٢- وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «خط رسول الله ﷺ خطاً بيده ثم قال: (هذا سبيل الله مستقيماً) وخط عن يمينه وشماله ثم قال: (هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه) ثم قرأ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ » (١)
وبعد. فإننا نضيف أموراً أخرى، وهي: (١) أن يراعي المعلم وضوح المادة المكتوبة أو المرسومة. (٢) أن يتأكد من أن جميع الطلاب يشاهدون المادة المكتوبة أو المرسومة وإزالة جميع العوائق التي تمنع ذلك. (٣) استخدام الألوان وتنويعها لجذب الانتباه.
الخلاصة:
دعم الشرح بالرسومات والكتابة، يزيد الشرح قوة إلى قوة.
الرسومات والكتابات مع الشرح، تساعد في إيصال المعلومة بشكل سريع.
يجب أن تكون الكتابة والرسومات واضحة يراها جميع الطلاب، مع مراعاة إزالة الحواجز التي قد تعيق رؤية الطلاب لها.
стр. 142
[١١] توضيح المسائل المهمة عن طريق التعليل (١)
قد تغلق بعض المسائل على الطالب، ويحتار فيها ولا يجد تفسيراً لها أو فكاً لرموزها، وعندئذ يأتي دور المعلم في بيان ما أشكل على الطالب وأغلق عليه. ومن ذلك استخدام أسلوب التعليل، أي بيان الأسباب والعلل التي جعلت هذه المسألة أو هذا الحكم على هذه الصورة. والتعليل يحل رموز المسائل المشكلة، ويدخل على النفس الراحة، ويكسبها الطمأنينة، هذا بالإضافة إلى رسوخ المسألة في الذهن وصيانتها عن النسيان، لأن حفظ ما علم علته وسببه أيسر ممن جهلت علته وسببه. وبالمثال يتضح الحال:
١- عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه، فإن في إحدى جناحيه داء وفي الآخر شفاء» (٢) ففي هذا الحديث بين النبي ﷺ الحكمة من غمس الذبابة جميعها في الإناء أو الشراب، وعللها بأن في أحد جناحي الذبابة داء وفي الآخر شفاء. ولو أن الحديث جاء هكذا بدون تعليل منه، لأصبح مشكلاً محيراً، ولكن لما جاء هذا التعليل بان لنا سبب الغمس والطرح (٣) .
стр. 143
٢- عن ثابت بن الضحاك، قال: «نذر رجل على عهد رسول الله ﷺ : أن ينحر إبلاً ببوانة (١) ؟ فقال النبي ﷺ : (هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد) ؟ قالوا: لا! قال: (هل كان فيها عيد من أعيادهم) ؟ قالوا: لا! قال رسول الله ﷺ : (أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم» (٢) وهذا الحديث فيه أن الرجل سأل النبي ﷺ أن عليه نذراً في مكان يقال له بوانة، فلما عين ذلك الرجل المكان استفسر منه النبي ﷺ عن سبب ذلك فسأله هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية، وهل كان فيها عيد من أعيادهم، فلما قالوا: لا، وانتفى المحذور من أن يكون المكان مكان معصية، أذن له النبي ﷺ في وفائه بنذره، ثم علل ذلك بقوله: «فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله» أي إن نذر المعصية لا يجوز إمضاؤه. وأنت ترى كيف جاء هذا التعليل بياناً لاستفسار النبي ﷺ عن ذلك المكان، فلو أن النبي ﷺ لم يعلل، لسأل سائل، ما هو المقصود من استفسار النبي ﷺ عن ذلك الموقع؟
стр. 144
ولكن لما جاء التعليل وضح المقصود وأزال التوهم.
الخلاصة:
أسلوب التعليل يوضح ما صعب على الطالب فهمه، وما أشكل عليه.
أسلوب التعليل يبعث في النفس الطمأنينة، ويقر المعني للذهن.
أسلوب التعليل، سبب في رسوخ المعلومات في ذهن الطالب.
стр. 145
[١٢] ترك استخراج الجواب للمتعلم
إن ترك المعلم الطالب يستخرج الجواب بنفسه، وسيلة نافعة في إعمال الذهن، وتحريضه على التفكير والإدلاء بالجواب. ويكفي هذه الطريقة فائدة، أنها شحذت الذهن والحواس، وجعلتها تبحث جاهدة للعثور على الجواب المطلوب، وهذا في حد ذاته تقدماً ومكسباً ينضاف إلى رصيد الطالب. بيان ذلك، بأن يطرح المعلم مسألة معينة، ثم يقربها لهم ويترك الجواب أو الحكم النهائي لهم. وقد تكون هذه المسألة المطروحة تستلزم جواباً من الطالب، وقد لا تستلزم ذلك ولكنها تتطلب إعمالاً ذهنياً وشحذاً فكرياً. وإليك الأمثلة:
١- عن أبي ذر ﵁ قال: قال النبي ﷺ «يصبح على كل سلامي (١) من ابن آدم صدقة تسليمه على من لقي صدقة، وأمره بالمعروف صدقه. ونهيه عن المنكر صدقه، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، وبضعة أهله صدقة (٢) ، ويجزئ من ذلك كله ركعتان من الضحي) .. (قالوا: يا رسول الله أحدنا يقضي شهوته وتكون له صدقة؟ قال: أرأيت لو وضعها في غير حلها ألم يكن يأثم» ؟) (٣)
стр. 146
وقول النبي ﷺ في الحديث، «أرأيت لو وضعها في غير حلها ألم يكن يأثم» ؟ . فالجواب وإن كان مسكوتاً عنه، فهو إن وضعها في غير حلها ألم يكن يأثم؟ . فالجواب وإن كان مسكوتاً عنه، فهو إن وضعها في حلها فهو له صدقة. أليس هذا إعمالاً للذهن؟
٢- عن أبي هريرة ﵁ قال: «جاء رجل من بني فزارة إلى النبي ﷺ فقال: إن امرأتي ولدت غلاماً أسود. فقال النبي ﷺ : (هل لك من إبل؟) قال: نعم. قال: (فما ألوانها؟) قال: حمر. قال: (فهل فيها من أورق (١) ؟) قال: إن فيها أورقاً. قال: (فأنى أتاها ذلك؟) قال: عسى أن يكون نزعه عرق. قال: (وهذا عسى أن يكون نزعه عرق» (٢)(٣)
وعند التأمل لهذا الحديث نرى كيف أن النبي ﷺ حاوره وقرب إليه المسألة حتى أجاب السائل بقوله: عسى أن يكون نزعه عرق. ولا شك أن هذه الطريقة تتطلب براعة من المعلم، وحسن اختيار للمسائل المطروحة، ومراعاة البساطة والسهولة فيها، وتقريبها للذهن بذكر القرائن والأحوال المصاحبة ونحو ذلك.
الخلاصة:
стр. 147
استخراج الطالب الإجابة بنفسه من المسألة، طريقة مفيدة ونافعة في إعمال الذهن، وشحذ الفكر.
قد تستلزم المسألة المطروحة إجابة من الطالب، وقد لا تستلزم ذلك.
هذه الطريقة تتطلب براعة من المعلم، وحسن اختيار للأمثلة.
كلما كانت المسألة المطروحة، سهلة - ليست من النوع التي تصعب على الذهن - كان ذلك أدعى لحصول المقصود.
стр. 148
[١٣] استخدام التكرار في التعليم
إن استخدام أسلوب التكرار في التعليم له فوائد عظيمة النفع منها:
التأكيد على مسألة مهمة، أو حكم هام، ومنها تنبيه الغافل ومن به نعاس ونحوه، ومنها حفظ الشيء المكرر. والاقتصار على ثلاث مرات، أمر قد تكر كثيراً في أحاديث المصطفي ﷺ ، قال ابن التين: فيه أن الثلاث غاية ما يقع به الاعتذار والبيان. أهـ. ومن تأمل ذلك وجده كما قال. وقد يزاد على الثلاث للحاجة كما ستراه من قول الرسول ﷺ قريباً. والتكرار قد يكون في الكلمات والجمل، وقد يكون في الأسماء، وقد يكون في غيرهما.
فأولاً: تكرار الكلمات:
١- عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ أنه «كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً حتى تفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثاً» (١) . وعند الترمذي من حديث أنس: «كان رسول الله ﷺ يعيد الكلمة ثلاثاً لتعقل عنه» (٢) .
стр. 149
قال المباركفوري (١) : والمراد أنه كان ﷺ يكرر الكلام ثلاثاً إذا اقتضي المقام ذلك لصعوبة المعنى أو غرابته أو كثرة السامعين لا دائماً فإن تكرير الكلام من غير حاجة لتكريره ليس من البلاغة كذا في شرح الشمائل للبيجوري (وقوله) (لتعقل عنه) بصيغة المجهول أي لتفهم تلك الكلمة عنه ﷺ . أهـ.
٢- عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر (ثلاثاً) ؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين - وجلس وكان متكئاً فقال - ألا وقول الزور. قال فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت» (٢) قال الحافظ عند قوله: (ثلاثاً) أي قال لهم ذلك ثلاث مرات، وكرره تأكيداً لينتبه السامع على إحضار فهمه (٣) .
стр. 150
٣- ومن ذلك أيضاً «قصة أسامة بن زيد بن حارثة مع النبي ﷺ ، عندما قتل الذي قال لا إله إلا الله في إحدى الغزوات متعوذًا، قال أسامة.. (فلما قدمنا بلغ ذلك النبي ﷺ ، قال فقال لي: يا أسامة أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟ قال قلت: يا رسول الله إنه إنما كان متعوذاً، قال: قتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ قال: فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم» (١) قال القرطبي: في تكريره ذلك والإعراض عن قبول العذر زجر شديد عن الإقدام على مثل ذلك. أهـ (٢) .
ثانياً: تكرار الاسم:
стр. 151
١- عن أنس بن مالك «أن النبي ﷺ ومعاذ رديفه على الرحل - فقال: يا معاذ بن جبل. قال: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: يا معاذ، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك (ثلاثاً) . قال: (ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار) ، قال يا رسول الله أفلا أخبر به الناس فيسبشروا؟ قال: إذًا يتكلوا. وأخبر بها معاذ عند موته تأثمًا» (١) . وفي هذا الحديث نلحظ تكرار منادة الرسول ﷺ لمعاذ بن جبل ثلاث مرات، والسر في ذلك والله أعلم هو تهيئة معاذ للخبر العظيم الذي سوف يحمله، ويدلك على ذلك قول معاذ في الحديث أفلا أخبر الناس فيستبشروا؟ فإن فيه دلالة واضحة على عظم هذا الحديث وجلالة قدره، لما فيه من البشرى العظيمة. ونخرج من هذا الحديث، أن المعلم إذا أراد أن يبث خبراً هاماً لأحد طلابه أن يناديه باسمه ثلاث مرات، ثم يلقي إليه الخبر، وقس على ذلك لو كانوا جماعة فله أن يناديهم بالاسم الذي يجمعهم، كأن يقول: يا طلاب (ثلاثاً) أو نحواً من ذلك.
الخلاصة:
стр. 152
التكرار ثلاثاً غاية ما يحصل به البيان، ولكن قد يزاد فوق الثلاث للحاجة.
التكرار وسيلة ناجعة في حفظ المعلومات، وفي التركيز على النقاط الهامة.
تكرار الاسم يجعل المنادي يتهيأ لاستقبال الخبر.
стр. 153
[١٤] استخدام أسلوب التقسيم في التعليم
هذا أسلوب عزيز (١) وجودة عند المعلمين وقليل هم الذين يستخدمونه أثناء طرحهم لموادهم العلمية، وأعني بأسلوب التقسيم، أن يعمد المعلم إلى دراسة المادة العلمية التي يراد طرحها على الطلاب، ثم يقسمها إلى أقسام أو مراتب أو فقرات أو نقاط - سمها ما شئت - ثم يقوم بطرحها على الطلاب. ولا يخفى ما في هذه الطريقة من فائدة عظيمة للطالب، إذ إنها تجعل الطالب يلم بأطراف الموضوع، وتجعله يحفظ المعلومات ويستوعبها بشكل سريع، هذا بالإضافة إلى صيانة المعلومات وحفظها من النسيان. فإذا نسي الطالب معلومة منها ثم تذكر أن عددها كذا، أو أقسامها كذا، كان ذلك معيناً لا سترجاع المعلومة المفقودة. ولعل الذي يطالع الكتب الفقهية، يرى أنواعاً عديدة من التقسيمات، فهناك شروط، وواجبات، وأركان، ومحظورات.. إلخ. وكل هذه التقسيمات لم يرد بها نص عن المعصوم ﵊، وإنما وضعها العلماء والفقهاء ﵏ من أجل تقريب العلم لطالبيه، وحصر مواده، وجمع متفرقاته، فيسهل على مريده حفظه ومراجعته (٢) .
ولقد كان النبي ﷺ يفعل مثل ذلك:
стр. 154
١- عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل طلبته أمرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه» (١) .
٢- وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال ﷺ : «أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهم كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» (٢) .
والأخبار في ذلك عن النبي ﷺ كثيرة جداً، ولو ذهبنا نستقصي بعضها، لطال بنا المقام، وفيما ذكرنا غنية وكفاية.
стр. 155
ثم لو دققنا النظر في حديث النبي ﷺ ، لوجدنا أن النبي ﷺ يذكر العدد مجملاً ثم يفصل في ذلك، ولا شك أن هذه الطريقة أشد جذباً للنفس، وأحسن ترتيباً وسياقاً. والمعلمون ينبغي عليهم أن يسلكوا هذا السبيل، إن أرادوا أن ييسروا العلم ويذللوه لطلابهم.
الخلاصة:
إن أسلوب التقسيم، معين على حفظ المعلومات، ويصونها من النسيان.
إن هذه الطريقة تستلزم من المعلم دقة ومهارة.
يفضل عند استخدام هذه الطريقة، استخدام أسلوب الإجمال ثم التفصيل.
стр. 156
[١٥] استخدام أسلوب الاستفهام أثناء التعليم
يحتاج المعلم في جذبه لانتباه الطالب إلى وسائل متعددة، وطرق متباينة، ولا بد للمعلم من التنويع بين وسائل الجذب لكي لا يألف الطالب طريقة معينة فيعتادها، ثم لا تحدث لديه أثراً بحكم الاعتياد. ومن وسائل الجذب التي يحتاجها المعلم، هو استخدام أسلوب الاستفهام بين يدي الحديث، أو في منتصف الحديث لجذب انتباه الطالب وحثه على استحضار الذهن. يبين ذلك الحديث المتفق عليه:
١- قال رسول الله ﷺ : «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر (١) ؟ قلنا بلى يا رسول الله. قال: (الإشراك بالله، وعقوق الوالدين» .. الحديث) فـ (ألا) أداة استفهام للتنبيه، والتحضيض لضبط ما يقال وفهمه على وجهه. (٢)
стр. 157
٢- «في خطبة النبي ﷺ بمنى في حجة الوداع أنه قال: أي يوم هذا؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه. قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى. قال: فأي شهر هذا؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس بذي الحجة؟ قلنا: بلى: قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا» .. الحديث) (١) قال القرطبي: سؤاله ﷺ عن الثلاثة (٢) وسكوته بعد كل سؤال منها كان لاستحضار فهومهم، وليقبلوا عليه بكليتهم، وليستشعروا عظمة ما يخبرهم عنه، ولذلك قال بعد هذا: فإن دماءكم.. الخ، مبالغة في تحريم هذه الأشياء. أهـ.
٣- عن أبي هريرة ﵁ «أن الناس قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : هل تضارون (٣) في القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فهل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال فإنكم ترونه كذلك يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول من كان يعبد شيئاً فليتبعه.. الحديث» (٤) .
стр. 158
والملاحظ في الأمثلة السابقة أن الرسول صلى الله عليه وسلملم يعين شخصاً بعينه، للإجابة على الأسئلة المطروحة، بل كانت عباراته بصيغة الجمع غالباً وهذا يفيدنا في أن المعلم ينبغي عليه أن يطرح السؤال أولاً لكي يشترك الطلاب جميعهم في إيجاد جواب للسؤال المطروح، ثم إنه من المستحسن للمعلم أن يترك وقتاً مناسباً قبل الشروع في سماع إجابة الطالب، وذلك لأن قدرات الطلاب العقلية تختلف وتتباين من فرد لآخر، فبعضهم سريع استحضاره وبعضهم دون ذلك بمراحل. وبهذا يتبين لك خطأ ما يفعله بعض المعلمين من سؤال طلابهم حسب قائمة معينة من الأسماء، أو حسب ترتيبهم في مقاعد الصف، لأن هذه الطريقة تجعل الطلاب الآخرين الذين لم يقع عليهم الاختيار لا يتكلفون عناء البحث عن الإجابة اكتفاء بتعيين الطالب من قبل معلمهم.
نعم قد يسأل المعلم بعض طلابه في حالات معينة كأن يريد المعلم أن يفاجئ طالباً معيناً، ليستخبر حاله، أو لينبهه من غفلته ونحو ذلك.
وقد ورد أن النبي ﷺ سأل بعض آحاد الصحابة في مسائل متفرقة، وهذا محله ما إذا كان النبي ﷺ منفرداً بذلك الصحابي، كما جاء ذلك مع معاذ ﵁:
стр. 159
عن أنس بن مالك «أن النبي - ومعاذ رديفه على الرحل - فقال: يا معاذ بن جبل. قال: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: يا معاذ. قال: لبيك يا رسول الله وسعديك (ثلاثاً) . قال» .. الحديث. (١)
الخلاصة:
أسلوب الاستفهام، أسلوب فعال في جذب انتباه السامع، وتهيئته لما سيلقى عليه.
قد يكون الاستفهام في أول الحديث، وقد يكون في أثنائه، بحسب ما تقتضيه الحاجة.
على المعلم أن يطرح السؤال على طلابه بشكل عام ثم يترك وقتاً كافياً لا ستحضار الجواب، ثم يعين الطالب الذي سوف يقوم بالإجابة على السؤال.
عدم تعيين طالب بعينه، قبل طرح السؤال، لأن ذلك يلغي مشاركة الطلاب الآخرين الذهنية اكتفاءً بتعيين زميلهم.
للمعلم أن يعين طالباً بعينه قبل طرح السؤال لحالات خاصة، كإرادة المعلم معرفة قدرة الطالب على الاستجابة السريعة، أو تنبيه طالب من غفلة أو نوم ونحوه، ولكن لا يتخذ المعلم هذه عادة له.
стр. 160
[١٦] طرح بعض المسائل العلمية المهمة لاختبار مقدرة الطالب العقلية .
إن طرح بعض المسائل للاختبار على الطلاب بشكل عام، له فائدة كبيرة في تنمية المدارك وتقوية الأفهام.والطريقة المثلى لاستخدامها، هي أن يقوم المعلم بطرح المسألة بشكل جماعي، ثم تكون هناك مهلة قصيرة لا سترجاع المعلومات والتفكير في المسألة، ثم ترك جواب المسألة المطروحة للطلاب. والسنة حافلة بمثل هذا النوع من العلم.
١- فعن عبد الله بن دينار «عن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وإنها مثل المسلم، حدثوني ما هي؟ قال فوقع الناس في شجر البوادي. قال عبد الله: فوقع في نفسي أنها النخلة. فاستحييت ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: هي النخلة» (١)
قال البغوي (٢) : قال الإمام: فيه دليل على أنه يجوز للعالم أن يطرح على أصحابه ما يختبر به علمهم أهـ
وقال ابن حجر ﵀: وفي هذا الحديث من الفوائد.. امتحان العالم أذهان الطلبة بما يخفى مع بيانه لهم إن لم يفهموه،.. وفيه التحريض على الفهم في العلم.. (٣)
стр. 161
وعلى المعلم أن يحسن اختيار المسائل التي يطرحها على طلابه، وكذلك له أن يسمح بالمناقشة بين الطلاب والإدلاء بالآراء ألا ترى إلى قوله: «فوقع الناس في شجر البوادي» أن ذلك مشعر بأن الجميع قد ذهبوا في تحليل هذه المعضلة كل مذهب. قال الحافظ: أي ذهبت أفكارهم في أشجار البادية، فجعل كل منهم يفسرها بنوع من الأنواع وذهلوا عن النخلة (١) .
والمتأمل في المسألة التي طرحها النبي ﷺ عليهم، يجد أنها قد حفزت هممهم، وبعثتهم على التفكير في الحل، وتلهفت أنفسهم لمعرفة الجواب الصحيح من رسول الله ﷺ لما عجزوا عن حله.
стр. 162
أيضاً من الأمور المهمة التي يحسن التفطن لها، أن تكون هذه المسائل تؤصل فكرة معينة أو ترسخ مفهوماً معيناً لدى الطلاب. ولك أن تسأل ما وجه الشبه بين النخلة وبين المسلم، أو ما هي الفائدة المستفادة من هذا السؤال، يبين ذلك الحافظ ابن حجر بقوله: وبركة النخلة موجودة في جميع أجزائها، مستمرة في جميع أحوالها، فمن حين تطلع إلى أن تيبس تؤكل أنواعاً، ثم بعد ذلك ينتفع بجميع أجزائها، حتى النوى في علف الدواب والليف في الحبال وغير ذلك مما لا يخفى، وكذلك بركة المسلم عامة في جميع الأحوال، ونفعه مستمر له ولغيره حتى بعد موته (١) .
стр. 163
وهذه الطريقة نافعة جداً إذا أحسن استخدامها واستغلالها، فعلى المعلم أن يبتعد عن صعاب المسائل، وأن لا يكون همه تعجيز المتعلمين وإفحامهم، بل عليه أن يقرب لهم المسألة المطروحة عليهم بقرائن الأحوال وغيرها من الوسائل، لكي تكون عوناً لهم في الاهتداء إلى الجواب الصحيح، ويدل على ذلك أن الرسول ﷺ عندما طرح عليهم هذه المسألة كان في يديه جمار، ففي إحدى روايات هذا الحديث، «عن مجاهد قال: صحبت ابن عمر إلى المدينة فلم أسمعه يحدث عن رسول الله ﷺ إلا حديثاً واحداً قال: كنا عند النبي ﷺ ، فأتي بجمار فقال» .. الحديث (١) فابن عمر ﵄ فهم المراد عندما رأى الجمار في يدي رسول الله ﷺ ، ولم يمنعه من الإجابة على السؤال إلا صغر سنه (٢) قال الحافظ ابن حجر: إن الملغز ينبغي له أن لا يبالغ في التعمية بحيث لا يجعل للملغز باباً يدخل منه، بل كلما قربه كان أوقع في نفس سامعه (٣) .
الخلاصة:
أهمية هذه الطريقة في تقوية الفهم، وتوسيع المدارك.
الاستفادة من هذه المسائل في ترسيخ معاني معينة في الأذهان.
стр. 164
تقريب المسألة المطروحة بقرائن وأحوال، تساعد في الوصول إلى الحل.
بيان الجواب الصحيح عند العجز عن الإتيان بالجواب.
стр. 165
[١٧] حث المعلم طلابه على طرح الأسئلة .
إن الأسئلة تزيل كثيراً من الخلط أو الوهم الذي قد يقع فيه الطالب، فعند عرض المعلم لمادته شرحاً، فإنه لا يتبين له ما إذا كانوا قد فهموا منه مادته كما ينبغي أم لا. وطريق معرفة ذلك يكون بسؤالهم عن بعض ما تم عرضه، وأفضل من ذلك أن يبتدئ الطالب بسؤال معلمه عما أشكل عليه. والسؤال يوضح المعاني التي قصر فهم الطالب عن عقلها وتدبرها، ويرسخ الإجابة في ذهن السائل لكونه هو الذي ابتدر السؤال، وهو مزيل للجهل كما قال ﵊: «فإنما شفاء العي السؤال» (١) والعي بكسر العين وتشديد الياء هو التحير في الكلام وعدم الضبط. كذا في الصحاح. وفي النهاية ولسان العرب العي بكسر العين الجهل، والمعنى أن الجهل داء وشفاؤه السؤال والتعلم (٢) ومن أجل ذلك قلنا إنه يتوجه على المعلم أن يحث طلابه على طرح الأسئلة عليه. وقد قال بذلك معلمنا الأول صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين:
١-عن أنس بن مالك «أن الناس سألوا النبي ﷺ حتى أحفوه بالمسألة. فخرج ذات يوم فصعد المنبر. فقال:
(سلوني. لا تسألوني عن شيء إلا بينته لكم» .. الحديث (٣)
стр. 166
٢- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «سلوني فهابوه أن يسألوه، فجاء رجل فجلس عند ركبتيه فقال: يا رسول الله. ما الإسلام» .. الحديث) (١) .
٣- عن سعيد بن المسيب قال: ما كان أحد من الناس يقول سلوني غير علي بن أبي طالب.. وروينا عن الحسن: أنه كان يبتدئ الناس بالعلم ويقول: سلوني. (٢)
٤- عن سعيد بن جبير قال: إنا لعند ابن عباس في بيته إذا قال: سلوني. قلت: أي أبا عباس جعلني الله فداك.. الحديث) (٣) .
ففي الآثار المتقدمة استحباب قول المعلم (سلوني) ، فإن في هذا حثاً للطلاب على طرح السؤال، وفيه أيضاً تجرئه للطالب الخجول على سؤال معلمه، وفيه استفادة الغير من السؤال المطروح، وفيه معرفة المعلم مقدار تحصيل طلابه للمادة المشروحة. وينبغي أن يراعي المعلم في أسئلة الطلاب الصادرة منهم، أن تكون ذات فائدة، وليست من باب التعجيز، أو السخرية أو التهكم، فإن هذه الأسئلة وأمثالها تطرح في الأرض ولا كرامة لصاحبها.
الخلاصة:
السؤال يزيل غشاوة الجهل، ويصحح المعاني والأفكار.
ابتدار المعلم طلابه وحثهم على طرح السؤال فيه فوائد منها:
أ - تقييم حال طلابه من حيث الفهم.
стр. 167
ب- دفع الطالب الخجول وتجرئته على طرح السؤال.
ت- استفادة الطلاب الآخرين عند سماع الإجابة.
ث- تقديم المعلم لنفسه، ومراجعته لطريقة عرضه لمادته، عندما يتضح له من خلال الأسئلة، عدم فهمهم كما ينبغي.
(٣) رد الأسئلة التعجيزية، أو الأسئلة الساخرة، وتوبيخ قائلها.
стр. 168
[١٨] تقديم السائل من خلال سؤاله، وإجابته بما يناسب حاله
يتلقى المعلمون والمربون، أسئلة كثيرة من طلابهم وتلاميذهم ونجد أن كثيراً من المعلمين والمربين يقتصرون في إجاباتهم على مراد السائل فقط لا يتعدونه. والتحقيق أن يقال: إن الاقتصار على مراد السائل فقط لا ينبغي في كل الأحوال، بل قد يكون في بعض الأحيان ما يدعو المعلم إلى الزيادة على مراد السائل وتوضيح بعض المسائل التي تتعلق بالسؤال، أو تقرير بعض المسائل المهمة والتي يمكن ربطها بالسؤال، وذلك الأمر يشتد إذا كان السائل يغلب عليه الجهل. وإليك التفاصيل:
أ - معاملة السائل من جهة جهله:
١- عن أبي هريرة ﵁ قال: «سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإذا توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر. فقال رسول الله ﷺ : هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» .) (١)
стр. 169
قال الرافعي: لما عرف ﷺ اشتباه الأمر على السائل في ماء البحر أشفق أن يشتبه عليه حكم مييته وقد يبتلى به راكب البحر فعقب الجواب على سؤاله ببيان حكم الميتة.. وقال ابن العربي: وذلك من محاسن الفتوى أن يجاء في الجواب بأكثر مما يسأل عنه تتميماً للفائدة وإفادة لعلم آخر غير مسئول عنه، ويتأكد ذلك عند ظهور الحاجة إلى الحكم كما هنا لأن من توقف في طهورية ماء البحر فهو عن العلم بحل ميتته مع تقدم تحريم الميتة أشد توقفاً. (١) ونحن هنا نلمس حكمة الرسول ﷺ في بيان حكم جديد لذلك السائل، لأن من سأل عن طهورية ماء البحر وجهل حكمه، فلئن يجهل حكم ميتته من باب أولى كما قاله ابن العربي.
стр. 170
٢- «عن أبي جرير الهجيمي قال: (رأيت رجلاً يصدر الناس عن رأيه لا يقول شيئاً إلا صدروا عنه قلت: من هذا؟ قالوا: هذا رسول الله ﷺ ، قلت: عليك السلام يا رسول الله مرتين، قال: لا تقل عليك السلام فإن عليك السلام تحية الميت» (١) قل السلام عليك. قال قلت: أنت رسول الله؟ قال: أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضر فدعوته كشف عنك، وإن أصابتك عام سنة فدعوته أنبتها لك، وإذا كنت بأرض قفر أو فلاة (بأرض قفراء أو فلاة) فضلت راحلتك فدعوته ردها عليك. قال قلت: اعهد إلي. قال لا تسبن أحداً.. الحديث) (٢) . وفي هذا الحديث يتبين لنا جهل ذلك السائل واضحاً بأمور: أولاً في قوله: (رأيت رجلاً) وهذا يدل على أنه لأول وهلة يرى الرسول ﷺ . ثانياً: في قوله (عليك السلام) ، فإن تحية الإسلام لا يجهلها أحد من الصحابة. لأنها من الأمور المتكررة التي تحدث في اليوم الواحد مرات عديدة، فلما رأي الرسول ﷺ ، جهله أراد أن يدله على خالقه ويعلمه، فأرشده أولاً إلى تصحيح خطئه بقوله: «لا تقل عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الميت» ثم بين له أن كشف الضر، والاستغاثة كلها
стр. 171
لا تصرف إلا لله. وفي الحديث لفتة كريمة للمسلم حيث دل الأعرابي على خالقه الذي يملك وحده الضر والنفع، وربطه به وحده دونه ﷺ ، ورغبه في اللجوء إليه وطلب العون منه والاستغاثة به في الملمات. (١)
ب - معاملة السائل من جهة ما هو أنفع له:
١- عن عبد الله بن عمر ﵄ «أن رجلاً قال: يا رسول الله، ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال رسول الله ﷺ : لا يلبس القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف» .. الحديث) (٢) قال النووي: قال العلماء هذا من بديع الكلام وجزله لأن ما لا يلبس منحصر فحصل التصريح به، وأما الملبوس الجائز فغير منحصر فقال: لا يلبسك كذا أي ويلبس ما سواه.. وقال ابن دقيق العيد: يستفاد منه أن المعتبر في الجواب ما يحصل منه المقصود كيف كان ولو بتغيير أو زيادة ولا تشترط المطابقة. (٣)
стр. 172
٢- عن قتادة قال: سألوا النبي عن الأهلة لم جعلت؟ فأنزل الله ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ فجعلها لصوم المسلمين وإفطارهم ولمناسكهم وحجهم وعدد نسائهم ومحل دينهم. (١) وصدر الحديث بقوله: وأخرج ابن عبد حميد وابن جرير عن قتادة. الحديث.
يقول ابن القيم: فسألوه عن سبب ظهور الهلال خفياً ثم لا يزال يتزايد فيه النور على التدريج حتى يكمل ثم يأخذ في النقصان، فأجابهم عن حكمة ذلك من ظهور مواقيت الناس التي بها تمام مصالحهم في أحوال معاشهم ومواقيت أكبر عباداتهم وهو الحج، وإن كانوا قد سألوا عن السبب فقد أجيبوا بما هو أنفع لهم مما سألوا عنه وإن كانوا سألوا عن حكمة ذلك فقد أجيبوا عن عين ما سألوا عنه.. (٢)
الخلاصة:
стр. 173
تقديم حال السائل، وبيان ما قد يحتاجه السائل، ففي المثال الأول من الفقرة الأولي: كان السائل جاهلاً بحكم معين وهو قد يخفي على بعض دون بعض ولذلك أجابه الرسول ﷺ على سؤاله وأردفه بحكم آخر يجهله السائل وهو متعلق بالسؤال نفسه، فمن جهل الحكم الأول فلا بد أن يجهل الآخر. فتأمله. وفى المثال الثاني من الفقرة الثانية: كان سؤال الصحابي يدل على جهله الشديد بأمور الإسلام حيث أخطأ في السلام وهو أمر لا يكاد يخطئه أحد لشيوعه بين الناس، ولذا عامله الرسول ﷺ بحسب حاله، حيث أجاب على سؤاله ثم علمه ودل على خالقه.
قد تكون إجابة السائل بخلاف السؤال ولكنها أنفع له ففي المثال الأول من الفقرة الثانية: كان السؤال عن جنس ما يلبس وهو كثير صعب الحصر، فأرشده النبي ﷺ إلى مالا يلبس وهو قليل محصور. وفي المثال الثاني من الفقرة الثانية: فيه سؤالهم عن طبيعة الهلال وخلقته، فأجابهم بما هو أنفع لهم من الحكمة العظيمة في إيجاده.
ليس ذلك التقديم مضطرداً في كل أحوال السائلين، وإنما هي أمور يقدرها المعلمون.
стр. 174
الاستفادة من أسئلة الطلاب في ترسيخ معاني معينة، أو بيان أحكام جديدة، وغير ذلك.
стр. 175
[١٩] التعليق على إجابة المتعلم
يحتاج المعلم إلى التعليق على إجابة الطالب بعد توجيه السؤال إليه، وذلك لأن الطالب قد يكون غير متأكد من الإجابة التي أدلى بها، وأيضاً فإن الطلاب الآخرين الذي يستمعون إلى إجابة الطالب في شوق لمعرفة ما إذا كانت إجابة الطالب صحيحة أم غير ذلك. وعلى المعلم أن يعلق على إجابة كل طالب فيستفيد الطالب من تصويب المعلم له، ويستفيد الطلاب الآخرون بمعرفة صحة الجواب من عدمه.
وعلى المعلم أيضاً أن يتحرى الدقة في التصويب والتخطئة، وألا يسارع بتخطئة الطالب كلياً إن كان في إجابته شيء من الصحة، بل عليه أن يشيد بالصحيح ويوضح الخطأ ويبينه، وينبغي على المعلم أن يختار ألفاظ التخطئة فلا تكون ألفاظاً قاسية أو عبارات ساخرة فتصيب الطالب بإحباط وتمنعه من الإقدام على الإجابة على أسئلة المعلم خوفاً من لسان المعلم السليط وعباراته القاسية، بل تكون العبارة مخطئة للجواب ولكن في قالب تشجيعي. وإليك بيان ذلك:
стр. 176
١- عن أبي هريرة ﵁ «أن رجلاً أتى رسول الله ﷺ فقال: إني أرى الليلة - فذكر رؤيا، فعبرها أبو بكر - فقال النبي ﷺ : (أصبت بعضاً، وأخطأت بعضاً) فقال: أقسمت عليك يا رسول الله بأبي أنت لتحدثني، ما الذي أخطأت، فقال النبي ﷺ (لا تقسم» (١) . وهنا يتبين لنا بجلاء تعليق النبي ﷺ على تعبير أبي بكر للرؤيا، وأخبره بأن بعضها صحيح وبعضها خطأ وهذا عين الإنصاف أن تذكر ما في الإجابة من صحة أو خطأ، ثم إن على المعلم أن يبين الخطأ ويوضحه، وفي المثال السابق لم يذكر النبي ﷺ الخطأ ولم يوضحه لما يترتب على ذكره من مفاسد كان الأولى ترك تعبيره (٢) ولكن غرضنا هنا هو بيان تقييم الإجابة في حالة الصحة أو الخطأ، أو بينهما.
стр. 177
٢- «عن أبي بن كعب قال: أقرأني رسول الله ﷺ سورة فبينما أنا في المسجد إذ سمعت رجلاً يقرأها بخلاف قراءتي، فقلت من أقرأك هذه السورة؟ فقال: رسول الله ﷺ فقلت: لا تفارقني حتى آتي رسول الله ﷺ ، فأتيناه فقلت: يا رسول الله إن هذا قد خالف قراءتي في هذه السورة التي علمتني، قال: اقرأ يا أبي، فقرأت، فقال: أحسنت، فقال للآخر: اقرأ فقرأ بخلاف قراءتي، فقال له: أحسنت، ثم قال: يا أبي إنه أنزل على سبعة أحرف، كلها شاف، كاف، قال: فما اختلج في صدري شيء من القرآن بعد» (١) . وهنا كان التعليق على قراءة أبي والصحابي الآخر بقوله ﷺ أحسنت لكل منهما لأن الصحابيين كليهما قد قرأ قراءة صحيحة، استوجبت التصحيح، ولو بعبارة مغايرة لكلمة الصحة (٢) بل يكفي أي عبارة تدل على المقصود.
الخلاصة:
التعليق على إجابة المتعلم، تفيد المجيب في تصحيح إجابته، وتفيد الطلاب الآخرين في قبول الإجابة أو رفضها.
قد تكون الإجابة صحيحة، وقد تكون الإجابة صحيحة جزئياً، وقد تكون خطأ. ولكل إجابة ما يناسبها من عبارات التعليق.
стр. 178
الإجابة الخاطئة يراعى فيها نفسية الطالب وروحه المعنوية.
لا يلزم أن يتقيد المعلم بلفظ (صحيح، خطأ) بل أي عبارة تدل على المقصود (كأحسنت، جيد، ممتاز، تحتاج العبارة إلى تصحيح أكثر، الجواب غير مكتمل.. ونحوه) .
стр. 179
[٢٠] قول المعلم لا أدري لما لا يدري جزء من العلم
لقد عاب الله على الذين يتكلمون بغير علم، وذمهم في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ . وذلك لأن القائل بلا علم، يضل ولا يهدي، ويفسد ولا يصلح. وقول المرء لا أعلم أو لا أدري لما لا يعلم ولا يدري، ليس عيباً، ولا نقصاً في علمه وقدره، بل هو من تمام العلم.
ولما سأل الله رسله يوم القيامة بقوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (١) أي ماذا أجابتكم به أممكم؟ (قالوا لا علم) وإنما العلم لك يا ربنا فأنت أعلم منا ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ أي تعلم الأمور الغائبة والحاضرة (٢)
ولما سأل الله ملائكته بقوله ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٣) فلم تستح (٤) الملائكة من رد علم المجهول إلى عالمه.
стр. 180
والعلم ساحل لا بحر له، ولا يحيط به إلا من وسع كل شيء علماً ﷻ . والبشر، كل البشر بضاعتهم في العلم قليلة، قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ . وإذا كان الأمر كذلك فلا حياء ولا عيب أن يقول المعلم أو غيره لا أدري.
يقول الماوردي في أدبه (١) : فإذا لم يكن إلى الإحاطة بالعلم سبيل، فلا عار أن يجهل بعضه، وإذا لم يكن في جهل بعضه عار، لم يقبح به أن يقول لا أعلم فيما ليس يعلم. أهـ. وإنما القبح كل القبح، أن يوهم ويدلس على الناس بكلام خاطئ مغلوط. والطلاب وإن دلس عليهم معلمهم بإعطائهم معلومات خاطئة لينجو من موقف معين، إلا أنهم سوف يكتشفون ذلك إن عاجلاً أو آجلاً، ومن ثم تهتز صورته لديهم، ولا يثقون بعدها بالمعلومات والمواد التي يطرحها عليهم.
والمعلم الأول ﷺ ، كان يقول لما لا يدري، لا أدري حتى يأتيه الوحي بذلك، ولم يمنعه أن يقول تلك المقالة قول حاسد أو منافق! ، فتأمل ذلك وتدبره، يهون عليك الكثير.