← Общие книги

Общие книги · id 1976

عوامل النصر والتمكين في دعوات المرسلين

أحمد بن حمدان الشهري

Полный текст (211 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الحالة الثانية: زيادة إيمان المؤمن وتكميل إيمانه ونفي الارتياب ودخائل الشكوك عنه فيبلغ بمعاينة المعجزة ومعايشتها درجة اليقين، وهذا من جنس قوله - تعالى -: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ (١) . وهو كذلك من جنس قوله - تعالى - في إبراهيم - عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام -: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ... الآية (٢) .

стр. 107

الحالة الثالثة: التي تنتج بعد حصول المعجزة فهي حالة زيادة الكفر والجحود والغطرسة - رغم قيام الحجة بالمعجزة - من الكفار الذين لم يؤمنوا واتبعوا أهواءهم، رغم أنهم قد علموا أنها حق وازدادوا يقينًا في دواخل أنفسهم؛ لأنها صدق لا ريب فيه تشهد على صدق النبي وأنه مرسل من الله، ولكن استكبارًا وجحودًا وبغيًا بغير الحق، فيؤدي وقوع المعجزة ووقوع هذا الحال منهم تجاهها إلى قيام الحجة الموجب لحلول العذاب المباشر، كما قال على لسان نبي الله موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام وهو يرد على جحود فرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ (١) . ولقد استقر الحال على سنة من الله ثابتة لا تتغير وهي أن المعجزة حين تحدث ثم يكفر ويكذب بها فإن العذاب ينزل مباشرة بالمكذبين ولا يمهلون.

стр. 108

عن ابن عباس ﵁ قال: «سأل أهل مكة النبي ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، وأن ينحي الجبال عنهم، فيزرعون، فقيل له: إن شئت أن تستأني، وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت من قبلهم. قال: لا بل استأني بهم، فأنزل الله هذه الآية ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ (١) » [رواه أحمد والنسائي والحاكم وقال صحيح الإسناد (٢) ] .

стр. 109

العامل السابع مسايرة الوضع الملائم في حدود مرضاة الله (الحكمة في الدعوة) مسايرة الوضع الملائم في حدود مرضاة الله تلك قضية بارزة نراها بجلاء في دعوات الأنبياء التي ذكر الله في كتابه أطوار تمكينها ومراحل انتقالها من الضعف إلى القوة، مثل دعوة نبي الله موسى ونبينا محمد ﷺ ، ومسايرة الوضع الأنسب والملائم والموافق لرضا الله تبرز في تلك الدعوات من خلال ما كان يربها به الرب - سبحانه - من أوامر وتوجيهات. كانت تأتي تلك الأوامر والتوجيهات لجماعة أهل الإيمان بما يجعلها في أمان من الصدام والذي ينسفها أو يخضد شوكتها وهي لا زالت في حالة من ضعف، مما يجعلنا نرى تلك العناية والرعاية الربانية جلية واضحة مسايرة وملائمة لبقاء الدعوة وأفرادها من الاجتياح الكاسر الغاشم، وخير مثال لذلك ما كان ﵊ من الاستسرار بالدعوة وعرضها على من يثق به ويطمئن إليه حتى جاءه بعد ثلاث سنوات من تلك الحال قوله - تعالى -: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١) .

стр. 110

قال أبو عبيدة عن عبد الله بن مسعود ﵁: (ما زال النبي ﷺ مستخفيًا حتى نزلت ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ فخرج هو وأصحابه) (١) . وهذه رعاية إلهية ظاهرٌ دورها في خدمة الدعوة ورجالاتها بالاستسرار حتى يبلغوا من الحال والعدد ما يطيقون بعده الجهد وتحمل تبعاته. وأحيانًا تأتي التوجيهات الربانية للدعوة بالإحجام في ساعة يرى الكل أنها ساعة الإقدام، وأحيانًا يأتي الأمر بالإقدام في ساعة العسرة، وتطلع النفوس إلى الراحة أو إلى خيار آخر مثل ما وقع في غزوة بدر، وكان الخيار الذي اختاره الله لهم غير ما تطلعت إليه النفوس، ووصف ذلك ربنا في كتابه، فقال - سبحانه -: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ (٢) . وكذلك كان الأمر من الله في غزوة تبوك، في ساعة العسرة، وشدة القيظ، وبعد الشقة، وطيب المقام في المدينة، إذ طابت ثمارها، ومالت ظلالها، فكان الأمر من الله بالغزو، حتى كادت بعض القلوب تزيغ.

стр. 111

قال - تعالى -: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١) .

стр. 112

إن مثل هذا الوضع وصفه الكثير - من أهل العلم والفضل - بأنه ابتلاء للمؤمنين، وتمحيص لهم كذلك، وتربية لهم على الشدائد، ولكنه كذلك يتطرق إلى جانب آخر هام. وهو ما نحن بصدده؛ فالله يرسم بهذا الوضع لأهل طاعته ونصرته وضعًا أنسب وأنفع لتمكينهم ونيل الظفر على عدوهم، ويربيهم - سبحانه - على القيام على كره وبغض في ساعات من العسرة، ليروا بعد تنفيذ أوامر ربهم كيف أن السعادة كانت في ما اختار لهم الله، وقاموا إليه على ثقل وكره، ويروا بعين البصيرة كيف أن الله إنما سلك بهم هذا الوضع ليعصمهم من حوادث كانت ستحدق بهم؛ لولا أنهم فعلوا ما أمروا به، ولعل هذه الحوادث كانت غير خافية عليهم، ولكنهم لم ينظروا إليها بثاقب النظر وبعده، ولم يزنوها في ميزانها، فيتعلمون بذلك بعد النظر ومسايرة الحال الملائم التي لا تخرج بهم عن طاعته - سبحانه -، ويتعلمون كيف يقيسون المصالح والمفاسد قياسًا دقيقًا، وهم في خضم مواجهة الأحداث، وحث الخطى للسير قدمًا على درب دعوة الحق.

стр. 113

ولا أدل على ذلك من الأمر بالإحجام في ساعة كان الكل يراها ساعة الإقدام، ولا يخطر بالبال التردد في ذلك: الأمر بالإحجام بالصلح في صلح الحديبية ولم يبق عن مكة إلا مرحلة واحدة، والكل متوجه ليعتمر، في زي الإحرام، قد ساقوا الهدي وقلدوها، وتطلعت النفوس إلى دخول مكة، وبايعوا على الموت أكثر من ألف رجل، عندها يأتي أمر الله بالصلح والرجوع دون عمرة، وفيهم أفضل الخلق ﷺ ، ويسمي الله ذلك فتحًا، ويرتب عليه هداية وتمام نعمه ونصرًا عزيزًا. قال : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ (١) . نعم هذا هو الحال الأنسب والوضع الملائم الذي لم يخرج عن مرضاة الله، وإن كان قد أرجع المؤمنين من رتبة عليا من الأعمال الصالحات - من عمرة ورغبة في القتال - إلى ما هو دونها وهو الرجوع وقبول الصلح مما هو كذلك من رضا الله - سبحانه -.

стр. 114

وعلى هذا الحال الذي أمر الله به؛ رتب الله عليه بشائر متعددة ونصرًا عزيزًا، ما كان ليتم شيئًا منها لو سلك المؤمنون ما يرونه من إقدام، وسمى الله هذا الصلح بالفتح (١) ، إذ ترتب عليه فتوح ومنافع ودخول ألوف في الإسلام. قال الزهري: "فما فُتِح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب، وأمن الناس بعضهم بعضًا، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئًا إلا دخل فيه، ولقد دخل تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر" (٢) . قال ابن هشام: "والدليل على قول الزهري أن رسول الله ﷺ خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة، في قول جابر بن عبد الله، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف" (٣) .

стр. 115

وكان هذا الصلح فتحًا حقًا، فقد توافدت قبائل العرب إلى المدينة تبايع رسول الله ﷺ ، وتعلن دخولها في الإسلام، وكذلك أقبل رسول الله ﷺ على استئصال بقايا اليهود من جزيرة العرب، وفتح خيبر، وقسم خيراتها فيمن كان معه على الصلح، وكذلك عظمت قيمة الإسلام والمسلمين في عيون قريش وقبلوا المفاوضة، ومهد هذا الصلح للفتح الأكبر (فتح مكة) . ومن هنا نأخذ مدى دور مسايرة الوضع الملائم في حدود رضا الله، ونعرف مدى ذلك في فلوج النصر وحميد العاقبة، وتحقق العز والرفعة، ولقد كان ذلك واضحًا جليًا في هذا الصلح وفي غزوة تبوك، وغزوة بدر. وكان ذلك كله خير ورفعة وعاقبة حميدة للمسلمين، وهنا نرى ضرورة مسايرة الحال الملائم للوصول إلى مصلحة أعظم ودفع مفسدة أخطر. قال الإمام ابن القيم ﵀ في الفوائد الفقهية لصلح الحديبية: "إن مصالحة المشركين ببعض ما فيه ضيم على المسلمين جائزة للمصلحة الراجحة، ودفع ما هو شر منه، ففيه دفع أعلى المفسدتين، باحتمال أدناهما" (١) .

стр. 116

العامل الثامن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أوسع نطاقًا من التواصي بالحق والذي سبق الحديث عنه، فالتواصي بالحق وإن كان لفظه يحتمل العموم وقد يتفق ويتحد مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من حيث المنطلق والغاية، إلا أن التواصي يكون في نطاق أهل الإيمان الطائعين. بينما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يغطي هذا النطاق - نطاق التواصي - ويزيد ويتسع إلى نطاق أهل العصيان من أهل الإيمان، وأهل الفسق، وعامة شرائح المجتمع. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له دور فاعل في بقاء التمكين ودوامه وتحققه كذلك، ويمكن معرفة أثر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تمكين دعوة الحق بوضوح وجلاء في حالتين بارزتين:- الحالة الأولى:- وهي حالة تمكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومعرفة قيمته وتأثيره في المجتمع، تقويمًا وردعًا وتوجيهًا وإصلاحًا كما قال - تعالى -: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (١) .

стр. 117

فهذه الحالة كفيلة بإسعاد المجتمع وإبقاء تعاليم الدين وإظهارها وصلاح العيش وتحقق الأمن، ولذا انتدب الله الأمة المسلمة لتخصص طائفة منهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فيكونون عنوان سعادة المجتمع. قال - تعالى -: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) . وعند تحقق هذه الحالة لا يمكن خفاء ما فيها من ظهور تعاليم الدين وبقاء التمكين لأتباعه والمحافظة على شعائره وصلاح كل شئون المجتمع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " ... صلاح العباد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإن صلاح المعاش والعباد في طاعة الله ورسوله، ولا يتم ذلك إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبه صارت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس. قال الله - تعالى -: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٢) الآية " (٣) . الحالة الثانية:-

стр. 118

في هذه الحالة يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير ممكن له كما كان في الحالة السابقة، ولكنه موجود بارز بيد أنه ضعيف الجدوى والتأثير في المأمورين والمنهيين، لا لضعفه، وإنما لشدة تعنت أولئك المدعوين وإقبالهم على المعاصي والسيئات دونما هوادة وبكل بجاحة، وهنا يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عصمة لأهله من عقاب الله وعذابه الذي قد يحل بأولئك بين فينة وأخرى. والذين يحتكون بهم ويتعايشون معهم لارتباط شؤون الحياة ومصالح العيش بالتعامل مع أولئك العصاة، فعند مواصلة المعايشة مع أولئك العصاة فلا خوف ولا وجل على أولئك المؤمنين الذين يخالطونهم لظروف الحياة ما داموا قائمين على شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تجاههم. وفي أخبار الهالكين في القرآن بعقوبة الاستئصال العاجل، يؤكد الله هذه السنة ويبين أنها سنة ثابتة في القرون، فأهل النهي عن السوء هم أهل النجاة، ولا يمكن أن يمسهم من العقاب مس، وكفى بذلك تمكينًا وسعادة ورفعة.

стр. 119

والله لم يذكر في كتابه قومًا أهلكهم إلا ويؤكد نجاة أهل الإنكار بلطف منه ورحمة رغم قوة العذاب، وقسوته وفجأته، وهذا هو القرآن يذكر لنا كيف أنجى الله - سبحانه - الذين كانوا ينهون أهل السبت من عقوبته، والعذاب البئيس. قال : ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (١) . والآيات جزمت هنا بنجاة الناهين عن السوء المنكرين للمنكر.

стр. 120

ولقد بين الله أن هذه سنته فيمن نهى عن السوء وأنكر في سائر القرون وشتى الأمم؛ قال : ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (١) . أي وجد في تلك القرون بقايا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، أنجاهم الله - سبحانه - من بين تلك القرون، لأمرهم بالمعروف ونهيهم عن السوء (٢) . أما من سكت عن المنكر ورضي فإن عقوبة الاستئصال شاملة له، وإن كان مؤمنًا أو كان بمكان عند المؤمنين مع إيمانه قال - تعالى - في امرأة لوط التي كانت راضية بما يعمله قومه: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ (٣) .

стр. 121

وهنا نرى كيف أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى ولو قلَّت جدواه أو انعدمت فهو عصمة ونجاة من عذاب الله، وعليه فعلى أهل الإيمان وجماعته وأصحاب دعوة الحق أن يتبنوه ويحيوه ولو انعدمت جدواه ليمكنوا أنفسهم من النجاة من عقاب الله الذي قد ينزل بمن حولهم من أهل العصيان، وبالتالي يتم تمكينهم في الأرض.

стр. 122

العامل التاسع الهجرة في سبيل الله الهجرة في سبيل الله من أولويات عوامل التمكين لدعوة الحق، والانتقال بها إلى أماكن الأمن والسعة لتنشأ حتى تستوي على سوقها، وتؤتي ثمارها بإذن ربها، وهي قبل ذلك فريضة واجبة على كل فرد مسلم تعذر عليه إقامة دينه في أي بقعة كان ووجد حيلة أو وسيلة للهجرة من ذلك المكان الذي لا يقوم فيه أمر الدين إلا على عوج أو مضض أو لعلة لا يقوم ألبتة، أو وُجِد ذلك الفرد بين ظهراني الكافرين والمشركين فإن الهجرة واجبة عليه، ومتى ارتفعت هذه الحالات المذكورة ارتفع وجوب الهجرة، ومتى وجدت تأكد وجوب الهجرة وأصبح تركها يعني براءة من الإسلام، ولعله قد يصل بذلك التارك إلى الخروج من الملة.

стр. 123

قال - تعالى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (١) . قال ابن عباس ﵁: "كان قوم من أهل مكة أسلموا وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم وقتل بعض، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا فاستغفروا لهم، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ .. الآية، قال: وكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين هذه الآية لا عذر لهم قال: فخرجوا" (٢) .

стр. 124

وفي هذه الآية وفي سبب نزولها نرى كيف أن تارك الهجرة الذي وجد الحيلة ولم يهاجر لا عذر له، وأنه إذا مات على ذلك فهو متوعد بدخول نار جهنم - والعياذ بالله -. قال ابن كثير ﵀: " نزلت هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنًا من إقامة الدين فهو ظالم لنفسه مرتكب حرامًا بالإجماع" (١) . وقال الإمام الشوكاني: "وقد استدل بهذه الآية على أن الهجرة واجبة على كل من كان بدار الشرك أو بدار يعمل فيها بمعاصي الله جهارًا إذا كان قادرًا على الهجرة ولم يكن من المستضعفين لما في هذه الآية الكريمة من العموم وإن كان السبب خاصًّا" (٢) .

стр. 125

ولقد جاء استثناء من استثنوا في الآية في مدلول يجسد شدة الأمر، ويلاحق كل المعاذير التي لا تجد لها من الحقيقة ما يشد صلبها، فالاستثناء ليس إلا لطائفة من الناس وهم المستضعفون الذين لا يقدرون على التخلص من أيدي المشركين؛ ولو قدروا ما عرفوا يسلكون الطريق، والتعبير بـ" حيلة " في ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ يدل على العجز عن أنواع أسباب التخلص جميعها، والمجيء كذلك بـ" الولدان " في طائفة أهل الأعذار من المستضعفين من الرجال والنساء مع عدم التكليف لهم إنما هو لقصد التشديد البالغ في أمر الهجرة، وبيان أنها تجب لو استطاعها غير المكلف (١) ، وبهذا فالاستثناء يأتي في الآية في مدلول يدل على شدة أمر الهجرة في تلك الحالة التي ذكرتها الآية. ولقد ذكر الله فائدة الهجرة وأنها نقلة للفرد المسلم والجماعة المؤمنة تؤدي إلى التخلص من إذلال المشركين إلى الاعتزاز عليهم وسعة الرزق وإقامة الدين. قال - تعالى -: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ الآية (٢) .

стр. 126

والمراغم: التحول من أرض إلى أرض بها منع يتخلص به ويراغم به الأعداء. أما السعة: فهي السعة في الرزق (١) . وحث عباده في موضع آخر من كتابه للهجرة في سبيله وبيَّن لهم أن الأرض أرضه وهي واسعة وهم أولى بها، فعليهم التنقل فيها حتى يجدوا بها موضعًا يتمكنوا فيه من توحيده وحده وتحقيق العبودية الكاملة له. قال - تعالى -: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ (٢) . عن الزبير بن العوام ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ : «البلاد بلاد الله، والعباد عباد الله فحيثما أصبت خيرًا فأقم» (٣) . فالهجرة عامل هام وأولي من عوامل تمكين دعوات المرسلين، فها هو نبي الله إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ارتحل عن قومه حين آذوه، وذهب مهاجرًا ليعبد الله آمنًا، ويتمكن من القيام بشعائر الدين. قال - تعالى - يحكي قوله ﵇: ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٤) .

стр. 127

والهجرة كانت كذلك من أعظم عوامل تمكين دعوة خاتم النبيين محمد ﷺ ، إذ انتقلت الجماعة المؤمنة حين هاجرت إلى المدينة إلى مرحلة الظهور والتجمع ونزول الشرائع والأحكام عليها وبالتالي الجهاد وقوة الشوكة والتمكين. والهجرة هي طريقة للتخلص من أذى الأعداء وكيدهم في الأصل، بيد أنها كذلك عامل الظهور والاستقرار والانطلاق لكل دعوة حق، فهي ثابتة في الأمة لا تنقطع أبدًا، كما أنها عريقة في اقترانها بدعوة الحق منذ القدم، وأحيانًا لا تعدو أن تكون الهجرة مجرد النجاء، النجاء بالمؤمنين والفرار بدينهم من فتنة وعذاب الأعداء الحاقدين، وكان هذا جليًا في قصة أصحاب الكهف، وخروج موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام ببني إسرائيل من كيد فرعون.

стр. 128

قال - تعالى - في شأن الفتية المؤمنين وفرارهم إلى الكهف: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا﴾ (١) .

стр. 129

وبيَّن في موضع آخر من السورة فرار هؤلاء الفتية بدينهم، وأنهم كانوا على إيذاء بالغ من قومهم وتعذيب، وكانوا يجتهدون في ردهم وفتنتهم عن دينهم. قال - تعالى - عن كلامهم وهم في الكهف وهم يذكرون ما سيفعله قومهم بهم لو ظهروا عليهم: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ (١) . ولقد فرَّ بنو إسرائيل بدينهم من كيد فرعون، وخرج بهم موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام بأمر من الله. قال - تعالى -: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ (٢) . وقال في سورة الدخان: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ ثم قال بعد ذكر إنجائهم من فرعون وإغراقه: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٣) .

стр. 130

فالهجرة أحيانًا يكون كل الغرض منها، الفرار بالدين والنجاة بأهله المؤمنين، وأحيانًا نراها في دعوة الرسل يُرتب لها ويحدد لها الوقت، وتتجاوز غرضها السابق إلى التهيئة لإعداد مستقر لجماعة المؤمنين، وإعدادهم ومزاولتهم لشعائر الدين وبالتالي ظهورهم ونصرهم والتمكين لهم في الأرض، وكلا النوعين من الهجرة كان ماثلًا أتم المثول، واضحًا كل الوضوح في دعوة خاتم النبيين محمد ﷺ ، فالهجرة إلى الحبشة بأمر منه إنما كانت من النوع الأول وهو الفرار بالدين والبعد عن فتنة وإيذاء الكافرين فقط، ولم تتجاوز هذا الغرض إلى غيره في أصل الأمر. قال ابن إسحاق: "فلما رأى رسول الله ﷺ ما يصيب أصحابه من البلاء وما هو فيه من العافية، بمكانه من الله ومن عمه أبي طالب، وأنه لا يقدر أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه» فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله ﷺ إلى أرض الحبشة، مخافة الفتنة، وفرارًا إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة في الإسلام" (١) .

стр. 131

أما هجرته ﷺ فكانت من النوع الثاني الذي تجاوز قصد الفرار بالدين إلى إعداد مستقر للدعوة ومجتمع للمؤمنين يقيمون فيه الدين، وينضوي إليه كل مؤمن من أطراف الجزيرة حتى تظهر كلمة الله، ويقوى أهل الحق، ويمكن لهم الله في الأرض، ولهذا نرى كيف تم الإعداد لذلك - أي لهجرته ﷺ إلى المدينة - بواسطة بيعتي العقبة الأولى والثانية، وإرسال مصعب بن عمير قبل قدومه ﷺ وغيره من الصحابة لينشروا الإسلام في المدينة ويفقهوا من آمن منهم.

стр. 132

ولو كانت هجرته ﵊ فرارًا بالدين والنفس فقط، لكان الأولى أن يهاجر مع أصحابه إلى الحبشة، حيث حماية ملك اعتنق الإسلام، وآوى المسلمين، ولكن هجرته ﵊ إلى دار الهجرة كانت نشدانًا لتكوين جماعة الإيمان ومستقرًا لمن آمن ويوضح ذلك كلام عمه العباس بن عبد المطلب ﵁ لنقباء بيعة العقبة الثانية، وهو يبين لهم أن رسول الله ﷺ لن يهاجر إليهم فرارًا وامتناعًا من الإيذاء: "يا معشر الخزرج - وكانت العرب تسمي الحي من الأنصار: الخزرج، أوسها وخزرجها -: إن محمدًا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا، ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عزٍ من قومه ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم، واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه له، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما حملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه في عزٍ ومنعة من قومه وبلده" (١) .

стр. 133

والمتأمل في أحداث الهجرة النبوية إلى المدينة؛ يرى أنها بجميع أدوارها كانت لحث الخطى إلى تكوين الجماعة وتمكين الدعوة، فلقد أمر النبي ﷺ أصحابه أن يخرجوا إلى المدينة قبله، وقال لهم: «إن الله قد جعل لكم إخوانًا ودارًا تأمنون بها» فخرجوا أرسالًا - أي جماعة تلو جماعة -، ثم بقي النبي ﷺ بعدهم، ينتظر أن يأذن له ربه - تعالى - في الهجرة حتى جاءه الإذن من ربه فهاجر هو وصاحبه الصديق ﵁ (١) .

стр. 134

كل تلك الأحداث والأدوار التي سبقت الهجرة من بيعتي العقبة وإرسال مصعب بن عمير ﵁ إلى المدينة، ثم الإذن للصحابة ﵃، بل وأمرهم بالخروج إلى المدينة قبله ﵊، ثم انتظاره ﵊، وقتًا محددًا ولحظة مؤقتة من الله ليأذن له بالهجرة. كل تلك الأحداث تشخص لنا أن الهجرة إنما كانت إعدادًا لتمكين الدعوة وإيذانًا بظهور أهلها، وأن تلك الأحداث مجتمعة لم تجعل من الهجرة مجرد هجرة للفرار بالدين فقط، وإنما جعلت من الهجرة مبدأ لإعزاز الدين، ونصر المؤمنين، وإقامة خلافة الله في الأرض، ولذلك فلا غرو أن يؤرخ بها تاريخ الإسلام، وأن يأتي الإذن من الله فور حصولها بالقتال، ورد كيد الكافرين. عن ابن عباس ﵁ قال: لما خرج رسول الله ﷺ من مكة قال أبو بكر، أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكن، فأنزل الله : ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (١) . وهي أول آية نزلت في القتال (٢) .

стр. 135

وها هو النبي ﷺ ما إن يستقر قراره في مهاجره حتى يعقد الألوية لأصحابه في تلك السنة ويبعث السرايا وينشئ الغزوات تلو الغزوات يقودها مرة بنفسه ويعقد لواءها لمن شاء من صحابته مرة أخرى؛ حتى كانت غزوة بدر الكبرى فاصلة الإسلام في السنة الثانية من تلك الهجرة الميمونة. وهكذا نرى هجرته ﷺ وأصحابه كانت مرحلة من مراحل التمكين وعاملًا هامًا من عوامل تحققه، يجب على المسلمين أن يجعلوه درسًا يستفيدوا منه وينهجوا عليه، خصوصًا إذا ضاقت بدعوتهم الضوائق، وزلزلت بهم المكائد، فلهم أن يهاجروا إلى مواضع من أرض ربهم الواسعة، يقيمون فيها دينهم ويراغمون بها أعداءهم، وتتقوى بها شوكتهم. أما ما ورد من قوله ﷺ : «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا» (١) فلا يدل على انتهاء الهجرة، وإنما على انقطاعها في ذاك الأوان من مكة إلى المدينة وذلك أن مكة تحولت بالفتح من دار كفر إلى دار إسلام فانقطعت الهجرة منها بذلك. وعلى مثل هذه الحال يُنَزَّل هذا الحديث في كل بلد كان حاله مثل حال مكة ثم فتحه المسلمون (٢) .

стр. 136

ولقد ورد عن النبي ﷺ ما يوضح أن الهجرة مرحلة من مراحل دعوة الحق لا تنقطع ما دامت الدعوة قائمة ينضوي تحت لوائها الداخلون والتائبون، فعن معاوية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة، حتى تطلع الشمس من مغربها» (١) . فالهجرة إذن من تمام توبة التائبين، ومن لوازم إقامة الدين، ولا تكاد دعوة من دعوات الحق تقوم إلا بها.

стр. 137

المطلب الأول: تعبئة الجيش وتجنيد الجند ودور ذلك في التمكين من الأمور التي وردت في القرآن الكريم فيما يتعلق بالجهاد تعبئة الجيش وتجنيد الجند، ولقد ذُكرت في القرآن ذكرًا ظاهرًا وربط الله بها النصر والغلبة، ووصف بها - سبحانه - الدولة المسلمة وجعلها من أبرز مزاياها وامتنَّ بذلك وجعله من نعمائه، يبرز ذلك جليًا في تلك الدولة المسلمة، المملكة العزيزة دولة نبي الله سليمان - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - الذي دعا ربه أن يؤتيه ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده فحققه الله: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (١) . ويذكر الله في كتابه العزيز عن تلك الدولة التي مكن لها والتي كانت تتبنى الدعوة إلى الله وتجاهد من أجلها؛ يذكر أول مزية لها ويبرزها وهي تعبئة الجيش القوي عندها، وتجنيد الجند وترتيبهم وتفقدهم من الملك تفقدًا جادًا حازمًا. قال - تعالى -: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ (٢) .

стр. 138

وفي هذه الآية نرى كيف بلغ الاعتناء بالتجنيد والجيش لتلك الدولة ذات الملك العظيم وحمل دعوة الحق وتبليغها ذلك المبلغ العظيم، ونلمح ذلك الاعتناء من لفتات في الآية تبرز عند تأملها. وإليك هذه اللفتات مجملة في النقاط التالية:- (١) اللفتة الأولى:- كثرة الجند وبلوغه من الكثرة عددًا هائلًا وذلك نلمحه في كلمة "حشر". وكلمة ﴿جُنُودُهُ﴾ في قوله - تعالى -: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ﴾ . قال الراغب عند مادة "حشر": "الحشر إخراج الجماعة عن مقرهم.. ولا يقال الحشر إلا في الجماعة. قال - تعالى -: ﴿وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ وقال - تعالى -: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ وقال: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾ .. وقال: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ (١) . أما كلمة ﴿جُنُودُهُ﴾ في الآية فالجنود جمع الجمع، فهي جمع الجند؛ فإنه يقال - في الأصل - لكل مجتمع جند، وجمع الجند جنود وأجناد (٢) .

стр. 139

ومن خلال تلك اللفتة التي تشخصها ألفاظ الآية وكلماتها نرى الاعتناء بكثرة الجند الكثرة الهائلة في تلك الدولة العظيمة، ونلمس درسًا يؤخذ لكل دولة تتبنى دعوة الحق وتجاهد لها أن تعتني بالتجنيد وكثرة الجيش، ونأخذ في الاعتبار كذلك أن هذا لا يعارض ما ورد في قوله - تعالى -: ... ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ (١) . ففي هذه الآية ذم الله الالتفات بالقلب إلى الكثرة والاتكال إلى العدد والأسباب وجعلها هي عامل النصر الأساس، وإنما المتوجب على المؤمنين إعداد الأسباب وإتقانها ثم صرف القلوب إلى واهب النصر وحده دون الالتفات بها إلى السبب، وجمع القلوب بكليتها إليه واعتمادها في نيل النصر عليه (٢) .

стр. 140

وهذا التجنيد كان حال أمة الإسلام في عصرها الأول، فلقد كان المسلمون كلهم جنودًا في أهبة الاستنفار وبعث المدد أو إعداد الجيش؛ كلهم عن بكرة أبيهم لا يعذر منهم إلا أصحاب الأعذار، فما لواحد منهم بد إذا سمع صوت النفير إلى الجهاد في سبيل الله، قال - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) . (٢) اللفتة الثانية في الآية:-

стр. 141

هي وضع كل الطاقات الممكنة في الجيش وتوجيه كل القوى في إعداده وإكماله، وهذا واضح في قوله - تعالى -: ... ﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ ... فلقد كان يكفي الجن عن الإنس في إعداد جيش عظيم، أو لعله قد كان يكفي الإنس والجن في الجيش فما لازم الطير أن يكونوا في الجند، وتجرى عليهم أنظمة الجيش الحازمة الصارمة عند التخلف عن الحضور في صفوف الجند دون عذر مقنع، إن الطير يعرف موضعها عند ملوك الزمان في الغالب فهم يضعونها في القصور والغابات والصروح العظام للزينة، أما كون نبي الله سليمان وضعها ضمن جنده وفي جيشه مع الجن والإنس؛ فيدل ذلك على شدة الاعتناء بجيش الدولة وتعبئته بكافة الإمكانات المستطاعة، وذلك هو شأن الدولة القوية المؤمنة التي تسعى لإقامة دين الله وجهاد أعدائه ودوامها على ذلك. (٣) اللفتة الثالثة:- ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي الجند من الجن والإنس والطير ومعنى يوزعون أي يكفون أي يسيرون بانتظام في حشرهم إليه، ويوجد على كل صنف من يزعه أي يكفه ويرده على نظام الجميع في التحرك والسير. قال ابن عباس ﵁:- "جعل على كل صنف من يرد أولاها على أخراها لئلا يتقدموا في المسير.." (١) .

стр. 142

ومن هذا نستفيد أن تلك الكثرة المختلفة الأصناف في ذلك الجيش على نظام فائق منضبط عند الاجتماع وعند السير والتنقلات، وهذه ميزة ضرورية لجند الدولة المجاهدة، فالكثرة دون تنظيم، ودون من يقوم على تنظيمها كثرة همجية غوغائية، وهي السبب المباشر في هزيمة الجيش عند المواجهة أو إنهاكه وضياعه عند التنقل والتحرك. تلكم هي أهم خصال جيش الدولة المجاهدة التي مكن الله لها في الأرض والتي تسعى لنشر دعوة الحق وتمكينها فيمن حولها؛ فكثرة المجندين للجهاد سواءً في السلم أو الحرب مطلب ضروري والكثرة يُسعى إليها ولا يُتكل عليها، ولقد استعاذ نبينا محمد ﷺ من القلة وقرنها في دعاءه بالذلة، فقال ﵊: «اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلة والذلة» ... ) (١) .

стр. 143

وبناءً على هذا فينبغي الإكثار من الجند والتجنيد عند الاقتدار، سواءً كان ذلك التجنيد في السلم أو لمواجهة الحرب وإنشاء الجهاد والفتوح كما قال نبي الله سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام:- ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١) أما تعبئة الجيش بما أمكن من طاقات وقدرات وتقويته، فهو مطلب لقوة الجيش وتمكينه من النصر، وسبب له أمر الله هذه الأمة باعتماده وصرف القوى إليه. قال - تعالى -: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (٢) .

стр. 144

فالله أمر في هذه الآية بإعداد كل ما في الوسع والاستطاعة من قوة لمواجهة الأعداء، والقوة كل ما يتقوى به في الحرب (١) ، ومن ذلك السلاح والقسي والحصون وآلات الحرب، ولقد ثبت عنه ﷺ من حديث عقبة بن عامر، قال: "سمعت رسول الله ﷺ وهو على المنبر يقول: « ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ألا إن القوة الرمي» ..) قالها ثلاث مرات (٢) . فتقوية الجيش مطلوبة بكل ما أمكن من عدة الحروب وعتادها وآلاتها، والرمي هو أقوى تلك القوى وأولاها بالاعتناء.

стр. 145

أما التعبئة العددية، واعتبار الأعداد، فهو أمر اعتبره القرآن ورتب عليه غلبة أهل الإيمان في حالة معينة، وعذرهم حين يقل العدد في حالة أخرى، وأوجب عليهم المواجهة ووعدهم النصر حين يبلغ العدد حالة ثالثة ويتحلى أهل الإيمان بالصبر قال - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (١) .
следующие страницы →