جدي قال: بعثني أبي إلى رسول الله ﷺ فقال: ائته فأقرئه السلام، فأتيته فقلت: إن أبي يُقرئك السلام، فقال: " وعليك السَّلامُ وَعلى أبِيكَ السَّلامُ ".
قلت: وهذا وإن كان رواية عن مجهول، فقد قدّمنا أن أحاديثَ الفضائل يُتسامح فيها عند أهل العلم كلهم (١) .
فصل:
قال المتولي: إذا سلم على أصمّ لا يسمع، فينبغي أن يتلفظ بلفظ السلام لقدرته عليه، ويشير باليد حتى يحصل الإِفهام ويستحقّ الجواب، فلو لم يجمع بينهما لا يستحقّ الجواب.
قال: وكذا لو سلّم عليه أصمّ وأراد الرد، فيتلفظ باللسان، ويشير بالجواب ليحصل به الإِفهام، ويسقط عنه فرض الجواب.
قال: ولو سلّم على أخرس فأشار الأخرس باليد، سقط عنه الفرض، لأن إشارته قائمة مقام العبارة، وكذا لو سلَّم عليه أخرسُ بالإِشارة يستحقّ الجواب لما ذكرنا.
فصل:
قال المتولي: لو سلَّم على صبيّ، لا يجب عليه الجواب، لأن الصبيّ ليس من أهل الفرض، وهذا الذي قاله صحيح، لكن الأدب والمستحبّ له الجواب.
قال القاضي حسين وصاحبه المتولّي: ولو سلَّم الصبي على بالغ، فهل يجب على البالغ الرد؟ فيه وجهان ينبنيان على صحة إسلامه، إن قلنا: يصحّ إسلامُه، كان سلامُه كسلام البالغ، فيجب جوابُه.
وإن قلنا: لا يصحّ إسلامه، لم يجب ردّ السلام، لكن يُستحبّ.
قلت: الصحيح من الوجهين وجوب ردّ السلام، لقول الله تعالى: (وإذا حييتم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنْها أوْ رُدُّوها) [النساء ٨٦] ، وأما قولهما: إنه مبنيّ على إسلامه، فقال الشاشي: هذا بناء فاسد، وهو كما قال، والله أعلم.
ولو سلم بالغ على جماعة فيهم صبيّ، فردّ الصبيّ ولم يردّ منهم غيرُه، فهل يسقط عنهم؟ فيه وجهان أصحُّهما - وبه قال القاضي حسين وصاحبه المتولي - لا يسقط، لأنه ليس أهلاً للفرض، والردّ فرض فلم يسقط به، كما لا يسقط به الفرض في الصلاة على الجنازة.
والثاني وهو قول أبي بكر الشاشي صاحب " المستظهري " من أصحابنا: أنه يسقط، كما يصحّ أذانه للرجال، ويسقط عنه طلب الأذان.
قلت: وأما الصلاة على الجنازة، فقد اختلف أصحابُنا في سقوط فرضها بصلاة
الصبيّ على وجهين مشهورين، الصحيحُ منهما عند الأصحاب: أنه يسقط، ونصَّ عليه الشافعي، والله أعلم.
стр. 247
فصل:
إذا سُلِّم عليه إنسان ثم لقيه على قرب، يُسنّ له أن يُسلِّم عليه ثانياً وثالثاً وأكثر، اتفق عليه صحابنا.
٧١٦ - ويدل عليه ما رويناه في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي هُريرة ﵁ في حديث المسئ صلاته (١) " إنه جاء فصلَّى، ثم جاء إلى النبي ﷺ فسلَّم عليه، فردّ ﵇، وقال: ارْجِعْ فَصَلّ فإنَّكَ لَمْ تُصَلّ، فرجعَ فَصلَّى، ثم جاء فسلَّم على النبيّ ﷺ ، حتى فعلَ ذلك ثَلاثَ مَرَّاتٍ.
٧١٧ - وروينا في " سنن أبي داود " عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: " إِذَا لَقِيَ أحَدُكُمْ أخاهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فإنْ حالَتْ بَيْنَهُما شَجَرَة أوْ جِدَارٌ أوْ حَجَرٌ ثُمَّ لَقِيَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ " (٢) .
٧١٨ - وروينا في كتاب ابن السني عن أنس ﵁ قال: " كانَ أصحابُ رسولِ الله ﷺ يتماشَون، فإذا استقبلتهم شجرة أو أكَمة فتفرّقوا يميناً وشمالاً ثم التقوا من ورائها، سلَّم بعضُهم على بعضٍ " (٣) .
فصل:
إذا تلاقى رجلان، فسلَّم كلُّ واحدٍ منهما على صاحبه دفعة واحدة أو أحدهما بعد الآخر، فقال القاضي حسين وصاحبه أبو سعد المتولّي: يَصير كلُّ واحد منهما مبتدئاً بالسلام، فيجب على كلِّ واحد منهما أن يردَّ على صاحبهِ.
وقال الشاشي: هذا فيه نظر.
فإن هذا اللفظ يَصلح للجواب، فإذا كان أحدهما بعد الآخر كان جواباً، وإن كانا دفعة واحدة، لم يكن جواباً وهذا الذي قاله الشاشي هو الصواب.
فصل:
إذا لقي إنسان إنسانا، فقال المبتدئ " وعليكم السلام " قال المتولي:
لا يكون ذلك سلاماً، فلا يستحقّ جواباً، لأنّ هذه الصيغة لا تصلح للابتداء.
قلت: أما إذا قال: عليك، أو عليكم السلام، بغير واو، فقطع الإِمام أبو الحسن الواحدي بأنه سلام يتحتم على المخاطَب به الجواب، وإن كان قد قلب اللفظ المعتاد، وهذا الذي قاله الواحدي هو الظاهر.
وقد جزم أيضاً إمام الحرمين به، فيجب فيه الجواب لأنه يُسمَّى سلاماً، ويحتمل أن يُقال: في كونه سلاماً وجهان كالوجهين
стр. 248
لأصحابنا فيما إذا قال في تحلّله من الصلاة " عليكم السلام " هل يحصل به التحلّل، أم لا؟ الأصحّ: أنه يحصل، ويحتمل أن يُقال: إن هذا لا يستحق فيه جواباً بكل حال.
٧١٩ - لما رويناه في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما بالأسانيد الصحيحة (١) عن أبي جري الهجيميّ الصحابي ﵁، واسمه جابر بن سليم (٢) ، وقيل سليم بن جابر، قال: أتيتُ رسول الله ﷺ فقلت: عليك السلام يا رسول الله، قال: " لا تَقُلْ عَلَيْكَ السَّلامُ، فإنَّ عَلَيْك السَّلامُ تحِيَّةُ المَوْتَى " قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
قلت: ويحتمل أن يكون هذا الحديث ورد في بيان الأحسن والأكمل، ولا يكون المراد أن هذا ليس بسلام، والله أعلم.
وقد قال الإِمام أبو حامد الغزالي في " الإِحياء ": يُكره أن يقول ابتداء " عليكم السلام " لهذا الحديث، والمختار أنه يُكره الابتداء بهذه الصيغة، فإن ابتدأ وجب الجواب لأنه سلام.
فصل:
السنّة أن المسلِّم يبدأ بالسلام قبل كل كلام، والأحاديث الصحيحة وعمل سلف الأمة وخلفها على وفق ذلك مشهورة، فهذا هو المعتمد في دليل الفصل.
٧٢٠ - وأما الحديث الذي رويناه في كتاب الترمذي عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " السَّلامُ قَبْلَ الكَلامِ " فهو حديث ضعيف، قال الترمذي: هذا حديث منكر.
٧٢١ - فصل:
الابتداء بالسلام أفضل لقوله ﷺ في الحديث الصحيح: " وَخَيْرُهُما الَّذي يَبْدأُ بالسلام " البخاري " فينبغي لكل واحد من المتلاقين أن يحرص على أن يبتدئ بالسلام.
٧٢٢ - وروينا في سنن أبي داود بإسناد جيد عن أبي أُمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إنَّ أوْلَى النَّاسِ باللَّهِ مَنْ بَدأَهُمْ بالسَّلامِ " وفي رواية الترمذي عن أبي أُمامة: قيل: يا رسول الله، الرجلان يلتقيان، أيّهما يبدأ بالسلام؟ قال: " أوْلاهُما باللَّهِ تَعالى " قال الترمذي: حديث حسن.
стр. 249
(بابُ الأحوالِ التي يُستَحَبُّ فيها السَّلامُ، والتي يُكرهُ فيها، والتي يُباح)
اعلم أنّا مأمورون بإفشاء السلام كما قدّمناه، لكنه يتأكد في بعض الأحوال ويخفّ في بعضها.
ونُهي عنه في بعضها، فأما أحوال تأكده واستحبابه فلا تنحصر، فإنها الأصل فلا نتكلف التعرّض لأفرادها.
واعلم أنه يدخل في ذلك السلام على الأحياء والموتى، وقد قدّمنا في " كتاب أذكار الجنائز " كيفية السلام على الموتى.
وأما الأحوال التي يُكره فيها أو يخفّ أو يُباح فهي مستثناة من ذلك فيحتاج إلى بيانها، فمن ذلك إذا كان المسلَّم عليه مشتغلاً بالبول أو الجماع أو نحوهما فيُكره أن يُسلَّم عليه، ولو سلَّم لا يستحقّ جواباً، ومن ذلك من كان نائماً أو ناعساً، ومن ذلك من كان مُصلياً أو مؤذناً في حال أذانه أو إقامته الصلاةَ، أو كان في حمام أو نحو ذلك من الأمور التي لا يُؤثر السلام عليه فيها، ومن ذلك إذا كان يأكلُ
واللقمة في فمه، فإن سلَّم عليه في هذه الأحوال لم يستحقَّ جواباً.
أما إذا كان على الأكل وليست اللقمةُ في فمه، فلا بأسَ بالسلام، ويجبُ الجواب.
وكذلك في حال المبايعة وسائر المعاملات يُسلّم ويجب الجواب.
وأما السلام في حال خطبة الجمعة، فقال أصحابنا: يُكره الابتداء به لأنهم مأمورون بالإِنصات للخطبة، فإن خالفَ وسلَّم فهل يُرَدّ عليه؟ فيه خلاف لأصحابنا، منهم مَن قال: لا يُرَدّ عليه لتقصيره، ومنهم مَن قال: إن قلنا إن الإِنصاتَ واجبٌ لا يردّ عليه، وإن قلنا: إن الإِنصاتَ سنّة رَدَّ عليه واحد من الحاضرين، ولا يردّ عليه أكثر من واحد على كل وجه.
وأما السَّلامُ على المشتغل بقراءة القرآن، فقال الإِمام أبو الحسن الواحدي: الأولى ترك السلام عليه لاشتغاله بالتلاوة، فإن سلَّم عليه كفاه الردّ بالإِشارة، وإن ردّ باللفظ استأنف الاستعاذة ثم عاد إلى التلاوة، هذا كلام الواحدي، وفيه نظر، والظاهر أن يُسلّم عليه ويجب الردّ باللفظ.
أما إذا كان مشتغلاً بالدعاء مستغرقاً فيه، مجمع القلب عليه، فيحتمل أن يُقال: هو كالمشتغل بالقراءة على ما ذكرناه، والأظهر عندي في هذا أنه يُكره السلام عليه، لأنه يتنكد به ويشقّ عليه أكثر من مشقة الأكل.
وأما الملبِّي في الإِحرام فيُكره أن يُسلَّم عليه، لأنه يُكره له قطعُ التلبية، فإن سلَّم عليه ردَّ السلامَ باللفظ، نصّ عليه الشافعي وأصحابنا ﵏.
فصل:
قد تقدمت الأحوالُ التي يُكره فيها السلام، وذكرنا أنه لا يستحقّ فيها
стр. 250
جواباً، فلو أراد المسلَّم عليه أن يتبرع بردّ السلام، هل يشرع له، أو يُستحبّ؟ فيه تفصيل، فأما المشتغل بالبول ونحوه، فيُكره له ردُّ السلام، وقد قدَّمنا هذا في أول الكتاب، وأما الأكل ونحوه فيُستحبّ له الجواب في الموضع الذي لا يجب، وأما المصلِّي فيحرم عليه أن يقول: وعليكم السلام، فإن فعلَ ذلك بطلتْ صلاتُه إن كان عالماً بتحريمه، وإن كان جاهلاً، لم تبطل على أصحّ الوجهين عندنا، وإن قال: عليه
السلام، بلفظ الغَيبة، لم تبطل صلاتُه لأنه دعاءٌ ليس بخطاب، والمستحبُّ أن يردّ عليه في الصلاة بالإِشارة، ولا يتلفظ بشئ، وإن ردّ بعد الفراغ من الصلاة باللفظ، فلا بأس.
وأما المؤذّن فلا يُكره له ردُّ الجواب بلفظه المعتاد، لأن ذلك يسير لا يُبطلُ الأذانَ ولا يُخلّ به.
(بابُ مَن يُسلَّمُ عليه ومن لا يُسلَّمُ عليه ومَنْ يُردّ عليه ومن لا يُرَدّ عليه)
اعلم أنَّ الرجلَ المسلمَ الذي ليس بمشهور بفسق ولا بدعة يُسَلِّم ويُسَلَّم عليه، فيُسنّ له السلام ويجب الردّ عليه.
قال أصحابنا: والمرأةُ مع المرأة كالرجل مع الرجل.
وأما المرأة مع الرجل، فقال الإِمام أبو سعد المتوليّ: إن كانت زوجته أو جاريتَه أو محرما من محارمه، فهي معه كالرجل مع الرجل، فيستحبّ لكل واحد منهما ابتداء الآخر بالسلام، ويجب على الآخر ردّ السلام عليه، وإن كانت أجنبيةً، فإن كانت جميلةً يُخاف الافتتان بها، لم يُسَلِّم الرجل عليها، ولو سلَّمَ، لم يجز لها ردّ الجواب، ولم تسلّم هي عليه ابتداءً، فإن سلَّمتْ، لم تستحق جواباً، فإن أجابها كُره له، وإن كانت عجوزاً لا يفتتن بها، جاز أن تسلِّم على الرجل، وعلى الرجل ردّ السلام عليها، وإذا كانت النساء جمعاً، فيُسلِّم عليهنَّ الرجل، أو كان الرجالُ جمعاً كثيراً، فسلَّموا على المرأة الواحدة جاز إذا لم يخف عليه ولا عليهنّ ولا عليها أو عليهم فتنة.
٧٢٣ - روينا في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه وغيرها عن أسماءَ بنت يزيدَ ﵂ قالت: " مرَّ علينا رسولُ الله ﷺ في نسوة فسلَّم علينا " قال الترمذي: حديث حسن.
وهذا الذي ذكرته لفظ رواية أبي داود.
وأما رواية الترمذي، ففيها عن أسماء " أن رسول الله ﷺ مر في المسجد يوما وعصبةٌ من النساء قعود، فألوى بيده بالتسليم ".
стр. 251
٧٢٤ - وروينا في كتاب ابن السني عن جرير بن عبد الله ﵁ " أن
رسول الله ﷺ مرّ على نسوة فسلّم عليهنّ ".
٧٢٥ - وروينا في " صحيح البخاري " عن سهل بن سعد ﵁ قال: " كانتْ فينا امرأةٌ - وفي رواية: كانتْ لنا عجوزٌ - تأخذُ من أصول السِّلق فتطرحُه في القِدْر وتكركرُ حَبَّاتٍ من شعير، فإذا صلّينا الجمعة انصرفنا نُسلِّم عليها، فتقدمه إلينا ".
قلت: تكركر، معناه: تطحن.
٧٢٦ - وروينا في " صحيح مسلم " عن أُمّ هانئ بنت أبي طالب ﵂ قالت: " أتيتُ النبي ﷺ يومَ الفتح وهو يغتسلُ، وفاطمة تسترُه، فسلَّمتُ ... " وذكرت الحديث.
وفي إسناده جابر بن يزيد الجعفي، وهو ضعيف.
ولذا قال فصل:
وأما أهل الذمّة فاختلف أصحابُنا فيهم، فقطعَ الأكثرون بأنه لا يجوز ابتداؤهم بالسلام، وقال آخرون: ليس هو بحرام، بل هو مكروه، فإن سلَّمُوا هم على مسلم قال في الردّ: وعليكم، ولا يزيدُ على هذا.
وحكى أقضى القضاة الماورديّ وجهاً لبعض أصحابنا، أنه يجوز ابتداؤهم بالسلام، لكنْ يقتصرُ المسلِّم على قوله: السلام عليك، ولا يذكرُه بلفظ الجمع.
وحكى الماوردي وجهاً أنه يقول في الردّ عليهم إذا ابتدؤوا: وعليكم السلام، ولكن لا يقول: ورحمة الله، وهذان الوجهان شاذان ومردودان.
٧٢٧ - روينا في " صحيح مسلم " عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا تبدؤوا اليَهُودَ وَلا النَّصَارَى بالسَّلامِ فإذَا لقيتُمْ أحَدَهُمْ في طَريقٍ فاضْطَرُوهُ إلى أضْيَقِهِ ".
٧٢٨ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أهْلُ الكِتابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ ".
٧٢٩ - وروينا في " صحيح البخاري " عن ابن عمر ﵄ أن رسول ﷺ قال: " إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمُ اليَهُودُ فإنَّمَا يَقُولُ أحَدُهُم: السَّامُ (١) عَلَيْكَ، فَقُلْ: وَعَلَيْكَ " وفي المسألة أحاديث كثيرة بنحو ما ذكرنا، والله أعلم.
стр. 252
قال أبو سعد المتولي: ولو سلَّم على رجل ظنَّه مسلماً، فبان كافراً، يستحَبّ أن يستردّ سلامَه فيقول له: رُدّ عليّ سلامي، والغرض من ذلك أن يوحشه ويظهرَ له أنه ليس بينهما ألفة.
ورُوي أن ابن عمر ﵄ سلَّم على رجلٍ، فقيل: إنه يهودي، فتبعه وقال له: رد علي سلامي ٧٣٠ - قلت: وقد روينا في " موطأ مالك " ﵀ أن مالكاً سُئل عمّن سلَّم على اليهوديّ أو النصراني هل يستقيله ذلك؟ فقال: لا، فهذا مذهبُه، واختاره ابن العربي المالكي.
قال أبو سعد: لو أراد تحية ذميّ، فعلَها بغير السلام، بأن يقول: هداك الله، أو أنعم الله صباحك.
قلت: هذا الذي قاله أبو سعد لا بأس به إذا احتاج إليه، فيقول: صُبِّحْتَ بالخير، أو السعادة، أو بالعافية، أو صبَّحَك الله بالسرور، أو بالسعادة والنعمة أو بالمسرّة أو ما أشبه ذلك.
وأما إذا لم يحتج إليه، فالاختيار أن لا يقول شيئاً، فإن ذلك بسطٌ له وإيناس وإظهار صورة ودّ، ونحن مأمورون بالإِغلاظ عليهم ومنهيّون عن ودّهم فلا نظهره، والله أعلم.
فرع:
إذا مرّ واحدٌ على جماعة فيهم مسلمون، أو مسلم وكفّار، فالسنّة أن يُسلِّم عليهم يقصد المسلمين أو المسلم.
٧٣١ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أُسامة بن زيد ﵄ " أن النبي ﷺ مرَّ على مجلسٍ فيه أخلاطٌ من المسلمين والمشركين عَبَدة الأوثان واليهود، فسلَّم عليهم النبيّ ﷺ ".
٧٣٢ - فرع:
إذا كتب كتاباً إلى مشرك، وكتبَ فيه سلاماً أو نحوَه، فينبغي أن يكتب ما رويناه في " صحيحي البخاري ومسلم " في حديث أبي سفيان ﵁ في قصة هرقل " أن رسول الله ﷺ كتب: من محمد عبد الله ورسولِه، إلى هرقلَ عظيمِ الرومِ،
سلامٌ على مَن اتَّبعَ الهدى ".
فرع فيما يقولُ إذا عَادَ ذَميّاً:
اعلم أن أصحابنا اختلفوا في عيادة الذميّ، فاستحبَّها جماعة، ومنها جماعة، وذكر الشاشي الاختلاف ثم قال: الصوابُ عندي أن يقول: عيادة الكافر في الجملة جائزة، والقربة فيها موقوفة على نوع حرمة تقترن بها من جوار أو قرابة.
стр. 253
٧٣٣ - قلت: هذا الذي ذكره الشاشيُّ حسن فقد روينا في " صحيح البخاري " عن أنس ﵁ قال: " كان غلامٌ يهوديٌّ يخدُم النبيَّ ﷺ ، فمرضَ، فأتاه النبيُّ ﷺ يعودُه، فقعدَ عند رأسه فقال له: أسْلِمْ، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال: أطعْ أبا القاسم، فأسلم، فخرجَ النبيُّ ﷺ وهو يقول: " الحَمدُ لِلَّهِ الَّذي أنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ ".
٧٣٤ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن المسيِّب بن حَزْن والد سعيد بن المسيِّب ﵁ قال: لما حضرتْ أبا طالب الوفاةُ، جاءه رسولُ الله ﷺ ، فقال: يا عَمّ قُلْ: لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ ... " وذكر الحديث بطوله.
قلتُ: فينبغي لعائد الذميّ أن يرغّبه في الإِسلام، ويبيِّن له محاسنَه، ويحثَّه عليه، ويحرّضه على معاجلته قبل أن يصيرَ إلى حال لا ينفعه فيها توبته، وإن دعا له دعا بالهداية ونحوها.
فصل:
وأما المبتدعُ وَمَنْ اقترف ذنباً عظيماً ولم يَتُبْ منه (١) ، فينبغي أن لا يسلِّم عليهم، ولا يردّ ﵈، كذا قاله البخاري وغيره من العلماء:
٧٣٥ - واحتجّ الإمام أبو عبد الله البخاري في " صحيحه " في هذه المسألة: بما رويناه في " صحيحي البخاري ومسلم " في قصة كعب بن مالك ﵁ حين تخلَّف عن غزوة تبوك هو ورفيقان له (٢) ، قال: " ونهى رسولُ الله ﷺ عن كلامنا قال: وكنتُ آتي رسولَ الله ﷺ فأُسلِّم عليه فأقولُ: هل حرّكَ شَفتيه بردّ السلام أم لا؟ " قال البخاري: وقال
عبدُ الله بن عمرو: لا تسلِّموا على شَرَبَة الخمر.
قلتُ: فإن اضّطُر إلى السلام على الظلمة، بأن دخل عليهم وخاف ترتب مفسدة في دينه أو دنياه أو غيرهما إن لم يسلّم، سلّم عليهم.
قال الإِمام أبو بكر بن العربي: قال العلماء: يسلِّم، وينوي أن السلام اسم من أسماء الله تعالى المعنى: الله عليكم رقيب.
فصل:
وأما الصبيان فالسنّة أن يسلِّم عليهم.
стр. 254
٧٣٦ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أنس ﵁ " أنه مرّ على صبيانٍ فسلم عليهم وقال: كان النبيّ ﷺ يفعله " وفي رواية لمسلم عنه: " أن رسول الله ﷺ مرّ على غِلمانٍ فسلَّم عليهم.
٧٣٧ - وروينا في سنن أبي داود وغيره بإسناد الصحيحين (١) عن أنس " أن النبي ﷺ مر على غلمانٍ يَلعبون فسلَّم عليهم " ورويناهُ في كتاب ابن السني وغيره، قال فيه " فقال: السَّلامُ عَلَيْكُمْ يا صِبْيانُ " (٢) .
(بابٌ في آدابٍ ومسائلَ من السَّلام)
٧٣٨ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ على المَاشِي، وَالمَاشِي على القاعِدِ، وَالقَلِيلُ على الكثير " وفي رواية للبخاري " يُسَلِّمُ الصَّغيرُ على الكَبيرِ، وَالمَاشِي على القاعِدِ، وَالقَلِيلُ على الكَثِيرِ " (٣) .
قال أصحابُنا وغيرُهم من العلماء: هذا المذكور هو السنّة، فلو خالفوا فسلَّم
الماشي على الراكب أو الجالس عليهما، لم يُكره، صرّح به الإِمام أبو سعد المتولي وغيره، وعلى مقتضى هذا لا يُكره ابتداء الكثيرين بالسلام على القليل، والكبير على الصغير، ويكونُ هذا تركاً لما يستحقّه من سلام غيره عليه، وهذا الأدبُ هو فيما إذا تلاقى الاثنان في طريق، أما إذا وَرَدَ على قعود أو قاعد، فإن الواردَ يبدأُ بالسلام على كُلّ حالٍ، سواء كان صغيراً أو كبيراً، قليلاً أو كثيراً، وسمَّى أقضى القضاة هذا الثاني سنّة، وسمّى الأوّل أدباً وجعلَه دون السنّة في الفضيلة.
فصل:
قال المتولي: إذا لقي رجلٌ جماعةً فأراد أن يخصّ طائفة منهم بالسلام كره،
стр. 255
لأن القصد من السلام المؤانسة والألفة، وفي تخصيص البعض إيحاش للباقين، وربما صار سبباً للعداوة.
فصل:
إذا مشى في السوق أو الشوارع المطروقة كثيراً ونحو ذلك مما يكثر فيه المتلاقون، فقد ذكرَ أقضى القضاة الماورديّ أن السلام هنا إنما يكونُ لبعض الناس دون بعض، قال: لأنه لو سلَّم على كلّ مَن لقي لتشاغل به عن كل مهمّ، ولخرج به عن العُرْف، قال: وإنما يُقصد بهذا السلام أحدُ أمرين: إما اكتساب ودّ، وإما استدفاع مكروه.
فصل:
قال المتولّي: إذا سلَّمتْ جماعةٌ على رجل فقال: وعليكم السلام، وقصد الردّ على جميعهم سقط عنه فرضُ الردّ في حقّ جميعهم، كما لو صلَّى على جنائزَ دفعةً واحدةً فإنه يُسقط فرضَ الصلاة على الجميع.
فصل:
قال الماوردي: إذا دخل إنسانٌ على جماعة قليلة يعمُّهم سلامٌ واحد، اقتصر على سلام واحد على جميعهم، وما زاد من تخصيص بعضهم فهو أدب، ويكفي أن يردّ منهم واحدٌ، فمن زاد منهم فهو أدب، قال: فإن كان جمعاً لا ينتشرُ فيهم السلام الواحد كالجامع والمجلس الحفل، فسنّة السلام أن يبتدئ به الداخل في أوّل دخوله إذا شاهدَ القومَ، ويكون مؤدياً سنّة السلام في حقّ جميع مَن سمعه، ويدخلُ في فرض كفاية الردّ جميعُ مَن سمعه، فإن أرادَ الجلوس فيهم سقط عنه سنّة السلام فيمن لم يسمعه من الباقين، وإن أراد أن يجلس فيمن بعدَهم ممّن لم يسمع سلامه المتقدّم ففيه وجهان لأصحابنا، أحدُهما: أن سنّة السلام عليهم قد حصلت بالسلام على أوائلهم لأنهم جمع واحد، فلو أعاد السلام عليهم كان أدَباً، وعلى هذا أيُّ أهل المسجد ردّ عليه سقط به فرض الكفاية عن جميعهم.
والوجه الثاني: أن سنّة السلام باقية لمن لم يبلغهم سلامه المتقدم إذا أراد الجلوس فيهم، فعلى هذا لا يسقط فرض ردّ السلام المتقدم عن الأوائل بردّ الأواخر.
فصل:
ويستحبّ إذا دخلَ بيتَه أن يُسلِّم وإن لم يكن فيه أحد، وليقل: السَّلامُ عَلَيْنا وعلى عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ.
وقد قدَّمنا في أول الكتاب بيان ما يقوله إذا دخل بيته (١) ،
стр. 256
وكذا إذا دخل مسجداً أو بيتاً لغيره ليس فيه أحد، يُستحبّ أن يُسلِّم، وأن يقول: السَّلامُ عَلَيْنا وَعلى عِباد اللَّهِ الصَّالِحِين، السَّلامُ عَلَيْكُمْ أهْلَ البَيْتِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.
فصل:
إذا كان جالساً مع قوم ثم قام ليفارقهم، فالسنّة أن يُسلِّم عليهم.
٧٣٩ - فقد روينا في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما بالأسانيد الجيدة (١) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذَا انْتَهَى أحَدُكُمْ إلى المَجْلِسِ فَلْيُسَلِّمْ، فإذَا أَرَادَ أنْ يَقُومَ فَلْيُسَلِّمْ فَلَيْسَتِ الأُولى بأحَقّ مِنَ الآخِرَةِ " قال الترمذي: حديث حسن.
قلت: ظاهر هذا الحديث أنه يجب على الجماعة ردّ السلام على هذا الذي سلَّم عليهم وفارقهم، وقد قال الإِمامان القاضي حسين وصاحبه أبو سعد المتولّي: جرتْ عادةُ بعض الناس بالسلام عند مفارقة القوم، وذلك دعاءٌ يُستحبّ جوابه ولا يجب، لأن التحية إنما تكون عند اللقاء لا عند الانصراف، وهذا كلامُهما، وقد أنكره الإِمام أبو بكر الشاشي الأخير من أصحابنا وقال: هذا فاسد، لأن السَّلامَ سنّةٌ عند الانصراف كما هو سنّة عند الجلوس، وفيه هذا الحديث، وهذا الذي قاله الشاشي هو الصواب..فصل:
إذا مرّ على واحد أو أكثر، وغلبَ على ظنه أنه إذا سلَّم لا يردّ عليه، إما لتكبّر الممرور عليه، وإما لإِهماله المارّ أو السلام، وإما لغير ذلك، فينبغي أن يُسلِّم ولا يتركه لهذا الظنّ، فإنّ السلامَ مأمورٌ به، والذي أُمِرَ به المارّ أن يُسلّم، ولم يؤمر بأن يحصل الردّ، مع أن الممرور عليه قد يخطئ الظنّ فيه ويردّ.
وأما قول مَن لا تحقيق عنده: إن سلامَ المارّ سبب لحصول الإِثم فحق الممرور عليه، فهو جهالة ظاهرة، وغباوة بيِّنة، فإن المأمورات الشرعية لا تسقط عن المأمور بها بمثل هذه الخيالات، ولو نظرنا إلى هذا الخيال الفاسد لتركنا إنكار المنكر على مَن فعله جاهلاً كونه منكراً، وغلب على ظننا أنه لا ينزجر بقولنا، فإن إنكارنا عليه، وتعريفنا له قبحه يكون سبباً لإِثمه
стр. 257
إذا لم يقلع عنه، ولا شكّ في أنُّا لا نترك الإِنكار بمثل هذا، ونظائر هذا كثيرة معروفة، والله أعلم.
ويُستحبّ لمن سلّم على إنسان وأسمعه سلامه وتوجبه عليه الردّ بشروطه فلم يرد أن يحلِّله من ذلك فيقول: أبرأته من حقّي في ردّ السلام، أو جعلتُه في حِلٍّ منه، ونحو ذلك، ويلفظ بهذا، فإنه يسقط به حقّ هذا الآدمي، والله أعلم.
٧٤٠ - وقد روينا في كتاب ابن السني عن عبد الرحمن بن شبل الصحابي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " مَنْ أجَابَ السَّلامَ فَهُوَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يُجِبْ فَلَيْسَ مِنَّا " (١) ويُستحبّ لمن سلَّم على إنسان فلم يَرُدَّ عليهِ أن يقول له بعبارة لطيفة: ردُّ السلام واجبٌ، فينبغي لك أن تردّ عليّ ليسقطَ عنك الفرضُ، والله أعلم.
(بابُ الاستئذان)
قال الله تعالى: (يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها) [النور: ٢٧] وقال تعالى: (وإذا بلغ الأطفال مِنْكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كما اسْتَأذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) [النور: ٥٩] .
٧٤١ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " الاسْتِئْذَانُ ثَلاثٌ، فإنْ أُذِنَ لَكَ وَإِلاَّ فَارْجِعْ ".
ورويناه في " الصحيحين " أيضاً عن أبي سعيد الخدري ﵁ وغيره عن النبيّ ﷺ .
وروينا في " صحيحيهما " عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ مِنْ أجْلِ البَصَرِ ".
وروينا الاستئذان ثلاثاً من جهات كثيرة.
والسنّة أن يُسلِّم ثم يستأذن، فيقوم عند الباب بحيث لا ينظرُ إلى مَن في داخله، ثم يقول: السلام عليكم، أأدخل؟ فإن لم يجبْه أحدٌ، قال ذلك ثانياً وثالثاً، فإن لم يجبْه أحدٌ انصرف.
٧٤٢ - وروينا في " سنن أبي داود " بإسناد صحيح عن ربعيّ بن حِراش، بكسر الحاء المهملة وآخره شين معجمة، التابعي الجليل قال: حدّثنا رجل من بني عامر " استأذن على
стр. 258
النبيَّ ﷺ وهو في بيت فقال: أألجُ؟ فقالَ رسولُ الله ﷺ لخادمه: " اخْرُجْ إلى هَذَا فَعَلِّمْهُ الاسْتِئْذَانَ، فَقُلْ لَهُ: قُلْ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، أأدْخُلُ؟ فسمعه الرجلُ فقال: السلام عليكم، أأدخلُ؟ بفأذن له النبيُّ ﷺ فدخلَ ".
٧٣٤ - وروينا في " سنن أبي داود والترمذي " عن كَلَدَة بن الحَنْبل الصحابي ﵁ قال: " أتيتُ النبيَّ ﷺ فدخلتُ عليه ولم أسلِّم، فقالَ النبيُّ: ارْجِعْ فَقُلْ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ؟ " قال الترمذي: حديث حسن.
قلت: كَلَدة، بفتح الكاف واللام.
والحَنْبل، بفتح الحاء المهملة وبعدها نون ساكنة ثم باء موحدة ثم لام.
وهذا الذي ذكرناه من تقديم السلام على الاستئذان هو الصحيح.
وذكر الماوردي فيه ثلاثة أوجه، أحدُها هذا، والثاني تقديم الاستئذان على السلام، والثالث: وهو اختياره، إن وقعت عين المستأذن على صاحب المنزل قبل دخوله قدَّم السلام، وإن لم تقع عليه عينه، قدَّم الاستئذان.
وإذا استأذن ثلاثاً فلم يُؤذن له وظنَّ أنه لم يسمع، فهل يزيدُ عليها؟ حكى الإِمام أبو بكر بن العربيّ المالكي فيه ثلاثة مذاهب، أحدُها: يعيده، والثاني: لا يعيده، والثالث: إن كان بلفظ الاستئذان المتقدم لم يعدْه، وإن كان بغيره أعاده، قال: والأصحُّ أنه لا يعيدُه بحال، وهذا الذي صحَّحه هو
الذي تقتضيه السنّة (١) ، والله أعلم.
فصل:
وينبغي إذا استأذن على إنسان بالسلام أو بدقّ الباب، فقيل له: مَنْ أنتَ؟ أن يقول: فلانُ بن فلان، أو فلانٌ الفلاني، أو فلانٌ المعروف بكذا، أو ما أشبه ذلك، بحيث يحصل التعريف التامّ به، ويُكره أن يقتصر على قوله: أنا، أو الخادم، أو بعض الغلمان، أو بعض المحبّين، وما أشبه ذلك.
٧٤٤ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " في حديث الإِسراء المشهور (٢) ، قال رسول الله ﷺ : " " ثُمَّ صَعِدَ بي جِبْرِيلُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا فَاسْتَفْتَحَ (٣) ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟
стр. 259
قَالَ: جِبْرِيلُ، قيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ، ثُمَّ صَعِدَ بي إلى السَّماءِ الثَّانِيَةِ والثَّالِثَةِ وَسائِرِهنَّ، وَيُقالُ في بابِ كُلِّ سمَاءٍ: مَنْ هَذَا؟ فَيَقُولُ: جبْرِيلُ ".
٧٤٥ - وروينا في " صحيحيهما " في حديثَ أبي موسى لما جلسَ النبيُّ ﷺ على بئر البستان (١) وجاء أبو بكر فاستأذن، فقال: مَنْ؟ قال: أبو بكر، ثم جاء عمر فاستأذن، فقال: مَن: قال عمر، ثم عثمان كذلك.
٧٤٦ - وروينا في " صحيحيهما " أيضاً عن جابر ﵁ قال: " أتيتُ النبيَّ ﷺ فدققتُ البابَ، فقال: مَنْ ذَا؟ فَقلتُ: أنا، فقال: أنَا أنَا؟ كأنه كرهها ".
فصل:
ولا بأس أن يصف نفسه بما يعرف إذا لم يعرفه المخاطب بغيره، وإن كان
فيه صورة تبجيل له، بأن يكنّي نفسه، أو يقول: أنا المفتي فلان، أو القاضي، أو الشيخ فلان، أو ما أشبه ذلك.
٧٤٧ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أم هانئ بنت أبي طالب ﵂، واسمها فاختة على المشهور، وقيل: فاطمة، وقيل هند، قالت: " أتيتُ النبيَّ ﷺ وهو يغتسل وفاطمةُ تستُره فقال: " مَنْ هَذِهِ؟ فقلتُ: أنا أم هانئ ".
٧٤٨ - وروينا في " صحيحيهما " عن أبي ذرّ ﵁، واسمه جُندب، وقيل: بُرَيْرٌ بضمّ الباء تصغير برّ، قال: خرجتُ ليلةً من الليالي فإذا رسولُ الله ﷺ يمشي وحدَه، فجعلتُ أمشي في ظلّ القمر، فالتفتَ فرآني فقال: " مَنْ هَذَا؟ " فقلت: أبو ذرّ ".
٧٤٩ - وروينا في " صحيح مسلم " عن أبي قتادة الحارث بن رِبعي ﵁ في حديث الميضأة المشتمل على معجزات كثيرة لرسول الله ﷺ وعلى جمل من فنون العلم، قال فيه أبو قتادة: " فرفعَ النبيُّ ﷺ رأسه فقال: مَنْ هَذَا؟ قلت: أبو قتادة ".
قلت: ونظائر هذا كثيرة، وسببه الحاجة، وعدم إرادة الافتخار.
٧٥٠ - ويقرب من هذا ما رويناه في " صحيح مسلم " عن أبي هريرة رصي الله عنه - واسمه عبد الرحمن بن صخر على الأصحّ - قال: قلتُ: يا رسولَ الله ادعُ الله أن يهديَ
стр. 260
أُمّ أبي هريرة ... " وذكر الحديثَ ... إلى أن قال: " فرجعتُ فقلتُ: يا رسولَ الله قد استجاب الله دعوتك وهدى أُمّ أبي هريرة.
(بابُ في مسائل تتفرّعُ على السَّلام)
مسألة: قال أبو سعد المتولّي: التحيّة عند الخروج من الحمّام، بأن يُقال له: طابَ حمّامُك، لا أصل لها، ولكن روي أن عليّاً ﵁ قال لرجل خرج من الحمّام: طَهَرْتَ فلا نَجِسْتَ.
قلت: هذا المحلّ لم يصحُّ فيه شئ، ولو قال إنسان لصاحبه على سبيل المودة والمؤالفة واستجلاب الودّ: أدام الله لك النعيم، ونحو ذلك من الدعاء فلا بأس به.
مسألة: إذا ابتدأ المارُّ الممرور عليه، فقال: صبَّحكَ الله بالخير، أو بالسعادة، أو قوّاك الله، أو لا أوحشَ الله منك، أو غير ذلك من الألفاظ التي يستعملها الناسُ في العادة، لم يستحقَّ جواباً، لكن لو دعا له قباله ذلك كان حسناً، إلا أنْ يَتْرُكَ جوابَه بالكلية زجراً له في تخلّفه وإهماله السلام وتأديباً له ولغيره في الاعتناء بالابتداء بالسلام.
فصل:
إذا أراد تقبيل يد غيره، إن كان ذلك لزهده وصلاحه أو علمه أو شرفه وصيانته أو نحو ذلك من الأمور الدينية، لم يُكره، بل يُستحبّ، وإن كان لغناه ودنياه وثروته وشوكته ووجاهته عند أهل الدنيا ونحو ذلك، فهو مكروه شديد الكراهة.
وقال المتولّي من أصحابنا: لا يجوز فأشار إلى أنه حرام.
٧٥١ - روينا في سنن أبي داود عن زارع ﵁، وكان في وفد عبد القيس قال: " فجعلْنا نتبادرُ من رواحلنا فنقبِّلُ يدَ النبيّ ﷺ ورجلَه ".
قلتُ: زارع بزاي في أوّله وراء بعد الألف على لفظ زَارع الحنطة وغيرها.
٧٥٢ - وروينا في سنن أبي داود أيضاً عن ابن عمر ﵄ قصةً قال فيها: " فدنونا: يعني من النبيّ ﷺ فقَبَّلنا يده.
وأما تقبيل الرجُل خدَّ ولده الصغير، وأخيه، وقُبلة غير خدّه من أطرافه ونحوها على وجه الشفقة والرحمة واللطف ومحبة القرابة، فسُنّةٌ.
والأحاديث فيه كثيرة صحيحة مشهورة، وسواء الولد الذكر والأنثى، وكذلك قبلته ولد صديقه وغيره من صغار الأطفال
على هذا الوجه.
وأما التقبيلُ بالشهوة، فحرام بالاتفاق.
وسواء في ذلك الولد وغيره، بل النظر إليه بالشهوة حرام بالاتفاق على القريب والأجنبي.
стр. 261
٧٥٣ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي هريرة ﵁ قال: " قَبَّلَ النبيّ ﷺ الحسنَ بن علي ﵄ وعنده الأقرعُ بن حابس التميمي، فقال الأقرع: إن لى عشرةً من الولد ما قبّلتُ منهم أحداً، فنظرَ إليه رسولُ الله ﷺ (١) ثم قال: مَنْ لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ " (٢) .
٧٥٤ - وروينا في " صحيحيهما " عن عائشة ﵂ قالت " قدم ناسٌ من الأعراب على رسول الله ﷺ ، فقالوا: تُقَبِّلُونَ صبيانَكم؟ فقالوا: نعم، قالوا: لكنَّا والله ما نُقَبِّلُ، فقال رسول الله ﷺ : أوَ أمْلِكُ أنْ كانَ اللَّهُ تَعالى نَزَعَ مِنْكُمُ الرَّحْمَةَ؟ " هذا لفظ إحدى الروايات، وهو مروي بألفاظ.
٧٥٥ - وروينا في " صحيح البخاري " وغيره عن أنس ﵁ قال: " أخذَ رسولُ الله ﷺ ابنَه إبراهيم فقَبّله وشمّه ".
٧٥٦ - وروينا في سنن أبي داود عن البراء بن عازب ﵄ (٣) قال: دخلتُ مع أبي بكر ﵁ أوّلَ ما قَدِمَ المدينةَ، فإذا عائشةُ ابنته ﵂ مضطجعةٌ قد أصابتها حُمَّى، فأتاها أبو بكر فقال: كيف أنتِ يا بنيّة؟ وقبَّلَ خدَّها.
٧٥٧ - وروينا في كتب الترمذي والنسائي وابن ماجه بالأسانيد الصحيحة (٤) عن صفوان بن عَسَّال الصحابيّ ﵁ وعَسَّال بفتح العين وتشديد السين المهملتين -
стр. 262
قال: قال يهوديّ لصاحبه: " اذهب بنا إلى هذا النبيّ، فأتيا رسولَ الله ﷺ فسألاه عن تسعِ آياتٍ بيِّناتٍ ... فذكرَ الحديثَ ... إلى قوله: فقبّلوا يدَه ورجلَه، وقالا: نشهدُ أنك نبيٌّ (١) .
٧٥٨ - وروينا في سنن أبي داود بالإِسناد الصحيح المليح (٢) عن إِياس بن دَغْفَل قال: رأيتُ أبا نضرة قَبّل خدّ الحسن بن عليّ ﵄.
قلت: أبو نَضْرَةَ بالنون والضاد المعجمة: اسمه المنذر بن مالك بن قطعة، تابعي ثقة.
ودَغْفَل، بدال مهملة مفتوحة ثم غين معجمة ساكنة ثم فاء مفتوحة ثم لام.
٧٥٩ - وعن ابن عمر ﵄ أنه كان يقبّل ابنه سالماً ويقول: اعجبوا من شيخ يُقَبِّلُ شيخاً (٣) .
وعن سهل بن عبد الله التستري السيد الجليل أحد أفراد زهّاد الأمة وعبّادها ﵁ أنه كان يأتي أبا داود السجستاني ويقول: أخرج لي لسانكَ الذي تُحدِّثُ به حديثَ
رسول الله ﷺ لأُقَبِّله، فيقبِّلُه.
وأفعالُ السلف في هذا الباب أكثر من أن تُحصر، والله أعلم.
فصل:
ولا بأس بتقبيل وجه الميت الصالح للتبرّك، ولا بتقبيل الرجُل وجه صاحبه إذا قَدِمَ من سفر ونحوه.
٧٦٠ - روينا في " صحيح البخاري " عن عائشة ﵂ في الحديث الطويل في وفاة رسول الله ﷺ قالت: " دخلَ أبو بكر ﵁ فكشفَ عن وجهِ رسول الله ﷺ ثم أكبَّ عليه فقَبّله، ثم بكى " (٤) .
٧٦١ - وروينا في كتاب الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: " قدِمَ زيدُ بن
стр. 263
حارثةَ المدينةَ ورسولُ الله ﷺ في بيتي، فأتاه فقرعَ البابَ، فقامَ إليه النبيّ ﷺ يجرّ ثوبَه، فاعتنقه وقبَّله " قال الترمذي: حديث حسن.
وأما المعانقةُ وتقبيلُ الوجه لغير الطفل ولغير القادم من سفر ونحوه، فمكروهان، نصَّ على كراهتهما أبو محمد البغويّ وغيره من أصحابنا.
٧٦١ م - ويدلّ على الكراهة ما رويناه في كتابي الترمذي وابن ماجه عن أنس رضي
الله عنه قال: " قال رجل: يا رسول الله! الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: لا، قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: لا، قال: فيأخذه بيده ويصافحُه؟ قال: نَعَمْ " قال الترمذي: حديث حسن.
قلت: وهذا الذي ذكرناه في التقبيل والمعانقة، وأنه لا بأس به عند القدوم من سفر ونحوه، ومكروه كراهة تنزيه في غيره، هو في غير الأمرد الحسن الوجه، فأما الأمردُ الحسنُ، فيحرم بكلّ حال تقبيله، سواء قدم مَن سفر أم لا.
والظاهر أن معانقته كتقبيله، أو قريبة من تقبيله، ولا فرق في هذا بين أن يكون المقبِّل والمقبَّل رجلين صالحين أو فاسقين، أو أحدهما صالحاً، فالجميعُ سواء.
والمذهبُ الصحيح عندنا تحريم النظر إلى الأمرد الحسن، ولو كان بغير شهوة، وقد أمن الفتنة، فهو حرام كالمرأة لكونه في معناها
فصل في المصافحة: اعلم أنها سنّة مجمعٌ عليها عند التلاقي.
٧٦٢ - روينا في " صحيح البخاري " عن قتادة قال: قلتُ لأنس ﵁: أكانتِ المصافحةُ في أصحاب النبيّ ﷺ ؟ قال: نعم.
٧٦٣ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " في حديث كعب بن مالك ﵁ في قصة توبته قال: فقام إليّ طلحة بن عبيد الله ﵁ يُهرول، حتى صافحني وهنّأني (١) .
٧٦٤ - وروينا بالإِسناد الصحيح في سنن أبي داود عن أنس ﵁ قال: " لما جاء أهل اليمن، قال لهم رسولِ الله ﷺ : " قد جاءكم أهل اليمن وهم أول من جاء بالمصافحة ".
стр. 264
٧٦٥ - وروينا في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه عن البراء ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : " ما من مسلمين يلتقيان فيتثافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا ".
٧٦٦ - وروينا في كتابي الترمذي وابن ماجه عن أنس ﵁ قال: " قال رجل: يا رسول الله! الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ ، قال: لا، قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: لا، قال: فيأخذ بيده ويصافحه؟ قال: نَعَمْ " قال الترمذي: حديث حسن.
وفي الباب أحاديث كثيرة.
٧٦٧ - وروينا في " موطأ الإِمام مالك " ﵀ عن عطاء بن عبد الله الخراسانيّ قال: قال لي رسول الله ﷺ : " تَصَافَحُوا يَذْهَبِ الغِلُّ، وَتَهَادَوْا تَحابُّوا وَتَذْهَبِ الشَّحْناءُ ".
قلت: هذا حديث مرسل (١) .
واعلم أن هذه المصافحة مستحبّة عند كل لقاء، وأما ما اعتاده الناسُ من المصافحة بعد صلاتي الصبح والعصر، فلا أصلَ له في الشرع على هذا الوجه، ولكن لا بأس به، فإن أصل المصافحة سنّة، وكونهم حافَظوا عليها في بعض الأحوال، وفرّطوا فيها في كثير من الأحوال أو أكثرها، لا يخرج ذلك البعض عن كونه من المصافحة التي ورد الشرع بأصلها.
وقد ذكر الشيخ الإِمام أبو محمد عبد السلام ﵀ في كتابه " القواعد " أن البدع على خمسة أقسام: واجبة، ومحرّمة، ومكروهة، ومستحبّة، ومباحة.
قال: ومن أمثلة البدع المباحة: المصافحة عقب الصبح والعصر، والله أعلم.
قلتُ: وينبغي أن يحترز من مصافحة الأمرد الحسن الوجه، فإن النظرَ إليه حرام كما قدَّمنا في الفصل الذي قبل هذا، وقد قال أصحابنا: كلّ مَن حَرُمَ النظرُ إليه حَرُمَ مسُّه، بل المسّ أشدّ، فإنه يحلّ النظر إلى الأجنبية إذا أراد أن يتزوّجها.
وفي حال البيع والشراء والأخذ والعطاء ونحو ذلك، ولا يجوز مسها في شئ من ذلك، والله أعلم.
فصل:
ويُستحبّ مع المصافحة، البشاشة بالوجه، والدعاء بالمغفرة وغيرها.
٧٦١ - روينا في " صحيح مسلم " عن أبي ذرّ ﵁ قال: قال لي
رسول الله ﷺ : " لا تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئاً، ولو أن تلقى أخاكَ بِوَجْهِ طَلِيقٍ " (٢) .
стр. 265
٧٦٩ - وروينا في كتاب ابن السني عن البراء بن عازب ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " إنَّ المُسْلِمَيْنِ إذَا الْتَقَيا فَتَصَافَحَا وَتَكَاشَرَا بِوُدٍّ وَنَصِيحَةٍ تَنَاثَرَتْ خَطاياهُما بَينَهُما ".
وفي رواية: " إذَا الْتَقَى المُسْلِمانِ فَتَصَافَحَا وَحَمِدَا اللَّهَ تَعالى وَاسْتَغْفَرَا، غَفَرَ اللَّهُ لَهُمَا ".
٧٧٠ - وروينا فيه (٢) عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: " مَا مِنْ عَبْدَيْنِ مُتَحابَّيْنِ في اللَّهِ، يَسْتَقْبِلُ أحَدُهُما صَاحِبَهُ فَيُصَافِحَهُ، فَيُصَلِّيانِ على النَّبِيّ ﷺ إِلاَّ لَمْ يَتَفَرَّقَا حتَّى تُغْفَرَ ذُنُوبهُمَا ما تَقَدَّمَ منْها وَما تَأخَّرَ ".
٧٧١ - وروينا فيه عن أنس أيضاً، قال: ما أخذ رسولُ الله ﷺ بيدِ رجلٍ ففارقه حتى قال: " اللَّهُمَّ آتِنا في الدُّنيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذَابَ النَّارِ ".
فصل:
ويُكره حنْيُ الظهر في كل حال لكل أحد (٣) ، ويدلّ عليه ما قدَّمنا في الفصلين المتقدمين من حديث أنس، وقوله: " أينحني له؟ قال: لا " وهو حديث حسن كما ذكرناه، ولم يأت له معارض، فلا مصيرَ إلى مخالفته، ولا يغترّ بكثرة مَن يفعله ممّن يُنسب إلى علم أو صلاح وغيرهما من خصال الفضل، فإن الاقتداء إنما يكون برسول الله ﷺ ، قال الله تعالى: (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ (٤) وَمَا نَهاكُمْ عَنْهُ فانتهوا)
стр. 266
[الحشر: ٧] وقال تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ) [النور: ٦٣] .
وقد قدَّمنا في " كتاب الجنائز " عن الفُضيل بن عِياض ﵁ ما معناه: اتّبعْ طرقَ الهدَى، ولا يضرُّكَ قلّةُ السالكين، وإياك وطرقَ الضلالة، ولا تغترَّ بكثرة الهالكين، وبالله التوفيق.
فصل:
وأما إكرام الداخل بالقيام، فالذي نختاره أنه مستحبّ لمن كان فيه فضيلة ظاهرة من علم أو صلاح أو شرف أو ولاية مصحوبة بصيانة، أوله ولادة أو رحم مع سنّ ونحو ذلك، ويكون هذا القيام للبِرّ والإِكرام والاحترام، لا للرياء والإِعظام، وعلى هذا الذي اخترناه استمرّ عمل السلف والخلف، وقد جمعت في ذلك جزءاً جمعت فيه الأحاديث والآثار وأقوال السلف وأفعالهم الدّالة على ما ذكرته، ذكرت فيه ما خالفها، وأوضحت الجواب عنه، فمن أشكل عليه من ذلك شئ ورغب في مطالعة ذلك الجزء
رجوت أن يزول إشكاله إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
فصل:
يستحبّ استحباباً متأكداً: زيارة الصالحين، والإِخوان، والجيران، والأصدقاء، والأقارب، وإكرامهم، وبرّهم، وصلتهم، وضبط ذلك يختلف باختلاف أحوالهم ومراتبهم وفراغهم.
وينبغي أن تكون زيارته لهم على وجه لا يكرهونه، وفي وقت يرتضونه.
والأحاديث والآثار في هذا كثيرة مشهورة.
٧٧٢ - ومن أحسنها ما رويناه في " صحيح مسلم " عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ " أن رجلاً زارَ أخاً له في قرية أخرى، فأرصدَ الله تعالى على مَدْرَجته مَلَكاً (١) ، فلما أتى عليه قال: أين تُريد؟ قال: أُريدُ أخاً لي في هذه القرية، قال: هل لكَ عليه من نعمة ترُبُّها؟ قال: لا، غيرَ أني أحببتُه في الله تعالى، قال: فإني رسولُ الله إليك بأن الله تعالى قد أحبَّكَ كما أحببتَه فيه ".
قلت: مدرجتُه بفتح الميم والراء والجيم: طريقه.
ومعنى تَرُبُّها: أي تحفظها وتراعيها وتربيها كما يُربِّي الرجلُ ولدَه.
٧٧٣ - وروينا في كتابي الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة أيضاً قال: قال
стр. 267
رسول الله ﷺ : " مَنْ عادَ مَرِيضاً، أوْ زَارَ أخاً لَهُ في اللَّهِ تَعالى، نادَاهُ مُنادٍ بأنْ طِبْتَ وَطابَ مَمْشاكَ، وَتَبَوَّأتَ مِنَ الجنة منزلا " (١) .
، [فصل في استحباب طلب الإِنسان من صاحبه الصالح أن يزورَه، وأن يكثرَ من زيارته] .
٧٧٤ - روينا في " صحيح البخاري " عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبيّ ﷺ
لجبريل ﷺ : " ما يَمْنَعُكَ أنْ تَزُورَنا أكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنا؟ فنزلتْ (وَما نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأمْرِ رَبِّكَ، لَهُ ما بَيْنَ أيْدِينا وَما خَلْفَنا) [مريم: ٦٤] .
(بابُ تَشْمِيتِ العَاطسِ وحُكم التَّثَاؤُب)
٧٧٥ - روينا في " صحيح البخاري " عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إنَّ اللَّهَ تَعالى يُحِبُّ العُطاسَ، وَيَكْرَهُ التَثاؤُبَ، فإذا عَطَسَ أحَدُكُمْ وَحَمِدَ اللَّهَ تَعالى، كان حَقّاً على كُلّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أنْ يقول له: يرحمك الله.
وأمَّا التَّثاؤُبُ، فإنَّما هُوَ مِنَ الشَّيْطان، فإذا تَثَاءَبَ أحَدُكُمْ، فَلْيَرُدَّهُ ما اسْتَطاعَ، فَإن أحدَكم إذا تَثاءَبَ ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطانُ ".
قلتُ: قال العلماء: معناه: أن العطاسَ سببه محمود، وهو خفّة الجسم التي تكون لقلة الأخلاط وتخفيف الغذاء، وهو أمر مندوب إليه، لأنه يُضعف الشهوة ويُسَهِّلُ الطاعة، والتثاؤب بضدّ ذلك، والله أعلم.
٧٧٦ - وروينا في " صحيح البخاري " عن أبي هريرة أيضاً عن النبيّ ﷺ قال: " إذا عَطَسَ أََحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وَلْيَقُلْ لَهُ أخُوهُ أوْ صَاحبُهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فإذَا قالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بالَكُمْ " قال العلماء: بالكم: أي شأنكم.
٧٧٧ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أنس ﵁ قال: " عَطَسَ رجلان عند النبيّ ﷺ " فشمّت أحدَهما، ولم يشمّت الآخر، فقال الذي لم يشمّته: عَطَسَ فلان فشمّته، وعطستُ فلم تشمّتني، فقال: هَذَا حَمِدَ اللَّهَ تَعالى، وَإنَّكَ لَمْ تَحْمَدِ اللَّهَ تَعالى ".
٧٧٨ - وروينا في " صحيح مسلم " عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: (١) وهو حديث حسن شواهده.
(*)
стр. 268
سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إذَا عَطَسَ أحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعالى فَشَمِّتُوهُ، فإنْ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ فَلا تُشَمِّتُوهُ ".
٧٧٩ - وروينا في " صحيحيهما " عن البراء ﵁ قال: " أمَرَنا رسول الله ﷺ بسبع، ونهانا عن سبع: أمَرَنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإجابة الداعي، وردّ السلام، ونصر المظلوم، وإبرار القسم " (١) .
وروينا في " صحيحيهما " عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: " حَقُّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلامِ، وَعِيادَةُ المَرِيض، وَاتِّباعُ الجَنائِز، وإجابَةُ الدَّعْوَةِ وَتَشْمِيتُ العاطِس ".
وفي رواية لمسلم " حَقُّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ سِتٌّ: إذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فأجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّه تَعالى فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فاتبعه ".
فصل:
اتفق العلماء على أنه يُستحبّ للعاطس أن يقولَ عقب عطاسه: الحمد لله، فلو قال: الحمد لله ربّ العالمين كان أحسن، ولو قال: الحمد لله على كُلّ حالٍ كان أفضل.
٧٨٠ - روينا في سنن أبي داود وغيره بإسناد صحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إذا عطس أََحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الحَمْدُ لِلَّهِ على كُلّ حالٍ، وَلْيَقُلْ أخُوهُ أوْ صَاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ اللَّه، وَيَقُولُ هُوَ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ ".
٧٨١ - وروينا في كتاب الترمذي عن ابن عمر ﵄ " أن رجلاً عَطَسَ إلى جنبه فقال: الحمدُ لله والسَّلام على رسول الله ﷺ ، فقال ابن عمر: وأنا أقول: الحمدُ لله والسلامُ على رسول الله ﷺ ، وليس هكذا علّمنا رسولُ الله ﷺ ، علّمنا أن نقول: الحَمْدُ لِلَّهِ على كُلّ حالٍ " (٢) .
قلت: ويُستحبّ لكل مَن سمعه أن يقول لَه: يرحمك الله، أو يرحمكم الله، أو
стр. 269
رحمك الله، أو رحمكم الله.
ويُستحبّ للعاطس بعد ذلك أن يقول: يهديكم الله ويُصلح بالكم، أو يَغْفِرُ اللَّهُ لَنا ولكم ٧٨٢ - وروينا في " موطأ مالك " عنه عن نافع عن ابن عمر ﵄ أنه قال: إذا عَطَسَ أحدُكم فقيل له: يرحمُك الله، يقول: يرحمنا الله وإياكم، ويغفرُ الله لنا ولكم (١) .
وكل هذا سنّة ليس فيه شئ واجب، قال أصحابنا: والتشميتُ وهو قوله: يرحمك الله، سنّة على الكفاية، لو قاله بعضُ الحاضرين أجزأ عنهم، ولكن الأفضل أن يقوله كلُّ واحد منهم لظاهر قوله ﷺ في الحديث الصحيح الذي قدّمناه: ٧٨٣ - " كانَ حَقّاً على كُلّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أنْ يقول له: يرحمك الله " وهذا الذي ذكرناه من استحباب التشميت هو مذهبنا.
واختلف أصحابُ مالك في وجوبه، فقال القاضي عبد الوهاب: هو سنّة، ويجزئ تشميتُ واحد من الجماعة كمذهبنا، وقال ابن مُزَيْنٍ: يَلزم كلَّ واحد منهم، واختاره ابن العربي المالكي.
فصل:
إذا لم يحمد العاطس لا يُشَمَّتُ، للحديث المتقدم، وأقلُّ الحمد والتشميت وجوابِه أن يرفعَ صوتَه بحيث يُسمِعُ صاحبَه.
فصل:
إذا قال العاطسُ لفظاً آخرَ غير " الحمد لله " لم يستحقّ التشميت.
٧٨٤ - روينا في سنن أبي داود والترمذي عن سالم بن عبيد الأشجعي الصحابي رضي الله تعالى (٢) عنه قال: " بينا نحن عند رسول الله ﷺ إذ عَطَسَ رجلٌ من القوم، فقال: السلام عليكم، فقال رسول الله ﷺ : وَعَلَيْكَ وَعَلى أُمِّكَ (٣) ، ثم قال: إذَا عَطَسَ أحَدُكُمْ فَلْيَحْمَدِ اللَّه تَعالى، فذكر بعض المحامد، وَلْيَقُلْ لَهُ مَنْ عِنْدَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ،
وَلْيَرُدَّ - يعني عليهم - يَغْفِرُ اللَّهُ لَنا ولكم " (٤) .
فصل:
إذا عَطَسَ في صلاته يُستحبّ أن يقول: الحمد لله، ويُسمع نفسَه، هذا
стр. 270
مذهبنا.
ولأصحاب مالك ثلاثة أقوال.
أحدُها هذا، واختاره ابن العربي! والثاني: يحمد في نفسه، والثالث قاله سحنون: لا يحمَد جهراً ولا في نفسه.
فصل:
السنّة إذا جاءَه العطاسُ أن يضعَ يدَه أو ثوبَه أو نحو ذلك على فمه، وأن يخفضَ صوتَه.
٧٨٥ - روينا في سنن أبي داود والترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: " كان الله ﷺ إذا عطَس وضعَ يدَه أو ثوبَه على فمه، وخفضّ أو غضّ بها صوتَه - شكّ الراوي أيّ اللفظين قال - قال الترمذي: حديث صحيح.
٧٨٦ - وروينا في كتاب ابن السني عن عبد الله بن الزبير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " إنَّ اللَّهَ يَكْرَهُ رَفْعَ الصَّوْتِ بالتَّثاؤُبِ والعُطاسِ " (١) .
٧٨٧ - وروينا فيه عن أُمّ سلمة ﵂ قالت: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: " التَّثاؤُبُ الرَّفِيعُ وَالعَطْسَةُ الشَّدِيدَةُ مِنَ الشيطان ".
فصل:
إذا تَكرّرَ العطاسُ من إنسان متتابعاً، فالسنّة أن يشمِّته لكل مرّة إلى أن يبلغ ثلاث مرّات.
٧٨٨ - روينا في " صحيح مسلم " وسنن أبي داود والترمذي عن سلمة بن الأكوع ﵁ " أنه سمعَ النبي ﷺ وَعَطَسَ عندَه رجلٌ، فقال له: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، ثم عَطَسَ أخرى، فقال له رسولُ الله ﷺ : الرَّجُلُ مَزْكُومٌ " هذا لفظ رواية مسلم.
وأما رواية أبي داود والترمذي فقالا: قال سلمة: " عَطَسَ رجل عندَ رسول الله ﷺ وأنا شاهدٌ، فقال رسول الله ﷺ : يَرْحَمُكَ اللَّهُ، ثم عَطَسَ الثانية أو الثالثة، فقال رسول الله ﷺ : يَرْحَمُكَ اللَّهُ، هَذَا رَجُلٌ مَزْكُومٌ " قال الترمذي: حديث حسن صحيح (٢) .
стр. 271
٧٨٩ - وأما الذي رويناه في سنن أبي داود والترمذي عن عبيد الله بن رفاعة الصحابيّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " يُشَمَّتُ العاطِسُ ثَلاثاً، فإنْ زَادَ، فإنْ شِئْتَ فَشَمِّتْهُ، وَإنْ شِئْتَ فَلا " فهو حديث ضعيف (١) ، قال فيه الترمذي: حديث غريب، وإسناده مجهول.
стр. 272
٧٩٠ - وروينا في كتاب ابن السني بإسناد فيه رجل لم أتحقق حاله (١) وباقي إسناده صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيُشَمِّتهُ جَلِيسُهُ، وَإِنْ زَاد على ثَلاثَة فَهُوَ مَزْكُومٌ، وَلا يُشَمَّتُ بَعْدَ ثَلاثٍ ".
واختلف العلماء فيه، فقال ابن العربي المالكي: قيل: يقال له في الثانية: إنك مزكوم، وقيل: يقال له في الثالثة، وقيل: في الرابعة، والأصحّ أنه في الثالثة.
قال: والمعنى فيه أنك لست ممّن يُشمَّت بعد هذا، لأن هذا الذي بك زكامٌ ومرض، لا خفّة العطاس.
فإن قيل: فإذا كان مرضاً، فكان ينبغي أن يُدعى له ويُشمّت، لأنه أحقّ بالدعاء من غيره؟ فالجواب أنه يُستحبّ أن يُدعى له لكن غير دعاء العطاس المشروع، بل دعاء المسلم للمسلم بالعافية والسلامة ونحو ذلك، ولا يكون من باب التشميت.
فصل:
إذا عَطَسَ ولم يحمد الله تعالى، فقد قدَّمنا أنه لا يُشمّت، وكذا لو حمد الله تعالى ولم يسمعه الإِنسان لا يشمّته، فإن كانوا جماعة فسمعه بعضُهم دون بعض، فالمختار أنه يُشمّته من سمعه دون غيره.
وحكى ابن العربي خلافاً في تشميت الذين لم يسمعوا الحمد إذا سمعوا تشميتَ صاحبهم، فقيل: يشمّته، لأنه عرف عطاسه وحمده بتشميت غيره، وقيل: لا، لأنه لم يسمعه.
واعلم أنه إذا لم يحمد أصلاً يُستحبّ لمن عنده أن يذكِّره الحمد، هذا هو المختار.
وقد روينا في " معالم السنن " للخطابي نحوه عن الإِمام الجليل إبراهيم النخعي، وهو من باب النصيحة والأمر بالمعروف، والتعاون على البرّ والتقوى، وقال ابن العربي:
стр. 273
لا يفعل هذا، وزعم أنه جَهْلٌ من فاعله، وأخطأ في زعمه، بل الصواب استحبابه لما ذكرناه، وبالله التوفيق.
فصل فيما إذا عَطَسَ يهوديٌّ.
٧٩١ - روينا في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما بالأسانيد الصحيحة عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: " كان اليهودُ يتعاطسُونَ عندَ رسول الله ﷺ يَرْجُون أن يقولَ لهم: يرحمُكُم اللَّهُ (١) فيقولُ: يَهديكُم اللَّهُ وَيُصْلِحُ بالَكُمْ " (٢) قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
فصل:
٧٩٢ - روينا في " مسند أبي يعلى الموصلي " عن أبي هريرة ﵁
قال: قال رسول الله ﷺ : " مَنْ حَدَّثَ حَدِيثاً فَعَطَسَ عِنْدَهُ فَهُوَ حَقُّ " كل إسناده ثقات مُتقنون إلا بقية بن الوليد فمختلف فيه، وأكثرُ الحفاظ والأئمة يحتجّون بروايته عن الشاميين، وقد روي هذا الحديث عن معاوية بن يحيى الشامي (٣) .
فصل:
إذا تثاءب، فالسنّة أن يرده ما استطاع، للحديث الصحيح الذي قدّمناه.
٧٩٣ - والسنّة أن يضع يده على فيه، لما رويناه في " صحيح مسلم " عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذَا تَثاءَبَ أحَدُكُمْ فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ على فَمِهِ، فإنَّ الشَّيْطانَ يَدْخُلُ ".
قلتُ: وسواء كان التثاؤب في الصلاة أو خارجها، يستحبّ وضعُ اليد على الفم، وإنما يكره للمصلّي وضعُ يده على فمه في الصلاة إذا لم تكن حاجة كالتثاؤب وشبهه، والله أعلم.
стр. 274
(بابُ المَدْحِ)
اعلم أنَّ مدح الإِنسان والثناءَ عليه بجميل صفاته قد يكون في حضور الممدوح، وقد يكون بغير حضوره، فأما الذي في غير حضورِه، فلا منعَ منه إلا أن يُجازف المادحُ ويدخل في الكذب، فيحرُم عليه بسبب الكذب لا لكونه مدحاً، ويُستحبُّ هذا المدح الذي لا كذبَ فيه إذا ترتب عليه مصلحةٌ ولم يجرّ إلى مفسدة بأن يبلغَ الممدوحَ فيفتتن به، أو غير ذلك.
وأما المدحُ في وجه الممدوح فقد جاءت فيه أحاديث تقتضي إباحتَه أو استحبابه، وأحاديثه تقتضي المنع منه.
قال العلماء: وطريق الجمع بين الأحاديث أن يُقال: إن كان الممدوحُ عنده كمالُ إيمان، وحسنُ يقين، ورياضةُ نفس، ومعرفةٌ تامة، بحيث لا يفتتن، ولا يغترّ بذلك، ولا تلعبُ به نفسُه، فليس بحرام ولا مكروه، وإن خيف عليه شئ من هذه الأمور، كُرِهَ مدحُه كراهةً شديدة.
٧٩٤ - فمن أحاديث المنع ما رويناه في " صحيح مسلم " عن المقداد ﵁ " أن رجلاً جعلَ يمدحُ عثمانَ ﵁، فعمدَ المقدادُ فجثا على ركبتيه، فجعلَ يحثو في وجهه الحصباءَ (١) ، فقال له عثمانُ: ما شأنُك؟ فقال: إنَّ رسول الله ﷺ قال: " إِذَا رأيْتُم المَدَّاحِينَ فاحْثُوا في وُجُوهِهِمْ التُّرابَ ".
٧٩٥ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: سمع النبيُّ ﷺ رجلاً يُثني على رجل ويُطريه في المِدْحَةِ فقال: أَهْلَكْتُمْ أوْ قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ ".
قلتُ: قوله يُطريه، بضم الياء وإسكان الطاء المهملة وكسر الراء وبعدها ياء مثناة تحت.
والإِطراء: المبالغة في المدح ومجاوزة الحدّ، وقيل: هو المدح.
٧٩٦ - وروينا في " صحيحيهما " عن أبي بكرة ﵁ " أن رجلاً ذُكِرَ عند النبي ﷺ فأثنى عليه رجلٌ خيراً، فقال النبيّ ﷺ : وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ - يقوله
стр. 275
مراراً - إنْ كانَ أحدكم مادحا أخاه لاَ مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أحْسِبُ كَذَا وكَذَا إنْ كانَ يَرَى أنَّهُ كَذَلِكَ، وَحَسِيبُهُ اللَّهُ وَلا يزكني على اللَّهِ أحَداً ".
وأما أحاديث الإِباحة فكثيرةٌ لا تنحصر، ولكن نُشير إلى أطراف منها.
٧٩٧ - فمنها قوله ﷺ في الحديث الصحيح لأبي بكر ﵁: " ما ظَنُّكَ باثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما؟ ".
٧٩٨ - وفي الحديث الآخر: " لست منهم " أي لستَ من الذين يُسبلون أُزرَهم خيلاء.
٧٩٩ - وفي الحديث الآخر " يا أبا بَكْرٍ لا تَبْكِ، إنَّ أمَنَّ النَّاسِ عَليَّ في صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنتُ مُتَّخِذاً مِنْ أُمَّتِي خَلِيلاً لاتَّخَذْتُ أبا بَكْرٍ خليلا ".
٨٠٠ - وفي الحديث الآخر: " أرْجُو أنْ تَكُونَ مِنْهُم " أي من الذين يُدْعون من جميع أبواب الجنة لدخولها.
٨٠١ - وفي الحديث الآخر " ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بالجنة " ٨٠٢ - وفي الحديث الآخر " اثْبُتْ أُحُدُ فإنَّمَا عَلَيْكَ نَبيٌّ وَصِدّيقٌ وشهيدان ".
٨٠٣ - وقال رسول الله ﷺ : " دَخَلْتُ الجَنَّةَ فَرأيْتُ قَصْراً، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ قالُوا: لِعُمَرَ، فأرَدْتُ أنْ أدْخُلَهُ، فَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ، فقال عمر ﵁: بأبي وأمي يا رسول الله، أعليك أغار؟ ".
٨٠٤ - وفي الحديث الآخر: " يا عمر ما لَقِيَكَ الشَّيْطانُ سالكا مجالا إلا سلك مجالا غير فجك ".
٨٠٥ - وفي الحديث الآخر: " افْتَحْ لِعُثْمانَ وَبَشِّرْهُ بالجَنَّةِ ".
٨٠٦ - وفي الحديث الآخر قال لعليّ: " أنْتَ مِنِّي وأنا مِنْكَ ".
٨٠٧ - وفي الحديث الآخر قال لعليّ: " أما تَرْضَى أنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى؟ ".
٨٠٨ - وفي الحديث الآخر قال لبلال: " سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ في الجنة ".
٨٠٩ - وفي الحديث الآخر قال لأُبيّ بن كعب: " لِيَهْنَأْكَ (١) العِلْمُ أبا المنذر ".
стр. 276
٨١٠ - وفي الحديث الآخر قال لعبد الله بن سَلاَم: " أنْتَ على الإِسْلامِ حتَّى تموت ".
٨١١ - وفي الحديث الآخر قال للأنصاري: " ضَحِكَ اللَّهُ ، أوْ عَجِبَ مِنْ فعالكما ".
٨١٢ - وفي الحديث الآخر قال للأنصار: " أنْتُمْ مِنْ أحَبّ النَّاس إلي ".
٨١٣ - وفي الحديث الآخر قال لأشجّ عبد القيس: " إنَّ فيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُما اللَّهُ تَعالى وَرَسُولُهُ: الحِلْمَ والأناة ".
وكلّ هذه الأحاديث التي أشرت إليها في الصحيح مشهورة، فلهذا لم أضفها، ونظائر ما ذكرناه من مدحه ﷺ في الوجه كثيرة.
وأما مدح الصحابة والتابعين فمن بعدهم من العلماء والأئمة الذين يُقتدى بهم ﵃ أجمعين فأكثر من أن تُحصر، والله أعلم.
قال أبو حامد الغزالي في آخر " كتاب الزكاة " من " الإِحياء ": إذا تصدق إنسان بصدقة، فينبغي للآخذ منه أن يَنظر، فإن كان الدافعُ ممّن يُحِبّ الشكر عليها ونشرها فينبغي للآخذ أن يخفيَها لأن قضاء حقه أن لا ينصره على الظلم، وطلبه الشكر ظلم، وإن علم من حاله أنه لا يُحِبّ الشكر ولا يقصده فينبغي أن يشكرَه ويظهر صدقته.
وقال سفيان الثوري ﵀: مَن عرف نفسه لم يضرّه مدح الناس.
قال أبو حامد الغزالي بعد أن ذكر ما سبق في أول الباب: فدقائق هذه المعاني ينبغي أن يلحظها من يُراعي قلبَه، فإن أعمالَ الجوارح مع إهمال هذه الدقائق ضحكة للشيطان لكثرة التعب وقلة النفع، ومثل هذا العلم هو الذي يقال: إن تعلم مسألة منه أفضل مِنْ عبادة سنة، إذ بهذا العلم تحيا عبادة العمر، وبالجهال به تموت عبادة العمر وبالجهل به تموت عبادة العمر وتتعطل، وبالله التوفيق.
(بابُ مدح الإِنسان نفسه وذكر محاسنه)
قال الله تعالى: (فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ) [النجم: ٣٢] اعلم أن ذكرَ محاسن نفسه ضربان: مذموم ; ومحبوب، فالمذمومُ أن يذكرَه للافتخار وإظهار الارتفاع والتميّز على
الأقران وشبه ذلك، والمحبوبُ أن يكونَ فيه مصلحة دينية، وذلك بأن يكون آمراً بمعروف، أو ناهياً عن منكر، أو ناصحاً أو مشيراً بمصلحة، أو معلماً، أو مؤدباً، أو واعظاً، أو مذكِّراً، أو مُصلحاً بين اثنين، أو يَدفعُ عن نفسه شرّاً، أو نحو ذلك، فيذكر
стр. 277
محاسنَه ناوياً بذلك أن يكون هذا أقربَ إلى قَبول قوله واعتماد ما يذكُره، أو أن هذا الكلام الذي أقوله لا تجدونه عند غيري فاحتفظوا به، أو نحو ذلك، وقد جاء في هذا المعنى ما لا يحصى من النصوص، كقول النبيّ ﷺ : ٨١٤ - " أنا النَّبِي لا كَذِبْ ".
٨١٥ - " أنا سَيِّدُ وَلَد آدَم ".
" أنا أوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأرْضُ ".
" أنا أعْلَمُكُمْ باللَّهِ وأتْقاكُمْ ".
٨١٦ - " إني أبِيتُ عنْدَ ربي ".
وأشباهه كثيرة، وقال يوسف ﷺ : " (اجْعَلْني على خَزَائِنِ الأرْضِ إني حَفِيظٌ عَلِيمٌ) [يوسف: ٥٥] وقال شعيب ﷺ : (سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) [القصص: ٢٧] .
٨١٧ - وقال عثمان ﵁ حين حُصر ما رويناه في " صحيح البخاري " أنه قال: ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: " مَنْ جَهّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ (١) فَلَهُ الجَنَّةُ؟ فجهّزتهم، ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: مَنْ حَفَرَ بِئرَ رُومَة (٢) فَلَهُ الجَنَّةُ، فحفرتها؟ فصدّقوه بما قال ".
٨١٨ - وروينا في " صحيحيهما " عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال حين شكاه أهل الكوفة إلى عمرَ بن الخطاب ﵁ وقالوا: لا يُحسن يصلي، فقال سعد: والله إنّي لأول رجل من العرب رمى بسهم في سبيل الله تعالى، ولقد كنّا نغزو مع
رسول الله ﷺ ... وذكر تمام الحديث.
٨١٩ - وروينا في " صحيح مسلم " عن عليّ ﵁ قال: " والذي فلق الحبَّة وبرأَ النسمةَ، إنه لعهدُ النبيّ ﷺ إليّ أنه لا يحبني إلا مؤمنٌ ولا يبغضني إلا منافق ".
قلتُ: بَرَأَ مهموز معناه: خلق، والنسمة: النفس.
стр. 278
٨٢٠ - وروينا في " صحيحيهما "، عن أبي وائل قال: خطبنا ابنُ مسعود ﵁ فقال: " والله لقد أخذتُ من فِي رَسُولِ الله ﷺ بضعاً وسبعين سورة، ولقد علمَ أصحابُ رسول الله ﷺ أني مِنْ أعلمهم بكتاب الله تعالى، وما أنا بخيرهم، ولو أعلم أن أحداً أعلمُ منّي لرحلتُ إليه ".
٨٢١ - وروينا في " صحيح مسلم " عن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن البدنة إذا أزحفت (١) فقال: على الخبير سقطتَ - يعني نفسَه - ... وذكر تمام الحديث.
ونظائر هذا كثيرة لا تنحصر، وكلُّها محمولة على ما ذكرنا، وبالله التوفيق.
(بابٌ في مسائل تتعلَّق بما تقدَّم)
مسألة: يُستحبّ إجابةُ مَن ناداك: " لبيك وسعديك " أو " لبّيك " وحدها، ويُستحبّ أنْ يقول لمن ورد عليه: مرحِّباً، وأن يقول لمن أحسن إليه أو رأى منه فعلاً جميلاً: حفظك الله، وجزاك الله خيراً، وما أشبهه، ودلائل هذا من الحديث الصحيح كثيرة مشهورة.
مسألة: ولا بأس بقوله للرجل الجليل في علمه أو صلاحه أو نحو ذلك: جعلني الله فداكَ، أو فِداكَ أبي وأُمي وما أشبهه، ودلائل هذا من الحديث الصحيح كثيرة مشهورة حذفتها اختصاراً.
مسألة: إذا احتاجتْ المرأة إلى كلام غير المحارم في بيع أو شراء، أو غير ذلك من المواضع التي يجوز لها كلامه فيها، فينبغي أن تفخِّمَ عبارتَها وتغلظها ولا تليِّنها مخافةَ من طمعه فيها.
قال الإِمام أبو الحسن الواحدي من أصحابنا في كتابه " البسيط ": قال أصحابنا: المرأة مندوبة إذا خاطبتِ الأجانبَ إلى الغِلْظة في المقالة، لأن ذلك أبعد من الطمع في الريبة، وكذلك إذا خاطبتْ مَحرماً عليها بالمصاهرة، ألا ترى أن الله تعالى أوصى أُمّهات المؤمنين وهنّ محرّمات على التأبيد بهذه الوصية، فقال تعالى: (يا نساءَ النَّبيّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذي في قَلْبِهِ مرض) [الأحزاب: ٣٢]
стр. 279
قلتُ: هذا الذي ذكره الواحدي من تغليظ صوتها، كذا قاله أصحابنا.
قال الشيخ إبراهيم المروزي من أصحابنا، طريقُها في تغليظه أن تأخذ ظهرَ كفّها بفيها وتُجيب كذلك، والله أعلم.
وهذا الذي ذكره الواحديُّ من أن المحرّم بالمصاهرة كالأجنبي في هذا ضعيف وخلاف المشهور عند أصحابنا، لأنه كالمَحرم بالقرابة في جواز النظر والخلوة.
وأما أُمَّهاتُ المؤمنين، فإنهنّ أُمّهاتٌ في تحريم نكاحهنّ ووجوب احترامهنّ فقط، ولهذا يحلّ نكاح بناتهنّ، والله أعلم.
كتاب أذكار النّكاح وما يتعلّق به
(باب ما يقوله من جاء يخطب امرأةً من أهلها لنفسه أو لغيره)
يُستحبّ أن يبدأ الخاطبُ بالحمد لله والثناء عليه والصَّلاة على رسول الله ﷺ ويقول: أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسولُه، جئتكم راغباً في فتاتِكم فُلانة، أو في كريمتِكم فُلانة بنت فلان أو نحو ذلك.
٨٢٢ - روينا في " سنن أبي داود وابن ماجه " وغيرهما، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: " كُلُّ كَلامٍ " وفي بعض الروايات " كُلُّ أمْرٍ لا يُبْدأُ فِيه بالحَمْد لِلَّهِ فَهُوَ أجْذَمُ " وروي " أقْطَعُ " وهما بمعنى، هذا حديث حسن (١) .
وأجذم بالجيم والذال المعجمة ومعناه: قليل البركة.
٨٢٣ - وروينا في " سنن أبي داود والترمذي " عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " كُلُّ خطْبَةٍ لَيْسَ فِيها تَشَهُّدٌ فَهِيَ كاليَدِ الجَذْماءِ " قال الترمذي: حديث حسن.
(باب عرض الرجل بنته وغيرها ممن) إليه تزويجها على أهلِ الفضلِ والخير ليتزوجُوها)
٨٢٤ - روينا في " صحيح البخاري " أن عمر بن الخطاب ﵁ لما تُوفي زَوْجُ بنته حفصة ﵄ قال: لقيتُ عثمان فعرضتُ عليه حفصةَ فقلتُ: إن شئت
стр. 280
أنكحتُك حفصة بنتَ عمر، فقال: سأنظر في أمري (١) ، فلبثتُ ليالي ثم لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوّج يومي هذا، قال عمر: فلقيتُ أبا بكر الصديق ﵁، فقلتُ: إن شئتَ أنكحْتُك حفصةَ بنتَ عمر، فصمتَ أبو بكر ﵁ ... وذكر تمام
الحديث.
(بابُ ما يقولُه عند عَقْدِ النِّكَاح)
يُستحبُّ أن يخطبَ بين يدي العقد خطبةً تشتملُ على ما ذكرناهُ في الباب الذي قبلَ هذا، وتكونُ أطولَ من تلك، وسواء خطبَ العاقدُ أو غيرُه.
٨٢٥ - وأفضلُها ما روينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرها بالأسانيد الصحيحة عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: علَّمنا رسول الله ﷺ خطبة الحاجة: " الحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَهُ، وأشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسولُه، (يا أيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها، وَبَثَّ مِنْهُما رِجَالاً كَثِيراً وَنِساءً، واتَّقُوا اللَّهَ الذي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ، إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) [النساء: ١] ، (يا أيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وأَنْتُمْ مُسْلِمُون) [آل عمران: ١٠٢] ، (يا أيُّهَا الَّذين آمَنوا اتَّقُوا اللَّه وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً.
يُصْلِحْ لَكُمْ أعْمالَكُمْ، ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزَاً عَظِيماً) [الأحزاب: ٧١] هذا لفظ إحدى روايات أبي داود وفي رواية له أخرى بعد قوله ورسوله " أرْسَلَهُ بالحَقّ بَشِيراً وَنَذِيراً بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ، مَنْ يُطِعِ اللَّه وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِما فإنَّهُ لا يَضُرُّ إِلاَّ نَفْسَهُ وَلا يَضُرُّ اللَّهَ شَيْئاً " قال الترمذي: حديث حسن.
قال أصحابنا: ويُستحبُّ أن يقول مع هذا: أُزوِّجك على ما أمر الله به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.
وأقلّ هذه الخطبة: الحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلاةُ على رسول الله ﷺ ، أُوصِي بِتَقْوَى اللَّهِ.
والله أعلم.
стр. 281
واعلم أن هذه الخطبة سنّة، لو لم يأت بشئ منها صحَّ النكاح باتفاق العلماء.
وحكي عن داود الظاهري ﵀ أنه قال: لا يصحّ، ولكن العلماء المحققون لا يعدّون خلافَ داود خلافاً معتبراً، ولا ينخرقُ الإِجماعُ بمخالفته، والله أعلم.
وأما الزوجُ، فالمذهب المختار أنه لا يخطب بشئ، بل إذا قال له الوليّ: زوّجتك فلانة.
يقول متصلاً به: قبلتُ تزويجها، وإن شاء قال: قبلتُ نكاحَها، فلو قال: الحمد لله والصلاة على رسول الله ﷺ قبلتُ، صحَّ النكاحُ، ولم يضرّ هذا الكلام بين الإِيجاب والقبول، لأنه فصل يسير له تعلق بالعقد.
وقال بعض أصحابنا: يبطلُ به النكاح، وقال بعضهم: لا يبطلُ بل يُستحبّ أن يأتي به، والصوابُ ما قدّمناه أنه لا يأتي به ولو خالف فأتى به لا يَبطل النكاح، والله أعلم.
(بابُ ما يُقالُ للزوج بعدَ عقدِ النِّكاح)
٨٢٦ - السنّة أن يُقال له: باركَ الله لك، أو باركَ الله عليك، وجمعَ بينكما في خير.
ويُستحبُّ أن يُقال لكلّ واحد من الزوجين: بارَك الله لكلّ واحدٍ منكما في صاحبه، وجمعَ بينكما في خير.
٨٢٧ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أنس ﵁، أن النبي ﷺ قال لعبد الرحمن بن عوف ﵁ حين أخبره أنه تزوّج: " بارَكَ اللَّهُ لَكَ ".
٨٢٨ - وروينا في " الصحيح " أيضاً أنه ﷺ قال لجابر ﵁ حين أخبره أنه تزوّج: " بارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ ".
٨٢٩ - وروينا بالأسانيد الصحيحة في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه وغيرها
عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ كان إذا رفأ الإِنسانُ، إذا تزوّج قال: " بَارَكَ اللَّهُ لك، وبارَكَ عَلَيْكَ، وَجَمَعَ بَيْنَكُما في خَيْرٍ " قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
فصل:
ويُكره أن يُقال له بالرَّفاء والبنين، وسيأتي دليلُ كراهته إن شاء الله تعالى في " كتابِ حفظ اللسان " في آخر الكتاب (١) .
والرِّفاء بكسر الراء وبالمدّ: وهو الاجتماع.
стр. 282
(باب ما يقول الزوجُ إذا دخلت عليه امرأتُه ليلة الزِّفاف)
يُستحبّ أن يُسَمِّيَ اللَّهَ تعالى ويأخذَ بناصيتهَا (١) أولَ ما يَلقاها ويقول: بارَك اللَّهَ لكلِّ واحدٍ منَّا في صاحبه.
٨٣٠ - ويقول معه: ما رويناه بالأسانيد الصحيحة (٢) في سنن أبي داود وابن ماجه وابن السني وغيرها عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إِذَا تَزَوَّجَ أحَدُكُمُ امْرأةً، أوِ اشْتَرَى خَادماً فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِني أسألُكَ خَيْرَها وَخَيْرَ ما جَبَلْتَها عَلَيْهِ (٣) ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّها وَشَرِّ ما جَبَلْتَها ما جبلتها عَلَيْهِ.
وَإِذَا اشْتَرَى بَعِيراً فَلْيأْخُذْ بِذِرْوَةِ سِنَامِهِ وَلْيَقُلْ مِثْلَ ذلكَ " وفي رواية: " ثُمَّ ليأْخُذْ بِناصِيَتِها وَلْيَدْعُ بالبَرَكَةِ في المَرأة والخادم ".
(باب ما يُقالُ للرجل بعدَ دُخولِ أهلهِ عليه)
٨٣١ - روينا في " صحيح البخاري " وغيره عن أنس ﵁ قال: " بنى رسول الله ﷺ بزينب ﵂، فأولم بخبز ولحم.." وذكر الحديث في " صفة الوليمة وكثرة مَن دُعي إليها " ثم قال: فخرجَ رسولُ الله ﷺ فانطلق إلى حجرة عائشة
فقال: " السَّلامُ عَلَيْكُمْ أهْلَ البَيْتِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فقالت: وعليك السلام ورحمة الله، كيف وجدتَ أهلك؟ بارك الله لك، فتقرَّى (٤) حُجَر نسائه كلّهنّ يقولُ لهنّ كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة ".
(بابُ ما يقولُه عندَ الجمَاع)
٨٣٢ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن ابن عباس ﵄ من طرق كثيرة عن النبيّ ﷺ قال: " لَوْ أنَّ أحَدَكُمْ إذَا أتى أهْلَهُ قالَ: بِسْمِ الله اللَّهُمَّ جنبنا
стр. 283
الشَّيْطانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطانَ ما رَزَقْتَنا فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ " وفي رواية للبخاري " لَمْ يَضُرَّهُ شيطان أبدا ".
(بابُ مُلاعبةِ الرجلِ امرأَتَه وممازحته لها ولطف عبارتِه معها)
٨٣٣ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن جابر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : " تَزَوََّجْتَ بِكْراً أَمْ ثَيِّباً؟ قلت: تَزوّجتُ ثيباً، قال: هَلاَّ تَزَوَّجْتَ بِكْراً تُلاعِبُها وَتُلاعِبُكَ ".
٨٣٤ - وروينا في كتاب الترمذي وسنن النسائي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ :) " أكمَلُ المُؤْمِنِينَ إِيمانَاً أحْسَنُهُمْ خُلُقاً وألْطَفُهُمْ لاهله " (١) .
(بابُ بيان أدبِ الزَّوِجِ مع أصهاره في الكلام)
اعلم أنه يُستحبّ للزوج أن لا يخاطب أحداً من أقارب زوجته بلفظ فيه ذكر جماع النساء، أو تقبيلهنّ، أو معانقتهنّ، أو غير ذلك من أنواع الاستمتاع بهنَّ، أو ما يتضمن ذلك أو يُستدلّ به عليه أو يفهم منه.
٨٣٥ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن عليٍّ ﵁ قال: " كنتُ رجلاً مَذَّاءً (٢) فاستحييتُ أن أسألَ رسولَ الله ﷺ لمكان ابنته منّي، فأمرتُ المقدادَ فسألَه ".
(بابُ ما يُقال عند الولادة وتألّم المرأة بذلك)
ينبغي أن يُكثر من دُعاء الكَرْب الذي قدَّمناه.
٨٣٦ - وروينا في كتاب ابن السني عن فاطمة ﵂ " أنَّ رسول الله ﷺ لما دنا ولادها أمرَ أُمَّ سلمة وزينبَ بنتَ جحشٍ أن يأتيا فيقرآ عندها آية الكرسي، و (إنَّ ربَّكم اللَّهُ..) إلى آخر الآية (٣) [الاعراف: ٥٤] ويعوذاها بالمعوذتين ".
(٤) *
стр. 284
(بابُ الأَذَان في أُذُنِ المولُود)
٨٣٧ - روينا في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما عن أبي رافع ﵁ مولى رسول الله ﷺ قال: " رأيتُ رسولَ الله ﷺ أذّن في أُذن الحسين بن عليّ حينَ ولدتهُ فاطمةُ بالصلاة ﵃ " قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
قال جماعة من أصحابنا: يُستحبّ أن يؤذّن في أُذنه اليمنى ويُقيم الصلاة في أُذنه اليسرى.
٨٣٨ - وقد روينا في كتاب ابن السني عن الحسين بن عليّ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " مَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ فأذَّنَ في أُذُنِهِ اليُمْنَى، وأقامَ في أُذُنِهِ اليُسْرَى لَمْ تَضُرّهُ أُمُّ الصبيان " (١) .
(بابُ الدعاءِ عندَ تَحنيكِ الطفل)
٨٣٩ - روينا بالإِسناد الصحيح في سنن أبي داود، عن عائشة ﵂ قالت: " كان رسول الله ﷺ يُؤتى بالصبيان فيدعو لهم ويحنّكُهم " وفي رواية: فيدعو لهم بالبركة ".
٨٤٠ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: " حملتُ بعبد الله بن الزبير بمكة، فأتيتُ المدينةَ فنزلتُ قباءَ، فولدتُ بقباءَ، ثم أتيتُ به النَّبي ﷺ ، فوضعَه في حِجره ثم دعا بتمرةٍ فمضغَها ثم تفلَ في فِيه، فكانَ أول شئ دخل جوفَه ريقُ رسول الله ﷺ ، ثم حنَّكَه بالتمرة، ثم دعا له وباركَ عَلَيْهِ ".
٨٤١ - وروينا في " صحيحهما " عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: " وُلد لي غلامٌ، فأتيتُ به النبيَّ ﷺ فسمَّاه إبراهيم، وحنَّكه بتمرةٍ، ودعا له بالبركة " هذا لفظ البخاري ومسلم، إلا قوله: " ودعا له بالبركة " فإنه للبخاري خاصة.
كتاب الأسماء
(بابُ تَسْمِيةِ المَوْلُود)
السُّنّة أن يُسمَّى المولود في اليوم السابعِ من ولادته أو يوم الولادة.
٨٤٢ - فأما استحبابه يومَ السابع، فلِمَا رَويناه في كتاب الترمذي عن عمرو بن *
стр. 285
شُعيب عن أبيه عن جده " أن النبيّ ﷺ أمرَ بتسمية المولود يومَ سابعهِ، ووضعِ الأذى عنه، والعقّ " قال الترمذي: حديث حسن (١) .
٨٤٣ - وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهما بالأسانيد الصحيحة عن سَمُرة بن جُندب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " كل غلام رهينة بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سابِعِهِ، ويُحْلَقُ، وَيُسَمَّى " قال الترمذي: حديثٌ حسن صحيح.
٨٤٤ - وأما يوم الولادة فلِما رويناه في الباب المتقدم من حديث أبي موسى.
٨٤٥ - وروينا في صحيح مسلم " وغيره عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " وُلِدَ لي اللَّيْلَةَ غُلامٌ فَسَمَّيْتُهُ باسْمِ أبي: إبْرَاهِيم ﷺ ".
٨٤٦ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أنس قال: " وُلد لأبي طلحةَ غلامٌ، فأتيتُ به النبي ﷺ فحنَّكَه، وسمَّاه عبد الله ".
٨٤٧ - وروينا في " صحيحيهما " عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: " أُتي بالمنذر بن أبي أُسَيْد إلى رسول الله ﷺ حين وُلد، فوضعه النبيُّ ﷺ على فخذه وأبو أُسيد جالسٌ، فلَهِيَ النبيّ ﷺ بشئ بين يديه، فأمر أبو أُسيد بابنه فاحْتُمِل من على فخذ النبيّ ﷺ ، فأقلبُوه، فاستفاقَ النبيُّ ﷺ فقال: أيْنَ الصَّبِيُّ؟ فقال أبو أُسيد: أقلبناه يا رسول الله، قال: ما اسْمُهُ؟ قال: فلان، قال: لا، وَلَكِنِ اسْمُهُ المُنْذِرُ، فسمّاه يومئذ المنذر ".
قلت: قوله لهِي، بكسر الهاء وفتحها لغتان: الفتح لطئ، والكسر لباقي العرب، وهو الفصيح المشهور، ومعناه: انصرف عنه، وقيل اشتغل بغيره، وقيل نسيه، وقوله استفاق: أي ذكره، وقوله فأقلبوه: أي رَدّوه إلى منزلهم.
(بابُ تَسْمِيةِ السَّقْط)
(٢) يُستحبّ تسميتُه، فإن لم يُعلم أذكرٌ هو أو أنثى، سُمِّي باسم يَصلحُ للذكر والأُنثى، كأسماء، وهند، وهُنيدة، وخارجة، وطلحة، وعُميرة، وزُرْعة، ونحو ذلك.
قال الإمام البغوي: