← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1956

الأذكار للنووي ت الأرنؤوط

النووي

Полный текст (411 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

واعلم أن في هذا الحديث التصريح بأن الخطبة قبل الصلاة، وكذلك هو مصرّح به في " صحيحي البخاري ومسلم "، وهذا محمولٌ على الجواز. والمشهور في كتب الفقه لأصحابنا وغيرهم: أنه يُستحبّ تقديمُ الصلاة على الخطبة لأحاديث أُخر. ٥١١ - أن رسول الله ﷺ قدَّمَ الصلاةَ على الخطبة، والله أعلم. ويُستحبّ الجمع في الدعاء بين الجهر والإِسرار، ورفع الأيدي فيه رفعاً بليغاً. قال الشافعي ﵀: وليكن من دعائهم: " اللَّهُمَّ أمَرْتَنا بِدُعائِكَ، وَوَعَدْتَنا إِجابَتَكَ، وَقَدْ دَعَوْناكَ كما أمَرْتَنا، فأجِبْنا كما وَعَدْتَنا، اللَّهُمَّ امْنُنْ عَلَيْنا بِمَغْفِرَةِ ما قارَفْنا، وإِجابَتِكَ في سُقْيانا وَسَعَةِ رِزْقِنا ". ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ويُصلِّي على النَّبيِّ ﷺ ، ويقرأ آيةً أو آيتين، ويقول الإِمام: أستغفرُ الله لي ولكم. وينبغي أن يدعوَ بدعاء الكرب، وبالدعاء الآخر: اللَّهُمَّ آتِنَا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، وغير ذلك من الدعوات التي ذكرناها في الأحاديث الصحيحة. قال الشافعي ﵀ في " الأُم ": يخطب الإِمامُ في الاستسقاء خطبتين، كما يخطب في صلاة العيد يُكَبِّر الله تعالى فيهما ويحمَده، ويصلي على النبي ﷺ ، ويُكثر فيهما الاستغفار حتى يكون أكثر كلامه، ويقول كثيراً: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كانَ غَفَّاراً، يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً) [نوح: ١٠] ثم رُوي عن عمرَ ﵁، أنه استسقى وكان أكثر دعائه الاستغفار. قال الشافعي: ويكون أكثر دعائه الاستغفار، يبدأ به دعاءَه ويفصلُ به بين كلامه، ويختم به، ويكون هو أكثر كلامه حتى ينقطع الكلام، ويحثّ الناس على التوبة والطاعة والتقرّب إلى الله تعالى. (بابُ ما يقولُه إذا هَاجَتِ الرِّيح) ٥١٢ - روينا في " صحيح مسلم " عن عائشة ﵂، قالت: كان النبي ﷺ إذا عصفت الريح (١) قال: " اللَّهُمَّ إِني أسألُكَ خَيْرَها وَخَيْرَ ما فِيها، وَخَيْرَ ما أُرْسِلَتْ بِهِ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّها وَشَرّ ما فِيهَا وَشَرّ ما أُرسِلَتْ بِهِ ". ٥١٣ - وروينا في " سنن أبي داود، وابن ماجه، بإسناد حسن، عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللِّهِ تَعالى، تأتي بالرحمة،

стр. 177

وَتأتِي بالعَذَابِ، فإذا رأيْتُمُوها فَلا تَسُبُّوها، وَسَلُوا اللَّهَ خَيْرَها، وَاسْتَعِيذُوا باللَّهِ مِنْ شَرّها ". قلتُ: قوله ﷺ : " مِنْ رَوْحِ الله "، هو بفتح الراء، قال العلماء: أي: من رحمة الله بعباده. ٥١٤ - وروينا في سنن أبي داود، والنسائي، وابن ماجه، عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ كان إذا رأى ناشئاً في أفق السماء، تركَ العملَ وإن كان في الصلاة، ثم يقول: " اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّها "، فإن مُطِرَ قال: " اللهم صيبا هَنِيئاً " (١) . قلت: ناشئاً، بهمز آخره، أي: سحاباً لم يتكامل اجتماعه (٢) . والصيِّب بكسر الياء المثناة تحت المشددة: وهو المطرُ الكثيرُ، وقيل: المطر الذي يجري ماؤه، وهو منصوب بفعل محذوف: أي: أسألك صيّباً، أو اجعله صيّباً. ٥١٥ - وروينا في كتاب الترمذي وغيره، عن أُبيّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تَسُبُّوا الرّيحَ، فإنْ رأيْتُمْ ما تَكْرَهُونَ فَقُولوا: اللَّهُمَّ إنَّا نَسْألُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الرّيحِ، وخَيْرِ ما فِيها، وَخَيْرِ ما أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ هَذِهِ الرّيحِ وَشَرّ ما فِيها وَشَرّ ما أُمِرَتْ بِهِ " قال الترمذي: حديث حسن صحيح. قال: وفي الباب عن عائشة، وأبي هريرة، وعثمان بن أبي العاص، وأنس، وابن عباس، وجابر. ٤١٦ - وروينا بالإِسناد الصحيح في كتاب ابن السني، عن سلمة بن الأكوع ﵁، قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا اشتدّتِ الريحُ يقول: " اللَّهُمَّ لَقْحاً لا عَقِيماً " (٣) . قلت: لَقْحَاً: أي: حاملاً للماء كاللقحة من الإِبل. والعقيم: التي لا ماء فيها كالعقيم من الحيوان: لا ولد فيها. ٥١٧ - وروينا فيه عن أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، ﵃، عن

стр. 178

رسول الله ﷺ قال: " إذا وقعتْ كبيرةٌ، أو هاجتْ ريحٌ عظيمةٌ، فعليكم بالتكبير، فإنه يجلو العَجَاجَ الأسْوَدَ " (١) . ٥١٨ - وروى الإِمام الشافعيُّ ﵀ في كتابه " الأُمّ " بإسناده، عن ابن عباس ﵄، قال: ما هبَّت الريح إلاّ جثا النبي ﷺ على ركبتيه وقال: " اللَّهُمَّ اجْعَلْها رَحْمَةً وَلا تَجْعَلْها عَذَاباً، اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحاً وَلا تَجْعَلْها رِيحاً " (٢) . قال ابن عباس: في كتاب الله تعالى: (إنَّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صرصرا) [فصلت : ١٦] و (أرْسَلْنا عَلَيْهِم الرّيحَ العَقِيمَ) [الذاريات: ٤١] وقال تعالى: (وَأرْسَلْنا الرّياحَ لَوَاقِحَ) [الحجر: ٢٢] وقال سبحانه: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرّياحَ مُبَشِّرَاتٍ) [الروم: ٤٦] . ٥١٩ - وذكر الشافعي ﵀ حديثاً منقطعاً، عن رجل، أنه شكا إلى النبي ﷺ الفقرَ، فقال رسول الله ﷺ : " لَعَلَّكَ تَسُبُّ الرّيحَ " (٣) . قال الشافعي ﵀: لا ينبغي لأحدٍ أن يسبَّ الرياحَ، فإنها خلقٌ لله تعالى مطيع، وجندٌ من أجناده، يجعلُها رحمةً ونقمةً إذا شاء. (بابُ ما يقولُ إذا انقضّ الكَوْكَب) ٥٢٠ - روينا في كتاب ابن السني، عن ابن مسعود ﵁، قال: أُمِرْنا أن لا نُتبع أبصارَنا الكوكبَ إذا انقضّ، وأن نقولَ عند ذلك: ما شَاءَ اللَّهُ لا قوَّة إِلاَّ باللَّهِ (٤) .

стр. 179

(بابُ تركِ الإِشارةِ والنَّظرِ إلى الكَوْكَبِ والبَرْق) فيه الحديث المتقدم في الباب قبلَه. ٥٢١ - وروى الشافعي ﵀ في " الأم " بإسناده عمّن لا يتّهم (١) عن عروة بن الزبير ﵄، قال: إذا رأى أحدكم البرق أو الودق، فلا يُشِرْ إليه، وليصفْ ولينعتْ. قال الشافعي: ولم تزل العرب تكرهه. (بابُ ما يقولُ إذا سمعَ الرَّعْدَ) ٥٢٢ - روينا في كتاب الترمذي بإسناد ضعيف عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ كان إذا سمع صوتَ الرعد والصَّواعق قال: " اللَّهُمَّ لا تَقْتُلْنا بِغَضَبِكَ، ولا تُهْلِكْنا بِعَذَابِكَ، وَعافِنا قَبْلَ ذلكَ ". ٥٢٣ - وروينا بالإِسناد الصحيح في " الموطأ " عن عبد الله بن الزبير ﵄ أنه كان إذا سمع الرعدَ تركَ الحديثَ وقال: " سُبْحانَ الَّذي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ". ٥٢٤ - وروى الإِمام الشافعي ﵀ في " الأُمّ " بإسناده الصحيح عن طاوس الإِمام التابعي الجليل ﵀ أنه كان يقولُ إذا سمع الرعد: سبحانَ مَنْ سَبَّحَتْ له. قال الشافعي: كأنه يذهب إلى قول الله تعالى: (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ) (٣) . ٥٢٥ - وذكروا عن ابن عباس ﵄ قال: " كنّا مع عمر ﵁ في سفر، فأصابنا رعدٌ وبرقٌ وبَرَدٌ، فقال لنا كعب: مَن قال حين يسمع الرعد: سُبْحَانَ مَنْ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ثلاثاً، عُوفي مِنْ ذلكَ الرعد، فقلنا فعوفينا. (بابُ ما يقولُ إذا نزلَ المطرُ) ٥٢٦ - روينا في " صحيح البخاري " عن عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا رأى المطر قال: " اللَّهُمَّ صَيِّباً نافِعاً ".

стр. 180

٥٢٨ - وروينا في " سنن ابن ماجه " وقال فيه: " اللَّهُمَّ صَيِّباً نافِعاً " مرّتين أو ثلاثاً. ٥٢٨ - وروى الشافعي ﵀ في " الأُمّ " بإسناده حديثاً مرسلاً، عن النبي ﷺ قال: " اطلبو استجابة الدعاء عند التقاء الجيوش، وإقامة الصّلاة (١) . (بابُ ما يقولُه بعدَ نزولِ المطر) ٥٢٩ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن زيد بن خالد الجهني ﵁، قال: صلَّى بنا رسولُ الله ﷺ صلاةَ الصبح بالحديبية في إثر سماءٍ كانتْ من الليل، فلما انصرفَ أقبلَ على الناس فقال: " هَلْ تَدْرُونَ ماذَا قالَ رَبُّكُمْ؟ " قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلم، قال: قالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبادِي مُؤْمِنٌ بِي وكافِرٌ، فأمَّا مَنْ قالَ: مُطِرْنا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كافرٌ بالكَوْكَبِ، وأمَّا مَنْ قالَ: مُطِرْننا بِنَوءِ كَذَا وكَذّا، فَذَلِكَ كافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بالكَوْكَبِ ". قلت: الحديبية معروفة، وهي بئر قريبة من مكة دون مرحلة، ويجوز فيها تخفيف الياء الثانية وتشديدها، والتخفيف هو الصحيح المختار، وهو قول الشافعي وأهل اللغة، والتشديد قول ابن وهب وأكثر المحدّثين. والسماء هنا: المطر. وإثر بكسر الهمزة وإسكان الثاء، ويقال بفتحهما لغتان. قال العلماء: إن قال مسلم: مُطرنا بنوْء كذا، مريداً أن النَّوْءَ هو الموجد والفاعل المحدِثُ للمطر، صارَ كافراً مرتدّاً بلا شكّ، وإن قاله مُريداً أنه علامة لنزول المطر، فينزل المطر عند هذه العلامة، ونزوله بفعل الله تعالى وخلقه سبحانه، لم يكفر. واختلفوا في كراهته، والمختار أنه مكروه، ولأنه من ألفاظ الكفّار، وهذا ظاهر الحديث، ونصَّ عليه الشافعي ﵀ في " الأمّ " وغيره، والله أعلم. ويُستحبّ أن يشكر الله على هذه النعمة، أعني نزول المطر. (باب ما يقوله إذا كثر المطرُ وخِيفَ منه الضَّرَر) ٥٣٠ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أنس ﵁، قال: دخل رجلٌ المسجدَ يوم جمعة، ورسولُ الله ﷺ قائمٌ يخطب، فقال: يارسولَ الله هلكت

стр. 181

الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا (١) ، فرفعَ رسولُ الله ﷺ يديْهِ ثم قال: " اللَّهُمَّ أغِثْنا، اللَّهُمَّ أغِثْنا "، قال أنس: ولا والله، ما نرى في السماء من سَحاب ولا قَزْعَةٍ (٢) ، وما بينا وبين سلع - يعني الجبل المعروف بقرب المدينة - من بيت ولا دار، فطلعتْ من ورائه سحابةٌ مثل الترس، فلما توسطت السماءَ انتشرتْ ثم أمطرت، فلا والله ما رأينا الشمس سَبْتَاً (٣) ، ثم دخلَ رجلٌ من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسولُ الله ﷺ قائمٌ يخطب، قال: يا رسول الله هلكتِ الأموالُ وانقطعتِ السُّبلُ، فادع الله يُمسكها (٤) عنّا، فرفعَ رسولُ الله ﷺ يديه ثم قال: " اللَّهُمَّ حَوَالَيْنا ولاَ علينا، والظراب وبطون الأودية ومَنَابِتِ الشَجَرِ، فانقلعتْ وخرجنا نمشي في الشمس " هذا حديث لفظه فيهما، إلا أن في رواية البخاري: " اللَّهُمَّ اسْقِنا " بدل " أغِثْنا " وما أكثر فوائده (٦) ، وبالله التوفيق. (بابُ أذكارِ صَلاة التَّراويْح) اعلم أن صلاة التراويح سُنّة باتفاق العلماء، وهي عشرون ركعة، يُسَلِّم من كل ركعتين، وصفةُ نفس الصلاة كصفة باقي الصلوات على ما تقدم بيانه، ويجئ فيها جميعُ الأذكار المتقدمة كدعاء الافتتاح، وإستكمال الأذكار الباقية، واستيفاء التشهد، والدعاء بعده، وغير ذلك مما تقدم، وهذا وإن كان ظاهراً معروفاً، فإنما نبَّهتُ عليه لتساهل أكثر الناس فيه، وحذفهم أكثر الأذكار، والصواب ما سبق. وأما القراءة فالمختار الذي قاله الأكثرون وأطبقَ الناسُ على العمل به أن تقرأ الختمةُ بكمالها في التراويح جميع الشهر، فيقرأ في كل ليلة نحو جزء من ثلاثين جزءاً، ويُستحبّ أن يرتل القراءة ويبيِّنها، وليحذرْ من التطويل عليهم بقراءة أكثر من جزء، *

стр. 182

وليحذرْ كلَّ الحذرِ مما اعتاده جهلةُ أئمة كثير من المساجد من قراءة سورة الأنعام بكمالها في الركعة الأخيرة في الليلة السابعة من شهر رمضان، زاعمين أنها نزلتْ جملةً، وهذه بدعة قبيحة وجهالة ظاهرة مشتملة على مفاسد كثيرة، وقد أوضحتها في كتاب التبيان في آداب حملة القرآن " وبالله التوفيق. (بابُ أذكارِ صَلاةِ الحَاجة) ٥٣١ - روينا في كتاب الترمذي وابن ماجه، عن عبد الله بن أبي أوفى ﵄، قال: قال: رسول الله ﷺ : " مَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى أوْ إلى أحدٍ مِن بَني آدَمَ فَلْيَتَوَضَّأ وَلْيُحْسِنِ الوُضُوءِ، ثُمَّ ليُصَلّ رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ لِيُثْنِ على الله ، وَلْيُصَلّ على النَّبِيّ ﷺ ثُمَّ ليَقُلْ: لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ الحَلِيمُ الكَرِيمُ، سُبْحانَ اللَّه رَبّ العَرْشِ العَظِيمِ، الحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ العالَمِينَ، أسألُكَ مُوجِباتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَالغَنِيمَةَ مِنْ كُلّ بِرّ، والسَّلامَةَ مِنْ كُلّ إثْمٍ، لا تَدَعْ لِي ذَنْباً إِلاَّ غَفَرْتَهُ، وَلا هَمَّاً إِلاَّ فَرَّجْتَهُ، وَلا حاجَةً هِيَ لَكَ رِضاً إِلاَّ قَضَيْتَها يا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ". قال الترمذي: في إسناده مقال (١) . قلتُ: ويُستحبّ أن يدعوَ بدعاء الكرب، وهو: اللَّهُمَّ آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذَابَ النَّارِ، لما قدّمناه عن " الصحيحين " فيهما. ٥٣٢ - وروينا في كتاب الترمذي، وابن ماجه، عن عثمان بن حُنَيْف ﵁، أن رجلاً ضريرَ البصر أتى النبيَّ ﷺ فقال: ادعُ اللَّهَ تعالى أن يعافيني، قال: " إنْ شِئْتَ دَعَوْتُ، وَإِنْ شِئْتَ صَبرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قال فادعُه، فأمره أن يتوضأَ فيُحسنَ وضوءَه ويدعوَ بهذا الدعاء: اللَّهُمَّ إني أسألُكَ وأتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ نبي الرحمة، يا مُحَمَّدُ إني تَوَجَّهْتُ بكَ إلى رَبّي في حاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى لي، اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فيّ " قال الترمذي: حديث حسن صحيح. (باب أذكار المتعلقة بالزكاة) ٥٣٣ - روينا في كتاب الترمذي عنه قال: قد روي عن النبي ﷺ غير حديث في صلاة التسبيح، لا يصح منه كبير شئ (٢) . قال: وقد رأى ابن المبارك وغير واحد من

стр. 183

أهل العلم صلاة التسبيح، وذكروا الفضل فيه. قال الترمذي: حدّثنا أحمد بن عبدة، قال: حدّثنا أبو وهب، قال: سألت عبد الله بن المبارك عن الصلاة التي يسبّح فيها، قال: يكبّر ثم يقول: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، تَبارَكَ اسْمُكَ وَتَعالى جَدُّكَ وَلا إِلهَ غَيْرُكَ، ثم يقول خمس عشرة مرّة: سُبحانَ الله والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إله إلا الله والله أكبر، ثم يتعوّذ ويقرأ بسم الله الرحمن الرحيم وفاتحة الكتاب، وسورة، ثم يقول عشر مرات: سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إله إلا الله وَاللَّهُ أكْبَرُ، ثم يركع فيقولها عشراً، ثم يرفع رأسه فيقولها عشراً، ثم يسجد فيقولها عشراً، ثم يرفع رأسه فيقولها عشراً، ثم يسجد الثانية فيقولها عشراً، يصلي أربع ركعات على هذا، فذلك خمس وسبعون تسبيحة في كل ركعة، يبدأ بخمس عشرة تسبيحة، ثم يقرأ، ثم يسبّح عشراً، فإن صلى ليلاً، فأحبّ إليّ أن يسلّم في ركعتين، وإن صلّى نهاراً، فإن شاء سلّم، وإن شاء لم يسلّم (١) . وفي رواية عن عبد الله بن المبارك أنه قال: يبدأ في الركوع: سبحان ربي العظيم، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً، ثم يُسبِّح التسبيحات، وقيل لابن المبارك: إن سها في هذه الصلاة، هل يُسبِّح في سجدتي السهو عشراً عشراً؟ قال: لا، إنما هي ثلاثمائة تسبيحة. ٥٣٤ - وروينا في كتاب الترمذي، وابن ماجه، عن أبي رافع ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ للعباس: يا عَمُّ ألا أصِلُكَ ألا أحْبُوكَ ألا أنْفَعُكَ؟ " قال: بلى يا رسول الله، قال: " يا عَمّ صَلّ أرْبَعَ رَكعَاتٍ تَقْرأُ فِي كُلّ رَكْعَةٍ بِفاتِحَةِ القُرآنِ وَسُورَةٍ، فإذَا انْقَضَتِ القِرَاءةُ، فَقُلِ: اللَّهُ أكْبَرُ وَالحَمْدُ لِلَّهِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً قَبْلَ أنْ تَرْكَعَ، ثُمَّ ارْكَعْ فَقُلْها عَشْراً ثُمَّ ارْفَعْ رأسَكَ، فَقُلْها عَشْراً، ثُمَّ اسْجُدْ، فَقلْها عَشْراً، ثُمَّ ارْفَعْ رأسَكَ، فَقُلْها عَشْراً قَبْلَ أنْ تَقُومَ، فَتِلْكَ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ فِي كُلّ رِكْعَةٍ، وهي ثلاثمائة

стр. 184

في أرْبَعِ رَكَعاتٍ، فَلَوْ كانَتْ ذُنُوبُكَ مِثْلَ رَمْلِ عالِجٍ غَفَرَهَا اللَّهُ تَعالى لَكَ "، قال: يا رَسولَ الله مَن يستطيع أن يقولها في يوم؟ قال: " إنْ لَمْ تَسْتَطِعْ أنْ تَقُولَهَا فِي يَوْمٍ فَقُلْها فِي جُمُعَةٍ، فإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ أنْ تَقُولَهَا في جُمُعَةٍ فَقُلْها فِي شَهْرٍ، فلم يزل يقول له حتى قال: قُلْها في سَنَةٍ " قال الترمذي: هذا حديث غريب. قلت: قال الإِمام أبو بكر بن العربي في كتابه " الأحوذيّ في شرح الترمذي ": حديث أبي رافع هذا ضعيف ليس له أصل في الصحة ولا في الحسن، قال: وإنما ذكره الترمذي لينبّه عليه لئلا يغترّ به، قال: وقول ابِن المبارك ليس بحجة، هذا كلام أبي بكر بن العربي. وقال العُقَيْلي: ليس في صلاة التسبيح حديث يثبت، وذكر أبو الفرج بن الجوزي أحاديثَ صلاة التسبيح وطرقها، ثم ضعَّفها كلَّها وبيّن ضعفَها، ذكره في كتابه في الموضوعات (١) . وبلغنا عن الإِمام الحافظ أبي الحسن الدارقطني ﵀ أنه قال: أصح شئ في فضائل السوَر، فضل: (قل هو الله أحد) وأصحّ شئ في فضائل الصلوات فضل صلاة التسبيح، وقد ذكرتُ هذا الكلامَ مسنداً في كتاب " طبقات الفقهاء " في ترجمة أبي الحسن عليّ بن عمر الدارقطني، ولا يلزم من هذه العبارة أن يكون حديثُ صلاة التسبيح صحيحاً، فإنهم يقولون: هذا أصحُّ ما جاء في الباب، وإن كان ضعيفاً، ومرادُهم أرجحُه وأقلُّه ضعفاً (٢) . قلت: وقد نصَّ جماعةٌ من أئمة أصحابنا على استحباب صلاة التسبيح هذه، منهم أبو محمد البغوي وأبو المحاسن الروياني. قال الروياني في كتابه " البحر " في آخر " كتاب الجنائز " منه: اعلم أن صلاة التسبيح مُرَغَّب فيها، يُستحبّ أن يعتادها في كل حين، ولا يتغافل عنها، قال: هكذا قال عبد الله بن المبارك وجماعة من العلماء. قال: وقيل لعبد الله بن المبارك: إن سهَا في صلاة التسبيح، أيُسبِّح في سجدتي السهو عشراً عشراً؟ قال: لا، وإنما هي ثلاثمائة تسبيحة، وإنما ذكرتُ هذا الكلام في سجود السهو، وإن كان قد تقدم لفائدة لطيفة، وهي أن مثل هذا الإِمام إذا حكى هذا ولم ينكره أشعر بذلك بأنه يوافقه، فيكثر القائل بهذا الحكم، وهذا الروياني من فضلاء أصحابنا المطّلعين، والله أعلم.

стр. 185

(بابُ الأذكارِ المتعلّقةِ بالزَّكَاة) قال الله تعالى: (خُذْ منْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) [التوبة: ١٠٣] . ٥٣٥ - وروينا في (صحيحي البخاري ومسلم) عن عبد الله بن أبي أوفى ﵄، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتاه قوم بصدقة قال: " اللَّهُمَّ صَلّ عَلَيْهِمْ " فأتاه أبو أوفى بصدقته فقال: " اللَّهُمَّ صَلّ على آلِ أبي أوْفَى ". قال الشافعي والأصحاب ﵏: الاختيار أن يقول: آخذ الزكاة لدافعها: آجَرَكَ (١) اللَّهُ فِيما أعْطَيْتَ، وَجَعَلَهُ لَكَ طَهُوراً، وَبَارَكَ لَكَ فِيما أَبْقَيْتَ، وهذا الدعاء مستحبّ لقابض الزكاة، سواءٌ كان الساعي أو الفقراء، وليس الدعاء بواجب على المشهور من مذهبنا ومذهب غيرنا. وقال بعض أصحابنا: إنه واجب، لقول الشافعي: فحقّ على الوالي أن يدعوَ له، ودليلُه ظاهر الأمر في الآية. قال العلماء: ولا يستحبُّ أن يقولَ في الدعاء: اللَّهُمّ صلِّ على فلان، والمراد بقوله تعالى: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ " أي: ادْع لهم. وأما قول النبي ﷺ : " اللَّهُمَّ صَلّ عَلْيهِم عَلْيهِم " فقال لكون لفظ الصلاة مختصّاً به، فله أن يُخاطب به مَنْ يَشاءُ بخلافنا نحن. قالوا: وكما لا يُقال: محمد وإن كان عزيزاً جليلاً، فكذا لا يُقال: أبو بكر، أو عليّ ﷺ ، بل يُقال: ﵁، أو رضوان الله عليه، وشبه ذلك، فلو قال: ﷺ ، فالصحيح الذي عليه جمهور أصحابنا أنه مكروه كراهة تنزيه. وقال بعضهم: هو خلاف الأولى، ولا يُقال: مكروه. وقال بعضهم: لا يجوز، وظاهره التحريم، ولا ينبغي أيضاً في غير الأنبياء أن يُقال: ﵇، أو نحو ذلك إلا إذا كان خطاباً أو جواباً، فإن الابتداء بالسلام سنّة، وردُّه واجب، ثم هذا كلُّه في الصلاة، والسلام على غير الأنبياء مقصوداً. أما إذا جُعل تبعاً، فإنه جائز بلا خلاف، فيُقال: اللَّهمّ صلّ على محمدٍ وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذرّيته وأتباعه، لأن السَّلفَ لم يمتنعوا من هذا، بل قد أُمرنا به في التشهد وغيره، بخلاف الصلاة عليه منفرداً، وقد قدَّمْتُ ذكرَ هذا الفصل مبسوطاً في " كتاب الصلاة على النبي ﷺ ". [فصل] : اعلم أن نيّة الزكاة واجبة، ونيّتها تكون بالقلب كغيرها من العبادات، ويستحبّ أن يضمّ إليه التلفظ باللسان، كما في غيرها من العبادات، فإن اقتصر على لفظ

стр. 186

اللسان دون النيّة بالقلب، ففي صحته خلاف. الأصحّ أنه لا يصحّ، ولا يجب على دافع الزكاة إذا نوى أن يقول مع ذلك: هذه زكاة، بل يكفيه الدفع إلى مَن كان من أهلها، ولو تلفظ بذلك لم يضرّه، والله أعلم. [فصل] : يُستحبّ لمن دفع زكاةً، أو صدقةً، أو نذراً، أو كفّارةً ونحو ذلك أن يقول: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العليم، قد أخبرَ الله بذلك عن إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما وسلم، وعن امرأة عمران. كتاب أذكار الصّيام (بابُ ما يقوله إذا رأى الهلالَ، وما يقولُ إذا رأى القمرَ) ٥٣٦ - روينا في " مسند الدارمي " وكتاب الترمذي، عن طلحة بن عبيد الله ﵁، أن النبي ﷺ كان إذا رأى الهلال قال: " اللَّهُمَّ أهِلَّهُ عَلَيْنا باليُمْنِ وَالإِيمانِ وَالسَّلامَةِ وَالإِسْلامِ رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ " قال الترمذي: حديث حسن. ٥٣٧ - وروينا في " مسند الدارمي " عن ابن عمر ﵄، قال: كان رسول الله ﷺ إذا رأى الهلال قال: " اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُمَّ أهِلَّهُ عَلَيْنا بالأمْنِ والإِيْمَانِ والسَّلامَةِ والإِسلامِ، وَالتَّوْفِيقِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، رَبُّنا وَرَبُّكَ اللَّهُ ". ٥٣٨ - وروينا في " سنن أبي داود " في " كتاب الأدب " عن قتادة، أنه بلغه، أن نبيّ الله ﷺ كان إذا رأى الهلالَ قال: " هِلالٌ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، هِلالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، هِلالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، آمَنْتُ بالله الَّذي خَلَقَكَ "، ثَلاث مراتٍ، ثم يقول: " الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي ذَهَبَ بِشَهْرِ كَذَا وجَاءَ بِشَهْرِ كَذَا ". وفي رواية عن قتادة " أن النبي ﷺ كان إذا رأى الهلال صرف وجهَه عنه " هكذا رواهما أبو داود مُرسَلَين. وفي بعض نسخ أبي داود، قال أبو داود: ليس في هذا الباب عن النبي ﷺ حديث مُسند صحيح (١) . ٥٣٩ - ورويناه في كتاب ابن السني، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ . ٥٤٠ - وأما رؤية القمر، فروينا في كتاب ابن السني، عن عائشة ﵂

стр. 187

قالت: أخذ رسولُ الله ﷺ بيدي، فإذا القمر حين طلع فقال: " تَعَوَّذِي بالله مِنْ شَرّ هَذَا الغاسقِ (١) إذَا وقب " (٢) . ٥٤١ - وروينا في " حلية الأولياء " بإسناد فيه ضعفٌ، عن زياد النميري، عن أنس ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل رجب قال: " اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا في رَجَبَ وَشَعْبَانَ وَبَلِّغْنا رَمَضَانَ ". ورويناه أيضاً في كتاب ابن السني بزيادة (٣) . (بابُ الأذكارِ المستحبّة في الصَّوْم) يُستحبُّ أن يجمعَ في نيّة الصوم بين القلب واللسان، كما قلنا في غيره من العبادات، فإن اقتصر على القلب كفاه، وإن اقتصرَ على اللسان لم يجزئه بلا خلاف، والسُّنّة إذا شتمَه غيرُه، أو تَسَافَه عليه في حال صومه أن يقول: " إني صائم إني صائم " مرتين أو أكثر. ٥٤٢ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: " الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فإذَا صامَ أحَدُكُمْ فَلا يَرْفُثْ ولا يجهل، وَإِنِ امْرُؤٌ قاتَلَهُ أو شاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إني صَائِمٌ، إني صَائِمٌ، مَرَّتَيْن ". قلت: قيل: إنه يقول بلسانه، ويُسمع الذي شاتمه لعلّه ينزجر، وقيل: يقوله بقلبه لينكفّ عن المسافهة، ويحافظ على صيانة صومه، والأوّل أظهر. ومعنى شاتمه. شتمه متعرضاً لمشاتمته، والله أعلم. ٥٣٤ - وروينا في كتابي الترمذي وابن ماجه، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : " ثَلاَثَةٌ لاَ تُرَدُّ دَعْوَتُهُم: الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَالإِمامُ العادِلُ، وَدَعْوَةُ المَظْلُومِ " قال الترمذي: حديث حسن.

стр. 188

قلت: هكذا الرواية " حتى " بالتاء المثناة فوق (١) . (بابُ ما يقولُ عندَ الإِفْطَار) ٥٤٤ - روينا في سنن أبي داود، والنسائي، عن ابن عمر ﵄، قال: كان النبي ﷺ إذا أفطر قال: " ذَهَبَ الظَّمأُ، وابْتَلَّتِ العُرُوقُ، وَثَبَتَ الأجْرُ إِنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى " (٢) . قلت: الظمأ مهموز الآخر مقصور: وهو العطش. قال الله تعالى: (ذلكَ بأنهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمأُ) [التوبة: ١٢٠] وإنما ذكرت هذا وإن كان ظاهراً، لأني رأيتُ مَن اشتبه عليه فتوهمه ممدوداً. ٥٤٥ - وروينا في سنن أبي داود، عن معاذ بن زهرة، أنه بلغه، أن النبي ﷺ كان إذا أفطر قال: " اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ، وَعَلى رِزْقِكَ أفْطَرْتُ " هكذا رواه مرسَلاً (٣) . ٥٤٦ - وروينا في كتاب ابن السني، عن معاذ بن زهرة، قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا أفطر قال: " الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي أعانَنِي فَصَمْتُ، وَرَزَقَنِي فأفْطَرْتُ " (٤) . ٥٤٧ - وروينا في كتاب ابن السني عن ابن عباس ﵄، قال: كان النبي ﷺ إذا أفطر قال: " اللَّهُمَّ لَكَ صُمْنا، وَعلى رِزْقِكَ أَفْطَرْنا، فَتَقَبَّلْ مِنَّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ " (٥) . ٥٤٨ - وروينا في كتابي ابن ماجه، وابن السني، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: " إنَّ للصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ لَدَعْوَةً ما تُرَدُّ " قال ابن أبي مُليكة: سمعتُ عبد الله بن عمرو إذا أفطرَ يقول: " اللَّهُمَّ إني أسألُكَ بِرَحْمَتِكَ الَّتِي وَسِعَتْ كل شئ أنْ تَغْفِرَ لي " (٦) .

стр. 189

(بابُ ما يَقُولُ إذا أفطرَ عندَ قوم) ٥٤٩ - روينا في سنن أبي داود وغيره بالإِسناد الصحيح (١) ، عن أنس ﵁، أن النبي ﷺ جاء إلى سعد بن عبادة، فجاء بخبزٍ وزيْتٍ، وهو كذلك في نسخ الأذكار، ولكنه تصحيف، والصحيح أنه جاء بخبز وزبيب. فأكل، ثم قال النبيُّ ﷺ : أفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ، وأكَلَ طَعَامَكُمُ الأبْرَارُ وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ المَلاَئِكَةُ ". ٥٥٠ - وروينا في كتاب ابن السني عن أنس قال: كان النبي ﷺ إذا أفطر عند قوم دعا لهم فقال: " أفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ ... " إلى آخره (٢) . (بابُ ما يَدعُو به إذا صَادَفَ ليلةَ القَدْر) ٥٥١ - روينا بالأسانيد الصحيحة في كتب الترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرها عن عائشة ﵂ قالتْ: قلتُ: يارسول اللَّه إن علمتُ ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: " قُولي: اللَّهُمَّ إنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فاعْفُ عَنِّي " قال الترمذي: حديث حسن صحيح. قال أصحابَنا ﵏: يُستحبّ أن يُكثِر فيها من هذا الدعاء، ويُستحبّ قراءةُ القرآن وسائر الأذكار والدعوات المستحبة في المواطن الشريفة، وقد سبقَ بيانها مجموعةً ومفرّقةً. قال الشافعي ﵀: أستحبّ أن يكون اجتهادُه في يومها كاجتهاده في ليلتها، هذا نصّه، ويستحبّ أن يُكثرَ فيها من الدعوات بمهمات المسلمين، فهذا شعار الصالحين وعباد الله العارفين، وبالله التوفيق. (بابٌ الأَذْكَارِ في الاعْتِكَاف) يُستحبّ أن يُكثر فيه من تلاوة القرآن وغيرِه من الأذكار. كتاب أذكارِ الحجّ اعلم أن أذكار الحجّ ودعواته كثيرة لا تنحصر، ولكن نُشير إلى المهمّ من مقاصدها، والأذكار التي فيها على ضربين: أذكار في سفره، وأذكار في نفس الحجّ. فأما التي في سفره، فنؤخرها لنذكرَها في أذكار الأسفار إن شاء الله تعالى. وأما التي في نفس الحج فنذكرُها على ترتيب عمل الحجّ إن شاء الله تعالى، وأحذفُ الأدلة والأحاديث في

стр. 190

أكثرها خوفاً من طول الكتاب، وحصول السآمة على مُطالِعِهِ، فإن هذا البابَ طويلٌ جداً، فلهذا أسلُك فيه الاختصار إن شاء الله تعالى. فأول ذلك: إذا أراد الإِحرام اغتسل وتوضأ ولبس إزاره ورداءه (١) ، وقد قدمنا ما يقوله المتوضئ والمغتسل، وما يقول إذا لبس الثوب، ثم يُصلِّي ركعتين، وتقدمت أذكار الصلاة، ويُستحبّ أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة (قُلْ يا أيها الكافرون) وفي الثانية (قل هو اللَّهُ أحَدٌ) فإذا فَرغَ من الصلاة استحبّ أن يدعوَ بما شاء، وتقدَّم ذكرُ جُملٍ من الدعواتِ والأذكار خلفَ الصلاة، فإذا أراد الإِحرام نواه بقلبه. ويُستحبُّ أن يساعدَ بلسانه قلبه (٢) ، فيقول: نويتُ الحجَّ وأحرمتُ به لله ، لبّيك اللَّهمَّ لبّيك ... إلى آخر التلبية. والواجب نيّة القلب، واللفظ سنّة، فلو اقتصرَ على القلب أجزأه، ولو اقتصر على اللسان لم يجزئه. قال الإِمام أبو الفتح سُليم بن أيوب الرازي: لو قال يعني بعد هذا: اللَّهمّ لك أحرم نفسي وشعري وبشري ولحمي ودمي، كان حسناً (٣) . وقال غيره: يقول أيضاً: اللهمّ إني نويت الحجّ فأعنّي عليه وتقبله مني، ويلبّي فيقول: ٥٥٢ - لبيكَ اللَّهمّ لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إن الحمد والنعمة لك والمُلْك، لا شريك لك، هذه تلبية رسول الله ﷺ ، ويُستحبّ أن يقولَ في أوّل تلبية يلبّيها: لبّيك اللَّهمّ بحجة، إن كان أحرم بحجة، أو لبّيك بعمرة، إن كان أحرم بها، ولا يُعيد ذكرَ الحجّ والعمرة فيما يأتي بعد ذلك من التلبية على المذهب الصحيح المختار. واعلم أن التلبيةَ سنّةٌ لو تركها صحّ حجّه وعمرتُه ولا شئ عليه، لكن فاتته الفضيلةُ العظيمة والاقتداء برسول الله صلى الله ﷺ ، هذا هو الصحيح من مذهبنا ومذهب جماهير العلماء، وقد أوجبها بعضُ أصحابنا، واشترطَها لصحة الحجّ بعضُهم، والصوابُ الأوّل، لكنْ

стр. 191

تُستحبّ المحافظة عليها للاقتداء برسول الله ﷺ ، وللخروج من الخلاف، واللَّهُ أعلم. وإذا أحرم عن غيره قال: نويتُ الحجَّ وأحرمتُ به لله تعالى عن فلان، لبّيك اللَّهمّ عن فلان ... إلى آخر ما يقوله مَن يُحرم عن نفسه. [فصل] : ويُستحبّ أن يصلِّي على رسول الله ﷺ بعد التلبية، وأن يدعوَ لنفسه ولمن أراد بأمور الآخرة والدنيا، ويسألُ الله تعالى رضوانَه والجنّة، ويستعيذُ به من النار، ويُستحبّ الإِكثار من التلبية، ويستحبّ ذلك في كلّ حال قائِماً، وقاعداً، وماشياً، وراكباً، ومضطجعاً، ونازلاً، وسائراً، ومُحْدِثاً، وجُنباً، وحائضاً، وعند تجدّد الأحوال وتغايرها زماناً ومكاناً، وغير ذلك، كإقبال الليل والنهار، وعند الأسحار، واجتماع الرِّفاق، وعند القيام والقعود، والصعود والهبوط، والركوب والنزول، وأدبار الصَّلواتِ، وفي المساجد كلِّها، والأصحُّ أنه لا يُلبّي في حال الطواف والسعي، لأن لهما أذكاراً مخصوصة. ويُستحبّ أن يرفعَ صوتَه بالتلبية بحيث لا يشقّ عليه، وليس للمرأة رفع الصوت، لأن صوتَها يُخاف الافتتان به. ويُستحبّ أن يُكرِّر التلبية كل مرّة ثلاث مرات فأكثر، ويأتي بها متوالية لا يقطعها بكلام لا غيره. وإن سلَّم عليه إنسانٌ ردّ السلام، ويُكره السلام عليه في هذه الحالة. ٥٥٣ - وإذا رأى شَيْئاً فَأعْجَبَهُ قال: لبّيك إن العيشَ عيشُ الآخرة، اقتداءً برسول الله ﷺ (١) . واعلم أن التلبية لا تزالُ مستحبةً حتى يرميَ جمرة العقبة يومَ النحر أو يطوفَ طوافَ الإِفاضة إن قدّمه عليها، فإذا بدأ بواحد منهما قطعَ التلبية مع أول شروعه فيه، واشتغلَ بالتكبير. قال الإِمام الشافعي ﵀: ويُلبّي المعتمرُ حتى يَستلم الركن. [فصل] : فإذا وصل المحرمُ إلى حرم مكة زاده الله شرفاً، أستحبَّ له أن يقولَ: اللهم

стр. 192

هَذَا حَرَمُكَ وأمْنُكَ فَحَرِّمنِي على النارِ، وأمِّنّي مِن عَذَابِكَ يَومَ تَبْعَثُ عِبادَكَ، وَاجْعَلْنِي مِن أولِيائِك وَأهْلِ طَاعَتِكَ، ويدعو بما أحبّ (١) . [فصل] : فإذا دخل مكة ووقع بصرُه على الكعبة ووصلَ المسجدَ، استحبّ له أن يرفع يديه ويدعو، فقد جاء أنه يُستجاب دعاءُ المسلم عند رؤية الكعبة، ويقول: اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا البَيْتَ تَشْريفاً وَتَعْظِيماً وَتَكْرِيماً وَمَهَابَةً، وَزِدْ مِن شَرَّفَهُ وكَرمَهُ مِمَّنْ حَجَّه أو اعْتَمَرَه تَشْرِيفاً وَتَكْرِيماً وَتَعْظِيماً وَبِرّاً. ويقول: اللَّهُمَّ أنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ، حَيِّنا رَبَّنا بالسَّلامِ، ثم يدعو بما شاء من خيراتِ الآخرة والدنيا، ويقول عند دخول المسجد ما قدّمناه في أوّل الكتاب في جميع المساجد. فصل في أذكار الطواف: يُستحبّ أن يقول عند استلام الحجر الأسود وعند ابتداء الطواف أيضاً: بِسمِ اللَّهِ واللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُمَّ إيمَاناً بِكَ وَتَصدِيقاً بِكِتابِكَ، وَوَفاءً بِعَهْدِكَ وَاتِّباعاً لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ ﷺ . ويُستحبّ أن يكرِّر هذا الذكر عند محاذاة الحجر الأسود في كل طوفة، ويقولُ في رمله في الأشواط الثلاثة: " اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حجا مبرورا وذنْباً مَغْفُوراً، وَسَعْياً مَشْكُوراً " (٢) . ويقول في الأربعة الباقية من أشواظا لطواف: " اللَّهُمَّ اغْفِر وَارْحَمْ، وَاعْفُ عَمَّا تَعْلَمْ وَأنْتَ الأعَزُّ الأكْرَم، اللَّهُمَّ رَبَّنا آتنا في الدُّنْيا حسنة وفي الآخرة حسنة وَقِنا عَذَابَ النَّارِ ". قال الشافعي ﵀: أحبُّ ما يُقال في الطواف: اللَّهُمَّ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا

стр. 193

حَسَنَةً ... إلى آخره، قال: وأُحِبُّ أن يُقال في كله، ويُستحبّ أن يدعوَ فيما بين طوافه بما أحبّ من دين ودنيا، ولو دعا واحد وأمَّن جماعةٌ فحسن. وحُكي عن الحسن ﵀ أن الدعاء يُستجاب هنالك في خمسة عشر موضعاً: في الطواف، وعند الملتزم، وتحت الميزاب، وفي البيت، وعند زمزم، وعلى الصفا والمروة، وفي المسعى، وخلف المقام، وفي عرفات، وفي المزدلفة، وفي منى، وعند الجمرات الثلاث، فمحروم مَن لا يَجتهد في الدعاء فيها. ومذهب الشافعي وجماهيرُ أصحابه أنه يُستحبّ قراءةُ القرآن في الطواف لأنه موضعُ ذكر. وأفضلُ الذكر قراءةُ القرآن. واختار أبو عبد الله الحليمي من كبار أصحاب الشافعي أنه لا يُستحبّ قراءة القرآن فيه، والصحيحُ هو الأول. قال أصحابُنا: والقراءةُ أفضلُ من الدعوات غير المأثورة، وأما المأثورةُ فهي أفضل من القراءة على الصحيح. وقيل: القراءة أفضل منها. قال الشيخ أبو محمد الجويني ﵀: يُستحبّ أن يقرأ في أيام الموسم ختمةً في طوافه فيعظُم أجرها (١) ، والله أعلم. ويُستحبّ إذا فرغَ من الطواف ومن صلاة ركعتي الطواف أن يدعوَ بما أحبّ، ومن الدعاء المنقول فيه: اللَّهُمَّ أَنَا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكِ أتَيْتُكَ بِذُنُوبٍ كَثِيرَةٍ (٢) وأعْمالٍ سَيِّئَةٍ وَهَذَا مَقَامُ العائِذِ بِكَ مِنَ النَّارِ فاغْفِرْ لي إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ ". فصل في الدعاء الملتزم ، وهو ما بين الكعبة والحجر الأسود: وقد قدَّمْنَا أنه يُستجاب فيه الدعاء. ومن الدعوات المأثورة: " اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ حَمْداً يُوَافِي نعمك، ويكافئ مَزِيدَكَ، أحْمَدُكَ بِجَمِيعِ مَحَامِدِكَ ما عَلِمْتُ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ على جَمِيعِ نِعَمِكَ ما عَلِمْتُ مِنْها وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَعَلى كُلّ حالٍ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ على مُحَمََّدٍ وَعَلى آلِ مُحَمَّدٍ، اللَّهُمَّ أعِذنِي مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، وأَعِذْني مِنْ كُلِّ سُوءٍ، وَقَنِّعْنِي بِمَا رَزَقْتَنِي وَبَارِكْ لِي فِيهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَكْرَمِ وَفْدِكَ عَلَيْكَ، وألْزِمْنِي سَبِيلَ الاسْتِقَامَةِ حتَّى ألْقاكَ يا رب العالمين، ثم يدعو بما أحب (٣) .

стр. 194

[فصل] : في الدعاء في الحِجْر ، بكسر الحاء وإسكان الجيم، وهو محسوب من البيت. وقد قدمنا أنه يُستجاب الدعاءُ فيه. ومن الدعاء المأثور فيه: يا رَبّ أتَيْتُكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ مُؤَمِّلاً مَعْرُوفَكَ فَأنِلْنِي مَعْرُوفاً مِنْ مَعْرُوفِكَ تُغْنِينِي بِهِ عَنْ مَعْرُوفِ مَنْ سِوَاكَ يا مَعْرُوفاً بالمَعْرُوفِ " (١) . فصل في الدعاء في البيت: وقد قدَّمْنا أنه يُستجاب الدعاءُ فيه. وروينا في كتاب النسائي عن أُسامةَ بن زيد ﵄ " أن رسول الله ﷺ لما دخلَ البيتَ أتى ما استقبلَ من دُبر الكعبة فوضعَ وجهَه وخدّه عليه، وحمِدَ اللَّهَ تَعالى وأثنى عليه وسألَه واستغفرَه، ثم انصرفَ إلى كلِّ ركنٍ من أركانِ الكعبةِ، فاستقبلَه بالتكبير والتهليل والتسبيح والثناء على الله والمسألة، والاستغفار، ثم خرجَ " (٢) . فصل في أذكار السعي: وقد تقدَّم أنه يُستجاب الدعاءُ فيه، والسُّنّة أن يُطيل القيام على الصفا، ويستقبل الكعبة، فيُكبّر ويدعو فيقول: اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، ولِلَّهِ الحَمْدُ، اللَّهُ أكْبَرُ على ما هَدَانا، والحَمْدُ لله على ما أولانا، لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ يُحْيِي ويُمِيتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ، وَهُوَ على كل شئ قَدِيرٌ، لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، أنجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين لَهُ الدّينَ وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُون، اللَّهُمَّ إِنَّكَ قُلْتَ: ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ، وَإِنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ، وإنِّي أسألُكَ كما هَدَيْتِني لِلإِسْلامِ أنْ لا تَنْزِعَهُ مِنِّي حتَّى تَتَوَفَّاني وأنَا مُسْلِمٌ ". ثم يدعو بخيرات الدنيا والآخرة، ويكرّر هذا لذكر والدعاء ثلاثَ مرّات، ولا يُلبّي، وإذا وصل إلى المروة رَقَى عليها وقال الأذكار والدعواتِ التي قالها على الصفا (٣) . ٥٥٥ - وروينا عن ابن عمر ﵄ أنه كان يقول على الصفا: اللهم

стр. 195

اعصمنا بدينك وطواعيتك وطواعية رسولِك ﷺ ، وجنبنا حدودك، اللَّهُمَّ اجْعَلْنا نُحِبُّكَ ونُحِبُّ مَلائِكَتَكَ وأنْبِياءَكَ وَرُسُلَكَ، وَنُحِبُّ عِبادَكَ الصَّالِحِينَ، اللَّهُمَّ حَبِّبْنا إلَيْكَ وَإلى مَلائِكَتِكَ وإلَى أنْبِيائِكَ وَرُسُلِكَ، وإلى عِبادِكَ الصَّالِحِينَ، اللَّهُمَّ يَسِّرْنا لليُسْرَى، وَجَنِّبْنا العُسْرَى، واغْفِرْ لَنا في الآخِرَةِ والأولى، وَاجْعَلْنا مِنْ أئمَّةِ المُتَّقِينَ. ويقول في ذهابه ورجوعه بين الصفا والمروة: رَبّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَتجاوَزْ عَمَّا تَعْلَمُ إنَّكَ أنْتَ الأعَزُّ الأكْرَمُ، اللَّهُمَّ آتِنا في الدُّنْيا حسنة وفي الآخرة حسنة وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١) . ومن الأدعية المختارة في السعي وفي كل مكان: ٥٥٦ - " اللَّهُمَّ يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّت قَلْبي على دِينكَ ". ٥٥٧ - " اللَّهُمَّ إني أسألُكَ مُوجِباتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ وَالسَّلامَةَ مِنْ كُلِّ إثْمٍ، وَالفَوْزَ بالجَنَّةِ، وَالنَّجاةَ مِنَ النَّارِ ". ٥٥٨ - " اللَّهُمَّ إنِّي أسألُكَ الهُدَى والتُّقَى والعَفَافَ وَالغِنَى ". ٥٥٩ - " اللَّهُمَّ أعِنِّي على ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِك ". ٥٦٠ - " اللَّهُمَّ إني أسألُكَ مِنَ الخَيْرِ كُلِّهِ ما عَلِمْتُ مِنْهُ وَما لَمْ أعْلَمُ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرّ كُلِّهِ ما عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أعْلَمْ، وأسألُكَ الجَنَّةَ وَما قَرّبَ إِلَيْها مِنْ قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إلَيْها مِنْ قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ ". ولو قرأ القرآن كان أفضل. وينبغي أن يجمع بين هذه الأذكار والدعوات والقرآن، فإن أراد الاقتصار أتى بالمهمّ. فصل في الأذكار التي يقولها في خروجه من مكة إلى عرفات: يُستحبّ إذَا خرجَ مِنْ مكة متوجهاً إلى مِنىً أن يقول: اللَّهُمَّ إيَّاكَ أرْجُو، وَلَكَ أدْعُو، فَبَلِّغْنِي صَالِحَ أمَلِي، واغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَامْنُنْ عَليَّ بِما مَنَنْتَ بِهِ على أهْلِ طاعَتِكَ إنَّكَ على كل شئ قدير (٢) . وإذا سار من مِنىً إلى عَرَفَةَ استُحِبَّ أن يقول: اللَّهُمَّ إلَيْكَ تَوَجَّهتُ، ووجهك

стр. 196

الكَرِيمَ أرَدْتُ، فاجْعَلْ ذَنْبِي مَغْفُوراً، وَحَجِّي مَبْرُوراً، وارْحَمْنِي وَلاَ تُخَيِّبْني إنَّكَ على كل شئ قدير (١) . ويُلَبِّي ويقرأ القرآن، ويُكثر من سائر الأذكار والدعوات، ومن قوله: اللَّهُمَّ آتِنا في الدُّنْيا حسنة وفي الآخرة حسنة وَقِنا عَذَابَ النَّارِ. فصل في الأذكار والدعوات المستحبّات بعرفات:. ٥٦١ - قد قدَّمنا في أذكار العيد حديث النبيّ ﷺ " خَيْرُ الدُّعاءِ يَوْمَ عَرَفَة، وَخَيْرُ ما قُلْتُ أنا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ على كُلّ شئ قَدِيرٌ " (١) . فيُستحبّ الإِكثارُ من الذكر والدعاء، ويَجتهدُ في ذلك، فهذا اليوم أفضلُ أيام السنة للدعاء، وهو مُعظم الحج (٢) ، ومقصودُه والمعوّل عليه، فينبغي أن يستفرغَ الإِنسانُ وُسعَه في الذكر والدعاء، وفي قراءة القرآن، وأن يدعوَ بأنواع الأدعية، ويأتي بأنواع الأذكار، ويدعو لنفسه، ويذكر في كلّ مكان، ويدعو منفرداً ومع جماعة، ويدعو لنفسه، ووالديه، وأقاربه ومشايخه، وأصحابه، وأصدقائه، وأحبابه، وسائر مَن أحسن إليه، وجميع المسلمين، وليحذرْ كلَّ الحذرِ من التقصير في ذلك كله، فإن هذا اليوم لا يمكن تداركه، بخلاف غيره، ولا يتكلَّفُ السجعَ في الدعاء، فإنّه يُشغل القلبَ، ويُذهبُ الانكسار، والخضوعَ، والافتقار، والمسكنة والذلّة، والخشوع، ولا بأس بأن يدعو بدعواتٍ محفوظة معه، له أو غيره، مسجوعة إذا يشتغل بتكلّف ترتيبها ومراعاة إعرابها. والسُّنّة أن يخفضَ صوتَه بالدعاء، ويكثر من الاستغفار والتلفّظ بالتوبة من جميع المخالفات، مع الاعتقاد بالقلب، ويلحّ في الدعاء، ويكرّره، ولا يستبطئ الإِجابة، ويفتح دعاءه ويختمه بالحمد لله تعالى والثناء عليه ، والصلاة والتسليم على رسول الله ﷺ ، وليختمه بذلك، وليحرص على أن يكون مستقبلَ الكعبة وعلى طهارة. ٥٦٢ - وروينا في كتاب الترمذي عن عليّ ﵁ قال: " أكثرُ دعاءِ النبيّ ﷺ يوم عَرَفة في الموقف: " اللَّهُمَّ لَكَ الحمدُ كالذي نقولُ، وخيراً مما نقولُ، اللَّهُمَّ لك

стр. 197

صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَمَاتِي، وإلَيْكَ مآلِي، وَلَكَ رَبِّ تُرَاثي (١) ، اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَوَسْوَسَةِ الصَّدْرِ، وَشَتاتِ الأمْرِ، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ ما تجئ بهِ الرّيحُ " (٢) . ويُستحبّ الإِكثار من التلبية فيما بين ذلك، ومن الصَّلاة والسلامُ على رسول الله ﷺ ، وأن يُكثِرَ من البكاء مع الذكر والدعاء، فهنالك تُسكبُ العَبَرات، وتُستقال العثرات، وترتجى الطلبات، وإنه لموقفٌ عظيم، ومَجمع جليل، يجتمعُ فيه خيار عباد الله المخلصين، وهو أعظم مجامع الدنيا. ومن الأدعية المختارة " اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة و، قنا عَذَابَ النَّارِ ". ٥٦٣ - " اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْماً كَثِيراً، وإنَّه لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أنْتَ فاغْفِرْ لي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْني إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ ". " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي مَغْفِرَةً تُصْلِحْ بِها شأني فِي الدَّارَيْنِ، وارْحَمْنِي أسْعَدُ بِهَا في الدَّارَيْنِ، وَتُبْ عليَّ تَوْبَةً نَصُوحاً لا أنْكُثها أبَداً، وألْزِمْنِي سَبِيلَ الاسْتِقَامَةِ لا أَزيغُ عَنْها أبَداً " (٣) . " اللَّهُمَّ انْقُلْنِي مِنْ ذُلِّ المَعْصِيَةِ إلى عِزَّ الطَّاعَةِ، وأغْنِنِي بحَلالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَبِطاعَتِكَ عَنْ مَعْصِيَتِكَ، وَبِفَضْلِكَ عَمَّن سِوَاكَ ". ٥٦٤ - " وَنَوِّرْ قَلْبِي وَقَبْرِي، وأعِذْنِي مِنَ الشَّرَّ كُلِّهِ، واجْمَعْ لي الخَيْرَ كُلَّهُ " (٤) . فصل في الأذكار المستحبّة في الإِفاضة من عَرَفَة إلى مزدلفة: قد تقدم أنه يُستحبّ الإِكثارُ من التلبية في كل موطن، وهذا من آكدها. ويُكثر من قراءة القرآن، ومن الدعاء. ٥٦٥ - ويُستحبّ أن يقول: لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ. ويُكرِّر ذلك.

стр. 198

ويقول: إِلَيْكَ اللَّهُمَّ أرْغَبُ، وإيَّاكَ أرْجُو، فَتَقَبَّلْ نُسُكِي، وَوَفِّقْنِي، وارْزُقْنِي فيهِ مِنَ الخَيْرِ أكْثَرَ ما أطْلُبُ، وَلا تُخَيِّبْني إنَّكَ أنْتَ اللَّهُ الجَوَادُ الكَرِيمُ (١) ، وهذه الليلة هي ليلة العيد، وقد تقدَّمَ في أذكار العيد بيان فضل إحيائها بالذكر والصلاة، وقد انضمّ إلى شرف الليلة شرفُ المكان، وكونُه في الحرم والإِحرام، ومَجمعُ الحجيج، وعقيب هذه العبادة العظيمة، وتلك الدعوات الكريمة في ذلك الموطن الشريف. فصل في الأذكار المستحبة في المزدلفة والمشعر الحرام: قال الله تعالى: (فإذا أفضْتُمْ (٢) مِنْ عَرفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّه (٣) عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ (٤) واذْكُرُوهُ كما هَداكُمْ وإنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّين) [البقرة: ١٩٨] فيُستحبّ الإِكثارُ من الدعاء في المزدلفة في ليلته ومن الأذكار والتلبية وقراءة القرآن، فإنها ليلة عظيمة، كما قدَّمناه في الفصل الذي قبل هذا. ٥٦٦ - ومن الدعاء المذكور فِيهَا: اللَّهُمَّ إني أسألُكَ أنْ تَرْزُقَنِي في هَذَا المَكانِ جَوامِعَ الخَيْرِ كُلِّهِ، وأنْ تُصْلِحَ شأنِي كُلَّهُ، وأنْ تَصْرِفَ عَنِّي الشَّرَّ كُلَّهُ، فإنَّه لاَ يَفْعَلُ ذلكَ غَيْرُكَ، وَلاَ يَجُودُ بِهِ إِلاَّ أنت (٥) . وإذا صلَّى الصبحَ في هذا اليوم صلاَّها في أوّل وقتها، وبالغَ في تبكيرها، ثم يسيرُ إلى المشعر الحرام، وهو جبل صغير في آخر المزدلفة يُسمَّى " قُزَح " بضم القاف وفتح الزاي، فإن أمكنه صعودُه صَعَدَه، وإلا وقف تحتَه مستقبلَ الكعبة، فيَحمد الله تعالى، ويُكبِّره، ويُهلِّله ويُوحِّده، ويُسبِّحه، ويُكثر من التلبية والدعاء. ويُستحبّ أن يقولَ: اللَّهُمَّ كما وَقَفْتَنا فِيهِ وأرَيْتَنا إيّاه، فَوَفِّقْنا لذِكْرِكَ كما هَدَيْتَنا،

стр. 199

وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمنَا كما وَعَدْتَنا بِقَوْلِكَ، وَقَوْلُكَ الحَقّ (فإذا أفضْتُمْ مِنْ عَرفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّه عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ واذْكُرُوهُ كما هَداكُمْ وإنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلهِ لَمِنَ الضَّالِّين، ثمَّ أفيضُوا مِنْ حَيْثُ أفاضَ النَّاسُ واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ الله غفور رحيم) (١) ويُكثر من قوله: (رَبَّنَا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَضنَةً وفي الآخِرةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذاب النَّارِ) . ويُستحبّ أن يقول: " اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْد كُلُّهُ، وَلَكَ الكَمالُ كُلُّهُ، ولك الجَلالُ كُلُّهُ، ولك التقديس كُلُّهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي جَميعَ ما أسْلَفْتُهُ، وَاعْصِمْنِي فِيما بَقِيَ، وَارْزُقْني عَمَلاً صَالِحاً تَرْضَى بِهِ عنِّي يا ذَا الفَضْلِ العَظِيمِ " (٢) . اللَّهُمَّ إني أسْتَشْفِعُ إِلَيْكَ بخَوَاصّ عِبَادِكَ، وأتَوَسَّلُ بِكَ إِلَيْكَ، أسألُكَ أنْ تَرْزُقَنِي جَوَامِعَ الخَيْرِ كُلِّهِ، وأن تَمُنَّ عَليَّ بِمَا مَنَنْتَ بِهِ عَلى أوْلِيائِكَ، وأنْ تُصْلحَ حالي في الآخِرَةِ وَالدُّنْيا يا أرحم الراحمين (٣) . فصل في الأذكار المستحبّة في الدفع من المشعر الحرام إلى منى: إذا أسفر الفجرُ انصرفَ من المشعر الحرام متوجهاً إلى مِنىً، وشعارهُ التلبيةُ والأذكارُ والدعاءُ والإِكثارُ من ذلك كلّه، وليحرصْ على التلبية فهذا آخر زمنها، وربما لا يُقدَّر له في عمره تلبية بعدها. فصل في الأذكار المستحبة بمِنى يَوْمَ النحر: إذا انصرفَ من المشعر الحرام ووصلَ مِنىً يُستحبّ أن يقول: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي بَلَّغَنِيها سالِماً مُعافَىً، اللَّهُمَّ هَذِهِ مِنَى قَدْ أتَيْتُها، وأنا عَبْدُكَ، وفي قَبْضَتِكَ أسألُكَ أنْ تَمُنَّ عَليَّ بِمَا مَنَنْتَ به على أوليائِكَ، اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ الحِرْمانِ وَالمُصِيبَةِ في دِينِي يا أرْحَمَ الراحمين (٤) . فإذا شرعَ في رمي جمرة العَقَبة قطعَ التلبية مع أوّل حصاة واشتغلَ بالتكبير، فيُكبِّر مع كل حصاة، ولا يُسنُّ الوقوف عندها للدعاء (٥) ، وإذا كان معه هَدْي فنحرَه أو ذبحه،

стр. 200

استحبّ أن يقول عند الذبح أو النحر: بِسْمِ اللَّهِ واللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحَمَّدٍ وعلى آلِه وسَلّم (١) ، اللَّهُمَّ مِنْكَ وَإِلَيْكَ، تَقَبَّلْ مِنِّي، أو تَقَبَّلْ مِنْ فُلانٍ إن كان يذبحه عن غيره. وإذا حلَقَ رأسه بعد الذبح فقد استحبّ بعض علمائنا أن يمسك ناصيته بيده حالة الحلق ويُكبِّر ثلاثاً ثم يقول: الحَمْدُ لله على ما هَدَانا، والحَمْدُ لِلَّهِ على ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْنا، اللَّهُمَّ هَذِهِ نَاصِيَتي فَتَقَبَّلْ مِنِّي وَاغْفِرْ لي ذُنُوبي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي وللْمُحَلِّقِينَ والمُقَصِّرِينَ، يا وَاسِعَ المَغْفِرَةِ آمِين (٢) . وإذا فرغ من الحلق كبَّر وقال: " الحَمْدُ لِلَّهِ الذي قَضَى عَنَّا نُسُكَنا، اللَّهُمَّ زِدْنا إيمَاناً ويقينا وَعَوناً، وَاغْفِرْ لَنَا ولآبائِنا وأُمَّهاتِنا والمُسْلِمينَ أجْمَعِينَ (٣) . فصل في الأذكار المستحبة بمِنىً في أيام التشريق: روينا في " صحيح مسلم " عن نُبَيْشَةَ الخير (٤) الهذليِّ الصحابي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " أيَّامُ التَّشْرِيقِ (٥) أيَّامُ أكْلٍ وَشُرْبٍ وَذْكْرِ اللَّهِ تَعالى " فيُستحبّ الإِكثار من الأذكار، وأفضلُها قراءة القرآن. ٥٦٨ - والسنّة أن يقف في أيام الرمي عند الجمرة الأولى إذا رماها، ويستقبل الكعبة، ويحمَد الله تعالى، ويُكبِّر، ويُهلِّلُ، ويُسبِّح، ويدعو مع حضور القلب وخشوع الجوارح.

стр. 201

٥٦٩ - ويَمكثُ كذلك قدرَ سورة بقرة، ويفعلُ في الجمرة الثانية وهي الوسطى كذلك. ٥٧٠ - ولا يقفُ عند الثالثة، وهي جمرة العقبة. فصل: وإذا نفرَ من مِنىً فقد انقضى حجُّه، ولم يبقَ ذكرٌ يتعلَّق بالحجّ، لكنه مسافر، فيُستحبّ له التكبير والتهليل والتحميد والتمجيد وغير ذلك من الأذكار المستحبة للمسافرين، وسيأتي بيانُها إن شاء الله تعالى. وإذا دخل مكة وأراد الاعتمار فعل في عمرته من الأذكار ما يأتي به في الحجّ في الأمور المشتركة بين الحجّ والعمرة وهي: الإحرام، والطواف، والسعي، والذبح، والحلق، والله أعلم. فصل فيما يقوله إذا شرب ماء زمزم. ٥٧١ - روينا عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " مَاءُ زمْزَمَ لِما شُرِبَ لَهُ " (١) وهذا مما عَمِلَ العلماءُ والأخيارُ به، فشربُوه لمطالبَ لهم جليلةٍ فنالوها. قال العلماء: فيُستحبّ لمن شربَه للمغفرة أو للشفاء من مرضٍ ونحو ذلك أن يقول عند شربه: اللَّهُمَّ إنَّهُ بَلَغَنِي أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال: " ماءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ " اللَّهُمَّ وإني أشْرَبُهُ لِتَغْفِرَ لي وَلِتَفْعَلَ بي كَذَا وكَذَا، فاغْفِرْ لي أوِ افْعَلْ. أو: اللَّهُمَّ إني أشْرَبُهُ مُسْتَشْفِياً بِهِ فَاشْفِني، ونحو هذا، والله أعلم. فصل: وإذا أراد الخروج من مكة إلى وطنه طافَ للوَدَاع، ثم أتى الملتَزَم فالتزمه، ثم قال: اللَّهُمَّ، البَيْتُ بَيْتُك، وَالعَبْدُ عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبدِكَ، وابْنُ أمَتِكَ، حَمَلْتَنِي على ما سَخَّرْتَ لي مِنْ خَلْقِكَ، حتَّى سَيَّرْتَني فِي بِلادِكَ، وَبَلَّغْتَنِي بِنِعْمَتِكَ حتَّى أعَنْتَنِي على قَضَاءِ مَناسِكِكَ، فإنْ كُنْتَ رَضِيتَ عَنِّي فازْدَدْ عني رضى، وَإِلاَّ فَمِنَ الآنَ قَبْلَ أنْ يَنأى عَنْ بَيْتِكَ دَارِي، هَذَا أوَانُ انْصِرَافي، إنْ أذِنْتَ لي غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِكَ وَلا بِبَيْتِكَ، وَلا رَاغِبٍ عَنْكَ وَلا عَنْ بَيْتِكَ، اللَّهُمَّ فأصْحِبْنِي العافِيَةَ في بَدَنِي وَالعِصْمَةَ في دِينِي، وأحْسِنْ مُنْقَلَبِي، وَارْزُقْنِي طاعَتَكَ ما أبْقَيْتَنِي واجْمَعْ لي خَيْرَي الآخِرةِ والدُّنْيا، إنَّكَ على كُلّ شئ قدير (٢) ويفتتح

стр. 202

هذا الدعاءَ ويختمه بالثناء على الله ، والصلاة على رسول الله ﷺ كما تقدم في غيره من الدعوات. وإن كانت امرأة حائضاً استحبّ لها أن تقف على باب المسجد وتدعو بهذا الدعاء ثم تنصرف، والله أعلم. فصل في زيارة قبر رسول الله ﷺ وأذكارها: اعلم أنه ينبغي لكل من حجّ أن يتوجه إلى زيارة رسول الله ﷺ ، سواء كان ذلك طريقه أو لم يكن، فإن زيارته ﷺ من أهمّ القربات وأربح المساعي وأفضل الطلبات، فإذا توجَّه للزيارة أكثرَ من الصلاة عليه ﷺ في طريقه، فإذا وقعَ بصرُه على أشجار المدينة وحَرمِها وما يَعرفُ بها، زاد من الصلاة والتسليم عليه ﷺ ، وسألَ الله تعالى أن ينفعَه بزيارته ﷺ وأن يُسعدَه بها في الدارين، وليقلْ: اللَّهُمَّ افْتَحْ عَليَّ أبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَارْزُقْنِي في زِيارَةِ قَبْرِ نَبِيِّكَ ﷺ ما رزقْتَهُ أوْلِياءَكَ وأهْلَ طَاعَتِكَ، واغْفِرْ لي وارْحمنِي يا خَيْرَ مَسْؤُول. وإذا أراد دخول المسجد استحبّ أن يقولَ ما يقوله عند دخول باقي المساجد، وقد قدّمناه في أول الكتاب، فإذا صلّى تحية المسجد أتى القبر الكريم فاستقبله واستدبر القبلة (١) على نحو أربع أذرع من جدار القبر، وسلَّم مقتصداً لا يرفع صوته، فيقول: ٥٧٢ - السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ الله، السَّلامُ عَلَيْكَ يا خِيرَةَ الله مِنْ خَلْقِهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ يَا حَبِيبَ اللَّهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ يَا سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ، السَّلامُ عَلَيْكَ وَعلى آلِكَ وأصْحابِكَ وأهْلِ بَيْتِكَ وَعَلى النَّبيِّينَ وَسائِرِ الصَّالِحِينَ ; أشْهَدُ أنَّكَ بَلَّغْتَ الرِّسالَةَ، وأدَّيْتَ الأمانَةَ، وَنَصَحْتَ الأُمَّةَ، فَجَزَاكَ اللَّهُ عَنَّا أفْضَلَ مَا جَزَى رَسُولاً عَنْ أُمَّتِهِ (٢) .

стр. 203

وإن كان قد أوصاه أحدٌ بالسَّلام على رسول الله ﷺ قال: السَّلام عليكَ يا رسولَ الله من فلان بن فلان، ثم يتأخرَ قدر ذراع إلى جهة يمينه فيُسلِّم على أبي بكر، ثم يتأخرُ ذراعا آخر فسلام على عُمر ﵄، ثم يرجعُ إلى موقفه الأوّل قُبالة وجهِ رسول الله ﷺ فيتوسلُ به في حقّ نفسه، ويتشفعُ به إلى ربه ، ويدعو لنفسه ولوالديه وأصحابه وأحبابه ومَن أحسنَ إليه وسائر المسلمين، وأن يَجتهدَ في إكثار الدعاء، ويغتنم هذا الموقف الشريف ويحمد الله تعالى ويُسبِّحه ويكبِّره ويُهلِّله، ويُصلِّي على رسول الله ﷺ ويُكثر من كل ذلك، ثم يأتي الروضةَ بين القبر والمنبر فيُكثر من الدعاء فيها. ٥٧٣ - فقد روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: " ما بَيْنَ قبري وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِياضِ الجَنَّةِ " (١) . وإذا أراد الخروج من المدينة والسفرَ استحبّ أن يُودِّع المسجد بركعتين، ويدعو بما أحبّ ثم يأتي القبر فيُسلّم كما سلَّم أوّلاً، ويُعيد الدعاء، ويُودّع النبيّ ﷺ ويقول: " اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ هَذَا آخِرَ العَهْدِ بِحَرَمِ رَسُولِكَ، وَيَسِّرْ لي العَوْدَ إِلى الحَرَمَيْنِ سَبِيلاً سَهْلَةً بِمَنِّكَ وَفَضْلِكَ، وَارْزقْنِي العَفْوَ والعَافِيةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وَرُدَّنا سالِمِينَ غانِمِينَ إلى أوْطانِنا آمِنِينَ ". فهذا آخرُ ما وفّقني الله بجمعه من أذكار الحجّ، وهي وإن كان فيها بعض الطول بالنسبة إلى هذا الكتاب، فهي مختصرة بالنسبة إلى ما نحفظه فيه، والله الكريم نسأل أن يوفِّقنا لطاعته، وأن يجمعَ بيننا وبين إخواننا في دار كرامته.

стр. 204

وقد أوضحت في كتاب المناسك ما يتعلَّق بهذه الأذكار من التتمّات والفروع الزائدات، والله أعلم بالصواب، وله الحمد والنعمة والتوفيق والعصمة. ٥٧٤ - وعن العتبي قال: " كنتُ جالساً عند قبر النبيّ ﷺ ، فجاء أعرابيٌّ فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعتُ الله تعالى يقول: (وَلَوْ أنَّهُمْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً) [النساء: ٦٤] وقد جئتُك مستغفراً من ذنبي، مستشفعاً بك إلى ربي، ثم أنشأ يقول: يا خيرَ مَنْ دُفنتْ بالقاع أعظُمُه * فطابَ من طيبهنَّ القاع والأكمُ نفسي الفداءُ لقبرٍ أنتَ ساكنُهُ * فيه العفافُ وفيه الجودُ والكرَمُ قال: ثم انصرفَ، فحملتني عيناي فرأيت النبيَّ ﷺ في النوم فقال لي: يا عُتْبيّ، الحقِ الأعرابيَّ فبشِّره بأن الله تعالى قد غفر له " (١) . كتاب أذكار الجهاد أما أذكار سفره ورجوعه فسيأتي في كتاب أذكار السفر إن شاء الله تعالى. وأما ما يختصّ به فنذكرُ منه ما حضرَ الآن مختصراً. (بابُ استحباب سؤال الشهادة) ٥٧٥ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم "، عن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ دخلَ على أُمّ حرام (٢) ، فنام ثم استيقظ وهو يضحك، فقالت: وما يُضحكك يا رسول الله؟ قال: " ناسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَليَّ غُزَاةً في سَبيلِ الله يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا البَحْرِ مُلُوكاً على الأسِرَّةِ أوْ مِثْلَ المُلُوك "، فقالت: يا رسولَ الله، ادْعُ الله أن يجعلني منهم فدعا لها رسول الله ﷺ .

стр. 205

قلت: ثبج البحر، بفتح الثاء المثلثة وبعدها باء موحدة مفتوحة أيضاً ثم جيم: أي ظهره، وأُمّ حَرَامٍ بالراء. ٥٧٦ - وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن معاذ ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " مَنْ سألَ اللَّهَ القَتْلَ مِنْ نَفْسِهِ صَادِقاً، ثمَّ ماتَ أوْ قُتِلَ فإنَّ لَهُ أجْرَ شَهِيدٍ " قال الترمذي: حديث حسن صحيح (١) . ٥٧٧ - وروينا في " صحيح مسلم " عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " مَنْ طَلَبَ الشَّهادَةَ صَادِقاً أُعْطِيها وَلَوْ لَمْ تُصِبْهُ ". ٥٧٨ - وروينا في " صحيح مسلم " أيضاً عن سهل بن حُنيف ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " مَنْ سألَ اللَّهَ تَعالى الشَّهادَة (٢) بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ تَعالى مَنازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإنْ ماتَ على فراشه ". (باب حثّ الإِمام أمير السرية على تقوى الله تعالى وتعليمه إيّاه ما يحتاج إليه من أمر قتال عدوّه ومصالحتهم وغير ذلك) ٥٧٩ - روينا في " صحيح مسلم " عن بريدة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمّرَ أميراً على جيشٍ أو سريةٍ، أوصاه في خاصّتِه بتقوى الله تعالى ومَنْ معه من المسلمين خيراً، ثم قال: " اغزوا بسم الله، في سَبِيلِ اللَّهِ، قاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بالله، اغْزُوا وَلا تَغُلُّوا (٣) ولا تَغْدِرُوا (٤) وَلا تُمَثِّلوا وَلا تَقْتُلُوا وَلِيداً، وَإذا لقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ فادْعُهُمْ إلى ثلاثِ خِصالٍ " ... وذكر الحديث بطوله. (باب بيان أن السنّة للإِمام وأمير السرية إذا أراد غزوة أن يورّي غيرها) ٥٨٠ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم) عن كعب بن مالك ﵁ قال: " لم يكن رسولُ الله ﷺ يُريد سفرة إلاّ ورى بغيرها ".

стр. 206

(بابُ الدعاء لمن يُقاتلُ أو يعملُ على ما يُعين على القتال في وجهه وذكر ما يُنَشِّطُهم ويحرِّضُهم على القتال) قال الله تعالى: (يا أيُّها النَّبِيُّ حَرّضِ المُؤْمِنِينَ على القِتالِ) [الأنفال: ٦٥] وقال تعالى: (وحَرّضِ المُؤْمِنِينَ) [النساء: ٨٤] . ٥٨١ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أنس ﵁ قال: خرجَ رسولُ الله ﷺ إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلما رأى ما بهم من النَّصَب والجوع قال: " اللَّهُمَّ إنَّ العَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ، فاغْفِرْ لِلأنْصَارِ وَالمُهاجِرَةِ ". (بابُ الدعاء والتضرّع والتكبير عند القتال واستنجاز الله ما وعد من نصر المؤمنين) قال الله : (يا أيُّها الَّذين آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا الله كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وأطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ، وَلا تَكُونُوا كالَّذينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بطرا ورثاء النَّاسِ وَيَصُدُونَ عَنْ سَبِيلِ الله) [الأنفال: ٤٥ - ٤٧] قال بعضُ العلماء هذه الآية الكريمة أجمع شئ جاء في آداب القتال. ٥٨٢ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن ابن عباس قال: قال النبيّ ﷺ وهو في قُبّته: " اللَّهُمَّ إني أنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللَّهُمَّ إنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ بَعْدَ اليَوْمِ " فأخذ أبو بكر ﵁ بيده فقال: حَسْبُكَ يا رسول الله فقد أَلْحَحْتَ على ربِّك، فخرج وهو يقول: (سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ، بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأمَرُّ) [القمر: ٤٥ - ٤٦] ، وفي رواية " كان ذلك يوم بدر " هذا لفظ رواية البخاري. وأما لفظ مسلم فقال: استقبل نبيّ الله ﷺ القبلة ثم مَدََّ يديه فجعل يهتفُ بربه يقول: " اللَّهُمَّ أنْجِزْ لي ما وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ ما وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةُ مِنْ أهْلِ الإِسْلامِ لا تُعْبَدْ فِي الأرْضِ " فما زال يهتف بربه مادّاً يديه حتى سقطَ رداؤُه. قلتُ: يَهتف بفتح أوله وكسر ثالثه، ومعناه: يرفع صوته بالدعاء. ٥٨٣ - وروينا في " صحيحيهما " عن عبد الله بن أبي أوفى ﵄، أن رسول الله ﷺ في بعض أيامه التي لقي فيها العدو - انتظر حتى مالتِ الشمسُ، ثم قامَ

стр. 207

في الناس قال: " أيُّها النَّاسُ لا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوّ (١) واسألوا اللَّهَ العافِيَةَ، فإذَا لَقيتُموهُم فاصْبِرُوا، واعْلَمُوا أنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ "، ثم قال: " اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، ومُجْرِيَ السَّحابِ، وَهازِم الأحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ " وفي رواية: " اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكتابِ، سَرِيعَ الحِسابِ، اهْزِمِ الأحْزَابَ، اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ ". ٥٨٤ - قال رسول الله ﷺ يوم حنين. قال اسيوطي في " تحفة بنكت الأذكار ": قال الحافظ: كذا في النسخة يوم حنين، بالمهملة المضمومة والنون، وهو تصحيف قديم، وإنما هو يوم خبير - في الأصل: جبير، وهو تصحيف. وروينا في " صحيحيهما " عن أنس ﵁ قال: صبَّحَ النبيُّ ﷺ خيبرَ، فلما رأوْه قالوا: محمد والخميس (٢) ، فلجؤوا إلى الحصن، فرفعَ النبيُّ ﷺ يديه فقال: " اللَّهُ أكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنَّا إذَا نَزَلْنا بِساحَةِ قَوْمٍ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ ". ٥٨٥ - وروينا بالإِسناد الصحيح في سنن أبي داود عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ثِنْتَانِ لا تُرَدَّانِ - أوْ قَلَّما تُرَدَّانِ - الدُعاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَعِنْدَ البأسِ حِينَ يُلْجِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً ". قلت: في بعض النسخ المعتمدة " يلحم " بالحاء، وفي بعضها بالجيم، وكلاهما ظاهر. ٥٨٦ - وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا غزا قال: " اللَّهُمَّ أنْتَ عَضُدِي وَنَصيرِي، بِكَ أحُولُ، وَبِكَ أصُولُ، وَبِكَ أُقاتِلُ ". قال الترمذي: حديث حسن (٣) . قُلْتُ: معنى عَضُدِي: عوني. قال الخطابي: معنى أحول: أحتال. قال: وفيه وجه آخر، وهو أن يكون معناه: المنع والدفع، من قولك: حال بين الشيئين: إذا منع أحدهما من الآخر، فمعناه: لا أمنعُ ولا أدفعُ إلا بك.

стр. 208

٥٨٧ - وروينا بالإِسناد الصحيح في سنن أبي داود والنسائي عن أبي موسى الأشعري ﵁ " أن النبي ﷺ كان إذا خاف قوما قال: " اللَّهُمَّ إنا نجعلك في نُحُورِهِمْ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ ". ٥٨٨ - وروينا في كتاب الترمذي عن عمارة بن زَعْكَرَةَ ﵁ قال: سمعت رسولَ الله ﷺ يقول: " إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: إنَّ عَبْدِي كُلَّ عَبْدِي، الَّذي يَذْكُرُنِي وَهُوَ مُلاقٍ قِرْنَهُ " يعني عند القتال. قال الترمذي: ليس إسناده بالقويّ (١) . قلت: زَعْكَرة بفتح الزاي والكاف وإسكان العين المهملة بينهما. ٥٨٩ - وروينا في كتاب ابن السني عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يوم حنين: " لا تَتَمَّنَّوْا لِقَاءَ العَدُوّ، فإنَّكُمْ لا تَدْرُونَ ما تبتلون بِهِ مِنْهُمْ، فإذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ أنْتَ رَبُّنا وَرَبُّهُمْ، وَقُلُوبُنا وَقُلُوبُهُمْ بِيَدِكَ، وإنَّمَا يَغْلِبُهُمْ أنْتَ ". ٥٩٠ - وروينا في الحديث الذي قدّمناه عن كتاب ابن السني عن أنس ﵁ قال: " كنا مع النبيّ ﷺ في غزوة، فلقي العدو، فسمعته يقول: " يا مالكَ يَوْمِ الدّينِ، إيَّاكَ نَعْبُدُ وإيَّاكَ نَسْتَعِينُ " (٢) ، فلقد رأيتُ الرِّجالَ تُصرَع تضربُها الملائكةُ من بين أيديها ومن خلفها (٣) . ٥٩١ - وروى الإِمام الشافعي ﵀ في " الأُم " بإسناد مُرسل عن النبي ﷺ قال: " اطلبوا استجابة الدعاء عند التقاء الجُيُوشِ، وإقامَةِ الصَّلاةِ، وَنُزُولِ الغَيْثِ " (٤) . قلت: ويستحبّ استحباباً متأكداً أن يقرأ ما تيسر له من القرآن، وأن يقول دُعاء الكَرْب الذي قدَّمنا ذكره. ٥٩٢ - وأنه في " الصحيحين " " لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه رَبّ العَرْشِ العظيم، لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأرْضِ وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ ". ٥٩٣ - ويقول ما قدَّمناه هناك في الحديث الآخَر: " لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ الحَلِيمُ الكَريمُ، سُبْحان اللَّهِ رَبّ السَّمَوَاتِ السَّبْع ورب العرش العظيم، لا إله إلا أنْتَ، عَزَّ جارُكَ وجل ثناؤك ".

стр. 209

ويقول: ما قدَّمناه في الحديث الآخر: " حَسْبُنا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ ". ويقول: " لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ العَلِيّ العَظيمِ، ما شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ، اعْتَصَمْنا بالله، اسْتَعَنَّا بالله، تَوَكَّلْنا على الله ". ويقول: " حَصَّنْتَنا كُلَّنا أجْمَعِينَ بالحَيّ القَيُّومِ الَّذي لا يَمُوتُ أَبَدَاً، وَدَفَعْتَ عَنَّا السُّوءَ بِلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ العَلِيّ العَظيمِ ". ويقول: " يا قَدِيمَ الإِحْسانِ، يا مَنْ إحْسانُهُ فَوْقَ كُلّ إِحْسان، يا مالِكَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، يا حَيّ يا قَيُّومَ، يا ذَا الجَلالِ والإِكْرَامِ، يا مَنْ لا يعجزه شئ ولا يتعاظمه شئ، انْصُرْنا على أعْدَائنا هَؤُلاءِ وَغَيْرِهِمْ، وأظْهِرْنا عَلَيْهِمْ فِي عافِيَةٍ وَسلامَةٍ عامَّة عاجلاً " فكلُّ هذه المذكورات جاء فيها حثٌّ أكيد، وهي مجرّبة. (بابُ النّهي عن رفعِ الصَّوْتِ عِندَ القِتال لغير حَاجة) ٥٩٤ - روينا في سنن أبي داود عن قيس بن عُبادٍ التابعي ﵀ وهو بضم العين وتخفيف الباء - قال: كانَ أصحابُ رسولِ الله ﷺ يَكرهون الصوت عند القتال (١) . (بابُ قولِ الرجلِ في حَال القتالِ: أنا فلانٌ لإِرعابِ عدّوه) ٥٩٥ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " أن رسول الله ﷺ قال يَوْمََ حُنين: " أنا النَّبيُّ لا كَذِب، أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلب ". ٥٩٦ - وروينا في " صحيحيهما " عن سلمة بن الأكوع: أن عليّاً ﵄ لما بارز مرحباً (٢) الخيبري، قال عليّ ﵁: - أنا الَّذي سَمَّتْنِي أمي حيدره (٣) .

стр. 210

٥٩٦ م - وروينا في " صحيحيهما " عن سلمة أيضاً أنه قال في حال قتاله الذين أغاروا على اللقاح: أنا ابن الأكوع * واليومُ يومُ الرُّضَّع (بابُ استحبابِ الرَّجَزِ حالَ المبارزة) فيه الأحاديث المتقدمةُ في الباب الذي قبل هذا. ٥٩٧ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن البراء بن عازب ﵄ أنه قال له رجل: أفررتم يوم حُنين عن رسول الله ﷺ ؟ فقال البراء: لكن رسول الله ﷺ لم يفرّ، لقد رأيته وهو على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان بن الحارث (١) آخذ بلجامها، والنبيّ ﷺ يقول: " أنا النَّبِي لا كَذِبْ، أنا ابْنُ عَبْد المُطَّلِبْ " وفي رواية " فنزلَ ودعا واستنصرَ ". ٥٩٨ - وروينا في " صحيحيهما " عن البراء أيضاً قال: رأيتُ النبيّ ﷺ ينقلُ معنا التراب يومَ الأحزاب وقد وارى الترابُ بياضَ بطنه وهو يقول: " اللَّهُمَّ لَوْلا أنْتَ ما اهْتَدَيْنا، وَلا تَصَدََّقْنا ولا صلينا، فأنزلن سَكِينَةً عَلَيْنا، وَثَبِّتِ الأقْدَام إنْ لاقَيْنا، إنَّ الأُلى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنا، إذَا أرَادُوا فِتْنَةً أبَيْنا " ٥٩٩ - وروينا في " صحيح البخاري " عن أنس ﵁ قال: جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق وينقلون التراب على مُتُونهم أي: ظهورهم: ويقولون: نَحْنُ الَّذِينَ بايَعُوا مُحَمَّداً، على الإِسْلام - وفي رواية: على الجِهادِ - ما بَقِينا أبَداً، والنبيّ ﷺ يجيبهم: " اللَّهُمَّ إنَّهُ لا خَيْرَ إِلاَّ خَيْرُ الآخِرَةِ، فَبارِكْ في الأنْصَارِ والمهاجرة ". (باب استحباب إظهار الصَّبرِ والقوّة لمن جُرِحَ واستبشاره بما حصل له من الجرح في سبيل الله وبما يصير إليه من الشهادة، وإظهار السرور بذلك وأنَّه لا ضير علينا في ذلك بل هذا مطلوبُنا وهو نهايةُ أملِنا وغايةُ سؤلِنا) قال الله تعالى: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بالَّذِين لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خلفهم إلاَّ

стр. 211

خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَة مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يضيغ أجْرَ المُؤْمِنِينَ. الَّذينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أصَابَهُمْ القَرْحُ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنْهُم وَاتَّقَوْا أجْرٌ عظِيمٌ. الَّذِين قالَ لَهُم النَّاسُ إنَّ النَّاس قَدْ جَمَعُوا لَكُم فاخشَوْهُم فَزَادَهُمْ إيمَاناً وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ وَنِعْمَ الوكِيلُ. فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ، واتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ، واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٢] . ٦٠٠ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أنس ﵁، في حديث القرّاء أهل بئر مَعُونة الذين غدرتِ الكفّارُ بهم فقتلوهم: أن رجلاً من الكفار طعنَ خالَ أنس وهو حَرَام بن مِلحان، فأنفذه، فقال حَرام: الله أكبر فُزْتُ وربّ الكعبة. وسقط في رواية مسلم " الله أكبر ". قلتُ: حَرَام بفتح الحاء والراء. (بابُ ما يقولُ إذا ظَهَر المسلمون وغلبُوا عدوَّهم) ينبغي أن يُكثرَ عند ذلك من شكر الله تعالى، والثناء عليه، والاعتراف بأن ذلك من فضله لا بحولنا وقوتنا، وأن النصرَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وليحذروا من الإِعجاب بالكثرة، فإِنه يُخاف منها التعجيز كما قال تعالى: (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) [التوبة: ٢٥] . (باب ما يقول إذا رأى هزيمةً في المسلمين والعياذُ بالله الكريم) يُستحبّ إذا رأى ذلك أن يفزعَ إلى ذكر الله تعالى واستغفاره ودعائه، واستنجار ما وعدَ المؤمنين من نصرهم وإظهار دينه، وأن يدعوَ بدعاء الكرْب المتقدم: ٦٠١ - لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ العَظِيمُ الحليم، لا إله إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ العَرْشِ العظيم، لا إله إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأرْضِ رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ. ويُستحبّ أن يدعوَ بغيره من الدعوات المذكورة المتقدمة والتي ستأتي في مواطن الخوف والهلكة. ٦٠٢ - وقد قدّمنا في باب الرجز الذي قبل هذا " إن رسول الله ﷺ لما رأى هزيمة المسلمين، نزل واستنصر ودعا ". وكان عاقبة ذلك النصر (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب: ٢١] . ٦٠٣ - وروينا في " صحيح البخاري " عن أنس ﵁ قال: لما كان يوم أُحُد وانكشف المسلمون قال عمِّي أنس بن النضر: اللَّهُمّ إني أعتذرُ إليكَ مما صَنَعَ هؤلاء -

стр. 212

يعني أصحابه - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدََّم فقاتلَ حتى استُشهد، فوجدنَا به بضعاً وثمانينَ ضربةً بالسيف أو طعنةً برمح أو رمية بسهم. (بابُ ثناءِ الإِمام على من ظَهَرَتْ منه براعةٌ في القتال) ٦٠٤ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن سلمةَ بن الأكوع ﵁ في حديثه الطويل في قصة إغارة الكفار على سرح المدية وأخذهم اللقاح وذهاب سلمة وأبي قتادة في أثرهم ... فذكرَ الحديثَ، إلى أن قال: قال رسول الله ﷺ : " كانَ خَيْرَ فُرْسانِنا اليَوْمَ أبُو قَتادَةَ، وَخَيْرَ رَجَّالَتِنا سلمة ". (بابُ ما يقولُه إذا رجع مِن الغَزْو) فيه أحاديثُ ستأتي إن شاء الله تعالى في " كتابِ أذْكَارِ المُسَافر "، وبالله التوفيق. كتاب أذكار المسافر اعلم أن الأذكار التي تُستحبُّ للحاضر في الليل والنهار واختلاف الأحوال وغير ذلك مما تقدم تُستحبّ للمسافر أيضاً، ويَزيدُ المسافرُ بأذكار، فهي المقصودةُ بهذا الباب، وهي كثيرةٌ منتشرة جداً، وأنا أختصرُ مقاصدها إن شاء الله تعالى، وأُبوِّبُ لها أبواباً تناسبها، مستعيناً بالله، متوكلاً عليه. (بابُ الاستخارة والاستشارة) اعلم أنه يُستحبّ لمن خطرَ بباله السفرُ أن يُشاورَ فيه مَن يعلمُ من حاله النصيحة والشفقة والخبرة، ويثقُ بدينه ومعرفته، قال الله تعالى: (وشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ) [آل عمران: ١٥٩] ودلائلُه كثيرة. ٦٠٥ - وإذا شاورَ وظهرَ أنه مصلحةٌ استخارَ الله في ذلك، فصلَّى ركعتين من غير الفريضة ودعا بدعاء الاستخارة الذي قدَّمناه في بابه. ودليلُ الاستخارة الحديث المتقدِّم عن " صحيح البخاري " وقد قدَّمنا هناك آداب هذا الدعاء وصفة هذه الصلاة، والله أعلم.

стр. 213

(بابُ أذكارِه بعدَ استقرارِ عزمِه على السَّفر) فإذا استقرَّ عزمُه على السفر فليجتهدْ في تحصيل أمور: منها أن يوصي بما يحتاج إلى الوصية به، وليُشهدْ على وصيته، ويستحلّ كلَّ من بينه وبينه معاملة في شئ، أو مصاحبة، ويسترضي والديه وشيوخه ومن يُندب إلى برّه واستعطافه، ويتوبُ إلى الله ويستغفره من جميع الذنوب والمخالفات، وليطلبْ من الله تعالى المعونةَ على سفره، وليجتهدْ على تعلّم ما يحتاج إليه في سفره. فإن كان غازياً تَعَلَّمَ ما يَحتاج إليه الغازي من أمور القتال والدعوات وأمور الغنائم، وتعظيم تحريم الهزيمة في القتال وغير ذلك. وإن حاجّاً أو معتمراً تعلَّمَ مناسكَ الحجّ أو استصحبَ معه كتاباً بذلك، ولو تعلَّمها واستصحبَ كتاباً كان أفضل. وكذلك الغازي وغيره، ويُستحبّ أن يستصحبَ كتاباً فيه ما يحتاج إليه، وإن كان تاجراً تعلَّم ما يحتاج إليه من أمور البيوع ما يصحّ منها وما يَبطل، وما يحلّ وما يَحرم ويُستحبّ ويكره ويباح، وما يَرجحُ على غيره. وإن كان متعبِّداً سائحاً معتزلاً للناس، تعلَّم ما يحتاج إليه في أمور دينه، فهذا أهمّ ما ينبغي له أن يطلبه. وإن كان ممّن يصيدُ تعلَّم ما يحتاج إليه أهلُ الصيد، وما يحلّ من الحيوان وما يَحرمُ، وما يحلُّ به الصيد وما يَحرم، وما يشترط ذكاتُه، وما يكفي فيه قتل الكلب أو السهم وغير ذلك. وإن كان راعياً تعلَّم ما يحتاج إليه مما قدَّمناه في حقّ غيره ممّن يعتزل الناس، وتعلَّم ما يحتاج إليه من الرفقِ بالدّوابّ وطلب النصيحة لها ولأهلها، والاعتناء بحفظها والتيقّظِ لذلك، واستأذنَ أهلَها في ذبح ما يحتاجُ إلى ذبحه في بعض الأوقات لعارض، وغير ذلك. وإن كان رسولاً من سلطان إلى سلطان أو نحوه اهتمَّ بتعلّم ما يحتاج إليه من آداب مخاطبات الكبار، وجوابات ما يَعرض في المحاورات، وما يحلُّ له من الضيافات والهدايا وما لا يَحلّ، وما يَجب عليه من مراعاة النصيحة وإظهار ما يُبطنه وعدم الغشّ والخِداع والنفاق، والحذر من التسبّب إلى مقدمات الغدر أو غيره مما يحرم وغير ذلك. وإن كان وكيلاً أو عاملاً في قراض أو نحوه تعلَّم ما يَحتاج إليه مما يَجوز أن يشتريه وما لا يجوز، وما يَجوز أن يبيعَ به وما لا يجوز، وما يجوز التصرّف فيه وما لا يجوز، وما يُشترط الإِشهاد فيه، وما يجب وما يشترط فيه ولا يجب، وما يجوز له من الأسفار وما ولا يجوز. وعلى جميع المذكورين أن يتعلَّم مَن أراد منهم ركوبَ البحر الحالَ التي يجوز فيها ركوبَ البحر، والحال التي لا يجوز، وهذا كلُّه مذكور في كتب الفقه لا يليق بهذا الكتاب استقصاؤه، وإنما غرضي هنا بيانُ الأذكار خاصة، وهذا التعلّم المذكور من جملة

стр. 214

الأذكار كما قدَّمْته في أول هذا الكتاب، وأسألُ الله التوفيقَ وخاتمة الخير لي ولأحبائي والمسلمين أجمعين. (بابُ أذكارِه عندَ إرادتِه الخروجَ من بيتِه) ٦٠٦ - يُستحبّ له عند إرادتِه الخروجَ أن يصلِّي ركعتين لحديث المقطم (١) بن المقدام الصحاني (٢) ، ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " ما خَلَّفَ أحَدٌ عِنْدَ أَهْلِهِ أفْضَلَ منْ ركعتين يَرْكَعُهُما عنْدَهُمْ حينَ يُرِيدُ سَفَراً " رواه الطبراني (٣) . قال بعض أصحابنا: يُستحبّ أن يقرأ في الأولى منهما بعد الفاتحة (قل يا أيها الكافرون) وفي الثانية: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ) . وقال بعضهم: يَقرأ في الأولى بعد الفاتحة (قُلْ أعُوذُ بِرَبّ الفَلَقِ) وفي الثانية (قُلْ أعُوذُ بِرَبّ النَّاسِ) فإذَا سلَّم قَرأ آيةَ الكُرْسِيِّ، فقد جاء أن مَنْ قَرأ آيَة الكرسي قبلَ خروجهِ من منزلِه لم يصبْه شئ يكرهُه حتى يَرجع (٤) ، ويُستحبّ أن يقرأ سورة (لإِيلافِ قُرَيْشٍ) فقد قال الإِمام السيد الجليل أبو

стр. 215

الحسن القزويني، الفقيه الشافعي، صاحب الكرامات الظاهرة، والأحوال الباهرة، والمعارف المتظاهرة: إنه أمان من كل سوء. قال أبو طاهر بن جحشويه: أردتُ سفراً وكنتُ خائفاً منه، فدخلتُ إلى القزويني أسألُه الدعاءَ، فقال لي ابتداءً من قِبَل نفسه: مَن أرادَ سفراً ففزِعَ من عدوّ أو وحش فليقرأ (لإِيلافِ قُرَيْشٍ) فإنها أمانٌ من كلّ سوء، فقرأتُها فلم يعرض لي عارض حتى الآن. ويستحبّ إذا فرغ من هذه القراءة أن يدعو بإِخلاص ورقّة. ومن أحسن ما يقول: اللَّهُمَّ بِكَ أسْتَعِينُ، وَعَلَيْكَ أتَوَكَّلُ، اللَّهُمَّ ذَلِّلْ لي صعُوبَةَ أمْرِي، وَسَهِّلْ عَليَّ مَشَقَّةَ سَفَرِي، وَارْزُقْنِي مِنَ الخَيْرِ أكْثَرَ مِمَّا أطْلُبُ، وَاصْرِفْ عَنِّي كُلَّ شَرٍّ، رَبّ اشْرَحْ لي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أمْرِي، اللَّهُمَّ إني أسْتَحْفِظُكَ وأسْتَوْدِعُكَ نَفْسِي وَدِينِي وأهْلِي وأقارِبي وكُلَّ ما أنْعَمْتَ عَليَّ وَعَليْهِمْ بِهِ مِنْ آخِرَةٍ وَدُنْيا، فاحْفَظْنَا أجمعَينَ مِنْ كُلّ سُوءٍ يا كَرِيمُ. ويفتتح دعاءَه ويختمه بالتحميد لله تعالى، والصَّلاة والسلامُ على رسول الله ﷺ ، وإذا نهضَ من جلوسه فليقلْ: ٦٠٧ - ما رويناه عن أنس ﵁: " أن رسول الله ﷺ ، لم يرد سفراً إلا قال حين ينهض من جلوسه: " اللَّهُمَّ إِلَيْكَ تَوَجَّهْتُ، وَبِكَ اعْتَصَمْتُ، اللَّهُمَّ اكْفني ما هَمَّني وَمَا لا أَهْتَمُّ لَهُ، اللَّهُمَّ زَوِّدْنِي التَّقْوَى، وَاغْفِرْ لي ذَنْبِي، وَوَجِّهْنِي لِلْخَيْرِ أيْنَمَا تَوَجَّهْتُ " (١) . (بابُ أذْكَارِه إذا خَرَجَ) قد تقدَّمَ في أول الكتاب ما يقولُه الخارجُ من بيته، وهو مُستحبٌّ للمسافر، ويُستحبُّ له الإِكثار منه، ويُستحبّ أن يودّع أهله وأقاربَه وأصحابَه وجيرانه، ويسألهم الدعاء له ويدعو لهم.
следующие страницы →