(ب) ونقف وقفة أخرى يتضح فيها أنّ الوسطيَّة في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر مسألة نسبيّة تختلف باختلاف ملابساتها والظروف المحيطة بها.
فإن هناك من يرى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يجب أن يكون دائمًا باللّين، وخفض الجانب، ويستدلّ بقوله - تعالى -: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (طه:٤٣، ٤٤) ، ووجه استدلاله من الآية: أن فرعون قد بلغ من العتوّ والطغيان والكبر ما لم يبلغه أحد من البشر، حيث ادّعى الألوهية، ومع ذلك يأمر الله بالإنة القول له، والرّفق معه. فإذا كان ذلك مع فرعون، فإن من هو دونه بالجرم والإثم أولى منه بالرّفق واللّين.
стр. 247
وآخرون يرون وجوب الشدّة والإغلاظ في القول مطلقًا، ويستدلّون بقوله - تعالى -: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (التوبة: من الآية ٧٣) . وقوله سبحانه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ (التوبة: من الآية ١٢٣) . وقول موسى لفرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ (الإسراء: من الآية ١٠٢) . فيقولون: إن هذه الآيات تدل على وجوب الإغلاظ والشدة مع هؤلاء، وأن اللين يكون مع المؤمنين، لقوله - تعالى -: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الحجر: من الآية ٨٨) ، وأمثالها.
والحق أن هذه الآيات هي التي تؤكد صحة ما قلته من أن الوسطيَّة مسألة نسبية، تختلف باختلاف ما يحفّ بها من قرائن وأحوال، يجب اعتبارها في مثل هذه المسائل.
والقول الأمثل أنّه يجب النظر في مجموع الأدلة، وعدم الاقتصار على بعضها دون الآخر، فضلا عن ضرب بعضها ببعض - كما يفعل أصحاب الأهواء -.
وهذا المسلك - مسلك النظر في جميع الأدلة - سيؤدي إلى إعمال كل دليل في موضعه، دون إهمال الدليل الآخر أو الغفلة عنه.
стр. 248
ولننظر - الآن - فيما ذكرته من أدلّة كل من الفريقين، فنجد أن أمر الله لموسى وهارون، ﵉، باستعمال الرفق مع فرعون، كان في أول رسالة موسى، ﵇، كما يدلّ عليه سياق الآيات في سورة طه، ولذلك جاء الأمر معلّلا برجاء إسلامه وانقياده ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (طه:٤٤) .
قال ابن كثير - بعد أن ذكر أقوال المفسرين في القول اللين -: والحاصل من أقوالهم إن دعوتهما له تكون بكلام رقيق ليّن سهل رفيق، ليكون أوقع في النفوس، وأبلغ وأنجع، كما قال - تعالى -: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: من الآية ١٢٥) .
قال الحسن البصري: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (طه: من الآية ٤٤) يقول: لا تقل أنت يا موسى وأخوك هارون أهلكه قبل أن أعذر إليه (١) .
وقال القاسمي: وظاهر أن الرجاء في (لعله) إنما هو منهما لا من الله، فإنّه لا يصحّ منه، ولذا قال القاضي: أي باشرا الأمر على رجائكما وطمعكما، أنه يثمر ولا يخيب سعيكما، فإن الراجي مجتهد، والآيس متكلّف.
стр. 249
والفائدة في إرسالهما، والمبالغة عليهما في الاجتهاد - مع علمه بأنه لا يؤمن - إلزام الحجة، وقطع المعذرة، وإظهار ما حدث في تضاعيف ذلك من آيات (١) .
أمّا آية الإسراء فإنها جاءت في نهاية المطاف مع فرعون، ولما لم تنفع جميع الآيات التي جاء بها موسى، ﵇، وهي تسع آيات عظيمة، فلم يكن بد من الإغلاظ له في القول ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ (الإسراء: من الآية ١٠٢) . أي هالكًا، فإن الثبور: الهلاك والخسران (٢) . والدليل على أن هذا الأمر كان في نهاية الأمر معه قوله - تعالى - بعد هذه الآية: ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾ (الإسراء:١٠٣) .
أمّا قوله - تعالى -: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (التوبة: من الآية ٧٣) . وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ (التوبة: من الآية ١٢٣) . فإن هذا كان - أيضًا - في آخر العهد النبوي، حيث إن سورة التوبة من آخر ما نزل من القرآن، وكذلك سورة التّحريم متأخرة.
стр. 250
ومعنى هذا أنّ الرسول، ﷺ قد خاطب المشركين قبل ذلك، ودعاهم إلى الله باللين، واستخدم معهم جميع وسائل الرفق، حتى لم يعد يُجدي معهم إلا السّيف والغلظة.
وكذلك المنافقون، لم تجد معهم وسائل المهادنة والوعظ، والرفق واللين، فكان لا بدّ من الإغلاظ لهم بالقول، كالإغلاظ للكفّار بالسّيف.
وخلاصة القول: إن اللين والإغلاظ، أمران مشروعان، لا يجوز الاقتصار على أحدهما دون الآخر في كل الأحوال، وإنما الحق هو استخدام كل واحد منهما في موضعه. كما قال الشاعر:
مُضرُّ كوضع السيف في موضع الندى ... ووضع الندى في موضع السيف بالعلا
(ج) وأخيرًا نأتي لكلمة الفصل في هذه القضية: إذا كانت الوسطيَّة في هذا الباب تختلف باختلاف الحال والمحلّ، والزّمان والمكان، فما هو الضّابط لذلك؟
والجواب حسمه القرآن الكريم في آية واحدة، حيث قال : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: من الآية ١٢٥) .
فالحكمة هي الضّابط، والفيصل في ذلك، فحيث كانت الحكمة كانت الوسطيَّة، وحيث فقدت فإن هناك انحرافًا إلى ذات اليمين أو ذات الشمال.
стр. 251
ولعلّ من المناسب أن أختم هذا المبحث بتعريف الحكمة كما عرفها العلماء.
قال إبراهيم النخعي: الحكمة: الفهم. وقال زيد بن أسلم: الحكمة: العقل. وقال مالك: وإنه ليقع في قلبي أن الحكمة هو الفقه في دين الله، وأمر يدخله الله في القلوب من رحمته وفضله (١) .
وقال عبد الرحمن بن سعدي: الحكمة: هي العلوم النّافعة، والمعارف الصّائبة، والعقول المسدّدة، والألباب الرّزينة، وإصابة الصّواب في الأقوال والأفعال.
ثم قال: وجميع الأمور لا تصلح إلا بالحكمة، التي هي: وضع الأشياء مواضعها، وتنزيل الأمور منازلها، والإقدام في محل الإقدام، والإحجام في موضع الإحجام (٢) .
وقال ابن عاشور: وفسّرت الحكمة بأنها معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه، بما تبلغه الطاقة، أي: بحيث لا تلتبس الحقائق المتشابهة بعضها مع بعض، ولا يغلط في العلل والأسباب (٣) .
وقال سيد قطب: الحكمة: القصد والاعتدال، وإدراك العلل والغايات، والبصيرة المستنيرة التي تهديه للصّالح الصائب من الحركات والأعمال (٤) .
وجماع الحكمة في قول ابن القيم: فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي (٥) .
стр. 252
وبعد: فإن منهج القرآن في تقرير الوسطيَّة في باب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله واضح جليّ، زادته هذه الأدلة بيانًا وتفصيلا.
وهذا الباب من أهمّ الأبواب - العملية - التي يجب أن يتحرّى فيها الدعاة وطلاب العلم منهج القرآن، ويلتزموا به، حتى لا تزل العقول والأقدام، فيقعوا في الغلو والإفراط، نتيجة الحماس غير المنضبط، أو يقعوا في التّفريط والتّهاون استجابة لرغبات النفس وشهواتها.
كلا طرفي قصد الأمور ذميم ... ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد
стр. 253
الجهاد في سبيل الله
الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام (١) وهو ماضٍ إلى أن تقوم السّاعة (٢) .
ولا عزّة للأمة ولا فخر ولا سؤدد إلا بإقامة هذا الركن العظيم.
وما تركت أمة الجهاد في سبيل الله إلا ذلّت وضعفت، وهانت على الله ومن ثمّ على خلقه.
ولقد انقسم الناس - قديمًا وحديثًا - في موضوع الجهاد في سبيل الله إلى ثلاث طوائف:
١- فطائفة يغلب عليها الحماس، والاندفاع، والإقدام، ومن حرصها على ذلك أفرطت في موضوع الجهاد، ولذلك وقعت في مزالق كبيرة، وكان لهذا الأمر من السّلبيات ما لا يخفى.
٢- وطائفة في مقابل هذه الطّائفة، فرّطت في الجهاد في سبيل الله، وتسعى دائمًا لإضاعة وإماتة هذا الرّكن العظيم، وإذا دعا داعي الجهاد، انتفضت خوفًا وفرقًا وذعُرًا، وذهبت تلتمس الأعذار للتخلّف والقعود.
٣- أمّا الطائفة الثالثة فهي التي توسّطت بين الطّائفتين، فأحّبت الجهاد، ورغبت فيه، وسعت إليه، ولكن ذلك لم يدفعهم لأن يستعجلوا الشيء قبل أوانه، ولذلك التزموا بالضّوابط الشّرعية في الإعداد للجهاد، وإعلانه، والاستمرار فيه.
стр. 254
وكذلك إذا دعا داعي الجهاد، لم يقعدوا مع القاعدين، ولم يثّبطوا مع المثّبطين، بل سارعوا إلى إجابة المنادي غير خائفين أو وجلين.
ولقد جاء القرآن يبينّ خطأ الطائفتين، الأولى والثانية: الغالية والجافية، المفْرِطة والمفرّطة، ومن ثمّ يرسم المنهج الحقّ، منهج الطّائفة الوسط، مؤكدًا على خطورة الإفراط والتّفريط، داعيًا إلى الجهاد في سبيل الله، إذا توافرت أسبابه ودواعيه، وتحقّقت شروطه وضوابطه. وسأبيّن أسلوب القرآن في إقرار المنهج الحق، والدّلالة إلى الصّراط المستقيم.
ولنقف مع تشخيص القرآن للطّائفة الأولى:
قال الله - تعالى -: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (البقرة:٢٤٦) .
стр. 255
هذه الآية خلّد الله فيها قصة من قصص بني إسرائيل، التي انحرفوا فيها عن السبيل القويم، والطّريق المستقيم.
ها نحن نرى الحماس والاندفاع للجهاد في سبيل الله، ويطالبون نبيهم، ﵇، بإعلان الجهاد واختيار قائد يقودهم إليه.
ويأتي نبيّهم، ويسألهم سؤالا يحمل الحقيقة: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ (البقرة: من الآية ٢٤٦) ؟ وهنا يأتي الجواب الذي يردّده المتحمّسون دائمًا: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ (البقرة: من الآية ٢٤٦) ، وكيف كانت النتيجة: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: من الآية ٢٤٦) .
стр. 256
وفي ثنايا القصّة وتفاصيلها نعايش مشاهد تبخّر هذه الدّعوى والحماس، وأول ذلك: ﴿قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ (البقرة: من الآية ٢٤٧) . وتبدأ رحلة الجهاد، ويبدأ معها تحقق ما قاله نبيهم في خوفه من عدم صدقهم وثباتهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ (البقرة: من الآية ٢٤٩) . والنتيجة ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ (البقرة: من الآية ٢٤٩) . وبعد ذلك تقول فئة من البقية الباقية: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ (البقرة: من الآية ٢٤٩) .
وأخيرًا لا يثبت إلا فئة أقل من القليل، ولعل هذه الفئة التي قتلت جالوت، وانتصرت بعد ثباتها لم تكن من أولئك المتحمسين المندفعين، الذين كانوا أول الهاربين والمتخاذلين.
стр. 257
قال القرطبي في قوله - تعالى -: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ (البقرة: من الآية ٢٤٦) . أخبر - تعالى - أنه لما فرض عليهم القتال ورأوا الحقيقة، ورجعت أفكارهم إلى مباشرة الحرب، وأن نفوسهم ربما قد تذهب ﴿تَوَلَّوْا﴾ (البقرة: من الآية ٢٤٦) أي اضطربت نياتهم وفترت عزائمهم، وهذا شأن الأمم الممتنعة، المائلة إلى الدعة، تتمنى الحرب أوقات الأنفة، فإذا حضرت الحرب كعت وانقادت لطبعها.
وعن هذا المعنى نهى النبي، ﷺ بقوله: «لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاثبتوا» (١) رواه الأئمة.
ثم أخبر الله عن قليل منهم أنهم ثبتوا على النية الأولى، واستمرت عزيمتهم على القتال في سبيل الله - تعالى - (٢) .
وقال ابن عباس: شربوا على قدر يقينهم، فشرب الكفار شرب الهيم، وشرب العاصون دون ذلك، وانصرف من القوم ستة وسبعون ألفًا - قيل كان عددهم ثمانين ألفًا - وبقي بعض المؤمنين لم يشرب شيئًا، وأخذ بعضهم الغرفة.
وقال ابن عباس والسدي: جاز معه في النهر أربعة آلاف رجل، فيهم من شرب، فلما نظروا إلى جالوت وجنوده، رجع منهم ثلاثة آلاف وستمائة وبضعة وثمانون (٣) .
стр. 258
وهذا نموذج آخر من نماذج المتحمسين للقتال، الذي أفرطوا في طلبه والسعي إليه، فلما تحقق لهم ذلك خالفت أفعالهم أقوالهم.
وإذا كان المثل الأول كان في بني إسرائيل، فإن هذا المثل في أمة محمد، ﷺ وهذا يؤكد حقيقة مهمة أن ذلك النموذج يتكرر في كل عصر وحين، وها نحن نراه ماثلا أمام أعيننا في زمننا الحاضر.
والحماس هو الحماس، والنهاية هي النهاية، وها هي الآيات تذكر البداية والنهاية:
قال - سبحانه -: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (النساء:٧٧) .
стр. 259
قال الطبري: ذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب رسول الله، ﷺ كانوا قد آمنوا به، وصدقوه قبل أن يفرض عليهم الجهاد، وقد فرض عليهم الصلاة والزكاة، وكانوا يسألون الله أن يفرض عليهم القتال، فلما فرض عليهم القتال شق عليهم ذلك، وقالوا ما أخبر الله عنهم في كتابه.
روى الطبري بسنده عن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا له أتوا النبي، ﷺ فقالوا: يا رسول الله كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة، فقال: «إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا فلما حوله الله إلى المدينة أُمر بالقتال فكفوا، فأنزل الله ﵎: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ» . الآية (١) .
ولننظر فيما قاله سيد قطب في هذه الآية حيث يشخص الحقيقة في أدق تصوير، قال:
يعجب الله - سبحانه - من أمر هؤلاء الناس الذين كانوا يتدافعون حماسة إلى القتال، ويستعجلونه، وهم في مكة يتلقون الأذى والاضطهاد والفتنة من المشركين، حين لم يكن مأذونًا لهم في القتال للحكمة التي يريدها الله.
стр. 260
فلما أن جاء الوقت المناسب الذي قدره الله، وتهيأت الظروف المناسبة، وكتب عليهم القتال - في سبيل الله - إذا فريق منهم شديد الجزع، شديد الفزع، حتى ليخش الذين أمروا بقتالهم - وهم ناس من البشر- كخشية الله، القهار الجبار، أو أشد خشية، وإذا هم يقولون في - حسرة وخوف وجزع -: ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ (النساء: من الآية ٧٧) .
стр. 261
إن أشدّ الناس حماسة واندفاعًا وتهورًا، قد يكونون هم أشدّ الناس جزعًا، وانهيارًا وهزيمة، عندما يجدّ الجدّ، وتقع الواقعة، بل إن هذه قد تكون القاعدة، ذلك أن الاندفاع والتهوّر والحماسة الفائقة - غالبًا ما تكون منبعثة من عدم التقدير لحقيقة التّكاليف، لا عن شجاعة واحتمال وإصرار، كما أنها قد تكون منبعثة عن قلة الاحتمال، قلة احتمال الأذى، والضيّق والهزيمة، فتدفعهم قلة الاحتمال إلى طلب الحركة، والدفع والانتصار بأي شكل دون تقدير لتكاليف الحركة، والدفع والانتصار، حتى إذا ووجهوا بهذه التكاليف كانت أثقل مما قدروا، وأشقّ مما تصوّروا، فكانوا أول الصف جزعًا ونكولا وانهيارًا، على حين يثبت أولئك الذين كانوا يمسكون أنفسهم، ويحتملون الضيق والأذى بعض الوقت، ويعدّون للأمر عدته، والمتهورون المندفعون المتحمسون يحسبونهم إذ ذاك ضعافًا، ولا يعجبهم تمهلهم، ووزنهم للأمور، وفي المعركة يتبين أي الفريقين أكثر احتمالا، وأي الفريقين - كان - أبعد نظرًا كذلك (١) .
стр. 262
إنها الحقيقة التي عبّر عنها سيد ﵀، تلك الحقيقة التي لا يدركها إلا من عاشها، وذاق مرارة هذا اللون من الاندفاع والحماس، مما نراه ماثلا أمام أعيننا في صنف من الناس، لا يقدرون عواقب الأمور، ويثورون لأقل الأسباب، غافلين عن السنن الربانية، والأحكام الشرعية، والقدرات البشرية، متصورين أن طيبتهم وحسن نيتهم، ومقصدهم تكفي سببًا لانتصارهم.
وكما جاءت آية النساء، فقد جاءت آية الصف، تعالج القضية نفسها، وتبين الحقيقة ذاتها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف:٢،٣) .
стр. 263
قال ابن كثير: وحملوا الآية - أي الجمهور - على أنها نزلت حين تمنوا فريضة الجهاد عليهم، فلما فرض نكل بعضهم، كقوله - تعالى -: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ (النساء: من الآية ٧٧) الآية، وهكذا هذه الآية معناها، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله - تعالى -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف:٢) . قال: كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون: لوددنا أن الله دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به، فأخبر الله نبيه أن أحب الأعمال إيمان به لاشك فيه، وجهاد أهل معصية الذين خالفوا الإيمان، ولم يقروا به، فما نزل الجهاد كره ذلك ناس من المؤمنين، وشق عليهم أمر الله، فقال الله - سبحانه -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف:٢) (١) .
стр. 264
هذه حقيقة الاندفاع والحماس، عندما لا ينضبط بالضوابط الشرعية ولا السنن الربانية. إنه انحراف عن المنهج الحق، انحراف يمثل الغلو والإفراط، ومن ثم فهو خروج عن المنهج الوسط، المنهج الذي لا يلغي الاعتبارات المتعددة قبل اتخاذ القرار الحاسم، لخطورة هذه القضية وآثارها بعد ذلك.
ولعل في هذه الآيات عظة وذكرى لأولئك المغالين، وعبرة لهؤلاء المتعجلين المندفعين.
إن المنهج الذي يسلكه أولئك لا يؤدي إلى الأهداف التي شرع من أجلها الجهاد، بل قد يكون سببًا لتعطيل الجهاد، أو تأخيره سنوات وسنوات، ومن استعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه.
وكما جاءت الآيات تعالج قضية الإفراط والغلو، فقد جاءت تعالج قضية التفريط والتضييع.
فإذا كان أولئك المتحمسون والمندفعون قد خالفوا الصراط المستقيم في قضية مشروعية الجهاد، فإن المثبطين والقاعدين يمثلون الوجه الآخر للانحراف والضلال. وقد جاءت الآيات تلو الآيات تبين خطورة هذه الفئة، وما تحدثه من خلل وانحراف.
стр. 265
قال - سبحانه -: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ (التوبة:٨١) . ثم يبين الله خطورة ما صنع هؤلاء، يتضح ذلك. من العقوبة القاسية التي أمر الله رسوله، ﷺ أن يعاقب بها هؤلاء جزاء ما صنعوا:
﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (التوبة:٨٣، ٨٤) .
وقال - جل ذكره - مصورًا حالة أولئك الذين لا يريدون الجهاد: ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ (محمد: من الآية ٢٠) .
إلى غير ذلك من الآيات التي تبيّن خطورة هذا المسلك وسوء عاقبة أصحابه في الدنيا والآخرة (١) .
ونقف مع تفسير هذه الآيات، وما قيل في معناها، مع الاقتصار على ما تدعو الحاجة إليه: قال الطبري في معنى قوله - تعالى -: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ (التوبة: من الآية ٨١) فرح الذين خلفهم الله مع الغزو مع رسوله والمؤمنين، وجهاد أعدائه بمقعدهم ﴿خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ (التوبة: من الآية ٨١) يقول: بجلوسهم في منازلهم خلاف رسول الله، يقول: على الخلاف لرسول الله في جلوسه ومقعده وذلك أن رسول الله، ﷺ أمرهم بالنفر إلى جهاد أعداء الله، فخالفوا أمره، وجلسوا في منازلهم (٢) .
стр. 269
وقال ابن كثير في قوله - تعالى -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ (التوبة: من الآية ٣٨) الآية. هذا شروع في عتاب من تخلف عن رسول الله، ﷺ في غزوة تبوك حين طابت الثمار والظلال في شدّة الحرّ وحمارة القيظ (١) .
وقال في قوله - تعالى -: ﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ (التوبة: من الآية ٨٦) .
стр. 270
يقول - تعالى - منكرًا وذامًا للمتخلفين عن الجهاد، الناكلين عنه، مع القدرة عليه ووجود السعة والطول. واستأذنوا الرسول، ﷺ في القعود، وقالوا: ﴿ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ (التوبة: من الآية ٨٦) ورضوا لأنفسهم بالعار والقعود في البلد مع النساء، وهن الخوالف بعد خروج الجيش، فإذا وقع الحرب كانوا أجبن الناس، وإذا كان أمن كانوا أكثر الناس كلامًا، كما قال - تعالى - عنهم في الآية الأخرى: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ (الأحزاب: من الآية ١٩) (١) .
وقال رشيد رضا في قوله - تعالى -: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (التوبة: من الآية ٤٥) الآية: والمعنى: إنما يستأذنك بالتخلف عن الجهاد الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، لأنهم يرون بذل المال للجهاد مغرمًا يفوت عليهم بعض منافعهم به، ولا يرجون عليه ثوابًا كما يرجو المؤمنون.
стр. 271
ويرون الجهاد بالنفسي آلامًا ومتاعب، وتعرضًا للقتل الذي ليس بعده حياة عندهم، فطبيعة كفرهم بالله واليوم الآخر تقتضي كراهتهم للجهاد، وفرارهم منه ما وجدوا له سبيلا (١) .
وقال سيد قطب في قوله - تعالى -: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (التوبة: من الآية ٣٩) .
والخطاب لقوم معينين في موقف معين، ولكنه عام في مدلوله، لكل ذي عقيدة في الله، والعذاب الذي يتهددهم ليس عذاب الآخرة وحده، فهو كذلك عذاب الدنيا، عذاب الذلة التي تصيب القاعدين عن الجهاد والكفاح، والغلبة عليهم للأعداء، والحرمان من الخيرات، واستغلالها للمعادين، وهم مع ذلك كله يخسرون من النفوس والأموال أضعاف ما يخسرون في الكفاح والجهاد، ويقدمون على مذبح الذل أضعاف ما تتطلبه منهم الكرامة لو قدموا لها الفداء.
وما من أمة تركت الجهاد إلا ضرب الله عليها الذل، فدفعت مرغمة صاغرة لأعدائها أضعاف ما كان يتطلبه منها كفاح الأعداء.
﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ (التوبة: من الآية ٣٩) . يقومون على العقيدة، ويؤدون ثمن العزة، ويستعلون على أعداء الله (٢) .
стр. 272
هذه بعض الآيات التي جاءت تبين انحراف المثبطين عن الجهاد، القاعدين عنه، الذين وصفهم الله بقوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الأحزاب:١٨) .
والنتيجة التي نخلص منها بعد بيان طرفي الانحراف، سواء الذين أفرطوا وغلوا، أم الذين فرطوا وجفوا، تلكم النتيجة هي أن هناك منهجًا وسطًا لا إفراط فيه ولا تفريط.
وذلكم أن الجهاد ذروة سنام الإسلام وركن من أركانه، وهو ماض إلى أن يأتي أمر الله، وما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلاَّ ذّلوا، وضعفوا، وسلط الله عليهم عدّوهم. والجهاد له شروطه وضوابطه، وأسبابه وموانعه، فإذا توافرت الأسباب وانتفت الموانع، وتحقّقت الشروط وجب أن يُنادي المنادي حيّ على الجهاد، ووجب على القادرين أن يستجيبوا للنداء، فرض عين أو فرض كفاية.
وهذا هو المنهج الوسط الذي جاءت الآيات الكثيرة تدعو إليه وتأمر به وتحث عليه، وجاءت السنة شارحة ومبيّنة، ومفصّلة لأحكام الجهاد، كما جاءت مبينة أحكام السَلم والموادعة والمعاهدات.
стр. 273
وقد عني العلماء - قديمًا وحديثًا - في بيان هذه القضية، وأشبعوها بحثًا وتفصيلا، وهم بذلك لم يدعوا مجالا لانحراف منحرف بدعوى الجهل وعدم الوضوح.
وأخيرًا أختم هذا المبحث بذكر بعض الآيات التي تدعو إلى الجهاد، وتثني على المجاهدين، أولئك الذين لا يتأخرون لحظة إذا دعا داعي الجهاد، وهم كذلك يستجيبون لداعي السلم والموادعة إذا جاء وقتها، وتوافرت أسباب السلم ودواعيه.
قال - سبحانه -: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (التوبة:٤١) . وقال مبينًا صفة المؤمنين إذا دعا داعي الجهاد ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ (التوبة:٤٤) .
وقال - سبحانه -: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ (الأنفال: من الآية ٦٥) . وقال: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (النساء: من الآية ٧٥) .
وهذه بعض الآيات التي تأمر بالقتال:
стр. 274
﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ (التوبة: من الآية ٣٦) ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ (التوبة: من الآية ١٢) . ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (التوبة: من الآية ٢٩) . ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ (البقرة: من الآية ١٩٣) . ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (الأنفال: من الآية ٣٩) .
وقال مبينًا فضل المجاهدين في سبيل الله:
ومما يؤكد وسطية هذا المنهج استجابتهم لأمر الله بالدخول في السلم، كاستجابتهم لأمره بالقتال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (البقرة:٢٠٨) . ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (الأنفال: من الآية ٦١) ، ولكن السلم لا يعني الاستسلام والذل: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد:٣٥) .
стр. 278
الأخلاق والمعاملة
سُئلت عائشة ﵂ عن خلق رسول الله، ﷺ فقالت: «كان خلقه القرآن»
وقد أثنى الله على رسوله، ﷺ فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم:٤) .
أما المعاملة فهي قرينة الأخلاق، حيث إن معاملة المرء نتاج طبيعي لأخلاقه، ولقد رسم القرآن المنهج السوي لما يجب أن تكون عليه أخلاق المسلم ومعاملاته.
وهذا الباب يسوده الغلو والجفاء، ويندر فيه المنهج الوسط، ولذلك فقد عني القرآن الكريم به عناية خاصة، وجاءت الآيات تترى توضح هذا المنهج، وتدعو إليه، وتربي الأمة عليه، وتحذر مما يضاده غلوًا أو جفاء، إفراطًا أو تفريطًا.
ولطول الموضوع وتشعبه، وكثرة الآيات الواردة فيه، نظرًا لتعدد أجزائه ومنطلقاته، فسأقتصر على اختيار نماذج متفرقة تبين عناية القرآن الكريم به، في ضوء المنهج الذي سلكته في هذا البحث، ومن الله استمد العون والتوفيق.
الكبر والطغيان خلق ذميم، ذمه الله في أكثر من موضع في كتابه، لما له من الآثار السلبية على الفرد والمجتمع، والكبر خروج عن المنهج الوسط إلى الإفراط والغلو وحب الذات. والتفريط في حق الآخرين.
стр. 279
قال - تعالى - مبينًا أثر الكبر على الإنسان، وكيف أنه يؤدي إلى الحيلولة بينه وبين الإيمان. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (غافر:٥٦) .
قال ابن كثير في تفسير الآية: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ (غافر: من الآية ٣٥) أي: يدفعون الحق بالباطل، ويردون الحجج الصحيحة بالشبه الفاسدة، بلا برهان ولا حجة من الله ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ (غافر: من الآية ٥٦) أي: ما في صدورهم إلا كبر على اتباع الحق واحتقار لمن جاءهم به (١) .
стр. 280
وقال - تعالى -: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ (غافر:٢٧) . وقال: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (غافر: من الآية ٣٥) . وقال: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (الزمر: من الآية ٦٠) وقال: ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (النحل: من الآية ٢٩) .
وقال - سبحانه -: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ (الإسراء:٣٧) .
ومن وصايا لقمان لابنه كما ذكر الله ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (لقمان:١٨) .
قال ابن كثير في تفسيرها: قال ابن عباس: يقول لا تتكبر فتحتقر عباد الله، وتعرض عنهم بوجهك إذا كلّموك (١) .
والآيات في ذم الكبر والنهي عنه، وبيان عاقبة المتكبرين كثيرة جدًا.
стр. 281
ومن الآيات التي جاءت تنهي عن بعض الأخلاق الممقوتة، قوله - تعالى -: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (لقمان:١٩) .
ونهى الله - سبحانه - عن كتمان الشهادة لما لها من آثار في إضاعة الحقوق وسوء المعاملة بين الناس، فقال - جل وعلا -: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (البقرة: من الآية ٢٨٣) .
ومن سوء أخلاق بني إسرائيل ما ذكره الله عنهم بقوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (البقرة: من الآية ٥٥) .
قال عبد الرحمن بن سعدي:
وهذه غاية الجرأة على الله وعلى رسوله (١) .
وقال ابن عاشور:
تذكير بنعمة أخرى نشأت بعد عقاب على جفا طبع (٢) .
стр. 282
ونقض العهد والميثاق خلق فاسد ومعاملة ممقوتة (١) ولذلك جاء ذم الناكثين العهود الخائنين للمواثيق والعقود، قال - سبحانه -: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (الرعد:٢٥) . وقال: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ (المائدة: من الآية ١٣) .
وفي مقابل الكبر نجد الذل والضعف والخور، وبخاصة أمام أعداء الله، فإنه خلق لا يرضاه الله - جل وعلا -، فلذلك قال - سبحانه -: واصفًا المؤمنين بما هم عليه من خلق رفيع: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (المائدة: من الآية ٥٤) .
ومن هنا، ودلالة على أن الذل مسبة وعار، وليس خلقًا رفيعًا وسيرة محمودة، بين الله أنه جعله عقوبة لمن عصاه، وتكبر على رسله وهداه، فقال - سبحانه -: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (البقرة: من الآية ٦١) .
стр. 283
وقال: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾ (آل عمران: من الآية ١١٢) . وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (الأعراف: من الآية ١٥٢) .
قال سيد قطب مبينًا أثر الذل على هؤلاء اليهود، إن فترة الإذلال التي قضوها تحت حكم فرعون الطاغية قد أفسدت فطرتهم إفسادًا عميقًا.
وليس أشد إفسادًا للفطرة من الذل الذي ينشئه الطغيان الطويل، والذي يحطم فضائل النفس البشرية، ويحلل مقوماتها، ويغرس فيها المعروف من طباع العبيد، استخذاء تحت سوط الجلاد، وتمردا حين يرفع عنها السوط، وتبطرًا حين يتاح لها شيء من النعمة والقوة.
وهكذا كانت إسرائيل، وهكذا هي في كل حين (١) .
стр. 284
وإذا كان هؤلاء قد ضرب الله عليهم الذلة في الحياة الدنيا، فإن الذلة - أيضًا - جزاء هؤلاء وغيرهم ممن دُعي إلى عبادة الله فاستكبر وأبى، قال - تعالى -: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ (القلم:٤٣) . وقال: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ (المعارج:٤٤) .
وقال - سبحانه - ممتنًا على عباده حيث أعزهم بعد الذلة والانكسار: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (آل عمران:١٢٣) .
وخلاصة الأمر: أن هذه الآيات تدل على أن تلك الأخلاق مما لا يقره الشرع لمخالفتها للمنهج الحق والطريق السوي، ولذلك جاءت الآيات تبين ما يجب أن يكون عليه المسلم من خلق صادق وحسن في المعاملة، بعيدًا عن الخلق الذميم سواء كان إفراطًا أو تفريطًا، وهذه الآيات هي التي ترسم المنهج الوسط في الأخلاق والمعاملة.
قال - تعالى - مثنيًا على نبيه، ﷺ ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم:٤) .