← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1956

الأذكار للنووي ت الأرنؤوط

النووي

Полный текст (411 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

(بابُ ما يقولُه إذا رَأى مِن نفسِه أو ولده أو مالِه أو غير ذلكَ شيئاً فأعجبَهُ وخاف أن يصيبه بعينه وأنْ يتضرّرَ بذلك) ٩٦١ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " العَيْنُ حَقٌّ " (١) . ٩٦٢ - وروينا في " صحيحيهما " عن أُمّ سلمة ﵂: " أنَّ النبيَّ ﷺ رأى في بيتها جاريةً في وجهها سفعة فقال: " اسْتَرْقُوا لَهَا فإنَّ بِهَا النَّظْرَةَ ". قلتُ: السَّفعة بفتح السين المهملة وإسكان الفاء: هي تغيّر وصفرة. وأما النظرة فهي العين، يُقال صبيّ منظور: أي أصابته العين. ٩٦٣ - وروينا في " صحيح مسلم " عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: " العَيْنُ حَقٌ وَلَوْ كانَ شئ سابَقَ القَدَرَ سَبَقَتْهُ العين (٢) ، وإذا اسْتُغْسلْتم فاغْسِلُوا " (٣) . قلتُ: قال العلماء: الاستغسال أن يُقال للعائن، وهو الصائب بعينه الناظر بها بالاستحسان: اغسلْ داخلَ إِزارك مما يلي الجلد بماء، ثم يُصبّ على العين، وهو المنظور إليه. ٩٦٤ - وثبت عن عائشة ﵂ قالت: كان يُؤمر العائن أن يَتوضأ ثم يغتسل منه المعين. رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم. ٩٦٥ - وروينا في كتاب الترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي سعيد الخدريّ رضي

стр. 317

الله عنه قال: " كان رسول الله ﷺ يتعوّذُ من الجانّ وعين الإِنسان حتى نزلت المعوّذتان، فلما نزلتا أخذَ بهما وتركَ ما سواهما " قال الترمذي: حديث حسن. ٩٦٦ - وروينا في " صحيح البخاري " حديث ابن عباس أن النبي ﷺ كان يُعوِّذ الحسن والحسين: " أُعِيذُكُما بِكَلِماتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ وَهامَّةِ وَمِنْ كُلّ عَيْنٍ لاَمَّةٍ، ويقول: إنَّ أباكُما كانَ يعوّذ بهما إسماعيلَ وإسحاقَ ". ٩٦٧ - وروينا في كتاب ابن السني عن سعيد بن حكيم (١) ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا خافَ أن يُصيبَ شيئاً بعينه قال: " اللََّهُمَّ بارِكْ فِيهِ وَلا تَضُرّهُ ". ٩٦٨ - وروينا فيه عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " مَنْ رأى شَيْئاً فَأعْجَبَهُ فَقالَ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ لَمْ يَضُرَّهُ " (٢) . ٨٦٩ - وروينا فيه عن سهل بن حُنيف ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذَا رأى أحَدُكُمْ ما يُعْجِبُهُ في نَفْسِهِ أوْ مَالِهِ فَلْيُبَرّكْ عَلَيْهِ، فإنَّ العَيْنَ حَقُّ ". ٩٧٠ - وروينا فيه عن عامر بن ربيعة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إِذَا رأى أحدُكم من نفسِه ومالِه وأعْجَبَهُ ما يُعْجِبُهُ فَلْيَدْعُ بالبَرَكَةِ " (٤) . ٩٧١ - وذكر الإِمامُ أبو محمد القاضي حسين من أصحابنا ﵏ في كتابه " التعليق " في المذهب قال: نظرَ بعضُ الأنبياء (٥) صلواتُ الله وسلامُه عليهم أجمعين إلى

стр. 318

قومه يوماً فاستكثَرهم وأعجبُوه، فماتَ منهم في ساعة سبعون ألفاً، فأوحى الله إليه: أنَّكَ عِنْتَهُمْ، وَلَوْ أنَّكَ إذْ عِنْتَهُمْ حَصَّنْتَهُمْ لَمْ يَهْلِكُوا، قال: وبأي شئ أُحَصّنُهُمْ؟ فأوحى الله تعالى إليه: تقولُ: حَصَّنْتُكُمْ بالحَيّ القَيُّومِ الَّذي لا يَمُوتُ أَبَدَاً، وَدَفَعْتَ عَنْكُمُ السُّوءَ بِلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ العَلِيّ العَظيمِ ". قال المعلّق عن القاضي حسين: وكان عادة القاضي ﵀ إذا نظرَ إلى أصحابه فأعجبَه سَمْتُهم وحسنُ حالهم، حصَّنهم بهذا المذكور، والله أعلم. (بابُ ما يَقول إذا رأى ما يُحِبّ وما يَكره) ٩٧٢ - روينا في كتاب ابن ماجه وابن السني بإسناد جيد (١) عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا رأى ما يُحِبّ قال: " الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحاتُ "، وإذا ما يكره قال: " الحَمْدُ لِلَّهِ على كُلّ حالٍ ". قال الحاكم أبو عبد الله: هذا حيدث صحيح الإِسناد. (بابُ ما يقولُ إذا نظَرَ إلى السَّماء) يُستحبّ أن يقول: (رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذَابَ النَّار) [آل عمران: ١٩١] إلى آخر الآيات، لحديث ابن عباسٍ ﵄ المخرّج في " صحيحيهما " أنَّ رسول الله ﷺ قال ذلك، وقد سبق بيانه والله أعلم. (بابُ ما يَقول إذا تطيَّرَ بشئ) ٩٧٣ - روينا في " صحيح مسلم " عن معاوية بن الحكم السلميّ الصحابي ﵁ قال: قلت: يارسول الله منَّا رجال يتطيرون، قال: " ذلك شئ يَجِدُونَه في صُدُورِهِمْ، فَلا يَصُدَّنّهُمْ ". ٩٧٤ - وروينا في كتاب ابن السني وغيره عن عقبة بن عامر الجهني (٢) رضي الله

стр. 319

عنه قال سُئل النبيّ ﷺ عن الطِّيَرة فقال: " أصْدَقُها الفأَلُ، وَلا يَرُدُّ مُسْلِماً، وَإِذَا رأيتُمْ مِنَ الطِّيَرَةِ شَيْئاً تَكْرَهُونَهُ فَقولُوا: اللَّهُم لا يأتِي بالحَسَناتِ إِلاَّ أَنْتَ، وَلا يَذْهَبُ بالسَّيِّئاتِ إِلاَّ أنْتَ، وَلا حَوْلَ ولا قوة إلا بالله ". (بابُ ما يَقولُ عندَ دُخول الحمَّام) قيل: يستحبّ أن يُسمِّيَ الله تعالى، وأنْ يسألَه الجنّةَ، ويستعيذَه من النار. ٩٧٥ - روينا في كتاب ابن السني بإسناد ضعيف عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " نِعْمَ البَيْتُ الحَمَّامُ يَدْخُلُهُ المُسْلِمُ، إذَا دَخَلَهُ سألَ اللَّهَ الجَنَّةَ وَاسْتَعاذَهُ مِنَ النَّارِ " (١) . (بابُ ما يَقولُ إذا اشترى غُلاماً أو جَاريةً أو دابّةً، وما يقولُه إذا قَضى دَيْناً) يُستحبّ في الأوّل أن يأخذَ بناصيته ويقول: اللَّهُمَّ إني أسألُكَ خَيْرَهُ وَخَيْرَ مَا جُبِلَ عَلَيْهِ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ ما جُبِلَ عَلَيْهِ. وقد سبق في كتاب أذكار النكاح الحديث الوارد في نحو ذلك في سنن أبي داود وغيره. ٩٧٦ - ويقول في قضاء الدَّين " بارَكَ اللَّهُ لَكَ في أهْلِكَ ومالك وجزاك خيرا ". (بابُ ما يقولُ مَن لا يَثبتُ على الخَيْلِ ويُدعى لهُ به) ٩٧٧ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: " شكوتُ إلى النبيّ ﷺ أني لا أثبتُ على الخيل، فضربَ بيده في صدري وقال: " اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هادِياً مَهْدِيّاً ".

стр. 320

(بابُ نهيِ العالم وغيرِه أن يُحدِّثَ الناسَ بما لا يَفهمونه، أو يُخافُ عليهم من تحريف معناه وحملِهِ على خلاف المراد منه) قال الله تعالى: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) [إبراهيم: ٤] . ٩٧٨ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ ﵁ حين طوَّل الصلاة بالجماعة: " أفتَّانٌ أنْتَ (١) يا مُعاذُ "؟. ٩٧٩ - وروينا في " صحيح البخاري " عن عليّ ﵁ قال: " حدّثوا الناسَ بما يَعرفون (٢) ، أتحِبُّون أن يُكذَّب اللَّهُ ورسولُه " (٤) . (بابُ استنصات العالم والواعظِ حاضري مجلسِه ليتوَفَّروا على استماعِه) ٩٨٠ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: قال لي النبيّ ﷺ في حجة الوداع: " اسْتَنْصِتِ الناسَ "، ثم قال: " لا تَرْجِعُوا بَعْدي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْضٍ ". (بابُ ما يقولُه الرجلُ المُقتدى به) إذا فعل شيئاً في ظاهره مخالفةٌ للصوابِ مع أنه صَوَابٌ اعلم أنه يُستحبُّ للعالم والمعلّم والقاضي والمفتي والشيخ المربّي وغيرهم ممّن يقتدى به ويؤخذ عنه: أن يجتنب الأفعالَ والأقوالَ والتصرّفات التي ظاهرها خلاف الصواب وإن كان محقّاً فيها، لأنه إذا فعلَ ذلك ترتَّبَ عليه مفاسد، من جملتها: توهم كثير ممّن يعلم ذلك منه أن هذا جائز على ظاهره بكل حال، وأن يبقى ذلك شرعاً وأمراً معمولاً به أبداً، ومنها وقوع الناس فيه بالتنقص، واعتقادهم نقصه، وإطلاق ألسنتهم بذلك، ومنها أن الناس يُسيئون الظنّ به فينفرون عنه، ويُنَفِّرون غيرهم عن أخذ العلم

стр. 321

عنه، وتَسقط رواياته وشهادته، ويبطلُ العمل بفتواه، ويذهبُ ركون النفوس إلى ما يقولُه من العلوم، وهذه مفاسد ظاهرة، فينبغي له اجتناب أفرادها، فكيف بمجموعها؟ فإن احتاج إلى شئ من ذلك وكان محقّاً في نفس الأمر لم يظهره، فإن أظهرَه أو ظهرَ أو رأى المصلحةَ في إظهاره ليعلم جوازه وحكمُ الشرع فيه، فينبغي أن يقولَ: هذا الذي فعلتُه ليس بحرام، أو إنما فعلتُه لتعلموا أنه ليس بحرام إذا كان على هذا الوجه الذي فعلتُه، وهو كذا وكذا، ودليلُه كذا وكذا. ٩٨١ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن سهل بن سعد الساعديّ ﵁ قال: " رأيتُ رسولَ الله ﷺ " قامَ على المِنبر، فكبَّرَ وكبر الناس وراءه، فقرأ وركع وركع الناس خلفه، ثم رفع، ثم رجع القهقرى فسجد على الأرض، ثم عادَ إلى المنبر حتى فرغَ من صلاتِه، ثم أقبلَ على الناس فقال: أيُّها النَّاسُ إنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأتَمُّوا بِي وَلِتَعَلَّمُوا صَلاتي ". والأحاديثُ في هذا الباب كثيرةٌ. ٩٨٢ - كحديث " إنها صفية " (١) . ٩٨٣ - وفي البخاري " أن عليّاً شربَ قائماً وقال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ فعلَ كما رأيتموني فعلتُ " والأحاديثُ والآثارُ في هذا المعنى في الصحيح مشهورة. (بابُ ما يقولُه التابعُ للمتبوعِ إذا فعلَ ذلك أو نحوه) اعلم أنه يُستحبّ للتابع إذا رأى من شيخه وغيره ممّن يُقتدى به شيئاً في ظاهره مخالفة للمعروف أن يسأله عنه بنيّة الاسترشاد، فإن كان قد فعلَه ناسياً تداركَه، وإن كان فعلَه عامِداً وهو صحيحٌ في نفس الأمر، بَيّنه له: ٩٨٤ - فقد روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أُسامة بن زيد ﵄ قال: " دفعَ رسولُ الله ﷺ من عَرَفَةَ حتى إذا كان بالشِّعب نزلَ فَبالَ ثم توضأ، فقلتُ: الصلاةَ يا رسول الله، فقال: الصَّلاةُ أمامك "

стр. 322

قلتُ: إنما قال أُسامة ذلك، لأنه ظنّ أن النبيّ ﷺ نسي صلاة المغرب، وكان قد دخل وقتها قربَ خروجه (١) . ٩٨٥ - وروينا في " صحيحيهما " قولَ سعد بن أبي وقاص: " يا رسولَ الله، ما لك عن فلان (٢) والله إني لأراه مؤمناً ". ٩٨٦ - وفي " صحيح مسلم " عن بريدة " أن النبيَّ ﷺ صلَّى الصلواتِ يومَ الفتح بوُضوء واحد، فقال عمر ﵁: لقد صنعتَ اليومَ شيئاً لم تكنْ تصنعه، فقال: عَمْداً صَنَعْتُهُ يا عُمَرُ " ونظائر هذا كثيرة في الصحيح مشهورة. (بابُ الحَثّ على المُشَاورة) قال الله تعالى: (وشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ) [آل عمران: ١٥٩] والأحاديثُ الصحيحةُ في ذلك كثيرةٌ مشهورة، وتُغني هذه الآية الكريمة عن كلّ شئ، فإنه إذا أمرَ الله في كتابه نصّاً جليا نبيّه ﷺ بالمشاورة مع أنه أكمل الخلق، فما الظن بغيره؟. واعلم أنه يُستحبّ لمن همّ بأمر أن يُشاور فيه مَن يَثقُ بدينه وخبرته وحذقه ونصيحته ووَرَعه وشفقته. ويُستحبّ أن يُشاور جماعة بالصفة المذكورة ويستكثر منهم، ويعرّفهم مقصودَه من ذلك الأمر، ويُبيِّن لهم ما فيه من مصلحة ومفسدة إن علم شَيْئاً مِنْ ذلك، ويتأكّدُ الأمرُ بالمشاورة في حقّ ولاة الأمور العامة، كالسلطان، والقاضي، ونحوهما، والأحاديث الصحيحة في مشاورة عمر بن الخطاب ﵁ أصحابَه ورجوعِه إلى أقوالهم كثيرة مشهورة، ثم فائدة المشاورة القَول من المستشار إذا كان بالصفة المذكورة، ولم تظهر المفسدة فيما أشار به، وعلى المستشار بذل الوسع في النصيحة وإعمال الفكر في ذلك. ٩٨٧ - فقد روينا في " صحيح مسلم " عن تميم الداريّ ﵁ عن

стр. 323

رسول الله ﷺ أنه قال: " الدّينُ النَّصِيحَةُ "، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لِلَّهِ وكِتابِهِ وَرَسُولِهِ وأئمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعامَّتِهِمْ ". ٩٨٨ - وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " المستشار مؤتمن " (١) . (بابُ الحَثِّ على طِيْبِ الكَلاَم) قال الله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلمُؤْمِنِينَ) [الحجر: ٨٨] . ٩٨٩ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن عديّ بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ ". ٩٩٠ - وروينا في " صحيحيهما " عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " كُلُّ سُلامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ تَعْدِلُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وتُعِينُ الرَّجُلَ في دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْها أوْ تَرْفَعُ لَهُ عَليْها مَتاعَهُ صَدَقَةٌ، قال: وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَبِكُلّ خُطْوَةٍ تَمشِيها إلى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ، وتُميطُ الأذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ ". قلتُ: السُّلاَمَى بضم السين وتخفيف اللام: أحدُ مفاصل أعضاء الإِنسان، وجمعه: سلاميات بضم السين وفتح الميم وتخفيف الياء، وتقدم ضبطها في أوائل الكتاب. ٩٩١ - وروينا في " صحيح مسلم " عن أبي ذرّ ﵁ قال: قال لي النبيّ ﷺ : " لا تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئاً ولو أن تلقى أخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ ". (بابُ استحباب بيان الكلام وإيضاحه للمخاطب) ٩٩٢ - روينا في سنن أبي داود عن عائشة ﵂ قالت: كان كلام رسول الله ﷺ كلاماً فصلاً يفهمه كلُّ مَن يسمعُه. ٩٩٣ - وروينا في " صحيح البخاري " عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ : أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تُفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلم عليهم، سلم عليهم ثلاثا ".

стр. 324

(بابُ المزاح) ٩٩٤ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ كان يقولُ لأخيه الصغير (١) : " يا أبا عُمَيْرٍ ما فَعَلَ النُّغَيْرُ " (٢) . ٩٩٥ - وروينا في كتابي أبي داود والترمذي عن أنس أيضاً أن النبيَّ ﷺ قال له: " يا ذَا الأُذُنَيْنِ " (٣) قال الترمذي: حديث صحيح. ٩٩٦ - وروينا في كتابيهما أيضاً " أن رجلاً أتى النبيَّ ﷺ فقال: يا رسولَ الله احملني، فقال: إني حامِلُكَ على وَلَدِ النَّاقَةِ، فقال: يا رسولَ الله وما أصنعُ بولد الناقة؟ فقال رسول الله ﷺ : وَهَلْ تَلدُ الإِبلَ إِلاَّ النُّوقُ؟ " قال الترمذي: حديث حسن صحيح. ٩٩٧ - وروينا في كتاب الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قالوا: يا رسولَ الله، إنك تداعبنا (٤) ، قال: " إني لا أقُولُ إِلاَّ حَقَّاً " قال الترمذي: حديث حسن. ٩٩٨ - وروينا في كتاب الترمذي عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: " لا تُمَارِ أخاكَ، وَلا تُمازِحْهُ، وَلا تَعِدْهُ مَوْعِداً فَتُخْلِفَهُ " (٥) . قال العلماء: المزاحُ المنهيُّ عنه، هو الذي فيه إفراط ويُداوم عليه، فإنه يُورث الضحك وقسوةَ القلب، ويُشغل عن ذكر الله تعالى والفكر في مهمات الدين، ويؤولُ في كثير من الأوقات إلى الإِيذاء، ويُورث الأحقاد، ويُسقطُ المهابةَ والوقارَ. فأما ما سَلِمَ من

стр. 325

هذه الأمور فهو المباحُ الذي كان رسولُ الله ﷺ يفعله، فإنه ﷺ إنما كان يفعله في نادر من الأحوال لمصلحة وتطييب نفس المخاطب ومؤانسته، وهذا لا منعَ قطعاً، بل هو سنّةٌ مستحبةٌ إذا كان بهذه الصفة، فاعتمدْ ما نقلناه عن العلماء وحقَّقناه في هذه الأحاديث وبيان أحكامها، فإنه مما يَعظمُ الاحتياجُ إليه، وبالله التوفيق. (بابُ الشَّفاعَة) اعلم أنه تُستحبّ الشفاعة إلى ولاة الأمر وغيرهم من أصحاب الحقوق والمستوفين لها ما لم تكن شفاعةً في حدٍّ أو شفاعةً في أمر لا يجوز تركهُ، كالشفاعة إلى ناظرٍ على طفل، أو مجنون أو وقف أو نحو ذلك في ترك بعض الحقوق التي في ولايته، فهذه كلُّها شفاعة محرّمة تحرم على الشافع ويحرم على المشفوع إليه قبولها، ويحرم على غيرهما السعي فيها إذا علمها، ودلائلُ جميع ما ذكرته ظاهرة في الكتاب والسنّة وأقوال علماء الأمة، قال الله تعالى: (مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها، وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها، وكانَ اللَّهُ على كل شئ مُقِيتاً) * [النساء: ٨٥] . المقيت: المقتدر والمقدّر، هذا قول أهل اللغة، وهو محكيٌّ عن ابن عباس وآخرين من المفسرين. وقال آخرون منهم المقيت: الحفيظ، وقيل المقيت: الذي عليه قوت كل دابة ورزقها، وقال الكلبي: المقيت المجازي بالحسنة والسيئة، وقيل: المقيت: الشهيد، وهو راجع إلى معنى الحفيظ. وأما الكِفْل فهو الحظ والنصيب، وأما الشفاعة المذكورة في الآية، فالجمهور على أنها هذه الشفاعة المعروفة، وهي شفاعة الناس بعضهم في بعض، وقيل: الشفاعة الحسنة: أن يشفع إيمانه بأنه يقاتل الكفار، والله أعلم. ٩٩٩ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: " كان النبي ﷺ إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال: اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي اللَّه على لسانِ نَبِيِّهِ ما أحَبَّ ". وفي رواية " ما شاءَ " وفي رواية أبي داود " اشْفَعُوا إِليَّ لِتُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ اللَّهُ على لِسانِ نَبِيِّهِ ما شاءَ " وهذه الرواية توضّح معنى رواية الصحيحين. ١٠٠٠ - وروينا في " صحيح البخاري " عن ابن عباس ﵄ في قصة بريرة وزوجها قال: قال لها النبيّ ﷺ : " لَوْ رَاجعتِيهِ؟ قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: إنما أشْفَعُ، قالتْ: لا حاجةَ لي فيه ".

стр. 326

١٠٠١ - وروينا في " صحيح البخاري " عن ابن عباس قال: لما قَدِمَ عيينةُ بن حصن بن حذيفة بن بدر نزلَ على ابن أخيه الحرّ بن قيس، وكان من النفر الذين يُدنيهم عمرُ ﵁، فقال عيينة: يا بن أخي لك وجه عند هذا الأمير فاستأذنْ لي عليه، فاستأذنَ له عمرَ، فلما دخل قال: هي يا بن الخطاب، فوالله ما تُعطينا الجزلَ، ولا تحكمُ بيننا بالعدل، فغضبَ عمر حتى همّ أن يُوقع به، فقال الحرّ: يا أميرَ المؤمنين إن الله قال لنبيه ﷺ : (خُذِ العفو وأمر بالعرف، وأعرض عن الجاهِلين) [الأعراف: ١٩٩] وإن هذا من الجاهلين، فو الله ما جاوزها عمرُ حين تلاها عليه، وكان وقَّافاً عند كتاب الله تعالى. (بابُ استحباب التَّبْشيرِ والتَّهنئةِ) قال الله تعالى: (فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهُو قائِمٌ يُصلّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى) [آل عمران: ٣٩] وقال تعالى: (ولمَّا جاءتْ رُسُلُنا إبرَاهِيمَ بالبُشْرَى) [العنكبوت: ٣١] وقال تعالى: (وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْرَاهِيمَ بالبُشْرَى) [هود: ٦٩] وقال تعالى: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلام حَلِيمٍ) [الصَّافات: ١٠١] وقال تعالى: (قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ) [الذاريات: ٢٨] وقال تعالى: (قالُوا لا تَوْجَلْ إنَّا نُبشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ) [الحجر: ٥٣] وقال تعالى: (وَامْرأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بإسْحَقَ وَمنْ وَرَاءِ إسْحَقَ يَعْقُوبََ) [هود: ٧١] وقال تعالى: (إِذ قَالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ ... ) الآية [آل عمران: ٤٥] ، وقال تعالى: (ذلكَ الَّذي يُبَشِّرُ اللَّهُ عبادَهُ الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالحات) [الشورى: ٢٣] وقال تعالى: (فَبَشِّرْ عِبادِ، الَّذينَ يَسْتَمِعونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعونَ أحْسَنَهُ) [الزمر: ١٧ - ١٨] وقال تعالى: (وَأبْشِرُوا بالجَنَّةِ الَّتي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) [فصّلت: ٣٠] وقال تعالى: (يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبأيمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ اليَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنْهَارُ) [الحديد: ١٢] وقال تعالى: (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وجنات لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ) [التوبة: ٢١] ..وأما الأحاديث الواردة في البشارة، فكثيرة جداً في الصحيح مشهورة. ١٠٠٢ - فمنها حديث تبشير خديجة ﵂ ببيت في الجنة من قصب لا نصبَ فيه ولا صخب. ١٠٠٣ - ومنها حديث كعب بن مالك ﵁ المخرّج في " الصحيحين " في قصة

стр. 327

توبته قال: سمعت صوت صارخ يقولُ بأعلى صوته: يا كعبَ بن مالك أبشر، فذهبَ الناسُ يبشروننا، وانطلقتُ أتأمّم رسولَ الله ﷺ (١) يتلقاني الناسُ فوجاً فوجاً يهنئوني بالتوبة، ويقولون: ليهنئك توبةُ الله تعالى عليك، حتى دخلتُ المسجدَ (٢) ، فإذا رسولُ الله ﷺ حولَه الناس، فقام طلحةُ بن عبيد الله يُهرول حتى صافحني وهنّأني، وكان كعبٌ لا ينساها لطلحة، قال كعبُ: فلما سلَّمتُ على رسول الله ﷺ قال وهو يُبْرقُ وجهُه من السرور: " أبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدتْكَ أُمُّكَ ". (بابُ جَواز التعجّب بلفظ التَّسبيحِ والتَّهليلِ ونحوهما) ١٠٠٤ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ لقيه وهو جُنُب، فانسلَّ فذهبَ فاغتسلَ، فتفقَّده النبيّ ﷺ ، فلما جاء قال: " أيْنَ كُنْتَ يا أبا هُرَيْرَةَ؟ " قال: يا رسول الله لقيتني وأنا جُنُب فكرهتُ أن أُجالسَك حتى أغتسل، فقال: " سُبْحانَ اللَّه إنَّ المُؤْمِنَ لا يَنْجُسُ ". ١٠٠٥ - وروينا في " صحيحيهما " عن عائشة ﵂، أن امرأة سألتِ النبيَّ ﷺ عن غسلها من الحيض، فأمرَها كيف تغتسلُ قال: " خُذِي فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فَتَطَهَّري بِهَا، قالت: كيف أتطهرُ بها؟ قال: تَطَهرِي بِهَا، قالت: كَيْفَ؟ قال: سبْحانَ اللَّهِ تَطَهَّرِي، فاجتذبتُها إليّ فقلتُ: تتبعي أثرَ الدم ". قلتُ: هذا لفظ إحدى روايات البخاري، وباقيها روايات مسلم بمعناه، والفِرصة بكسر الفاء وبالصاد المهملة: القطعة. والمسك بكسر الميم: وهو الطيب المعروف، وقيل الميم مفتوحة، والمراد الجلد، وقيل أقوال كثيرة، والمراد أنها تأخذ قليلاً من مسك فتجعله في قطنة أو صوفة أو خرقة أو نحوها فتجعله في الفرج لتُطيِّبَ المحلّ وتزيلَ الرائحةَ الكريهة، وقيل: إن المطلوب منه إسراع علوق الولد، وهو ضعيف، والله أعلم. ١٠٠٦ - وروينا في " صحيح مسلم " عن أنس ﵁ " أن أُختَ الرُّبَيِّع أُمّ حارثة جرحت إنساناً، فاختصموا إلى النبيَّ ﷺ ، فقال: القِصَاصَ القِصَاصَ (٣) ، فقالت أم

стр. 328

الربيع: يا رسول الله أتقتصّ من فلانة، والله لا يُقتصُّ منها! (١) فقال النبيُّ ﷺ : سُبْحانَ اللَّهِ يا أُمَّ الرَبيعِ القِصَاصُ كتابُ الله " (٢) . قلتُ: أصل الحديث في " الصحيحين "، ولكن هذا المذكور لفظ مسلم وهو غرضنا هنا، والرُبَيِّع بضم الراء وفتح الباء الموحدة وكسر الياء المشددة. ١٠٠٧ - وروينا في " صحيح مسلم " عن عمران بن الحُصين ﵄ في حديثه الطويل، في قصة المرأة التي أُسرت، فانفلتتْ وركبتْ ناقةَ النبيّ ﷺ ، ونذرتْ إن نجّاها الله تعالى لتنحرنّها، فجاءت فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: " سُبْحانَ الله بِئْسَ ما جَزَتْها ". ١٠٠٨ - وروينا في " صحيح مسلم " عن أبي موسى الأشعري ﵁ في حديث الاستئذان أنه قال لعمر ﵁ ... الحديث، وفي آخره " يا ابْنَ الخَطابِ لا تَكُونَنَّ عَذَاباً على أصْحابِ رسول الله ﷺ ، قال: سبحانَ الله، إنما سمعتُ شيئاً فأحببتُ أن أثَّبَّتَ ". ١٠٠٩ - وروينا في " الصحيحين " في حديث عبد الله بن سلام الطويل لما قيل: إنك من أهل الجنة، قال: سبحان الله ما ينبغي لأحدٍ أن يقول ما لم يعلم ... وذكر الحديث. (بابُ الأمرِ بالمعروف والنَّهي عن المنكرِ) هذا الباب أهمُّ الأبواب، أو من أهمِّها لكثرة النصوص الواردة فيه، لعظم موقعه، وشدّة الاهتمام به، وكثرة تساهل أكثر الناس فيه، ولا يمكن استقصاء ما فيه هنا، لكن لا نخلّ بشئ من أصوله، وقد صنَّفَ العلماءُ فيه متفرّقات، وقد جمعتُ قطعةً منه في أوائل " شرح صحيح مسلم " ونبّهت فيه على مهمات لا يُستغنى عن معرفتها، قال الله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ، ويأْمرونَ بالمَعْروفِ وَيَنْهَوْنَ عن المنكر

стр. 329

وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ) [آل عمران: ١٠٤] وقال تعالى: (خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بالعُرْفِ) [الأعراف: ١٩٩] وقال تعالى: (وَالمُؤْمِنُونَ والمُؤْمناتُ بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضٍ، يأْمُرُونَ بالمَعْرُوفِ وَيَنْهُونَ عَنِ المُنْكَرِ) [التوبة: ٧١] وقال تعالى: (كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ) [المائدة: ٧٩] والآيات بمعنى ما ذكرته مشهورة. ١٠١١ - وروينا في " صحيح مسلم " عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " مَنْ رأى مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فإنْ لَم يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذلكَ أضْعَفُ الإِيمَانِ ". ١٠١١ - وروينا في كتاب الترمذي عن حذيفة ﵁، عن النبي ﷺ قال: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بالمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ تَعالى أن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقاباً مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلا يُسْتَجَابَ لَكُمْ " قال الترمذي: حديث حسن. ١٠١٢ - وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه بأسانيد صحيحة عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: يا أيُّهَا النَّاسُ، إنكم تقرؤون هذه الآية: (يا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ) [المائدة: ١٠٥] وإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: " إِنَّ النَّاسَ إذَا رأوا الظَّالِمَ فَلَمْ يأخُذُوا على يَدَيْهِ أوْشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقابٍ مِنْهُ ". ١٠١٣ - وروينا في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: " أفْضَلُ الجهادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عنْدَ سُلْطَانٍ جائرٍ ". قال الترمذي: حديث حسن. قلت: والأحاديثُ في الباب أشهر من أن تُذكر، وهذه الآية الكريمة مما يَغترّ بها كثير من الجاهلين ويحملونها على غير وجهها، بل الصواب في معناها: أنكم إذا فعلتم ما أُمرتم به فلا يَضرّكم ضَلالةُ مَن ضلّ. ومن جملة ما أمروا به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والآية قريبة المعنى من قوله تعالى: (ما على الرَّسُولِ إِلاَّ البَلاغُ) [العنكبوت: ١٨] . واعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له شروط وصفات معروفة ليس هذا موضع بسطها، وأحسنُ مظانّها " إحياء علوم الدين "، وقد أوضحتُ مهماتها في شرح مسلم "، وبالله التوفيق.

стр. 330

(كتاب حفظ اللسان) قال الله تعالى: (وما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق: ١٨] وقال الله تعالى: (إنَّ رَبَّكَ لَبالمِرْصَادِ) [الفجر: ١٤] . وقد ذكرت ما يَسَّرَهُ الله من الأذكار المستحبة ونحوها فيما سبقَ، وأردتُ أن أضمَّ إليها ما يُكره أو يَحرم من الألفاظ ليكونَ الكتابُ جامعاً لأحكام الألفاظ، ومُبيِّناً أقسامَها، فأذكرُ من ذلك مقاصدَ يحتاج إلى معرفتها كلُّ متدين، وأكثرُ ما أذكره معروف، فلهذا أترك الأدلة في أكثره، وبالله التوفيق. فصل: اعلم أنه لكلّ مكلّف أن يحفظَ لسانَه عن جميع الكلام إلا كلاماً تظهرُ المصلحة فيه، ومتى استوى الكلامُ وتركُه في المصلحة، فالسنّة الإِمساك عنه، لأنه قد ينجرّ الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، بل هذا كثير أو غالب في العادة، والسلامة لا يعدلها شئ. ١٠١٤ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " من كان يؤمن باللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أوْ لِيَصْمُتْ " (١) . قلت: فهذا الحديث المتفق على صحته نصّ صريح في أنه لا ينبغي أن يتكلم إلا إذا كان الكلام خيراً، وهو الذي ظهرت له مصلحته، ومتى شكّ في ظهور المصلحة فلا يتكلم. وقد قال الإِمام الشافعي ﵀: إذا أراد الكلام فعليه أن يفكر قبل كلامه، فإن ظهرت المصلحة تكلَّم، وإن شكَّ لم يتكلم حتى تظهر. ١٠١٥ - وروينا في " صحيحيهما " عن أبي موسى الأشعري قال: قلتُ يا رسولُ الله، أيُّ المسلمين أفضلُ؟ قال: " مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسانِهِ وَيَدِهِ ". ١٠١٦ - وروينا في " صحيح البخاري " عن سهل بن سعد ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: " مَنْ يَضْمَنْ لي ما بينَ لَحْيَيْهِ وَما بينَ رِجْلَيْهِ، أضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ ". ١٠١٧ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي هريرة، أنه سمع النبي ﷺ يقول: " إِنَّ العَبْدَ يَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيها يَزِلُّ بِهَا إِلَى النَّارِ أبْعَد مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ " وفي رواية البخاري: " أبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ " مِن غيرِ ذِكْرِ " المغرب "، ومعنى يتبين: يتفكر في أنها خير أم لا. ١٠١٨ - وروينا في " صحيح البخاري " عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ

стр. 331

قال: " إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعالى ما يُلْقِي لَهَا بالاً، يَرْفَعُ اللَّهُ تَعالى بها دَرَجاتٍ، وَإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سَخْطِ اللَّهِ تَعالى لا يُلْقِي لَها بالاً يَهْوِي بِها في جَهَنَّمَ ". قلت: كذا في أصول البخاري " يَرْفَعُ اللَّهُ بِها دَرَجاتٍ " وهو صحيح: أي درجاته، أو يكون تقديره: يرفعه، ويُلقي، بالقاف. ١٠١٩ - وروينا في موطأ الإِمام مالك وكتابي الترمذي وابن ماجه عن بلال بن الحارث المزني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ الله تعالى ما كان يظن أن تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللَّهُ تَعالى لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إلى يَوْمِ يَلْقاهُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ تَعالى ما كانَ يظن أن تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللَّهُ تَعالى بِها سَخَطَهُ إلى يَوْمِ يَلْقَاهُ ". قال الترمذي: حديث حسن صحيح. ١٠٢٠ - وروينا في كتاب الترمذي والنسائي وابن ماجه عن سفيان بن عبد الله ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، حدّثني بأمر أعتصم به، قال: " قُلْ رَبِّيَ اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ "، قلت: يا رسول الله، ما أخوف ما يخاف عليّ، فأخذ بلسان نفسه ثم قال: " هَذَا " قال الترمذي: حديث حسن صحيح. ١٠٢١ - وروينا في كتاب الترمذي عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تُكْثِرُوا الكَلاَمَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، فإنَّ كَثْرَةَ الكَلامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى قَسْوَةٌ للْقَلْبِ، وَإنَّ أبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ تَعالى القَلْبُ القَاسِي " (١) . ١٠٢٢ - وروينا فيه عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ : " مَنْ وَقاهُ الله تَعالى شَرَّ ما بَيْنَ لَحْيَيْهِ، وَشَرَّ ما بَيْنَ رِجْلَيْهِ دَخَلَ الجَنَّةِ " قال الترمذي: حديث حسن. ١٠٢٣ - وروينا فيه عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قلت يا رسولَ الله ما النجاة؟ قال: " أمْسِكْ عَلَيْكَ لِسانَكَ وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ وَابْكِ على خَطِيئَتِكَ " قال الترمذي: حديث حسن. ١٠٢٤ - وروينا فيه عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إذَا أصْبَحَ ابْنُ آدَم فإنَّ الأعْضَاءَ كُلَّها تُكَفِّرُ اللِّسَانَ (٢) فَتَقُولُ: اتقِ اللَّهَ فِينا فإنما نَحْنُ بك، فإنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنا، وَإنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنا " (٣) .

стр. 332

١٠٢٥ - وروينا في كتاب الترمذي وابن ماجه عن أُمِّ حبيبة ﵂ عن النبي ﷺ " كُلُّ كَلامِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ لا لَهُ، إِلاَّ أمْراً بِمَعْرُوفٍ، وَنَهْياً عَنْ مُنْكَرٍ أوْ ذِكْراً لله تَعالى " (١) . ١٠٢٦ - وروينا في كتاب الترمذي عن معاذ ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني منَ النَّارِ، قال: " لَقَدْ سألْتَ عَنْ عظيم وإنه ليسير على مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ: تَعْبُدُ الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وَتَحُجُّ البَيْتَ، ثم قال: ألا أدُّلُّكَ على أبْوَابِ الخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ (٢) ، وَالصَّدَقَةُ تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، ثم تلا (تتجافى جنوبهم عن المضاجع) حتى بلغ (يعملون) " [الم السجدة: ١٦] ثم قال: " ألا أُخْبِرُكَ بِرأْس الأمْرِ، وعموده، وذروة سنامه؟ " قلت: بلى يا رسول الله، قال: " رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد " (٣) ، ثم قال: " ألا أخبرك بملاك ذلك كله " (٤) ؟ قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه ثم قال: " كُفَّ عَلَيْكَ (٥) هَذَا "، قلت: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: " ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ (٦) ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وُجُوهِهِمْ إِلاَّ حَصَائِدُ (٧) ألْسِنَتِهِمْ؟ " قال الترمذي: حديث حسن صحيح. قلت: الذِّروة بكسر الذال المعجمة وضمّها: وهي أعلاه. ١٠٢٧ - وروينا في كتاب الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: " منْ حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ " حديث حسن. ١٠٢٨ - وروينا في كتاب الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبيّ ﷺ

стр. 333

قال: " مَنْ صَمَتَ نَجا " إسناده ضعيف، وإنما ذكرته لأُبيِّنه لكونه مشهوراً (١) ، والأحاديث الصحيحة بنحو ما ذكرته كثيرة، وفيما أشرت به كفاية لمن وفّق، وسيأتي إن شاء الله في " باب الغيبة " جُمَل من ذلك، وبالله التوفيق. وأما الآثار عن السلف وغيرهم في هذا الباب فكثيرة، ولا حاجة إليها مع ما سبق، لكن ننبّه على عيونٍ منها، بلغنا أن قسَّ بن ساعدة وأكثم بن صيفي اجتمعا، فقال أحدهما لصاحبه: كم وجدت في ابن آدم من العيوب؟ فقال: هي أكثر من أن تُحصى، والذي أحصيتُه ثمانيةُ آلاف عيب، ووجدتُ خصلةً إن استعملتها سترتَ العيوبَ كلَّها، قال: ما هي: قال: حفظ اللسان. ١٠٢٩ - وروينا عن أبي عليّ الفُضيل بن عِياض ﵁ قال: مَنْ عَدّ كلامَه من عمله قلّ كلامُه فيما لا يعنيه، وقال الإِمامُ الشافعيُّ ﵀ لصاحبه الرَّبِيع (٢) : يا ربيعُ لا تتكلم فيما لا يعنيك، فإنك إذا تكلَّمتَ بالكلمة ملكتكَ ولم تملكها. ١٠٣٠ - وروينا عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ما من شئ أحق بطول السجن من اللسان. وقال غيرُه: مَثَلُ اللسان مَثَلُ السَّبُع إن لم تُوثقه عَدَا عليك. وروينا عن الأستاذ أبي القاسم القُشيري ﵀ في " رسالته " المشهورة قال: الصمتُ سلامةٌ، وهو الأصل، والسكوتُ في وقته صفةُ الرجال، كما أن النطق في موضعه أشرفُ الخصال، قال: سمعت أبا عليّ الدقاق ﵁ يقول: مَنْ سكتَ عن الحقّ فهو شيطانٌ أخرس. قال: فأما إيثار أصحاب المجاهدة السموتَ، فلِمَا علموا ما في الكلام من الآفات، ثم ما فيه من حظّ النفس وإظهار صفاتِ المدح، والميل إلى أن يتميزَ بين أشكاله بحسن النطق وغير هذا من الآفات، وذلك نعتُ أرباب الرياضة، وهو أحدُ أركانهم في حكم المنازلة وتهذيب الخلق. ومما أنشدوه في هذا الباب: احفظْ لسانَك أيُّها الإِنسانُ * لا يلدغنَّك إنه ثُعبانُ كم في المقابرِ من قتيلِ لسانِه * قد كانَ هابَ لقاءَه الشجعان

стр. 334

وقال الرِّيَاشِيُّ ﵀: لعمرُك إنَّ في ذنبي لَشُغْلاً * لِنَفْسِي عن ذنوب بني أُمَيَّة على ربِّي حِسَابُهمُ إليه * تَنَاهَى عِلمُ ذلكَ لا إِليَّهْ وليسَ بضائري ما قَدْ أتوْهُ * إذا ما اللَّه أصلحَ ما لديه (بابُ تحريم الغِيبَةِ والنَّمِيمَة) اعلم أن هاتين الخصلتين من أقبح القبائح وأكثرها انتشاراً في الناس، حتى ما يسلمُ منهما إلا القليل من الناس، فلعموم الحاجة إلى التحذير منهما بدأتُ بهما. فأما الغيبة: فهي ذكرُك الإِنسانَ بما فيه مما يكره، سواء كان في بدنه، أو دينه أو، دنياه أو نفسه، أو خَلقه، أو خُلقه، أو ماله، أو ولده، أو والده، أو زوجه، أو خادمه، أو مملوكه، أو عمامته، أو ثوبه، أو مشيته، وحركته وبشاشته وخلاعته، وعبوسه، وطلاقته، أو غير ذلك مما يتعلق به، سواء ذكرته بلفظك أو كتابك، أو رمزتَ، أو أشرتَ إليه بعينك، أو يدك، أو رأسك أو نحو ذلك. أما البدن، فكقولك: أعمى، أعرج، أعمش، أقرع، قصير، طويل أسود، أصفر. وأما الدِّيْنُ، فكقولك: فاسق، سارق خائن، ظالم، متهاون بالصلاة، متساهل في النجاسات، ليس بارّاً بوالده، لا يضعُ الزكاة مواضعَها، لا يجتنبُ الغيبة. وأما الدنيا: فقليلُ الأدب، يتهاونُ بالناس، لا يرى لأحد عليه حقاً، كثيرُ الكلام، كثيرُ الأكل أو النوم، ينامُ في غير وقته، يجلسُ في غير موضعه. وأما المتعلِّق بوالده، فكقوله: أبوه فاسق، أو هندي، أو نبطي، أو زنجي، إسكاف، بزاز، نخاس، نجار، حداد، حائك. وأما الخلق، فكقوله: سيئ الخلق، متكبّر، مُرَاء، عجول، جبَّار، عاجز، ضعيفُ القلب، مُتهوِّر، عبوس، خليع، ونحوه. وأما الثوب: فواسع الكمّ، طويل الذيل، وسخ الثوب ونحو ذلك، ويُقاس الباقي بما ذكرناه. وضابطُه: ذكرُه بما يكره. وقد نقل الإِمام أبو حامد الغزالي إجماع المسلمين على أن الغيبة: ذكرُك غيرَك بما يكرَهُ، وسيأتي الحديث الصحيح المصرِّح بذلك. وأما النميمة: فهي نقلُ كلام الناس بعضِهم إلى بعضٍ على جهةِ الإِفساد. هذا بيانهما. وأما حكمهما، فهما محرّمتان بإجماع المسلمين، وقد تظاهرَ على تحريمهما

стр. 335

الدلائلُ الصريحةُ من الكتاب والسنّة وإجماع الأمة، قال الله تعالى: (وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) [الحجرات: ١٢] وقال تعالى: (وَيْلٌ لِكُلّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) (١) [الهمزة: ١] وقال تعالى: (هَمَّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ) [القلم: ١١] . ١٠٣١ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ نَمَّامٌ ". ١٠٣٢ - وروينا في " صحيحيهما " عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ مرّ بقبرين، فقال: " إنَّهُما يُعَذَّبانِ ومَا يُعَذَّبانِ في كَبير " قال: وفي رواية البخاري: " بلى إنَّه كَبيرٌ، أمَّا أحَدُهُما، فَكانَ يَمْشِي بالنَّمِيمَةِ، وأما الآخَرُ، فَكانَ لا يَسْتَتِرُ (٢) مِنْ بَوْلِهِ ". قلتُ: قال العلماء: معنى " وما يُعذّبان في كبير " أي: في كبير في زعمهما، أو كبير تركه عليهما. ١٠٣٣ - وروينا في " صحيح مسلم " وسنن أبي داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " أتَدْرُونَ ما الغِيْبَةُ؟ " قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ، قال: " ذِكْرُكَ أخاكَ بِمَا يَكْرَهُ "، قيل: أفرأيتَ إنْ كانَ في أخي ما أقولُ، قال: " إنْ كانَ فِيهِ ما تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ما تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ " (٣) قال الترمذي: حديث حسن صحيح. ١٠٣٤ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي بكرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يوم النحر بِمنىً في حجة الوداع: " إنَّ دِماءَكُمْ وَأمْوَالكُمْ وأعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في بلدكم هَذَا ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟ ". ١٠٣٥ - وروينا في سنن أبي داود والترمذي عن عائشة ﵂ قالتْ: قلتُ للنبيّ ﷺ : حسبُك من صفيّة كذا وكذا " قال بعضُ الرواة: تعني قصيرة، فقال: " لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْهُ "، قالت: وحكيتُ له إنساناً (٤) فقال: " ما أُحِبُّ أني حَكَيْتُ إنساناً (٥) وأنَّ لي كَذَا وكَذَا " قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

стр. 336

قلتُ: مزجته: أي خالطته مخالطة يتغيرُ بها طعمُه أو ريحُه لشدّة نتنها وقبحها، وهذا الحديث من أعظم الزواجر عن الغيبة أو أعظمها، وما أعلم شيئاً من الأحاديث يبلغُ في الذمّ لها هذا المبلغ (وَمَا يَنْطقُ عَنِ الهَوَى إنْ هُوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوحَى) [النجم: ٣] نسألُ اللَّه الكريم لطفه والعافية مِنْ كُلّ مَكْرُوهٍ. ١٠٣٦ - وروينا في سنن أبي داود عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لَمَّا عُرِجَ بِي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أظْفارٌ مِنْ نُحاسٍ يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هؤُلاءِ يا جِبْرِيلُ؟ قال: هَؤُلاءِ الَّذينَ يأكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ وَيَقَعُونَ في أعْرَاضِهِمْ " (١) . ١٠٣٧ - وروينا فيه عن سعيد بن زيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إنَّ مِن أرْبَى الرّبا الاسْتِطالَةَ في عِرْضِ المُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقّ " (٢) . ١٠٣٨ - وروينا في كتاب الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ لا يَخونُهُ وَلا يَكْذِبُهُ وَلا يَخْذُلُهُ، كُلّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ حَرَامٌ عرْضُهُ، ومَالُهُ وَدَمُهُ، التَّقْوَى ها هنا، بحسب امرئ مِنَ الشر أنْ يَحْقِرَ أخاهُ المُسْلمَ " قال الترمذي: حديث حسن. قلتُ: ما أعظم نفع هذا الحديث وأكثر فوائده، وبالله التوفيق. (بابُ بيانِ مُهِمَّاتٍ تتعلّقُ بحدِّ الغِيبَة) قد ذكرنا في الباب السابق أن الغيبة: ذكرك الإِسان بما يكره، سواء ذكرته بلفظك أو فِي كِتابِكَ، أوْ رمزتَ أو أشرتَ إليه بعينك، أو يدك أو رأسك. وضابطُه: كلّ ما أفهمت به غيرك نقصان مسلم فهو غيبة محرّمة، ومن ذلك المحاكاة، بأن يمشي متعارجاً أو مُطَأْطِئاً أو على غير ذلك من الهيئات، مريداً حكاية هيئة من يَتَنَقَّصُهُ بذلك، فكلُّ ذلك حرام بلا خلاف، ومن ذلك إذا ذَكرَ مُصنفُ كتاب شخصاً بعينه في كتابه قائلاً: قال فلان كذا مريداً تنقيصه والشناعةَ عليه فهو حرام، فإن أرادَ بيانَ غلطه لئلا يُقلَّدَ، أو بيانَ ضعفه في العلم لئلا يُغترّ به ويُقبل قوله، فهذا ليس غيبة، بل نصيحة واجبة يُثاب عليها إذا أراد

стр. 337

ذلك، وكذا إذا قال المصنف أو غيره: قال قوم أو جماعة كذا، أو وهذا غلط أو خطأ أو جَهالة وغفلة ونحو ذلك فليس غيبة، إنما الغيبة ذكر الإِنسان بعينه أو جماعة معينين. ومن الغيبة المحرّمة قولك: فعل كذا بعضُ الناس، أو بعض الفقهاء، أو بعضُ من يَدّعي العلم، أو بعضُ المفتين، أو بعض مَن يُنسب إلى الصلاح أو يَدّعي الزهدَ، أو بعض مَن مرّ بنا اليوم، أو بعضَ مَن رأيناه، أو نحو ذلك إذا كان المخاطب يفهمه بعينه لحصول التفهيم. ومن ذلك غيبة المتفقهين والمتعبدين، فإنهم يعرضون بالغيبة تعريضاً يفهم به كما يفهم بالصريح، فيُقال لأحدهم: كيف حال فلان؟ فيقول: الله يُصلحنا، الله يغفر لنا، الله يُصلحه، نسأل الله العافية، نحمدُ الله الذي لم يبتلنا بالدخول على الظلمة، نعوذ بالله من الشرّ، الله يُعافينا من قلّة الحياء، الله يتوبُ علينا، وما أشبه ذلك مما يفهم تنقُّصه، فكل ذلك غيبة محرّمة، وكذلك إذا قال: فلان يُبتلى بما ابتلينا به كلُّنا، أو ماله حيلة في هذا، كلُّنا نفعلُه، وهذه أمثلة وإلا فضابط الغيبة: تفهيمك المخاطب نقص إنسان كما سبق، وكلُّ هذا معلوم من مقتضى الحديث الذي ذكرناه في الباب الذي قبل هذا عن " صحيح مسلم " وغيره في حدّ الغيبة، والله أعلم. فصل: اعلم أن الغيبة كما يحرم على المغتاب ذكرها، يحرم على السامع استماعها وإقرارها فيجب على من سمع إنسانا يبتدئ بغيبة محرّمة أن ينهاه إن لم يَخَفْ ضرراً ظاهراً، فإن خافه وجب عليه الإِنكارُ بقلبه ومفارقةُ ذلك المجلس إن تمكن من مفارقته، فإن قدر على الإِنكار بلسانه، أو على قطع الغيبة بكلام آخر، لزمه ذلك، إن لم يفعل عصى، فإن قال بلسانه: أسكتْ وهو يشتهي بقلبه استمرارُه، فقال أبو حامد الغزالي: ذلك نفاقٌ لا يخرجُه عن الإِثم، ولا بدّ من كراهته بقلبه، ومتى اضطرّ إلى المقام في ذلك المجلس الذي فيه الغيبة، وعجز عن الإِنكار، أو أنكر فلم يُقبل منه ولم يُمكنه المفارقة بطريق حرم عليه الاستماع والإِصغاء للغيبة، بل طريقه أن يذكرَ الله تعالى بلسانه وقلبه، أو بقلبه، أو يفكر في أمر آخر ليشتغل عن استماعها، ولا يضرّه بعد ذلك السماع من غير استماع وإصغاء في هذه الحالة المذكورة، فإن تمكن بعد ذلك من المفارقة وهم مستمرّون في الغيبة ونحوها، وجب عليه المفارقة، قال الله تعالى: (وَإِذَا رأيْتَ الَّذينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فأعْرِضْ عَنْهُمْ حتَّى يخوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ) [الأنعام: ٦٨] . وروينا عن إبراهيم بن أدهم ﵁ أنه دُعي إلى وليمة، فحضرَ، فذكروا

стр. 338

رجلاً لم يأتهم، فقالوا: إنه ثقيل، فقال إبراهيم: أنا فعلتُ هذا بنفسي حيثُ حضرتُ موضعاً يُغتاب فيه الناس، فخرج ولم يأكلْ ثلاثة أيام. ومما أنشدوه في هذا المعنى: وَسَمْعَكَ صُنْ عن سماعِ القبيحِ * كصَوْنِ اللسانِ عن النُّطْقِ بِهْ فإنَّكَ عندَ سماعِ القبيحِ * شريكٌ لقائِلِه فانتبِهْ (بابُ بَيانِ ما يَدْفَعُ به الغيبةَ عن نفسِه) اعلم أن هذا الباب له أدلةٌ كثيرةٌ في الكتاب والسنّة، ولكني أقتصرُ منه على الإِشارة إلى أحرف، فمن كان موفَّقاً انزجرَ بها، ومن لم يكن كذلك فلا ينزجر بمجلدات. وعمدة الباب أن يعرضَ على نفسه ما ذكرناه من النصوص في تحريم الغيبة، ثم يفكر في قول الله تعالى: (ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق: ١٨] وقوله تعالى: (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) [النور: ١٥] . ١٠٣٩ - وما ذكرناه من الحديث الصحيح " إنَّ الرَّجُل لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ الله تعالى ما يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم " وغير ذلك مما قدّمناه في " باب حفظ اللسان " " وباب الغيبة "، ويضمّ إلى ذلك قولهم: الله معي، الله شاهدي، الله ناظر إليّ. وعن الحسن البصري ﵀ أن رجلاً قال له: إنك تغتابني، فقال: ما بلغَ قدرُك عندي أن أحكِّمَكَ في حسناتي. وروينا عن ابن المبارك ﵀ قال: لو كنتُ مُغتاباً أحداً لاغتبتُ والديّ لأنهما أحقُّ بحسناتي. (بابُ بَيانِ ما يُبَاحُ مِن الغِيبَة) اعلم أنَّ الغيبةَ وإن كانت محرّمة فإنها تُباح في أحوال للمصلحة. والمُجوِّزُ لهَا غرض صحيح شرعي لا يمكن الوصولُ إليه إلا بها، وهو أحد ستة أسباب. الأوّل: التظلم، فيجوز للمظلوم أن يتظلَّم إلى السلطان والقاضي وغيرهما ممّن له ولاية أو له قدرة على إنصافه من ظالمه، فيذكرُ أن فلاناً ظلمني، وفعل بي كذا، وأخذ لي كذا، ونحو ذلك. الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر وردّ العاصي إلى الصواب، فيقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر: فلان يعملُ كذا فازجرْه عنه، ونحو ذلك، ويكون مقصوده التوصل إلى إزالة المنكر، فإن لم يقصد ذلك كان حراماً.

стр. 339

الثالث: الاستفتاء، بأن يقولَ للمفتي: ظلمني، أبي أو أخي، أو فلان بكذا، فهل له ذلك، أم لا؟ وما طريقي في الخلاص منه وتحصيل حقّي ودفع الظلم عني؟ ونحو ذلك. وكذلك قوله: زوجتي تفعلُ معي كذا، أو زوجي يفعلُ كذا، ونحو ذلك، فهذا جائز للحاجة، ولكن الأحوط أن يقول: ما تقولُ في رجل كان من أمره كذا، أو في زوج أو زوجة تفعلُ كذا، ونحو ذلك، فإنه يحصل به الغرض من غير تعيين، ومع ذلك فالتعيين جائز، لحديث هند الذي سنذكره إن شاء الله تعالى، وقولُها: " يا رسول الله، إن أبا سفيانَ رجلٌ شحيح.." الحديث، ولم ينهها رسولُ الله ﷺ . الرابع: تحذير المسلمين من الشرّ ونصيحتهم، وذلك من وجوه: منها جرح المجروحين من الرواة للحديث والشهود، وذلك جائز بإجماع المسلمين، بل واجب للحاجة. ومننها ما استشارك إنسان في مصاهرته، أو مشاركته، أو إيداعه، أو الإِيداع عنده، أو معاملته بغير ذلك، وجب عليك أن تذكر له ما تعلمه منه على جهة النصيحة، فإن حصل الغرض بمجرّد قولك لا تصلحُ لك معاملتُه، أو مصاهرُته، أو لا تفعلْ هذا، أو نحو ذلك، لم تجز الزيادةُ بذكر المساوئ وإن لم يحصل الغرض إلا بالتصريح بعينه فاذكره بصريحه. ومنها إذا رأيتَ مَن يشتري عبداً يعروف بالسرقة أو الزنا أو الشرب أو غيرها، فعليك أن تبيّن ذلك للمشتري إن لم يكن عالماً به، ولا يختصّ بذلك، بل كل من علم بالسلعة المبيعة عيباً وجب عليه بيانه للمشتري إذا لم يعلمه. ومنها إذا رأيت متفقهاً يتردَّدُ إلى مبتدعٍ أو فاسقٍ يأخذ عنه العلم خِفْتَ أن يتضرَّرَ المتفقّه بذلك، فعليك نصيحته ببيان حاله، ويُشترط أن يقصدَ النصيحةَ، وهذا مما يُغلَطُ فيه، وقد يَحملُ المُتكلمَ بذلك الحسدُ، أو يُلَبِّسُ الشيطانُ عليه ذلك، ويُخيَّلُ إليه أنه نصيحةٌ وشفقةٌ، فليتفطَّنْ لذلك. ومنها أن لا يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها، إما بأن لا يكون صالحاً لها، وإما بأن يكون فاسقاً أو مغفلاً ونحو ذلك، فيجب ذكر ذلك لمن له عليه ولاية عامة ليزيلَه ويُولِّي من يَصلحُ أو يعلم ذلك منه لتعامله بمقتضة حاله ولا يغترّ به، وأن يسعى في أن يحثَّه على الاستقامة أو يستبدل به. الخامس: أن يكون مُجاهراً بفسقه أو بدعته، كالمجاهر بشرب الخمر، أو مصادرة

стр. 340

الناس، وأخذ المُكس، وجباية الأموال ظلماً، وتولّي الأمور الباطلة، فيجوز ذكره بما يُجاهر به، ويحرم ذكره بغيره من العيوب، إلا أن يكون لجوازه سبب آخر مما ذكرناه. السادس: التعريف، فإذا كان الإِنسان معروفاً بلقب: كالأعمش، والأعرج، والأصمّ، والأعمى، والأحول، والأفطس، وغيرهم، جاز تعريفه بذلك بنيّة التعريف، ويحرمُ إطلاقُه على جهة التنقص ولو أمكن التعريف بغيره كان أولى. فهذه ستة أسباب ذكرها العلماء مما تُباح بها الغيبة على ما ذكرناه. وممّن نصّ عليها هكذا الإِمام أبو حامد الغزالي في " الإِحياء " وآخرون من العلماء، ودلائلُها ظاهرة من الأحاديث الصحيحة المشهورة، وأكثرُ هذه الأسباب مجمع على جواز الغيبة بها. ١٠٤٠ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن عائشة ﵂ أن رجلاً استأذنَ على النبيّ ﷺ فقال: " ائْذَنُوا لَهُ بِئْسَ أخُو العَشيرَةِ " احتجّ به البخاري على جواز غيبة أهل الفساد وأهل الرِّيَبِ. ١٠٤١ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن ابن مسعود ﵁ قال: قسمَ رسولُ الله ﷺ قسمةً، فقال رجلٌ من الأنصار: والله ما أرادَ محمدٌ بهذا وجهَ الله تعالى، فأتيتُ رسولَ الله ﷺ فأخبرتُه، فتغيَّرَ وجهُه وقال: " رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى لَقَدْ أُوذِيَ بأكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ " وفي بعض رواياته: " قال ابن مسعود: فقلتُ لا أرفعُ إليه بعد هذا حديثاً ". قلتُ: احتجّ به البخاري في إخبار الرجل أخاه بما يُقال فيه. ١٠٤٢ - روينا في " صحيح البخاري " عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " مَا أظُنُّ فُلاناً وَفُلاناً يَعْرِفانِ مِنْ دِينِنا شَيْئاً " قال الليث بن سعد أحد الرواة: كانا رجلين من المنافقين. ١٠٤٣ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن زيد بن أرقمَ ﵁ قال: " خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فأصابَ الناسَ فيه شدةٌ، فقال عبدُ الله بن أُبيّ: لا تُنفقوا على مَن عند رسول الله ﷺ حتى يَنْفَضُّوا من حوله، وقال: لئن رجعنَا إلى المدينة ليُخْرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، فأتيتُ النبيَّ ﷺ فأخبرتُه بذلك، فأرسلَ إلى عبد الله بن أُبيّ ... وذكر الحديث. وأنزل الله تعالى تصديقه: (إذَا جَاءَكَ المُنافِقونَ) [المنافقون: ١] .

стр. 341

١٠٤٤ م - وفي الصحيح حديث هند (١) امرأة أبي سفيان وقولها للنبي (٢) ﷺ : " إن أبا سفيان رجل شحيح ... " إلى آخره. ١٠٤٤ - وحديث فاطمة بنت قيس وقول النبيّ ﷺ لها: " أما معاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ (٣) ، وأمَّا أبُو جَهْمٍ فَلا يَضَع العَصَا عَنْ عاتِقِهِ " (٥) . (بابُ أمرِ منْ سَمعَ غيبةَ شيخِهِ أو صاحبهِ أو غيرهما بردها وإبطالها) اعلم أنه ينبغي لمن سمع غِيبةَ مسلم أن يردّها ويزجرَ قائلَها، فإن لم ينزجرْ بالكلام زجرَه بيده، فإن لم يستطع باليدِ ولا باللسان، فارقَ ذلكَ المجلس، فإن سمعَ غِيبَةَ شيخه أو غيره ممّن له عليه حقّ، أو كانَ من أهل الفضل والصَّلاح، كان الاعتناءُ بما ذكرناه أكثر. ١٠٤٥ - روينا في كتاب الترمذي عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: " مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أخِيهِ رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ القِيامَةِ " قال الترمذي: حديث حسن (٦) . ١٠٤٦ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " في حديث عِتبان - بكسر العين على المشهور، وحُكِي بضمِّها ﵁ في حديثه الطويل المشهور قال: " قام النبيّ ﷺ يُصلِّي، فقالوا: أين مالك بن الدُّخْشُم؟ فقال رجل: ذلك منافق لا يُحِبّ اللَّهَ ورسولَه، فقال النبيّ ﷺ : لا تَقُلْ ذلكَ، ألا تَرَاهُ قَدْ قالَ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، يُرِيدُ بِذلكَ وَجْهَ اللَّهِ؟ ". ١٠٤٧ - وروينا في " صحيح مسلم " عن الحسن البصري ﵀: أن عائذ بن

стр. 342

عمرو وكان من أصحاب رسول الله ﷺ دخلَ على عُبيد الله بن زياد فقال: أي بنيّ إني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: " إنَّ شَرَّ الرِّعَاء الحُطَمَةُ، فإيَّاكَ أنْ تَكُونَ مِنْهُمُ، فقال له: اجلسْ، فإنما أنتَ من نُخالة أصحابِ محمَّدٍ ﷺ ، فقال: وهل كانتْ لهم نخالةٌ: إنما كانت النُّخَالةُ بعدَهم وفي غيرِهم ". ١٠٤٨ - وروينا في " صحيحيهما " عن كعب بن مالك ﵁ في حديثه الطويل في قصة توبته قال: قال النبي ﷺ وهو جالسٌ في القوم بتبوك " ما فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ؟ " فقال رجلٌ من بني سَلمة: يا رسول الله حبسَه بُرداهُ والنظرُ في عِطْفَيْه، فقال له مُعاذُ بن جبل ﵁: بئسَ ما قلتَ، والله يا رسولَ الله ما علمنا عليه إلا خيراً، فسكتَ رسولُ الله ﷺ . قلت: سَلِمة بكسر اللام، وعِطْفاه: جانباه، وهو إشارة إلى إعجابه بنفسه. ١٠٤٩ - ورويناه في سنن أبي داود عن جابر بن عبد الله وأبي طلحة ﵃ قالا: قال رسول الله ﷺ : " ما من امرئ يخذل امرءا مُسْلِماً في مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضَهِ إِلاَّ خَذَلَهُ اللَّهُ في مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وما من امرئ يَنْصُرُ مُسْلِماً في مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، وَيُنْتَهَك فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إلا نَصَرَهُ اللَّهُ في مَوْطِنٍ يُحِب نُصْرَتَهُ " (١) . ١٠٥٠ - وروينا فيه عن معاذ بن أنس عن النبيّ ﷺ قال: " مَنْ حَمَى مُؤْمِناً مِنْ مُنافِقٍ - أُراه قال - بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مَلَكاً يَحْمِي لَحْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنْ نارِ جهنم، ومن رمى مسلما بشئ يُريدُ شَيْنَهُ حَبَسَهُ اللَّهُ على جِسْرِ جَهَنَّمَ حتَّى يَخْرُجَ مما قال ". (بابُ الغِيْبَةِ بالقَلْبِ) اعلم أن سوء الظنّ حرام مثل القول، فكما يحرم أن تحدّث غيرك بمساوئ إنسان، يحرم أن تحدّث نفسك بذلك وتسئ الظنّ به، قال الله تعالى: (اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ) [الحجرات: ١٢] . ١٠٥١ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فإنَّ الظَّنَّ أكْذِبُ الحَدِيثِ " والأحاديثُ بمعنى ما ذكرته

стр. 343

كثيرة، والمراد بذلك (١) عقد القلب (٢) وحكمُهُ على غيرك بالسوء، فأما الخواطر، وحديث النفس، إذا لم يستقرَّ ويستمرّ عليه صاحبُه فمعفوٌ عنه باتفاق العلماء، لأنه لا اختيارَ له في وقوعه، ولا طريقَ له إلى الانفكاك عنه. ١٠٥٢ - وهذا هو المراد بما ثبتَ في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: " إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَتَكَلَّم بِهِ أوْ تَعْمَلْ " (٣) . قال العلماء: المراد به الخواطر التي لا تستقرّ. قالوا: وسواءٌ كان ذلك الخاطِرُ غِيبة أو كفراً أو غيرَه، فمن خطرَ له الكفرُ مجرّد خَطَرٍ من غير تعمّدٍ لتحصيله، ثم صَرفه في الحال، فليس بكافر، ولا شئ عليه. وقد قدّمنا في " باب الوسوسة " في الحديث الصحيح أنهم قالوا: " يا رسولَ الله يجدُ أحدُنا ما يتعاظمُ أن يتكلَّمَ به، قال: ذلكََ صريحُ الإيمان " (٤) وغير ذلك مما ذكرناه هناك وما هو في معناه. وسببُ العفو ما ذكرناه من تعذّرٍ اجتنابه، وإنما الممكن اجتناب الاستمرار عليه فلهذا كان الاستمرار وعقد القلب حراما ومهما عرض لك هذا الخاطرُ بالغيبة وغيرها من المعاصي، وجبَ عليك دفعُه بالإِعراض عنه وذكر التأويلات الصارفة له عن ظاهره. قال الإِمام أبو حامد الغزالي في " الإِحياء ": إذا وقعَ في قلبك ظنّ السوء، فهو من وسوسة الشيطان يلقيه إليك، فينبغي أن تُكذِّبه فإنه أفسقُ الفسّاق، وقد قال الله تعالى: (إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا على ما فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) [الحجرات: ٧] فلا يجوز تصديق إبليس، فإن كان هناك قرينة تدل على فساد، واحتمل خلافه، لم تجز إساءة الظنّ، ومن علامة إساءة الظنّ أن يتغيَّر قلبُك معه عمّا كان عليه،

стр. 344

فتنفرُ منه وتستثقله وتفتر عن مراعاته وإكرامه والاغتمام بسيّئته، فإنَّ الشيطانَ قد يقرِّبُ إلى القلب بأدنى خيال مساوئ الناس، ويُلقي إليه: أن هذا من فطنتك وذكائك وسرعة تنبّهك، وإن المؤمن ينظر بنور الله، وإنما هو على التحقيق ناطقٌ بغرور الشيطان وظلمته، وإن أخبرَكَ عدلٌ بذلك، فلا تُصدِّقه ولا تكذبه لئلا تسئ الظنّ بأحدهما، ومهما خطرَ لك سوءٌ في مسلمٍ، فزِدْ في مراعاته وإكرامه، فإن ذلك يُغيظُ الشيطانَ ويدفعُه عنك فلا يُلقي إليك مثلَه خِيفةً من اشتغالك بالدعاء له، ومهما عرفتَ هفوةَ مسلم بحجّةٍ لا شكّ فيها، فالصحه في السرّ، ولا يخدعنَّك الشيطانُ فيدعوك إلى اغتيابِه، وإذا وعظتَهُ فلا تعِظْه وأنت مسرورٌ باطّلاعِك على نقصِه فينظرُ إليك بعين التعظيم وتنظرُ إليه بالاستصغار، ولكن اقصدْ تخليصَه من الإِثم وأنت حزينٌ كما تحزنُ على نفسك إذا دخلَك نقصٌ، وينبغي أن يكون تركُه لذلك النقص بغير وعظك أحبّ إليك من تركه بوعظك، هذا كلام الغزالي. قلت: قد ذكرنا أنه يجبُ عليه إذا عرضَ له خاطرٌ بسوء الظن أن يقطعَه، وهذا إذا لم تدعُ إلى الفكر في ذلك مصلحةٌ شرعية، فإذا دعتْ جازَ الفكرُ في نقيصته والتنقيب عنها كما في جرح الشهود والرواة وغير ذلك مما ذكرناه في " باب ما يباح من الغيبة ". (بابُ كَفَّارةِ الغيْبةِ والتَّوْبَةِ منها) اعلم أن كلَّ من ارتكب معصيةً لزمه المبادرةُ إلى التوبة منها، والتوبةُ من حقوق الله تعالى يُشترط فيها ثلاثة أشياء: أن يُقلع عن المعصية في الحال، وأن يندمَ على فعلها، وأن يَعزِمَ ألاّ يعود إليها. والتوبةُ من حقوق الآدميين يُشترط فيها هذه الثلاثة، ورابع: وهو ردّ الظلامة إلى صاحبها أو طلب عفوه عنها والإِبراء منها، فيجبُ على المغتاب التوبة بهذه الأمور الأربعة، لأن الغيبة حقّ آدمي، ولا بدّ من استحلاله مَن اغتابَه، وهل يكفيه أن يقول: قد اغتبتُك فاجعلني في حلّ، أم لا بُدَّ أن يبيّنَ ما اغتابه به؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي ﵏: أحدهما يُشترط بيانُه، فإن أبرأه من غير بيانه، لم يصحّ، كما لو أبرأه عن مال مجهول. والثاني لا يُشترط، لأن هذا مما يُتسامحُ فيه، فلا يُشترط علمه، بخلاف المال، والأوّل أظهرُ، لأن الإِنسانََ قد يسمحُ بالعفو عن غيبة دونَ غِيبة، فإن كان صاحبُ الغيبةِ ميّتاً أو غائباً فقد تعذّرَ تحصيلُ البراءة منها، لكن قال العلماء: ينبغي أن يُكثرَ من الاستغفار له والدعاء ويُكثر من الحسنات.

стр. 345

واعلم أنه يُستحبّ لصاحب الغِيبة أن يبرئه منها ولا يجبُ عليه ذلك لأنه تبرّعٌ وإسقاطُ حقّ، فكان إلى خِيرته، ولكن يُستحبّ له استحباباً متأكداً الإِبراء ليخلِّصَ أخاه المسلم من وبال هذه المعصية، ويفوزَ هو بعظيم ثواب الله تعالى في العفو ومحبة الله ، قال الله تعالى: (وَالكاظِمِينَ الغَيْظَ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهِ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ) [آل عمران: ١٣٤] وطريقهُ في تطبيب نفسه بالعفو أن يذكِّرَ نفسَه أنَّ هَذَا الأمْرَ قد وقعَ، ولا سبيلَ إلى رفعه، فلا ينبغي أن أُفوِّتَ ثوابَه وخلاصَ أخي المسلم، وقد قال الله تعالى: (وَلمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِن ذلكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمُورِ) [الشورى: ٤٣] وقال تعالى: (خُذِ العَفْوَ ... ) الاية [الأعراف: ١٩٩] . والآيات بنحو ما ذكرنا كثيرة. ١٠٥٣ - وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: " وَاللَّهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْن أخيه " (١) وقد قال الشافعي ﵀: من اسْتُرضي فلم يرضَ فهو شيطان. وقد أنشد المتقدّمونَ: قيلَ لي قد أساءَ إليك فلانٌ * ومُقام الفَتَى على الذُّلِّ عَارُ قلتُ: قدْ جاءَنَا وأحْدَثَ عُذْراً * دِيةُ الذنبِ عِندنَا الاعْتذَارُ فهذا الذي ذكرناهُ من الحثَ على الإِبراء عن الغيبة هو الصواب. وأما ما جاء عن سعيد بن المسيب أنه قال: لا أُحَلِّلُ مَن ظلمني. وعن ابن سيرين: لم أُحرّمها عليه فأُحلِّلُهَا له، لأن الله تعالى حرّم الغيبةَ عليه، وما كنتُ لأُحَلِّلَ ما حرّمه الله تعالى أبداً، فهو ضعيفٌ أو غلطٌ، فإن المبرئ لا يحلِّلُ محرّماً، وإنما يُسقط حقاً ثبتَ له، وقد تظاهرت نصوصُ الكتاب والسنّة على استحباب العفو وإسقاط الحقوق المختصّة بالمسقِط، أو يُحمل كلامُ ابن سيرين على أني لا أُبيح غيبتي أبداً، وهذا صحيح فإن الإِنسانَ لو قال: أبحتُ عرضي لمن اغتابني لم يَصرْ مباحاً، بل يَحرمُ على كل أحد غيبة غيره. ١٠٥٤ - وأما الحديث: " أيَعْجِزُ أحَدُكُمْ أنْ يَكُونَ كأبِي ضَمْضَمٍ كانَ إذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قالَ إِنِّي تَصَدَّقْتُ بِعِرْضِي على النَّاسِ " (٢) فمعناه: لا أطلبُ مَظلمتي ممّن ظلمني لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا يَنفعُ في إسقاط مَظلمة كانت موجودة قبل الإِبراء. فأما يحدثُ بعدَه، فلا بدّ من إبراء جديد بعدَها، وبالله التوفيق.

стр. 346

(بابٌ في النميمة) قد ذكرنا تحريمها ودلائلَها وما جاء في الوعيد عليها، وذكرنَا بيانَ حقيقتها، ولكنه مختصرٌ، ونزيدُ الآن في شرحه. قال الإِمام أبو حامد الغزالي ﵀: النميمةُ إنما تُطلق في الغالب على مَن يَنمُّ قولَ الغير إلى المقول فيه، كقوله: فلان يقولُ فيك كذا، وليست النميمةُ مخصوصةً بذلك، بل حدّها كشف ما يكره كشفُه، سواء كرهه المنقول عنه، أو المنقول إليه، أو ثالث، وسواء كان الكشفُ بالقول أو الكتابة أو الرمز أو الإِيماء أو نحوها، وسواء كان المنقولُ من الأقوال أو الأعمال، وسواء كان عيباً أو غيره، فَحَقِيْقَةُ النميمة: إفشاءُ السرّ، وهتكُ الستر عمّا يُكره كشفُه، وينبغي للإِنسان أن يسكتَ عن كلِّ ما رآهُ من أحوال الناس إلا ما في حكايته فائدةٌ لمسلم أو دفعُ معصية، وإذا رآهُ يُخفي مالَ نفسه فذكره، فهو نميمة. قال: وكلُّ مَنْ حُمِلت إليه نميمة وقيل له: قال فيك فلان كذا، لزمه ستة أمور: الأول: أن لا يصدقه، لأن النَّمامَ فاسقٌ، وهو مردود الخبر. الثاني: أن ينهاه عن ذلك وينصحه ويقبّح فعله. الثالث: أن يبغضَه في الله تعالى، فإنه بغيض عند الله تعالى، والبغضُ في الله تعالى واجب. الرابع: أن لا يظنّ بالمنقول عنه السوء، لقول الله تعالى: (اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظنّ) [الحجرات: ١٢] . الخامس: أن لا يحملَك ما حُكي لك على التجسس والبحث عن تحقيق ذلك، قال الله تعالى: (ولا تَجَسَّسُوا) [الحجرات: ١٢] . السادس: أن لا يرضى لنفسه ما نهى النمّامَ، عنه فلا يحكي نميمته. وقد جاء أن رجلاً ذَكَرَ لعمرَ بن عبد العزيز ﵁ رجلاً بشئ، فقال عمر: إن شئتَ نظرنَا في أمرك، فإن كنتَ كاذباً فأنتَ من أهل هذه الآية: (إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبإ فَتَبَيَّنُوا) [الحجرات: ٦] وإن كنتَ صادقاً، فأنتَ من أهل هذه الآية: (هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بنَمِيمٍ) [القلم: ١١] وإن شئتَ عفونا عنك، قال: العفو يا أميرَ المؤمنين لا أعودُ إليه أبداً. ورفع إنسانٌ رُقعةً إلى الصاحب بن عبّاد يحثُّه فيها على أخذ مال يتيم وكان مالاً كثيراً، فكتبَ على ظهرها: النميمةُ قبيحةٌ وإن كانت صحيحةً، والميّتُ ﵀، واليتيمُ جبرَه الله، والمالُ ثَمَّرَهُ الله، والساعي لعنه الله.

стр. 347

(بابُ النهي عن نَقْلِ الحَديثِ إلى وُلاةِ الأُمور إذا لم تَدْعُ إليه ضرورةٌ لخوفِ مَفْسدةٍ ونحوِهَا) ١٠٥٥ - روينا في كتابي أبي داود والترمذي عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يُبَلِّغْني أحَدٌ منْ أصْحابِي عَنْ أحَدٍ شَيْئاً، فإني أُحِبُّ أنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وأنا سَلِيمُ الصدر " (١) . (بابُ النَّهي عن الطعن في الأَنْسَابِ الثَّابتةِ في ظاهِر الشَّرْعِ) قال الله تعالى: (وَلاَ تقف ما لَيْسَ لَكَ به علم إن السمع والبصر والفؤاد كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عنه مَسْؤُولاً) [الإِسراء: ٣٦] . ١٠٥٦ - وروينا في " صحيح مسلم " عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " اثْنَتانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ في النَّسَبِ، وَالنِّياحَةُ على المَيِّتِ ". (بابُ النّهي عن الافْتِخَار) قال الله تعالى: (فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ هُوَ أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) [النجم: ٣٣] . ١٠٥٧ - وروينا في " صحيح مسلم " وسنن أبي داود وغيرهما عن عياض بن حِمار الصحابي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحَى إليَّ أنْ تَوَاضَعُوا حتَّى لا يَبْغيَ أحَدٌ على أحَدٍ، وَلا يَفْخَرَ أحَدٌ على أحَدٍ ". (بابُ النهي عن إظهار الشماتة بالمسلم) ١٠٥٨ - روينا في كتاب الترمذي عن واثلةَ بن الأسقع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تُظْهِرِ الشَّماتَةَ لأخِيكَ فَيَرْحَمُهُ اللَّهُ وَيَبْتَلِيكَ " قال الترمذي: حديث حسن (٢) .

стр. 348

(بابُ تَحريمِ احْتِقار المسلمينَ والسُّخْرِيةِ منهم) قال الله تعالى: (الَّذِينَ يلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقَاتِ وَالَّذينَ لا يَجدُونَ إلا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ) [التوبة: ٧٩] . وقال تعالى: (يا أيُّها الَّذين آمَنُوا لا يَسخَرُ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسَى أنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ وَلا تَابَزُوا بالألْقابِ) الآية [الحجرات: ١١] . وقال تعالى: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) [الهمزة: ١] . وأما الأحاديث الصحيحةُ في هذا الباب فأكثرُ من أن تُحصر، وإجماعُ الأمة منعقدٌ على تحريم ذلك، والله أعلم. ١٠٥٩ - وروينا في " صحيح مسلم " عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تَحاسَدُوا، وَلا تَناجَشُوا، وَلا تَباغَضُوا، ولا تدابروا، ولا يَبْغِ بَعْضُكُمْ على بَعْضٍ، وكُونُوا عِبادَ اللَّهِ إخْواناً، المُسلِمُ أخُو المُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ، وَلا يَخْذُلُهُ وَلا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنا - ويشيرِ إلى صدره ثلاثَ مرات - بحسب امرئ مِنَ الشَّرّ أنْ يَحْقِرَ أخاهُ المُسْلِمَ، كُلُّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ ومَالُهُ وَعِرْضُهُ ". قلتُ: ما أعظم نفع هذا الحديث وأكثر فوائده لمن تدبره. ١٠٦٠ - وروينا في " صحيح مسلم " عن ابن مسعود ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: " لا يَدْخُل الجَنَّةَ مَنْ [كان] في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، فقال رجلٌ: إن الرجلَ يُحبّ أن يكون ثوبُه حسناً ونعلُه حسنةً، قال: إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ ". قلتُ: بَطر الحقّ، بفتح الباء والطاء المهملة وهو دفعه وإبطاله، وغمطٌ بفتح الغين المعجمة وإسكان الميم وآخره طاء مهملة، ويروى غمص، بالصاد المهملة ومعناهما واحد وهو الاحتقار.

стр. 349

(بابُ غِلَظِ تحريمِ شَهادةِ الزُّور) قال الله تعالى: (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) [الحج: ٣٠] وقال تعالى: (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عَنْهُ مَسْؤُولاً) [الإِسراء: ٣٦] . ١٠٦١ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي بكرة نُفيع بن الحارث ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ألا أُنَبِّئُكُمْ بأكْبَرِ الكَبائرِ؟ - ثلاثاً - قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإِشْرَاكُ باللَّهِ، وَعُقُوقُ الوالِدَيْنِ " وكان متكئاً فجلسَ فقال: " ألا وَقَوْلُ الزُّور، وَشَهادَةُ الزُّورِ " فما زال يُكرّرها حتى قلنا: ليته سكت ". قلت: والأحاديثُ في هذا الباب كثيرة، وفيما ذكرته كفاية، والإِجماع منعقد عليه. (بابُ النهي عن المَنِّ بالعَطِيَّةِ ونحوِها) قال الله تعالى: (يا أيُّها الَّذين آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بالمَنِّ وَالأذَى) [البقرة: ٢٦٤] قال المفسرون: أي لا تُبطلوا ثوابَها. ١٠٦٢ - وروينا في " صحيح مسلم " عن أبي ذرّ ﵁ عن النبي ﷺ قال: " ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلا يُزَكِّيهمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: فقرأها رسولُ الله ﷺ ثَلاثُ مَرَّاتٍ، قال أبو ذرّ: خابُوا وخَسِروا مَن هم يا رسولَ الله؟ قال: المُسْبِلُ (١) ، وَالمَنَّانُ، وَالمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بالحلف الكاذب ". (بابُ النَّهي عن اللَّعْن) ١٠٦٣ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن ثابت بن الضحَّاك ﵁ وكان من أصحاب الشجرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لَعْنُ المُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ ". ١٠٦٤ - وروينا في " صحيح مسلم " عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أنْ يَكُونَ لَعَّاناً ". ١٠٦٥ - وروينا في " صحيح مسلم " أيضاً عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعاءَ وَلا شُهَدَاءَ يَوْمَ القِيامَةِ ". ١٠٦٦ - وروينا في سنن أبي داود والترمذي عن سَمُرة بن جندب ﵁

стр. 350

قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تَلاعَنُوا بِلَعْنَةِ اللَّهِ وَلا بِغَضَبِهِ وَلا بالنَّارِ " قال الترمذي: حديث حسن صحيح. ١٠٦٧ - وروينا في كتاب الترمذي عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لَيْسَ المُؤْمِنُ بالطَّعَّانِ ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذئ " قال الترمذي: حديث حسن (٢) . ١٠٦٨ - وروينا في سنن أبي داود عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إنَّ العَبْد إذَا لَعَنَ شَيْئاً صَعِدَتِ اللَّعْنَةُ إلى السَّماءِ فَتُغْلَقُ أبْوَابُ السَّماءِ دُونَهَا، ثمَّ تَهْبِطُ إلى الأرْضِ فَتُغْلَقُ أبْوَابُها دُونَها، ثُمَّ تأخُذُ يَمِيناً وَشِمالاً، فإذَا لَمْ تَجِدْ مَساغاً رَجَعَتْ إلى الَّذي لُعِنَ، فإن كان أهْلاً لِذَلِكَ وَإِلاَّ رَجَعَتْ إلى قائِلِها " (٣) . ١٠٦٩ - وروينا في كتابي أبي داود والترمذي عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: " مَنْ لَعَنَ شَيْئاً لَيْسَ بأهْلٍ رَجَعَتِ اللَّعْنَة عَلَيْهِ " (٤) . ١٠٧٠ - وروينا في " صحيح مسلم " عن عمران بن الحصين ﵄، قال: بينما رسول الله ﷺ في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة فَضَجِرَتْ فلعنتها، فسمعَها رسولُ الله ﷺ فقال: " خُذُوا ما عَلَيْها وَدَعُوها فإنَّها مَلْعُونَةٌ ". قال عمران: فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يَعرض لها أحد. قلت: اختلفَ العلماءُ في إسلام حصين والد عمران وصحبته، والصحيح إسلامه وصحبته، فلهذا قلت ﵄. ١٠٧١ - وروينا في " صحيح مسلم " أيضاً عن أبي برزة ﵁ قال: " بينما جاريةٌ على ناقةٍ عليها بعضُ متاع القوم، إذ بصرتْ بالنبيّ ﷺ وتضايقَ بهم الجبلُ، فقالت: حَلْ اللَّهمّ العنها، فقالَ النبيُّ ﷺ : " لا تُصَاحِبُنا ناقَةٌ عَلَيْها لَعْنَةٌ " وفي رواية: " لا تُصَاحِبُنا رَاحِلَةٌ عَلَيْها لَعْنَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ".

стр. 351

قلت: حَلْ بفتح الحاء المهملة وإسكان اللام، وهي كلمة تزجر بها الإِبل. فصل: في جواز لعن أصحاب المعاصي غير المعينين والمعروفين ١٠٧٢ - ثبت في الأحاديث الصحيحة المشهورة، أن رسول الله ﷺ قال: " لَعَنَ اللَّهُ الواصلة والمستوصلة ... " الحديث. ١٠٧٢ - وأنه قال: " لَعَنَ اللَّهُ آكِلَ الرّبا ... " الحديث. ١٠٧٢ - وأنه قال: " لَعَنَ اللَّهُ المُصَوِّرِينَ ... " ١٠٧٢ - وأنه قال: " لَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنارَ الأرض ... " ١٠٧٢ - وأنه قال " لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ البَيْضَةَ ". ١٠٧٢ - وأنه قال: " لَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ الله ". ١٠٧٢ - وأنه قال " مَنْ أحْدَثَ فِينا حَدَثاً، أوْ آوَى مُحْدِثاً، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أجمعين ". ١٠٧٢ - وأنه قال: " اللَّهُمَّ الْعَنْ رِعْلاً وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ عَصَتِ الله ورسوله "، وهذه ثلاث قبائل من العرب. ١٠٧٣ - وأنه قال: " لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ حُرّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فجمَلُوها فَباعُوها " وأنه قال: " لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ مساجد "، وأنه قال: " لَعَنَ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال " وجميع هذه الألفاظ في " صحيحي البخاري ومسلم " بعضها فيهما، وبعضها في أحدهما، وإنما أشرتُ إليها ولم أذكر طرقها للاختصار. ١٠٧٤ - وروينا في " صحيح مسلم " عن جابر، أن النبيَّ ﷺ رأى حِماراً قد وُسِمَ في وجهه فقال: " لَعَنَ اللَّهُ الَّذي وَسَمَهُ ". ١٠٧٥ - وفي " الصحيحين " أن ابن عمر ﵄ مرَّ بفتيان من قُريش قد نَصبوا طيراً وهم يرمونه فقال ابن عمر: لعن الله من فعلَ هذا، إن رسول الله ﷺ قال: " لَعَنَ اللَّهُ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئاً فِيهِ الروح غرضا ". فصل: اعلم أن لعن المسلم المصون حرامٌ بإجماع المسلمين، ويجوزُ لعنُ أصحاب الأوصاف المذمومة كقولك: لعن الله الظالمين، لعن الله الكافرين، لعن الله اليهود والنصارى، ولعن الله الفاسقين، لعن الله المصوّرين، ونحو ذلك مما تقدَّم في الفصل السابق.

стр. 352

وأما لعن الإِنسان بعينه ممّن اتَّصَفَ بشئ من المعاصي (١) كيهودي، أو نصراني، أو ظالم، أو زانٍ أو مصوّرٍ، أو سارقٍ، أو آكلِ ربا، فظواهر الأحاديث أنه ليس بحرام. وأشارَ الغزالي إلى تحريمه إلا في حقّ مَن عَلِمْنَا أنه مات على الكفر، كأبي لهب، وأبي جهل، وفرعونَ وهامانَ، وأشباههم، قال: لأن اللعن هو الإِبعاد عن رحمة الله تعالى، وما ندري ما يُتم به لهذا الفاسق أو الكافر، قال: وأما الذين لعنَهم رسولُ الله ﷺ بأعيانهم، فيجوزُ أنه ﷺ عَلِمَ موتَهم على الكفر، قال: ويقربُ من اللعن الدعاء على الإِنسان بالشرّ حتى الدعاء على الظالم، كقول الإِنسان: لا أصحَّ الله جسمَه، ولا سلَّمه الله، وما جرى مجراه، وكلُّ ذلك مذمومٌ. وكذلك لعنُ جميع الحيوانات والجمادات، فكلُّه مذموم. فصل: حكى أبو جعفرُ النحاس عن بعض العلماء أنه قال: إذا لعن الإِنسانُ ما لا يستحقّ اللعن، فليبادرْ بقوله: إلاّ أن يكون لا يستحقّ (٢) . فصل: ويجوزُ للآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر، وكلّ مؤدِّب أن يقول لمن يخاطبه في ذلك الأمر: ويلك، أو يا ضعيفَ الحال، أو يا قليلَ النظر لنفسه، أو يا ظالمَ نفسه، وما أشبه ذلك بحيث لا يتجاوز إلى الكذب، ولا يكون فيه لفظُ قذفٍ، صريحاً كان أو كنايةً، أو تعريضاً، ولو كان صادقاً في ذلك، وإنما يجوزُ ما قدَّمناه، ويكون الغرضُ منه التأديب والزجر، وليكونَ الكلامُ أوقعَ في النفس. ١٠٧٦ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أنس ﵁ " أن النبي ﷺ رأى رجلاً يسوقُ بدنةً، فقال: " ارْكَبْها " (٣) ، فقال: إنها بدنة، قال: ارْكَبْها، قال: إنها بدنة،

стр. 353

قال في الثالثة: ارْكَبْها وَيْلَك " (١) . ١٠٧٧ - وروينا في " صحيحيهما " عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ وهو يَقسم قَسْماً، أتاه ذو الخويصرة (٢) ، رجلٌ من بني تميم، فقال: يا رسول الله اعدل، فقال رسول الله ﷺ : " وَيْلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أعْدِلْ ". ١٠٧٨ - وروينا في " صحيح مسلم " عن عديّ بن حاتم ﵁، أن رجلاً خطبَ عندَ رسول الله ﷺ فقال: مَنْ يُطع الله ورسولَه فقد رشدَ، ومَنْ يعصهِمَا فقد غوى، فقال رسول الله ﷺ : " بِئْسَ الخَطِيبُ أنْتَ، قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ " (٣) . ١٠٧٩ - وروينا في " صحيح مسلم " أيضاً عن جابر بن عبد الله ﵄، أن عبداً لحاطب (٤) ﵁ جاء رسول الله ﷺ يشكو حاطباً فقال: يا رسولَ الله ليدخلنّ حاطبٌ النَّارَ، فقال رسول الله ﷺ : " كَذَبْتَ لا يَدْخُلُها، فإنَّهُ شَهِدَ بَدْراً وَالحُدَيْبِيَةَ ". ١٠٨٠ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " قولَ أبي بكر الصديق ﵁ لابنه عبد الرحمن حين لم يجده عشَّى أضيافه: يا غنثر، وقد تقدم بيان هذا الحديث في " كتاب الأسماء " (٥) . ١٠٨١ - وروينا في " صحيحيهما ": أن جابراً صلَّى في ثوب واحد وثيابه موضوعة

стр. 354

عنده، فقيل له: فعلتَ هذا؟ فقال: فعلته ليراني الجهّالُ مثلكُم، وفي رواية: ليراني أحمق مثلك. (بابُ النَّهي عن انتهارِ الفُقَراءِ والضُّعَفاءِ واليتيم والسَّائلِ ونحوهم، وإلانةُ القوْل لهم والتواضعُ معهم) قال الله تعالى: (فأمَّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ، وأمَّا السَّائلَ فَلا تَنْهَرْ) [الضحى: ٩ - ١٠] وقال تعالى: (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) ... إلى قوله تعالى: (فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) [الأنعام: ٥٢] وقال تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) [الكهف: ٢٨] وقال تعالى: (وَاخْفِضْ جَناحَكَ للِمُؤْمِنِينَ) [الحجر: ٨٨] . ١٠٨٢ - وروينا في " صحيح مسلم " عن عائذ بن عمرو - بالذال المعجمة - الصحابي ﵁: أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر، فقالوا: ما أخذتْ سيوفُ الله من عنق عدوّ الله مأخذها، فقال أبو بكر ﵁: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدِهم، فأتى النبيَّ ﷺ فأخبره، فقال: " يا أبا بَكْرٍ لَعَلَّكَ أغْضَبْتَهُمْ؟ لَئِنْ كُنْتَ أغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أغْضَبْتَ رَبَّكَ " (١) ، فأتاهم فقال: يا إخوتاه أغضبتُكم؟ فقالوا: لا. قلت: قولهم مأخذَها، بفتح الخاء: أي لم تستوفِ حقها من عنقه لسوء فعاله. (بابٌ في ألفاظٍ يُكرهُ استعمالُها) ١٠٨٣ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن سهل بن حُنيف، وعن عائشة ﵄ عن النبي ﷺ قال: " لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ خَبُثَتْ نَفْسِي، وَلَكِنْ لِيَقُلْ لَقِسَتْ نَفْسِي ". ١٠٨٤ - وروينا في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: " لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ جاشَتْ نَفْسِي، وَلَكِنْ لِيَقُلْ لَقِسَتْ نَفْسِي ". قال العلماء: معنى لَقِسَتْ وجاشت (٢) : غثت، قالوا: وإنما كُرِه " خبثت " للفظ الخبث والخبث. قال الإِمام أبو سليمان الخطابي: لقست وخبثت معناهما واحد، وإنما كُره خبث

стр. 355

للفظ الخبث (١) ، وبشاعة الاسم منه، وعلَّمهم الأدب في استعمال الحسن منه، وهجران القبيح، و " جاشت " بالجيم والشين المعجمة، و " لقست " بفتح اللام وكسر القاف. فصل: ١٠٨٥ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " يَقُولُونَ الكَرْمَ (٢) إنَّمَا الكَرْمُ قَلْبُ المؤْمِنِ " وفي رواية لمسلم " لا تُسَمُّوا العِنَب الكَرْمَ، فإنَّ الكَرْمَ المُسْلِمُ " وفي رواية " فإنَّ الكَرْمَ قَلْب المُؤْمِنِ " (٣) . ١٠٨٦ - وروينا في " صحيح مسلم " عن وائلَ بن حِجر ﵁ عن النبي ﷺ قال: " لا تَقُولُوا الكَرْمَ، وَلَكِنْ قُولُوا العِنَبَ والحَبَلَةَ ". قلت: الحَبَلة بفتح الحاء والباء، ويُقال أيضاً بإسكان الباء، قاله الجوهري وغيرُه، والمراد من هذا الحديث النهي عن تسمية العنب كرماً، وكانت الجاهليةُ تسمّيه كرماً، وبعضُ الناس اليوم تُسمّيه كذلك، ونهى النبيّ ﷺ عن هذه التسمية، قال الإِمام الخطابي وغيره من العلماء: أشفق النبيُّ ﷺ أن يدعوهم حسنُ اسمها إلى شربِ الخمر المتخذة من ثمرها، فسلبَها هذا الاسم، والله أعلم. فصل: ١٠٨٧ - روينا في " صحيح مسلم " عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إِذَا قالَ الرَّجُلُ هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أهْلَكُهُمْ ".
следующие страницы →