← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1956

الأذكار للنووي ت الأرنؤوط

النووي

Полный текст (411 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ويُستحبّ له أن يقولَ لهم في وقت بعد وقت: متى رأيتم مني تقصيراً في شئ فنبّهوني عليه برفق، وأدّوا إليّ النصيحة في ذلك، فإني معرّض للغفلة والكسل والإِهمال فإذا قصَّرْتُ فنشِّطوني، وعاونوني على أُهبة سفري هذا البعيد. ودلائل ما ذكرته في هذا الباب معروفة مشهورة، حذفتها اختصاراً، فإنها تحتمل كراريس. وإذا حضره النزعُ، فليكثرْ من قول: لا إِلهَ إِلاَّ الله، ليكون آخرَ كلامِه. ٤٢٠ - فقد روينا في الحديث المشهور في " سنن أبي داود " وغيره، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " مَنْ كَان آخِرَ كَلامِه لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ دَخَلَ الجَنَّةَ ". قال الحاكم أبو عبد الله في كتابه " المستدرك " على الصحيحين: هذا حديث صحيح الإِسناد (١) . ٤٢١ - وروينا في " صحيح مسلم " وسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي وغيرهما، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لَقِّنُوا مَوْتاكُمْ لا إِلهَ إِلاَّ الله " قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ورويناه في " صحيح مسلم " أيضاً من رواية أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ . قال العلماء: فإن لم يقل هو: " لا إِله إِلاَّ الله " لقَّنه مَنْ حضرَه، ويلقنه برفق مخافةَ أن يضجرَ فيردّها، وإذا قالها مرّة لا يُعيدها عليه، إلا أن يتكلم بكلام آخر. قال أصحابنا: ويستحبّ أن يكون الملقن غير متّهم، لئلا يُحْرِجَ الميتَ ويتَّهمه. واعلم أن جماعة من أصحابنا قالوا: نُلَقِّنُ ونقول: لا إِله إلاَّ الله محمدٌ رسولُ الله ". واقتصر الجمهور على قول: " لا إِله إِلاَّ الله "، وقد بسطتُ ذلك بدلائله وبيان قائليه في " كتاب الجنائز " من " شرح المهذب ". (باب ما يقوله بعض تَغميضِ الميّت) ٤٢٢ - روينا في " صحيح مسلم " عن أُمّ سلمة - واسمها هند ﵂ قالت: دخلَ رسولُ الله ﵌ على أبي سلمة، وقد شَقَّ بصرُه، فأغمضَه ثم قال: " إن الرُّوحَ إذَا قُبِضَ تَبعَهُ البَصَرُ "، فَضجّ ناسٌ من أهلِه، فقال: " لا تَدْعُوا على أنْفُسكُمْ إِلاَّ بِخَيْرٍ، فإنَّ المَلائِكَةَ يُؤمِّنُونَ على ما تَقُولُونَ "، ثم قال: " اللَّهُمَّ

стр. 142

اغْفِرْ لأَبِي سَلَمَة، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ في المَهْدِيَّينَ، وَاخْلُفْهُ في عَقِبِهِ في الغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنا وَلَهُ يا رَبَّ العالَمِينَ، وافسح فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ ". قلت: قولها: " شق " هو بفتح الشين، و " بصره " برفع الراء فاعل شقّ، هكذا الرواية فيه باتفاق الحفاظ وأهل الضبط. قال صاحب الأفعال: يُقال شقّ بصرُ الميت، وشق الميتُ بصرَه: إذا شخص. ٤٢٣ - وروينا في سنن البيهقي بإسناد صحيح عن بكر بن عبد الله التابعي الجليل قال: إذا أغمضتَ الميّتَ فقل: بسمِ الله، وعلى ملّةِ رسولِ الله ﷺ ، وإذا حملته فقل: بسم الله، ثم سبِّحْ ما دمتَ تحملُه (١) . (بابُ ما يُقالُ عندَ الميّت) ٤٢٤ - روينا في " صحيح مسلم " عن أُمّ سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " إذَا حَضَرْتُمُ المَرِيضَ أَوِ المَيِّتَ فَقُولُوا خَيْراً، فإنَّ المَلائكَةَ يُؤَمِّنُونَ على ما تَقُولُونَ ". قالت: فلما مات أبو سلمة أتيتُ النبيَّ ﷺ فقلتُ: يا رسولَ الله إن أبا سلمةَ قد ماتَ، قال: قُولي: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي وَلَهُ، وَأعْقِبْنِي مِنْهُ عُقْبَى حَسَنَةً، فقلت ذلك، فأعقبني الله مَن هو خيرٌ لي منه: محمداً ﷺ . قلتُ: هكذا وقع في " صحيح مسلم "، وفي الترمذي: " إذَا حَضَرْتُمُ المَرِيضَ أوِ المَيِّتَ " على الشكّ. وروينا في سنن أبي داود وغيره: " الميّتَ " من غير شك. ٤٢٥ - وروينا في سنن أبي داود، وابن ماجه، عن معقل بن يسار الصحابي ﵁، أن النبيّ ﷺ قال: " اقْرَؤُوا يس على مَوْتاكُمْ ". قلت: إسناده ضعيف، فيه مجهولان، لكن لم يُضَعِّفه أبو داود (٢) .

стр. 143

٤٢٦ - وروى ابن أبي داود عن مُجالد عن الشعبيّ قال: كانت الأنصارُ إذا حضروا الميت قرؤوا عند سورة البقرة. مُجالد ضعيف. (بابُ ما يقول مَنْ مَاتَ له ميّت) ٤٢٧ - روينا في " صحيح مسلم " عن أُمّ سلمة ﵂ قالت: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: " مَا مِنْ عَبْدٍ تُصيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: إنّا لِلَّهِ وإنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أجُرْنِي فِي مُصِيبَتي، وأخْلِفْ لي خَيْراً مِنْها، إلاَّ أَجَرَهُ اللَّهُ تَعالى في مُصِيبَتِهِ وأخْلَفَ لَهُ خَيْراً مِنْها "، قالت: فلما توفي أبو سلمة، قلت كما أمرني رسول الله ﷺ ، فأخلف الله تعالى لي خيراً منه: رسولَ الله ﷺ . ٤٢٨ - وروينا في سنن أبي داود، عن أُمّ سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " إِذَا أصَابَ أحَدَكُمْ مُصِيبَةٌ فَلْيَقُلْ: إِنَّا لِلَّهِ وإنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ عِنْدَكَ أحْتَسِبُ مُصِيبَتِي فأْجُرْنِي فِيها، وأبْدِلْنِي بِها خَيْراً مِنها ". ٤٢٩ - وروينا في كتاب الترمذي وغيره، عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: فماذا قال عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ، فَيَقُولُ اللَّهُ تعالى: ابنوا لعبدي بَيْتاً في الجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الحَمْدِ " قال الترمذي: حديث حسن. ٤٣٠ - وفي معنى هذا، ما رويناه في " صحيح البخاري " عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: " يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ما لِعَبْدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إِلاَّ الجنة ". (بابُ ما يقولُه مَنْ بَلَغَهُ مَوْتُ صَاحِبِهِ) ٤٣١ - روينا في كتاب ابن السني، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : " المَوْتُ فَزَعٌ، فإذَا بَلَغَ أحَدَكُمْ وَفاةُ أخِيهِ فَلْيَقُلْ: إِنََّا لِلَّهِ وإنا إليه راجعون،

стр. 144

وَإِنَّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبونَ، اللَّهُمَّ اكْتُبْهُ عِنْدَكَ فِي الْمُحْسِنِينَ، وَاجْعَلْ كِتابَهُ فِي عِلِّيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي أَهْلِهِ فِي الغابِرِينَ، وَلا تَحْرِمْنا أجْرَهُ وَلاَ تَفْتِنَّا بَعْدَهُ " (١) . (بابُ ما يقولُه إذا بلَغه موتُ عدوِّ الإِسلام) ٤٣٢ - روينا في كتاب ابن السني، عن ابن مسعود ﵁، قال: أتيتُ رسولَ الله ﷺ فقلتُ: يا رسولَ الله، قد قتلَ الله أبا جهلٍ، فقال: " الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نصر عبده وأعز دينه " (٢) . (بابُ تحريمِ النياحَةِ على الميِّتِ والدُّعَاءِ بدعوَى الجاهليّة) أجمعت الأمّةُ على تحريمِ النياحَةِ على الميِّتِ والدُّعَاءِ بدعوَى الجاهليّة (٣) ، والدعاء بالويل والثبور عند المصيبة. ٤٣٣ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : " لَيْسَ مِنّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعا بِدَعْوَى الجاهِلِيَّةِ " وفي رواية لمسلم: " أوْ دَعا أوْ شَقَّ " بأو. ٤٣٤ - وروينا في " صحيحيهما " عن أبي موسى الأشعري ﵁، أن رسول الله ﷺ ، برئ من الصَّالقةِ والحَالقةِ والشَّاقةِ. قلت: الصَّالقةُ: التي ترفع صوتها بالنياحة، والحالقةُ: التي تحلق شعرها عند

стр. 145

المصيبة، والشَّاقةُ: التي تشقُّ ثيابَها عند المصيبة، وكل هذا حرام باتفاق العلماء، وكذلك يحرم نشر الشعر ولطم الخدود وخمش الوجه والدعاء بالويل. ٤٣٥ - وروينا في " صحيحيهما " عن أُمّ عطيةَ ﵂، قالت: أخذَ علينا رسولُ الله ﷺ في البيعة أن لا ننوح. ٤٣٦ - وروينا في " صحيح مسلم " عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " اثْنَتانِ فِي النَّاسِ، هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ في النَّسَبِ، وَالنِّياحَةُ على المَيِّتِ ". ٤٣٧ - وروينا في سنن أبي داود، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: لعن رسول الله ﷺ النائحة والمستمعة. واعلم أن النياحة: رفع الصوت بالندب، والندب: تعديد النادبة بصوتها محاسن الميت، وقيل: هو البكاء عليه مع تعديد محاسنه. قال أصحابنا: ويحرم رفع الصوت بإفراط في البكاء. وأما البكاء على الميت من غير ندب ولا نياحة، فليس بحرام. ٤٣٨ - فقد روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ عاد سعد بن عبادة ومعه عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، فبكى رسولُ الله ﷺ فلما رأى القومُ بكاءَ رسول الله ﷺ بكَوْا، فقال: " ألا تَسْمَعُونَ إنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ ولا بِحُزْنِ القَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذّبُ بِهَذَا أَوْ يَرْحَمُ "، وأشار إلى لسانه ﷺ ". ٤٣٩ - وروينا في " صحيحيهما " عن أسامة بن زيد ﵄، أن رسول الله ﷺ رُفِعَ إليه ابنُ ابنته (١) وهو في الموت، ففاضت عينا رسول الله ﷺ ، فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: " هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَها اللَّهُ تَعالى في قُلوبِ عِبَادِهِ، وإنمَا يَرْحَمُ اللَّهُ تَعالى مِنْ عِبادِهِ الرُّحَماءَ ". قلت: الرحماء: رُوي بالنصب والرفع، فالنصبُ على أنه مفعول " يرحم " والرفع على أنه خبر " إنّ "، وتكون " ما " بمعنى الذي. ٤٤٠ - وروينا في " صحيح البخاري " عن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ دخلَ على ابنه إبراهيم ﵁ وهو يجود بنفسه، فجعلتْ عينا رسول الله ﷺ تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسولَ الله؟ فقال: " يا بْنَ عوف إنها

стр. 146

رَحْمَةٌ، ثم أتبعها بأخرى فقال: " إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ ما يُرْضِي رَبَّنا، وَإنَّا بِفِرَاقِكَ يا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ " والأحاديث بنحو ما ذكرته كثيرة مشهورة. وأما الأحاديث الصحيحة: أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، فليست على ظاهرها وإطلاقها، بل هي مؤوّلة. واختلف العلماء في تأويلها على أقوال: أظهرها - والله أعلم - أنها محمولة على أن يكون له سبب في البكاء، إما بأن يكون أوصاهم به، أو غير ذلك، وقد جمعت كل ذلك أو معظمه في " كتاب الجنائز " من " شرح المهذب "، والله أعلم. قال أصحابنا: ويجوز البكاء قبل الموت وبعده، ولكن قبله أولى. ٤٤١ - للحديث الصحيح: " فإذَا وَجَبَتْ فَلا تَبْكِيَنَّ باكية ". وقد نصّ الشافعي ﵀ والأصحاب على أنه يُكره البكاء بعد الموت كراهة تنزيه ولا يحرم، وتأوّلوا حديث " فَلاَ تَبْكينَّ بَاكِيَةٌ " على الكراهة. (بابُ التَّعْزِيَة) ٤٤٢ - روينا في كتاب الترمذي، و " السنن الكبرى " للبيهقي، عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: " مَنْ عَزَّى مُصَاباً فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ " وإسناده ضعيف. ٤٤٣ - وروينا في كتاب الترمذي أيضاً، عن أبي برزة ﵁، عن النبي ﷺ قال: " مَنْ عَزَّى ثَكْلَى كُسِيَ بُرْداً في الجَنَّةِ ". قال الترمذي: ليس إسناده بالقويّ. ٤٤٤ - وروينا في سنن أبي داود، والنسائي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ حديثاً طويلاً فيه: أن النبي ﷺ قال لفاطمة ﵂: " ما أخْرَجَكِ يَا فاطِمَةُ مِنْ بَيْتكِ؟ " قالَت: أتيتُ أهلَ هذا الميت فترحمتُ إليهم ميّتهم أو عزَّيْتُهم به (١) . ٤٤٥ - وروينا في سنن ابن ماجه، والبيهقي، بإسناد حسن، عن عمرو بن حزم ﵁ عن النبي ﷺ قال: " ما مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أخاهُ بِمُصِيْبَتِهِ إِلاَّ كَساهُ اللَّهُ مِنْ حُلَلِ الكَرَامَةِ يَوْمَ القِيامَةِ ". واعلم أن التعزية هي التصبير، وذكر ما يسلّي صاحب الميت، ويخفّف حزنه، ويهوّن مصيبته، وهي مستحبة، فإنها مشتملة على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر،

стр. 147

وهي داخلة أيضاً في قول الله تعالى: (وَتَعاونُوا على البِرّ والتَّقْوَى) ، [المائدة: ٢] وهذا أحسن ما يُستدلّ به في التعزية. ٤٤٦ - وثبت في الصحيح، أن رسول الله ﷺ قال: " وَاللَّهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْن أخيه ". واعلم أن التعزية مستحبّة قبل الدفن وبعده. قال أصحابنا: يدخل وقت التعزية من حين يموت، ويبقى إلى ثلاثة أيام بعد الدفن. والثلاثة على التقريب لا على التحديد، كذا قاله الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا. قال أصحابنا: ونكره التعزية بعد ثلاثة أيام، لأن التعزية لتسكين قلب المُصاب، والغالب سكون قلبه بعد الثلاثة، فلا يجدّد له الحزن، هكذا قاله الجماهير من أصحابنا. وقال أبو العباس ابن القاص من أصحابنا: لا بأس بالتعزية بعد الثلاثة، بل يبقى أبداً وإن طال الزمان، وحكى هذا أيضاً إمام الحرمين عن بعض أصحابنا، والمختار أنها لا تفعل بعد ثلاثة أيام إلا في صورتين استثناهما أصحابنا أو جماعة منهم، وهما إذا كان المعزِّي أو صاحب المصيبة غائباً حال الدفن، واتفق رجوعه بعد الثلاثة، قال أصحابنا: التعزية بعد الدفن أفضل منها قبله، لأن أهل الميت مشغولون بتجهيزه، ولأن وحشتهم بعد دفنه لفراقه أكثر، هذا إذا لم يرَ منهم جزعاً شديداً، فإن رآه قدّم التعزية ليسكِّنهم، والله تعالى أعلم. [فصل] : ويستحبّ أن يعمَّ بالتعزية جميعَ أهل الميت وأقاربه الكبار والصغار والرجال والنساء، إلا أن تكون امرأةً شابّةً، فلا يعزّيها إلا محارمُها وقال أصحابنا: وتعزيةُ الصلحاء والضعفاء على احتمال المصيبة والصبيان آكد. [فصل] : قال الشافعي وأصحابنا ﵏: يُكره الجلوس للتعزية (١) قالوا: يعني بالجلوس أن يجتمعَ أهلُ الميت في بيت ليقصدَهم مَن أراد التعزية، بل ينبغي أن يَتَصرَّفوا في حوائجهم ولا فرقَ بين الرجال والنساء في كراهة الجلوس لها، صرَّحَ به المحاملي، ونقله عن نصّ الشافعي ﵁، وهذه كراهةُ تنزيه إذا لم يكن معها مُحدَثٌ آخر،

стр. 148

فإن ضُمَّ إليها أمرٌ آخر من البدع المحرمة كما هو الغالب منها في العادة، كان ذلك حراماً من قبائح المحرمات، فإنه مُحَدَث. ٤٤٧ - وثبت في الحديث الصحيح: " إنَّ كلَّ مُحدَثٍ بِدْعة وكلّ بدعةٍ ضَلالة ". [فصل] : وأما لفظةُ التعزية، فلا حجرَ فيه، فبأيّ لفظ عزَّاه حصلت. واستحبَّ أصحابُنا أن يقول في تعزية المسلم للمسلم: أعْظَمَ اللَّهُ أجْرَكَ، وأحْسَنَ عَزَاءَكَ، وَغَفَرَ لمَيِّتِكَ، وفي تعزية المسلم بالكافر: أعظم الله أجرَك، وأحسن عزاءَك. وفي تعزية الكافر بالمسلم: أَحسن الله عزاءك، وغفر لميّتك. وفي الكافر بالكافر: أخلف الله عليك (١) . ٤٤٨ - وأحسن ما يُعزَّى به، ما روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أُسامة بن زيد ﵄ قال: " أرسلتْ إحدى بنات النبيِّ ﷺ إليه تدعوه وتخبره أنّ صبياً لها أو ابناً في الموت، فقال للرسول: ارْجعْ إلَيْها فأخْبرْها أنَّ لِلَّهِ تَعالى ما أخَذَ، وَلَهُ ما أعْطَى، وكل شئ عِنْدَهُ بأجَلٍ مُسَمَّى، فمُرْها فَلْتَصْبرْ وَلْتَحْتَسبْ (٢) ... " وذكر تمام الحديث. قلت: فهذا الحديث من أعظم قواعد الإِسلام، المشتملة على مهمات كثيرة من أصول الدين وفروعه والآداب والصبر على النوازل كلِّها، والهموم والأسقام وغير ذلك من الأعراض، ومعنى: " إنَّ لِلَّهِ تَعالى ما أخذ "، أن العالم كله ملك لله تعالى، فلم يأخذ ما هو لكم، بل أخذ ما هو له عندكم في معنى العارية، ومعنى: " وله ما أعطى " أن ما وهبه لكم ليس خارجاً عن ملكه، بل هو له سبحانه يفعل فيه ما يشاء، " وكل شئ عنده بأجلٍ مسمّى " فلا تجزعوا، فإن من قبضه قد انقضى أجَله المسمى فمُحال تأخره أو تقدمه عنه، فإذا علمتم هذا كله، فاصبروا واحتسبوا ما نزل بكم، والله أعلم. وروينا في كتاب النسائي بإسناد حسن، عن معاوية بن قرّة بن إياس، عن أبيه ﵁. ٤٤٩ - " أن النبي ﷺ فقدَ بعضَ أصحابه، فسأل عنه، فقالوا: يا رسول الله! بُنَيُّهُ الذي رأيته هلك، فلقيه النبيّ ﷺ فسأله عن بنيّه، فأخبره أنه هلك فعزّاه عليه ثم قال:

стр. 149

" يا فُلانُ! أيُّمَا كانَ أحَبَّ إلَيْكَ؟ أَنْ تَمَتَّعَ بِهِ عُمُرَكَ أوْ لا تَأتِي غَداً باباً مِنْ أبْوَابِ الجَنَّةِ إِلاَّ وَجَدْتَهُ قَدْ سَبَقَكَ إِلَيْهِ يَفْتَحُهُ لَكَ؟ " قال: يا نبيّ الله، بل يسبقني إلى الجنة فيفتحها لي أحبّ إليّ، قال: " فَذَلِكَ لَكَ " (١) . وروى البيهقي بإسناده في " مناقب الشافعي " رحمهما الله، أن الشافعي بلغه أن عبد الرحمن بن مهدي ﵀ مات له ابن فجَزعَ عليه عبد الرحمن جزعاً شديداً، فبعثَ إليه الشافعي ﵀: يا أخي عزِّ نفسك بما تَعَزَّى به غيرُك، واستقبحْ من فعلك ما تستقبحُه من فعل غيرك، واعلم أن أمضَّ المصائب فقدُ سرورٍ، وحرمانُ أجر، فكيف إذا اجتمعا مع اكتِساب وزر؟ فتناول حظَّكَ يا أخي إذا قرب منك قبل أن تطلبَه وقد نأى عنك، ألهمك اللَّهُ عند المصائب صبراً، وأحرزَ لنا ولك بالصبر أجراً، وكتب إليه: إنّي مُعَزِّيكَ لا أني على ثِقَةٍ مِنَ الخُلُودِ وَلَكِنْ سُنَّةُ الدّينِ فَمَا المُعَزَّى بِباقٍ بَعْدَ مَيِّتِهِ وَلا المُعَزِّي وَلَوْ عاشا إلى حِينِ وكتبَ رجلٌ إلى بعض إخوانه يعزُّيه بابنه: أما بعد: فإنَّ الولدَ على والده ما عاش حُزْنٌ وفتنة، فإذا قدّمه فصلاة ورحمة، فلا تجزعْ على ما فاتك من حزنه وفتنته، ولا تضيّع ما عوّضك الله عزّوجلّ من صلاته ورحمته. وقال موسى بن المهدي لإِبراهيم بن سالم وعزَّاه بابنه: أسَرَّك وهو بليّة وفتنة، وأحزنَك وهو صلوات ورحمة؟ !. وعزَّى رجل رجلاً فقال: عليك بتقوى الله والصبر، فبه يأخذ المحتسب، وإليه وإليه ": يرجع (٢) الجازع. وعزّى رجل رجلاً فقال: إن من كان لك في الآخرة أجراً، خير ممّن كان لك في الدنيا سروراً. وعن عبد الله بن عمر ﵄، أنه دفن ابناً له وضحك عند قبره، فقيل له:

стр. 150

أتضحك عند القبر؟ قال: أردت أنْ أُرْغِمَ أنف الشيطان (١) . وعن ابن جُرَيْجٍ ﵀ قال: من لم يتعزّ عند مصيبته بالأجر والاحتساب، سَلاَ كما تَسْلُو البهائم. وعن حُميد الأعرج قال: رأيت سعيدَ بن جُبير ﵀ يقول في ابنه ونظر إليه: إني لأعلم خير خلّة فيك، قيل: ما هي؟ قال: يموت فأحتسبه. وعن الحسن البصري ﵀، أن رجلاً جَزِع على ولده، وشكا ذلك إليه، فقال الحسن: كان ابنك يغيب عنك؟ قال: نعم كانت غيبته أكثر من حضوره، قال: فاتركه غائباً، فإنه لم يغبْ عنك، غيبة الأجْرُ لك فيها أعظم من هذه، فقال: يا أبا سعيد! هوَّنت عنّي وجْدي على ابني. وعن بشر بن عبد الله قال: قام عمر بن عبد العزيز على قبر ابنه عبد الملك فقال: رحمك الله يا بنيّ فقد كنت سارّاً مولودا، وبارا ناشئا، وما أحبّ أني دعوتك فأجبتني. وعن مسلمة قال: لما ماتَ عبدُ الملك بن عمر كشفَ أبوه عن وجهه وقال: رحمك الله يا بني، فقد سررت بك يوم بُشِّرْتُ بك، ولقد عمرتَ مسروراً بك، وما أتت عليّ ساعة أنا فيها أسرّ من ساعتي هذه، أما والله إن كنتَ لتدعو أباك إلى الجنة. قال أبو الحسن المدائني: دخل عمر بن عبد العزيز على ابنه في وجعه فقال: يا بني كيف تجدك؟ قال: أجدني في الحقّ، قال: يا بنيّ لأن تكون في ميزاني أحَبَّ إِليَّ مِنْ أن أكون في ميزانك، فقال: يا أبتِ لأن يكون ما تُحبُّ أحَبَّ إِليَّ مِنْ أن يكون ما أحب. وعن جُويرية بن أسماء عن عمّه أن إخوة ثلاثة شهدوا يوم تُسْتَرَ فاسْتشهدوا، فخرجتْ أُمُّهم يوما إلى السوق لبعض شأنها، فتلقاها رجلٌ حضرَ تُسْتَرَ، فعرفتْه، فسألته عن أمور بَنِيها، فقال: اسْتُشهدوا، فقالت: مُقبلين، أو مُدبرين، قال: مُقبلين، قالت: الحمد لله، نالوا الفوزَ، وحاطوا الذِّمار، بنفسي هم وأبي وأمي. قلت: الذِّمار بكسر الذال المعجمة، وهم أهل الرجال وغيرهم مما يحقّ عليه أن يحميه، وقولها: حاطوا: أي: حفظوا وراعوا.

стр. 151

ومات ابن الإِمام الشافعي ﵁ فأنشدَ: وما الدّهرُ إِلاّ هكذا فاصْطبرْ لهُ * * رزِيَّةُ مالٍ أو فِراقُ حَبِيب قال أبو الحسن المدائني: مات الحسنُ والدُ عبيد الله بن الحسن، وعبيدُ الله يومئذ قاضي البصرة وأميرُها، فكثر من يعزّيه، فذكروا ما يتبيّنُ به جزعُ الرجل من صبره، فأجمعوا على أنه إذا ترك شيئاً كان يصنعه فقد جزع. قلت: والآثار في هذا الباب كثيرة، وإنما ذكرت هذه الأحرف لئلا يخلو هذا الكتاب من الإِشارة إلى طرف من ذلك، والله أعلم. [فصل] : في الإِشارة إلى بعض ما جرى من الطواعين في الإِسلام: والمقصود بذكره هنا التصبّر والتأسي بغيره، وأن مصيبة الإِنسان قليلة بالنسبة إلى ما جرى على غيره. قال أبو الحسن المدائني: " كانت الطواعين المشهورة العظام في الإِسلام خمسة: طاعون شيرويه (١) بالمدائن في عهد رسول الله ﷺ سنة ستّ من الهجرة، ثم طاعون عمواس في زمن عمر بن الخطاب ﵁ كان بالشام، مات فيه خمسة وعشرون ألفاً، ثم طاعون في زمن ابن الزبير في شوّال سنة تسع وستين مات في ثلاثة أيام في كلّ يوم سبعون ألفاً، مات فيه لأنس بن مالك ﵁ ثلاثة وثمانون ابناً، وقيل: ثلاثة وسبعون ابناً، ومات لعبد الرحمن بن أبي بكرة أربعون ابناً، ثم طاعون الفتيات في شوّال سنة سبع وثمانين، ثم طاعون سنة إحدى وثلاثين ومائة في رجب، واشتدّ في رمضان، وكان يُحصى في سكة المِربد في كل يوم ألف جنازة، ثم خفّ في شوّال. وكان بالكوفة طاعون سنة خمسين، وفيه توفي المغيرة بن شعبة. هذا آخر كلام المدائني. وذكر ابن قُتيبة في كتابه " المعارف " عن الأصمعي في عدد الطواعين نحو هذا، وفيه زيادة ونقص. قال: وسمي طاعون الفتيات، لأنه بدأ في العذارى بالبصرة، وواسط، والشام، والكوفة، ويقال له: طاعون الأشراف، لِما مات فيه من الأشراف. قال: ولم يقع بالمدينة ولا مكة طاعون قطّ. وهذا الباب واسع، وفيما ذكرته تنبيهٌ على ما تركته، وقد ذكرتُ هذا الفصل أبسط من هذا في أوّل " شرح صحيح مسلم " ﵀، وبالله التوفيق.

стр. 152

(بابُ جَواز إعلامِ أصحاب الميّتِ وقرابتِه بموتِه وكراهةِ النَّعي) ٤٥٠ - روينا في كتاب الترمذي، وابن ماجه، عن حذيفة ﵁ قال: إذا مِتُّ فلا تُؤذنوا (١) بي أحداً، إني أخاف أن يكون نعياً، فإني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن النعي (٢) . قال الترمذي: حديث حسن. ٤٥١ - وروينا في كتاب الترمذي، عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: " إيَّاكُمْ وَالنَّعْيَ، فإنَّ النَّعْيَ مِنْ عَمَلِ الجاهِلِيَّةِ ". وفي رواية عن عبد الله ولم يرفعه. قال الترمذي: هذا أصحّ من المرفوع، وضعَّف الترمذي الروايتين. ٤٥٢ - وروينا في " الصحيحين " أن رسولَ الله ﷺ نعى النجاشي إلى أصحابه. ٤٥٣ - وروينا في " الصحيحين " أن النبيّ ﷺ قال في ميت دفنوه بالليل ولم يعلم به: " أفلا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ؟ ". قال العلماء المحققون والأكثرون من أصحابنا وغيرهم: يُستحبّ إعلامُ أهل الميت وقرابته وأصدقائه لهذين الحديثين قالوا: النعيُ المنهي عنه إنما هو نعي الجاهلية، وكان من عادتهم إذا مات منهم شريفٌ بعثوا راكباً إلى القبائل يقول: نعايا فلان، أو يا نعايا العرب: أي: هلكت العرب بمهلك فلان، ويكون مع النعي ضجيج وبكاء. وذكر صاحب " الحاوي " وجهين لأصحابنا في استحباب الإِيذان بالميت وإشاعة موته بالنداء والإِعلام، فاستحبّ ذلك بعضهُم للميت الغريب والقريب، لما فيه من كثرة المصلّين عليه والدّاعين له. وقال بعضُهم: يُستحبّ ذلك للغريب، ولا يُستحبّ لغيره. قلت: والمختار استحبابه مطلقاً إذا كان مجرّد إعلام. (بابُ ما يُقالُ في حَالِ غَسْلِ الميّتِ وتَكفِينه) يُستحبّ الإِكثار من ذكر الله تعالى والدعاء للميت في حال غسله وتكفينه. قال أصحابنا: وإذا رأى الغاسلُ من الميّت ما يُعجبه: من استنارة وجهه، وطيب ريحه، ونحو ذلك، استُحبَّ له أن يحدّثَ الناسَ بذلك، وإذا رأى ما يَكره: من سوادِ وجه، ونتن رائحته، وتغيّر عضو، وانقلاب صورة، ونحو ذلك، حرّم عليه أن يحدّث أحداً به. ٤٥٤ - واحتجوا بما رويناه في سنن أبي داود، والترمذي، عن ابن عمر رضي الله

стр. 153

عنهما أن رسول الله ﷺ قال: " اذْكُرُوا مَحَاسِنَ مَوْتاكُمْ وكُفُّوا عَنْ مَساوِيهِمْ " (١) ضعفه الترمذي. ٤٥٥ - وروينا في " السنن الكبير " للبيهقي، عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ ، أن رسول الله ﷺ قال: " مَنْ غَسَّلَ مَيِّتاً فَكَتَمَ عَلَيْهِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ أرْبَعِينَ مَرَّةً ". ورواه الحاكم أبو عبد الله في " المستدرك " على " الصحيحين "، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم (٢) ، ثم إن جماهير أصحابنا أطلقوا المسألة كما ذكرته. وقال أبو الخير اليمني صاحب " البيان " منهم: لو كان الميت مبتدعاً مظهراً للبدعة، ورأى الغاسلُ منه ما يكره، فالذي يقتضيه القياس أن يتحدّث به في الناس ليكونَ ذلك زجراً للناس عن البدعة. وهو حديث حسن بشواهده (باب الأذكار الصَّلاة على الميّت) اعلم أن الصلاة على الميت فرض كفاية، وكذلك غسله وتكفينه ودفنه، وهذا كلُّه مجمع عليه. وفيما يسقط به فرض الصلاة أربعة أوجه: أصحّها عند أكثر أصحابنا: يسقط بصلاة رجل واحد، والثاني: يُشترط اثنان، والثالث: ثلاثة، والرابع: أربعة: سواء صلُّوا جماعة أو فُرادى. وأما كيفية هذه الصلاة، فهي أن يكبرَ أربعَ تكبيرات ولا بُدَّ منها، فإن أخلَّ بواحدة، لم تصحّ صلاته، وإن زاد خامسة، ففي بطلان صلاته وجهان لأصحابنا، الأصحّ: لا تبطل (٣) ، ولو كان مأموماً فكبَّر إمامُه خامسة، فإن قلنا: إن الخامسة تبطل الصلاة، فارقه المأموم، كما لو قام إلى ركعة خامسة، وإن قلنا بالأصحّ: أنها لا تبطل، لم يفارقه، ولم يتابعه على الصحيح المشهور، وفيه وجه ضعيف لبعض أصحابنا، أنه يتابعه، فإذا قلنا بالمذهب الصحيح: أنه لا يتابعه، فهل ينتظره ليسلّم معه، أم يسلّم في الحال؟ فيه وجهان، الأصحّ: ينتظره، وقد أوضحتُ هذا كلَّه بشرحه ودلائله في " شرح المهذّب ". ويستحبّ أن يرفعَ اليد مع كل تكبيرة (٤) . وأما صفة التكبير وما يستحبّ فيه، وما يبطله، وغير ذلك من فروعه، فعلى ما قدمته في " باب صفة الصلاة " وأذكارها. وأما الأذكارُ التي تُقال في صلاة الجنازة بين التكبيرات، فيقرأ بعد التكبيرة الأولى الفاتحة، وبعد الثانية يُصلِّي على النبي ﷺ ، وبعد الثالثة: يدعو للميت، والواجب منه ما

стр. 154

يقع عليه اسم الدعاء، وأما الرابعة، فلا يجب بعدها ذكر أصلاً، ولكن يُستحبّ ما سأذكره إن شاء الله تعالى. واختلف أصحابنا في استحباب التعوّذ، ودعاء الافتتاح عُقيب التكبيرة الأولى قبل الفاتحة، وفي قراءة السورة بعد الفاتحة على ثلاثة أوجه. أحدُها: يستحبّ الجميع، والثاني: لا يُستحبّ، والثالث وهو الأصحّ: أنه يُستحبّ التعوّذ دون الافتتاح والسورة. واتفقوا على أنه يُستحبّ التأمين عقيب الفاتحة. ٤٥٦ - وروينا في " صحيح البخاري " عن ابن عباس ﵄، نه صلى على جنازة، فقرأ فاتحة الكتاب وقال: لتعلموا أنها سنّة. وقوله: سنّة، في معنى قول الصحابي: من السّة كذا وكذا. جاء في " سنن أبي داود " قال: إنها من السنّة، فيكون مرفوعاً إلى رسول الله ﷺ على ما تقرّر وعُرف في كتب الحديث والأصول. قال أصحابنا: والسنّة في قراءتها الإِسرار دون الجهر، سواء صُلِّيت ليلاً أو نهاراً، هذا هو المذهب الصحيح المشهور الذي قاله جماهير أصحابنا. وقال جماعة منهم: إن كانت الصلاة في النهار أسرّ، وإن كانت في الليل جهر. وأما التكبيرة الثانية، فأقلّ الواجب عقيبها أن يقول: اللَّهُمَّ صَلّ على مُحَمَّدٍ. ويُستحبّ أن يقول: وعلى آلِ مُحَمَّدٍ، ولا يجب ذلك عند جماهير أصحابنا. وقال بعض أصحابنا: يجب، وهو شاذّ ضعيف، ويُستحبّ أن يدعوَ فيها للمؤمنين والمؤمنات إن اتسع الوقت له، نصّ عليه الشافعي، واتفق عليه الأصحاب، ونقل المزني (١) عن الشافعي، أنه يُستحبّ أيضاً أن يحمد الله ، وقال باستحبابه جماعة من الأصحاب، وأنكره جمهورهم، فإذا قلنا باستحبابه، بدأ بالحمد لله، ثم بالصلاة على النبي ﷺ ، ثم يدعو للمؤمنين والمؤمنات، فلو خالف هذا الترتيب، جاز، وكان تاركاً للأفضل. وجاءت أحاديث بالصلاة على رسول الله ﷺ ٤٥٧ - رويناها في " سنن البيهقي "، ولكني قصدتُ اقتصار هذا الباب، إذ موضعُ بسطه كتب الفقه، وقد أو ضحته في " شرح المهذب. "

стр. 155

وأما التكبيرة الثالثة، فيجب فيها الدعاء للميت، وأقلُّه ما ينطلق عليه الاسم، كقولك: ﵀، أو غفر الله له، أو اللهمَّ اغفرْ له، أو ارحمه، أو الطفْ به، ونحو ذلك. وأما المستحبّ فجاءت فيه أحاديث وآثار. ٤٥٨ - فأما الأحاديث، فأصحّها ما رويناه في " صحيح مسلم " عن عوف بن مالك ﵁ قال: صلّى رسول الله ﷺ على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ، وَعافِهِ، وَاعْفُ عَنْهُ، وأكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بالمَاءِ والثَّلْجِ وَالبَرَدِ، ونَقِّهِ منَ الخَطايا كما نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وأبْدِلْهُ دَاراً خَيْراً مِنْ دَارِهِ، وَأهْلاً خَيْراً مِنْ أهْلِهِ، وَزَوْجاً خَيْراً مِنْ زَوْجِهِ، وأدْخِلْهُ الجَنَّةَ، وأعِذْهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ أو مِنْ عَذَابِ النَّارِ " حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت. وفي رواية لمسلم: " وَقِهِ فتْنَةَ القَبْرِ وَعَذَابَ النَّارِ ". ٤٥٩ - وروينا في سنن أبي داود، والترمذي، والبيهقي، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه صلّى على جنازة، فقال: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنا وَمَيِّتِنا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرنا، وَذَكَرِنا وأُنْثانا، وشَاهِدِنا وغائِبِنا، اللَّهُمَّ مَنْ أحْيَيْتَه مِنَّا فأحْيِهِ على الإِسْلامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ على الإِيمان، اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنا أجْرَهُ وَلاَ تَفْتِنَّا بَعْدَهُ ". قال الحاكم أبو عبد الله: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم (١) ". ورويناه في " سنن البيهقي " وغيره، من رواية أبي قتادة: وروينا [هـ] في كتاب الترمذي، من رواية أبي إبراهيم الأشهلي (٢) عن أبيه، وأبوه صحابي، عن النبي ﷺ ، قال الترمذي: قال محمد بن إسماعيل - يعني البخاري - أصحُّ الروايات في حديث: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنا وَمَيِّتِنا "، رواية أبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه. قال البخاري: وأصحُّ شئ في الباب، حديث عوف بن مالك. ووقع من رواية أبي داود: " فأحْيِهِ على الإِيمَانِ، وَتَفَّهُ على الإِسْلامِ ". والمشهور في معظم كتب الحديث، " فأحْيِهِ على الإِسْلامِ، وَتَوَفَّهُ على الإِيمَانِ " كما قدّمناه.

стр. 156

٤٦٠ - وروينا في سنن أبي داود، وابن ماجه، عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعتُ رسولُ الله ﵌ يقول: " إذا صَلَّيْتُمْ على المَيِّتِ فأخْلِصُوا لَهُ الدُّعاءَ " (١) . ٤٦١ - وروينا في " سنن أبي داود " عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ في الصلاة على الجنازة: " اللَّهُمَّ أنْتَ رَبُّهَا، وأنْتَ خَلَقْتَها، وأنْتَ هَدَيْتَهَا للإِسْلام، وأنْتَ قَبَضْتَ رُوحَها، وأنْتَ أعْلَمُ بِسِرّها وَعَلانِيَتِهَا، جِئْنا شُفَعاءَ فاغْفِرْ لَهُ " (٢) . ٤٦٢ - وروينا في سنن أبي داود، وابن ماجه، عن واثلةَ بن الأسقع ﵁، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ على رجل من المسلمين، فسمعته يقول: " اللَّهُمَّ إنَّ فُلانَ بن فُلانَة فِي ذِمَّتِكَ وحبل جوارك، فَقِهِ فِتْنَةَ القَبْر وَعَذَاب النَّارِ، وأنْتَ أهْلُ الوَفاءِ وَالحَمْدِ فاغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ " (٣) . واختار الإِمام الشافعي ﵀ دعاءً التقطه من مجموع هذه الأحاديث وغيرها (٤) فقال: يقول: اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ، خَرَجَ مِنْ رَوْحِ الدُّنْيا وسعتها، ومحبوبه وأحبائه فيها، إلى ظُلْمَةِ القَبْرِ ومَا هُوَ لاقيهِ، كانَ يَشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ أنْتَ، وأنَّ مُحَمَّداً عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، وأنْتَ أعْلَمُ بِهِ، اللَّهُمَّ إنَّهُ نَزَلَ بِكَ وأنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ به، وأصْبَحَ فَقيراً إلى رَحْمَتِكَ، وأنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ، وَقَدْ جِئْنَاكَ رَاغِبِينَ إليك، شُفَعَاءَ لَهُ، اللَّهُمَّ إنْ كَانَ مُحْسِناً فَزِدْ في إِحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئاً فَتَجاوَزْ عنه، وآته بِرَحْمَتِكَ رِضَاكَ، وَقِهِ فِتْنَةَ القَبْرِ وَعَذَابَهُ، وَافْسحْ لَهُ في قَبْرِهِ، وَجافِ الأرْضَ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَلَقِّهِ بِرَحْمَتِكَ الأمْنَ مِنْ عَذَابِكَ حتَّى تَبْعَثَهُ إلى جَنَّتِكَ يا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، هذا نصّ الشافعي في مختصر المزني رحمهما الله. قال أصحابنا: فإن كان الميت طفلاً دعا لأبويه فقال: " اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَهُما فَرَطاً، واجْعَلْهُ لَهُما سَلَفاً، واجْعَلْهُ لَهُما ذُخْراً (٥) ، وَثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُما، وأفرغ الصبر على

стр. 157

قُلوبِهِما، وَلا تَفْتِنْهُما بَعْدَهُ، وَلا تَحْرِمْهُما أجْرَهُ ". هذا لفظ ما ذكره أبو عبد الله الزبيري من أصحابنا في كتابه " الكافي "، وقاله الباقون بمعناه، وبنحوه قالوا: ويقول معه: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنا وَمَيِّتِنا ... " إلى آخره. قال الزبيري: فإن كانتْ امرأةً قال: " اللَّهُمَّ هَذِهِ أَمَتُكَ "، ثم يُنَسِّقُ الكلام، والله أعلم. وأما التكبيرة الرابعة، فلا يجبُ بعدها ذكْرٌ بالاتفاق، ولكن يُستحبّ أن يقول ما نصّ عليه الشافعي ﵀ في كتاب البويطي، قال: يقول في الرابعة: اللَّهُمَّ لاَ تَحْرِمْنا أجْرَهُ وَلا تَفْتِنّا بَعْدَهُ. قال أبو عليّ بن أبي هريرة من أصحابنا: كان المتقدمون يقولون في الرابعة: (رَبَّنا آتنا في الدُّنْيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار) . قال: وليس ذلك بمحكيّ عن الشافعي، فإن فعله كان حسناً. قلت: يكفي في حسنه ما قد قدّمناه في حديث أنس في باب دعاء الكرب، والله أعلم. ٤٦٣ - قلتُ: ويُحتجّ للدعاء في الرابعة بما روينا في " السنن الكبرى " للبيهقي، عن عبد الله بن أبي أوفى ﵄، أنه كبّر على جنازة ابنه له أربع تكبيرات، فقام بعد الرابعة كقدر ما بين التكبيرتين يستغفر لها ويدعو، ثم قال: كان رسول الله ﷺ يصنع هكذا (١) ". وفي رواية: كبَّرَ أربعاً فمكثَ ساعةً حتى ظننا أنه سيكبّر خمساً ثم سلَّم عن يمينه وعن شماله، فلما انصرف قلنا له: ما هذا؟ فقال: إني لا أزيدكم على ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ يصنعُ، أو هكذا صنعَ رسولُ الله ﷺ . قال الحاكم أبو عبد الله: هذا حديث صحيح (٢) . [فصل] : وإذا فرغَ من التكبيرات وأذكارها، سلَّمَ تسليمتين كسائر الصلوات، لما ذكرناه من حديث عبد الله بن أبي أوفى، وحكم السلام على ما ذكرناه في التسليم في

стр. 158

سائر الصلوات، هذا هو المذهب الصحيح المختار، ولنا فيه هنا خلاف ضعيف تركته لعدم الحاجة إليه في هذا الكتاب. ولو جاء مسبوقٌ فأدرك الإِمامَ في بعض الصلاة، أحرمَ معه في الحال، وقرأ الفاتحة ثم ما بعدها على ترتيب نفسه، ولا يُوافق الإِمام فيما يقرؤه، فإن كبَّرَ، ثم كبَّرَ الإِمامُ التكبيرة الأخرى قبل أن يتمكن المأموم من الذكر، سقطَ عنه كما تسقط القراءةُ عن المسبوق في سائر الصلوات، وإذا سلَّمَ الإِمامُ وقد بقي على المسبوق في الجنازة بعضُ التكبيرات، لزمه أن يأتي بها مع أذكارها على الترتيب، هذا هو المذهبُ الصحيح المشهور عندنا. ولنا قولٌ ضعيفٌ إنه يأتي بالتكبيرات الباقيات متواليات بغير ذكر، والله أعلم. (بابُ ما يقولُه الماشي مع الجَنَازة) يُستحبّ له أن يكون مشتغلاً بذكر الله تعالى، والفكر فيما يلقاه الميت، وما يكون مصيرُه، وحاصلُ ما كان فيه، وأن هذا آخرُ الدنيا ومصيرُ أهلها، وليحذرْ كلَّ الحذرِ من الحديث بما لا فائدةَ فيه، فإن هذا وقتُ فِكر وذكر تقبحُ فيه الغفلةُ واللهو والاشتغال بالحديث الفارغ، فإن الكلامَ بما لا فائدة فيه منهيٌّ عنه في جميع الأحوال، فكيف هذا الحال. واعلم أن الصوابَ المختارَ ما كان عليه السلفُ ﵃: السكوتُ في حال السير مع الجنازة، فلا يُرفع صوتا بقراءة، ولا ذكر، ولا غير ذلك، والحكمة فيه ظاهرة، وهي أنه أسكنُ لخاطره، وأجمعُ لفكره فيما يتعلق بالجنازة، وهو المطلوبُ في هذا الحال، فهذا هو الحقّ، ولا تغترّنّ بكثرة من يُخالفه، فقد قال أبو عليّ الفُضيل بن عِياض ﵁ ما معناه: الزمْ طرقَ الهدَى، ولا يضرُّكَ قلّةُ السالكين، وإياك وطرقَ الضلالة، ولا تغترَّ بكثرة الهالكين. ٤٦٤ - وقد روينا في " سنن البيهقي " ما يقتضي ما قلته " (١) . وأما ما يفعله الجهلةُ من القراءة على الجنازة بدمشق وغيرها من القراءة بالتمطيط، وإخراج الكلام عن موضوعه، فحرام بإجماع العلماء، وقد أوضحت قبحه، وغلظ تحريمه، وفسق من تمكّن من إنكاره، فلم ينكره في كتاب " آداب القرّاء " والله المستعان، وبه النوفيق.

стр. 159

(بابُ ما يقولُه مَنْ مرَّتْ به جنازة أو رآها) يُستحبّ أن يقول: سُبْحانَ الحَيِّ الَّذي لاَ يَمُوتُ. وقال القاضي الإمام أبو المحاسن الروياني من أصحابنا في كتابه " البحر ": يُستحبّ أن يدعوَ ويقول: لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ الحَيّ الَّذي لاَ يَمُوتُ، فيستحبّ أن يدعوَ لها ويثني عليها بالخير إن كانت أهلاً للثناء، ولا يُجازف في ثنائه. (بابُ ما يقولُه مَن يُدْخِلْ الميّتَ قبرَه) ٤٦٥ - روينا في سنن أبي داود، والترمذي، والبيهقي، وغيرها، عن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ كان إذا وضع الميت في القبر قالَ: " بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلى سُنَّة رَسُولِ الله ﷺ ". قال الترمذي: حديث حسن. قال الشافعي والأصحاب رحمهم الله: يُستحبّ أن يدعو للميت مع هذا. ومن حسن الدعاء، ما نصّ عليه الشافعي ﵀ في مختصر المزني قال: يقول الذين يدخلونه القبر: اللَّهُمَّ أسْلَمَهُ إلَيْكَ الأشحاء مِنْ أهْلِهِ وَوَلَدِهِ، وَقَرابَتِهِ وَإِخْوَانِهِ، وَفَارَقَ مَنْ كَانَ يُحِبُّ قُرْبَهُ، وَخَرَجَ مِنْ سَعَةِ الدُّنْيا وَالحَياةِ إلى ظُلْمَةِ القَبْرِ وَضِيقِهِ، وَنَزَلَ بِكَ وأنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ، إنْ عاقَبْتَهُ فَبِذَنْبٍ، وإنْ عَفَوتَ عَنْهُ فأنْتَ أهْلُ العَفْوِ، أنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ، وَهُوَ فَقِيرٌ إلى رَحْمَتِكَ، اللَّهُمَّ اشْكُرْ حَسَنَتَهُ، وَاغْفِرْ سَيِّئَتَهُ، وأعِذْهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَاجْمَعْ لَهُ بِرَحْمَتِكَ الأمْنَ منْ عَذَابِكَ، واكْفِهِ كل هَوْلٍ دُونَ الجَنَّةِ، اللَّهُمَّ اخْلُفْهُ فِي تَرِكَتِهِ فِي الغابِرِينَ، وَارْفَعْهُ فِي عِلِّيِّينَ، وَعْدْ عَلَيْهِ بِفَضْلِ رَحْمَتِكَ يا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ". (بابُ ما يقولُه بعدَ الدَّفْن) ٤٦٦ - السنّة لمن كان على القبر أن يحثي في القبر ثلاث حثيات بيديه جميعاً من قِبل رأسه. قال جماعة من أصحابنا: يُستحبّ أن يقول في الحثية الأولى: (مِنْها خَلَقْناكُم) وفي الثانية: (وفِيها نُعِيدُكُمْ) وفي الثالثة: (وَمِنْها نُخرِجُكُمْ تارَةً أُخْرَى) [طه: ٥٦] ويُستحبّ أن يقعد عنده بعد الفراغ ساعة قدر ما يُنحر جزور ويُقسم لحمُها، ويشتغل القاعدون بتلاوة القرآن، والدعاء للميت، والوعظ، وحكايات أهل الخير، وأخبار الصالحين. ٤٦٧ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن عليٍّ ﵁، قال: " كنّا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسولُ الله ﷺ ، فقعدَ وقعدنا حولَه ومعه مِخصَرَة " (١) ،

стр. 160

فنكسَ، وجعلَ ينكتُ (١) بمخصرته، ثم قال: ما مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إِلاَّ قَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ، فقالوا: يارسول الله أفلا نتكلُ على كتابنا؟ فقال: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ... " وذكر تمام الحديث. ٤٦٨ - وروينا في " صحيح مسلم " عن عمرو بن العاص ﵁ قال: إذا دفنتموني أقيموا حول قبري قدر ما يُنحر جزور، ويقسم لحمها حتى أستأنسَ بكم، وأنظرَ ماذا أراجعُ به رسلَ ربي. ٤٦٩ - وروينا في " سنن أبي داود " والبيهقي بإسناد حسن، عن عثمان ﵁، قال: كان النبيُّ ﷺ إذا فرغَ من دفن الميت، وقفَ عليه فقال: " اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ، وسألوا الله لَهُ التَّثْبِيتَ فإنَّهُ الآنَ يُسْألُ ". قال الشافعي والأصحاب: يُستحبّ أن يقرؤوا عنده شيئاً من القرآن، قالوا: فإن ختموا القرآن كلَّه كان حسناً. ٤٧٠ - وروينا في " سنن البيهقي " بإسناد حسن، أن ابن عمر استحبَّ أن يقرأ على القبر بعد الدفن أوّل سورة البقرة وخاتمتها. [فصل] : وأما تلقينُ الميّت بعد الدفن، فقد قال جماعة كثيرون من أصحابنا باستحبابه، وممّن نصَّ على استحبابه: القاضي حسين في تعليقه، وصاحبه أبو سعد المتولي في كتابه " التتمة "، والشيخ الإِمام الزاهد أبو الفتح نصر بن إبراهيم بن نصر المقدسي، والإِمام أبو القاسم الرافعي وغيرهم، ونقله القاضي حسين عن الأصحاب. وأما لفظه فقال الشيخ نصر: إذا فرغ من دفنه يقف عند رأسه ويقول: يا فلان بن فلان، اذكر العهد الذي خرجتَ عليه من الدنيا: شهادة أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه وحدَه لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الساعة آتيةٌ لا ريب فيها، وأن الله ببعث مَن في القبور، قل رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيّاً، وبالكعبة قبلة، وبالقرآن إماماً، وبالمسلمين إخواناً، ربّي الله، لا إِلهَ إِلا هو، وهو رَبّ العَرْشِ العَظِيمِ، هذا لفظ الشيخ نصر المقدسي في كتابه " التهذيب "، ولفظ الباقين بنحوه، وفي لفظ بعضهم نقص عنه، ثم منهم مَن يقول: يا عبد الله ابن أمة الله، ومنهم مَن يقول: يا عبد الله بن حوّاء، ومنهم من يقول: يا فلان - باسمه - ابن أمة الله، أو يا فلان بن حوّاء، وكله بمعنى.

стр. 161

وسئل الشيخ الإِمام أبو عمر بن الصلاح ﵀ عن هذا التلقين، فقال في فتاويه: التلقين هو الذي نختاره ونعمل به، وذكره جماعة من أصحابنا الخراسانيين قال: ٤٧١ - وقد روينا فيه حديثاً من حديث أبي أمامة ليس بالقائم إسناده " (١) ، قال الحافظ بعد تخريجه: هذا حديث غريب، وسند الحديث من الطريقين ضعيف جداً ولكن اعتضد بشواهد، وبعمل أهل الشام به قديماً. قال: وأما تلقين الطفل الرضيع، فما له مُستند يُعتمد، ولا نراه، والله أعلم. قلتُ: الصواب: أنه لا يلقن الصغير مطلقاً، سواء كان رضيعاً أو أكبر منه ما لم يبلغ ويصير مكلفاً، والله أعلم. (بابُ وصيّةِ الميّتِ أنّ يُصلِّيَ عليه إنسانٌ بعينه، أو أن يُدفن على صفةٍ مخصوصةٍ وفي مَوْضعٍ مَخصوص، وكذلك الكفنُ وغيرُه من أمورِه التي تُفعل والتي لا تُفعل) ٤٧٢ - روينا في " صحيح البخاري " عن عائشة ﵂ قالت: دخلت على أبي بكر ﵁ يعني: وهو مريض، فقال: في كم كفّنتم النبيّ ﷺ ؟ فقلت: في ثلاثة أثواب، قال: في أيّ يوم تُوفي رسول الله ﷺ ؟ قالت: يوم الاثنين، قال: فأيّ يوم هذا؟ قالت يوم الاثنين، قال: أرجو فيما بيني وبين الليل، فنظر إلى ثوب عليه كان يمرّض فيه، به رَدْع من زعفران، فقال: اغسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه ثوبين، فكفِّنوني فيها، قلت: إن هذا خَلَق، قال: إن الحيّ أحقُّ بالجديد من الميت، إنما هو للمهلة، فلم يتوفّ حتى أمسى من ليلة الثلاثاء. ودُفن قَبْلَ أنْ يُصبحَ. قلت: قولها رَدْع، بفتح الراء وإسكان الدال وبالعين المهملات: وهو الأثر. وقوله للمهلة، روي بضم الميم وفتحها وكسرها ثلاث لغات، والهاء ساكنة: وهو الصديد الذي يتحلّل من بدن الميت. ٤٧٣ - وروينا في " صحيح البخاري " أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لما جُرِحَ: إذا أنا قُبِضتُ فاحملوني، وقولوا: يستأذنُ عمر، فإن أذنتْ لي - يعني عائشةَ - فأدخلوني، وإن ردّتني فردّوني إلى مقابر المُسْلِمِينَ. ٤٧٤ - وروينا في " صحيح مسلم " عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، قال: قال سعد: الحدوا لي لحداً، وانصبوا عليَّ اللبنَ نصباً كما صُنع برسول الله ﷺ . وروينا في " صحيح مسلم " عن عمرو بن العاص ﵁ أنه قال وهو في سياقة الموت: إذا أنا متّ فلا تصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني، فشنّوا عليَّ التراب شنا،

стр. 162

ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور، ويقسم لحمها أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي. قلت: قوله: شنوا، روي بالسين المهملة وبالمعجمة، ومعناه: صبّوه قليلاً قليلاً. وروينا في هذا المعنى حديث حذيفة المتقدم في " باب إعلام أصحاب الميت بموته "، وغير ذلك من الأحاديث، وفيما ذكرناه كفاية وبالله التوفيق. قلت: وينبغي أن لا يقلد الميتُ ويتابع في كلّ ما وصَّى به، بل يُعرض ذلك على أهل العلم، فما أباحوه فعل، وما لا فلا. وأنا أذكر من ذلك أمثلة، فإذا أوصى بأن يدفن في موضع من مقابر بلدته، وذلك الموضع معدن الأخيار، فينبغي أن يُحافظ على وصيته، وإذا أوصى بأن يُصلِّي عليه أجنبي، فهل يُقَدَّم في الصلاة على أقارب الميت؟ فيه خلاف للعلماء، والصحيح في مذهبنا: أن القريب أولى، لكن إن كان الموصَى له ممّن يُنسب إلى الصلاح أو البراعة في العلم مع الصيانة والذكر الحسن، استحبّ للقريب الذي ليس هو في مثل حاله إيثار رعاية لحقّ الميت، وإذا أوصى بأن يُدفن في تابوت، لم تنفذ وصيته إلا أن تكون الأرض رخوة أو نديّة يحتاج فيها إليه، فتُنفذ وصيّته فيه، ويكون من رأس المال كالكفن. وإذا أوصى بأن يُنقل إلى بلد آخر، لا تنفّذ وصيّته، فإن النقلّ حرامٌ على المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون، وصرّح به المحققون، وقيل: مكروه. قال الشافعي ﵀: إلا أن يكون بقرب مكة، أو المدينة، أو بيت المقدس، فيُنقل إليها لبركتها. وإذا أوصى بأن يُدفَن تحته مِضربة، أو مخدة تحتَ رأسه، أو نحو ذلك، لم تُنفذ وصيّته. وكذا إذا أوصى بأن يُكفَّن في حرير، فإن تكفينَ الرجال في الحرير حرام، وتكفينُ النساء فيه مكروهٌ، وليس بحرام، والخنثى في هذا كالرجل. ولو أوصى بأن يُكَفَّن فيما زاد على عدد الكفن المشروع، أو في ثوب لا يَستر البدن لا تنفذ وصيّته. ولو أوصى بأن يُقرأ عند قبره، أو يُتصدّق عنه، وغير ذلك من أنواع القرب، نفذت وصية إلا أن يقترن بها ما يمنع الشرع منها بسببه. ولو أوصى بأن تُؤَخَّرَ جنازته زائداً على المشروع، لم تنفذ. ولو أوصى بأن يُبنى عليه في مقبرة مسبَّلة للمسلمين، لم تنفّذ وصيته، بل ذلك حرام. (بابُ ما ينفعُ الميّتَ من قَوْل غيره) أجمع العلماء على أن الدعاء للأموات ينفعهم، ويَصلُهم ثوابه. واحتجوا بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ جاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإِخْوَانِنا الَّذين سَبَقُونا

стр. 163

بالإِيمَانِ) [الحشر: ١٠] وغير ذلك من الآيات المشهورة بمعناها، وفي الأحاديث المشهورة كقوله ﷺ : ٤٧٥ - " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأهْلِ بَقِيعِ الغَرْقَدِ "، وكقوله ﷺ : " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لحينا وميتنا " وغير ذلك. واختلف العلماء في وصول ثواب قراءة القرآن، فالمشهور من مذهب الشافعي وجماعة، أنه لا يَصل. وذهب أحمدُ بن حنبل وجماعةٌ من العلماء، وجماعة من أصحاب الشافعي، إلى أنه يصل، فالاختيار أن يقول القارئ بعد فراغه: اللهمّ أوصلْ ثوابَ ما قرأته إلى فلان، والله أعلم. ويُستحبّ الثناء على الميت وذكر محاسنه. ٤٧٦ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أنس ﵁، قال: مرّوا بجنازة فأثنوا عليها خيراً، فقال النبيّ ﷺ : " وَجَبَتْ "، ثم مرّوا بأخرى، فأثنوا عليها شرّاً، فقال: " وَجَبَتْ "، فقال عمر بن الخطاب ﵁: ما وجبت؟ قال: " هَذَا أثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرَاً فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَهَذَا أثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرّاً فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّه في الأرْضِ ". ٤٧٧ - وروينا في " صحيح البخاري " عن أبي الأسود، قال: قدمتُ المدينةَ، فجلستُ إلى عمرَ بن الخطاب ﵁، فمرّتْ بهم جنازة، فأُثني على صاحبها خيرٌ، فقال عمر: وجبتْ، ثم مُرّ بأخرى، فأُثني على صاحبها خيرٌ، فقال عمر: وجبتْ، ثم مُرّ بالثالثة، فأُثني على صاحبها شرٌّ، فقالَ عمرُ: وجبتْ، قال أبو الأسود: فقلت: وما وجبت يا أميرَ المؤمنين؟ قال: قلتُ كما قال النبيّ ﷺ : " أيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ "، فقلنا: وثلاثة؟ قال: " وَثَلاَثَةٌ "، فقلنا: واثنان: قال: " وَاثْنانِ "، ثم لم نسأله عن الواحد، والأحاديث بنحو ما ذكرنا كثيرة، والله أعلم. (بابُ النّهي عن سبِّ الأمْوَات) ٤٧٨ - روينا في " صحيح البخاري " عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " لا تَسُبُّوا الأمْوَاتَ فإنَّهُمْ قَدْ أفْضَوْا إلى ما قَدَّمُوا ". ٤٧٩ - وروينا في " سنن أبي داود " والترمذي بإسناد ضعيف ضعَّفه الترمذي (١) عن

стр. 164

ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " اذْكُرُوا مَحاسنَ مَوْتاكُمْ، وكُفُّوا عَنْ مَساوِيهمْ " (١) . قلت: قال العلماء: يَحرم سبُّ الميت المسلمَ الذي ليس معلناً بفسقه. وأما الكافرُ، والمُعلِنُ بفسقه من المسلمين، ففيه خلاف للسلف، وجاءت فيه نصوص متقابلة، وحاصلُه: أنه ثبت في النهي عن سبّ الأموات ما ذكرناهُ في هذا الباب. وجاء في الترخيص في سبّ الأشرار أشياء كثيرة، منها: ما قصَّه اللَّهُ علينا في كتابه العزيز، وأمرنا بتلاوته، وإشاعة قراءته، ومنها: أحاديثُ كثيرة في الصحيح. ٤٨٠ - كالحديث الذي ذكر فيه ﷺ عمروَ بن لحي (٢) . ٤٨١ - قال المصنف ﵀: وقصة أبي رِغال الذي كان يسرق الحاج بمحجنه. (٣) . قال السيوطي في " تحفة الأبرار بنكت الأذكار ": قال الحافظ ابن حجر: كذا وقع في عدة نخ من الأذكار، ولم أر في شئ من روايات ووصف أبي رغال بذلك، ولعلها كانت: والذي، فسقطت واو العطف، فأما قصة أبي رغال - وهو بكسر الراء وتخفيف العين المعجمة وآخره لام - فأخرجه أحمد عن جابر قال: لما مرّ رسول الله ﷺ بالحجر قال: " لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح، فكانت - يعني الناقة - ترد من هذا الفج، وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله بها من كان تحت أديم السماء منهم، إلا رجلا واحدا مان في الحرم، فلما، خرج منه أصابه ما أصاب قومه، قالوا: من هو رسول الله؟ قال: أبو رغال ". وأما قصة الذي يسرق الحاج بمحجنه، فأخرجها كسلم من حديث جابر في صلاة الكسوف ولفظه: " حتي رأيت فيها صاحب المحجن كان يسرق الحاج بمحجنة، فإذا فطن له قال: إنما تعلق بمحجني وإذا غفل عنه ذهب به ". ٤٨٢ - وقصة ابن جُدْعان (٤) وغيرهم، ومنها الحديث الصحيح الذي قدّمناه لما

стр. 165

مرّت جنازة فأثنوا عليها شرّاً، فلم ينكر عليهم النبيّ ﷺ ، بل قال: وجبتْ. واختلف العلماءُ في الجمع بين هذه النصوص على أقوال: أصحُّها وأظهرُها: أن أمواتَ الكفار يجوز ذكر مساويهم، وأما أمواتُ المسلمين المعلنين بفسق أو بدعة أو نحوهما، فيجوز ذكرُهم بذلك إذا كان فيه مصلحة، لحاجة إليه للتحذير من حالهم، والتنفير من قبول ما قالوه، والاقتداء بهم فيما فعلوه، وإن لم تكن حاجة لم يجزْ، وعلى هذا التفصيل تُنَزَّلُ هذه النصوص، وقد أجمعَ العلماءُ على جرح المجروح من الرواة، والله أعلم. (بابُ ما يقولُه زائرُ القبور) ٤٨٣ - روينا في " صحيح مسلم " عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ كلّمَا كان ليلتُها من رسول الله ﷺ يخرجُ من آخر الليل إلى البقيع فيقول: " السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنينَ، وَأتاكُمْ ما تُوعَدُونَ، غَداً مُؤَجَّلُونَ، وَإنَّا إنْ شاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاحقُونَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأهْلِ بَقِيعِ الغَرْقَدِ ". وروينا في " صحيح مسلم " عن عائشة أيضاً، أنها قالت: كيف أقولُ يا رسولَ الله؟ - تعني في زيارة القبور - قال: قُولي: " السَّلامُ على أهْلِ الدّيارِ مِنَ المُؤْمنينَ وَالمُسْلمينَ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ المُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَمِنَّا وَالمُسْتأخِرِين، وَإنَّا إنْ شاءَ اللَّه بِكُمْ لاحِقُونَ ". ٤٨٤ - ورَوينا بالأسانيد الصحيحة (١) في سنن أبي داود، والنسائي، وابن ماجه، عن أبي هُريرة ﵁، أن رسول الله ﵌ خرج إلى المقبرة، فقال: " السَّلامُ عَلَيكُم دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وإنَّا إنْ شاءَ اللَّهُ بكم لاحقون " (٢) .

стр. 166

٤٨٥ - وروينا في كتاب الترمذي، عن ابن عباس ﵄، قال: مرّ رسول الله ﷺ بقبور المدينة، فأقبلَ عليهم بوجهه فقال: " السَّلامُ عَلَيْكُمْ يا أهْلَ القُبُورِ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَنا وَلَكُمْ، أنْتُمْ سَلَفُنا وَنَحْنُ بالأثَرِ ". قال الترمذي: حديث حسن. ٤٨٦ - وروينا في " صحيح مسلم " عن بريدة ﵁، قال: كان النبي ﷺ يعلِّمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: " السَّلامُ عَلَيْكُمْ أهْلَ الدّيارِ مِنَ المؤْمِنِينَ، وإنَّا إنْ شاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلاحِقُونَ، أسألُ اللَّهُ لَنَا ولَكُمُ العافيَةَ ". ورويناه في كتاب النسائي، وابن ماجه هكذا، وزاد بعد قوله: للاحقون: " أنْتُمْ لَنَا فَرَطٌ وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ ". ٤٨٧ - وروينا في كتاب ابن السني، عن عائشة ﵂، أن النبيّ ﷺ أتى البقيعَ فقال: " السَّلامُ عَلَيْكُمْ دار قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، أنْتُمْ لَنا فَرَطٌ، وإنَّا بِكُمْ لاحِقُونَ، اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنا أجْرَهُمْ، وَلا تُضِلَّنا بَعْدَهُمْ " (١) . ويُستحب للزائر الإِكثار من قراءة القرآن والذكر، والدعاء لأهل تلك المقبرة وسائر الموتى والمسلمين أجمعين. ويُستحبّ الإِكثار من الزيارة، وأن يكثرَ الوقوفَ عند قبور أهل الخير والفضل. (بابُ نهي الزائر مَنْ رآه يبكي جزعاً عند قبر، وأمرِه إِيَّاه بالصبرِ ونهيِهِ أيضاً عن غير ذلك مما نهى الشرعُ عنه) ٤٨٨ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أنس ﵁، قال: مرّ النبيُّ ﷺ بامرأة تبكي عند قبر فقال: " اتَّقي اللَّهَ وَاصْبِرِي ". ٤٨٩ - وروينا في سنن أبي داود، والنسائي، وابن ماجه، بإسناد حسن، عن بَشير بن معبد المعروف بابن الخَصَاصِيَة ﵁، قال: بينما أنا أُماشي النبيَّ ﷺ ، نظرَ فإذا رجلٌ يمشي بين القبور عليه نعلان، فقال: " يا صاحب السبيتيتين ألْقِ سِبْتِيَّتَيْكَ ... " وذكر تمام الحديث (٢) .

стр. 167

قلت: السِّبتية: النعل الذي لا شعرَ عليها، وهي بكسر السين المهملة وإسكان الباء الموحدة، وقد أجمعت الأمة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودلائله في الكتاب والسنّة مشهورة والله أعلم. (بابُ البكاء والخوف عند المرور بقبور الظالمين وبمصارعهم وإظهار الافتقار إلى الله تعالى والتحذير من الغفلة عن ذلك) ٤٩٠ - روينا في " صحيح البخاري " عن ابن عمرَ ﵄، أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه - يعني لما وصلوا الحِجْرَ ديارَ ثمود -: " لا تَدْخُلُوا على هَؤُلاءِ المُعَذَّبينَ إِلاَّ أنْ تَكُونُوا باكِينَ. فإنْ لَمْ تَكُونُوا باكينَ، فَلا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ لا يُصيبُكُم ما أصَابَهُمْ " (١) . كتاب الأذكار في صلوات مخصوصة (بابُ الأذكارِ المستحبّةِ يومَ الجمعة وليلتها والدُّعاء) يُستحبّ أن يُكْثرَ في يومها وليلتها من قراءة القرآن والأذكار والدعوات، والصلاة على رسول الله ﷺ ، ويقرأ (سورة الكهف) في يومها. قال الشافعي ﵀ في كتاب " الأُم ": وأستحبُّ قراءتَها في ليلة الجمعة. ٤٩١ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي هريرة ﵁، أن رسولُ الله ﵌ ذكرَ يومَ الجمعة فقال: " فيهِ ساعَةٌ لا يُوَافِقُها عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسألُ اللَّهَ تَعالى شَيْئاً إِلاَّ أعْطاهُ إيَّاهُ " وأشار بيده يقللها. قلت: اختلفَ العلماءُ من السلف والخلف في هذه الساعة، على أقوال كثيرة

стр. 168

منتشرة غاية الانتشار، وقد جمعتُ الأقوالَ المذكورةَ فيها كلها في " شرح المهذّب " وبيّنتُ قائلها، وأن كثيراً من الصحابة على أنها بعد العصر. والمراد بقائم يُصَلِّي: من ينتظرُ الصلاة، فإنه في صلاة. ٤٩٢ - وأصحّ ما جاء فيها: ما رويناه في " صحيح مسلم " عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " هيَ ما بَيْنَ أنْ يَجْلِس الإِمامُ إلى أن تُقْضَى الصَّلاةَ " يعني يجلس على المنبر. ٤٩٣ - أما قراءةُ سورة الكهف، والصَّلاةُ على رسول الله ﷺ ، فجاءتْ فيهما أحاديث مشهورة تركتُ نقلَها لطول الكتاب لكونها مشهورة، وقد سبق جملة منها في بابها. ٤٩٤ - وروينا في كتاب ابن السني، عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: " مَنْ قال صبيحة يوم الجمعة قبل صلاة الغَدَاةِ (١) : أسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الحَيَّ القَيُّومَ وأتوب إليه ثَلاثَ مَرَّاتٍ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ " (٢) . ٤٩٥ - وروينا فيه عن أبي هريرة ﵁، قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا دخل المسجد يومَ الجمعة أخذ بعضادتي الباب ثم قال: " اللَّهُمَّ اجْعَلْني أوْجَهَ مَنْ تَوَجَّهَ إلَيْكَ، وأقْرَبَ مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيْكَ، وأفْضَلَ مَنْ سألَكَ وَرَغِبَ إِلَيْكَ " (٣) . قلت: يُستحبّ لنا نحن أن نقول: اجْعَلْني مِنْ أوْجَهِ مَنْ تَوَجَّهَ إِلَيْكَ وَمِنْ أقْرَبِ وَمِنْ أَفْضَلِ " فنزيد لفظة " مِن ". وأما القراءة المستحبة في صلاة الجمعة، وفي صلاة الصبح يوم الجمعة، فتقدّم بيانها في باب أذكار الصلاة. ٤٩٦ - وروينا في كتاب ابن السني، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : " مَنْ قَرَأ بَعْدَ صَلاةِ الجُمُعَةِ: قُلْ هُوَ الله أحد، وقل أعوذ بِرَبّ الفَلَقِ،

стр. 169

وَقُلْ أعُوذُ بِرَبّ النَّاسِ، سَبْعَ مَرَّاتٍ، أعاذَهُ اللَّهُ بِها مِنَ السُّوءِ إلى الجُمُعَةِ الأخرى " (١) . [فصل] : يُسْتَحَبُّ الإِكثار من ذكر الله تعالى بعد صلاة الجمعة، قال الله تعالى: (فإذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّه كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الجمعة: ١٠] . (بابُ الأذْكَارِ المشروعةِ في العِيدين) اعلم أنه يُستحبّ إحياء ليلتي العيدين في ذكر الله تعالى، والصلاة، وغيرهما من الطاعات، للحديث الوارد في ذلك: ٤٩٧ - " مَنْ أَحْيا ليلتي العيدين، لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ القُلُوبُ " ورُوي، " مَنْ قَامَ لَيْلَتي العِيدَيْنِ لِلَّهِ مُحْتَسِباً لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ القُلُوبُ " هكذا جاء في رواية الشافعي وابن ماجه، وهو حديث ضعيف رويناه من رواية أبي أمامة مرفوعاً وموقوفاً، وكلاهما ضعيف، لكن أحاديثَ الفضائل يُتسامح فيها (٢) كما قدّمناه في أوّل الكتاب. واختلف العلماءُ في القدر الذي يَحصل به الإِحياءُ، فالأظهرُ أنه لا يحصل إلا بمعظم الليل، وقيل: يَحصل بساعة. [فصل] : ويستحبّ التكبير ليلتي العيدين، ويُستحبّ في عيد الفطر من غروب الشمس إلى أن يُحرم الإِمام بصلاة العيد، ويُستحبّ ذلك خلفَ الصلواتِ وغيرها من الأحوال. ويُكثر منه عند ازدحام الناس، ويُكَبِّر ماشياً وجالساً ومضطجعاً، وفي طريقه، وفي المسجد، وعلى فراشه. وأما عيدُ الأضحى، فيُكَبِّر فيه من بعد صلاة الصبح مِنْ يَوْمِ عَرَفة إلى أن يصليَ العصر من آخر أيام التشريق، وَيُكَبِّر خلفَ هذه العَصْرِ ثم يقطع، هذا هو الأصحّ الذي عليه العمل، وفيه خلاف مشهور في مذهبنا ولغيرنا، ولكن الصحيح ما ذكرناه.

стр. 170

٤٩٨ - وقد جاء فيه أحاديث رويناها في سنن البيهقي، وقد أوضحتُ ذلك كلَّه من حيث الحديث ونقل المذهب في " شرح المهذّب " وذكرتُ جميعَ الفروع المتعلقة به، وأنا أُشيرُ هنا إلى مقاصده مختصرة. قال أصحابنا: لفظ التكبير أن يقول: " اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ "، هكذا ثلاثاً متواليات، ويكرّر هذا على حسب إرادته. قال الشافعي والأصحاب: فإن زادَ فقال: " اللَّهُ أكْبَرُ كَبيراً، والحَمْدُ لِلَّهِ كَثيراً، وَسُبْحانَ اللَّهِ بُكْرَةً وأصِيلاً، لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَلا نعبد إلا إياه مخلصين له الدينَ وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُون، لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ، لا إِلهَ إِلاَّ الله واللَّهُ أكْبَرُ، كانَ حَسَناً ". وقال جماعة من أصحابنا: لا بأسَ أن يقول ما اعتاده الناسُ، وهو: " اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ ولِلَّهِ الحَمْدُ ". [فصل] : اعلم أن التكبير مشروعٌ بعد كلّ صلاة تُصلَّى في أيام التكبير، سواء كانت فريضة أو نافلة، أو صلاة جنازة، وسواءٌ كانت الفريضة مؤدّاة أو مقضية، أو منذروة، وفي بعض هذا خلاف ليس هذا موضع بسطه، ولكن الصحيح ما ذكرته، وعليه الفتوى، وبه العمل، ولو كبَّرَ الإِمامُ على خلاف اعتقاد المأموم، بأن كان يَرى الإِمامُ التكبيرَ يوم عرفة، أو أيام التشريق، والمأموم لا يَراه، أو عكسَه، فهل يتابعه، أم يعمل باعتقاد نفسه؟ فيه وجهان لأصحابنا، الأصحُّ: يَعمل باعتقاد نفسه، لأن القدوة انقطعتْ بالسلام من الصلاة، بخلاف ما إذا كبَّر في صلاة العيد زيادة على ما يراه المأموم، فإنه يُتابعه من أجل القُدوة. [فصل] : والسُّنّة أن يُكبر في صلاة العيد قبل القراءة تكبيراتٍ زوائد، فيُكَبِّر في الركعة الأولى سبعَ تكبيرات سوى الافتتاح، وفي الثانية خمسَ تكبيرات سوى تكبيرة الرفع من السجود، ويكونُ التكبيرُ في الأولى بعد دعاء الاستفتاح، وقبل التعوّذ، وفي الثانية قبل التعوّذ. ويستحبّ أن يقولَ بين كل تكبيرتين: سبحان الله، والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر، هكذا قاله جمهور أصحابنا. وقال بعض أصحابنا: يقول: " لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ، وَهُوَ على كل شئ قَديرٌ ". وقال أبو نصر بن الصباغ وغيره من أصحابنا: إن قال ما اعتاده الناسُ، فحَسَن، وهو " اللَّهُ أكْبَرُ كَبيراً، والحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيراً، وَسُبْحانَ اللَّهِ بُكْرَةً وأصِيلاً ". وكل هذا على التوسعة، ولا حَجْرَ في شئ منه، ولو ترك جميع هذا الذكر، وترك التكبيرات السبع

стр. 171

والخمس، صحَّتْ صلاته ولا يسجد للسهو، ولكن فاتته الفضيلة، ولو نسي التكبيرات حتى افتتح القراءة، لم يرجع إلى التكبيرات على القول الصحيح، وللشافعي قولٌ ضعيفٌ: أنه يرجع إليها. وأما الخطبتان في صلاة العيد، فيُستحبّ أن يُكَبِّرَ في افتتاح الأولى تسعاً، وفي الثانية سبعاً. وأما القراءة في صلاة العيد، فقد تقدَّم بيان ما يُستحبّ أن يقرأ فيها في باب " صفة أذكار الصلاة "، وهو أنه يقرأ في الأولى بعد الفاتحة سورة (ق) وفي الثانية (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) وإن شاء في الأولى (سبح اسم ربك الأعلى) ، وفي الثانية: (هَل أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ) . (بابُ الأَذْكارِ في العَشْر الأوّلِ من ذي الحِجّة) قال الله تعالى: (وَيَذْكُروا اسْمَ اللَّهِ فِي أيَّامٍ مَعْلُوماتٍ ... ) الآية. [الحج: ٢٨] قال ابن عباس والشافعي والجمهور: هي أيامُ العشر. واعلم أنه يُستحبُّ الإِكثار من الأذكار في هذا العشر زيادةً على غيره، ويُستحب من ذلك في يوم عَرَفة أكثر من باقي العشر. ٤٩٩ - روينا في " صحيح البخاري " عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: " ما العَمَلُ في أيَّامٍ أفْضَلَ مِنْها في هَذِهِ، قالوا: وَلا الجهادُ فِي سَبيل الله؟ قال: وَلا الجِهادُ، إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ يُخاطِرُ بنَفْسِهِ وَمالِه فَلَمْ يرجع بشئ " هذا لفظ البخاري، وهو صحيح. وفي رواية الترمذي: " ما مِنْ أيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهنَّ أحَبُّ إلى الله تعالى مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ العَشْرِ ". وفي رواية أبي داود مثل هذه، إلا أنه قال: " مِنْ هَذِهِ الأيَّام " يعني العشر. ورويناه في مسند الإِمام أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي بإسناد الصحيحين قال فيه: " ما العَمَلُ فِي أيَّامٍ أفْضَلَ مِنَ العَمَلِ فِي عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ، قيل: ولا الجهاد؟ ... " وذكر تمامه، وفي رواية: " عَشْرِ الأضْحَى ". ٥٠٠ - وروينا في كتاب الترمذي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبي ﷺ قال: " خَيْرُ الدُّعاءِ دعاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ ما قُلْتُ أنا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وحده لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ على كُلّ شئ قَدِيرٌ " ضعَّفَ الترمذي إسنادَه (١) . ٥٠١ - ورويناه في موطأ الإِمام مالك بإسناد مرسل، وبنقصان في لفظه، ولفظه:

стр. 172

" أفْضَلُ الدُّعاءِ [دعاءُ] يَوْمِ عَرَفَةَ، وأفْضَلُ ما قُلْتُ أنا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ". ٥٠٢ - وبلغنا عن سالم بن عبد الله بن عمر ﵃، أنه رأى سائلاً يسألُ الناسَ يوم عَرَفَةَ، فقال: يا عاجزُ! في هذا اليوم يُسألُ غيرُ الله عزّوجلّ؟ (١) . ٥٠٢ - وقال البخاري في " صحيحه ": كان عمر ﵁ يُكَبِّرُ في قُبَّتِهِ بمنى، فيسمعه أهلُ المسجد فيُكبِّرون ويُكَبِّر أهلُ الأسواق حتى ترتجّ مِنىً تكبيراً (٢) . قال البخاري: وكان ابنُ عمر وأبو هريرة (٣) ﵄ يَخرجان إلى السوق في أيام العشر يُكَبِّران ويُكَبِّر الناسُ بتكبيرهما. (بابُ الأَذْكارِ المشروعةِ في الكُسُوف) اعلم أنه يُسنُّ في كسوف الشمس والقمر والإِكثارُ من ذكر الله تعالى، ومن الدعاء، وتُسَنّ الصلاة له بإجماع المسلمين. ٥٠٣ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن عائشة ﵂، أنَّ رسول الله ﷺ قال: " إنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتانِ مِنْ آياتِ اللَّهِ لا يُخْسَفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ وَلا لِحياتِهِ، فإذَا رأيْتُمْ ذلكَ فادْعُوا اللَّهَ تَعالى وكَبِّرُوا وَتَصَدَّقُوا ". وفي بعض الروايات في صحيحيهما: " فإذَا رأيْتُم ذلكَ فاذْكُرُوا اللَّهَ تَعالى ". وكذلك رويناه من رواية ابن عباس. وروياه في " صحيحيهما " من رواية أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ : " فإذّا رأيْتُمْ شَيْئاً مِنْ ذلك، فافْزَعُوا إلى ذِكْرِهِ وَدُعائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ ". وروياه في " صحيحيهما " من رواية المغيرة بن شعبة: " فإذَا رأيْتُموها فادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا ". وكذلك رواه البخاري من رواية أبي بكرة أيضاً، والله أعلم.

стр. 173

٥٠٤ - وفي " صحيح مسلم " من رواية عبد الرحمن بن سمرة، قال: " أتيتُ النبي ﷺ وقد كُسفت الشمسُ وهو قائمٌ في الصلاة رافعٌ يديه، فجعلَ يُسَبِّحُ ويحمد ويهلل، ويكبر ويدعو، حتى حُسِرَ عنها، فلما حُسِرَ عنها قرأ سورتين وصلَّى ركعتين ". قلت: حُسِر بضم الحاء وكسر السين المهملتين أي: كشف وجْلِّي. [فصل] : ويُستحبّ إطالة القراءة في صلاة الكسوف، فيقرأ في القومة الأولى نحو سورة البقرة، وفي الثانية نحو مائتي آية، وفي الثالثة نحو مائة وخمسين آية، وفي الرابعة نحو مائة آية، ويُسبِّحُ في الركوع الأوّل بقدر مائة آية، وفي الثاني سبعين، وفي الثالث كذلك، وفي الرابع خمسين، ويُطوِّل السجود كنحو الركوع، والسجدة الأولى نحو الركوع الأول، والثانية نحو الركوع الثاني، هذا هو الصحيح. وفيه خلاف معروف للعلماء، ولا تشكّنَّ فيما ذكرته من استحباب تطويل السجود، لكن المشهور في أكثر كتب أصحابنا أنه لا يُطوَّل، فإن ذلك غلط أو ضعيف، بل الصواب تطويله. ٥٠٥ - وقد ثبت ذلك في " الصحيحين " عن رسول الله ﷺ من طرق كثيرة، وقد أوضحته بدلائله وشواهده في " شرح المهذب ". وأشرت هنا إلى ما ذكرت لئلا تغترّ بخلافه، وقد نصّ الشافعي ﵀ في مواضع على استحباب تطويله، والله أعلم. قال أصحابنا: ولا يُطَوِّلُ الجلوسَ بين السجدتين، بل يأتي به على العادة في غيرها، وهذا الذي قالوه فيه نظر، فقد ثبت في حديث صحيح إطالته، وقد ذكرت ذلك واضحاً في " شرح المهذب " فالاختيار استحباب إطالته، ولا يُطَوِّلُ الاعتدالَ عن الركوع الثاني، ولا التشهّد وجلوسه، والله أعلم. ولو ترك هذا التطويل كلَّه، واقتصر على الفاتحة صحَّت صلاتُه. ويُستحبّ أن يقول في كل رفع من الركوع ; سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، فقد روينا ذلك في الصحيح. ويُسنّ الجهر بالقراءة في كسوف القمر، ويُستحبّ الإِسرار في كسوف الشمس، ثم بعد الصلاة يخطب خطبتين يُخوِّفهم فيهما بالله تعالى، ويَحثّهم على طاعة الله تعالى، وعلى الصدقة والإِعتاق، فقد صحّ ذلك في الأحاديث المشهورة، ويَحثّهم أيضاً على شكر نِعَم الله تعالى، ويحذّرهم الغفلة والاغترار، والله أعلم. ٥٠٦ - روينا في " صحيح البخاري " وغيره، عن أسماء ﵂ قالت: " لقد أمرَ رسولُ الله ﷺ بالعَتَاقة في كسوف الشمس ". والله أعلم.

стр. 174

(بابُ الأذْكَار في الاسْتسقَاءِ) يستحبّ الإِكثار فيه من الدعاء والذكر، والاستغفار بخضوع وتذلل، والدعوات المذكورة فيه مشهورة: منها: " اللَّهُمَّ اسْقِنا غَيْثاً مُغِيثاً هَنِيئاً مَرِيئاً غدقا (١) مجللا (٢) سحا (٣) عامّاً طَبَقاً دَائِماً، اللَّهُمَّ على الظِّرَابِ (٤) وَمَنابِتِ الشَّجَرِ:، وَبُطُونِ الأوْدِيَةِ، اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَغْفِرُكَ إِنَّكَ كُنْتَ غَفّاراً، فأرْسلِ السَّماءَ عَلَيْنا مِدْرَاراً اللَّهُمَّ اسقنا الغيث ولا تجعلنا مِنَ القَانِطِينَ، اللَّهُمَّ أنْبِتْ لَنا الزَّرْعَ، وَأدِرَّ لَنا الضَّرْعَ، وَاسْقِنا مِنْ بَرَكاتِ السَّماءِ، وأنْبِتْ لَنا مِنْ بَرَكاتِ الأرْضِ، اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الجَهْدَ وَالجُوعَ والعُرْيَ، واكْشِفْ عَنَّا مِنَ البَلاءِ ما لا يَكْشِفُهُ غَيْرُكَ ". ويُستحبّ إذا كان فيهم رجلٌ مشهورٌ بالصلاح أن يستسقوا به فيقولوا: " اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَسْقِي وَنَتَشَفَّعُ إِلَيْكَ بِعَبْدِكَ فُلانٍ ". ٥٠٧ - روينا في " صحيح البخاري " أن عمر بن الخطاب ﵁، كان إذا قُحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللَّهمّ إنّا كنّا نتوسلُ إليك بنبيّنا ﷺ فتسقينا، وإنّا نتوسلُ إليك بعمّ نبيّنا ﷺ فاسقنا، فيُسقون. وجاء الاستسقاء بأهل الصلاح عن معاوية (٥) وغيره. والمستحبّ أن يقرأُ في صلاة الاستسقاء ما يقرأ في صلاة العيد، وقد بيّناه، ويُكَبِّر في افتتاح الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمسَ تكبيرات كصلاة العيد، وكل الفروع والمسائل التي ذكرتها في تكبيرات العيد السبع والخمس يجئ مثلها هنا، ثم يخطب خطبتين يُكثر فيهما من الاستغفار والدعاء. ٥٠٨ - روينا في سنن أبي داود، بإسناد صحيح على شرط مسلم، عن جابر بن

стр. 175

عبد الله ﵄ قال: أَتَتِ النبي ﷺ بَوَاكٍ فقال: " اللَّهُمَّ اسْقِنا غَيْثاً مُغِيثاً مَرِيّاً سَرِيعاً نافعاً غَيْرَ ضَارّ، عاجِلاً غَيْرَ آجِلٍ، فأطْبَقَتْ علَيْهِمُ السَّماءُ. ٥٠٩ - وروينا فيه بإسناد صحيح (١) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا استسقى قال: " اللَّهُمَّ اسْقِ عِبادَكَ وَبَهَائِمَكَ، وَانْشُرْ رَحْمَتَكَ، وأحْيِ بَلَدَكَ المَيِّتَ ". ٥١٠ - وروينا فيه بإسناد صحيح (٢) قال أبو داود في آخره: هذا إسناد جيد عن عائشة ﵂ قالت: " شكا الناسُ إلى رسول الله ﷺ قحوطَ المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناسَ يوماً يخرجون فيه، فخرجَ رسولُ الله ﵌ حين بَدَا حاجبُ الشمس، فقعدَ على المنبر ﷺ ، فكبَّرَ وحَمِد الله ، ثم قال: " إنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيارِكُمْ، وَاسْتِئْخارَ المَطَرِ عَنْ إبَّانِ زَمانِه عَنْكُمْ، وَقَدْ أمَرَكُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ تَدْعُوهُ، وَوَعَدَكُمْ أنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ، ثم قال: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ العَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مالِكِ يَوْمِ الدَّينِ، لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللَّهُمَّ أنْتَ اللَّهُ، لاَ إِلهَ أَنْت الغَنِيُّ وَنَحْنُ الفُقَراءُ، أنْزِلْ عَلَيْنا الغَيْثَ، وَاجْعَلْ ما أنْزَلْتَ لَنا قُوَّةً وَبَلاغاً إلى حِينٍ "، ثم رفع يديه فلم يزل في الرفع حتى بدا بياضُ إبطيه، ثم حوّل إلى الناس ظهرَه، وقَلبَ أو حَوّل رداءَه وهو رافع يديه، ثم أقبلَ على الناس ونزلَ فصلى ركعتين، فأنشأ اللَّه سحابة، فرعدت وبرقت ثم أمطرت بإذن الله تعالى، فلم يأتِ مسجدَه حتى سالت السيولُ، فلما رأى الكن (٣) ضحك ﷺ حتى بدات نواجذه، فقال: " أشْهَدُ أنَّ اللَّهَ على كُلّ شئ قَدِيرٌ، وأنّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ". قلت: إبّان الشئ: وقته، وهو بكسر الهمزة وتشديد الباء الموحدة. وقحوط المطر، بضم القاف والحاء: احتباسه. والجدب، بإسكان الدال المهملة: ضد الخصب. وقوله: ثم أمطرت، هكذا هو بالألف، وهما لغتان: مطرت، وأمطرت، ولا التفات إلى مَن قال: لا يُقال: أمطر بالألف إلا في العذاب. وقوله: بدتْ نواجذه: أي ظهرت أنيابه، وهي بالذال المعجمة.

стр. 176

واعلم أن في هذا الحديث التصريح بأن الخطبة قبل الصلاة، وكذلك هو مصرّح به في " صحيحي البخاري ومسلم "، وهذا محمولٌ على الجواز. والمشهور في كتب الفقه لأصحابنا وغيرهم: أنه يُستحبّ تقديمُ الصلاة على الخطبة لأحاديث أُخر. ٥١١ - أن رسول الله ﷺ قدَّمَ الصلاةَ على الخطبة، والله أعلم. ويُستحبّ الجمع في الدعاء بين الجهر والإِسرار، ورفع الأيدي فيه رفعاً بليغاً. قال الشافعي ﵀: وليكن من دعائهم: " اللَّهُمَّ أمَرْتَنا بِدُعائِكَ، وَوَعَدْتَنا إِجابَتَكَ، وَقَدْ دَعَوْناكَ كما أمَرْتَنا، فأجِبْنا كما وَعَدْتَنا، اللَّهُمَّ امْنُنْ عَلَيْنا بِمَغْفِرَةِ ما قارَفْنا، وإِجابَتِكَ في سُقْيانا وَسَعَةِ رِزْقِنا ". ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ويُصلِّي على النَّبيِّ ﷺ ، ويقرأ آيةً أو آيتين، ويقول الإِمام: أستغفرُ الله لي ولكم. وينبغي أن يدعوَ بدعاء الكرب، وبالدعاء الآخر: اللَّهُمَّ آتِنَا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، وغير ذلك من الدعوات التي ذكرناها في الأحاديث الصحيحة. قال الشافعي ﵀ في " الأُم ": يخطب الإِمامُ في الاستسقاء خطبتين، كما يخطب في صلاة العيد يُكَبِّر الله تعالى فيهما ويحمَده، ويصلي على النبي ﷺ ، ويُكثر فيهما الاستغفار حتى يكون أكثر كلامه، ويقول كثيراً: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كانَ غَفَّاراً، يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً) [نوح: ١٠] ثم رُوي عن عمرَ ﵁، أنه استسقى وكان أكثر دعائه الاستغفار. قال الشافعي: ويكون أكثر دعائه الاستغفار، يبدأ به دعاءَه ويفصلُ به بين كلامه، ويختم به، ويكون هو أكثر كلامه حتى ينقطع الكلام، ويحثّ الناس على التوبة والطاعة والتقرّب إلى الله تعالى. (بابُ ما يقولُه إذا هَاجَتِ الرِّيح) ٥١٢ - روينا في " صحيح مسلم " عن عائشة ﵂، قالت: كان النبي ﷺ إذا عصفت الريح (١) قال: " اللَّهُمَّ إِني أسألُكَ خَيْرَها وَخَيْرَ ما فِيها، وَخَيْرَ ما أُرْسِلَتْ بِهِ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّها وَشَرّ ما فِيهَا وَشَرّ ما أُرسِلَتْ بِهِ ". ٥١٣ - وروينا في " سنن أبي داود، وابن ماجه، بإسناد حسن، عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللِّهِ تَعالى، تأتي بالرحمة،

стр. 177

وَتأتِي بالعَذَابِ، فإذا رأيْتُمُوها فَلا تَسُبُّوها، وَسَلُوا اللَّهَ خَيْرَها، وَاسْتَعِيذُوا باللَّهِ مِنْ شَرّها ". قلتُ: قوله ﷺ : " مِنْ رَوْحِ الله "، هو بفتح الراء، قال العلماء: أي: من رحمة الله بعباده. ٥١٤ - وروينا في سنن أبي داود، والنسائي، وابن ماجه، عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ كان إذا رأى ناشئاً في أفق السماء، تركَ العملَ وإن كان في الصلاة، ثم يقول: " اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّها "، فإن مُطِرَ قال: " اللهم صيبا هَنِيئاً " (١) . قلت: ناشئاً، بهمز آخره، أي: سحاباً لم يتكامل اجتماعه (٢) . والصيِّب بكسر الياء المثناة تحت المشددة: وهو المطرُ الكثيرُ، وقيل: المطر الذي يجري ماؤه، وهو منصوب بفعل محذوف: أي: أسألك صيّباً، أو اجعله صيّباً. ٥١٥ - وروينا في كتاب الترمذي وغيره، عن أُبيّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تَسُبُّوا الرّيحَ، فإنْ رأيْتُمْ ما تَكْرَهُونَ فَقُولوا: اللَّهُمَّ إنَّا نَسْألُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الرّيحِ، وخَيْرِ ما فِيها، وَخَيْرِ ما أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ هَذِهِ الرّيحِ وَشَرّ ما فِيها وَشَرّ ما أُمِرَتْ بِهِ " قال الترمذي: حديث حسن صحيح. قال: وفي الباب عن عائشة، وأبي هريرة، وعثمان بن أبي العاص، وأنس، وابن عباس، وجابر. ٤١٦ - وروينا بالإِسناد الصحيح في كتاب ابن السني، عن سلمة بن الأكوع ﵁، قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا اشتدّتِ الريحُ يقول: " اللَّهُمَّ لَقْحاً لا عَقِيماً " (٣) . قلت: لَقْحَاً: أي: حاملاً للماء كاللقحة من الإِبل. والعقيم: التي لا ماء فيها كالعقيم من الحيوان: لا ولد فيها. ٥١٧ - وروينا فيه عن أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، ﵃، عن

стр. 178

رسول الله ﷺ قال: " إذا وقعتْ كبيرةٌ، أو هاجتْ ريحٌ عظيمةٌ، فعليكم بالتكبير، فإنه يجلو العَجَاجَ الأسْوَدَ " (١) . ٥١٨ - وروى الإِمام الشافعيُّ ﵀ في كتابه " الأُمّ " بإسناده، عن ابن عباس ﵄، قال: ما هبَّت الريح إلاّ جثا النبي ﷺ على ركبتيه وقال: " اللَّهُمَّ اجْعَلْها رَحْمَةً وَلا تَجْعَلْها عَذَاباً، اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحاً وَلا تَجْعَلْها رِيحاً " (٢) . قال ابن عباس: في كتاب الله تعالى: (إنَّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صرصرا) [فصلت : ١٦] و (أرْسَلْنا عَلَيْهِم الرّيحَ العَقِيمَ) [الذاريات: ٤١] وقال تعالى: (وَأرْسَلْنا الرّياحَ لَوَاقِحَ) [الحجر: ٢٢] وقال سبحانه: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرّياحَ مُبَشِّرَاتٍ) [الروم: ٤٦] . ٥١٩ - وذكر الشافعي ﵀ حديثاً منقطعاً، عن رجل، أنه شكا إلى النبي ﷺ الفقرَ، فقال رسول الله ﷺ : " لَعَلَّكَ تَسُبُّ الرّيحَ " (٣) . قال الشافعي ﵀: لا ينبغي لأحدٍ أن يسبَّ الرياحَ، فإنها خلقٌ لله تعالى مطيع، وجندٌ من أجناده، يجعلُها رحمةً ونقمةً إذا شاء. (بابُ ما يقولُ إذا انقضّ الكَوْكَب) ٥٢٠ - روينا في كتاب ابن السني، عن ابن مسعود ﵁، قال: أُمِرْنا أن لا نُتبع أبصارَنا الكوكبَ إذا انقضّ، وأن نقولَ عند ذلك: ما شَاءَ اللَّهُ لا قوَّة إِلاَّ باللَّهِ (٤) .

стр. 179

(بابُ تركِ الإِشارةِ والنَّظرِ إلى الكَوْكَبِ والبَرْق) فيه الحديث المتقدم في الباب قبلَه. ٥٢١ - وروى الشافعي ﵀ في " الأم " بإسناده عمّن لا يتّهم (١) عن عروة بن الزبير ﵄، قال: إذا رأى أحدكم البرق أو الودق، فلا يُشِرْ إليه، وليصفْ ولينعتْ. قال الشافعي: ولم تزل العرب تكرهه. (بابُ ما يقولُ إذا سمعَ الرَّعْدَ) ٥٢٢ - روينا في كتاب الترمذي بإسناد ضعيف عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ كان إذا سمع صوتَ الرعد والصَّواعق قال: " اللَّهُمَّ لا تَقْتُلْنا بِغَضَبِكَ، ولا تُهْلِكْنا بِعَذَابِكَ، وَعافِنا قَبْلَ ذلكَ ". ٥٢٣ - وروينا بالإِسناد الصحيح في " الموطأ " عن عبد الله بن الزبير ﵄ أنه كان إذا سمع الرعدَ تركَ الحديثَ وقال: " سُبْحانَ الَّذي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ". ٥٢٤ - وروى الإِمام الشافعي ﵀ في " الأُمّ " بإسناده الصحيح عن طاوس الإِمام التابعي الجليل ﵀ أنه كان يقولُ إذا سمع الرعد: سبحانَ مَنْ سَبَّحَتْ له. قال الشافعي: كأنه يذهب إلى قول الله تعالى: (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ) (٣) . ٥٢٥ - وذكروا عن ابن عباس ﵄ قال: " كنّا مع عمر ﵁ في سفر، فأصابنا رعدٌ وبرقٌ وبَرَدٌ، فقال لنا كعب: مَن قال حين يسمع الرعد: سُبْحَانَ مَنْ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ثلاثاً، عُوفي مِنْ ذلكَ الرعد، فقلنا فعوفينا. (بابُ ما يقولُ إذا نزلَ المطرُ) ٥٢٦ - روينا في " صحيح البخاري " عن عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا رأى المطر قال: " اللَّهُمَّ صَيِّباً نافِعاً ".

стр. 180

٥٢٨ - وروينا في " سنن ابن ماجه " وقال فيه: " اللَّهُمَّ صَيِّباً نافِعاً " مرّتين أو ثلاثاً. ٥٢٨ - وروى الشافعي ﵀ في " الأُمّ " بإسناده حديثاً مرسلاً، عن النبي ﷺ قال: " اطلبو استجابة الدعاء عند التقاء الجيوش، وإقامة الصّلاة (١) . (بابُ ما يقولُه بعدَ نزولِ المطر) ٥٢٩ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن زيد بن خالد الجهني ﵁، قال: صلَّى بنا رسولُ الله ﷺ صلاةَ الصبح بالحديبية في إثر سماءٍ كانتْ من الليل، فلما انصرفَ أقبلَ على الناس فقال: " هَلْ تَدْرُونَ ماذَا قالَ رَبُّكُمْ؟ " قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلم، قال: قالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبادِي مُؤْمِنٌ بِي وكافِرٌ، فأمَّا مَنْ قالَ: مُطِرْنا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كافرٌ بالكَوْكَبِ، وأمَّا مَنْ قالَ: مُطِرْننا بِنَوءِ كَذَا وكَذّا، فَذَلِكَ كافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بالكَوْكَبِ ". قلت: الحديبية معروفة، وهي بئر قريبة من مكة دون مرحلة، ويجوز فيها تخفيف الياء الثانية وتشديدها، والتخفيف هو الصحيح المختار، وهو قول الشافعي وأهل اللغة، والتشديد قول ابن وهب وأكثر المحدّثين. والسماء هنا: المطر. وإثر بكسر الهمزة وإسكان الثاء، ويقال بفتحهما لغتان. قال العلماء: إن قال مسلم: مُطرنا بنوْء كذا، مريداً أن النَّوْءَ هو الموجد والفاعل المحدِثُ للمطر، صارَ كافراً مرتدّاً بلا شكّ، وإن قاله مُريداً أنه علامة لنزول المطر، فينزل المطر عند هذه العلامة، ونزوله بفعل الله تعالى وخلقه سبحانه، لم يكفر. واختلفوا في كراهته، والمختار أنه مكروه، ولأنه من ألفاظ الكفّار، وهذا ظاهر الحديث، ونصَّ عليه الشافعي ﵀ في " الأمّ " وغيره، والله أعلم. ويُستحبّ أن يشكر الله على هذه النعمة، أعني نزول المطر. (باب ما يقوله إذا كثر المطرُ وخِيفَ منه الضَّرَر) ٥٣٠ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أنس ﵁، قال: دخل رجلٌ المسجدَ يوم جمعة، ورسولُ الله ﷺ قائمٌ يخطب، فقال: يارسولَ الله هلكت
следующие страницы →