← Общие книги

Общие книги · id 1939

الوسطية في ضوء القرآن الكريم

ناصر العمر

Полный текст (363 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

لما ذكر الله - تعالى - حزب السعداء، وهم الأنبياء، ﵈، ومن اتبعهم من القائمين بحدود الله، وأوامره، المؤدّين فرائض الله، التاركين لزواجره، وذكر أنه ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ (مريم: من الآية ٥٩) أي قرون أخر. ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ (مريم: من الآية ٥٩) وإذا أضاعوها فهم لما سواها من الواجبات أضيع، لأنها عماد الدين وقوامه، وخير أعمال العباد، وأقبلوا على شهوات الدنيا وملاذها، ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، فهؤلاء سَيلقَون غيًّا، أي: خسارة يوم القيامة (١) . وقال الشنقيطي في تفسير الآية: فخلف من بعد أولئك النبيين خلف، أي: أولاد سوء. ثم قال: إن هذا الخلف السيئ الذي خلف من بعد أولئك النبيين الكرام كان من صفاتهم القبيحة أنهم أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات.

стр. 212

ثم قال: فإذا عرفت كلام العلماء في الآية الكريمة، وأن الله توعّد فيها من أضاع الصلاة، واتبع الشهوات، بالغيّ الذي هو الشرّ العظيم، والعذاب الأليم، فاعلم أنه أشار إلى هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله في ذمّ الذين يضيعون الصلاة ولا يحافظون عليها وتهديدهم: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ (الماعون:٤) ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (الماعون:٥) ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ (الماعون:٦) . وأشار في مواضع كثيرة إلى ذم الذين يتّبعون الشّهوات، وتهديدهم، كقوله - تعالى -: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (الحجر:٣) . ويفهم من مفهوم مخالفة الآية الكريمة أن الخلف الطيبين لا يضيعون الصلاة، ولا يتّبعون الشّهوات، وقد أشار إلى هذا في مواضع كثيرة من كتابه، كما في سورة المؤمنين في وصف المؤمنين، وكقوله - تعالى -: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (النازعات:٤٠، ٤١) .

стр. 213

٣- وبعد أن ذكرت الآيات التي تدل على النهي عن الغلوّ والإفراط أو التفريط والتضييع أذكر بعض الآيات التي تأمر بالتزام الوسط بين الإفراط والتفريط. قال - تعالى -: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: من الآية ١١٠) . قال ابن كثير: قال الإمام أحمد (١) حدثنا هشيم، حدثنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية ورسول الله، ﷺ متوار بمكة: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ (الإسراء: من الآية ١١٠) قال: كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فلما سمع ذلك المشركون سبّوا القرآن وسبّوا من أنزله، ومن جاء به، قال: فقال الله - تعالى - لنبيه، ﷺ ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ ". أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ (الإسراء: من الآية ١١٠) عن أصحابك فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك. ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: من الآية ١١٠) أخرجاه في الصحيحين (٢) من حديث أبي بشر جعفر بن إياس به (٣) . وقال أشعث بن سوار عن عكرمة عن ابن عباس: نزلت في الدعاء (٤) .

стр. 214

قال القرطبي: روى مسلم عن عائشة في قوله ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ (الإسراء: من الآية ١١٠) قالت: أنزل هذا في الدعاء (١) . والشاهد أن هذه الآية تأمر بالتوسط بين أمرين منهي عنهما، وهما الجهر الشديد أو المخافتة والإسرار ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: من الآية ١١٠) . وقال - تعالى -: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ (لأعراف: من الآية ٢٠٥) . قال القرطبي: (ودون الجهر) أي دون الرفع في القول، أي: أسمع نفسك، كما قال: ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: من الآية ١١٠) . أي بين الجهر والمخافتة (٢) . وقال ابن كثير: ﴿تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ (الأعراف: من الآية ٢٠٥) أي اذكر ربك في نفسك رغبة ورهبة، وبالقول لا جهرًا، ولهذا قال: ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ (الأعراف: من الآية ٢٠٥) . وهكذا يستحب أن يكون الذكر، لا يكون نداء وجهرًا بليغًا (٣) . وقال - تعالى - ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن: من الآية ١٦) . قال ابن كثير: أي جهدكم وطاقتكم.

стр. 215

وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله - تعالى -: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: من الآية ١٠٢) . وقال: لما نزلت هذه الآية اشتد على القوم العمل فقاموا حتى ورمت عراقيبهم، وتقرّحت جباههم فأنزل الله - تعالى - هذه الآية، تخفيفًا على المسلمين: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن: من الآية ١٦) . فنسخت الآية الأولى (١) . ودلالة الوسطيَّة على هذا القول واضحة جلية. وأخيرًا: نقف أمام قوله - تعالى - في سورة المزمل: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾ ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (المزمل:١-٤) . ثم قال في آخر السورة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (المزمل: من الآية ٢٠) .

стр. 216

قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (المزمل: من الآية ٢٠) . أي من غير تحديد بوقت، أي: ولكن قوموا من الليل ما تيسر، وعبر عن الصلاة بالقراءة، كما قال في سورة (سبحان) : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ (الإسراء: من الآية ١١٠) . أي بقراءتك (١) . وقال القرطبي: قوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: من الآية ١٨٧) . قيل: أي فتاب عليكم من فرض القيام إذ عجزتم، وأصل التوبة الرجوع، فالمعنى: رجع لكم من تثقيل إلى تخفيف، ومن عسر إلى يسر (٢) . وبعد: فقد اتضح لنا من خلال ما سبق في هذا الباب من آيات أنّ الوسطيَّة أصل في باب العبادة في معناها الخاص والعام، وأن الغلوّ والجفاء، والإفراط والتفريط منفيان عنها كما نفيا عن غيرها.

стр. 217

الشهادة والحكم سبق معنا في تفسير قوله - تعالى -: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة: من الآية ١٤٣) . أن الرسول، ﷺ فسّرها بقوله: "عدولا" (١) . وكذلك فسّرها، ﷺ بالشهادة، حيث ذكر شهادة هذه الأمَّة لنوح، ﵇، ثم قرأ، ﷺ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (البقرة: من الآية ١٤٣) . الآية (٢) . ولا مُنافاة بين التفسيرين، بل أحدهما مكمّل للآخر، لأن الشهادة المعتبرة عند الله ما كانت عدلا. ومن هذا المنطلق فقد جاءت آيات كثيرة تبيّن وجوب العدل في الشهادة، وكذلك في الحكم - أيضًا - والشهادة هي إحدى مقدّمات الحكم في كثير من الأحكام، بل في كلها إذا اعتبرنا إقرار المرء على نفسه شهادة، وهو كذلك. وإذا كان العدل يعني الوسط، كما تقرّر، فإن أمر الله بالعدل في الشهادة والحكم هو أمر وإقرار لمنهج الوسطيَّة، ويتّضح ذلك - تفصيلا - من خلال ما سيأتي - إن شاء الله -:

стр. 218

١- قال - تعالى - في سورة النساء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (النساء:١٣٥) . ولنتأمل ما قاله الطبري في تفسيره للآية، فإننا نجد الدلالة البينة في هذه الآية على منهج العدل والوسط، والتّحذير من الحيف والجور واتباع الهوى، وإليك بعض ما قال:

стр. 219

يقول الله لهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ (النساء: من الآية ١٣٥) . يقول: ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيام بالقسط، يعني العدل ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ (النساء: من الآية ١٣٥) معناه: قوموا بالقسط لله عند شهادتكم، أو حين شهادتكم ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ (النساء: من الآية ١٣٥) . يقول: ولو كانت شهادتكم على أنفسكم، أو على والديكم أو أقربيكم، فقوموا فيها بالقسط والعدل، وأقيموا على صحتها بأن تقولوا فيها الحق، ولا تميلوا فيها لغني لغناه على فقير، ولا لفقير لفقره على غني فتجوروا، فإن الله الذي سوّى بين حكم الغني والفقير فيما ألزمكم أيّها الناس من إقامة الشهادة لكل واحد منهما بالعدل أولى بهما، وأحقّ منكم، لأنه مالكهما، وأولى بهما دونكم، فهو أعلم بما فيها مصلحة كل واحد منهما في ذلك، وفي غيره من الأمور كلها منكم، فلذلك أمركم بالتسوية بينهما في الشهادة لهما وعليهما.

стр. 220

﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ (النساء: من الآية ١٣٥) . فلا تتبعوا أهواء أنفسكم في الميل في شهادتكم إذا قمتم بها، ولكن قوموا فيه بالقسط، وأدّوا الشهادة على ما أمركم الله بأدائها بالعدل لمن شهدتم عليه وله. والتعبير بالغني والفقير هو في مقام العدو أو القريب كما سيأتي في آيتي المائدة والأنعام، ويمكن استعماله في الوجهين كما يدل عليه كلام الطبري، فقد يكون بعض الناس مع الغني ضد الفقير - وهو الغالب -، وقد يكون البعض مع الفقير لفقره، ضد الغني لغناه، ولكل حالة ما يناسبها. ٢- قال - تعالى -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: من الآية ٨) .

стр. 221

قال الطبري في معنى الآية: يعني بذلك - جلّ ثناؤه -: يا أيها الذين آمنوا بالله وبرسوله محمد، ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيام لله، شهداء بالعدل في أوليائكم وأعدائكم، ولا تجوروا في أحكامكم وأفعالكم، فتجاوزوا ما حدّدت لكم في أعدائكم لعداوتهم لكم، ولا تقصّروا فيما حدّدت لكم في أحكامي وحدودي في أوليائكم لولايتهم، ولكن انتهوا في جميعهم إلى حدّي، واعملوا فيه بأمري (١) . وهذا التفسير للآية واضح الدلالة على منهج الوسطيَّة في الشهادة والحكم، ومثل ذلك تفسير ابن كثير، حيث قال في قوله - تعالى -: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ (المائدة: من الآية ٨) . أي: لا يحملنّكم بغض قوم على ترك العدل فيهم، بل استعملوا العدل في كل أحد، صديقًا كان أو عدوًّا، ولهذا قال: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: من الآية ٨) (٢) . وقد جاء قبل هذه الآية قوله - تعالى -: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ (المائدة: من الآية ٢) .

стр. 222

قال الطبري في تفسيرها: فتأويل الآية إذن: لا يحملنّكم بغض قوم لأن صدوكم عن المسجد الحرام أيها المؤمنون. أن تعتدّوا حكم الله فيهم، فتجاوزوه إلى ما نهاكم عنه، ولكن ألزموا طاعة الله فيما أحببتم وكرهتم (١) . وقال رشيد رضا في تفسيره للآية: وأمّا الاعتداء على من تبغضونهم فلا يُباح لكم وأنتم حلّ، كما أنَّه لا يُباح لكم وأنتم حُرم، وإن كانوا صدّوكم عن المسجد الحرام من قبل، وهذا لا يمنع من الجزاء على الاعتداء بالمثل، لأنه نهى عن استئناف الاعتداء على سبيل الانتقام، فإن من يحمله البغض والعداوة على الاعتداء على من يبغضه يكون منتصرًا لنفسه لا للحق، وحينئذ لا يراعي المماثلة ولا يقف عند حدود العدل (٢) . ٣- ومثل هذه الآية قوله - تعالى -: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (الأنعام: من الآية ١٥٢) .

стр. 223

قال الطبري: يعني - تعالى ذكره - بقوله: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ (الأنعام: من الآية ١٥٢) وإذا حكمتم بين الناس فتكلمتم، فقولوا الحق بينهم، واعدلوا، وأنصفوا، ولا تجوروا، ولو كان الذي يتوجه الحق عليه والحكم ذا قرابة لكم، ولا يحملنّكم قرابة قريب، أو صداقة صديق، حكمتم بينه وبين غيره، أن تقولوا غير الحق فيما احتكمتم إليه فيه (١) . وقال القرطبي: قوله - تعالى -: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ (الأنعام: من الآية ١٥٢) يتضمّن الأحكام والشهادات، ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (الأنعام: من الآية ١٥٢) . أي ولو كان الحق على مثل قراباتكم، كما تقدّم في النساء (٢) . وقد وقفت متأمّلا لآيتي المائدة والأنعام، فوجدت أن كلا منهما تأمر بالعدل وهو طريق الوسط، ولكن كل آية اختصت بمعنى ليس في الأخرى، فآية المائدة تنهى عن الحيف والجور في حق العدوّ، وأن عداوته وبغضه لا يجوز أن يكون حائلا دون العدل في حقه، شهادة أو حكمًا، فهي تنهي عن الإفراط والغلو بالنسبة لصدور الحكم ضده، وعن التفريط والجفاء بالنسبة لحفظ حقوقه وما يجب له.

стр. 224

أما آية الأنعام فإنها تُحذّر من الميل والإفراط في حقّ القريب، مما يكون سببًا لعدم ثبوت الحق عليه، وهذا غلو منهي عنه، كما تنهى عن التفريط في حق خصمه بسبب القرابة، فإن عدم أداء الشهادة محاباة للقريب فيه تفريط في حق الخصم وضياع للحقوق. ومن هنا فإن هاتين الآيتين بمجموعهما ترسمان خط الوسطيَّة، وترشدان إليه، وتحذران من الحيف والميل سواء أكان إفراطًا أو تفريطًا. وقد يؤدي بغض العدوّ أو حبّ القريب إلى شهادة الزّور والكذب، فيحكم على العدوّ بما ليس عليه، ويحكم للقريب بما ليس له، وكل هذا خروج عن العدل، ومن الظلم الذي لا يرضاه الله أبدًا. أمّا آية النساء فإنها جمعت بين المعنيين كما هو واضح من سياقها، وتفسير الطبري لها، وإن كانت لمعنى ما في سورة الأنعام أقرب منها لما في سورة المائدة.

стр. 225

٤- ونجد تطبيقًا عمليًّا لمدلول هذه الآيات ما ذكره الله في سورة يوسف في قصة زوجة العزيز مع يوسف، ﵇، حين راودته عن نفسه: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ (يوسف: من الآية ٢٥) . وهنا حدثت المفاجأة ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ (يوسف: من الآية ٢٥) . وبسرعة مذهلة يدرك المرأة كيد النساء: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ (يوسف: من الآية ٢٨) ، فتقلب الدعوى على يوسف: ﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (يوسف: من الآية ٢٥) . وهذه دعوى خطيرة، ولكن يوسف، ﵇، يردّ هذه الدعوى: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ (يوسف: من الآية ٢٦) ، ووقع العزيز في إشكال في هذه القضية، وبخاصة إذا كانت امرأة، لأن العادة الغالبة أنّ الرجل هو الذي يعتدي عليها، لا أن تعتدي هي عليه، وفي هذه اللحظات الحرجة يأتي الفرج: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾

стр. 226

(يوسف:٢٦، ٢٧) ، إنها شهادة عجيبة تنطق بالعدل والصدق، مع قرابته للمرأة. فقد وضع أمام العزيز ميزانًا دقيقًا دون حيف أو محاباة، وبدأ بما يتعلّق بالرجل أولا، وما أشبه فعل يوسف، ﵇ به، عندما بدأ بأوعية إخوته قبل وعاء أخيه، ثم ذكر ما يتعلّق بالمرأة، ويظهر العدل في هذا من خلال ما يلي: (أ) فعدم كتمانه للشهادة دليل على عدم محاباته للمرأة وهي قريبته. (ب) البداءة بيوسف وعدم اقتصاره على ما يتعلق بالمرأة يدلّ على أنه لا يحابي يوسف، ﵇. وهنا صدر الحكم العادل المبني على شهادة العدل: ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ (يوسف:٢٨، ٢٩) .

стр. 227

٥- وردت آيات كثيرة تأمر بالعدل، وتنهى عن الهوى، وذلك مثل قوله - تعالى - ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: من الآية ٥٨) . وقوله - تعالى - في سورة النحل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل:٩٠) ، وكذلك قوله - تعالى - في سورة الأعراف: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ (الأعراف: من الآية ٢٩) (١) ، وفي سورة (ص) : ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (صّ: من الآية ٢٦) وقريب من هذه الآية ما جاء في سورة الشورى ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ (الشورى: من الآية ١٥) ونجد في سورة النحل: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (النحل: من

стр. 228

الآية ١٢٦) ، والآيات في مثل هذا المعنى كثيرة ومعلومة، وكلها تأمر بالعدل، وتنهى عن البغي والعدوان، وهذه دلالة الوسطيَّة، والنهي عن الإفراط والتفريط. ٦- ومن الأدلة العملية على وجوب التزام العدل وعدم البغي أو العدوان قوله - تعالى - في سورة الإسراء: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ (الإسراء: من الآية ٣٣) . فهنا ثلاث حالات - طرفان ووسط - أ- ضياع حقّ أولياء المقتول، كما يقع في كثير من الأزمنة، وتحمي هذا الضياع أنظمة ودول وبخاصة في عصرنا الحاضر، وبالذّات الدول التي ألغت عقوبة الإعدام، إمّا نظامًا أو واقعًا، وهو الأكثر - وبخاصة إذا كان القاتل شريفًا فهيهات أن يؤخذ الحق منه. ب- أن يأخذ أولياء المقتول أكثر مما لهم، وهو الإسراف في القتل، وهذا ما كان يجري في الجاهلية، ويوجد في عصرنا الحاضر في بعض المجتمعات التي تأخذ بالثأر، فتقتل غير القاتل دون ذنب إلا أنه من أقرباء القاتل، أو تقتل أكثر من فرد انتقامًا وثأرًا.

стр. 229

ج- أن يقتل القاتل قِصاصًا، أو تؤخذ الدية، أو يكون العفو برضى أولياء القتيل. والحالة الأولى تمثل التّفريط. والحالة الثانية تمثل التّعدي والإفراط. والحالة الثالثة هي العدل والوسط. ولقد نزل القرآن بالحالة الثالثة، فقوله - تعالى -: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ (الإسراء: من الآية ٣٣) إثبات للحالة الثالثة، ونفي للحالة الأولى، فإثبات الحقّ نفي للتفريط وإضاعة الدم، وقوله: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ (الإسراء: من الآية ٣٣) نهي عن الحالة الثانية، وهي التعدّي والإفراط. قال الطبري: وأولى التأويلين بالصّواب في ذلك من تأوّل: أنّ السلطان الذي ذكر الله - تعالى - في هذا الموضع ما قاله ابن عباس: من أن لولي القتيل القتل إن شاء، وإن شاء أخذ الدّية، وإن شاء العفو، لصحة الخبر عن رسول الله، ﷺ أنّه قال يوم فتح مكة: «ألا ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين بين أن يقتل أو يأخذ الدية» (١) . وقوله: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ (الإسراء: من الآية ٣٣) يقول: فلا تقتل بالمقتول ظلمًا غير قاتله.

стр. 230

وذلك أنّ أهل الجاهلية كانوا يفعلون ذلك، إذا قتل رجل رجلا عمد ولى القتيل إلى الشّريف من قبيلة القاتل فقتله بوليّه، وترك القاتل، فنهى الله عن ذلك عباده، وقال لرسوله، ﷺ قتل غير القاتل بالمقتول معصية وسرف، فلا تقتل به غير قاتله، وإن قتلت القاتل بالمقتول فلا تمثل به (١) . وقال القاسمي: أي ومن قتل بغير حق - مما تقدم - ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ﴾ (الإسراء: من الآية ٣٣) الذي بينه وبينه قرابة توجب المطالبة بدمه. ﴿سُلْطَانًا﴾ (الإسراء: من الآية ٣٣) أي: تسلّطًا على القاتل في الاقتصاص منه، أو حجة يثب بها عليه، وحينئذ فلا يُسرف في القتل، أي: فلا يقتل غير القاتل، ولا اثنين والقاتل واحد، كعادة الجاهلية، كان إذا قُتل منهم واحد قتلوا به جماعة، ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ (الإسراء: من الآية ٣٣) تعليل للنهي. يعني: حسبه أنّ الله قد نصره بأن أوجب له القصاص، فلا يستزد على ذلك (٢) . وبهذا المثال ومن خلال ما سبق من آيات اتضح لنا منهج الوسطيَّة في الشهادة والحكم، لأن الله أمر بالعدل ونهى عن الظلم والبغي.

стр. 231

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نالت الأمَّة الخيريَّة لأسباب من أهمّها قيامها بواجب الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر، واستمرار الخيريَّة مرهون بالأسباب التي نالت بها هذه الدّرجة الرفيعة. والواقع المشاهد استمرار للواقع الماضي في أنّ هناك فئات كثيرة ضلّت في هذا الباب، فهناك كثيرون جدًّا تركوا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، أو قصّروا فيها تقصيرًا شديدًا، وهؤلاء سلكوا سبيل التّفريط، وآخرون - وهم أقل من أولئك - قاموا بالأمر بالمعروف ونهوا عن المنكر، ولكنهم لم يعرفوا مراتبه ودرجاته وحدوده، أو لم يلتزموا بها، فوقع كثير منهم في الغلو والإفراط. والقلّة القليلة - ماضيًا وحاضرًا - من سلك السّبيل المستقيم، والطّريق القويم، والتزم بالمنهج الوسط الذي شرعه الله على لسان رسوله، ﷺ . وعناية بهذا الركن العظيم، ومن أجل القيام به على الوجه المشروع جاءت الآيات تلو الآيات تبيّن حكمه، وترسم معالمه وحدوده، وتزجر، عن الانحراف به وعنه ذات اليمين وذات الشمال. وكل هذه الآيات في دلالتها جاءت لتقرّر منهج الوسطيَّة، وتصون هذا الركن عن الانحراف والتبديل، والتضييع والإهمال.

стр. 232

وسأختار بعض الآيات التي تبيّن هذه الحقيقة وتدلّ عليها، في ضوء المنهج الذي سلكته فيما مضى: ١- قال : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: من الآية ١١٠) . قال ابن كثير في تفسير الآية: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: من الآية ١١٠) يعني خير الناس للناس، والمعنى أنهم خير الأمم، وأنفع الناس للناس، ولهذا قال: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: من الآية ١١٠) - إلى أن قال -: والصحيح ان هذه الآية عامة في جميع الأمَّة كل قرن بحسبه، وخير قرونهم الذين بعث فيهم، ﷺ ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة: من الآية ١٤٣) أي: خيارًا (١) . والشاهد هنا أن الخيريَّة تعني الوسطيَّة، كما وضّحت ذلك في مبحث (ملامح الوسطيَّة) ، ولذلك فلا بد أن يكون الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، يُحقّق هذه الخاصية، وينطلق من ضوابطها.

стр. 233

٢- نعى الله على الذين أضاعوا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتركوا الدعوة إلى الله فقال - سبحانه -: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (المائدة:٧٨، ٧٩) . وقال - سبحانه -: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (المائدة:٦٣) . وقال - سبحانه -: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ (آل عمران:١٨٧) . وقال - جل وعلا -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (البقرة:١٥٩) .

стр. 234

قال ابن كثير في الآية الأولى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ (المائدة: من الآية ٧٩) . أي: كان لا ينهى أحد منهم أحدًا عن ارتكاب المآثم، والمحارم، ثم ذمهم على ذلك ليحذّر أن يرتكب مثل الذي ارتكبوه، فقال: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (المائدة: من الآية ٧٩) . وقال القرطبي: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ﴾ (المائدة: من الآية ٧٩) أي لا ينهى بعضهم بعضًا. ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (المائدة: من الآية ٧٩) ذم لتركهم النهي، وكذا من بعدهم يذم من فعل فعلهم (١) . وقال الطبري في الآية الثانية: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ (المائدة: من الآية ٦٣) . هلاّ ينهى هؤلاء الذين يسارعون في الإثم والعدوان وأكل الرشاء في الحكم من اليهود من بني إسرائيل ربانيوهم، وهم أئمتهم المؤمنون، وساستهم العلماء بسياستهم وأحبارهم، وهم علماؤهم وقوادهم.

стр. 235

﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (المائدة: من الآية ٦٣) وهذا قسم من الله أقسم به، يقول - تعالى ذكره -: أقسم: لبئس الصنيع كان يصنع هؤلاء الربانيون والأحبار في تركهم نهي الذين يسارعون منهم في الإثم والعدوان، وأكل السّحت، عما كانوا يفعلون من ذلك، وكان العلماء يقولون: ما في القرآن أشدّ آية توبيخًا للعلماء من هذه الآية، ولا أخوف عليهم منها، ثم روي عن ابن عباس قوله: ما في القرآن آية أشد توبيخًا من هذه الآية. وكذلك روي عن الضّحاك قوله: ما في القرآن آية أخوف عندي منها، إنّا لا ننهى (١) . وقال القرطبي: ودلت الآية على أن تارك النهي عن المنكر كمرتكب المنكر، فالآية توبيخ للعلماء في ترك الأمر بالمعروف، والنهي المنكر (٢) . وقال ابن كثير في الآية الثالثة: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (آل عمران: من الآية ١٨٧) . هذا توبيخ من الله وتهديد لأهل الكتاب.. إلى أن قال: وفي هذا تحذير للعلماء أن يسلكوا مسلكهم، فيصيبهم ما أصابهم، ويسلك بهم مسلكهم، فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع، الدالّ على العمل الصّالح، ولا يكتمون منه شيئًا (٣) .

стр. 236

ومعنى الآية الرابعة قريب من معنى هذه الآية (١) . والخلاصة أن هذه الآيات - وأمثالها - جاءت لتبيّن خطورة ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن تضييع هذا الركن وعدم القيام به انحراف عن الصّراط المستقيم. وهي بهذا تحذّر المؤمنين من سوء عاقبة هذا الأمر، وترشدهم إلى طريق الحق والسلامة والنّجاة. ٣- وإذا كان ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، انحراف وخروج عن الصّراط المستقيم، وهو منهج المغضوب عليهم من اليهود وأشباههم، فإن هناك انحرافًا آخر قد لا ينتبه له كثير من الناس، وهو أن يأمر الإنسان وينهى، ولكنه لا يلتزم بما يدعو الناس إليه، وينهاهم عنه، ولذلك جاءت الآيات تبين خطأ هذا المسلك وسوء هذا الفعل. قال - سبحانه -: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة:٤٤) . وقال - تعالى -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف:٢، ٣) .

стр. 237

وقال - جل وعلا - حكاية عن شعيب، ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (هود: من الآية ٨٨) . وأنبّه هنا إلى أن الانحراف ليس بأمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر، وإنما لمخالفة فعله قوله (١) قال ابن كثير والغرض أن الله - تعالى - ذمهم على هذا الصنيع، وليس المراد ذمّهم على أمرهم بالبر مع تركهم له، بل على تركهم له، فإن الأمر بالمعروف معروف، وهو واجب على العالم، ولكن الواجب والأولى بالعالم أن يفعله مع من أمرهم به، ولا يتخلّف عنهم، كما قال شعيب، ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ (هود: من الآية ٨٨) (٢) . قال القرطبي في قوله - تعالى -: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (البقرة: من الآية ٤٤) . فالتأويل الذي يدلّ على صحته ظاهر التلاوة إذًا: أتأمرون الناس بطاعة الله، وتتركون أنفسكم تعصيه!! فهلا تأمرونها بما تأمرون به الناس من طاعة ربكم، فعيّرهم بذلك، ومقبّحًا إليهم ما أتوا به.

стр. 238

﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: من الآية ٤٤) أفلا تفقهون وتفهمون قبح ما تأتون من معصيتكم ربكم التي تأمرون الناس بخلافها، وتنهونهم عن ركوبها، وأنتم راكبوها، وأنتم تعلمون أن الذي عليكم من حق الله وطاعته في اتباع محمد والإيمان به، وربما جاء به، مثل الذي على من تأمرونه باتباعه (١) . قال قتادة: كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله، وبتقواه وبالبرّ، ويخالفون، فعيرهم الله (٢) . وقال ابن جريج: أهل الكتاب والمنافقون كانوا يأمرون الناس بالصلاة والصوم، ويدعون العمل بما يأمرون به الناس، فعيّرهم الله بذلك، فمن أمر بخير فليكن أشدّ الناس فيه مسارعة (٣) . وقال رشيد رضا في قوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: من الآية ٤٤) يعني ألا يوجد فيكم عقل يحبسكم عن هذا السّفة، مثل من كانت هذه حاله، كمثل رجل أمامه طريق مضيء نصبت فيه الأعلام والصوى، بحيث لا يضلّ سالكه، ثم هو يسلك طريقًا آخر مظلمًا طامس الأعلام، وكلّما لقي في طريقه شخصًا نصحه ألا يمشي معه، وأن يرجع إلى طريق الهدى الذي تركه (٤) .

стр. 239

وأختم أقوال العلماء في هذه الآية بما قال عبد الرحمن بن سعدي: فإن الكمال أن يقوم الإنسان بالواجبين، والنقص الكامل أن يتركهما، وأمّا قيامه بأحدهما دون الآخر، فليس في رتبة الأول، وهو دون الأخير (١) - وأيضًا - فإن النفوس مجبولة على عدم الانقياد لمن يُخالف قوله فعله، فاقتداؤهم بالأفعال أبلغ من اقتدائهم بالأقوال المجردة (٢) . أما آيتا الصف. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف:٢،٣) . فإنهما وإن كانتا في قضية خاصة كما ذكر المفسرون، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السّبب، كما هو مقرّر عند الأصوليين. ولذلك فإن دلالتها كدلالة أية البقرة: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ (البقرة: من الآية ٤٤) الآية. وقال الطبري في آية هود: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ (هود: من الآية ٨٨) يقول: وما أريد أن أنهاكم عن أمر، ثم أفعل خلافه، بل لا أفعل إلا بما آمركم به، ولا أنتهي إلا عمّا أنهاكم عنه (٣) .

стр. 240

وقال النّخعي: ثلاث آيات منعتني أن أقصّ على الناس (١) ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (البقرة: من الآية ٤٤) ، ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ (هود: من الآية ٨٨) ، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف:٢) (٢) . والشاهد من قول النخعي أن هذه الآيات مدلولها واحد، وهو النهي عن مثل هذا الفعل، وبيان خطورة هذا الانحراف عن الصّراط السّوي. ٤- وإذا كان إهمال الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، أو مخالفة الفعل للقول انحراف عن الصّراط المستقيم، وخروج عن منهج الوسطيَّة، فإن أعظم أنواع الانحراف في هذا الباب هو ما بيّنه الله تعالى في سورة التوبة مما هو من سمات المنافقين وأخلاقهم: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ (التوبة: من الآية ٦٧) . قال رشيد رضا: أي أهل النفاق من الرجال والنساء متشابهون فيه وصفا وعملا، كأن كلا منهم عين الآخر، كما قيل: هل تلد الحية إلا الحية!! ... تلك العصا من هذه العصية

стр. 241

ثم بين هذا التشابه بقوله: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ (التوبة: من الآية ٦٧) المنكر الشّرعي ما ينكره الشّرع ويستقبحه، والمنكر العقلي والفطري ما تستنكره العقول الراجحة، والفطر السليمة، لمنافاته للفضائل، والمنافع الفردية، والمصالح العامَة، والشّرع هو القسطاس المستقيم في ذلك كله. والمعروف: ما يُقابل المنكر مقابلة تضاد. ومن المنكر الذي يأمر به بعضهم بعضًا؟ الكذب والخيانة وإخلاف الوعود، والفجور، والغدر بنقض العهود. ومن المعروف الذي ينهون عنه: الجهاد، وبذل المال في سبيل الله، للقتال وغير القتال (١) . ويقول سيد قطب وهو يفسر هذه الآية ويبين وجه انحراف المنافقين: أما سلوكهم - أي المنافقين - فهو الأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف، وهم حين يأمرون بالمنكر، وينهون عن المعروف، يستخفون بهما، ويفعلون ذلك دسًّا وهمسًا، وغمزًا ولمزًا، لأنهم لا يجرءون على الجهر إلا حين يؤمنون. ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (التوبة: من الآية ٦٧) . فهم خارجون عن الإيمان، منحرفون عن الطّريق، وقد وعدهم الله مصيرًا كمصير الكفار (٢) .

стр. 242

وبهذا يتّضح لنا أن هذا المسلك أسوأ ألوان الانحراف في باب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. ٥- ومن الآيات التي جاءت تحمل الدّلالة الصّريحة على أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، هو الطريق الصحيح، والمنهج الحق، وأنّه لا يستوي من قام به، ومن أهمله وفرّط فيه، قوله - تعالى -: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (آل عمران:١١٣، ١١٤) . قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ (آل عمران: من الآية ١١٣) أي: ليسوا كلّهم على حدّ سواء، بل منهم المؤمن ومنهم، المجرم، ولهذا قال - تعالى -: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ (آل عمران: من الآية ١١٣) أي: قائمة بأمر الله، مطيعة لشرعه، متبعة نبي الله، فهي قائمة يعني مستقيمة (١) . ومفهوم هذه الآية أن الأمَّة التي ليست كذلك، ولم تتصف بهذه الصفات، فهي أمَّة منحرفة ضالة زائغة.

стр. 243

٦- والآيات السابقة جاءت مقرّرة أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، هو طريق الخيريَّة والاستقامة، وأن ما عداه طريق الانحراف والضّلالة. ولكن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، يختلف من حال إلى حال، ومن مقام إلى مقام، فليس كل من تصوّر أنّه قام به قد وافق الصّواب في ذلك، فكم من داعية يأمر وينهى - استجابة للآيات الداعية لذلك على وجه العموم - ضلّ في هذا الأمر، ولم يوفّق للمنهج الوسط، وهو المنهج الحق، فقد يتكلّم في مقام يجب فيه السّكوت، وقد يغلظ في حال تجب فيها اللين والرفق، وقد يلين القول فيما لا يجدي فيه إلا الغلظة والشدة، وهكذا. ولذلك جاءت الآيات تبيّن المنهج القويم في مثل هذا الأمر، وترسم الطريق المستقيم الذي قد يخفى على الكثيرين. ولصعوبة التفصيل في هذا الأمر، فسأذكر بعض الآيات التي تبيّن هذا المنهج وتدل عليه. (أ) قال - تعالى -: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (الأنعام: من الآية ١٠٨) .

стр. 244

قال ابن عباس: قالت قريش: يا محمد: لتنتهين عن سبّك آلهتنا، أو لنهجونّ ربك، فنهاهم الله أن يسبّوا أوثانهم. وقال قتادة: كان المسلمون يسبُّون أصنام الكفّار، فيسبّ الكفار الله عدوًا بغير علم، فأنزل الله هذه الآية (١) . وانظر - رحمك الله - إلى ما قاله القرطبي: قال العلماء: حكمها باق في هذه الأمَّة على كل حال، فمتى كان الكافر في منعة وخيف أن يسبّ الإسلام أو النبي، ﷺ أو الله فلا يحلّ لمسلم أن يسبّ صلبانهم، ولا دينهم، ولا كنائسهم، ولا يتعرّض إلى ما يُؤدي إلى ذلك، لأنه بمنزلة البعث على المعصية (٢) . وقال ابن الغرس: إنه متى خيف من سبّ الكفّار وأصنامهم أن يسبّوا الله أو رسوله أو القرآن، لم يجز أن يسبوا ولا دينهم، وهي أصل في قاعدة سدّ الذرائع (٣) . وبعد هذا التأصيل لمدلول هذه الآية، أذكر بعض ما قيل حولها فيما يتعلّق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال السيوطي: وقد يستدلّ بها على سقوط وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، إذا خيف من ذلك مفسدة أقوى، وكذا كل فعل مطلوب ترتّب على فعله مفسدة أقوى من مفسدة تركه (٤) .

стр. 245

وفصّل بعض العلماء في المسألة، ومن هؤلاء الحاكم، حيث قال: والذي يجب علينا بيان بغضها، وأنه لا تجوز عبادتها، وأنها لا تضرّ ولا تنفع، وأنّها لا تستحقّ العبادة، وهذا ليس بسبّ، ولهذا قال أمير المؤمنين يوم صفين: لا تسبُّوهم، ولكن اذكروا قبيح أفعالهم (١) . وقال الرازي: وفي الآية تأديب لمن يدعو إلى الدّين، لئلا يتشاغل بما لا فائدة له في المطلوب، لأن وصف الجمادات بأنها لا تضرّ ولا تنفع، يكفي في القدح في إلاهيتها، فلا حاجة مع ذلك إلى شتمها (٢) . وأختم هذا الكلام النفيس حول الآية، بما قاله الزمخشري: قال: فإن قلتَ: سبّ الآلهة حق وطاعة، فكيف صحّ النّهي عنه؟ وإنما يصحّ النّهي عن المعاصي؟ قلت: رُبَّ طاعة علم أنها تكون مفسدة، فتخرج عن أن تكون طاعة، فيجب النهي عنها لأنها معصية، لا لأنها طاعة كالنهي عن المنكر، وهو من أجلّ الطّاعات، فإذا علم أنّه يؤدي إلى زيادة الشرّ انقلب معصية، ووجب النّهي عن ذلك، كما يجب النّهي عن المنكر (٣) . ومما سبق يتّضح أن القرآن الكريم قد وضع قاعدة في رسم منهج الوسطيَّة، وأنّ الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وكذلك فمن الحق النظر إلى مآلات الأمور دون الوقوف عند ظواهرها فقط.

стр. 246

(ب) ونقف وقفة أخرى يتضح فيها أنّ الوسطيَّة في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر مسألة نسبيّة تختلف باختلاف ملابساتها والظروف المحيطة بها. فإن هناك من يرى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يجب أن يكون دائمًا باللّين، وخفض الجانب، ويستدلّ بقوله - تعالى -: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (طه:٤٣، ٤٤) ، ووجه استدلاله من الآية: أن فرعون قد بلغ من العتوّ والطغيان والكبر ما لم يبلغه أحد من البشر، حيث ادّعى الألوهية، ومع ذلك يأمر الله بالإنة القول له، والرّفق معه. فإذا كان ذلك مع فرعون، فإن من هو دونه بالجرم والإثم أولى منه بالرّفق واللّين.

стр. 247

وآخرون يرون وجوب الشدّة والإغلاظ في القول مطلقًا، ويستدلّون بقوله - تعالى -: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (التوبة: من الآية ٧٣) . وقوله سبحانه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ (التوبة: من الآية ١٢٣) . وقول موسى لفرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ (الإسراء: من الآية ١٠٢) . فيقولون: إن هذه الآيات تدل على وجوب الإغلاظ والشدة مع هؤلاء، وأن اللين يكون مع المؤمنين، لقوله - تعالى -: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الحجر: من الآية ٨٨) ، وأمثالها. والحق أن هذه الآيات هي التي تؤكد صحة ما قلته من أن الوسطيَّة مسألة نسبية، تختلف باختلاف ما يحفّ بها من قرائن وأحوال، يجب اعتبارها في مثل هذه المسائل. والقول الأمثل أنّه يجب النظر في مجموع الأدلة، وعدم الاقتصار على بعضها دون الآخر، فضلا عن ضرب بعضها ببعض - كما يفعل أصحاب الأهواء -. وهذا المسلك - مسلك النظر في جميع الأدلة - سيؤدي إلى إعمال كل دليل في موضعه، دون إهمال الدليل الآخر أو الغفلة عنه.

стр. 248

ولننظر - الآن - فيما ذكرته من أدلّة كل من الفريقين، فنجد أن أمر الله لموسى وهارون، ﵉، باستعمال الرفق مع فرعون، كان في أول رسالة موسى، ﵇، كما يدلّ عليه سياق الآيات في سورة طه، ولذلك جاء الأمر معلّلا برجاء إسلامه وانقياده ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (طه:٤٤) . قال ابن كثير - بعد أن ذكر أقوال المفسرين في القول اللين -: والحاصل من أقوالهم إن دعوتهما له تكون بكلام رقيق ليّن سهل رفيق، ليكون أوقع في النفوس، وأبلغ وأنجع، كما قال - تعالى -: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: من الآية ١٢٥) . قال الحسن البصري: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (طه: من الآية ٤٤) يقول: لا تقل أنت يا موسى وأخوك هارون أهلكه قبل أن أعذر إليه (١) . وقال القاسمي: وظاهر أن الرجاء في (لعله) إنما هو منهما لا من الله، فإنّه لا يصحّ منه، ولذا قال القاضي: أي باشرا الأمر على رجائكما وطمعكما، أنه يثمر ولا يخيب سعيكما، فإن الراجي مجتهد، والآيس متكلّف.

стр. 249

والفائدة في إرسالهما، والمبالغة عليهما في الاجتهاد - مع علمه بأنه لا يؤمن - إلزام الحجة، وقطع المعذرة، وإظهار ما حدث في تضاعيف ذلك من آيات (١) . أمّا آية الإسراء فإنها جاءت في نهاية المطاف مع فرعون، ولما لم تنفع جميع الآيات التي جاء بها موسى، ﵇، وهي تسع آيات عظيمة، فلم يكن بد من الإغلاظ له في القول ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ (الإسراء: من الآية ١٠٢) . أي هالكًا، فإن الثبور: الهلاك والخسران (٢) . والدليل على أن هذا الأمر كان في نهاية الأمر معه قوله - تعالى - بعد هذه الآية: ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾ (الإسراء:١٠٣) . أمّا قوله - تعالى -: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (التوبة: من الآية ٧٣) . وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ (التوبة: من الآية ١٢٣) . فإن هذا كان - أيضًا - في آخر العهد النبوي، حيث إن سورة التوبة من آخر ما نزل من القرآن، وكذلك سورة التّحريم متأخرة.

стр. 250

ومعنى هذا أنّ الرسول، ﷺ قد خاطب المشركين قبل ذلك، ودعاهم إلى الله باللين، واستخدم معهم جميع وسائل الرفق، حتى لم يعد يُجدي معهم إلا السّيف والغلظة. وكذلك المنافقون، لم تجد معهم وسائل المهادنة والوعظ، والرفق واللين، فكان لا بدّ من الإغلاظ لهم بالقول، كالإغلاظ للكفّار بالسّيف. وخلاصة القول: إن اللين والإغلاظ، أمران مشروعان، لا يجوز الاقتصار على أحدهما دون الآخر في كل الأحوال، وإنما الحق هو استخدام كل واحد منهما في موضعه. كما قال الشاعر: مُضرُّ كوضع السيف في موضع الندى ... ووضع الندى في موضع السيف بالعلا (ج) وأخيرًا نأتي لكلمة الفصل في هذه القضية: إذا كانت الوسطيَّة في هذا الباب تختلف باختلاف الحال والمحلّ، والزّمان والمكان، فما هو الضّابط لذلك؟ والجواب حسمه القرآن الكريم في آية واحدة، حيث قال : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: من الآية ١٢٥) . فالحكمة هي الضّابط، والفيصل في ذلك، فحيث كانت الحكمة كانت الوسطيَّة، وحيث فقدت فإن هناك انحرافًا إلى ذات اليمين أو ذات الشمال.
следующие страницы →