الحكمة: هي العلوم النّافعة، والمعارف الصّائبة، والعقول المسدّدة، والألباب الرزينة، وإصابة الصّواب في الأقوال والأفعال، ثم قال: وجميع الأمور لا تصلح إلا بالحكمة التي هي وضع الأشياء مواضعها، وتنزيل الأمور منازلها، والإقدام في محلّ الإقدام، والإحجام في موضع الإحجام. (١) ..
وقال سيد قطب: الحكمة: القصد والاعتدال، وإدراك العلل والغايات، والبصيرة المستنيرة التي تهديه للصّالح الصّائب من الحركات والأعمال (٢) .
وكلام ابن سعدي وسيّد في غاية الدّلالة على صلة الحكمة بالوسطيَّة.
قال ابن القيّم: وأحسن ما قيل في الحكمة قول مجاهد ومالك: إنّها معرفة الحقّ والعمل به، والإصابة في القول والعمل.
وهذا لا يكون إلا بفهم القرآن، والفقه في شرائع الإسلام، وحقائق الإيمان (٣) .
وقال في موضع آخر: هي: فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي (٤) .
وقوله: (على الوجه الذي ينبغي) من أقوى دلالات الوسطيَّة.
وقال في موضع آخر: الحكمة: أن تعطي كل شيء حقّه، ولا تعدّيه حدّه، ولا تعجله عن وقته، ولا تؤخّره عنه (٥) .
стр. 142
ونخلص ممّا سبق: أن الحكمة لا بد من اعتبارها عند تحديد معنى الوسطيَّة، بل إن الالتزام بالوسطيَّة وعدم الجنوح إلى الإفراط أو التّفريط هو عين الحكمة وجوهرها.
وذلك أنَّ الخروج عن الوسطيَّة له آثاره السلبيَّة، إمَّا عاجلا أو آجلا، وهذا يُخالف الحكمة ويُنافيها.
ومن الأمثلة التي توضّح ذلك:
أمر الابن بالصّلاة لسبع سنين، وضربه عليها ضربًا غير مبرِّح بعد بلوغ العاشرة، فإنَّنا نجد التوسّط في هذه القضية ظاهرًا بين الإفراط وبين التّفريط، وهذه هي الحكمة، حيث فرَّق بين من لم يبلغ السّابعة، وبين من بلغها، وكذلك من بلغ العاشرة يختلف أمره، ثم من أدرك الحلم يختلف عمَّا سبق.... وهكذا، فقد نزّل الأمور منازلها، ووضع الأشياء مواضعها.
وصدق الله العظيم: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة: من الآية ٢٦٩) .
стр. 143
أولا: الخيريَّة:
وهذا يتَّضح من قوله، ﷺ «إنّي لأخشاكم لله، وأتقاكم له» ثمَّ يبينّ أنَّه يأخذ بالوسطيَّة: فيصوم ويفطر، ويصلّي وينام، ويتزوّج النّساء، فلولا أن هذا العمل لا يعارض الخشية والتّقوى، بل يطّرد معهما لم يذكرها في هذا المقام، واستخدم هذا أفعل التفضيل "أخشاكم - أتقاكم" وهي أعلى درجات الخيريَّة.
فاتَّضح أن هذه الوسطيَّة التي يرشدنا إليها رسول الله، ﷺ ، تمثّل الخشية والتّقوى، وهذه هي الخيريَّة في أفضل صورها.
стр. 144
ثانيًا: الاستقامة: وتبرز هذه الحقيقة في قوله، ﷺ «فمن رغب عن سنَّتي فليس منِّي»
إذن فالاستقامة هي بأن يصوم ويفطر، وينام ويرقد، ويتزوّج النّساء، والخروج عنها انحراف عن الاستقامة، فهذا العمل الذي يمثّل الوسطيَّة، لا نقول إنَّه لا يُعارض الاستقامة؛ بل هو الاستقامة بعينها، حيث جعله الرسول، ﷺ من سنَّته، وهل الاستقامة إلا الالتزام بسنَّته والأخذ بها.
стр. 145
ثالثًا: اليسر ورفع الحرج: وهذا أمر جلّي وبيِّن، فنحن بين عملين وردا في هذا الحديث:
تبتّل وامتناع عن النّساء والزّواج مع ما في ذلك من مشقَّة وحرج.
ويقابله تزوّج النّساء مع ما في ذلك من قضاء الوطر، والمودّة والرّحمة، وإنجاب الأولاد.
الأول يمثل الانحراف عن سنة النبي، ﷺ مع ما فيه من مشقّة وعسر، والثاني يمثّل الوسطيَّة مع ما فيه من تخفيف وتيسير ورحمة، ودفع للحرج.
وقل مثل ذلك في الصّيام، والقيام.
إذن فالوسطيَّة في اليسر ورفع الحرج، وليس في التّكلّف والمشقَّة والعَنَت.
стр. 146
رابعًا: البينيَّة:
والأمثلة تبرهن على ذلك:
١- امتناع عن الزّواج مطلقًا - إفراط.
ويقابله التَّفريط وهو اتّباع الشّهوات دون وازع أو قيد.
وبينهما: قضاء الشّهوة والوطر، ولكن ضمن الضّوابط الشّرعيَّة، ويتمثَّل في الزّواج وهذا هو الوسط، وهو المشروع.
٢- صيام دائم - إفراط.
الإفطار دائمًا - تفريط.
الصيام أحيانًا - والفطر أحيانًا - وسط بين الأمرين - وهو المشروع في ضوابطه الشرعيَّة.
٣- القيام مطلقًا - إفراط.
النوم مطلقًا - تفريط.
القيام والنوم حسب الطّاقة ودون تكلّف - وسط، وهذا هو المشروع.
خامسًا: العدل والحكمة: وتبرز صفة العدل بالنّظر إلى مطالب النّفس وواجبات العبادة، فقد جعل لكلِّ منها نصيبًا، فعدل بين حقّ الرّبّ وحقّ النّفس، ولم يكن في ذلك حيف أو شطط، وحاشاه من ذلك.
стр. 147
أمّا الحكمة: فإنَّه بالنّظر إلى قدرة النَّفس ومدى تحمّلها، وغفلة هؤلاء القوم عن قدرتهم في فورة الحماس والاندفاع، فجاء الرسول، ﷺ يضع الأمور مواضعها، ويجعلها في مسارها الطّبيعي، فإنَّ أحبّ العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه (١) ولو التزم هؤلاء الرّجال بما قالوا لتعبوا عاجلا أو آجلا. ثمَّ إنَّ هذا الفعل نفسه مخالفة لصريح الحكمة وحقيقتها، وذلك أن الحكمة هي وضع الشيء في موضعه، والإصابة في القول والعمل، وهذا هو عين ما وجَّه إليه، ﷺ .
ومن خلال هذا التّطبيق العمليّ لملامح الوسطيَّة في ضوء هذا الحديث، يتَّضح المراد، ممَّا يساعد على فهم الوسطيَّة، واستنباطها في المباحث التالية إن شاء الله.
стр. 148
القرآن يقرر منهج الوسطيَّة
نزل القرآن الكريم هدايةً للنّاس ونورًا، يُخرج به الله من شاء من الظّلمات إلى النور، ولزوم منهج الوسطيَّة عين الهداية، وحقيقتها، ولذلك فقد جاءت الآيات مستفيضةً ترسم منهج الوسطيَّة وتدلّ عليه.
والوسطيَّة ليست محصورةً في جزئية من الجزئيات، بل ولا في ركن من الأركان! وإنما هي منهج متكاملٌ شاملٌ، لا ينفصل بعضه عن بعض، فالإسلام كلّه وسطٌ، ولذلك فهذه الأمَّة هي أمَّة الوسط: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة: من الآية ١٤٣) .
والذين يغفلون عن هذه الحقيقة يغفلون عن جوهر القرآن ومقاصده.
ومن هذا المنطلق جاء القرآن الكريم مقرّرًا لمنهج الوسطيَّة في أبواب العبادات، والاعتقاد، والحكم والتحاكم، وفي باب الجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وغيرها من الأبواب والمجالات.
والناظر في كتاب الله لا يتلو بضع آيات إلا ويجد فيها ذلك صراحة أو إيماءً.
стр. 149
ولذلك فإن الذين حصروا الحديث عن الوسطيَّة في الآيات التي جاء فيها لفظ (الوسط) أو ما اشتق منه، قصروا الكل على بعض أجزائه، وإلا فإن بعض الآيات التي لم يرد فيها لفظ الوسط جاءت أقوى دلالة على الوسطيَّة من آيات ورد فيها هذا اللفظ.
وبيانًا لهذه الحقيقة وتجلية لها، سنعيش مع كتاب الله متأمّلين بعض ما ورد فيه، تقريرًا لهذا المنهج وتأصيلا له.
وتسهيلا للوصول إلى الهدف، سأذكر كل باب وبعض ما ورد فيه من آيات، معلّقًا على بعض الآيات بما يُبينّ المراد من إيرادها، ودلالتها على المنهج الذي نحن بصدده.
وأنبه إلى نقطتين مهمّتين:
الأولى: أن الآيات التي سأذكرها ليست على سبيل الحصر والاستقصاء، وإنما اكتفيت من الآيات بما كان أكثر دلالة من سواه، لأن المراد، هو بيان تقرير القرآن لمنهج الوسطيَّة، لا الحديث عن كل آية وردت تُقرّر منهج الوسطيَّة.
الثانية: أن الأبواب التي سأذكرها هي أبرز الأبواب التي تصلح منطلقًا للحديث عن هذا المنهج، وبخاصة أن انحراف الناس فيها عن منهج الوسطيَّة أكثر من غيرها، ولا يعني ذلك أن ماعداها ليس مهمًّا.
وهذه الأبواب هي:
١- الاعتقاد.
٢- التشريع والتكليف.
٣- العبادة.
٤- الشهادة والحكم.
стр. 150
٥- الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
٦- الجهاد في سبيل الله.
٧- المعاملة والأخلاق.
٨- كسب المال وإنفاقه.
٩- مطالب النفس وشهواتها.
وقد أجد آية من الآيات تصلح دليلا في أكثر من باب، ولكنّي سألحقها بأقرب هذه الأبواب إليها، مراعاة للاختصار ودفعًا للتّكرار.
وحيث إن هناك عددًا من الآيات الدالة على الوسطيَّة غير داخلة تحت أي باب من هذه الأبواب، فسأجعلها تحت عنوان: (شواهد أخرى) ، تكون ختامًا لهذه الأبواب ومكمّلة لها.
وسأفتتح الحديث عن تقرير القرآن لمنهج الوسطيَّة بوقفة مع سورة الفاتحة، في ضوء ما ورد فيها عن هذا المنهج.
ومن الله استمدّ العون وأسأله التّوفيق والسّداد.
стр. 151
وقفة مع سورة الفاتحة
أجد خير بداية لبيان المنهج القرآني في تقرير الوسطيَّة أن أقف مع أمّ الكتاب، حيث إنها من أولها إلى آخرها تقرّر هذه الحقيقة وتؤكدها.
ولكن أبرز آية فيها ناطقة بذلك هي قوله - تعالى - ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (الفاتحة:٦) . وما بعدها.
وهذه الآية صريحة في تحديد المنهج الوسط، ذلك أنّه بيّن أن هذا الصرّاط هو صراط الذين أنعم الله عليهم.
قال الطبري: أجمعت الأمَّة من أهل التأويل جميعًا على أنّ الصّراط المستقيم هو الطّريقُ الواضحُ الذي لا اعوجاج فيه، وكذلك ذلك في لغة جميع العرب، فمن ذلك قول جرير الخطفي:
أمير المؤمنين على صراطٍ ... إذا اعوج الموارد مستقيم
قال ابن عباس:
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (الفاتحة:٦) يقول: ألهمنا الطّريق الهادي، وهو دين الله الذي لا عَوَجَ له (١) .
ثم قال: وكلّ حائد عن قصد السّبيل وسالك غير المنهج القويم فضالٌّ عند العرب، لإضلاله وجه الطّريق (٢) .
стр. 152
وقد بيّن الله لنا أن الصّراط المستقيم هو منهج الوسط، حيث قال واصفًا الصراط المستقيم: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (الفاتحة: من الآية ٧) ومنهج المغضوب عليهم يمثل التفريط، بينما يمثل منهج الضّالين الإفراط، فهما منهجان دائران بين الغلوّ والجفاء.
قال ابن كثير: غير صراط المغضوب عليهم، وهم الذين فسدت إرادتهم، فعلموا الحقّ وعدلوا عنه، ولا صراط الضّالين، وهم الذين فقدوا العلم، فهم هائمون في الضّلالة، لا يهتدون إلى الحق (١) .
وبهذا يتّضح لنا أن هناك ثلاثة سبل: سبيل الذين أنعم الله عليهم، وسبيل المغضوب عليهم، وسبيل الضالين.
ونحن مأمورون بالالتزام بسبيل الذين أنعم الله عليهم، لأنَّه هو الصّراط المستقيم، وهو المنهج الوسط بين طريقين منحرفين، وهما طريقا اليهود والنصارى، وكل طريق منحرف عن منهج الصّراط المستقيم فله حظّ. من أحد هذين السبيلين.
стр. 153
ولأن الاستقامَة تعني الوسطيَّة كما توضحها آية الفاتحة، وكما حرّرت ذلك في مبحث سابق، جاءت الآيات متعدّدة تدعو إلى الاستقامة بأساليب متعدّدة وألفاظ مُتقاربة، وهي تدور بين الخبر والإنشاء. ومن هذا المنطلق، وبعد أن تقرّر أن طريق الاستقامة هو طريق الأمَّة الوسط، فإن كل آية وردت في الاستقامة فهي آية في تحقيق الوسطيَّة والدّعوة إليها.
والآيات في هذا الباب كثيرة جدًّا أذكر بعضًا منها دلالة على المراد، وبيانًا لهذا المنهج.
قال - سبحانه -: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا﴾ (هود: من الآية ١١٢) . وقال: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (الشورى: من الآية ١٥) .
وأجد في هاتين الآيتين ما يستحقّ التّنبيه عليه، ونحن بصدد الحديث عن الوسطيَّة، وذلك أنّه قال في الآية الأولى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾ (هود: من الآية ١١٢) بعد أن أمر بالاستقامَّة، والطغيان هو مجاوزة الحدّ (١) . وهو خروج عن منهج الوسطيَّة إلى الانحراف عن السبيل.
стр. 154
وفي الآية الثانية: قال: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (الشورى: من الآية ١٥) واتباع الهوى خروج عن الاستقامَة، وانحراف عن منهج الوسط.
وتتواصل الآيات في هذا الشأن، ففي سورة البقرة: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة: من الآية ١٤٢) . وفي آل عمران: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (آل عمران: من الآية ١٠١) . وفي الأنعام: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ (الأنعام: من الآية ١٥٣) . وفيها: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (الأنعام: من الآية ١٦١) . وفي النحل: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (النحل:٧٦) . وفي الزخرف: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الزخرف:٤٣) .
стр. 155
وفي سورة الملك: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الملك:٢٢) .
إلى غير ذلك من الآيات، حيث إن كل واحدة منها دالّة على أنّ الصّراط المستقيم هو الطّريق الذي أمرنا باتّباعه واجتناب ما عداه، لأنّه هو طريق الحقّ والعدل والوسط، وما عداه طريق الضّلال والغواية والانحراف عن الصّراط المستقيم، وهاهو الشّيطان يُعلن هذه الحقيقة قائلا كما ذكر الله في سورة الأعراف: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (الأعراف: من الآية ١٦) ، وصدق الله العظيم. إذ يقول: ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الأنعام: من الآية ٣٩) .
وكما بدأنا في آيات الدعوة للاستقامة نختم بها، قال - سبحانه -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (الاحقاف:١٣) .
стр. 156
وفي سورة الجن: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ (الجن:١٦) . وفي التّكوير: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ (التكوير:٢٧، ٢٨) .
وهذه الآية نصّ في أنّ القرآن كله دعوة للاستقامة والسير على المنهج الحقّ، قال القرطبيّ: ﴿إِنْ هُوَ﴾ (التكوير: من الآية ٢٧) يعني القرآن ﴿إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ (التكوير: من الآية ٢٧) أيْ: موعظة وزجر. ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ (التكوير:٢٨) أي يتبع الحق ويُقيم عليه (١) .
ومما سبق يتّضح لنا أن سورة الفاتحة وضعَت القاعدة والمنطلق، ورسمَت المنهج وحددت معالمه، ثم جاءت الآيات بعد ذلك مقرّرة لذلك، وداعية إليه.
стр. 157
ولنأخذ موقف اليهود من أنبياء الله ورسله (١) .
١- أنّهم فرّقوا بين الله ورسله، وآمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض، بمجرّد التّشهّي والعادة، لا عن دليل قادهم إلى ذلك، فإنه لا سبيل إلى ذلك، بل بمجرّد الهوى والعصبية (٢) قال - تعالى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (النساء:١٥٠) وهذا الأمر وإن كان يشترك فيه اليهود والنصارى، ولكنه في اليهود أكثر.
٢- أنهم خذلوا أنبياءهم، ونقضوا العهود التي أخذوها عليهم، قال - سبحانه -: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (المائدة: من الآية ١٢) .
стр. 158
وآيات أخذ العهد والميثاق على بني إسرائيل كثيرة جدًا (١) ولكن ماذا كانت النتيجة: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ (المائدة: من الآية ١٣) . ونقض العهد والغدر يُنبئ عن مكانة الأنبياء في نفوسهم وعقيدتهم فيهم.
٣- أنهم تنقّصُوا بعض الأنبياء والرسل، عليهم الصلاة والسلام، ورموهم بارتكاب كبائر الذنوب، ورموهم بالنقائص والعيوب، والتوراة - المحرفة - مليئة بهذا اللون، وفيها من الخزي والعار ما ينَدى له الجبين.
فنسبوا لهارون، ﵇، أنّه صنع لهم العجل الذي عبدوه من دون الله، ورموا نبي الله سليمان، ﵇، بأنه في أواخر أيّامه مال إلى ممالأة نسائه على عبادة الأوثان، وبني لهن المعابد والأوثان، وأنّه لم يكن مخلصًا في إيمانه بربه .
واتهموا نوحًا، ﵇، بأنّه كان يشرب الخمر، واتهموا داود ولوطًا، ﵉، بالزنا، إلى غير ذلك من النقائص والتهم التي يقشعرّ لها قلب كل مؤمن (٢) .
стр. 159
ولا يُستغرب ذلك على أولئك الذين رموا رسولهم ونبيهم موسى، ﵇، بالنقائص والعيوب. فقال - سبحانه - مخبرًا عنهم، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ (الأحزاب:٦٩) .
٤- قتلهم الأنبياء والرّسل، وقد ذكر الله ذلك في القرآن في أكثر من موضع: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ (البقرة: من الآية ٨٧) . وقال: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ (المائدة:٧٠) . وقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (البقرة: من الآية ٦١) .
ومن أشهر من قتل اليهود من الأنبياء زكريا وابنه يحيى، ﵉ (١) .
стр. 160
هذه عقيدة اليهود في أنبياء الله ورسله، والذي ينظر إلى مواقفهم مع موسى، ﵇، وهو نبيهم ومنقذهم من فرعون، يجد العجب (١) . ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ (الصف: من الآية ٥) . فكل من وقف من الأنبياء والرسل موقف تفريط وجفاء في اليهود أسوة وقدوة.
стр. 161
أمّا النصارى فإن عقيدتهم في الأنبياء والرسل تتلخص في موقفين (١) :
الأول: التفريط والجفاء مع أنبياء الله ورسله - عدا عيسى، ﵇، فلم يؤمنوا ببعضهم، وكفروا بمحمد، ﷺ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (النساء:١٥٠) . قال ابن جرير ﵀ ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ (النساء: من الآية ١٥٠) يعني أنهم يقولون: نصدق بهذا ونكذب بهذا، كما فعلت اليهود في تكذيبهم عيسى ومحمد، ﷺ وتصديقهم بموسى وسائر الأنبياء قبلهم بزعمهم، (٢) وكما فعلت النصارى من تكذيبهم محمدًا، ﷺ وتصديقهم بعيسى وسائر الأنبياء قبله بزعمهم (٣) .
стр. 162
وقال - تعالى - مبينًا كفرهم بمحمد، ﷺ ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (الصف:٦) .
الثاني: الغلو والإفراط، ويتمثل ذلك في غلوهم في عيسى، ﵇، حيث رفعوه فوق المكانة التي جعله الله فيها، وأنزلوه فوق المنزلة التي أنزله الله إياها - زعموا -.
فلم يؤمنوا به عبدًا لله، ورسولا نبيًا، وإنما جعلوه هو الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة!! بل عبدوه من دون الله وأضافوا إليه من الأفعال والأعمال ما لا يصح إضافته ونسبته إلا إلى الله (١) .
قال - تعالى -: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (المائدة: من الآية ٧٢) . ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ (المائدة: من الآية ٧٣) . ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ (التوبة: من الآية ٣٠) .
стр. 163
وقال ﷺ «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا: عبد الله ورسوله» (١) .
وهذان الموقفان - أي موقف اليهود وموقف النصارى - يمثلان مواقف الناس في الأنبياء والرسل في جانب الإفراط والتفريط والغلو والجفاء (٢) . أمّا الموقف الحق وهو الذي قررّه القرآن وبينه، فإنه بين هذين الموقفين، فهو وسط بين الغلو والجفاء، والإفراط والتفريط، ويمكن تلخيصه فيما يلي:
стр. 164
١- ردّ الله على أولئك الذين انحرفت عقيدتهم في رسل الله وأنبيائه ، وردّهم عن الانحراف إلى المنهج الحق تقريرًا لهذا المنهج الذي أمر الله باتباعه والالتزام به، وهو العدل والصواب فيما يجب أن يعتقده المسلم ويعامل به أنبياء الله ورسله.
فقد ردّ الله على الذين فرّقوا بين الله ورسله، وآمنوا ببعضهم وكفروا ببعض، وبينّ خطأ اعتقادهم وضلال طريقهم، فقال - سبحانه -: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (النساء:١٥١) .
قال القرطبي ﵀: قوله - تعالى -: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ (النساء: من الآية ١٥١) تأكيد يزيل التوهّم في إيمانهم حين وصفهم بأنهم يقولون نؤمن ببعض، وأن ذلك لا ينفعهم إذا كفروا برسوله، وإذا كفروا برسوله فقد كفروا به وكفروا بكل رسول مُبشرٍ بذلك الرسول، فلذلك صاروا الكافرين حقًا (١) .
стр. 165
أمّا الذين نقضوا العهود والمواثيق التي أخذها الله عليهم بالإيمان بالرسل ونصرتهم، فقد قال - سبحانه - مبينًا عاقبة جريرتهم: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ (المائدة: من الآية ١٣) . وقال في موضع آخر مبينًا عاقبة نقض العهد والميثاق: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (الرعد:٢٥) .
والذين كفروا بالأنبياء، وفرّقوا بينهم قد نقضوا عهد الله وخانوا مواثيقه، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل.
قال القرطبي: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ (الرعد: من الآية ٢٥) أي: من الأرحام، والإيمان بجميع الأنبياء (١) .
стр. 166
أمّا الذين آذوا الأنبياء، وتنقّصوهم، واتهموهم بأبشع التهم، فقد جاء الردّ عليهم إمّا مباشرًا أو غير مباشر، فالذين اتهموا هارون بأنه أمرهم بالشرك وصنع لهم العجل، قال الله مبرءا هارون: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ (طه:٩٠) .
وقال عن سليمان ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (صّ: من الآية ٣٠) .
стр. 167
أما نوح ولوط وداود، ﵈، فقد قال الله عنهم وعن غيرهم من الأنبياء والرسل الذين ذكرهم - سبحانه - في سورة الأنعام: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ (الأنعام:٨٩) . وقال بعد ذلك مزكّيًا لهم وآمرًا رسوله، ﷺ أن يقتدى بهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ (الأنعام: من الآية ٩٠) . وقال عن نوح: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ (الإسراء:٣) . وقال عن داود: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (صّ: من الآية ١٧) .
стр. 168
أما الذين قتلوا الأنبياء والرسل فماذا كانت عاقبتهم جزاء انحرافهم عن الطريق السوي؟ تجيب هذه الآيات على هذا السؤال: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (البقرة: من الآية ٦١) . وقال - سبحانه -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (آل عمران:٢١) .
стр. 169
وكذلك نجد ردّ الله على النصارى وغلّوهم في عيسى ﵇، حيث حكم عليهم بالكفر واللعن، قال - سبحانه -: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (المائدة: من الآيتين١٧،٧٢) . وقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (المائدة:٧٣) .
وقال - سبحانه -: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (التوبة:٣٠) .
стр. 170
٢- إن الحكم على الانحراف وبيانه وسيلة مباشرة للوصول إلى الطريق الصحيح، والمنهج المستقيم، فبعد بيان خطأ هؤلاء الذين انحرفت عقيدتهم وضلوا في رسل الله نأتي إلى بيان المنهج الحق في أنبياء الله ورسله، كما قرره القرآن الكريم، ودعا إليه في أكثر من موضع.
قال - تعالى -: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة:١٣٦) .
قال قتادة: أمر الله المؤمنين أن يؤمنوا ويصدّقوا بأنبيائه ورسله كلهم، ولا يفرقوا بين أحد منهم (١) .
وقال سبحانه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (البقرة: من الآية ٢٨٥) .
стр. 171
وبين الله عبودية الأنبياء والرسل فقال سبحانه: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ (الإسراء:٣) . وقال: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ (صّ:٤٥) .
أمّا عيسى فقد بينّ الله المنهج الحق فيه فقال: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ (النساء: من الآية ١٧٢) . وقال: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ (المائدة: من الآية ٧٥) وقال: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ (النساء: من الآية ١٧١) ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (آل عمران:٥٩) .
أمّا محمد ﷺ فقال فيه - سبحانه-:
وقال مبينًا حق رسوله على أمته: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ (الفتح: من الآية ٩) . وقال: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف: من الآية ١٥٧) . وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (المائدة: من الآية ٩٢) . وبينّ الله بشرية الأنبياء والرسل، فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ (الكهف: من الآية ١١٠) . وقال: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ (إبراهيم: من الآية ١١) . وقال: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ (الإسراء: من الآية ٩٣) . ومما يرسم منهج التوسط في الأنبياء قوله - سبحانه -: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ (الرعد: من الآية ٣٨) . وقال منكرًا على المشركين قولهم في محمد، ﷺ ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ
стр. 174
وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ (الفرقان: من الآية ٧) . فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ (الفرقان: من الآية ٢٠) .
ومما سبق من الآيات اتضح لنا منزلة الأنبياء والرسل، وعلوّ مقامهم، والمنهج الحق فيهم، فلا يجوز الغلو فيهم مع الغالين قال، ﷺ «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله» (١) . وقال، ﷺ «يا أيها الناس قولوا بقولكم ولا يستجرينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله، ورسول الله، والله ما أحبّ أن ترفعوني فوق ما رفعني الله » (٢) .
وكذلك لا يجوز الحطّ من قدرهم أو انتقاصهم، بل يجب احترامهم والإيمان بهم وعدم التفريق بينهم، وكذلك يجب توقيرهم وحفظ جنابهم، فهم صفوة الخلق وأرفعهم مكانة ومنزلة. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ (الأنعام: من الآية ٩٠) .
стр. 175
إن ما ذكرته من تقرير الإسلام لمنهج الوسطيَّة في باب الإيمان بالله ورسله دليل عملي على ما عداه من أبواب الاعتقاد، كالإيمان بالملائكة والكتب واليوم الآخر وبالقدر خيره وشرّه.
وكما ذكرت سابقًا فليس المراد هو استقصاء ما ورد في ذلك، وإنما المراد إرساء قواعد الوسطيَّة وبيان أنّها منهج إلهي، فمن انحرف عنها فقد ضلّ سواء السبيل.
ولذلك جاء قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (المائدة:٧٧) .
بل قال قبل ذلك في سورة النساء: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ (النساء: من الآية ١٧١) . وهاتان الآيتان جاءتا في سياق تقرير مسألة من مسائل الاعتقاد، وهي قضية اعتقاد النصارى في عيسى ابن مريم، ﵇، كما سبق بيانها.
стр. 176
وفي إطار تقرير منهج الوسطيَّة في العقيدة يأتي قوله - تعالى - ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ (البقرة: من الآية ١٣٠) . وملّة إبراهيم، ﵇، هي الملة الحنيفيَّة السمحة لا إفراط فيها ولا تفريط.
قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: فمن ترك طريقه هذا ومسلكه وملته واتبع طرق الضلالة والغي فأيّ سفه أعظم من هذا؟! قال أبو العالية وقتادة: نزلت هذه الآية في اليهود، أحدثوا طريقًا ليست من عند الله، وخالفوا ملة إبراهيم فيما أحدثوه، ويشهد لصحة هذا القول قوله - تعالى -: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (آل عمران:٦٧) (١) .
وفي سورة يونس ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ (يونس: من الآية ١٠٥) . قال ابن كثير: أي أخلص العبادة لله وحده، ﴿حَنِيفًا﴾ (يونس: من الآية ١٠٥) أي منحرفًا عن الشرك، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يونس: من الآية ١٠٥) (٢) .
стр. 177
وفي يوسف: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية ٤٠) . قال ابن كثير في تفسيرها: أي هذا الذي أدعوكم إليه من توحيد الله وإخلاص العمل له هو الدين المستقيم الذي أمر الله به (١) .
стр. 178
و خلاصة القول:
إنّ الآيات جاءت متوالية متتالية، تقرّر حقيقة الوسطيَّة في باب الاعتقاد، اطّرادًا مع منهج القرآن في تقريره ذلك في جميع الأبواب - كما سيأتي -.
ولولا خوف الإطالة لذكرت أمثلة تُؤكّد هذه الحقيقة وتبينها، ولكن لا أظن أنّها بعد ذلك تحتاج إلى بيان أو تأكيد.
وأشير إلى أنني اقتصرت على بابي الإيمان بالله ورسله، دون سواهما من أبواب الإيمان، لأنه إذا تحقّق الإيمان بالله ورسله على الوجه الصحيح فإن ذلك يستلزم تحقق بقية الأركان لا محالة، والحمد لله رب العالمين.
стр. 179
ثانيًا: التشريع والتكليف
سبق أن ذكرت أنّ ملامح الوسطيَّة اليسر، ورفع الحرج، وهذا أمر قرّره القرآن في أكثر من موضع، كقوله - تعالى -: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: من الآية ٧٨) . وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: من الآية ١٨٥) . وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: من الآية ٢٨٦) وما ذكرته هناك متّصل بما سأذكره هنا في تقرير هذه القضية.
وسأجعل الحديث عن تقرير القرآن لمنهج الوسطيَّة في التشريع والتكاليف في فقرات متتالية، ليسهل تحرير القضية واستيعابها.
١- امتنّ الله على هذه الأمَّة في الكتاب العزيز بأن وضع عنها الإصر والأغلال التي كانت على من قبلها، ولم يحملها ما حَمَّل من قبلها، فكان ذلك مظهرًا من مظاهر وسطيَّة هذا الدّين.
стр. 180
يقول - تعالى - في وصف نبيه محمد، ﷺ في كلامه مع قوم موسى، ﵇: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (الأعراف: من الآية ١٥٧) . كما أن من جملة دعاء رسول الله، ﷺ والمؤمنين: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ (البقرة: من الآية ٢٨٦) . وقد جاء في الحديث: «قال الله: قد فعلت» . وفي رواية: «قال: نعم» (١) .
والإصر هو العهد الثقيل الذي في تحمّله أشدّ المشقّة.
والأغلال هي الشّدائد التي كانت في عبادتهم.
روى الطبري عن الربيع قوله - تعالى -: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ (البقرة: من الآية ٢٨٦) يقول: التّشديد الذي شدّدته على من قبلنا من أهل الكتاب.
وقال مالك: الإصر: الأمر الغليظ (٢) .
وقال سعيد: الإصر: شدّة العمل (٣) .
وقال مجاهد: من اتبع محمدًا ودينه من أهل الكتاب، وضع عنهم ما كان عليهم من التّشديد في دينهم (٤) .