١- عن أبي هريرة ﵁ «أن النبي ﷺ دخل المسجد فدخل رجل فصلى، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ ، فرد النبي ﷺ ﵇ قال: ارجع فصل فإنك لم تصل، فرجع الرجل فصلى كما كان صلى. ثم جاء إلى النبي فسلم عليه. فقال رسول الله ﷺ (وعليك السلام) ثم قال: ارجع فصل فإنك لم تصل) حتى فعل ذلك ثلاث مرات. فقال الرجل: والذي بعثك بالحق! ما أحسن غير هذا. علمني. قال: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر. ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن. ثم اركع حتى تطمئن راكعاً. ثم ارفع حتى تعتدل قائماً. ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً. ثم ارفع حتى تطمئن جالساً. ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» (١) فهذا الحديث فيه تعليم الرسول ﷺ ، لذلك الذي أساء في صلاته ولم يحسن فيها، بأسلوب عملي يجعل المتعلم يكتشف الخطأ الذي وقع فيه بنفسه، وذلك يتبين من رد النبي ﷺ ، لذلك المصلي ثلاث مرات، لعله يكتشف سبب أمر النبي ﷺ له بإعادة الصلاة. يقول القاضي عياض: فإن قيل لم سكت النبي ﷺ عن تعليمه أولاً حتى افتقر الى
стр. 108
المراجعة كرة بعد أخرى، قلنا لأن الرجل لما لم يستكشف الحال مغتراً بما عنده سكت عن تعليمه زجراً له وإرشاداً إلى أنه ينبغي له أن يستكشف ما استبهم عليه، فلما طلب كشف الحال بينه بحسن المقال.. وقال ابن دقيق العيد: لا شك في زيادة قبول المتعلم لما يلقى إليه بعد تكرار فعله واستجماع نفسه وتوجه سؤاله مصلحة مانعة من وجود المبادرة إلى التعليم لا سيما مع عدم الخوف (١) وقال النووي: وإنما لم يعلمه أولاً ليكون أبلغ في تعريفه وتعريف غيره بصفة الصلاة المجزئة (٢) .
٢- عن أنس بن مالك، «أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن وقت صلاة الفجر، فقال: صلها معنا غداً، فصلاها النبي ﷺ بغلس، فلما كان اليوم الثاني أخر حتى أسفر، ثم قال: أين السائل عن وقت الصلاة؟ فقال الرجل: أنا يا نبي الله فقال النبي ﷺ : أليس قد حضرتها معنا أمس واليوم؟ قال: بلى. قال: فما بينهما وقت» . (٣) قال ابن عبد البر (٤) . وقد يكون البيان بالفعل أثبت أحياناً فيما فيه عمل من القول، وقد قال ﷺ : «ليس الخبر كالمعاينة» . (٥)
الخلاصة:
стр. 109
الجمع بين الأسلوب النظري والأسلوب العملي في التعليم، من الوسائل النافعة في التربية والتعليم.
هذه الطريقة تختصر الطريق على المعلم، وتوفر الوقت والجهد.
إشراك الطلاب في التطبيق العملي، لكي تتم الفائدة.
على المعلم أن يجعل طلابه يكتشفون الخطأ بأنفسهم، كأن يعيد المعلم كراسة الواجبات إلى الطالب بدون تصحيح لكي يعيد النظر فيها ويكتشف الخطأ بنفسه.
ممارسة الشيء وتطبيقه، عامل قوي في حفظ المعلومة وصيانتها عن النسيان.
стр. 110
[٤] عرض المادة العلمية بأسلوب يناسب عقل الطالب وفهمه
стр. 111
تختلف العقول والمدارك، من شخص لآخر، ومن جماعة لأخرى، وذلك أمر بين وواضح، ويدلك على ذلك أن الطلاب في الفصل الواحد يختلفون في سرعة الاستجابة لأسئلة المطروحة، وفي الفهم، ولعل حديث أبي سعيد الخدري المروي في الصحيحين وغيرهما يجلي لنا الأمر: «عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ جلس على المنبر فقال: عبد خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الحياة الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده. فبكى أبو بكر فقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا. قال فكان رسول الله ﷺ هو المخير، وكان أبو بكر هو أعلمنا به» .. الحديث. قال النووي: وكان أبو بكر ﵁ علم أن النبي ﷺ هو العبد المخير فبكى حزناً على فراقه وانقطاع الوحي وغيره من الخير دائماً، وإنما قال ﷺ إن عبداً وأبهمه لينظر فهم أهل المعرفة ونباهة أصحاب الحذق. أهـ (١) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: نعم. كان أبو بكر الصديق ﵁ أقرب الناس إلى رسول الله، وأولاهم به، وأعلمهم بمراده لما يسألونه عنه فكان النبي يتكلم بالكلام العربي الذي يفهمه الصحابة ﵃
стр. 112
ويزداد الصديق بفهم آخر يوافق ما فهمهوه، ويزيد عليهم ولا يخالفه. أهـ (١)
ثم إن المقدرة على إيصال المعلومات إلى ذهن الطالب، تختلف قوة وضعفاً من ووسيلة لأخرى، ومن هذه الوسائل، طريقة الشرح، شرح المادة المراد تدريسها، وهذه الطريقة تعد من أفضل الطرق في الإفصاح والكشف عن مراد المعلم، ولذا كان من المهم جداً أن يعرف المعلم مستوى طلابه العقلي، لأن ذلك يساعد على تحديد أسلوبه في عرض المواد العلمية، وتلخيصها بما يوفق عقولهم ومداركهم. ويوضح ذلك الآثار التالية:
стр. 113
«عن عائشة ﵂ قالت: (سألت النبي ﷺ عن الجدر أمن البيت هو؟ قال: نعم. قلت: فما لهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: إن قومك قصرت بهم النفقة. قلت: فما شأن بابه مرتفعاً؟ قال: فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا، ولولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت وأن ألصق بابه في الأرض» (١) فالنبي ﷺ ترك بناء الكعبة على أساسها الذي بناها عليه إبراهيم ﵇، من أجل الأمن من الوقوع في المفسدة، والمفسدة هي: أن قريشاً كانت تعظم أمر الكعبة جداً فخشي ﷺ أن يظنوا لأجل قرب عهدهم بالإسلام أنه غير بناءها لينفرد بالفخر عليهم في ذلك) (٢) فانظر رعاك الله كيف ترك النبي ﷺ أمراً عظيماً كهذا، خشية أن تقصر أفهامهم عن إدراك الأمر على وجهه. ولكي نزيد الأمر وضوحاً، هاك مثالين من تلاميذ محمد ﷺ :
الأول: مارواه البخاري في صحيحه عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ (٣)(٤) .
стр. 114
والثاني: ما رواه مسلم، عن عبد الله بن مسعود قال: (ما أنت محدثاً قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة) فهذان الأثران يوضحان لنا أثر مخاطبة الناس بالأحاديث التي لا تحتملها عقولهم، حتى ولو كانت تلك الأحاديث المحدث بها صحيحة ثابتة عن رسول الله ﷺ فإنه لما كانت عقولهم تقصر عن فهمها وإدراك حقائقها جاء النهي عن ذلك لكي لا يحدث لهم فتنة. والمعلمون لهم نصيب من ذلك، وعليهم عبء كبير، إذ إن على المعلم أن يجتهد في تبسيط المسائل، وصياغة الألفاظ بعبارات واضحة مفهومة تناسب مستوى طلابه، كي لا يقعوا في حيرة من أمرهم، ولكي لا يصعب العلم عليهم.
قال الغزالي في الإحياء: الوظيفة السادسة: أن يقتصر بالمتعلم على قدر فهمه فلا يلقى مالا يبلغه عقله فينفره أو يخبط عليه عقله اقتداء في ذلك بسيد البشر ﷺ حيث قال: «نحن معشر الأنبياء أمرنا أن ننزل الناس منازلهم ونكلمهم على قدر عقولهم» (١) فليبث إليه الحقيقة إذا علم أنه يستقل بفهمها.. (٢)
стр. 115
وروى الحاكم في تاريخ بإسناده عن أبي قدامة عن النضر بن شميل قال سئل الخليل عن مسألة فأبطأ الجواب فيها قال فقلت ما في هذه المسألة كل هذا النظر، قال: فرغت من المسألة وجوابها ولكني أريد أن أجيبك جواباً يكون أسرع إلى فهمك، قال أبو بدامة فحدثت به أبا عبيد فسر به. وفي تاريخ عبد الله بن جعفر السرخسي أبي محمد الفقيه أخبرني محمد بن حامد حدثنا عبد الله بن أحمد سمعت الربيع سمعت الشافعي يقول: لو أن محمد بن الحسن كان يكلمنا على قدر عقله ما فهمنا عنه ولكنه كان يكلمنا على قدر عقولنا فنفهمه (١) .
الخلاصة:
اختلاف عقول وأفهام الطلاب من شخص لآخر، ومن جماعة لأخرى.
براعة المعلم تكمن في قدرته على إيصال المعلومة للطالب كما ينبغي، وليست في حشد النصوص والأدلة، وكثرة المسائل.
تقدير المستوى العقلي للطلاب، ومن ثم تعليمهم وتدريسهم على هذا الأساس.
أن تكليف عقل الطالب ما لا يحتمله، وتحميله فوق طاقته، لا يزيد الطالب إلا حيرة وجهلاً.
стр. 116
[٥] أسلوب المحاورة والإقناع العقلي
تختلف عقول الناس ومداركهم من حيث الفهم، وسرعة الاستجابة. ويختلف الناس أيضاً من حيث الانقياد والتسليم لشرع الله أمره ونهيه، فمنهم من لا يقنع بالدليل إلا إذا ظهرت له الحكمة من ذلك التشريع (١) ، ومنهم من يكفيه الدليل ويقف عنده.
والتلاميذ عموماً فيهم من ذلك الشيء الكثير، فمنهم من لا ترضيه بعض القواعد والأسس التي اصطلح عليها العلماء (٢) إلا إذا تبين له وجه الحكمة من ذلك. ومنهم من لا يحصل له الفهم الكامل إلا بعد أن تختصر له هذه القاعدة أو هذه المسألة، وتعرضها عليه بأسلوب الحوار والإقناع. ولعلنا نجلي ما سبق بما يلحق:
стр. 117
١- أخرج الإمام أحمد عن أبي أمامة قال: «إن شاباً أتى النبي ﷺ فقال: يارسول الله ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مه مه! (١) فقال: ادنه، فدنا منه قريباً قال: فجلس، قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا والله جعلني فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا والله جعلني فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا والله جعلني فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال أفتحبه لعمتك؟ قال لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال: أفتحبه لخالتك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم، قال: فوضع يده عليه وقال: اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء» . (٢)
стр. 118
ففي هذا الحديث نلمس عظمة الرسول ﷺ ، وحسن تعليمه وتعامله في هذا الموقف. فهذا شاب يعلم ماذا يعني (الزنا) ولذلك قال يا رسول الله ائذن لي بالزنا! ولا يخفى موقف الصحابة وغيرتهم الشديدة على دين الله ﵃ وأرضاهم، ولكن الرسول ﷺ لم يعامل ذلك الشاب بالزجر كما فعل الصحابة رضوان الله عليهم، ولا قال له إن الله حرم الزنا ورتب على ذلك وعيداً شديداً، كل ذلك لم يفعله ﷺ لأن هذه الأمور مستقرة لدى الشاب ومعلومة لديه. إذاً، كان العلاج النبوي بالمحاورة والإقناع العقلي هو أنجح وسيلة لمثل هذه الحالة، فتأمل هذه الوسيلة في التعليم يتبين لك عظمة المعلم الأول ﷺ
٢- أورد البخاري في صحيحه (١) عن أبي هريرة ﵁ «أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله ولد لي غلام أسود، فقال هل لك من إبل؟ قال نعم، قال ما ألوانها؟ قال حمر (٢) قال: هل فيها من أورق؟ قال نعم، قال فأنى (٣) ذلك؟ قال نزعه عرق (٤) قال: فلعل ابنك هذا نزعه» .
стр. 119
فهذا الرجل أو الأعرابي (١) جاء سائلاً مستفتياً مستنكراً أن يأتيه ولد أسود على خلاف لونه ولون أمه، فبين له الرسول ﷺ بأسلوب عقلي (٢) سهل وميسور، وحاوره وضرب له مثالاً من بعض ما يملكه هذا الأعرابي ليكون أقرب إلى فهمه، حيث سأله عن إبله وهل يأتي منها ما هو مخالف لأبويه في الشكل والصفة، فقال نعم: عندئذ أخبره النبي ﷺ أن ذلك حاصل في البشر أيضاً. فانظر رعاك الله كيف حاوره النبي ﷺ وقرره بأسلوب عقلي بسيط وواضح. ولقد كان من الممكن أن يخبره النبي ﷺ أن هذا ابنه، وهذا بحد ذاته كاف، لأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، ولكن لما علم الرسول ﷺ حال الأعرابي وجهله، أراد أن يبين له الأمر حتى تطمئن نفسه ويرتاح فؤاده، ولعل النبي ﷺ أراد بهذا التقرير أن يكون ذلك حكماً عاماً لذلك الأعرابي ولمن خلفه (٣) والله أعلم.
стр. 120
٣- عن ابن عباس «أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت إن أمي نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج، أفأحج عنها؟ قال: نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم. قال: فاقضوا الذي له: فإن الله أحق بالقضاء» . (١)
الخلاصة:
استخدام الأسلوب العقلي في الإقناع وسيلة جيدة تضمن وصول المعلومة إلى ذهن السامع، على ما أراده المتحدث.
مراعاة البساطة في المحاورة العقلية، وإشراك التلميذ في المحاورة لكي يحصل التفاعل.
تقريب (المحاورة العقلية) إلى أدنى شيء ممكن أن يحسه أو يعقله التلميذ، كقصة الأعرابي الذي جاءه ولد أسود، فضرب له الرسول ﷺ مثالاً من أقرب الأشياء إليه وهي إبله.
مراعاة حال السامع، وهل هو ممن تؤثر فيه الأدلة العقلية أم لا.
стр. 121
[٦] التعليم عن طريق القصص
القصة لها قدرة عظيمة في جذب النفوس، وحشد الحواس كلها للقاص. وذلك لأن القصة بطبعها محببة إلى النفس البشرية، لما فيها من ذكر أخبار الماضين، وذكر الوقائع، والنوادر وغير ذلك، أضف إلى ذلك أن القصة من شأنها أنها تعلق بالذهن ولا تكاد تنسى وهذا أمر واضح للعيان يعلمه كل أحد. ولذا فقد اعتنى القرآن الكريم بذكر القصص في القرآن لما فيها من تسلية النفس، وتقوية العزائم، وأخذ العبر والاتعاظ ومعرفة أخبار الماضين، وحفظ الأحداث.
وغيرها كثير، والقرآن الكريم لم يعرض هذه القصص لمجرد التسلية فقط، لا. بل إن المتأمل لهذه القصص يجد بين طياتها وبين ثناياها تقرير مسائل التوحيد، وكذلك بيان حكم الله الباهرة وسننه في عباده التي لا تتبدل ولا تتغير، وقد يوجد في بعض منها بيان أحكام فقهية كقوله تعالى في قصة يوسف ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ والأحكام الفقهية التي نأخذها من هذه الآية هما: الجعالة والكفالة (١) وقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أي: أجرة له على وجدانه. وقوله: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ أي: كفيل، وهذا بقوله المتفقد. (٢)
стр. 122
فمن هذا يعلم أن القصص لها دور كبير في تعليم الناس وتربيتهم، ولقد كان رسولنا ﵊ يقص على صحابته رضوان الله عليهم القصص ليثبتهم وليعلمهم وليربيهم إلى غير ذلك من المعاني فمن ذلك:
١- «أن خباباً ﵁ جاء إلى رسول الله ﷺ يشكو أذى قريش وكان ذلك في أول الدعوة بمكة. يقول خباب ﵁: شكونا إلى رسول الله ﷺ ، وهو متوسد ببردة له في ظل الكعبة فقلنا ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا، فقال: (لقد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط من الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» (١)
стр. 123
فهذه القصة التي ساقها الرسول ﷺ فيها من الحكم والعبر لا يعلمها إلا من أعطاها حقها من التأمل، ففيها أن الابتلاء بالتعذيب وغيره لأهل التوحيد سنة ماضية، وفيها ثبات من كان قبلنا على الحق لا يصده عن دينه شيء ولو كان الثمن حياته، وفيها إخبار بالغيب عندما أخبر عن ظهور هذا الدين، وفيها بيان فضيلة الصبر وذم الاستعجال بقوله: «ولكنكم تستعجلون» .
والقصص في السنة كثيرة ولولا الإطالة لسقت بعضاً منها ولكن أكتفي بإشارات إليها، فمنها قصة الثلاثة (الأعمى، والأبرص، والأقرع) الذين أتاهم الملك. وقصة الثلاثة الذين لجئوا إلى الغار فانطبقت عليهم الصخرة. وقصة نبي الله موسى ﵇ مع الخضر، وغيرها كثير.
وعلى المعلم.. أن لا يكون همه سرد القصص فقط، بل عليه بيان مواضع العبر منها، وبيان الفوائد المستنبطة من القصة، وبيان الأحكام الواردة فيها إن كان فيها أحكام.. إلخ.
الخلاصة:
القصص تألفها النفوس، ولها تأثير عجيب في جذب انتباه السامع وحفظ أحداث القصة بسرعة.
القصة لم توضع للتسلية المجردة فقط بل للاعتبار والاتعاظ والتعلم.
стр. 124
القصص لها أثرها البالغ في التأثير على سلوكيات الطلاب، خصوصاً إذا كانت القصة واقعية وتعالج قضايا هامة.
القصة وسيلة قوية للتعليم فيجب الاعتناء بها، وإعطاؤها قدراً كبيراً من الاهتمام.
стр. 125
[٧] ضرب الأمثال أثناء التعليم (١)
يحتاج المعلم والمربي إلى وسيلة تقرب المسألة المعقدة أو المعضلة إلى الأذهان، أو توضح الفكرة الصعبة. وبأسلوب آخر فإن المعلم قد تواجهه بعض الصعوبات في إيصال المعلومات إلى ذهن السامع، فيحتاج إلى وسيلة أخرى مساعدة تحل هذا الإشكال، وتفتح المجال أمام ذهن الطالب فيتعلم المسألة الصعبة بسهولة ويسر.
والمثل لغة: صيغة المثل وما يشتق منها تفيد التصوير والتوضيح، والظهور والحضور والتأثير. فالمثل هو الشيء المضروب الممثل به الذي تتضح به المعاني وهو صفة الشيء أيضاً (٢) .
والقرآن الكريم حافل بذكر الأمثال، وهي كثيرة جداً: فمن ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ (٣)
стр. 126
عن ابن عباس في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ (يعني بالشجرة الطيبة المؤمن ويعني بالأصل الثابت في الأرض والفرع في السماء يكون المؤمن يعمل في الأرض، ويتكلم فيبلغ قوله وعمله السماء وهو في الأرض) (١)
وفي قوله تعالى في الآية السابقة ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ يقول الشوكاني: وفي ضرب الأمثال زيادة تذكير وتفهيم وتصوير للمعاني (٢) . ويقول ابن سعدي: فإن في ضرب الأمثال، تقريباً للمعاني المعقولة، من الأمثال المحسوسة، ويتبين المعنى الذي أراده الله، غاية البيان، ويتضح، غاية الوضوح، وهذا من رحمته، وحسن تعليمه. فلله أتم الحمد وأكمله وأعمه. (٣) ويقول أبو بكر الجزائري: بعد هذه الآية، من هداية الآيات: استحسان ضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأذهان. (٤)
والمعلم الأول ﷺ ، كان يضرب الأمثال كثيراً في أحاديثه وأقواله، لعلمه ﷺ ما في الأمثال من قدرة على تقريب المعنى وبيان المقصود، فمن ذلك:
стр. 127
١- ما جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب، مثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر» فانظر أخي المبارك إلى هذا التفصيل ما أروعه، ثم تأمل أثر التمثيل في بيان حقيقة المؤمن والمنافق الذي يقرأ القرآن والذي لا يقرأ القرآن.
стр. 128
٢- عن النواس بن سمعان الأنصاري عن رسول الله ﷺ قال: «ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: أيها الناس ادخلوا الصراط جميعاً ولا تنفرجوا، وداع يدعو من جوف الصراط، فإذا أراد يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه. والصراط الإسلام والسوران حدود الله تعالى، والأبواب المفتحة محارم الله تعالى وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم» . (١)
стр. 129
٣- عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين» (١) قال ابن حجر: فكأنه شبه الأنبياء وما بعثوا به من إرشاد الناس ببيت أسست قواعده ورفع بنيانه وبقي منه موضع به يتم صلاح ذلك البيت.. ثم قال: وفي الحديث ضرب الله الأمثال للتقريب للأفهام وفضل النبي ﷺ على سائر النبيين، وأن الله ختم به المرسلين، وأكمل به شرائع الدين. (٢)
الخلاصة:
ضرب الأمثال وسيلة جيدة في تقريب المعاني والأفكار
يلجأ المعلم لضرب المثل عندما تصعب مسألة ما على الأذهان، فيعمد إلى المثل لتبسيطها وتقريبها للفهم.
يتوقف مدى الفائدة من ضرب المثال على براعة المعلم في تصوير المثال لكي يطابق الفكرة التي يريد إيضاحها.
стр. 130
[٨] أسلوب التشويق في التعليم
أسلوب التشويق: هو أسلوب أو طريقة من الطرق تبعث على إيقاظ الهمم، وإذكاء النفوس، إذ إن النفس البشرية تتطلع إلى استكشاف كل جديد، بل إن إثارة المتعلم وتشويقه، تجعله يبحث ويستقصي بلهف شديد، ورغبة شديدة، في معرفة ذلك الشيء المشوق. يوضح ذلك الحديث الذي يرويه «أبو سعيد المعلي ﵁:
١- قال: (كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه، فقلت: يا رسول الله إني كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ؟ ثم قال لي: لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» . (١) في هذا الحديث يظهر لنا جلياً شوق ذلك الصحابي إلى معرفة أعظم سورة في القرآن، حيث إنه لم يصبر ولم يمهل الرسول حتى يخرج بل بادره بقوله: ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟) .
стр. 131
٢- ومثله الحديث الذي عند مسلم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «احشدوا (أي اجتمعوا) فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن) فحشد من حشد. ثم خرج نبي الله ﷺ فقرأ: قل هو الله أحد. ثم دخل فقال: بعضنا لبعض: إني أرى هذا خبر جاءه من السماء. فذاك الذي أدخله. ثم خرج نبي الله ﷺ فقال: (إني قلت لكم: سأقرأ عليكم ثلث القرآن. ألا إنها تعدل ثلث القرآن» (١) . ألا إن قول الرسول ﷺ وفعله، كان له أثر كبير في تشوقهم، لسماع ثلث القرآن منه ﷺ ففي هذه القصة فوائد منها دلالة واضحة على فضل قراءة سورة الإخلاص، ومنها تلهف الصحابة لسماع ثلث القرآن من في رسول الله ﷺ ، ومنها أن قوله (احشدوا) ثم دخوله وخروجه مرة أخرى يلزم منه رسوخ هذه القصة بأحداثها عند الصحابة وحفظهم لها.
стр. 132
٣- روى الإمام أحمد: «عن أنس قال: كنا جلوساً مع رسول الله ﷺ فقال: (يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة) فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه قد علق نعليه بيده الشمال فلما كان الغد قال رسول الله مثل ذلك فطلع الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان اليوم الثالث قال رسول الله ﷺ مثل مقالته أيضاً فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى، فلما قام رسول الله ﷺ تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص فقال: إني لاحيت أبي فأقسمت أني لا أدخل عليه ثلاثاً فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت قال: (نعم) قال أنس فكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئاً غير أنه إذا تعار (١) وتقلب على فراشه ذكر الله وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر قال عبد الله غير أني لم أسمعه يقول إلا خيراً، فلما مضت الليالي الثلاث وكدت أحتقر عمله قلت يا عبد الله لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجرة ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول لك ثلاث مرات (يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة) فطلعت أنت في الثلاث المرات فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فأقتدي به فلم أرك
стр. 133
تعمل كبير عمل فما الذي بلغ بك ما قاله رسول الله ﷺ ، قال: هو ما رأيت، فلما وليت دعاني فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه. قال عبد الله فهذه التي بلغت بك وهي التي لا تطاق» (١) .
وفي هذه القصة كان الدافع الذي حدا بعبد الله بن عمرو بن العاص إلى أن يقول ما يقول لذلك الصحابي، لكي يعلم السبب الذي من أجله كان الرسول ﷺ يقول ثلاث مرات: «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة» ، ولا يخفى ما في هذه القصة من أسلوب إثارة وتشويق وهو بين ظاهر.
الخلاصة:
إن استخدام أسلوب التشويق والإثارة، من أقوى الدوافع على التعلم والبحث والاستقصاء (٢) .
يجب أن يضع المعلم في اعتباره، أن العبارات المستخدمة في هذا الأسلوب، يجب أن تؤدي إلى معنى تهواه وتستشرف إليه النفس. كقوله ﷺ : «لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد» ، وقوله: «احشدوا فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن» وقوله: «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة» ثلاث مرات.
كلما كان أسلوب التشويق قوياً، كلما كانت الدوافع أقوى.
стр. 134
[٩] استخدام الإيماءات (حركات اليدين والرأس) في التعليم
لا ينفك المعلم بحال من الأحوال عن إيماءات اليدين والرأس، أثناء ممارسته للتعليم، فهي ملازمة للمتحدث أياً كان نوع الحديث. ولكن هل من سبيل إلى توظيف هذه الحركات والإيماءات لصالح التعليم؟ الجواب. نعم. وإن سألتني كيف ذلك؟ قلت لك: تابع معي السطور التالية:
إن عين التلميذ تتابع حركات المعلم وسكناته، ولذلك فهو يتأثر بالانفعالات التي يحدثها المعلم، إذاً فهو يتأثر بحركة اليدين والرأس. والمعلم قد يستفيد من هذه الحركات والإشارات في أمور عدة:
أحدها: زيادة بيان وإيضاح وتأكيد على الكلام: نأخذ هذه من حديث جابر ﵁، في سياق حجة النبي ﷺ وفيه:
стр. 135
١- «أن الرسول ﷺ أمر أصحابه، أن لمن لم يسق الهدي أن يحل من إحرامه بعد طوافه بين الصف والمروة ويجعلها عمرة وقال: (لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي. وجعلتها عمرة. فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل. وليجعلها عمرة) فقام سراقة بن مالك بن جشم فقال: يا رسول الله! ألعامنا هذا أم لا بد؟ فشبك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى. وقال: (دخلت العمرة في الحج) (١) مرتين (لا بل لا بد الأبد» (٢) ووجه الدلالة هنا أن الرسول ﷺ شبك بين أصابعه ليبين ويؤكد على أن هذا الحكم مستمر للأبد، ولا يخفى ما في هذه الحركة من معان قوية، تزيد الكلام تأكيداً، وقوة إلى قوة.
стр. 136
٢- عن أبي هريرة ﵁ «أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال: (فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه) وأشار بيده يقللها» (يزهدها) (١) وبتأمل هذا الحديث، يتبين أن إشارته ﷺ أفادت معنى جديدً زائداً على كلامه ﷺ ، وهو أن هذه الساعة أمرها يسير في مقابل نيل أمر عظيم، وهذا من فضل الله على عباده. قال الزين بن المنير: الإشارة لتقليلها هو للترغيب فيها والحض عليها ليسارة وقتها وغزارة فضلها (٢) .
ثانيها: جذب الانتباه وترسيخ بعض المعاني في الذهن: نلمس ذلك من الحديث السابق الذي ساقه جابر بن عبد الله ﵁، وذلك عندما «خطب النبي ﷺ بالناس في نمرة يوم عرفة، حيث بين لهم في هذه الخطبة أموراً كثيرة وعظيمة، ثم بعد أن بلغهم قال لهم:
стр. 137
١- (وأنتم تسألون عني. فما أنتم قائلون؟) قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال: بإصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء وينكتها (١) إلى الناس (اللهم! اشهد. اللهم! اشهد) ثلاث مرات» (٢) ففي رفع الرسول ﷺ لأصبعه إلى السماء ثم الإشارة به إليهم، جذب لأنظار الناس لهذا الأمر الهام والخطير وهو مقام الشهادة على التبليغ (٣) .
٢- ذكر أبو العالية البراء.. تأخير ابن زياد الصلاة ذكر ذلك لعبد الله بن الصامت فعض على شفتيه فضرب فخدي وقال سألت أبا ذر كما سألتني فضرب فخذي كما ضربت فخذك وقال سألت رسول الله ﷺ كما سألتني فضرب فخذي كما ضربت فخذك وقال: «صل الصلاة لوقتها فإن أدركت الصلاة معهم فصل ولا تقل أني قد صليت فلا أصلي» قال في شرح مسلم: قوله فضرب فخذي أي للتنبيه وجمع الذهن على ما يقوله له (٤) .
ثالثها طلب الاختصار: أما طلب الاختصار فنأخذه من الحديث المتفق عليه الذي يرويه ابن عباس بقوله:
стр. 138
١- قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة، وأشار بيده إلى الأنف، واليدين والركبتين، وأطراف القدمين» ألا ترى أنه قال أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ثم قال الجبهة وأشار بيده إلى الأنف، فهذا فيه بيان إلى أن الأنف تابع للجبهة، أي كأنهما عضو واحد، وفيه أيضاً اختصار بديع، إذ أنه ﷺ استغنى عن ذكر الأنف بالإشارة إليه، ألا ترى أنه لو لم يشر إلى الأنف لكان يتوجه أن يقال: الجبهة والأنف، فلما استخدمت الإشارة على الأنف مع قوله الجبهة، أغنى ذلك عن ذكر الأنف. والله أعلم.
٢- عن ابن عباس ﵄ «أن النبي ﷺ سئل في حجته فقال: ذبحت قبل أن أرمي، فأومأ بيده قال: ولا حرج. قال: حلقت قبل أن أرمي، فأومأ بيده قال: ولا حرج. قال: حلقت قبل أن أذبح فأومأ بيده: ولا حرج» (١) .
٣- وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يقبض العلم، ويظهر الجهل والفتن، ويكثر الهرج) قيل: يا رسول الله وما الهرج؟ فقال: هكذا بيده فحرفها كأنه يريد القتل» (٢) .
الخلاصة:
стр. 139
توظيف إيماءات اليدين والرأس في صالح التعليم.
الإشارات تفيد المعلم في الاختصار، أو زيادة تأكيد على الكلام، أو ترسيخ وتعميق بعض الأمور الهامة أو جذب انتباه السامع، أو تساعد المعلم في التعبير عن بعض المعاني التي قد يتعذر على اللسان الإتيان بها. وغيرها.
هناك وظائف كثيرة متعارف عليها، وهي معلومة لنا بحكم العادة، كإشارة طلب السكوت، أو النفي، أو طلب المجيء والانصراف.
إن الإسراف في حركة اليدين، مزعجة للطالب، ونقيضه تعطيل هذه الوسيلة يفوت على المعلم وسائل مساعدة في إيضاح بعض مواد الشرح. فكلا قصد طرفي الأمور ذميم.
стр. 140
[١٠] استخدام الرسومات للتوضيح والبيان
يحتاج المعلمون إلى وسائل مساعدة، تساعد المعلم في إيصال المعلومات بشكل أفضل وأيسر، ومن هذه الوسائل (السبورة) حيث يتمكن المعلم من دعم شرحه بالكتابة أو بالرسم على (السبورة) ونحوها. ولك أن تقارن بين معلم يجمع بين الشرح والكتابة أو الرسم على (السبورة) وبين معلم يقتصر على أسلوب الإلقاء فقط. قطعاً الأول أكثر إيضاحاً للمعنى المراد بيانه، وأسرع فهماً. وهذا أمر لا يحتاج إلى تدليل لإثباته. والمعلم الأول ﷺ سبق التربية الحديثة بأربعة عشر قرناً حيث كان يدعم قوله ﷺ في بعض حديثه برسومات تقرب المعنى للأذهان، وتعين على الحفظ. فمن ذلك:
١- عن ابن مسعود ﵁ قال: «خط النبي ﷺ خطاً مربعاً، وخط خطاً في الوسط خارجاً منه،. وخط خططاً صغاراً إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، فقال: (هذا الإنسان، وهذا أجله محيطاً به - أو قد أحاط به - وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخطط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا، نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا» (١) وهذه صورته (٢) :
الأجل الأمل
الأعراض
стр. 141
٢- وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «خط رسول الله ﷺ خطاً بيده ثم قال: (هذا سبيل الله مستقيماً) وخط عن يمينه وشماله ثم قال: (هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه) ثم قرأ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ » (١)
وبعد. فإننا نضيف أموراً أخرى، وهي: (١) أن يراعي المعلم وضوح المادة المكتوبة أو المرسومة. (٢) أن يتأكد من أن جميع الطلاب يشاهدون المادة المكتوبة أو المرسومة وإزالة جميع العوائق التي تمنع ذلك. (٣) استخدام الألوان وتنويعها لجذب الانتباه.
الخلاصة:
دعم الشرح بالرسومات والكتابة، يزيد الشرح قوة إلى قوة.
الرسومات والكتابات مع الشرح، تساعد في إيصال المعلومة بشكل سريع.
يجب أن تكون الكتابة والرسومات واضحة يراها جميع الطلاب، مع مراعاة إزالة الحواجز التي قد تعيق رؤية الطلاب لها.
стр. 142
[١١] توضيح المسائل المهمة عن طريق التعليل (١)
قد تغلق بعض المسائل على الطالب، ويحتار فيها ولا يجد تفسيراً لها أو فكاً لرموزها، وعندئذ يأتي دور المعلم في بيان ما أشكل على الطالب وأغلق عليه. ومن ذلك استخدام أسلوب التعليل، أي بيان الأسباب والعلل التي جعلت هذه المسألة أو هذا الحكم على هذه الصورة. والتعليل يحل رموز المسائل المشكلة، ويدخل على النفس الراحة، ويكسبها الطمأنينة، هذا بالإضافة إلى رسوخ المسألة في الذهن وصيانتها عن النسيان، لأن حفظ ما علم علته وسببه أيسر ممن جهلت علته وسببه. وبالمثال يتضح الحال:
١- عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه، فإن في إحدى جناحيه داء وفي الآخر شفاء» (٢) ففي هذا الحديث بين النبي ﷺ الحكمة من غمس الذبابة جميعها في الإناء أو الشراب، وعللها بأن في أحد جناحي الذبابة داء وفي الآخر شفاء. ولو أن الحديث جاء هكذا بدون تعليل منه، لأصبح مشكلاً محيراً، ولكن لما جاء هذا التعليل بان لنا سبب الغمس والطرح (٣) .
стр. 143
٢- عن ثابت بن الضحاك، قال: «نذر رجل على عهد رسول الله ﷺ : أن ينحر إبلاً ببوانة (١) ؟ فقال النبي ﷺ : (هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد) ؟ قالوا: لا! قال: (هل كان فيها عيد من أعيادهم) ؟ قالوا: لا! قال رسول الله ﷺ : (أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم» (٢) وهذا الحديث فيه أن الرجل سأل النبي ﷺ أن عليه نذراً في مكان يقال له بوانة، فلما عين ذلك الرجل المكان استفسر منه النبي ﷺ عن سبب ذلك فسأله هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية، وهل كان فيها عيد من أعيادهم، فلما قالوا: لا، وانتفى المحذور من أن يكون المكان مكان معصية، أذن له النبي ﷺ في وفائه بنذره، ثم علل ذلك بقوله: «فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله» أي إن نذر المعصية لا يجوز إمضاؤه. وأنت ترى كيف جاء هذا التعليل بياناً لاستفسار النبي ﷺ عن ذلك المكان، فلو أن النبي ﷺ لم يعلل، لسأل سائل، ما هو المقصود من استفسار النبي ﷺ عن ذلك الموقع؟
стр. 144
ولكن لما جاء التعليل وضح المقصود وأزال التوهم.
الخلاصة:
أسلوب التعليل يوضح ما صعب على الطالب فهمه، وما أشكل عليه.
أسلوب التعليل يبعث في النفس الطمأنينة، ويقر المعني للذهن.
أسلوب التعليل، سبب في رسوخ المعلومات في ذهن الطالب.
стр. 145
[١٢] ترك استخراج الجواب للمتعلم
إن ترك المعلم الطالب يستخرج الجواب بنفسه، وسيلة نافعة في إعمال الذهن، وتحريضه على التفكير والإدلاء بالجواب. ويكفي هذه الطريقة فائدة، أنها شحذت الذهن والحواس، وجعلتها تبحث جاهدة للعثور على الجواب المطلوب، وهذا في حد ذاته تقدماً ومكسباً ينضاف إلى رصيد الطالب. بيان ذلك، بأن يطرح المعلم مسألة معينة، ثم يقربها لهم ويترك الجواب أو الحكم النهائي لهم. وقد تكون هذه المسألة المطروحة تستلزم جواباً من الطالب، وقد لا تستلزم ذلك ولكنها تتطلب إعمالاً ذهنياً وشحذاً فكرياً. وإليك الأمثلة:
١- عن أبي ذر ﵁ قال: قال النبي ﷺ «يصبح على كل سلامي (١) من ابن آدم صدقة تسليمه على من لقي صدقة، وأمره بالمعروف صدقه. ونهيه عن المنكر صدقه، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، وبضعة أهله صدقة (٢) ، ويجزئ من ذلك كله ركعتان من الضحي) .. (قالوا: يا رسول الله أحدنا يقضي شهوته وتكون له صدقة؟ قال: أرأيت لو وضعها في غير حلها ألم يكن يأثم» ؟) (٣)