وفي إطار تقرير منهج الوسطيَّة في العقيدة يأتي قوله - تعالى - ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ (البقرة: من الآية ١٣٠) . وملّة إبراهيم، ﵇، هي الملة الحنيفيَّة السمحة لا إفراط فيها ولا تفريط.
قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: فمن ترك طريقه هذا ومسلكه وملته واتبع طرق الضلالة والغي فأيّ سفه أعظم من هذا؟! قال أبو العالية وقتادة: نزلت هذه الآية في اليهود، أحدثوا طريقًا ليست من عند الله، وخالفوا ملة إبراهيم فيما أحدثوه، ويشهد لصحة هذا القول قوله - تعالى -: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (آل عمران:٦٧) (١) .
وفي سورة يونس ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ (يونس: من الآية ١٠٥) . قال ابن كثير: أي أخلص العبادة لله وحده، ﴿حَنِيفًا﴾ (يونس: من الآية ١٠٥) أي منحرفًا عن الشرك، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يونس: من الآية ١٠٥) (٢) .
стр. 177
وفي يوسف: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية ٤٠) . قال ابن كثير في تفسيرها: أي هذا الذي أدعوكم إليه من توحيد الله وإخلاص العمل له هو الدين المستقيم الذي أمر الله به (١) .
стр. 178
و خلاصة القول:
إنّ الآيات جاءت متوالية متتالية، تقرّر حقيقة الوسطيَّة في باب الاعتقاد، اطّرادًا مع منهج القرآن في تقريره ذلك في جميع الأبواب - كما سيأتي -.
ولولا خوف الإطالة لذكرت أمثلة تُؤكّد هذه الحقيقة وتبينها، ولكن لا أظن أنّها بعد ذلك تحتاج إلى بيان أو تأكيد.
وأشير إلى أنني اقتصرت على بابي الإيمان بالله ورسله، دون سواهما من أبواب الإيمان، لأنه إذا تحقّق الإيمان بالله ورسله على الوجه الصحيح فإن ذلك يستلزم تحقق بقية الأركان لا محالة، والحمد لله رب العالمين.
стр. 179
ثانيًا: التشريع والتكليف
سبق أن ذكرت أنّ ملامح الوسطيَّة اليسر، ورفع الحرج، وهذا أمر قرّره القرآن في أكثر من موضع، كقوله - تعالى -: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: من الآية ٧٨) . وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: من الآية ١٨٥) . وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: من الآية ٢٨٦) وما ذكرته هناك متّصل بما سأذكره هنا في تقرير هذه القضية.
وسأجعل الحديث عن تقرير القرآن لمنهج الوسطيَّة في التشريع والتكاليف في فقرات متتالية، ليسهل تحرير القضية واستيعابها.
١- امتنّ الله على هذه الأمَّة في الكتاب العزيز بأن وضع عنها الإصر والأغلال التي كانت على من قبلها، ولم يحملها ما حَمَّل من قبلها، فكان ذلك مظهرًا من مظاهر وسطيَّة هذا الدّين.
стр. 180
يقول - تعالى - في وصف نبيه محمد، ﷺ في كلامه مع قوم موسى، ﵇: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (الأعراف: من الآية ١٥٧) . كما أن من جملة دعاء رسول الله، ﷺ والمؤمنين: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ (البقرة: من الآية ٢٨٦) . وقد جاء في الحديث: «قال الله: قد فعلت» . وفي رواية: «قال: نعم» (١) .
والإصر هو العهد الثقيل الذي في تحمّله أشدّ المشقّة.
والأغلال هي الشّدائد التي كانت في عبادتهم.
روى الطبري عن الربيع قوله - تعالى -: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ (البقرة: من الآية ٢٨٦) يقول: التّشديد الذي شدّدته على من قبلنا من أهل الكتاب.
وقال مالك: الإصر: الأمر الغليظ (٢) .
وقال سعيد: الإصر: شدّة العمل (٣) .
وقال مجاهد: من اتبع محمدًا ودينه من أهل الكتاب، وضع عنهم ما كان عليهم من التّشديد في دينهم (٤) .
стр. 181
قال الطبري: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الإصر: هو العهد، وأن معنى الكلام: ويضع النبي الأمّي العهد الذي كان الله أخذ على بني إسرائيل من إقامة التوراة، والعمل بما فيها من الأعمال الشّديدة، كقطع الجلد من البول، وتحريم الغنائم، ونحو ذلك من الأعمال التي كانت مفروضة عليهم، فنسخها حكم القرآن (١) .
وفي آيتي البقرة والأعراف إشارة إلى أنه، ﵇، قد جاء بالتيسير والسّماحة والوسطيَّة.
قال الجشمي: دلّت آية - الآية الأعراف - على أن شريعته أسهل الشّرائع، وأنه وضع عن أمته كل ثقل كان في الأمم الماضية (٢) .
وجاء في فوائد أبي عمرو بن مندة بسند صحيح عن أبي بن كعب ﵁ قال: أقرأني النبي، ﷺ "إن الدّين عند الله الحنيفيَّة السّمحة لا اليهودية ولا النصرانية". قال العلائي: وهذا إنما نسخ لفظه وبقي معناه (٣) .
ولبيان وسطيَّة الإسلام في التّكاليف في ضوء ما شرعه الله في كتابه، وعلى لسان رسوله، ﷺ أذكر نماذج من الأحكام التي جاءت في التوراة التي بين أيديهم، يتبيَّن منها الأغلال والآصار التي كانت عليهم (٤) .
جاء في سفر الخروج في الإصحاح الحادي والعشرين:
стр. 182
"من شتم أباه وأمه يُقتل قتلا. إذا نطح ثور رجلا أو امرأة وكان الثور نطاحًا من قبل، وقد أشهد على صاحبه ولم يضبطه فقتل رجلا أو امرأة فالثور يرجم وصاحبه يقتل".
وفي الإصحاح الخامس والثلاثين وفي السفر نفسه: "ولا تأخذوا فدية عن نفس القاتل المذنب للموت بل إنه يقتل".
وفي الإصحاح الحادي عشر من سفر اللاويين: "كل من مسّ حائضًا يكون نجسًا إلى المساء، وكل ما تضطجع عليه في طمثها يكون نجسًا، وكل ما تجلس عليه يكون نجسًا، وكل من مسّ فراشها يغسل ثيابه، ويستحم بماء، ويكون نجسًا إلى المساء".
وفي الإصحاح الثاني والعشرين من سفر التثنية: "لا تحرث على ثور وحمار معًا، ولا تلبس ثوبًا مختلطًا صوفًا وكتانًا معًا".
стр. 183
قال الدكتور صالح بن حميد بعد أن ساق هذه النماذج: وأصدق من ذلك وأبلغ قول الحق ﵎ في الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا خلفه، تنزيل من حكيم حميد: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (النساء:١٦٠) وقوله - سبحانه - في بيان أنواع من المحرمات عليهم بسبب بغيهم: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ (الأنعام:١٤٦) .
وكل ذلك ساقه الله في كتابه لبيان ما امتنّ به على هذه الأمَّة من التخفيف، والتيسير والتسهيل، ونعت نبيه، ﷺ بأنَّه: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (الأعراف: من الآية ١٥٧) .
стр. 184
وقد ذكر علماؤنا ﵏ شيئًا من الآصار والأغلال التي كانت على من قبلنا، منها: قطع موضع النجاسة من الثوب أو منه، ومن البدن، وإحراق الغنائم، وتحريم السبت، وقطع الأعضاء الخاطئة، وتعيّن القصاص في العمد والخطأ من غير شرع الدّية، وأمروا بقتل أنفسهم علامة على التوبة، وطلب منهم أداء ربع المال في الزكاة، وعدم جواز الصلاة إلا في البيعة، وحرمة الجماع في أيّام الصوم بعد العتمة والنّوم، وحرمة الطعام بعد النوم، وعدم التّطهير بالتيمم، وكتابة ذنب الّليل بالصّبح على الباب. (١) .
ومما سبق يتّضح دلالة آيتي البقرة والأعراف على تقرير منهج الوسطيَّة في التّشريع والتّكليف.
стр. 185
٢- وردت آيات كثيرة تُبيّن أن الله لا يُكلّف نفسًا فوق طاقتها، ولا يُكلّف نفسًا إلا وسعها وقدرتها، قال - تعالى -: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: من الآية ٢٨٦) . ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ (الطلاق: من الآية ٧) . وقال: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: من الآية ٢٣٣) وقال - جل في علاه -: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (الأنعام: من الآية ١٥٢) وقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (الأعراف: من الآية ٤٢) وقال تعالى: ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾ (المؤمنون: من الآية ٦٢) .
стр. 186
وعلى الرغم من أن قوله - تعالى -: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: من الآية ٢٨٦) ظاهر الدلالة على عدم التّكليف إلا في حدود القدرة والميسرة، إلا أن الله قد أعقب هذه الجملة بدعاء على لسان عباده المؤمنين، يُبيّن فيه أن ما امتنّ عليهم من عدم المؤاخذة بالخطأ والنّسيان، وحطّ الآصار والأغلال، وعدم التّكليف بما لا يُطاق، وقد انتظم ذلك في ثلاثة أمور:
الأول: قوله - تعالى -: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (البقرة: من الآية ٢٨٦) .
الثاني: قوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ (البقرة: من الآية ٢٨٦) .
стр. 187
الثالث: قوله - تعالى -: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ (البقرة: من الآية ٢٨٦) . قال البقاعي تعليقًا على هذه الآية: وقد عرف الله عباده المؤمنين مواقع نعمه من دعاء رتّبه على الأخف فالأخف على سبيل التعلي، إعلامًا بأنه لم يؤاخذهم بما اجترحوه نسيانًا، ولا بما قارفوه خطأ، ولا حمل عليهم ثقلا، بل جعل شريعتهم خفيفة سمحة، ولا حمّلهم فوق طاقتهم، مع أنَّه له جميع ذلك، وأنَّه عفا عنهم في سترهم فلم يخجلهم بذكر سيئاتهم. (١) .
قال الدكتور / صالح بن حميد معلّقًا على آيات عدم التّكليف بما لا يُطاق: ولاشكّ أنّ الأحكام الشّرعية إذ كانت مطلوبة في حدود الوسع والاستطاعة دون بلوغ غاية الطّاقة، ففي ذلك الدّلالة الظّاهرة على أن الحرج مرفوع، وأنَّ الشريعة مبنية على التيسير، وعدم التعسير، فهي حنيفيَّة سهلة سمحة (وسطيَّة) ، فلله الحمد والمنَّة (٢) .
وقال الإمام الطبري: يعني بذلك - جلّ ثناؤه -: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: من الآية ٢٨٦) فيتعبدّها إلا بما يسعها، فلا يضيّق عليها، ولا يجهدها (٣) .
стр. 188
ففي كلام الطبري ﵀ الدّلالة على أن هناك تكليفًا وأمرًا بالتعبد، ولكنه في حدود الوسع والطاقة، لا تضييق فيه ولا إجهاد، وهذه حقيقة الوسطيَّة.
وقال رشيد رضا في تفسير قوله - تعالى -: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: من الآية ٢٨٦) ولا يُحاسبها إلا على ما كلّفها، والتّكليف هو الإلزام بما فيه كلفة، والوسع ما تسعه قدرة الإنسان من غير حرج ولا عسر، وقال بعضهم: هو ما يسهل عليه من الأمور المقدور عليها، وهو ما دون مدى طاقته.
والمعنى: أنَّ شأنه - تعالى - وسنته في شرع الدّين ألا يُكلّف عباده ما لا يطيقون (١) .
وخلاصة القول: إنّ هذه الآيات تُقرّر منهج الوسطيَّة في التكليف، فهناك أوامر ونواهي، ولكنها في حدود الوسع، وعدم المشقّة، وليس فيها تضييق وعسر وإحراج.
стр. 189
٣- ومما يؤكّد ويقرّر منهج الوسطيَّة في التشريع والتّكليف الآيات التي وردت برفع الحرج، كقوله - تعالى -: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ (المائدة: من الآية ٦) . وقوله: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: من الآية ٧٨) . وقوله: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ (الأحزاب: من الآية ٣٨) .
ومثل ذلك الآيات التي جاءت تنفي الحرج عن فئة معينة، كقوله - تعالى - في سورتي النور (١) والفتح: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ (الفتح: من الآية ١٧) . وبعد أن بيّن - سبحانه - جواز الزواج من زوجة الابن المتبني حيث زوج رسول الله ﷺ من زينب بعد طلاق زيد لها، قال - سبحانه -: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ (الأحزاب: من الآية ٣٧) .
стр. 190
قال الدكتور / صالح بن حميد: إن رفع الحرج، والسّماحة والسهولة راجع إلى الوسط والاعتدال، فلا إفراط ولا تفريط، فالتنطع والتّشديد حرج في جانب عسر التكاليف، والإفراط (١) والتقصير حرج فيما يؤدي إليه من تعطل المصالح وعدم تحقيق مقاصد الشرع.
قال - تعالى -: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة: من الآية ١٤٣) . فالتوسط هو منبع الكمالات، والتّخفيف والسّماحة ورفع الحرج على الحقيقة هو في سلوك طريق الوسط والعدل. (٢) .
قال المفسّرون في آيتي المائدة والحج: إن الله ما كلّف عباده ما لا يطيقون، وما ألزمهم بشيء يشقّ عليهم إلا جعل الله لهم فرجًا ومخرجًا.
ولقد كانت الشّدائد والعزائم في الأمم، فأعطى الله هذه الأمَّة من المسامحة واللين ما لم يعط أحدًا قبلها، رحمة من الله وفضلا.
يقول ابن العربي: ولو ذهبت إلى تعديد نعم الله في رفع الحرج لطال المرام (٣) .
قال الطوفي الحنبلي: إن الله - تعالى - لم يشرع حكمًا إلا وأوسع الطريق إليه ويسره، حتى لم يبق دونه حرج ولا عسر.
وقال: ويحتج بهذه الآية ونحوها من رأى أنه إذا تعارض في مسألة حكمان اجتهاديان خفيف وثقيل يرجح الخفيف دفعًا للحرج (٤) .
стр. 191
ويقرّر ذلك الكيا الطبري حيث يقول: ويحتج به في نفي الحرج والضّيق المنافي ظاهره للحنيفيَّة السّمحة. وقد علّق على ذلك القرطبي بقوله: وهذا بيّن (١) .
وقال رشيد رضا في تفسير آية المائدة:
ولما بيّن فرض الوضوء وفرض الغسل، وما يحلّ محلهما عند تعذّرهما أو تعسرّهما، تذكيرًا بهما ومحافظة على معنى التعبّد فيهما - وهو التيمم - بيّن حكمة شرعهما لنا مبتدئًا ببيان قاعدة من أعظم قواعد هذه الشّريعة السمحة. فقال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ (المائدة: من الآية ٦) . أي: ما يُريد الله ليجعل عليكم فيما شرعه لكم في هذه الآية - ولا في غيرها أيضًا - حرجًا ما. أي: أدنى ضيق وأقل مشّقة، لأنه - تعالى - غنّي عنكم، رءوف رحيم بكم، فهو لا يشرع إلا ما فيه الخير والنفع لكم (٢) .
стр. 192
وقال ابن كثير في قوله - تعالى -: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: من الآية ٧٨) . أي ما كلّفكم ما لا تطيقون، وما ألزمكم بشيء يشقّ عليكم إلا جعل الله لكم فرجًا ومخرجًا، ولهذا قال، ﵇: «بعثت بالحنيفيَّة السمحة» (١) . وقال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما أميرين إلى اليمن: ((بشّر «ولا تُنفّرا ويسّرا ولا تُعسّرا» (٢) . والأحاديث في هذا كثيرة، ولهذا قال ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: من الآية ٧٨) يعني من ضيق (٣) .
وقد اتضح لنا مما سبق أن آيات رفع الحرج دليل واضح وبرهان قاطع على وسطيَّة هذا الدين في تشريعه وتكاليفه.
٤- ونواصل ذكر الأدلة من القرآن الكريم في باب التّشريع والتّكليف التي تقرّر منهج الوسطيَّة، وأنه سمة هذا الدّين، وسرّ من أسرار عظمته، وهذه الآيات هي آيات التّخفيف والتّيسير.
стр. 193
قال - سبحانه -: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: من الآية ١٨٥) . وقال - جلّ في علاه -: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ (الأعلى:٨) . وقال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح:٥،٦) . وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (النساء:٢٨) .
فهذه الآيات تبيّن أن الله أراد بهذه الأمَّة اليسر والتّخفيف، ونفي إرادة العسر والمشقّة.
وهذه الآيات وإن كان بعضها ورد في سياق قضية خاصة، كالآية الأولى وردت في شأن الرّخصة في الصيام إلا أن المراد منها العموم، كما صرح بذلك غير واحد من المفسّرين، ومثل ذلك آية النساء، فقد وردت في سياق ما أبيح من نكاح الإماء عند العجز عن الحرائر. إلا أن الذي صرح به كثير من المفسّرين أن المراد عموم التّخفيف في الشّريعة، وإرادة التيسير ورفع المشقّة (١) .
стр. 194
قال القرطبي: قال مجاهد والضّحاك: اليسر الفطر في السّفر. والعسر: الصّوم في السفر. قال القرطبي: والوجه: عموم اللفظ في جميع أمور الدين، كما قال - تعالى -: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: من الآية ٧٨) (١) .
وقال رشيد رضا في الآية: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: من الآية ١٨٥) . وهذا تعليل لما قبله، أي: يريد فيما شرعه من هذه الرخصة في الصيام، وسائر ما يشرعه لكم من أحكام، أن يكون دينكم يسرًا تامًّا لا عسر فيه (٢) .
وقال ابن كثير في قوله - تعالى -: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (النساء:٢٨) . أي: في شرائعه، وأوامره، ونواهيه، وما يقدره لكم (٣) .
وقال مجاهد: أي في نكاح الأمَّة، وفي كل شيء فيه يسر (٤) . ومن هنا نخلص إلى أن آيات التيسير والتّخفيف جاءت لإرساء قواعد هذا الدِّين، وذلك أن الوسطيَّة ركن من أركان ديمومة هذا الدِّين وعالميته.
٥ - وأختم هذا الباب بذكر بعض الأدلّة العلمية التي تؤكّد وسطيَّه هذا الدين في باب التّشريع والتكليف:
стр. 195
(أ) قال - تعالى - في شأن المطلقات: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة: من الآية ٢٣٦) . وقال: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة:٢٤١) . والقضية تدور على عدة محاور؛ فإما ألا يكون هناك أي تمتيع للمطلقة، وهذا له آثاره السلبية، وبخاصة على المطلّقة التي ستستقبل حياة جديدة، تحتاج إلى تخفيف وقع الطّلاق وأثره حسّيًّا ومعنويًّا. وإمّا أن يكون هناك تمتيع مغلّظ، وهذا فيه إثقال على الزوج المطلق.
وإما أن تكون هناك متعة يُراعى فيها ظروف الزوج وإمكاناته، مع عدم إهمال حقّ المطلقة في المتعة.
وهذا هو الأمر الوسط الذي أقرّه القرآن، وأصبح شرعًا من لدن حكيم عليم.
стр. 196
(ب) قال - تعالى -: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (البقرة:٢٢٥) . وفي سورة المائدة: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (المائدة: من الآية ٨٩) .
وموضوع الحنث في اليمين، إما أن يكون فيه كفارة بإطلاق، أو لا يكون فيه كفارة بإطلاق، أو التفصيل.
والأمر الأول: فيه من المشقّة والعسر ما لا يخفى.
والأمر الثاني: يُؤدّي إلى الاستهانة باليمين، وهو قادح من قوادح الإيمان.
أمّا التفصيل: وهو التفريق بين لغو اليمين الذي يصعب التحرز منها، فهذا معفو عنه، أمّا ما عداه ففيه الكفارة الشّرعية صيانة لليمين والقسم، فهذا هو الأمر الوسط، فلا إفراط فيه ولا تفريط.
стр. 197
(جـ) قال - تعالى - في بيان كفارة اليمين: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ (المائدة: من الآية ٨٩) .
والوسطيَّة في هذه الآية من ثلاثة وجوه:
١- أنَّ إطعام المساكين يُراعى في نوعية الطعام أو الكسوة الوسط في ذلك، وجعل المقياس الذي يُرجع إليه في اختيار هذا الوسط إطعام الرجل لأهله أو كسوتهم، فينظر في ذلك ويخرج الوسط منه.
وفي هذا تتحقق الوسطيَّة من وجهين - أيضًا -.
الأول: مراعاة الوسط في حق كل إنسان، فلم يؤخذ من أعلى ماله أو أدناه، بل الوسط منه، مراعاة للفقير - أيضًا -.
الثاني: مراعاة الفرق بين حال الغني والفقير والمتوسط، وهذا فيه من معنى الوسطيَّة ما فيه، فلم يأت الحكم بالتسوية بينهم.
стр. 198
٢- أنَّه جعل الكفارة تدور على أحد ثلاثة أمور: إمّا الإطعام، أو الكسوة، أو الإعتاق، والحالف مخيّر بينها دون إلزام بواحد منها، وهذا فيه من التوسعة والتيسير ما لا يخفى.
٣- إذا لم يجد الحالف أو لم يستطع على أي نوع من هذه الثلاثة انتقل إلى الصيام، وهذه رحمة من الله وتوسعة على عباده.
وبهذا اجتمعت أطراف الوسطيَّة في هذه القضية، وهي قضية جزئية يسيرة، فلا شك أن ما كان أعلى منها وأشدّ كلفة تكون مراعاة الوسطيَّة فيه من باب أولى، لأن الله غني عنًا وعن أعمالنا، ولكن التّشريع ميدان للامتحان والابتلاء، والله بنا رءوف رحيم.
стр. 199
(د) كذلك نلحظ الوسطيَّة في هذا التشريع، قال - سبحانه -: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ (المائدة: من الآية ٥) . والوسطيَّة تبرز في موضوع الطعام، وموضوع النكاح من أهل الكتاب، مما لا يحتاج إلى شرح أو تفصيل.
(هـ) وكذلك نرى إقرار منهج الوسطيَّة في موضوع الطّلاق وأحكامُه فلم يحرم الطّلاق، ولم يجعله مُتاحًا دون قيد أو شرط أو وصف.
بل إنَّه فرّق بين الحالات التي تبينُ فيها المرأة من طلقة واحدة أو من ثلاث طلقات، وهكذا.
ولا شك أن موضوع الطّلاق وأحكامه من أقوى الأدلة على هذا المنهج الذي روعيت فيه أحوال وأوضاع تتعلّق بالرجل والمرأة والأسرة.
والآيات التي وردت في سورتي البقرة والطّلاق هي البرهان على ذلك.
هذه بعض الأدلّة العملية على الوسطيَّة التي رسمها القرآن، وأكدها في أكثر من موضع في باب التشريع والتّكاليف.
стр. 200
ومن خلال ما سبق، اتضحت المنطلقات الأساسية التي تُبيّن المنهج الشّرعي في التّشريع والتّكليف، حيث ذكرت أن الله وضع عنّا الإصر والأغلال التي كانت على من قبلنا، وأن الله لا يُكلّف نفسًا فوق طاقتها، بل لا يكلّف نفسًا إلا وسعها، وما آتاها، وآيات رفع الحرج دلالة قويّة على متانة هذا المنهج في وسطيَّة التّشريع، يؤكد ذلك ويقرّره ما صاحب ذلك من يسر ورفع للعسر والمشقة. كل ذلك أوصلنا للحقيقة التي استهدفناها، وبدأنا بها، وهي أنَّ القرآن الكريم عنى عناية تامة في رسم منهج الوسطيَّة وتثبيته.
стр. 201
أولا: الآيات التي تبيّن انحراف أولئك الذين صرفوا العبادة عن وجهها الصحيح، وذلك مثل قوله - تعالى -: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ (الزمر:٦٤) . وقوله: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ (النمل:٤٣) . وقوله: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ (المائدة: من الآية ٧٦) . وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (الزمر: من الآية ٣) . ومثل ذلك قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (الحج:١١) .
فهذه الآيات وأمثالها ترسم منهج الوسطيَّة في العبادة ببيان انحراف طريق هؤلاء الذين قلبوا العبادة على وجهها الصحيح.
стр. 202
قال ابن كثير في قوله - تعالى -: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ (الحج: من الآية ١١) قال مجاهد وقتادة وغيرهما: (على حرف) على شك.
وقال غيرهم: على طرف، ومنه حرف الحبل، أي: طرفه، أي: دخل في الدين على طرف، فإن وجد ما يحبه استقر وإلا انشمر (١) .
وانظر إلى قول القرطبي، حيث إن قوله نصّ في دلالة الآية على المراد. قال: (على حرف) . على شكّ، قاله مجاهد وغيره. وحقيقته أنه على ضعف في عبادته، كضعف القائم على حرف مضطرب فيه، وحرف كل شيء: طرفه وشفيره وحده، ومنه حرف الحبل، وهو أعلاه المحدّد.
وقيل: (على حرف) ، أي على وجه واحد، وهو أن يعبده على السّراء دون الضرّاء، ولو عبدوا الله على الشكر في السّراء والصبر على الضرّاء لما عبدوا الله على حرف.
وقيل: (على حرف) . على شرط (٢) .
стр. 203
وقال ابن كثير في قوله - تعالى -: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر: من الآية ٣) . أي ليشفعوا لنا ويقرّبونا عنده منزلة، ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجّوا في جاهليتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك، وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدّهر وحديثه، وجاءتهم الرسل، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، بردّها والنهي عنها، والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له، وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم لم يأذن الله فيه، ولا رضي به، بل أبغضه ونهى عنه (١) .
стр. 204
ثانيًا: الآيات التي جاءت تأمر بعبادة الله وحده، وتصف عبادته بالاستقامة ، وبأن عبادته هي الكلمة السواء، وغير ذلك مما يدل على أن عبادته هي الطريق الوسط السالم من الانحراف والضّلال: قال - تعالى -: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ (آل عمران: من الآية ٦٤) . وقال في أكثر من موضع (١) ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (آل عمران:٥١) .
وقال: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (الحجر:٩٩) والآيات التي جاءت تأمر بعبادة الله وحده كثيرة جدًّا، فما من نبي إلا قال لقومه: "يا قوم اعبدوا الله". قال الطبري في قوله تعالى: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ (آل عمران: من الآية ٦٤) . يعني بذلك - جلّ ثناؤه - قل يا محمد لأهل الكتاب، وهم أهل التوراة والإنجيل - تعالوا: هلمّوا إلى كلمة سواء، يعني إلى كلمة عدل بيننا وبينكم.
والكلمة العدل: هي أن نوحّد الله فلا نعبد غيره، ونبرأ من كل معبود سواه، فلا نشرك به شيئًا (٢) .
стр. 205
وقال ابن كثير في الآية نفسها: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ (آل عمران: من الآية ٦٤) أي: عدل ونصف نستوي نحن وأنتم فيها، ثم فسرها بقوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ (آل عمران: من الآية ٦٤) . لا وثنًا ولا صليبًا ولا صنمًا ولا طاغوتًا ولا نارًا ولا شيء، بل نفرد العبادة لله وحده لا شريك له، هذه دعوة جميع الرسل، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: من الآية ٣٦) (١) .
وقال رشيد رضا: قال الأستاذ الإمام في قوله - تعالى -: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ (آل عمران: من الآية ٦٤) لما نكلوا دعاهم إلى أمر آخر، هو أصل الدين وروحه الذي اتفقت عليه دعوة الأنبياء، وهو سواء بين الفريقين، أي عدل ووسط لا يرجح فيه طرف على آخر، وقد فسّره بقوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ (آل عمران: من الآية ٦٤) الآية (٢) .
وبهذا يتضح لنا أن هذه الآية نصّ في الوسطيَّة في العبادة، وهي عبادة الله وحده.
стр. 206
أمّا قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (آل عمران:٥١) . فقد قال الطبري في معناها: ذلك هو الطريق القويم، والهدي المتين الذي لا اعوجاج فيه (١) .
وقال في آية مريم: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (مريم:٣٦) . يقول: هذا الذي أوصيتكم به، وأخبرتكم أن الله أمرني به هو الطريق المستقيم، الذي من سلكه نجا، ومن ركبه اهتدى، لأنه دين الله الذي أمر به أنبياءه (٢) .
وقال القاسمي:
﴿فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (مريم: من الآية ٣٦) أي: قويم، من اتبعه رشد وهدى، ومن خالفه ضلّ وغوى (٣) .
وقد سبق أن بيّنت أن الوسطيَّة تعني الاستقامة وأن قوله - تعالى -: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (الفاتحة:٦) . من أقوى الأدلة على منهج الوسطيَّة، كما يقرّره القرآن الكريم.
стр. 207
ثالثًا: الآيات التي جاءت في بعض أنواع العبادة في معناها الخاص كالصلاة والدعاء وغيرهما، حيث نجد فيها أمرًا بالتزام منهج الوسط، ونهيًا عن الإضاعة أو الرهبنة، وهو ما يمثل الإفراط والتفريط.
وسأذكر بعض الآيات التي وردت في ذلك، مقتصرًا على ما يُبيّن المراد، مع بيان دلالة الآية على الوسطيَّة.
١- ذمّ الله الإفراط في العبادة والغلو فيها، حيث قال في حق بني إسرائيل من النصارى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (الحديد: من الآية ٢٧) .
قال القاسمي: الرهبانية هي المبالغة في العبادة، والرياضة والانقطاع عن الناس، وإيثار العزلة والتبتل (١) .
стр. 208
وقال ابن كثير: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ أي ابتدعتها أمَّة النصارى. ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ (الحديد: من الآية ٢٧) أي: ما شرعناها لهم، وإنما هم التزموها من تلقاء أنفسهم، ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ (الحديد: من الآية ٢٧) أي: فما قاموا بما التزموه حق القيام، وهذا ذمّ لهم من وجهين:
أحدهما: الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله.
الثاني: في عدم قيامهم بما التزموه، مما زعموا أنه قربة يقرّبهم إلى الله (١) .
وهذه الرّهبانية التي ابتدعها النصارى لم يشرعها الله، وهي غلوّ في العبادة، ولذلك كانت النتيجة عدم قدرتهم على المحافظة عليها لمشقّتها وصعوبتها.
وقول الله - جل وعلا -: ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ (الحديد: من الآية ٢٧) دليل على أن الله لا يشرع ولا يكلّف بما فيه غلوّ ومشقّة، كما سبق بيانه.
ولقد اعترف عدد من متأخري النصارى بخطأ هذا الغلوّ والرهبنة التي ابتدعها أسلافهم، وأنها ليست من دين الله، ونحن لسنا بحاجة إلى ذلك لأن الله قد بين هذا الأمر في كتابه، ولكن هذا الاعتراف له دلالاته التي لا تخفى. وقد ذكر القاسمي بعض هذه الاعترافات تفصيلا، أذكر نتفًا منها (٢) .
стр. 209
قال صاحب ريحانة النفوس - وهو نصراني-: إنَّ الرهبنة قد نشأت من التوهّم بأن الانفراد عن معاشرة الناس، واستعمال التقشفات والتأملات الدينية، هي ذات شأن عظيم، ولكن لا يوجد سند لهذا الوهم في الكتب المقدسة، لأن مثال المسيح، ومثال رسله يضادانه باستقامة. ثم قال: ونحن نقول بكل جرأة: إنه لا يوجد في جميع الكتاب المقدس مثال للرهبنة، ولا يوجد أمر من أوامره يلزم بها، بل العكس.
وفي كتاب البراهين الإنجيلية ضد الأباطيل البابوية: إن ذم الزيجة خطأ، لأنها عمل الأفضل، لأن الرسول أخبر بأن الزواج خير من التوقّد بنار الشّهوة.
ثم قال: ومن المعلوم أن الطبيعة البشرية تغصب الإنسان على استيفاء حقها، ومن العدل أن نستوفيه - إلى أن قال -: ولذلك نرى كثيرًا من القساوسة والأساقفة والشمامسة، لا بل من البابوات المدعين بالعصمة، قد تكردسوا في هوة الزنا، لعدم تحصنهم بالزواج الشرعي.
ثم قال: فالطريقة الرهبانية هي اختراع شيطاني قبيح، لم يكن له رسم في الكتب المقدسة، ولا في أجيال الكنيسة الأولى.
وختم كلامه - الطويل - بقوله: ولا تتسع الصحف لشرح جميع الأضرار التي وقعت على العالم بسبب الرهبنات.
стр. 210
قال القاسمي معقبًا على ذلك: وهو حجة عليهم منهم (١) .
هذه نتيجة الرهبنة والإفراط والغلوّ الذي ذمه الله، فقال: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ (النساء: من الآية ١٧١) . وقال: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ (الحديد: من الآية ٢٧) .
٢- وكما ذم الله الغلوّ والرهبنة فقد ذم التفريط والتضييع والإهمال، فقال - سبحانه -: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (مريم:٥٩) . قال ابن كثير مبينًا دلالة هذه الآية على الخروج عن منهج الوسطيَّة.
стр. 211
لما ذكر الله - تعالى - حزب السعداء، وهم الأنبياء، ﵈، ومن اتبعهم من القائمين بحدود الله، وأوامره، المؤدّين فرائض الله، التاركين لزواجره، وذكر أنه ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ (مريم: من الآية ٥٩) أي قرون أخر. ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ (مريم: من الآية ٥٩) وإذا أضاعوها فهم لما سواها من الواجبات أضيع، لأنها عماد الدين وقوامه، وخير أعمال العباد، وأقبلوا على شهوات الدنيا وملاذها، ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، فهؤلاء سَيلقَون غيًّا، أي: خسارة يوم القيامة (١) .
وقال الشنقيطي في تفسير الآية: فخلف من بعد أولئك النبيين خلف، أي: أولاد سوء.
ثم قال: إن هذا الخلف السيئ الذي خلف من بعد أولئك النبيين الكرام كان من صفاتهم القبيحة أنهم أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات.
стр. 212
ثم قال: فإذا عرفت كلام العلماء في الآية الكريمة، وأن الله توعّد فيها من أضاع الصلاة، واتبع الشهوات، بالغيّ الذي هو الشرّ العظيم، والعذاب الأليم، فاعلم أنه أشار إلى هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله في ذمّ الذين يضيعون الصلاة ولا يحافظون عليها وتهديدهم: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ (الماعون:٤) ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (الماعون:٥) ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ (الماعون:٦) . وأشار في مواضع كثيرة إلى ذم الذين يتّبعون الشّهوات، وتهديدهم، كقوله - تعالى -: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (الحجر:٣) .
ويفهم من مفهوم مخالفة الآية الكريمة أن الخلف الطيبين لا يضيعون الصلاة، ولا يتّبعون الشّهوات، وقد أشار إلى هذا في مواضع كثيرة من كتابه، كما في سورة المؤمنين في وصف المؤمنين، وكقوله - تعالى -: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (النازعات:٤٠، ٤١) .
стр. 213
٣- وبعد أن ذكرت الآيات التي تدل على النهي عن الغلوّ والإفراط أو التفريط والتضييع أذكر بعض الآيات التي تأمر بالتزام الوسط بين الإفراط والتفريط.
قال - تعالى -: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: من الآية ١١٠) .
قال ابن كثير:
قال الإمام أحمد (١) حدثنا هشيم، حدثنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية ورسول الله، ﷺ متوار بمكة: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ (الإسراء: من الآية ١١٠) قال: كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فلما سمع ذلك المشركون سبّوا القرآن وسبّوا من أنزله، ومن جاء به، قال: فقال الله - تعالى - لنبيه، ﷺ ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ ". أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ (الإسراء: من الآية ١١٠) عن أصحابك فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك. ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: من الآية ١١٠) أخرجاه في الصحيحين (٢) من حديث أبي بشر جعفر بن إياس به (٣) .
وقال أشعث بن سوار عن عكرمة عن ابن عباس: نزلت في الدعاء (٤) .
стр. 214
قال القرطبي:
روى مسلم عن عائشة في قوله ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ (الإسراء: من الآية ١١٠) قالت: أنزل هذا في الدعاء (١) . والشاهد أن هذه الآية تأمر بالتوسط بين أمرين منهي عنهما، وهما الجهر الشديد أو المخافتة والإسرار ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: من الآية ١١٠) .
وقال - تعالى -: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ (لأعراف: من الآية ٢٠٥) .
قال القرطبي: (ودون الجهر) أي دون الرفع في القول، أي: أسمع نفسك، كما قال: ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: من الآية ١١٠) . أي بين الجهر والمخافتة (٢) .
وقال ابن كثير:
﴿تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ (الأعراف: من الآية ٢٠٥) أي اذكر ربك في نفسك رغبة ورهبة، وبالقول لا جهرًا، ولهذا قال: ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ (الأعراف: من الآية ٢٠٥) . وهكذا يستحب أن يكون الذكر، لا يكون نداء وجهرًا بليغًا (٣) .
وقال - تعالى - ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن: من الآية ١٦) .
قال ابن كثير:
أي جهدكم وطاقتكم.
стр. 215
وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله - تعالى -: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: من الآية ١٠٢) . وقال: لما نزلت هذه الآية اشتد على القوم العمل فقاموا حتى ورمت عراقيبهم، وتقرّحت جباههم فأنزل الله - تعالى - هذه الآية، تخفيفًا على المسلمين: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن: من الآية ١٦) . فنسخت الآية الأولى (١) .
ودلالة الوسطيَّة على هذا القول واضحة جلية.
وأخيرًا: نقف أمام قوله - تعالى - في سورة المزمل: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾ ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (المزمل:١-٤) . ثم قال في آخر السورة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (المزمل: من الآية ٢٠) .