خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ.
يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَة مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يضيغ أجْرَ المُؤْمِنِينَ.
الَّذينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أصَابَهُمْ القَرْحُ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنْهُم وَاتَّقَوْا أجْرٌ عظِيمٌ.
الَّذِين قالَ لَهُم النَّاسُ إنَّ النَّاس قَدْ جَمَعُوا لَكُم فاخشَوْهُم فَزَادَهُمْ إيمَاناً وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ وَنِعْمَ الوكِيلُ.
فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ، واتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ، واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٢] .
٦٠٠ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أنس ﵁، في حديث القرّاء أهل بئر مَعُونة الذين غدرتِ الكفّارُ بهم فقتلوهم: أن رجلاً من الكفار طعنَ خالَ أنس وهو حَرَام بن مِلحان، فأنفذه، فقال حَرام: الله أكبر فُزْتُ وربّ الكعبة.
وسقط في رواية مسلم " الله أكبر ".
قلتُ: حَرَام بفتح الحاء والراء.
(بابُ ما يقولُ إذا ظَهَر المسلمون وغلبُوا عدوَّهم)
ينبغي أن يُكثرَ عند ذلك من شكر الله تعالى، والثناء عليه، والاعتراف بأن ذلك من فضله لا بحولنا وقوتنا، وأن النصرَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وليحذروا من الإِعجاب بالكثرة، فإِنه يُخاف منها التعجيز كما قال تعالى: (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) [التوبة: ٢٥] .
(باب ما يقول إذا رأى هزيمةً في المسلمين والعياذُ بالله الكريم)
يُستحبّ إذا رأى ذلك أن يفزعَ إلى ذكر الله تعالى واستغفاره ودعائه، واستنجار ما وعدَ المؤمنين من نصرهم وإظهار دينه، وأن يدعوَ بدعاء الكرْب المتقدم:
٦٠١ - لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ العَظِيمُ الحليم، لا إله إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ العَرْشِ العظيم، لا إله إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأرْضِ رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ.
ويُستحبّ أن يدعوَ بغيره من الدعوات المذكورة المتقدمة والتي ستأتي في مواطن الخوف والهلكة.
٦٠٢ - وقد قدّمنا في باب الرجز الذي قبل هذا " إن رسول الله ﷺ لما رأى هزيمة المسلمين، نزل واستنصر ودعا ".
وكان عاقبة ذلك النصر (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب: ٢١] .
٦٠٣ - وروينا في " صحيح البخاري " عن أنس ﵁ قال: لما كان يوم أُحُد وانكشف المسلمون قال عمِّي أنس بن النضر: اللَّهُمّ إني أعتذرُ إليكَ مما صَنَعَ هؤلاء -
стр. 212
يعني أصحابه - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدََّم فقاتلَ حتى استُشهد، فوجدنَا به بضعاً وثمانينَ ضربةً بالسيف أو طعنةً برمح أو رمية بسهم.
(بابُ ثناءِ الإِمام على من ظَهَرَتْ منه براعةٌ في القتال)
٦٠٤ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن سلمةَ بن الأكوع ﵁ في حديثه الطويل في قصة إغارة الكفار على سرح المدية وأخذهم اللقاح وذهاب سلمة وأبي قتادة في أثرهم ... فذكرَ الحديثَ، إلى أن قال: قال رسول الله ﷺ : " كانَ خَيْرَ فُرْسانِنا اليَوْمَ أبُو قَتادَةَ، وَخَيْرَ رَجَّالَتِنا سلمة ".
(بابُ ما يقولُه إذا رجع مِن الغَزْو)
فيه أحاديثُ ستأتي إن شاء الله تعالى في " كتابِ أذْكَارِ المُسَافر "، وبالله التوفيق.
كتاب أذكار المسافر
اعلم أن الأذكار التي تُستحبُّ للحاضر في الليل والنهار واختلاف الأحوال وغير ذلك مما تقدم تُستحبّ للمسافر أيضاً، ويَزيدُ المسافرُ بأذكار، فهي المقصودةُ بهذا الباب، وهي كثيرةٌ منتشرة جداً، وأنا أختصرُ مقاصدها إن شاء الله تعالى، وأُبوِّبُ لها أبواباً تناسبها، مستعيناً بالله، متوكلاً عليه.
(بابُ الاستخارة والاستشارة)
اعلم أنه يُستحبّ لمن خطرَ بباله السفرُ أن يُشاورَ فيه مَن يعلمُ من حاله النصيحة والشفقة والخبرة، ويثقُ بدينه ومعرفته، قال الله تعالى: (وشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ) [آل عمران: ١٥٩] ودلائلُه كثيرة.
٦٠٥ - وإذا شاورَ وظهرَ أنه مصلحةٌ استخارَ الله في ذلك، فصلَّى ركعتين من غير الفريضة ودعا بدعاء الاستخارة الذي قدَّمناه في بابه.
ودليلُ الاستخارة الحديث المتقدِّم عن " صحيح البخاري " وقد قدَّمنا هناك آداب هذا الدعاء وصفة هذه الصلاة، والله أعلم.
стр. 213
(بابُ أذكارِه بعدَ استقرارِ عزمِه على السَّفر)
فإذا استقرَّ عزمُه على السفر فليجتهدْ في تحصيل أمور: منها أن يوصي بما يحتاج إلى الوصية به، وليُشهدْ على وصيته، ويستحلّ كلَّ من بينه وبينه معاملة في شئ، أو مصاحبة، ويسترضي والديه وشيوخه ومن يُندب إلى برّه واستعطافه، ويتوبُ إلى الله ويستغفره من جميع الذنوب والمخالفات، وليطلبْ من الله تعالى المعونةَ على سفره، وليجتهدْ على تعلّم ما يحتاج إليه في سفره.
فإن كان غازياً تَعَلَّمَ ما يَحتاج إليه الغازي من أمور القتال والدعوات وأمور الغنائم، وتعظيم تحريم الهزيمة في القتال وغير ذلك.
وإن حاجّاً أو معتمراً تعلَّمَ مناسكَ الحجّ أو استصحبَ معه كتاباً بذلك، ولو تعلَّمها واستصحبَ كتاباً كان أفضل.
وكذلك الغازي وغيره، ويُستحبّ أن يستصحبَ كتاباً فيه ما يحتاج إليه، وإن كان تاجراً تعلَّم ما يحتاج إليه من أمور البيوع ما يصحّ منها وما يَبطل، وما يحلّ وما يَحرم ويُستحبّ ويكره ويباح، وما يَرجحُ على غيره.
وإن كان متعبِّداً سائحاً معتزلاً للناس، تعلَّم ما يحتاج إليه في أمور دينه، فهذا أهمّ ما ينبغي له أن يطلبه.
وإن كان ممّن يصيدُ تعلَّم ما يحتاج إليه أهلُ الصيد، وما يحلّ من الحيوان وما يَحرمُ، وما يحلُّ به الصيد وما يَحرم، وما يشترط ذكاتُه، وما يكفي فيه قتل الكلب أو السهم وغير ذلك.
وإن كان راعياً تعلَّم ما يحتاج إليه مما قدَّمناه في حقّ غيره ممّن يعتزل الناس، وتعلَّم ما يحتاج إليه من الرفقِ بالدّوابّ وطلب النصيحة لها ولأهلها، والاعتناء بحفظها والتيقّظِ لذلك، واستأذنَ أهلَها في ذبح ما يحتاجُ إلى ذبحه في بعض الأوقات لعارض، وغير ذلك.
وإن كان رسولاً من سلطان إلى سلطان أو نحوه اهتمَّ بتعلّم ما يحتاج إليه من آداب مخاطبات الكبار، وجوابات ما يَعرض في المحاورات، وما يحلُّ له من الضيافات والهدايا وما لا يَحلّ، وما يَجب عليه من مراعاة النصيحة وإظهار ما يُبطنه وعدم الغشّ والخِداع والنفاق، والحذر من التسبّب إلى مقدمات الغدر أو غيره مما يحرم وغير ذلك.
وإن كان وكيلاً أو عاملاً في قراض أو نحوه تعلَّم ما يَحتاج إليه مما يَجوز أن يشتريه وما لا يجوز، وما يَجوز أن يبيعَ به وما لا يجوز، وما يجوز التصرّف فيه وما لا يجوز، وما يُشترط الإِشهاد فيه، وما يجب وما يشترط فيه ولا يجب، وما يجوز له من الأسفار وما ولا يجوز.
وعلى جميع المذكورين أن يتعلَّم مَن أراد منهم ركوبَ البحر الحالَ التي يجوز فيها ركوبَ البحر، والحال التي لا يجوز، وهذا كلُّه مذكور في كتب الفقه لا يليق بهذا الكتاب استقصاؤه، وإنما غرضي هنا بيانُ الأذكار خاصة، وهذا التعلّم المذكور من جملة
стр. 214
الأذكار كما قدَّمْته في أول هذا الكتاب، وأسألُ الله التوفيقَ وخاتمة الخير لي ولأحبائي والمسلمين أجمعين.
(بابُ أذكارِه عندَ إرادتِه الخروجَ من بيتِه)
٦٠٦ - يُستحبّ له عند إرادتِه الخروجَ أن يصلِّي ركعتين لحديث المقطم (١) بن المقدام الصحاني (٢) ، ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " ما خَلَّفَ أحَدٌ عِنْدَ أَهْلِهِ أفْضَلَ منْ ركعتين يَرْكَعُهُما عنْدَهُمْ حينَ يُرِيدُ سَفَراً " رواه الطبراني (٣) .
قال بعض أصحابنا: يُستحبّ أن يقرأ في الأولى منهما بعد الفاتحة (قل يا أيها الكافرون) وفي الثانية: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ) .
وقال بعضهم: يَقرأ في الأولى بعد الفاتحة (قُلْ أعُوذُ بِرَبّ الفَلَقِ) وفي الثانية (قُلْ أعُوذُ بِرَبّ النَّاسِ) فإذَا سلَّم قَرأ آيةَ الكُرْسِيِّ، فقد جاء أن مَنْ قَرأ آيَة الكرسي قبلَ خروجهِ من منزلِه لم يصبْه شئ يكرهُه حتى يَرجع (٤) ، ويُستحبّ أن يقرأ سورة (لإِيلافِ قُرَيْشٍ) فقد قال الإِمام السيد الجليل أبو
стр. 215
الحسن القزويني، الفقيه الشافعي، صاحب الكرامات الظاهرة، والأحوال الباهرة،
والمعارف المتظاهرة: إنه أمان من كل سوء.
قال أبو طاهر بن جحشويه: أردتُ سفراً وكنتُ خائفاً منه، فدخلتُ إلى القزويني أسألُه الدعاءَ، فقال لي ابتداءً من قِبَل نفسه: مَن أرادَ سفراً ففزِعَ من عدوّ أو وحش فليقرأ (لإِيلافِ قُرَيْشٍ) فإنها أمانٌ من كلّ سوء، فقرأتُها فلم يعرض لي عارض حتى الآن.
ويستحبّ إذا فرغ من هذه القراءة أن يدعو بإِخلاص ورقّة.
ومن أحسن ما يقول: اللَّهُمَّ بِكَ أسْتَعِينُ، وَعَلَيْكَ أتَوَكَّلُ، اللَّهُمَّ ذَلِّلْ لي صعُوبَةَ أمْرِي، وَسَهِّلْ عَليَّ مَشَقَّةَ سَفَرِي، وَارْزُقْنِي مِنَ الخَيْرِ أكْثَرَ مِمَّا أطْلُبُ، وَاصْرِفْ عَنِّي كُلَّ شَرٍّ، رَبّ اشْرَحْ لي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أمْرِي، اللَّهُمَّ إني أسْتَحْفِظُكَ وأسْتَوْدِعُكَ نَفْسِي وَدِينِي وأهْلِي وأقارِبي وكُلَّ ما أنْعَمْتَ عَليَّ وَعَليْهِمْ بِهِ مِنْ آخِرَةٍ وَدُنْيا، فاحْفَظْنَا أجمعَينَ مِنْ كُلّ سُوءٍ يا كَرِيمُ.
ويفتتح دعاءَه ويختمه بالتحميد لله تعالى، والصَّلاة والسلامُ على رسول الله ﷺ ، وإذا نهضَ من جلوسه فليقلْ:
٦٠٧ - ما رويناه عن أنس ﵁: " أن رسول الله ﷺ ، لم يرد سفراً إلا قال حين ينهض من جلوسه: " اللَّهُمَّ إِلَيْكَ تَوَجَّهْتُ، وَبِكَ اعْتَصَمْتُ، اللَّهُمَّ اكْفني ما هَمَّني وَمَا لا أَهْتَمُّ لَهُ، اللَّهُمَّ زَوِّدْنِي التَّقْوَى، وَاغْفِرْ لي ذَنْبِي، وَوَجِّهْنِي لِلْخَيْرِ أيْنَمَا تَوَجَّهْتُ " (١) .
(بابُ أذْكَارِه إذا خَرَجَ)
قد تقدَّمَ في أول الكتاب ما يقولُه الخارجُ من بيته، وهو مُستحبٌّ للمسافر، ويُستحبُّ له الإِكثار منه، ويُستحبّ أن يودّع أهله وأقاربَه وأصحابَه وجيرانه، ويسألهم الدعاء له ويدعو لهم.
стр. 216
٦٠٨ - وروينا في " مسند الإِمام أحمد بن حنبل " وغيره عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: " إنَّ الله تَعالى إذا اسْتُودِعَ شَيْئاً حَفِظَهُ ".
٦٠٩ - وروينا في كتاب ابن السني وغيره، عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: " مَنْ أَرَادَ أنْ يُسافِرَ فَلْيَقُلْ لِمَنْ يُخَلِّفُ: أسْتَوْدِعُكُمُ اللَّهَ الَّذي لا تَضِيعُ وَدَائِعُهُ " (٢) .
٦١٠ - وروينا عن أبي هريرة أيضاً عن رسول الله ﷺ قال: " إذا أرَاد أحَدُكُم سَفَراً فَلْيُوَدّعْ إخْوَانَهُ، فإنَّ اللَّهَ تَعالى جاعِلٌ فِي دُعائِهِمْ خَيْراً " (٣) .
٦١١ - والسنَّة أن يقول له مَن يودّعه ما رويناه في " سنن أبي داود " عن قزعة قال: قال لي ابن عمرَ ﵄: تعال أُودّعك كما ودّعني رسولُ الله ﷺ : " أسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وأمانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ " (٤) .
قال الإِمام الخطابي: الأمانة هنا: أهله ومن يخلفه، ومالُه الذي عند أمينه.
قال: وذكر الدِّين هنا لأن السفر مظنّة المشقة، فربما كان سبباً لإِهمال بعض أمور الدين.
قلتُ: قَزعة، بفتح القاف وقتح الزاي وإسكانها.
٦١٢ - ورويناه في كتاب الترمذي أيضاً عن نافع عن ابن عمر قال: " كان النبي ﷺ إذا ودّع رجلاً أخذ بيده فلا يدعها حتى يكون الرجل هو الذي يدع يدُ رسول الله ﷺ ، ويقولُ: أسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وأمانَتَكَ وآخِرَ عَمَلِكَ " (٥) .
٦١٣ - ورويناه أيضاً في كتاب الترمذي عن سالم " أن ابن عمر كان يقول للرجل إذا أراد سفراً: ادْنُ منّي أُودّعك كما كان رسول الله ﷺ يودّعنا، فيقول: " أسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وأمانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ " قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
٦١٤ - وروينا في " سنن أبي داود " وغيره بالإِسناد الصحيح عن عبد الله بن يزيد الخَطْمِيّ الصحابي ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا أراد أن يودّع الجيش قال:
" أسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكُمْ وأمانَتَكُمْ وَخَوَاتِيمَ أعْمالِكُمْ ".
стр. 217
٥١٥ - وروينا في كتاب الترمذي، عن أنس رضي الله قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يارسول الله، إني أُريد سفراً فزوّدني، فقال: " زَوّدَكَ اللَّهُ التَّقْوَى "، قال: زِدني، قال: " وَغَفَرَ ذَنْبَكَ "، قال: زدني، قال: " وَيَسَّرَ لَكَ الخَيْرَ حَيْثُما كُنْتَ " قال الترمذي: حديث حسن.
(بابُ اسْتحبابِ طَلبهِ الوصيّةَ من أهلِ الخَيْرِ)
٥١٦ - روينا في كتاب الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ أن رجلا قالَ: يا رسولَ الله إني أُريد أنْ أسافرَ فأوصني، قال: " عَلَيْكَ بتَقْوَى اللَّهِ تَعالى، وَالتَّكْبِيرِ على كُلّ شَرَفٍ "، فلما ولَّى الرجلُ قال: " اللَّهُمَّ اطْوِ لَهُ البَعِيدَ، وهَوِّنْ عَلَيْهِ السَّفَرَ "، قال الترمذي: حديث حسن.
(بابُ استحبابِ وصيّة المُقيم المسافر بالدعاء له في مواطن الخير ولو كان المقيم أفضل من المسافر)
٦١٧ - وروينا في " سنن أبي داود والترمذي " وغيرهما عن عمرَ بن الخطاب ﵁ قال: استأذنتُ النبيّ ﷺ في العمرة، فأذِنَ وقال: " لا تَنْسَنا يا أُخَيَّ مِن دُعائِكَ، فقال كلمة ما يسرُّني أنَّ لي بها الدنيا ".
وفي رواية قال: " أشْرِكْنا يا أخِي في دُعائِكَ " قال
الترمذي: حديث حسن صحيح.
(بابُ ما يقولُه إذا ركبَ دابّتَه)
قال الله تعالى: (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الفُلْكِ وَالأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ (١) لِتَسْتَووا على ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ (٣) وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذي سَخَّرَ لنا هذا وما كنا له مقرنين (٣) ، وَإنَّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ) [الزخرف: ١٤] .
٦١٨ - وروينا في كتب أبي داود، والترمذي، والنسائي، بالأسانيد الصحيحة عن عليّ بن ربيعة قال: شهدتُ عليّ بن أبي طالب ﵁ أُتي بدابّة ليركَبها، فلما وضعََ رجلَه في الرِّكاب قالَ: بِسْمِ الله، فلما استوى على ظهرها قال: الحَمْدُ لله، ثم
стр. 218
قال: (سُبْحانَ الَّذي سَخَّرَ لَنا هَذَا وَما كنا له مقربين، وَإِنَّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ) ثم قال: الحَمْدُ لِلَّهِ، ثلاثَ مرّاتٍ، ثم قال: اللَّهُ أكْبَرُ، ثلاثَ مرّاتٍ، ثم قال: سُبْحانَك إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لي، إنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أنْتَ، ثم ضَحِكَ، فقيل: يا أميرَ المؤمنين من أي شئ ضحكت؟ قال: رأيتُ النبيّ ﷺ فعلَ مثلَ ما فعلتُ ثم ضَحِكَ، فقلتُ: يا رسولَ الله من أي شئ ضحكت؟ قال: " إنَّ رَبَّكَ سُبْحَانَهُ يَعْجَبُ مِنْ عَبْدِهِ إذَا قالَ: اغْفِرْ لي ذُنُوبي، يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرِي "، هذا لفظ رواية أبي داود.
قال الترمذي: حديث حسن.
وفي بعض النسخ: حسن صحيح (١) .
٦١٩ - وروينا في " صحيح مسلم " في كتاب المناسك عن عبد الله بن عمر ﵄ " أن رسول الله ﷺ كان إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر كبَّر ثلاثاً، ثم قال: (سُبْحانَ الَّذي سَخَّرَ لَنا هَذَا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ) اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ فِي سفَرِنَا هَذَا البِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنْ العَمَلِ ما تَرْضَى، اللَّهُمَّ هون عَلَيْنا سَفَرَنَا هَذَا، وَاطْوِ عَنّا بُعْدَهُ، اللَّهُمَّ أنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالخَلِيفَةُ في الأهل، اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثاءِ السَّفَرِ، وكآبَةِ المَنْظَرِ، وَسُوءِ المُنْقَلَبِ في المَالِ والأهْلِ " وإذا رَجع قالهنّ، وزاد فيهنّ: " آيِبُونَ تائبُونَ عابدُونَ لرَبِّنَا حامِدُون " هذا لفظ رواية مسلم.
زاد أبو بكر في روايته " وكان النبيُّ ﷺ وجيوشه إذا علوا الثنايا كبّروا، وإذا هبطوا سبَّحوا (٢) وروينا معناه من رواية جماعة من الصحابة أيضاً مرفوعا.
стр. 219
٦٢٠ - وروينا في " صحيح مسلم " عن عبد الله بن سرجس ﵁ قال: " كان رسول الله ﷺ إذا سافر يتعوّذ من وَعْثَاءِ السفر، وكآبة المنقلب، والحَوْرِ بعد الكَوْن،
ودعوة المظلوم، وسوء المنظر في الأهل والمال ".
٦٢١ - وروينا في كتاب الترمذي وكتاب ابن ماجه بالأسانيد الصحيحة عن عبد الله بن سرجس ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا سافر يقول: " اللَّهُمَّ أنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، والخليفة في الأهْلِ، اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، وَمِنْ دَعْوَةِ المَظْلُومِ، وَمِنْ سُوءِ المَنْظَرِ فِي الأهْلِ وَالمَالِ " قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
قال: ويروى: الحور بعد الكوْر أيضاً: يعني: يُروى الكون بالنون، والكور بالراء.
قال الترمذي: وكلاهما له وجه، قال: يقال: هو الرجوع من الإِيمان إلى الكفر، ومن الطاعة إلى المعصية، إنما يعني: الرجوع من شئ إلى شئ من الشرّ، هذا كلام الترمذي، وكذا قال غيره من العلماء: معناه بالراء والنون جميعاً: الرجوع من الاستقامة، أو الزيادة إلى النقص.
قالوا: ورواية الراء مأخوذة من تكوير العمامة وهو لفّها وجمعها، ورواية النون، مأخوذة من الكون مصدر كان يكون كوناً: إذا وجد واستقرّ.
قلت: ورواية النون أكثر، وهي التي في أكثر أصول " صحيح مسلم "، بل هي المشهورة فيها.
والوَعْثاء بفتح الواو وإسكان العين وبالثاء المثلثة وبالمدّ: هي: الشدّة.
والكآبة بفتح الكاف وبالمدّ: هو تغيُّر النفس من حزن ونحوه.
المنقلب: المرجع.
(بابُ ما يَقولُ إذا رَكِبَ سفينةً)
قال الله تعالى: (وَقالَ ارْكَبُوا فيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا ومرساها) (١) [هود: ٤١] وقال الله تعالى: (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الفُلْكِ وَالأنْعامِ ما تركبون) الآيتين [الزخرف: ١٢] .
٦٢٢ - وروينا في كتاب ابن السني عن الحسين بن عليّ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " أمانٌ لأُمَّتِي مِنَ الغَرَقِ إذَا رَكِبُوا أنْ يَقُولُوا (بِسْمِ اللَّهِ مجراها ومرساها إن
стр. 220
ربّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) - (وَمَا قَدَرُوا الله حق قدره ... ) الآية [الزمر: ٦٧] (١) .
فال المصنف ﵀: هكذا هو في النسخ: إذا ركبوا لم يقل: السفينة.
قال السيوطي في " تحفة الأبرار بنكت الأذكار " قال الحافظ: مردوية في التفسير، قال فيه: إذا ركب السفينة، وعند الطبراني في إحدى الروايتين: أراد ركبوا السفينة، وفي الأخرى: إذا ركبوا الفلك، فكأن الشيخ - يعني النووي - أراد كتاب ابن السني.
(بابُ استحبابَ الدعاءِ في السفر)
٦٢٣ - روينا في كتب أبي داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ثَلاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجاباتٌ لا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ المَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ المُسافِرِ، وَدَعْوَةُ الوَالِدِ على وَلَدِهِ " قال الترمذي: حديث حسن، وليس في رواية أبي داود " على ولده ".
(باب تكبير المسافر إذا صعد الثَّنايا وشبهها وتسبيحه إذا هَبَطَ الأودية ونحوها)
٦٢٤ - روينا في " صحيح البخاري " عن جابر ﵁ قال: كنّا إذا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا، وإذا نزلنا سبَّحنا.
٦٢٥ - وروينا في سنن أبي داود في الحديث الصحيح الذي قدَّمناه في باب ما يقولُ إذا ركبَ دابّته، عن ابن عمر ﵄ قال: " كان النبي ﷺ وجيوشه إذا علوا الثنايا كبَّروا، وإذا هَبَطوا سبَّحُوا (٢) .
٦٢٦ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن ابن عمر ﵄ قال:
" كان النبي ﷺ إذا قَفَل من الحجّ أو العمرة، قال الراوي: ولا أعلمه إلا قال: الغزو، كلما أوفى على ثنية أو فَدْفَدٍ كبَّرَ ثلاثاً ثم قال: لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وحده لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ على كُلّ شئ قدير، آيبون تائبون عابِدُونَ، ساجِدُونَ لِرَبِّنا حامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ " هذا لفظ رواية البخاري، ورواية
стр. 221
مسلم مثله، إلا أنه ليس فيها " ولا أعلمه إلا قال الغزو " وفيها " إذا قفل من الجيوش أو السرايا أو الحجّ أو العمرة ".
قلت: وقوله: أوفى: أي ارتفع، وقوله: فَدْفَد، هو بفتح الفاءين بينهما دال مهملة ساكة وآخره دال أخرى: وهو الغليظ المرتفع من الأرض، وقيل: الفلاة التي لا شئ فيها، وقيل: غليظ الأرض ذات الحصى، وقيل: الجلد من الأرض في ارتفاع.
٦٢٧ - وروينا في " صحيحيهما " عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كنّا مع النبيّ ﷺ ، فكنّا إذا أشرفنا على وادٍ هلَّلنا وكبَّرْنا وارتفعتْ أصواتُنا، فقال النبيُّ ﷺ : " يا أيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا على أنْفُسِكُمْ، فإنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أصَمَّ وَلا غائِباً، إنَّهُ مَعَكُمْ، إنَّه سَمِيعٌ قَرِيبٌ ".
قلتُ: اربَعُوا بفتح الباء الموحدة، معناه: ارفقوا بأنفسكم.
٦٢٨ - وروينا في كتاب الترمذي الحديث المتقدم في باب استحباب طلبه الوصية، أن رسول الله ﷺ قال: " عَلَيْكَ بتقوى الله تعالى، والتكبير على كُلِّ شَرَفٍ ".
٦٢٩ - وروينا في كتاب ابن السني عن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا علا شرفاً من الأرض قال: " اللَّهُمَّ لكَ الشَّرَفُ على كُلِّ شَرَفٍ، وَلَكَ الحَمْد على كُلّ
حال " (١) .
(بابُ النّهي عن المبالغةِ في رَفْعِ الصَّوْتِ بالتكبير ونحوه)
٦٣٠ - فيه حديث أبي موسى في الباب المتقدم.
(باب استحباب الحُدَاء للسرعة في السَّير وتنشيط النفوس وترويحها وتسهيل السَّير عليها)
٦٣١ - فيه أحاديث كثيرة مشهورة.
(باب ما يقول إذا انفلتت دابّتُهُ)
٦٣٢ - روينا في كتاب ابن السني عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: " إذَا انْفَلَتَتْ دابَّةُ أحَدِكُمْ بأرْضِ فَلاةٍ فَلْيُنادِ: يا عِبادَ الله احْبِسُوا،
стр. 222
يا عِبادَ اللَّهِ احْبِسُوا، فإنَّ لِلَّهِ في الأرْضِ حاصِراً سَيَحْبِسُهُ " (١) قلت: حكى لي بعض شيوخنا الكبار في العلم أنه افلتت له دابّة أظنُّها بغلة، وكان يَعرفُ هذا الحديث، فقاله، فحبسَها الله عليهم في الحال، وكنتُ أنا مرّةً مع جماعة، فانفلتت منها بهيمةٌ وعجزوا عنها، فقلته، فوقفت في الحال بغيرِ سببٍ سوى هذا الكلام.
(بابُ ما يقولُهُ على الدَّابّةِ الصَّعْبَةِ)
٦٣٣ - روينا في كتاب ابن السني عن السيد الجليل المجمع على جلالته وحفظه وديانته وورعه ونزاهته وبراعته أبي عبد الله يُونس بن عُبيد بن دينار البصري التابعي المشهور ﵀ قال: ليس رجل يكونُ على دابةٍ صعبةٍ فيقولُ في أُذُنِها: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ، وَلَهُ أسْلَمَ مَنْ في السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعاً وكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعونَ) [آل عمران: ٨٣] إلا وقفت بإذن الله تعالى (١) .
(بابُ ما يقولُه إذا رأَى قريةً يُريدُ دخولَها أولا يريده)
٦٣٤ - روينا في " سنن النسائي " وكتاب ابن السني، عن صُهيب ﵁ أن النبي ﷺ لم يرَ قريةً يُريد دخولَها إلا قال حين يَراهَا: " اللَّهُمَّ رَبَّ السمَوَاتِ السَّبْعِ وَما أظْلَلْنَ، وَالأَرْضيِن السَّبْعِ وَما أقْلَلْنَ، وَرَبَّ الشَّياطينِ وَمَا أضْلَلْنَ، وَرَبَّ الرّياحِ وَمَا ذَرَيْنَ، أسألُكَ خَيْرَ هَذِهِ القَرْيَةِ وَخَيْرَ أهْلِها وَخَيْرَ ما فِيها، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّها وَشَرّ أهْلها وَشَرّ ما فِيهَا " (٢) .
стр. 223
٦٣٥ - وروينا في كتاب ابن السني عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أشرفَ على أرضٍ يُريد دخولَها قال: " اللَّهُمَّ إني أسألُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ
وَخَيْرِ ما جَمَعْتَ فِيها وأعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّها وَشَرّ ما جَمَعْتَ فِيها، اللَّهُمَّ ارْزُقْنا حَيَاها، وَأَعِذْنا مِنْ وَباهَا، وَحَبِّبْنا إلى أهْلِهَا، وَحَبِّبْ صَالِحي أهْلِها إِلَيْنا " (١) .
(بابُ ما يَدعُو به إذا خافَ ناساً أو غيرَهم)
٦٣٦ - روينا في " سنن أبي داود والنسائي " بالإِسناد الصحيح ما قدَّمناه من حديث أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ كان إذا خاف قوما قال: " اللهم إنا نجعلك في نحورهم، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ " ويُستحبّ أن يدعوَ معه بدعاء الكرْب وغيره مما ذكرناه معه.
(بابُ ما يقولُ المسافرُ إذا تَغَوَّلَت الغِيلان)
٦٣٧ - روينا في كتاب ابن السني عن جابر ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: " إذَا تَغَوَّلَتْ لَكُمُ الغِيلان فَنادُوا بالأذَانِ " (٢) .
قلت: والغِيْلاَنُ جنسٌ من الجنّ والشياطين وهم سحرتُهم، ومعنى تغوّلت: تلوّنت في صور، والمراد: ادفعوا شرّها بالأذان، فإن الشيطانَ إذا سمع الأذان أدبر.
وقد قدَّمنا ما يشبُه هذا في " باب ما يقولُ إذا عرضَ له شيطان "، في أوّل " كتاب الأذكار والدعوات للأمور العارضات " وذكرنا أنه ينبغي أنه يشتغلَ بقراءة القرآن للآيات المذكورة في ذلك.
стр. 224
(بابُ ما يَقولُ إذا نزلَ مَنزلاً)
٦٣٨ - روينا في " صحيح مسلم " و " موطأ مالك " و " كتاب الترمذي " وغيرهم عن خولةَ بنتِ حكيم ﵂ قالت: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: " مَنْ نَزَلَ مَنْزلاً ثُمَّ قالَ: أعُوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرّ ما خلق، لم يضره شئ حَتى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذلكَ ".
٦٣٩ - وروينا في " سنن أبي داود " وغيره عن عبد الله بن عمر الخطاب ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا سافَرَ فأقبلَ الليلُ قال: " يَا أرْضُ رَبِّي وَرَبُّكِ اللَّهُ، أعُوذُ باللَّهِ مِنْ شَرِّكِ وَشَرّ ما فِيكِ، وَشَرّ ما خُلِقِ فِيكِ، وَشَرّ ما يَدبُّ عَلَيْكِ، أعُوذُ بِكَ مِنْ أسَدٍ وأسْوَدَ، وَمِنَ الحَيَّةِ وَالعَقْرَبِ، وَمِنْ ساكِنِ البَلَدِ، وَمِنْ وَالِدٍ وَما وَلَدَ " (١) .
قال الخطابي: قوله " ساكن البلد " هم الجنّ الذين هم سكان الأرض، والبلد من الأرض: ما كان مأوى الحيوان وإن لم يكن فيه بناء ومنازل.
قال: ويُحتمل أن يكون المراد بالوالد: إبليس، وما ولد: الشياطين، هذا كلام الخطابي، والأسود: الشخص، فكل شخص يُسمى أسود.
(بابُ ما يقولُ إذا رَجَعَ مِن سَفرِهِ)
٦٤٠ - السنّة أن يقول ما قدّمناه في حديث ابن عمر المذكور قريباً في " باب تكبير المسافر إذا صَعِدَ الثنايا ".
٦٤١ - وروينا في " صحيح مسلم " عن أنس ﵁، قال: أقبلنا مع النبيّ ﷺ أنا وأبو طلحة، وصفيّة رديفته على ناقته، حتى إذا كنّا بظهر المدينة قال: " آيِبُونَ تائِبُونَ عابِدُون لِرَبِّنا حامِدُونَ "، فلم يزلْ يقولُ ذلك حتى قَدِمْنَا المدينة.
(بابُ ما يقولُه المسافرُ بعدَ صلاةِ الصُّبْح)
٦٤٢ - اعلم أن المسافر يستحبّ له أن يقول ما يقوله غيره بعد الصبح، وقد تقدم بيانه.
٦٤٣ - ويستحب له معه ما رويناه في كتاب ابن السني عن أبي برزة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح - قال الراوي: لا أعلم إلاّ قال في سفر -
стр. 225
رفع صوته حتى يسمع أصحابه: " اللَّهُمَّ أصْلِحْ لي ديني الَّذي جَعَلْتَهُ عِصْمَةَ أمْرِي، اللَّهُمَّ أصْلِحْ لي دُنْيَايَ الَّتِي جَعَلْتَ فِيها مَعاشِي - ثلاثَ مرّات - اللَّهُمَّ أصْلِحْ لي آخِرَتِي التي جَعَلْتَ إِلَيْها مَرْجِعي - ثلاث مرات - اللَّهُمَّ أعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سُخْطِكَ، اللَّهُمَّ أعوذ بك مِنْكَ - ثلاثَ مَرَّاتٍ - لا مانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلا معطي لِمَا مَنَعْتَ، وَلا ينفع ذا الجد منك الجد " (١) .
(باب ما يقول إذا رَأَى بلدتَه)
٦٤٤ - المستحبُّ أن يقولَ ما قدَّمناه في حديث أنس في الباب الذي قبل هذا، وأن يقولَ ما قدَّمناهُ في باب ما يقولُ إذا رأى قرية، وأن يقول:
٦٤٥ - " اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَنا بِهَا قَرَاراً وَرِزْقاً حَسَناً " (٢) .
(بابُ ما يقولُ إذا قَدِمَ من سفرهِ فدخل بيتَه)
٦٤٦ - روينا في كتاب ابن السني عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا رجع من سفره، فدخلَ على أهله قال: " تَوْباً تَوْباً، لِرَبِّنا أوْباً، لا يُغادِرُ حَوْباً " (٣) .
قلت: توباً توباً: سؤال للتوبة، وهو منصوب إما على تقدير: تب علينا توبا، وإما على تقدير: نسألك توباً، وأوباً بمعناه من آب: إذا رجع، ومعنى لا يغادر: لا يترك، وحَوْباً معناه: إثماً، وهو بفتح الحاء وضمها لغتان.
(بابُ ما يُقال لمن يَقْدَمُ من سفر)
يستحبّ أن يُقال: الحَمْد لِلَّهِ الَّذِي سَلَّمَكَ، أوِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَمَعَ الشَّمْلَ بِكَ، أو نحو ذلك، قال الله تعالى: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ) [إبراهيم: ٧] وفيه أيضاً حديث عائشة ﵂ المذكور في الباب بعده.
стр. 226
(بابُ ما يُقال لمن يَقْدَمُ من غزو)
٦٤٧ - روينا في كتاب ابن السني عن عائشة ﵂ قالت: " كان رسول الله ﷺ في غزو، فلما دخل استقبلتُه فأخذتُ بيده، فقلت: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي نَصَرَكَ وأعَزَّكَ وأكْرَمَكَ (١) .
(بابُ ما يُقال لمن يَقْدَمُ من حَجّ وما يقولُه)
٦٤٨ - روينا في كتاب ابن السني عن ابن عمر ﵄ قال: جاءَ غلامٌ إلى النبي ﷺ فقال: إني أُريدُ الحجّ، فمشى معه رسولُ الله ﷺ فقال: " يا غُلامُ، زَوَّدَكَ اللَّهُ التَّقْوَى، وَوَجَّهَكَ في الخَيْرِ، وَكَفَاكَ الهَمَّ "، فلما رجع الغلام سلَّم على النبيّ ﷺ فقال: " يا غُلامُ قَبِلَ اللَّهُ حَجَّكَ، وَغَفَرَ ذَنْبَكَ، وأخْلَفَ نَفَقَتَكَ " (٢) .
٦٤٩ - وروينا في " سنن البيهقي " عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْحاجّ وَلِمَنِ اسْتَغْفَرَ لَهُ الحاج " قال الحاكم: هو صحيحٌ على شرط مسلم. (٣)
كتاب أذكار الأكل والشّرب
(بابُ ما يقولُ إذا قُرِّب إليه طعامُه)
٦٥٠ - روينا في كتاب ابن السني عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه كان يقول في الطعام إذا قُرِّبَ إليه: " اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِيما رَزَقْتَنا، وَقِنا عَذَابَ النَّارِ، بسم الله ".
*
стр. 227
(بابُ استحباب قول صاحب الطعام لِضِيْفَانِه عندَ تقديم الطَّعام: كُلوا، أو ما في مَعناه)
اعلم أنه يُستحبّ لصاحِب الطعام أن يقولَ لضيفه عند تقديم الطعام: بسم الله، أو كُلوا، أو الصَّلاة (١) ، أو نحو ذلك من العبارات المصرِّحة بالإِذن في الشروع في الأكل، ولا يجب هذا القول بل يكفي تقديمُ الطعام إليهم، ولهم الأكل بمجرّد ذلك من غير اشتراط لفظ، وقال بعض أصحابنا: لا بدّ من لفظ، والصوابُ الأوّل.
٦٥١ - وما ورد في الأحاديث الصحيحة من لفظ الإِذن في ذلك: محمول على الاستحباب.
(باب التسمية عند الأكلِ والشُّربِ)
٦٥٢ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن عمر بن أبي سلمة ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ : " سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ " (٢) .
٦٥٣ - وروينا في " سنن أبي داود والترمذي " عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " إذَا أكَلَ أحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ تَعالى في أوَّلِهِ، فإنْ نَسِيَ أنْ يَذْكُر اسْمَ اللَّهِ تَعالى في أوَّلِهِ فليقل: بسم اللَّهِ أوَّلَهُ وآخِرَهُ " قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
٦٥٤ - وروينا في " صحيح مسلم " عن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ تَعالى عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعامِهِ، قالَ الشِّيْطانُ: لا مَبِيتَ لَكُمْ وَلا عَشاءَ، وَإذا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ تَعالى عنْدَ دُخُولِه، قالَ الشَّيْطانُ: أدْرَكْتُمُ المَبِيتَ، وَإذا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ تَعالى عِنْدَ طَعامِهِ، قالَ: أدْرَكْتُمُ المَبِيتَ وَالعَشاءَ ".
٦٥٥ - وروينا في " صحيح مسلم " أيضاً في حديث أنس المشتمل على معجزةٍ ظاهرةٍ من معجزاتِ رسولِ الله ﷺ لمَّا دعاهُ أبو طلحةَ وأُمُّ سُليم للطعام، قال: ثم قال النبيُّ ﷺ : " ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ "، فأذن لهم فدخلُوا، فقال النبيّ ﷺ : " كُلُوا وسَمُّوا اللَّهَ تَعالى، فأكلُوا حتى فعلَ ذلك بثمانين رجلاً ".
стр. 228
٦٥٦ - وروينا في " صحيح مسلم " أيضاً عن حذيفة ﵁، قال: " كنّا إذا حضرْنَا مع رسولِ الله ﷺ طعاماً لم نضعْ أيدينا حتى يبدأ رسولُ الله ﷺ فيضعُ يدَه، وإنّا حضرنا معه مرّة طعاماً، فجاءت جارية كأنها تدفعُ، فذهبتْ لتضعَ يدَها في الطعام فأخذَ رسولُ الله ﷺ بيدها، ثم جاءَ أعرابيٌّ كأنما يَدْفَعُ، فأخذَ بيدِه، فقال رسولُ الله ﷺ : " إنَّ الشَّيْطانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعامَ أنْ لا يُذْكَرَ اسْمُ الله عَلَيْه، وأنَّهُ جاءَ بهَذِهِ الجارِيَةِ لِيَسْتَحِلَّ بِهَا، فأخَذْتُ بِيَدِها، فَجاءَ الأعْرابِيّ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ، فأخَذْتُ بِيَدِهِ، وَالَّذي نَفْسِي بِيَدِه إنَّ يَدَهُ في يَدِي مَعَ يَدِهِما " ثم ذكر اسم الله تعالى وأكل.
٦٥٧ - وروينا في " سنن أبي داود والنسائي " عن أميّة بن مَخْشِيٍّ الصحابي ﵁ قال: " كان رسول الله ﷺ جالساً ورجلٌ يأكلُ، فلم يُسمّ حتى لم يبقَ من طعامه إلا لقمة، فلما رفعها إلى فيه قالَ: بِسْمِ الله أوّله وآخرُه، فضحكَ النبيّ ﷺ ثم قال: ما زَالَ الشَّيْطانُ يأكُلُ مَعَهُ، فَلَمَّا ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ اسْتَقَاءَ ما في بَطْنِهِ ".
قلتُ: مَخْشِيّ، بفتح الميم وإسكان الخاء وكسر الشين المعجمتين وتشديد الياء، وهذا الحديث محمول على أن النبيّ ﷺ لم يعلمْ تركَه التسمية إلا في آخر أمره، إذ لو علم ذلك لم يسكتْ عن أمره بالتسمية.
٦٥٨ - وروينا في كتاب الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يأكلُ طعاماً في ستة من أصحابه، فجاء أعرابيٌّ فأكلَه بلقمتين، فقال رسول الله ﷺ : " أما إنَّهُ لَوْ سَمَّى لَكَفاكُمْ " قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
٦٥٩ - وروينا عن جابر ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: " مَنْ نَسِيَ أنْ يُسَمِّيَ على طَعامِهِ فَلْيَقْرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ، إذَا فَرَغَ ".
قلت: أجمع العلماءُ على استحباب التسمية على الطعام في أوّلِه، فإن تركَ في أوله عامداً أو ناسياً أو مُكرهاً أو عاجزاً لعارض آخر ثم تمكن في أثناء أكلِه، استحبّ أن يسمّي، للحديث المتقدم، ويقول:
٦٦٠ - بسم الله أوله وآخره، كما جاء في الحديث.
والتسميةُ في شرب الماء واللبن والعسل والمرق وسائر المشروبات كالتسمية في الطعام في جميع ما ذكرناه.
قال العلماء من أصحابنا وغيرهم: ويُستحبُّ أن يجهرَ بالتسمية ليكونَ فيه تنبيهٌ لغيره على التسمية وليُقتدى به في ذلك، والله أعلم.
стр. 229
٦٦١ - فصل:
من أهمّ ما ينبغي أن يعرف: صفة التسمة، وقدر المجزئ منها، فاعلم أن الأفضل أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فإن قالَ: بِسْمِ الله، كفاه
وحصلت السنة، وسواء في هذا الجنب والحائض وغرهما، وينبغي أن يسمي كل واحد من الآكلين، فلو سمى واحد منهم أجزأ عن الباقين، نصّ عليه الشافعي ﵁، وقد ذكرته عن جماعة في كتاب " الطبقات " في ترجمة الشافعي، وهو شبيه برد السلام وتشميت العاطس، فإنه جزئ فيه قول أحد الجماعة.
(بابُ لا يعيبُ الطعامَ والشرابَ)
٦٦٢ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي هريرة ﵁ قال: " ما عابَ رسولُ الله ﷺ طعاماً قطّ، إن اشتهاه أكلَه، وإن كرهَه تركَه " وفي رواية لمسلم " وإن لم يشتهه سكت ".
٦٦٣ - وروينا في " سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه " عن هُلْب الصحابي ﵁ (١) قال: " سمعتُ رسولَ الله ﷺ وسأله رجلٌ: إن من الطعام طعاماً أتحرّجُ منه، فقال: لا يَتَحَلَّجَنَّ في صَدْرِكَ شئ ضَارَعْتَ بِهِ النَّصْرانِيَّةَ ".
قلتُ: هُلْب بضمّ الهاء وإسكان اللام وبالباء الموحدة.
وقوله: يَتَحَلَّجَنَّ، هو بالحاء المهملة قبل اللام والجيم بعدها، هكذا ضبطه الهروي والخطابي والجماهير من الأئمة، وكذا ضبطناه في أصول سماعنا " سنن أبي داود " وغيره بالحاء المهملة، وذكره أبو السعادات ابن الأثير بالمهملة أيضاً، ثم قال: ويُروى بالخاء المعجمة، وهما بمعنى واحد.
قال الخطابي: معناه: لا يقع في ريبة منه.
قال: وأصله من الحلج: هو الحركة والاضطراب، ومنه حَلَجَ القطن.
قال: ومعنى ضارعتَ النصرانية، أي: قاربتها في الشبه، فالمضارعة: المقاربة في الشبه.
стр. 230
(بابُ جواز قوله: لا أشتهي هذا الطعام أو ما اعتدتُ أكله ونحو ذلك إذا دعت إليه حاجةٌ)
٦٦٤ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن خالد بن الوليد ﵁ في حديث الضَّبِّ لما قدَّموه مشوياً إلى رسول الله ﷺ ، فأهوى رسولُ الله ﷺ بيده إليه، فقالوا: هو الضَّبُّ يا رسولَ الله، فرفعَ رسولُ الله ﷺ يدَه، فقال خالد: أحرام الضَّبُّ يا رسول الله؟ قال: " لا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأرْضِ قَوْمي فأجِدُنِي أعافُهُ ".
(بابُ مَدحِ الآكلِ الطعامَ الذي يأكلُ منه)
٦٦٥ - روينا في " صحيح مسلم " عن جابر ﵁ " أن النبيّ ﷺ سألَ أهلَه الأُدْمَ، فقالوا: ما عندنا إلاَّ خَلّ، فدعا به فجعلَ يأكلُ منه ويقول: نِعْمَ الأدْمُ الخَلُّ، نِعْمَ الأُدْمُ الخَلُّ ".
(بابُ ما يقولُه من حَضَرَ الطعامُ وهو صائمٌ إذا لم يُفطر)
٦٦٦ - روينا في " صحيح مسلم " عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فإنْ كانَ صَائِماً فلْيُصَلِّ، وَإنْ كَانَ مُفْطِراً فَلْيَطْعَمْ " قال العلماء: معنى فليصل: أي: فليدع.
٦٦٧ - وروينا في كتاب ابن السني وغيره قال فيه: " فإنْ كانَ مُفْطِراً فَلْيَأكُلْ، وَإنْ كَانَ صَائِماً دَعا له بالبركة ".
(بابُ ما يقولُه مَن دُعِي لطعامٍ إذا تَبِعَه غيرُه)
٦٦٨ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي مسعودٍ الأنصاري قال: " دعا رجلٌ النبيَّ ﷺ لطعامٍ صنعَه له خامسَ خمسةٍ، فتبعهُم رجلٌ، فلما بلغَ البابَ قال النبيّ ﷺ : " إِنَّ هَذَا اتَّبَعَنا فإنْ شِئْتَ أَنْ تأذَنَ لَهُ، وَإِنْ شِئْتَ رَجَعَ، قال: بل آذنُ له
يا رسولَ الله ".
(بابُ وَعْظِهِ وتأديبِهِ من يسئ في أكلِه)
٦٦٩ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن عمر بن أبي سلمة ﵄ قال: " كنتُ غلاماً في حِجْر رسولِ الله ﷺ فكانتْ يدي تطيشُ في الصحفة (١) ، فقال
стр. 231
لي رسول الله ﷺ : يا غُلامُ، سَمّ الله تعالى، وكُلْ بِيَمينِكَ، وكُلْ مِمَّا يَلِيكَ ".
وفي رِوَاية في الصحيح قال: " أكلتُ يوماً مع رسول الله ﷺ فجعلتُ آكلُ من نواحي الصحفة، فقال لي رسولُ الله ﷺ : كُلْ مِمَّا يَلِيكَ ".
قُلت: قولُه: تطِيشُ، بكسر الطاء وبعدها ياء مثناة من تحت ساكنة، ومعناه: تتحرّك وتمتدّ إلى نواحي الصحفة ولا تقتصرُ على موضع واحد.
٦٧٠ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن جبلةَ بن سحيم قال: أصابَنَا عامُ سَنةٍ مع ابن الزبير، فرزقنا تمرا، فكان عبد الله بن عمر ﵄ يمرّ بنا ونحن نأكلُ، ويقولُ: لا تقارِنُوا (١) ، فإن النبيَّ ﷺ نهى عن الإِقران (٢) ، ثم يقول: " إلاَّ أنْ يَسْتأذِنَ الرَّجُلُ أخاهُ ".
قلت: قوله: لا تقارنوا، أي: لا يأكل الرجل تمرتين في لقمة واحدة.
٦٧١ - وروينا في " صحيح مسلم " عن سلمة بن الأكوع ﵁، أن رجلاً أكل عندَ النبيّ ﷺ بشماله، فقال: " كُلْ بِيَمِينِكَ " (٣) ; قال: لا أستطيع، قال: " لا اسْتَطَعْتَ " (٤) ، ما منعه إلا الكبر (٥) ، فما رفعها إلى فِيْه ".
قلتُ: هذا الرجل هو بُسر، بضم الموحدة وبالسين المهملة: ابن راعي العَير بالمثناة وفتح العين، وهو صحابي، وقد أوضحتُ حالَه، وشرح هذا الحديث في " شرح صحيح مسلم " والله أعلم.
стр. 232
(بابُ استحباب الكَلامِ على الطَّعام)
٦٧٢ - فيه حديث جابر الذي قدَّمناه في " باب مدح الطعام ".
قال الإِمام أبو حامد الغزالي في " الإِحياء " من آداب الطعام أن يتحدَّثوا في حال أكله بالمعروف، ويتحدّثوا بحكايات الصالحين في الأطعمة وغيرها.
(بابُ ما يقولُهُ ويفعلُه من يأكلُ ولا يَشبعُ)
٦٧٣ - روينا في " سنن أبي داود وابن ماجه " عن وحشيِّ بن حرب ﵁ أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: يا رسولَ الله إنّا نأكلُ ولا نشبعُ، قال: " فَلَعَلَّكُم تَفْتَرِقُونَ "؟ قالوا: نعم، قال: " فاجْتَمِعُوا على طَعامِكُمْ واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ يُبَارَكْ لَكُمْ فيه " (١) .
(بابُ ما يقولُ إذا أكلَ مع صَاحبِ عَاهَةٍ)
٦٧٤ - روينا في " سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه، عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ أخذَ بيدِ مجذومٍ فوضعَها معه في القَصعةِ، فقال: " كل بسم اللَّهِ ثِقَةً بِاللَّهِ وتوكلا عليه " (٢) .
(بابُ استحباب قولِ صاحبِ الطَّعام لضيفهِ ومَنْ في معناهُ إذا رفع يده من الطعام " كُلْ " وتكريرُه ذلك عليه ما لم يتحقّقْ أنه اكتفى منه وكذلك يفعلُ في الشرابِ والطِّيبِ ونحو ذلك)
اعلم أن هذا مُستحبّ، حتى يُستحبّ ذلك للرجل مع زوجته وغيرها، من عيالِه الذين يُتوهم منهم أنهم رفعوا أيديهم ولهم حاجةٌ إلى الطعام وإن قلَّت.
٦٧٥ - ومما يُستدّل به في ذلك ما رويناهُ في " صحيح البخاري " عن أبي هريرة ﵁ في حديثه الطويل المشتمل على معجزاتٍ ظاهرةٍ لرسول الله ﷺ لما اشتدّ جوعُ أبي هريرة وقعدَ على الطريق يستقرئ مَن مَرَّ به القرآن، معرّضاً بأن يُضيفه، ثم بعثه رسولُ الله ﷺ إلى أهل الصفّةِ، فجاءَ بهم فأرْواهم أجمعينَ من قدحِ لبن ... وذكر
стр. 233
الحديثَ إلى أن قال: قال لي رسول الله ﷺ " بقيبت أنا وَأنْتَ " قلتُ: صَدقتَ يا رسولَ الله، قال: اقْعُدْ فاشْرَبْ، فقعدتُ فشربتُ، فقال: اشْرَبْ فَشَرِبْتُ، فما زال يَقُولُ: اشْرَبْ، حتى قلتُ: لا، والذي بعثك بالحقّ لا أجد له مَسْلَكاً، قال: فأرِني، فأعطيته القدحَ، فحمد الله تعالى وسمَّى وشربَ الفضلة.
(بابُ ما يقولُ إذا فَرَغَ من الطَّعامِ)
٦٧٦ - روينا في " صحيح البخاري " عن أبي أُمامةَ ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا رفع مائدته قال: " الحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيراً طَيِّباً مُبارَكاً فِيهِ غَيْرَ مَكْفيٍّ وَلا مُوَدَّعٍ وَلا مُسْتَغْنىً عَنْهُ رَبَّنا " وفي رواية " كان إذا فَرَغَ من طعامِه " وقال مرّة " إذا رفع مائدته قال: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَفانا وأرْوَانا غَيْرَ مَكْفِيّ ولا مَكْفُورٍ ".
قلتُ: مكفيّ، بفتح الميم وتشديد الياء، هذه الرواية الصحيحة الفصيحة، ورواه أكثر الرواة بالهمز، وهو فاسد من حيث العربية، سواء كان من الكفاية، أو من كفأت الإِناء، كما لا يقال في مقروء من القراءة: مقرئ، ولا في مرمىْ بالهمز.
قال صاحب " مطالع الأنوار " في تفسير هذا الحديث: المراد بهذا المذكور كله الطعام، وإليه يعود الضمير.
قال الحربيّ: فالمكفيّ: الإِناء المقلوب للاستغاء عنه، كما قال: " غير مستغنى عنه " أو لعدمه، وقوله: غير مكفور، أي: غير مجحود نِعمَ الله فيه، بل مشكورة، غير مستور الاعتراف بها والحمد عليها.
وذهب الخطابي إلى أن المراد بهذا الدعاء كله الباري ، وأن الضمير يعود إليه، وأن معنى قوله: غير مكفيّ: أنه يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ، كأنه على هذا من الكفاية، وإلى هذا ذهب غيره في تفسير هذا الحديث، أي: إن الله تعالى مستغنٍ عن معين وظهير، قال: وقوله: ولا مودّع: أي: غير متروك الطلب منه والرغبة إليه، وهو بمعنى المستغنى عنه، وينتصب " ربنا " على هذا بالاختصاص أو المدح أو بالنداء، كأنه قال: يا ربنا اسمع حمدنا ودعاءنا، ومن رفعه قطعه وجعله خبراً، وكذا قيده الأصيلي كأنه قال: ذلك ربّنا، أي أنت ربنا، ويصحّ فيه الكسر على البدل من الاسم في قوله: الحمد لله.
وذكر أبو السعادات ابن الأثير في " نهاية الغريب " نحو هذا الخلاف مختصراً.
وقال: ومن رفع " ربّنا " فعلى الابتداء المؤخر: أي ربنا غير مكفيّ ولا مودع، وعلى هذا يرفع " غير " قال: ويجوز أن يكون الكلام راجعاً إلى الحمد، كأنه قال: حمداً كثيراً غير مكفي ولا مودّع ولا مستغنى
стр. 234
عن هذا الحمد.
وقال في قوله: ولا مودّع: أي غير متروك الطاعة، وقيل: هو من الوداع، وإليه يرجع، والله أعلم.
٦٧٧ - وروينا في " صحيح مسلم " عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
" إنَّ اللَّهَ تعالى لَيَرْضَى عَنِ العَبْدِ يأكُلُ الأكْلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْها، ويَشْرَبُ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْها ".
٦٧٨ - وروينا في " سنن أبي داود " وكتابي " الجامع " و " الشمائل " للترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن النبيَّ ﷺ كان إذا فَرَغ من طعامه قال: " الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي أطْعَمَنَا وَسَقانا وَجَعَلَنا مُسْلِمِينَ " (١) .
٦٧٩ - وروينا في " سنن أبي داود والنسائي " بالإِسناد الصحيح عن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أكَلَ أو شَرِبَ قال: " الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي أطْعَمَ وَسَقَى وَسَوَّغَهُ وَجَعَلَ لَهُ مَخْرَجاً ".
٦٨٠ - وروينا في " سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه " عن معاذ بن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " مَنْ أكَلَ طَعاماً فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أطْعَمَنِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلاَ قُوَّةٍ، غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " قال الترمذي: حديث حسن.
قال الترمذي: وفي الباب - يعني باب الحمد على الطعام إذا فرغَ منه - عن عقبةَ بن عامر وأبي سعيد وعائشة وأبي أيوب وأبي هريرة.
٦٨١ - وروينا في " سنن النسائي " وكتاب ابن السني بإسناد حسن (٢) ، عن عبد الرحمن بن جُبير التابعي، أنه حدَّثه رجلٌ خدمَ النبيَّ ﷺ ثماني سنين أنه كان يسمعُ النبيَّ ﷺ إذا قَرَّبَ إليه طعام يقول: " بسم اللَّهِ، فإذا فَرغَ من طعامه قال: اللَّهُمَّ أطْعَمْتَ وَسَقَيْتَ، وَأغْنَيْتَ وأقْنَيْتَ، وَهَدَيْتَ وأحييت، فَلَكَ الحَمْدُ على ما أعطيت ".
стр. 235
٦٨٢ - وروينا في كتاب ابن السني عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ ، أنه كان يقول في الطعام إذا فرغَ: " الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي مَنَّ عَلَيْنا وَهَدَانا، وَالَّذي أشْبَعَنا وَأرْوَانا، وكُلَّ الإِحْسانِ آتانا " (١) .
٦٨٣ - وروينا في " سنن أبي داود والترمذي " وكتاب ابن السني عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذَا أكَلَ أحَدُكُمْ طَعاماً " وفي رواية ابن السني " مَنْ أطْعَمَهُ اللَّهُ طَعاماً فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِيهِ وأطْعِمْنا خَيْراً مِنْهُ، وَمَنْ سَقاهُ اللَّهُ تعالى لَبَناً فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِيهِ وَزِدْنا مِنْهُ، فإنَّهُ ليس شئ يجزئ منَ الطَّعامِ وَالشَّرَابِ غَيْرَ اللَّبَنِ " قال الترمذي: حديث حسن.
٦٨٤ - وروينا في كتاب ابن السني بإسناد ضعيف عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: " كان رسول الله ﷺ إذا شرب في الإِناء تنفَّسَ ثلاثة أنفاسٍ يحمد الله تعالى في كل نفس، ويشكرُه في آخره " (٢) .
(بابُ دعاءِ المدعوّ والضيفَ لأهلِ الطَّعامِ إذا فَرَغَ من أكلهِ)
٦٨٥ - روينا في " صحيح مسلم " عن عبد الله بن بُسْر - بضمّ الباء وإسكان السين المهملة - الصحابيّ قال: نزل رسول الله ﷺ على أبي، فقرّبنا إليه طعاماً ووَطْبَةً فأكل منها، ثم أُتيَ بتمر فكان يأكلُه ويُلقي النَّوَى بين أصبعيه ويجمعُ السبَّابَةَ والوُسطى.
قال شعبة: هو ظني (٣) وهو فيه إن شاء الله تعالى إلقاءُ النَّوى بين الأصبعين، ثم أُتي بشرابٍ
стр. 236
فشربَه، ثم ناولَه الذي عن يمينه، فقال أبي: ادعُ اللَّهَ لنا، فقال: " اللَّهُمَّ بارِكْ لَهُمْ فِيما رَزَقْتَهُمْ، وَاغْفِرْ لَهُمْ وَارْحَمْهُمْ ".
قلتُ: الوطبة، بفتح الواو وإسكان الطاء المهملة بعدها باء موحدة: وهي قربة لطيفة يكون فيها اللبن.
٦٨٦ - وروينا في " سنن أبي داود " وغيره بالإِسناد الصحيح عن أنس ﵁ أن النبيّ ﷺ جاء إلى سعد بن عبادة ﵁، فجاء بخبزٍ وزيْتٍ (١) فأكل، ثم قال النبيُّ ﷺ : " أفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ، وأكَلَ طَعَامَكُمُ الأبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ المَلاَئِكَةُ ".
٦٨٧ - وروينا في " سنن ابن ماجه " عن عبد الله بن الزبير ﵄ قال: أفطرَ رسولُ الله ﷺ عند سعد بن معاذ، فقال: " أفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ ... " الحديث.
قلتُ: فهما قضيتان جرتا لسعد بن عبادة وسعد بن معاذ.
٦٨٨ - وروينا في " سنن أبي داود عن رجل عن جابر ﵁ قال: " صنعَ أبو الهيثم بن التَّيِّهَان للنبيّ ﷺ طعاماً، فدعا النبيَّ ﷺ وأصحابَه، فلما فرغوا، قال: أثِيبُوا أخاكُمْ، قالوا: يا رسول الله وما إثابته؟ قال: إنَّ الرَّجُلَ إذَا دُخلَ بَيْتُهُ فأُكِلَ طَعامُهُ وَشُرِبَ شَرَابُهُ فَدَعَوْا لَهُ فَذَلِكَ إثابَتُهُ " (٢) .
(بابُ دُعاءِ الإِنسانَ لمن سَقَاهُ ماءً أو لبناً ونحوهما)
٦٨٩ - روينا في " صحيح مسلم " عن المقداد ﵁ في حديثه الطويل المشهور قال: " فرفعَ النبيُّ ﷺ رأسَه إلى السماء، فقال: اللَّهُمَّ أطْعِمْ مَنْ أطْعَمَنِي، وَاسْقِ مَنْ سَقانِي ".
٦٩٠ - وروينا في كتاب ابن السني عن عمرو بن الحَمِقِ (٣) ﵁ أنه سقى رسولَ الله ﷺ لَبَناً فقال: " اللَّهُمَّ أمْتِعْهُ بِشَبابِه، فمرّتْ عليه ثمانون سنةً لم يرَ شعرةً بيضاء " (٤) .
стр. 237
قلت: الحَمِق، بفتح الحاء المهملة وكسر الميم.
٦٩١ - وروينا فيه عن عمرو بن أخطب - بالخاء المعجمة وفتح الطاء ﵁ قال: " اسْتَسْقَى رسولُ الله ﷺ فأتيتُه بماء في جمجمة وفيها شعرة فأخرجتُها، فقال رسول الله ﷺ : اللَّهُمَّ جَمِّلْهُ، قال الراوي: فرأيته ابن ثلاث وتسعين أسود الرأس واللحية " (١) .
قلت: الجُمْجُمة، بجيمين مضمومتين بينهما ميم ساكنة، وهي قدح من خشب وجمعها جماجم، وبه سمي دير الجماجم، وهو الذي كانت به وقعة ابن الأشعث مع
الحجاج بالعراق، لأنه كان يُعمل فيه أقداح من خشب، وقيل: سمي به لأنه بُنِي من جماجم القتلى لكثرة من قُتل.
(بابُ دعاءِ الإِنسان وتحريضِه لمن يُضيِّفُ ضَيْفاً)
٦٩٢ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي هريرة ﵁ قال: " جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ ليضيفَه فلم يكنْ عندَه ما يضيفُه، فقال: ألا رَجُلٌ يُضِيفُ هَذَا ﵀، فقام رجل من الأنصار فانطلق به ... " وذكر الحديث.
(بابُ الثناءِ على مَنْ أكرمَ ضيفَه)
٦٩٣ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: إني مجهودٌ (٢) ، فأرسلَ إلى بعض نسائِه فقالتْ: والذي بعثكَ بالحقّ ما عندي إلا ماءٌ، ثم أرسلَ إلى أخرى فقالت مثلَ ذلكَ (٣) ، حتَّى قلنَ كلهنّ مثلَ ذلك، فقال: مَنْ يُضِيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ ﵀، فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسولَ الله، فانطلقَ به إلى رحلِه فقال لامرأته: هل عند ك شئ؟ قالت: لا، إلا قوتُ صبياني، قال: فعلِّليهم بشئ، فإذا دخلَ ضيفُنا فأطفئي السراجَ وأريه أنَّا نأكلُ، فإذا
стр. 238
أهوى ليأكلَ فقومي إلى السِّراجِ حتى تطفئيه، فقعدُوا وأكلَ الضيفُ، فلما أصبحَ غدا على رسول الله ﷺ ، فقال: قَدْ عَجِبَ اللَّهُ من صنيعكما بِضَيْفِكُما اللَّيْلَةَ، فأنزل الله تعالى هذه
الآية (وَيُؤْثِرُونَ على أنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) [الحشر: ٩] .
قلتُ: وهذا محمولٌ على أن الصبيان لم يكونوا محتاجين إلى الطعام حاجة ضرورية، لأن العادةَ أن الصبيّ وإن كان شبعان يطلبُ الطعامَ إذا رأى مَن يأكلُه، ويُحمل فعلُ الرجل والمرأة على أنهما آثرا بنصيبهما ضيفهما، والله أعلم.
(بابُ استحباب ترحيب الإِنسان بضيفه وحمده الله تعالى على حصوله ضيفاً عنده وسروره بذلك وثنائه عليه لكونه جعلَه أهلاً لذلك) ٦٩٤ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " من طرق كثيرة عن أبي هريرة وعن أبي شُرَيْحٍ الخزاعيّ ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " مَنْ كان يُؤْمِنُ باللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ ".
٦٩٥ - وروينا في " صحيح مسلم " عن أبي هريرة ﵁ قال: خرجَ رسولُ اللَّه ﷺ ذاتَ يومٍ أو ليلةٍ، فإذا هو بأبي بكر وعمر ﵄، قال: " ما أخْرَجَكُما مِنْ بُيُوتِكُما هَذِهِ السَّاعَةَ "؟ قالا: الجوع يا رسول الله، قال: " وأنا وَالَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَخْرَجَني الَّذي أخْرَجَكُما، قُومُوا، فقاموا معه، فأتى رجلاً من الأنصار (١) فإذا ليس هو في بيته، فلما رأتْهُ المرأةُ قالتْ: مرحبَاً وأهلاً، فقالَ لها رسولُ الله ﷺ : أيْنَ فُلانٌ؟ قالت: ذهبَ يستعذبُ لنا من الماء (٢) ، إذ جاء الأنصاريّ فنظر إلى رسول الله ﷺ وصاحبيه، ثم قال: الحَمْدُ لله، ما أحدٌ اليوم أكرمُ أضيافاً منّي ... " وذكر تمام الحديث.
(بابُ ما يقولُه بعدَ انصرافِه عن الطَّعام)
٦٩٦ - روينا في كتاب ابن السني عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " أذِيبُوا طَعامَكُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلاةِ، وَلا تَنَامُوا عَلَيْهِ فَتَقْسُوَ له قلوبكم " (٣) .
стр. 239
كتاب السلام والاستئذان وتشميت العاطس وما يتعلق بها
قال الله تعالى: (فإذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا على أنْفُسِكُمُ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً) [النور: ٦١] وقال تعالى: (وَإذَا حُيِّيْتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنْها أوْ رُدُّوها) [النساء: ٨٦] وقال تعالى: (لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بيوتكم حتى تستأنسوا (١) وتسلموا على أهلها) (٢) [النور: ٢٧] وقال تعالى: (وإذا بلغ الأطفال مِنْكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كما اسْتَأذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) [النور: ٥٩] وقال تعالى: (وَهَلْ أتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ المُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً، قالَ سَلامٌ) [الذاريات: ٢٤] .
واعلم أن أصلَ السَّلامِ ثابتٌ بالكتاب والسُّنّة والإِجماع.
وأما أفراد مسائله وفروعه فأكثرُ من أن تُحصر، وأنا أختصرُ مقاصدَه في أبواب يسيرة إن شاء الله تعالى، وبه التوفيق والهداية والإِصابة والرعاية.
(بابُ فضلِ السَّلامِ والأمرِ بإفشائه)
٦٩٧ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أنَّ رجلاً سأل رسول الله ﷺ : أيُّ الإِسلام خَيْرٌ؟ قال: " تُطْعِمُ الطَّعامَ، وَتَقْرأُ السَّلام على مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ ".
٦٩٨ - وروينا في " صحيحيهما " عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ على صُورَتِهِ (٣) طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعاً، فَلَمَّا خَلَقَهُ قال: اذْهَبْ فَسَلِّمْ على أُولَئِكَ: نَفَرٍ مِنَ المَلائِكَةِ جُلُوسٍ فاسْتَمِعْ ما يُحَيُّونَكَ فإنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرّيَّتِكَ،
فقال: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَقالُوا: السَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهُ فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ " (٤) .
стр. 240
٦٩٩ - وروينا في " صحيحيهما " عن البراء بن عازب ﵄ قال: " أمرنا رسولُ الله ﷺ بسبع: بعيادةِ المريض، واتِّباعِ الجنائز، وتشميتِ العاطسِ، ونصرِ الضعيفِ، وعوْنِ المظلومِ، وإفشاءِ السَّلامِ، وإبرارِ القَسَم " هذا لفظ إحدى روايات البخاري.
٧٠٠ - وروينا في " صحيح مسلم " عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حتَّى تُؤْمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُوا حتَّى تحابُّوا (١) أوْلا أدلكم على شئ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحابَبْتُمْ؟ أفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ ".
٧٠١ - وروينا في " مسند الدارمي " وكتابي الترمذي وابن ماجه وغيرها بالأسانيد الجيدة، عن عبد الله بن سلام ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: " يا أيُّهَا النَّاسُ أفْشُوا السَّلامَ، وأطْعِمُوا الطَّعامَ، وَصِلُوا الأرْحامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيامٌ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ "، قال الترمذي: حديث صحيح (٢) .
٧٠٢ - وروينا في كتابي ابن ماجه وابن السني عن أبي أُمامةَ ﵁ قال: " أمَرَنَا نبيُّنا ; ﷺ أن نُفشيَ السَّلامَ (٣) .
٧٠٣ - وروينا في " موطأ " الإِمام مالك ﵁ عن إسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة، أن الطُّفيلَ بن أُبيّ بن كعب أخبرَه أنه كان يأتي عبدَ الله بن عمر فيغدو معه إلى السوق، قال: فإذَا غدوْنا إلى السوق لم يمرّ عبدُ الله على سَقَّاطٍ، ولا صاحبِ بَيْعَةٍ (٤) ولا مِسكين ولا أحدٍ إلاَّ سلَّم عليه، قال الطُّفيلُ: فجئتُ عبدَ الله بن عمر يوماً، فاستتبعني إلى
стр. 241
السوق، فقلتُ له: ما تصنعُ بالسوق وأنتَ لا تقفُ على البيْعِ ولا تسألُ عن السِّلعِ ولا تسوم بها ولا تجلسُ في مجالس السوق؟ قال: وأقولُ: اجلسْ بنا هاهنا نتحدّثْ، فقال لي ابن عمرَ: يا أبا بطن (١) وكان الطفيلُ ذا بطن، إنما نغدو من أجل السلام نُسَلِّم على مَن لقيناه (٢) .
٧٠٤ - وروينا في " صحيح البخاري " عنه قال: وقال عمّار ﵁: ثلاثٌ
من جَمعهنّ فقد جمعَ الإِيمانَ: الإِنصافُ من نفسك، وبذلُ السَّلام للعالم، والإِنفاقُ من الإِقتار.
وروينا هذا في غير البخاري مرفوعاً إلى رسول الله ﷺ (٣) .
قلت: قد جمعَ في هذه الكلمات الثلاث خيراتِ الآخرة والدنيا، فإنَّ الإِنصافَ يقتضي أن يؤدّي إلى الله تعالى جميع حقوقه وما أمره به، ويجتنب جميع ما نهاه عنه، وأن يؤدي للناس حقوقهم، ولا يطلب ما ليس له، وأن ينصف أيضاً نفسه فلا يوقعها في قبيح أصلاً.
وأما بذلُ السلام للعالم، فمعناه لجميع الناس، فيتضمن أن لا يتكبر على أحد، وأن لا يكون بينه وبين أحد جفاء يمتنع بسببه من السلام عليه بسببه.
وأما الإِنفاق من الإقتار فيقتضي كمال الوثوق بالله تعالى والتوكل عليه والشفقة على المسلمين، إلى غير ذلك، نسأل الله تعالى الكريم التوفيق لجميعه.
(بابُ كيفيّة السَّلام)
اعلم أن الأفضل أن يقول المسلم: السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فيأتي بضمير الجمع وإن كان المسلَّم عليه واحداً، ويقولُ المجيب: وَعَلَيْكُمُ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَركاتُه، ويأتي بواو العطف في قوله: " وعليكم ".
وممّن نصّ على أن الأفضل في المبتدئ أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الإِمام أقضى القضاة أبو الحسن الماورديّ في كتابه " الحاوي " في كتاب السِّيَر، والإِمام أبو سعد المتولي من أصحابنا في كتاب صلاة الجمعة وغيرهما.
стр. 242
٧٠٥ - ودليله ما رويناه في مسند الدارمي وسنن أبي داود والترمذي عن عمران بن الحصين ﵄ قال: " جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: السلام عليكم، فردّ عليه ثم جلس، فقال النبيّ ﷺ عَشْرٌ، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فردّ عليه ثم جلس، فقال: عِشْرُونَ، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاتُه، فردّ عليه فجلس، فقال: ثلاثُونَ " فقال الترمذي: حديث حسن.
وفي رواية لأبي داود، من رواية معاذ بن أنس ﵁، زيادة على هذا، قال: " ثم أتى آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته، فقال: أرْبَعُونَ، وقال: هَكَذَا تَكُونُ الفَضَائِلُ ".
٧٠٦ - وروينا في كتاب ابن السني، بإسناد ضعيف عن أنس ﵁ قال: " كان رجلٌ يمرّ بالنبيّ ﷺ يَرعى دوابّ أصحابه فيقول: السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ الله، فيقول له النبيّ ﷺ : وَعَلَيْكَ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ وَرِضْوَانُهُ، فقيل: يا رسول الله تُسَلِّم على هذا سلاماً ما تُسلِّمه على أحدٍ من أصحابك؟ قال: " وَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ ذلكَ وَهُوَ يَنْصَرِفُ بأجْرِ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً؟ ".
قال أصحابنا: فإن قال المبتدئ: السلام عليكم، حصل السَّلامُ، وإن قال: السلام عليكَ، أو سلام عليكَ، حصل أيضاً.
وأما الجواب فأقلّه: وعليكَ السلام، أو وعليكم السلام، فإن حذف الواو فقال: عليكم السَّلام أجزأه ذلك وكان جواباً، هذا هو المذهب الصحيح المشهور الذي نصّ عليه إمامنا الشافعي ﵀ في " الأُم "، وقاله جمهور أصحابنا.
وجزم أبو سعد المتولّي من أصحابنا في كتابه " التتمة " بأنه لا يجزئه ولا يكون جواباً، وهذا ضعيف أو غلط، وهو مخالفٌ للكتاب والسنّة ونصّ إمامنا الشافعي.
أما الكتاب فقال الله تعالى: (قالُوا سَلاماً، قالَ سَلامٌ) [هود: ٦٩] وهذا وإن كان شرعا لمن قَبْلنا، فقد جاء شرعنا بتقريره.
٧٠٧ - وهو حديث أبي هريرة الذي قدَّمناه في جواب الملائكة آدمُ ﷺ فإن النبيّ ﷺ أخبرنا " أن الله تعالى قال: هي تحيتك وتحية ذرّيتك " وهذه الأمة داخلة في ذرّيته، والله أعلم.
واتفق أصحابنا على أنه لو قال في الجواب: عليكم، لم يكن جواباً، فلو قال:
стр. 243
وعليكم بالواو، فهل يكون جواباً؟ فيه وجهان لأصحابنا، ولو قال المبتدئ: سلام عليكم، أو قال: السلام عليكم، فللمُجيب أن يقول في الصورتين: سلام عليكم، وله أن يقول: السلام عليكم، قال الله تعالى: (قالُوا سَلاماً، قالَ سَلامٌ) قال الإِمام أبو الحسن الواحديّ من أصحابنا: أنت في تعريف السلام وتنكيره بالخيار، قلت: ولكن الألف واللام أولى.
٧٠٨ - فصل:
روينا في " صحيح البخاري " عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ : " أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تُفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلَّم عليهم سلَّمَ عليهم ثلاثاً ".
قلت: وهذا الحديث محمولٌ على ما إذا كان الجمعُ كثيراً، وسيأتي بيان هذه المسألة وكلام الماوردي صاحب " الحاوي " فيها إن شاء الله تعالى.
فصل:
وأقل السَّلام الذي يصيرُ به مؤدّياً سنّة السلام أن يرفع صوته بحيث يُسمع المسلَّم عليه، فإن لم يُسْمعه لم يكن آتياً بالسلام، فلا يجب الردّ عليه.
وأقلّ ما يسقط به فرض ردّ السلام أن يرفع صوتَه بحيث يسمعه المسلِّم، فإن لم يسمعه لم يسقط عنه فرض الردّ، ذكرهما المتولي وغيره.
قلت: والمستحبّ أن يرفع صوته رفعاً يسمعه به المسلَّم عليه أو عليهم سماعاً محققاً، وإذا تشكك في أنه يسمعهم، زاد في رفعه، واحتاط واستظهر، أما إذا سلَّم على أيقاظ عندهم نيام، فالسنّة أن يخفضَ صوتَه بحيث يَحصل سماعُ الأيقاظ ولا يستيقظ
النيام.
٧٠٩ - روينا في " صحيح مسلم " في حديث المقداد ﵁ الطويل قال: " كنّا نرفع للنبيّ ﷺ نَصيبه من اللبن، فيجئ من الليل فيسلّم تسليماً لا يُوقظ نائماً ويُسمِع اليقظانَ، وجعل لا يجيئني النوم، وأما صاحباي فناما، فجاء النبيّ ﷺ فسلَّم كما كان يُسلِّم " والله أعلم.
فصل:
قال الإِمام أبو محمد القاضي حسين، والإِمام أبو الحسن الواحدي وغيرهما من أصحابنا: ويُشترط أن يكون الجواب على الفور، فإن أخَّرَه ثم ردّ لم يعدّ جواباً، وكان آثماً بترك الردّ.
стр. 244
(بابُ ما جاء في كَراهةِ الإِشارة بالسَّلام باليد ونحوها بلا لفظ)
٧١٠ - روينا في كتاب الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عن النبي ﷺ قال: " لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنَّصَارَى، فإنَّ تَسْلِيمَ اليَهُودِ الإِشارَةُ بالأصَابِعِ، وَتَسْلِيمَ النَّصَارَى الإِشارَةُ بالكَفّ " قال الترمذي: إسناده ضعيف (١) .
٧١١ - قلت: وأما الحديث الذي رويناه في كتاب الترمذي عن أسماءَ بنت يزيد " أن رسول الله ﷺ مرّ في المسجد يوماً، وعصبةٌ من النساء قعود، فألوى بيده بالتسليم " قال الترمذي: حديث حسن، فهذا محمول على أنه ﷺ جمع بين اللفظ والإِشارة، يدلّ على هذا أن أبا داود روى هذا الحديث، وقال في روايته: " فسلم علينا ".
(بابُ حُكْمِ السَّلاَم)
اعلم أن ابتداء السَّلامِ سنَّةٌ مستحبّة ليس بواجب، وهو سنّةٌ على الكفاية، فإن كان المسلِّم جماعة، كفى عنهم تسليمُ واحد منهم، ولو سلَّموا كلُّهم كان أفضل.
قال الإِمام القاضي حسين من أئمة أصحابنا في كتاب السير من تعليقه: ليس لنا سنّة على الكفاية إلا هذا.
قلت: وهذا الذي قاله القاضي من الحصر يُنكر عليه، فإن أصحابنا ﵏
قالوا: تشميتُ العاطسِ سنّةٌ على الكفاية كما سيأتي بيانه قريباً إن شاء الله تعالى.
وقال جماعة من أصحابنا بل كلهم: الأُضحية سنّةٌ على الكفاية في حقّ كل أهل بيت، فإذا ضحَّى واحد منهم حصل الشِّعار والسنّة لجميعهم.
وأما ردّ السلام، فإن كان المسلَّم عليه واحداً تعيَّنَ عليه الردّ، وإن كانوا جماعةً، كان ردّ السلام فرضُ كفايةٍ عليهم، فإن ردّ واحد منهم سقطَ الحرج عن الباقين، وإن تركوه كلُّهم، أثموا كلُّهم، وإن ردّوا كلُّهم، فهو النهاية في الكمال والفضيلة، كذا قاله أصحابنا، وهو ظاهر حسن.
واتفق أصحابنا على أنه لو ردّ غيرُهم، لم يسقط الرد، بل يجب عليهم أن يردّوا، فإن اقتصروا على ردّ ذلك الأجنبيّ أثموا.
٧١٢ - روينا في سنن أبي داود عن عليّ ﵁، عن النبيّ ﷺ قال:
стр. 245
" يجزئ عَنِ الجَماعَةِ إذَا مَرُّوا أنْ يُسَلِّمَ أحَدُهُمْ، ويجزئ عَنِ الجُلُوسِ أنْ يَرُدَّ أحَدُهُمْ " (١) .
٧١٣ - وروينا في الموطأ عن زيد بن أسلم أن رسولَ الله ﷺ قال: " إذَا سَلَّمَ وَاحِدٌ مِنَ القَوْمِ أَجْزَأ عَنْهُمْ " قلت: هذا مرسل صحيح الإسناد (٢) .
فصل:
قال الإِمام أبو سعد المتولي وغيره: إذا نادى إنسان إنساناً من خلف ستر أو حائط فقال: السلام عليك يا فلان، أو كتب كتاباً فيه: السلام عليك يا فلان، أو السلام على فلان، أو أرسل رسولاً وقال: سلّم على فلان، فبلغه الكتاب أو الرسول، وجب عليه أن يردّ السلام، وكذا ذكر الواحدي وغيره أيضاً أنه يجب على المكتوب إليه ردّ السلام إذا بلغه السلام.
٧١٤ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسولُ الله ﷺ : " هَذَا جِبْرِيلُ يَقْرأُ عَلَيْكِ السَّلامَ " (٣) قالت: قلتُ: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته.
هكذا وقع في بعض روايات " الصحيحين " " وبركاته " ولم يقع في بعضها، وزيادة الثقة مقبولة.
ووقع في كتاب الترمذي " وبركاته " وقال: حديث حسن صحيح، ويُستحبّ أن يرسلَ بالسلام إلى مَن غاب عنه.
فصل:
إذا بعث إنسان مع إنسان سلاماً، فقال الرسول: فلان يسلّم عليك، فقد قدّمنا أنه يجب عليه أن يردّ على الفور، ويستحبّ أن يردّ على المبلِّغ أيضاً، فيقول: وعليك وعليه السلام.
٧١٥ - وروينا في سنن أبي داود عن غالب القطان عن رجل قال: حدّثني أبي عن
стр. 246
جدي قال: بعثني أبي إلى رسول الله ﷺ فقال: ائته فأقرئه السلام، فأتيته فقلت: إن أبي يُقرئك السلام، فقال: " وعليك السَّلامُ وَعلى أبِيكَ السَّلامُ ".
قلت: وهذا وإن كان رواية عن مجهول، فقد قدّمنا أن أحاديثَ الفضائل يُتسامح فيها عند أهل العلم كلهم (١) .
فصل:
قال المتولي: إذا سلم على أصمّ لا يسمع، فينبغي أن يتلفظ بلفظ السلام لقدرته عليه، ويشير باليد حتى يحصل الإِفهام ويستحقّ الجواب، فلو لم يجمع بينهما لا يستحقّ الجواب.
قال: وكذا لو سلّم عليه أصمّ وأراد الرد، فيتلفظ باللسان، ويشير بالجواب ليحصل به الإِفهام، ويسقط عنه فرض الجواب.
قال: ولو سلّم على أخرس فأشار الأخرس باليد، سقط عنه الفرض، لأن إشارته قائمة مقام العبارة، وكذا لو سلَّم عليه أخرسُ بالإِشارة يستحقّ الجواب لما ذكرنا.
فصل:
قال المتولي: لو سلَّم على صبيّ، لا يجب عليه الجواب، لأن الصبيّ ليس من أهل الفرض، وهذا الذي قاله صحيح، لكن الأدب والمستحبّ له الجواب.
قال القاضي حسين وصاحبه المتولّي: ولو سلَّم الصبي على بالغ، فهل يجب على البالغ الرد؟ فيه وجهان ينبنيان على صحة إسلامه، إن قلنا: يصحّ إسلامُه، كان سلامُه كسلام البالغ، فيجب جوابُه.
وإن قلنا: لا يصحّ إسلامه، لم يجب ردّ السلام، لكن يُستحبّ.
قلت: الصحيح من الوجهين وجوب ردّ السلام، لقول الله تعالى: (وإذا حييتم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنْها أوْ رُدُّوها) [النساء ٨٦] ، وأما قولهما: إنه مبنيّ على إسلامه، فقال الشاشي: هذا بناء فاسد، وهو كما قال، والله أعلم.
ولو سلم بالغ على جماعة فيهم صبيّ، فردّ الصبيّ ولم يردّ منهم غيرُه، فهل يسقط عنهم؟ فيه وجهان أصحُّهما - وبه قال القاضي حسين وصاحبه المتولي - لا يسقط، لأنه ليس أهلاً للفرض، والردّ فرض فلم يسقط به، كما لا يسقط به الفرض في الصلاة على الجنازة.
والثاني وهو قول أبي بكر الشاشي صاحب " المستظهري " من أصحابنا: أنه يسقط، كما يصحّ أذانه للرجال، ويسقط عنه طلب الأذان.
قلت: وأما الصلاة على الجنازة، فقد اختلف أصحابُنا في سقوط فرضها بصلاة
الصبيّ على وجهين مشهورين، الصحيحُ منهما عند الأصحاب: أنه يسقط، ونصَّ عليه الشافعي، والله أعلم.
стр. 247
فصل:
إذا سُلِّم عليه إنسان ثم لقيه على قرب، يُسنّ له أن يُسلِّم عليه ثانياً وثالثاً وأكثر، اتفق عليه صحابنا.
٧١٦ - ويدل عليه ما رويناه في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي هُريرة ﵁ في حديث المسئ صلاته (١) " إنه جاء فصلَّى، ثم جاء إلى النبي ﷺ فسلَّم عليه، فردّ ﵇، وقال: ارْجِعْ فَصَلّ فإنَّكَ لَمْ تُصَلّ، فرجعَ فَصلَّى، ثم جاء فسلَّم على النبيّ ﷺ ، حتى فعلَ ذلك ثَلاثَ مَرَّاتٍ.
٧١٧ - وروينا في " سنن أبي داود " عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: " إِذَا لَقِيَ أحَدُكُمْ أخاهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فإنْ حالَتْ بَيْنَهُما شَجَرَة أوْ جِدَارٌ أوْ حَجَرٌ ثُمَّ لَقِيَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ " (٢) .
٧١٨ - وروينا في كتاب ابن السني عن أنس ﵁ قال: " كانَ أصحابُ رسولِ الله ﷺ يتماشَون، فإذا استقبلتهم شجرة أو أكَمة فتفرّقوا يميناً وشمالاً ثم التقوا من ورائها، سلَّم بعضُهم على بعضٍ " (٣) .
فصل:
إذا تلاقى رجلان، فسلَّم كلُّ واحدٍ منهما على صاحبه دفعة واحدة أو أحدهما بعد الآخر، فقال القاضي حسين وصاحبه أبو سعد المتولّي: يَصير كلُّ واحد منهما مبتدئاً بالسلام، فيجب على كلِّ واحد منهما أن يردَّ على صاحبهِ.
وقال الشاشي: هذا فيه نظر.
فإن هذا اللفظ يَصلح للجواب، فإذا كان أحدهما بعد الآخر كان جواباً، وإن كانا دفعة واحدة، لم يكن جواباً وهذا الذي قاله الشاشي هو الصواب.
فصل:
إذا لقي إنسان إنسانا، فقال المبتدئ " وعليكم السلام " قال المتولي:
لا يكون ذلك سلاماً، فلا يستحقّ جواباً، لأنّ هذه الصيغة لا تصلح للابتداء.
قلت: أما إذا قال: عليك، أو عليكم السلام، بغير واو، فقطع الإِمام أبو الحسن الواحدي بأنه سلام يتحتم على المخاطَب به الجواب، وإن كان قد قلب اللفظ المعتاد، وهذا الذي قاله الواحدي هو الظاهر.
وقد جزم أيضاً إمام الحرمين به، فيجب فيه الجواب لأنه يُسمَّى سلاماً، ويحتمل أن يُقال: في كونه سلاماً وجهان كالوجهين
стр. 248
لأصحابنا فيما إذا قال في تحلّله من الصلاة " عليكم السلام " هل يحصل به التحلّل، أم لا؟ الأصحّ: أنه يحصل، ويحتمل أن يُقال: إن هذا لا يستحق فيه جواباً بكل حال.
٧١٩ - لما رويناه في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما بالأسانيد الصحيحة (١) عن أبي جري الهجيميّ الصحابي ﵁، واسمه جابر بن سليم (٢) ، وقيل سليم بن جابر، قال: أتيتُ رسول الله ﷺ فقلت: عليك السلام يا رسول الله، قال: " لا تَقُلْ عَلَيْكَ السَّلامُ، فإنَّ عَلَيْك السَّلامُ تحِيَّةُ المَوْتَى " قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
قلت: ويحتمل أن يكون هذا الحديث ورد في بيان الأحسن والأكمل، ولا يكون المراد أن هذا ليس بسلام، والله أعلم.
وقد قال الإِمام أبو حامد الغزالي في " الإِحياء ": يُكره أن يقول ابتداء " عليكم السلام " لهذا الحديث، والمختار أنه يُكره الابتداء بهذه الصيغة، فإن ابتدأ وجب الجواب لأنه سلام.
فصل:
السنّة أن المسلِّم يبدأ بالسلام قبل كل كلام، والأحاديث الصحيحة وعمل سلف الأمة وخلفها على وفق ذلك مشهورة، فهذا هو المعتمد في دليل الفصل.
٧٢٠ - وأما الحديث الذي رويناه في كتاب الترمذي عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " السَّلامُ قَبْلَ الكَلامِ " فهو حديث ضعيف، قال الترمذي: هذا حديث منكر.
٧٢١ - فصل:
الابتداء بالسلام أفضل لقوله ﷺ في الحديث الصحيح: " وَخَيْرُهُما الَّذي يَبْدأُ بالسلام " البخاري " فينبغي لكل واحد من المتلاقين أن يحرص على أن يبتدئ بالسلام.
٧٢٢ - وروينا في سنن أبي داود بإسناد جيد عن أبي أُمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إنَّ أوْلَى النَّاسِ باللَّهِ مَنْ بَدأَهُمْ بالسَّلامِ " وفي رواية الترمذي عن أبي أُمامة: قيل: يا رسول الله، الرجلان يلتقيان، أيّهما يبدأ بالسلام؟ قال: " أوْلاهُما باللَّهِ تَعالى " قال الترمذي: حديث حسن.
стр. 249
(بابُ الأحوالِ التي يُستَحَبُّ فيها السَّلامُ، والتي يُكرهُ فيها، والتي يُباح)
اعلم أنّا مأمورون بإفشاء السلام كما قدّمناه، لكنه يتأكد في بعض الأحوال ويخفّ في بعضها.
ونُهي عنه في بعضها، فأما أحوال تأكده واستحبابه فلا تنحصر، فإنها الأصل فلا نتكلف التعرّض لأفرادها.
واعلم أنه يدخل في ذلك السلام على الأحياء والموتى، وقد قدّمنا في " كتاب أذكار الجنائز " كيفية السلام على الموتى.
وأما الأحوال التي يُكره فيها أو يخفّ أو يُباح فهي مستثناة من ذلك فيحتاج إلى بيانها، فمن ذلك إذا كان المسلَّم عليه مشتغلاً بالبول أو الجماع أو نحوهما فيُكره أن يُسلَّم عليه، ولو سلَّم لا يستحقّ جواباً، ومن ذلك من كان نائماً أو ناعساً، ومن ذلك من كان مُصلياً أو مؤذناً في حال أذانه أو إقامته الصلاةَ، أو كان في حمام أو نحو ذلك من الأمور التي لا يُؤثر السلام عليه فيها، ومن ذلك إذا كان يأكلُ
واللقمة في فمه، فإن سلَّم عليه في هذه الأحوال لم يستحقَّ جواباً.
أما إذا كان على الأكل وليست اللقمةُ في فمه، فلا بأسَ بالسلام، ويجبُ الجواب.
وكذلك في حال المبايعة وسائر المعاملات يُسلّم ويجب الجواب.
وأما السلام في حال خطبة الجمعة، فقال أصحابنا: يُكره الابتداء به لأنهم مأمورون بالإِنصات للخطبة، فإن خالفَ وسلَّم فهل يُرَدّ عليه؟ فيه خلاف لأصحابنا، منهم مَن قال: لا يُرَدّ عليه لتقصيره، ومنهم مَن قال: إن قلنا إن الإِنصاتَ واجبٌ لا يردّ عليه، وإن قلنا: إن الإِنصاتَ سنّة رَدَّ عليه واحد من الحاضرين، ولا يردّ عليه أكثر من واحد على كل وجه.
وأما السَّلامُ على المشتغل بقراءة القرآن، فقال الإِمام أبو الحسن الواحدي: الأولى ترك السلام عليه لاشتغاله بالتلاوة، فإن سلَّم عليه كفاه الردّ بالإِشارة، وإن ردّ باللفظ استأنف الاستعاذة ثم عاد إلى التلاوة، هذا كلام الواحدي، وفيه نظر، والظاهر أن يُسلّم عليه ويجب الردّ باللفظ.
أما إذا كان مشتغلاً بالدعاء مستغرقاً فيه، مجمع القلب عليه، فيحتمل أن يُقال: هو كالمشتغل بالقراءة على ما ذكرناه، والأظهر عندي في هذا أنه يُكره السلام عليه، لأنه يتنكد به ويشقّ عليه أكثر من مشقة الأكل.
وأما الملبِّي في الإِحرام فيُكره أن يُسلَّم عليه، لأنه يُكره له قطعُ التلبية، فإن سلَّم عليه ردَّ السلامَ باللفظ، نصّ عليه الشافعي وأصحابنا ﵏.
فصل:
قد تقدمت الأحوالُ التي يُكره فيها السلام، وذكرنا أنه لا يستحقّ فيها
стр. 250
جواباً، فلو أراد المسلَّم عليه أن يتبرع بردّ السلام، هل يشرع له، أو يُستحبّ؟ فيه تفصيل، فأما المشتغل بالبول ونحوه، فيُكره له ردُّ السلام، وقد قدَّمنا هذا في أول الكتاب، وأما الأكل ونحوه فيُستحبّ له الجواب في الموضع الذي لا يجب، وأما المصلِّي فيحرم عليه أن يقول: وعليكم السلام، فإن فعلَ ذلك بطلتْ صلاتُه إن كان عالماً بتحريمه، وإن كان جاهلاً، لم تبطل على أصحّ الوجهين عندنا، وإن قال: عليه
السلام، بلفظ الغَيبة، لم تبطل صلاتُه لأنه دعاءٌ ليس بخطاب، والمستحبُّ أن يردّ عليه في الصلاة بالإِشارة، ولا يتلفظ بشئ، وإن ردّ بعد الفراغ من الصلاة باللفظ، فلا بأس.
وأما المؤذّن فلا يُكره له ردُّ الجواب بلفظه المعتاد، لأن ذلك يسير لا يُبطلُ الأذانَ ولا يُخلّ به.
(بابُ مَن يُسلَّمُ عليه ومن لا يُسلَّمُ عليه ومَنْ يُردّ عليه ومن لا يُرَدّ عليه)
اعلم أنَّ الرجلَ المسلمَ الذي ليس بمشهور بفسق ولا بدعة يُسَلِّم ويُسَلَّم عليه، فيُسنّ له السلام ويجب الردّ عليه.
قال أصحابنا: والمرأةُ مع المرأة كالرجل مع الرجل.
وأما المرأة مع الرجل، فقال الإِمام أبو سعد المتوليّ: إن كانت زوجته أو جاريتَه أو محرما من محارمه، فهي معه كالرجل مع الرجل، فيستحبّ لكل واحد منهما ابتداء الآخر بالسلام، ويجب على الآخر ردّ السلام عليه، وإن كانت أجنبيةً، فإن كانت جميلةً يُخاف الافتتان بها، لم يُسَلِّم الرجل عليها، ولو سلَّمَ، لم يجز لها ردّ الجواب، ولم تسلّم هي عليه ابتداءً، فإن سلَّمتْ، لم تستحق جواباً، فإن أجابها كُره له، وإن كانت عجوزاً لا يفتتن بها، جاز أن تسلِّم على الرجل، وعلى الرجل ردّ السلام عليها، وإذا كانت النساء جمعاً، فيُسلِّم عليهنَّ الرجل، أو كان الرجالُ جمعاً كثيراً، فسلَّموا على المرأة الواحدة جاز إذا لم يخف عليه ولا عليهنّ ولا عليها أو عليهم فتنة.
٧٢٣ - روينا في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه وغيرها عن أسماءَ بنت يزيدَ ﵂ قالت: " مرَّ علينا رسولُ الله ﷺ في نسوة فسلَّم علينا " قال الترمذي: حديث حسن.
وهذا الذي ذكرته لفظ رواية أبي داود.
وأما رواية الترمذي، ففيها عن أسماء " أن رسول الله ﷺ مر في المسجد يوما وعصبةٌ من النساء قعود، فألوى بيده بالتسليم ".