمان له ولا عهد واغتنام ماله والأكل منه بقدر الحاجة (٢) ؛ ولأن الفقهاء اتفقوا على عدم جواز بيع السلاح للحربي (٣) فكذلك رهنه؛ لأن ما لا يصح بيعه لا يصح رهنه (٤) . إذا تقرر هذا فما جاء في رهن السلاح عند العدو محمول على من له ذمة منهم، أو له أمان وعهد. يدل على ذلك ما يلي: ١- عن عائشة ﵂ (أن النبي ﷺ اشترى من يهودي طعاما إلى أجل ورهنه درعه) (٥) . جاء في فتح الباري في السلاح (وإنما يجوز بيعه ورهنه عند من تكون له ذمة أو عهد باتفاق) (٦) .

стр. 506

٢- عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «من لكعب بن الأشرف؟ فإنه آذى الله ورسوله» فقال محمد بن مسلمة (١) : أنا، فأتاه، فقال: «أردنا أن تسلفنا وسقا (٢) أو وسقين» فقال: ارهنوني نساءكم، قالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟ قال: فارهنوني أبناءكم، قالوا: كيف نرهن أبناءنا فَيسَب أحدهم، فيقال: رهن بوسق أو وسقين؟ هذا عار علينا، ولكنا نرهنك اللامة (٣) ، فوعده أن يأتيه فقتلوه، ثم أتوا النبي ﷺ فأخبروه (٤) . وجه الدلالة من الحديث: أن رهن السلاح كان معتادا عندهم لأهل العهد ولو لم يكن كذلك لما عرضوا عليه رهن السلاح، ولو لم تجر العادة برهنه لاستراب منهم، وفاتهم ما أرادوا من قتله (٥) . ٣- وعن ابن عباس ﵄ قال: (توفي النبي ﷺ ودرعه مرهونة بعشرين صاعا (٦) من الطعام أخذه لأهله) (٧) .

стр. 507

قال ابن العربي: رهنه درعه دليل على جواز رهن آلة الحرب في زمن الجهاد عند الحاجة إلى الطعام، ويقدم ذلك على الحاجة إلى آلة الحرب؛ لأنه إذا تعارض أمران قدم الأهم والحاجة إلى القوت أهم (١) . وبما تقدم يتضح جواز رهن السلاح في الطعام لمن له عهد أو ذمة من الكفار، ولا يجوز رهن السلاح عند الحربي الذي لا أمان له ولا عهد، وما جاء عن الشافعية (٢) من جواز رهن السلاح للحربي، محمول على الحربي الذي له عهد أو أمان. قال النووي ﵀ عند شرح حديث عائشة ﵂ المتقدم ذكره: (وفيه جواز رهن آلة الحرب عند أهل الذمة) (٣) . فالنووي يقرر أن رهن آلة الحرب يجوز عند أهل الذمة، أو من له عهد دون غيرهم من الكفار. والله أعلم.

стр. 508

المبحث الثاني في الضمان وفيه مطلبان: المطلب الأول: ضمان المجاهد السلاح المستعار إذا تلف . المطلب الثاني: ضمان لقطة دار الحرب. المطلب الأول ضمان (١) المجاهد السلاح المستعار إذا تلف لا يخلو أن يكون تلف السلاح في يد المجاهد بتعدٍ منه، أو دون تعدٍ منه. فإن كان بتعدٍ منه، فلا أعلم خلافا بين الفقهاء (٢) رحمهم الله تعالى أنه يضمن. جاء في مراتب الإجماع لابن حزم: أجمعوا أن المستعير إذا تعدى في العارية فإنه ضامن لما تعدى فيه منها (٣) . وعلى هذا فالسلاح إذا تلف عند المجاهد بتعدٍ منه ضمنه بالاتفاق. وإن كان دون تعدٍ منه فقد اختلفوا إلى ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه لا يضمن وبهذا قال الحنفية (٤) والشافعية في الأصح فيما تلف باستعمال مأذون فيه (٥) ورواية عند الحنابلة (٦) وابن حزم (٧) .

стр. 509

واستدلوا بما يلي: ١- عن عمرو بن شعيب (١) عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «ليس على المستعير غير المغلّ (٢) ضمان» ) (٣) . وجه الدلالة: أنه ﷺ نفى الضمان عن المستعير إذا لم يتعد أو يفرط. ونوقش: بأن الحديث ضعيف (٤) . والجواب: أن الجرح المبهم لسند الحديث لا يقبل إلا مبين السبب (٥) . وعلى فرض أنه ضعيف، فإن حديث صفوان بن أمية في هذا الباب يقويه. ٢- عن صفوان بن أمية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين درعا، وثلاثين بعيرا» فقلت: يا رسول الله أعارية مضمونة أم عارية مؤداة؟ قال: «بل عارية مؤداة» (٦) .

стр. 510

وجه الدلالة: أن الحديث نص على أن العارية مؤداة. والأداء غير الضمان، فالمؤداة يجب تأديتها مع بقاء عينها، فلا تضمن إلا بالتعدي؛ لأنها أمانة مؤداة (١) . قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] . القول الثاني: أنه يضمن إلا إذا أقام البينة على عدم التعدي، وبهذا قال المالكية في المشهور عنهم (٢) ؛ لأنه مما غاب هلاكه، فلا يبرأ المستعير إلا بالبينة؛ لأنه متهم فيه (٣) . جاء في حاشية الدسوقي: (المستعار إذا كان آلة حرب وردها المستعير مكسورة فإنه يبرأ من ضمانها إذا شهدت البينة أنها كانت معه وقت اللقاء ولم يثبت تعديه عليها في الاستعمال) (٤) . ونوقش هذا: بأنه لا حجة في اتهام المستعير فيما غاب هلاكه؛ لأن ذلك مبني على الظن، ثم إنه يلزم من ذلك ضمان الوديعة بتهمة التفريط أو التعدي، (٥) ولا أحد يقول بذلك. القول الثالث: أنه يضمن مطلقا تعدى أم لم يتعد، وهذا الصحيح عند الحنابلة (٦) وقول عند المالكية (٧) ، والمشهور عند الشافعية إذا تلفت عند المستعير باستعمال لها غير مأذون فيه (٨) . واستدلوا بما يلي: ١- عن صفوان بن أمية ﵁ (أن رسول الله ﷺ استعار منه أدرعا يوم حنين فقال: أغصب يا محمد؟ فقال: «لا، بل عارية مضمونة» ) (٩) .

стр. 511

وجه الدلالة: أن لفظ مضمونة صفة الحقيقة العارية أي: شأن العارية ضمان قيمتها إذا تلفت لأن الأعيان إذا صارت موجودة لا تضمن (١) . ونوقش الاستدلال بحديث صفوان: بأن المراد بقوله (عارية مضمونة) أي مضمونة الرد، وذلك من وجوه: الأول: أنه جاء في رواية أخرى سابقة عن صفوان بن أمية (عارية مؤداة) (٢) . فدل ذلك على أن المراد مضمونة الأداء. الثاني: أن صفوان ﵁ لم يسأل عن التلف، وإنما سأل عن أخذها على وجه الغصب، ولو سأله عن تلفها لناسب أن يقول في الجواب: أنا ضامن لها إن تلفت. الثالث: أنه جعل الضمان صفة للعارية نفسها، ولو كان ضمان تلف لكان الضمان لبدلها، فلما وقع الضمان على ذاتها دل أنه ضمان أداء (٣) . ٢- عن سمرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» (٤) .

стр. 512

وجه الدلالة: أن ما أخذت اليد ضمان على صاحبها حتى تؤديه إلى مالكه، والأداء يتضمن العين إذا كانت موجودة، والقيمة إذا تلفت (١) . ونوقش الاستدلال بحديث سمرة ﵁: بأنه لا دلالة فيه على التضمين فإن اليد الأمينة عليها ما أخذت حتى تؤديه ولا ضمان عليها فيكون المراد تؤديه مع بقاء العين، أما إذا تلفت فلا أداء، ولا يحمل على القيمة لأن اليد لم تأخذ القيمة (٢) . الترجيح الذي يظهر بعد عرض الأقوال والأدلة ومناقشتها، أن القول الأول في أنه لا ضمان إلا بالتعدي مطلقا هو الأقرب إلى الرجحان. لأن العارية مقبوضة بإذن مالكها، أمانة عند المستعير، فلا يضمن إلا بالتعدي وعلى هذا فلا ضمان على المجاهد في السلاح المستعار إذا تلف عنده دون تعدي منه أو تفريط والله أعلم.

стр. 513

المطلب الثاني ضمان لقطة دار الحرب للمجاهد في ضمان لقطة الحرب حالتان: الحالة الأولى: أن يأخذ اللقطة بنية حفظها وردها إلى صاحبها، أو وضعها في الغنائم إن كانت من مال العدو. الحالة الثانية: أن يأخذ اللقطة بنية تملكها لنفسها دون تعريف لها، أو وضعها في الغنائم فأما الحالة الأولى. فتشمل أربع صور: الصورة الأولى: أن يشهد عند أخذ اللقطة فإذا تلفت دون تعدي منه فلا ضمان عليه باتفاق الفقهاء (١) رحمهم الله تعالى فيما أعلم. جاء في بداية المجتهد (اتفق العلماء على أن من التقطها وأشهد على التقاطها فهلكت عنده أنه غير ضامن) (٢) لأنها أمانة في يده كالوديعة (٣) . الصورة الثانية: أن يترك الإشهاد عند أخذ اللقطة، فإذا تلفت عنده دون تعدي منه فلا يخلو أن يترك الإشهاد لعدم إمكانه كأن لا يجد من يشهد، أو يترك الإشهاد مع إمكانه، فأما إن ترك الإشهاد لعدم إمكانه فلا يضمن بالاتفاق، كما في الصورة الأولى (٤) . وأما إن ترك الإشهاد مع إمكانه فقد اختلف الفقهاء إلى قولين: القول الأول: لا يضمن لترك الإشهاد وبهذا قال جمهور الفقهاء (٥) رحمهم الله تعالى واستدلوا: بحديث زيد بن خالد ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن اللقطة الذهب أو الورق فقال: (اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة فإن لم تعرف فاستنفقها ... ) (٦) .

стр. 514

وجه الدلالة: أنه ﷺ أمر بالتعريف سنة دون الإشهاد على أخذ اللقطة، ولو كان الإشهاد واجبا لبينه ﷺ للسائل، لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة (١) . القول الثاني: أنه يضمن لترك الإشهاد، وبهذا قال الحنفية (٢) وهو قول عند الشافعية (٣) واستدلوا: بحديث عياض بن حمار (٤) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من وجد لقطة فليشهد ذا عدل أو ذوي عدل ولا يكتم ولا يغيب، فإن وجد صاحبها فليردها عليه..» (٥) . وجه الدلالة من الحديث: أنه ﷺ أمر بالإشهاد ونهى عن الكتمان، فدل على وجوب الإشهاد عند أخذ اللقطة، وهذا الظاهر من الحديث. ونوقش هذا الاستدلال: بأن الأمر فيه محمول على الندب والاستحباب، لأن النبي ﷺ في حديث زيد بن خالد السابق أمر بالتعريف دون الإشهاد، فلو كان الإشهاد واجبا لبينه ﷺ للسائل، سيما وقد سأل عن حكم اللقطة فلم يكن ليخل بذكر الواجب فيها، فتعين حمل الأمر في حديث عياض على الندب والاستحباب (٦) . الترجيح الذي يظهر أن الراجح قول الجمهور، أنه لا يجب الإشهاد على أخذ اللقطة، ولا يضمن إن تركه، لأن التعريف يقوم مقام الإشهاد، ولكن يستحب الإشهاد ليصون نفسه عن الطمع فيها. والله أعلم.

стр. 515

الصورة الثالثة: إذا تلفت عنده في سنة التعريف بتفريط منه. اتفق الفقهاء (١) فيما أعلم على أنه يضمن اللقطة. جاء في المغني: (وإن أتلفها الملتقط أو تلفت عنده بتفريطه ضمنها.. لا أعلم في ذلك خلافا) (٢) . الصورة الرابعة: إذا تلفت اللقطة عنده بعد سنة التعريف. لا يخلو الحال في هذه الصورة أن يتملك اللقطة ويتصرف فيها، أو لا يتملكها ولا يتصرف فيها. فإن تملكها وتصرف فيها، فقد ذهب عامة الفقهاء (٣) في هذه الحالة إلى أنه يضمن اللقطة تعدى أو لم يتعد، بل نقل بعضهم اتفاق الفقهاء على ذلك. جاء في رحمة الأمة: (إذا مضى على اللقطة حول وتصرف فيها الملتقط بنفقة أو بيع أو صدقة فلصاحبها إذا جاء أن يأخذ قيمتها يوم تملكها بالاتفاق) (٤) . واستدلوا بحديث زيد بن خالد الجهني ﵁ أن النبي ﷺ سئل عن اللقطة فقال: (عرفها سنة فإن لم تعترف فاعرف عفاصها ووكاءها ثم كلها فإن جاء صاحبها فأدها إليه) (٥) . وجه الدلالة: أن قوله: (فإن جاء صاحبها فأدها إليه) بعد قوله: (كلها) يقتضي وجوب ردها بعد أكلها، فيحمل على رد البدل (٦) .

стр. 516

أما إذا لم يتملكها ولم يتصرف فيها، فقد اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في ضمان اللقطة في هذه الحالة إلى قولين: القول الأول: أنه لا يضمن إلا بالتعدي، لأنها لا تدخل ملكه إلا باختياره، فهي أمانة، وبهذا قال جمهور الفقهاء (١) . واستدلوا بما يلي: ١- ما جاء في حديث زيد بن خالد ﵁ أن النبي ﷺ قال: (عرفها سنة فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك) (٢) . وفي رواية (فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها) (٣) . وجه الدلالة: أن اللقطة وديعة عنده، وأنه بعد السنة مخير في تملكها أو عدمه، فإن اختار حفظها فهي أمانة لا يضمن إلا بالتعدي (٤) . ٢- ولأنه قبضها لمنفعة صاحبها دون أن يكون له فيها نفع، فكان ضمانها على صاحبها ما لم يتعد الملتقط (٥) . وذهب الحنابلة على الصحيح من المذهب (٦) وهو قول عند الشافعية (٧) أنه يتملك اللقطة بمجرد مضي السنة ولا اختيار له في ذلك. وعلى هذا القول يضمن سواء فرط أو لم يفرط. واستدلوا بما يلي: ١- حديث زيد بن خالد ﵁ عند البخاري (.. عرفها سنة ثم اعرف عفاصها ووكاءها، فإن جاء أحد يخبرك بها وإلا فاستنفقها) (٨) .

стр. 517

وجه الدلالة: أن الأمر في قوله ﷺ (فاستنفقها) يقتضي الوجوبز فتدخل في ملكه بعد مضي السنة من غير اختيار، كالإرث فيضمن مطلقا (١) . ويمكن مناقشة هذا الاستدلال: بأنه جاء في رواية أخرى (فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها) (٢) فدلت هذه الرواية على اختيار تملكها فهي صارفة للأمر عن الوجوب. ٣- ولأنه لو توقف ملكها على تملكها لبينه الرسول ﷺ للسائل عن اللقطة ولم يجز له التصرف في اللقطة قبل ذلك (٣) . الترجيح الذي يظهر أن الراجح قول الجمهور، أنه لا يتملك اللقطة إلا باختياره، فإن اختار أن تكون أمانة عنده فله ذلك ولا يضمن إلا بالتعدي، لأن في تضمينه اللقطة بمجرد مضي السنة فيه تنفير للناس من أخذ الأموال الضائعة وحفظها وإعادتها إلى أصحابها، وفي ذلك ضرر وتلف للأموال والله أعلم. الحالة الثانية: أن يأخذ اللقطة بنية تملكها دون التعريف بها أو ردها في المغنم إن كانت من مال العدو. وفي هذه الحالة يضمن اللقطة إذا تلفت عنده سواء تعدي، أم لا. ولم أجد خلافا في ذلك -فيما أعلم- لأنه أخذ مال غيره على وجه لا يجوز أخذه، فأشبه الغاصب (٤) والله أعلم.

стр. 518

الباب الثالث أحكام المجاهد بالنفس في فقه الأسرة وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: أحكام المجاهد في الوقف والهبة والوصية والميراث. الفصل الثاني: أحكام المجاهد في النكاح. الفصل الثالث: أحكام المجاهد في العدة والنفقات.

стр. 519

الفصل الأول أحكام المجاهد في الوقف والهبة والوصية والميراث ويشتمل على ثلاثة مباحث: المبحث الأول: في الوقف. المبحث الثاني: قبول المجاهد الهبة على الجهاد. المبحث الثالث: في الوصية والميراث.

стр. 520

المبحث الأول في الوقف وفيه مطلبان: المطلب الأول: وقف المجاهد ماله على المجاهدين في سبيل الله . المطلب الثاني: نفقة الفرس الموقوف على الجهاد في سبيل الله. المطلب الأول وقف (١) المجاهد ماله على المجاهدين في سبيل الله

стр. 521

يجوز للمجاهد وقف ماله وسلاحه على المجاهدين في سبيل الله وعلى غيرهم، ولا يختلف عن غيره ممن يصح وقفه، جاء في شرح السير الكبير: (لا بأس بأن يحبس الرجل فرسه، وسلاحه في سبيل الله لأن هذا من القرب) (١) . وجاء في المدونة: (من حبس في سبيل الله شيئا فإنما هو في الغزو) (٢) . وفي روضة الطالبين: (يجوز وقف السلاح) (٣) . وفي المغني: (إذا وقف على سبيل الله فسبيل الله هو الغزو) (٤) . وفي المحلى بالآثار: (يجوز الوقف في السلاح والخيل في سبيل الله (٥) . وبما تقدم يتضح اتفاق الفقهاء -رحمهم الله تعالى- على جواز وقف المجاهد ماله (٦) وسلاحه (٧) على المجاهدين في سبيل الله ويؤيد ذلك: ما جاء عن أبي هريرة ﵁ في البخاري، وفيه (وأما خالد (٨) فقد احتبس أدرعه (٩) وأعتده (١٠) في سبيل الله..) (١١) .

стр. 522

المطلب الثاني نفقة الفرس الموقوف على الجهاد ذهب الفقهاء (١) -رحمهم الله تعالى- أن الواقف إن شرط أن تكون نفقة الفرس الحبيس على الجهاد في ماله فإنه ينفق عليه من ماله، وفي هذا فضل عظيم وثواب جزيل. عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من احتبس فرسا في سبيل الله، إيمانا بالله وتصديقا بوعده، فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة» (٢) . وعن تميم الداري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من ارتبط فرسا في سبيل الله، ثم عالج علفه بيده كان له بكل حبة حسنة) (٣) . فإن لم يشرط أن ينفق عليه فلا يلزمه نفقته، ولا تلزم المحبس عليه كذلك، وإنما ينفق عليه من منافعه إن أمكن دون أن يخل ذلك بالنفع الموقوف من أجله (٤) فإن لم يمكن الإنفاق عليه من منافعه فمن بيت مال المسلمين (٥) . فإن لم يوجد بيت مال للمسلمين، فإنه يباع ويشترى بثمنه سلاح لا يحتاج إلى نفقة، فيوقف مكانه (٦) . ويمكن أن يقاس على الفرس الحبيس للجهاد كل سلاح جعله صاحبه وقفا في سبيل الله ويحتاج إلى نفقة لصيانته وإصلاح ما يفسد من أجزائه، ونحو ذلك، والله أعلم.

стр. 523

المبحث الثاني قبول الهبة (١) على الجهاد سبق الحديث أن للمجاهد أخذ الجعل على الجهاد في سبيل الله إذا كان تبرعا محضا، وأنه لا خلاف في ذلك بين الفقهاء (٢) . فكذلك الهبة تبرع محض يجوز للمجاهد أخذها سواء كانت مالا، أو سلاحا أو مركوبا ليستعين بها على الجهاد في سبيل الله، ولا تعتبر أجرة على الجهاد (٣) . يدل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] . فأخذ المجاهد للهبة معونة له على الجهاد في سبيل الله. ولأن الهبة للمجاهد تدخل تحت فضيلة الإنفاق في سبيل الله والله تعالى يقول: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١] . ويقول ﷺ : «من جهز غازيا فقد غزا..» (٤) .

стр. 524

المبحث الثالث في الوصية والميراث وفيه مطلبان: المطلب الأول: في الوصية . المطلب الثاني: في الميراث. المطلب الأول في الوصية وفيه فرعان: الفرع الأول: وصية المجاهد قبل الخروج للجهاد. الفرع الثاني: الوصية للمجاهد.

стр. 525

الفرع الأول وصية (١) المجاهد قبل الخروج للجهاد لا يختلف المجاهد في سبيل الله عن غيره في الوصية، إلا أن المجاهد بخروجه للجهاد في سبيل الله أكثر عرضة للموت من غيره، فتكون الوصية آكد في حقه، والوصية على وجهين: الوجه الأول: الوصية الواجبة: وهي: الوصية بالحقوق الواجبة على الإنسان والتي لا بينة عليها تثبتها بعد وفاته، سواء كانت حقوق لله تعالى، كالزكاة والكفارات، أو حقوق للآدميين، كالديون والودائع ونحو ذلك (٢) وهذا الوجه من الوصية لا خلاف في وجوبه بين الفقهاء (٣) فيما أعلم. يدل على ذلك ما يلي: ١- عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] .

стр. 526

وجه الدلالة: أن أداء الأمانات والحقوق واجب، فتكون الوصية به واجبة، لأنه ما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب (١) . ٢- عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين، إلا ووصيته مكتوبة عنده) (٢) . فالحديث يدل على وجوب الوصية لمن عليه واجب، أو عنده وديعة ولا بينة على ذلك (٣) . الوجه الثاني: الوصية المستحبة: وهي: الوصية بالتطوعات والقربات (٤) . يستحب للمجاهد أن يوصي في سبل الخير قبل خروجه للجهاد، وأن يكتب وصيته ويشهد عليها، لأن ذلك أحفظ لها، وأحوط لما فيها (٥) . وقد اتفق الفقهاء فيما أعلم على أنه لا يجوز الوصية في أكثر من الثلث لمن ترك ورثة، إلا أن يجيز الورثة الزيادة. قال النووي ﵀: أجمع العلماء في هذه الأعصار على أن من له وارث لا تنفذ وصيته بزيادة على الثلث، إلا بإجازته (٦) . وجاء في بداية المجتهد: اتفق العلماء أنه لا يجوز الوصية بأكثر من الثلث لمن ترك ورثة (٧) .

стр. 527

يدل على ذلك حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (جاء النبي ﷺ يعودني وأنا بمكة..، قلت: يا رسول الله أوصي بمالي كله؟ قال: لا، قلت: فالشطر؟ قال: لا، قلت: الثلث؟ قال: فالثلث والثلث كثير، إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون (١) الناس) (٢) . واختلفوا فيمن لم يترك ورثة إلى قولين: القول الأول: أنه يجوز له أن يوصي بكل ماله في سبل الخير، وبهذا قال الحنفية (٣) وهو رواية عند الحنابلة قال في الإنصاف: هي المذهب (٤) . واستدلوا بحديث سعد بن أبي وقاص السابق. ووجه الدلالة منه: أن المنع من الزيادة على الثلث إنما كان لتعلق حق الورثة به، بدليل قوله ﷺ : «إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس..» (٥) . فإذا لم يكن له ورثة جاز أن يوصي بكل ماله في سبل الخير. ونوقش: بأن قوله ﷺ (إنك إن تدع ورثتك ... إلخ) . ليس تعليلا لرد الزيادة على الثلث، ولو كان ذلك تعليلا لجازت الزيادة على الثلث مع غناهم إذا لم يصيروا عالة (٦) . ويمكن الجواب: بأن الحديث دل على أن العلة في عدم الزيادة على الثلث هو الإضرار بالورثة (٧) ولو كانوا أغنياء حال الوصية، لأنهم قد يحتاجون المال بعد ذلك.

стр. 528

القول الثاني: لا يجوز الزيادة على الثلث في الوصية، وبهذا قال المالكية (١) والشافعية (٢) ورواية عند الحنابلة (٣) . واستدلوا بما يلي: ١- عن عمران بن الحصين ﵁ (أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله ﷺ فجزأهم أثلاثا ثم أقرع (٤) بينهم فأعتق اثنين وأرق (٥) أربعة، وقال له قولا شديدا) (٦) . وجه الدلالة: أنه ﷺ رد الزيادة على الثلث، وهذا عام فيمن له وارث ومن ليس له وارث، ويمكن مناقشة هذا: بأن رد الزيادة على الثلث محمول على أن له ورثة، ولا خلاف في ردها لمن وارث كما سبق (٧) . ٢- عن المقدام (٨) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «أنا وارث من لا وارث له أعقل (٩)

стр. 529

عنه وأرثه» (١) . وجه الدلالة: أن من لا وارث له يجعل ماله في بيت مال المسلمين وتدفع عنه الدية من بيت المال (٢) . ويمكن مناقشته بأن مال من لا وارث له يجعل في بيت مال المسلمين إذا لم يوص به، أما إذا أوصى به فهو على وصيته. الترجيح الذي يظهر رجحان القول الأول الذي يجيز الزيادة على الثلث، إذا لم يكن له ورثة، لما سبق من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ ولأن سبل الخير وخاصة في هذا العصر من هيئات وجمعيات تقوم بمهام عظيمة في خدمة الإسلام والمسلمين وتحتاج إلى الدعم، فالأولى في حق من لا وارث له أن يوصي بماله في هذه السبل. ولأن الوصية بماله لا تخرج عن المسلمين، وإن كانت لبعضهم، والله أعلم.

стр. 530

الفرع الثاني الوصية للمجاهد في سبيل الله تجوز الوصية للمجاهد في سبيل الله، ولا يختلف عن غيره ممن تجوز له الوصية ولا أعلم خلافا بين الفقهاء (١) رحمهم الله تعالى في ذلك، بل هو أولى بالوصية من غيره. جاء في المغني: إن أوصى للمجاهد بدابة يقاتل عليها، أو بسهم لها، انصرف ذلك إلى الخيل (٢) . وفي روضة الطالبين: إذا أوصى له بقوس أعطي ما يرمى به من النبل وغيره (٣) . وفي حاشية الخرشي: الشخص إذا أوصى بثلث ماله للغزاة فلا يلزم تعميم الجميع إذ يتعذر ذلك عادة (٤) . إذا تقرر جواز الوصية للمجاهد بالسلاح وبالمال سواء كان لمجاهد بعينه، أو لعموم المجاهدين دون تخصيص، فإن المجاهد لا يمتلك الوصية، إلا بالشروط الآتية: ١- أن يموت الموصي قبل موت المجاهد الموصى له. فإن مات المجاهد الموصى له قبل موت الموصي بطلت الوصية، وهذا قول جمهور الفقهاء من الأئمة الأربعة وغيرهم (٥) .
следующие страницы →