← Общие книги

Общие книги · id 1976

عوامل النصر والتمكين في دعوات المرسلين

أحمد بن حمدان الشهري

Полный текст (211 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قال - تعالى -: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١) ، وحض المؤمنين على نصرة دينه، ووعدهم عليها بالنصر والتمكين، قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ ... (٢) . وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ (٣) ، الآية.

стр. 72

المطلب الأول: ضرورة استصحاب الصبر إن دعوات الحق ما قامت ولن تقوم إلا باستصحاب الصبر، ولقد ذكر القرآن الكريم في قصص المؤمنين كيف صبروا، وأمر المؤمنين كذلك بالصبر والمصابرة. قال - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) . وبين أن دعوات الحق السابقة واجهت الأعباء والمكائد والزلازل بالصبر وكانوا يسألون الله أن يفرغه عليهم إفراغًا عند مواجهة عقبات الدعوة واشتداد البلاء والكرب بهم، فهذا نبي الله موسى يرشد بني إسرائيل إلى استصحاب الصبر حتى يأتي الفرج.

стр. 73

قال - تعالى - في تلقي موسى وبني إسرائيل إيذاء فرعون بالصبر حتى كان الفرج: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (١) .

стр. 74

ولقد أرشد في كتابه الكريم إلى استقبال البلوى واللأواء بالاستعانة بالصبر عليها، فقال - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (١) . بل بين أن أولياءه المؤمنين كانوا يصبرون ويصطبرون بل ويدعون الله ويطلبونه أن يصب عليهم الصبر صبًا حتى يفيض عليهم ويغمرهم وهو الإفراغ (٢) ، فيكونون بهذا الحال قد استعدوا للشدائد والكروب بأبلغ أنواع الصبر. قال - تعالى - في شأن الملأ من بني إسرائيل ومؤمنيهم الذين ثبتوا مع طالوت وهم في بروزهم لأهوال المعركة مع جالوت وجنده الكافرين: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (٣) .

стр. 75

ولهذا استحب بعض أهل العلم أن تكون هذه اللهجة من الدعاء لهجة جنود الإيمان حين يلقون أعداءهم (١) ، وأن تكون هذه العبارة من الدعاء ذكرهم الكثير الذي أمرهم الله به في قوله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢) . وكذلك طلب إفراغ الصبر من الله، كان طلب سحرة فرعون من الله، حين آمنوا وأوعدهم فرعون بكل نكال وعذاب شديد، فأجابوا بقولهم: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ (٣) .

стр. 76

المطلب الثاني: ترتب النصر والتمكين على تحقق الصبر وردت نصوص الكتاب والسنة بالأجر الجزيل والثواب العظيم على تحقق الصبر من الصابرين، وجاء في ذلك من عظم الثواب والدرجات في الجنة ما قد يجعل المرء يذهب إلى أن جزاء الصبر أخروي كله، وذلك لكثرة ما ورد في ذلك، ولكن عند الفحص والتحقق في نصوص القرآن والسنة نجد كذلك أن هناك أمورًا عظامًا، وثوابًا جسيمًا ونصرًا عزيزًا وتمكينًا فريدًا يثاب به أهل الصبر في الدنيا؛ فضلًا عما ينتظرهم في الآخرة. بل نجد أن القرآن الكريم في مواضع عدة جعل وجود الصبر شرطًا أساسيًا لحصول الغلبة والتأييد من الله، وأنه في حالة قلة الصبر أو انعدامه ينعدم التأييد من الله مهما بلغت تلك الجماعة المؤمنة من قوة اليقين ونصرة الدين. وإليك المواضع التي رتب القرآن الكريم حصول التأييد والتمكين على الصبر فيها، وبين فيها أن الصبر شرطها الأول والرئيس بعد الإيمان به - سبحانه -: (١) قال - تعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (١) . وقال - سبحانه -: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢) .

стр. 77

ففي عدة مواضع من كتابه الكريم يبين - سبحانه - ويؤكد معيته للصابرين وأنه معهم، وما ظنك بقوم أو جماعة الله معهم، كيف يتصور أنهم سيغلبون أو يذلون!

стр. 78

ولقد بين أن معيته تستلزم عدم الخوف وتستلتزم النصر والغلبة في الوقت نفسه، وذلك حين أبدى موسى وهارون - على نبينا وعليهم الصلاة والسلام - تخوفاتهم من زمجرة فرعون الحادة وبطشاته الأكيدة التي يتعرض لها كل من يخاطبه بغير ما يهواه ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ (١) ، فكان الجواب ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (٢) ، فبيّن - سبحانه - هنا أن معيته لهما تستلزم عدم الخوف منهما، فلا داعي للخوف البتة، وتستلزم رعايتهما ونصرهما وحفظهما من كيد فرعون وغطرسته الغاشمة، وهذا الحال في معيته حيث كانت فلا خوف ولا حزن، وإنما نصر وبلج، ويسر وفرج، وهذا أبو بكر الصديق في الغار مع رسول الله ﷺ يبلغ به الخوف كل مبلغ على رسول الله ﷺ وهو يرى أقدام الكفار الذين جاءوا يبحثون عن رسول الله ﷺ ليقتلوه، أو يحبسوه، فيقول لرسول الله ﷺ متخوفًا: "لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه يا رسول الله" فأجابه رسول الله ﷺ

стр. 79

: «يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما» (١) . فجاء القرآن الكريم فبين كيف كانت معيته - سبحانه -، وكيف يكون الظن بمعيته - تعالى - فقال : ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢) . فتلك إذن معيته التي أكدها للصابرين في كتابه الكريم مرارًا وتكرارًا، ولله ما أصدق كلام الإمام الشوكاني وأروعه حين قال عند تفسيره لقوله - تعالى -: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٣) ، "ويا حبذا هذه المعية التي لا يغلب من رزقها غالب، ولا يؤتى صاحبها من جهة من الجهات، وإن كانت كثيرة" (٤) . (٢) ترتب تمكين بني إسرائيل وإنجائهم من فرعون على حسن بلائهم في الصبر.

стр. 80

لقد تقدم معنا في المطلب الأول أنهم جاءوا إلى موسى يتبرمون ويتوجعون من إيذاء الفراعنة وتعذيبهم لهم، وهنا أوصى موسى قومه بالصبر قائلًا: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١) ، وجاء الأمر من الله لبني إسرائيل بإقامة الشعائر والصلوات، ومواصلة الصبر وانتظار الفرج - وهم على ذلك الحال الشديد من التعذيب والاضطهاد - وما ذلك من الله إلا ليبلو صبرهم ومحافظتهم على دينهم؛ وهم يفتنون عنه بكل أنواع العذاب. قال - تعالى -: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) .

стр. 81

قال مجاهد: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ لما خاف بنو إسرائيل من فرعون أن يقتلوا في الكنائس الجامعة أمروا أن يجعلوا بيوتهم مساجد مستقبلة الكعبة يصلون فيها سرًا وكذا قال قتادة والضحاك " (١) . والحاصل أن البلاء اشتد بالمؤمنين حتى أمرهم الله بجعل بيوت لهم يستخفون فيها ويستسرون بصلاتهم بها، فانتقلوا من بعد العلانية إلى الاستخفاء والسرية لشدة البلاء (٢) ، كما قال - تعالى -: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٣) .

стр. 82

والشاهد هنا أن بني إسرائيل بقوا سنين متتابعة وهم على هذا الحال من البلاء، وتخطوا تلك العقبات والمراحل بالصبر على فتنة فرعون وتعذيبه وأذيته والصبر على مزاولة شعائر الدين في آن واحد، حتى خصصوا لعبادتهم بيوتًا غير بيوتهم وبنوها يختفون بها ويصلون في البيوت حتى كانت مساجد لهم، فقطعوا كل هذا البلاء والعناء بالصبر فقط دون غيره إذ لم يكلفوا بجهاد أو رد كيد فأثابهم الله على حسن بلائهم في الصبر بالتمكين في الأرض، وبين أن ذلك إنما هو جزاءً لصبرهم، قال - تعالى -: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ (١) .

стр. 83

والحق الذي يُشهد به أن بني إسرائيل أبلوا في الصبر بلاءً حسنًا - وهم تحت وطأة فرعون - لم تبله أمة من الأمم التي ذكرت في القرآن ولا أمة محمد ﷺ ، فهم في هذه الحال أعظم الأمم صبرًا، وقد بلغوا من الصبر مبلغًا لم يبلغه غيرهم - فيما قص علينا القرآن - وذلك أنهم استضعفهم فرعون وقومه كل الاستضعاف، وأهانوهم كل الإهانة فقد كانوا يقتلون أبناءهم، ويستحيون نساءهم أي يبقونهم أحياء لخدمتهم وامتهانهم، وليس العجب هنا من فعل آل فرعون هذا بهم حين ولادة موسى، وإنما العجب حين رجعوا إلى ذلك النكال ببني إسرائيل حين علموا أنهم آمنوا بنبيهم فرجعوا عليهم مرة ثانية بقتل الأبناء واستحياء النساء ليفتنوهم عن دينهم، فقد وقع هذا العذاب من آل فرعون ببني إسرائيل مرتين حين ولادة موسى، والثانية حين إيمانهم به، لكي يفتنون عن دينهم (١) ، كما جاء ظاهرًا في قوله - تعالى -: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ (٢) ، والآن والحال على هذا

стр. 84

المنوال فما بالك بقوم لا زالوا على حداثة إيمان يبتلون بأن يؤخذ أبناؤهم من حجورهم ومن أفنية دورهم ليقتلوا أو يرجعوا عن دينهم، ويبتلون كذلك بنسائهم يؤخذن من فرشهم ودورهم من زوجات وبنات ليخدمن بيوتات آل فرعون، وكفى بالخادمة إهانة وهي تعمل في بيت أغنياء يظلمونها متى شاءوا ويكلفونها ما لا تطيق متى شاءوا ويمتهنونها ويهددون كرامتها متى شاءوا، فلا وازع من دين يردعهم وغطرسة الغنى والسلطان تدفعهم إلى السوء وتزعجهم وحينها يأتي بنو إسرائيل إلى نبيهم يشكون هذا الحال وهم في بداية الطريق وبداهة الإيمان، فيجيبهم بقوله: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (١) .

стр. 85

إن بني إسرائيل لم يجدوا عند نبيهم حلًا لهذا الأمر سوى الاستعانة بالله والصبر وبشائر في المستقبل ستنالهم إن أحسنوا الاستعانة بالله والصبر على هذا النكال، ولكن الأمر يطول والعذاب يشتد، والأمر يأتي من الله ببناء بيوت في مصر ولم يأت حسب ما يتوقع من أمرهم بالفرار، أو ردَّ الأذى ووعدهم بالنصر، أو ارتفاع أذية الفراعنة أو إهلاكهم، كل ذلك لم يحدث، وإنما جاء الأمر من الله ببناء البيوت! وبناء البيوت يدل على أن الحال سيطول على ذلك، والبيوت إنما هي للاختفاء وإقامة الصلاة فيها، فالبلاء لم يزدد إلا شدة وبشائر لا أثر لها ولا خبر عنها في الواقع المحسوس، قال - تعالى -: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) .

стр. 86

إن محنة بني إسرائيل من نوعها هنا وهي بلية لا مثيل لها في بلاوى الابتلاء ألبتة، فالقوم أبناؤهم يقتلون ونساؤهم يخدمن ويُهنَّ من أعدائهم الكافرين، ويبقون على ذلك سنين، وربهم الذي آمنوا به على يد موسى لا ينقذهم من هذا الحال، ولا يرفع القتل عن أبنائهم ولا الاستحياء عن نسائهم ولا يأذن لهم بالفرار من أعدائهم بل يأمرهم بإقامة البيوت ومواصلة العبادات، والبشائر على لسان نبيهم تترى بشارة تلو بشارة ولا أثر لها ظاهر في تغيرات الأحداث بل تزداد سوءًا بهم وقهرًا لهم، وهم على هذا الحال صابرون متوكلون يتضرعون إلى ربهم قائلين: ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (١) ، حتى بلغوا من الصبر مبالغ أرضت خالقهم، حتى إذا رضي عنهم فلق لهم البحر فلقًا وقتل عدوهم غرقًا وأتم عليهم كلمته الحسنى على عظم صبرهم وإقامتهم دينهم رغم فتنة عدوهم، حتى أورثهم مشارق الأرض ومغاربها، فكان عظم الجزاء مع عظم البلاء حقًا.

стр. 87

﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ (١) . (٣) ترتب غلبة المجاهدين وتأييد الله لهم على الصبر. لقد رتب الله غلبة المؤمنين على الصبر بل ضمن لهم ضمانًا أكيدًا أنهم مع الصبر يغلبون ضعف عددهم، وأن لا مندوحة لهم من الانحياز عن عدوهم أو عدم لقائه إذا كان على الضعف منهم فإنهم بمجرد توافر الصبر لديهم مع الإيمان يغلبون ضعفهم مباشرة.

стр. 88

قال - تعالى -: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (١) ، ومفاد الآية هنا قاعدة ثابتة مضمونة ممن خلق الخلق وهو أعلم بهم بأن طائفة المؤمنين تغلب ضعفها إذا كانت صابرة وأن لا عذر لهم في الانحياز عنهم إذا كان الأعداء ضعف عدد أهل الإيمان بل عليهم لقاءهم والصبر على جلادهم، والغلبة مضمونة لهم (٢) . وقد أشكل على بعض الناس أنه وجد أن طائفة من المؤمنين قد لا تثبت لضعفها من الكافرين، بل وجد أن الكافرين هزموا المؤمنين في عدة حروب وهم على السواء من العدد مثلًا بمثل، فيكف ذلك والآية تنص على أن المؤمنين يغلبون ضعف عددهم، وأجيب بأنه لا إشكال في ذلك ولا معارضة فيه للآية، إذ لا بد أن تكون هذه الطائفة المؤمنة المنهزمة أو المغلوبة غير متصفة بصفة الصبر (٣) ، وإلا فلو اتصفت بها مع الإيمان لاستحال انتصار طائفة الكفر عليها سواءً كانت مثلها أو ضعف عدد طائفة الإيمان.

стр. 89

أما ترتب التأييد الإلهي للمجاهدين المؤمنين على صفة الصبر وقيامهم بها وأنها شرط في ذلك، فلقد وضح هذا الأمر غاية الوضوح في غزوة أحد، فلقد وعد الله المؤمنين فيها بالمدد من الملائكة، ووعدهم بزيادة عدد المدد من الملائكة إلى خمسة آلاف ملك في غزوة أحد بالذات، وعين ذلك لهم تعيينًا، وبينه لهم تبيينًا، وعلقه على الصبر والتقوى. فقال : ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ (١) ، قال أهل التفسير: ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ أي من غضبهم وسفرهم هذا، فلقد عين الله إذن للمؤمنين المدد في هذه الغزوة تعيينًا واضحًا وأشار إليه، ولكن رغم ذلك لم يحصل المدد لتخلف شرطه وهو الصبر والتقوى. قال مجاهد وعكرمة والضحاك والزهري وموسى بن عقبة: إن الوعد في الآية متعلق بيوم أحد؛ لكنهم قالوا لم يحصل الإمداد بالخمسة الآلاف من الملائكة لأن المسلمين فروا يومئذٍ؛ زاد عكرمة: ولا بالثلاثة الآلاف لقوله - تعالى -: ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ فلم يصبروا بل فروا فلم يمدوا بملك واحد (٢)

стр. 90

المطلب الثالث التواصي بالصبر لقد أوصى الله بالصبر وأمر به وأوجبه في مواطن عدة، وبين أن جزاءه أعظم الجزاء فقال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (١) ، وامتدح المؤمنين بالصبر وعدَّ ذلك الفعل منهم مانعهم من الخسران، كما قال - تعالى -: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٢) ، وقال - تعالى -: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ (٣) ، إن التواصي بالصبر أمر ضروري لا يقل عن التواصي بالحق والتذكير به، بل هو شطيره في هذا الشأن. وجماعة المؤمنين وهي ترجو تمكين الله لها لا بد من تواصي أفرادها بالصبر ومتى قل التواصي بالصبر فيهم أو تبرموا منه أو تذمروا ممن يذكر به ويحض عليه فهم أبعد الناس عن نيل النصر، والقرب من مواطنه.

стр. 91

ولقد كان التواصي بالصبر في فجر دولة الإسلام حين كان رسول الله ﷺ وصحبه يرتقون مراتب التمكين رتبة رتبة، ويسيرون إلى عليائه مرحلة مرحلة، حينها كان التواصي بالصبر ماثلًا أتم المثول، حتى لقد قال عمر بن الخطاب ﵁ وهو متربع على كرسي الخلافة الراشدة، حين بلغت دولة الإسلام أعلى مراتب التمكين: "خير عيش أدركناه بالصبر" (١) .

стр. 92

العامل الرابع التواصي بالحق إن وجود مبدأ التواصي فقط في جماعة أو أمة أمر كفيل باتزان ما يصدر من تلك الجماعة وانضباطه والسير الآمن المتقدم إلى غاية تلك الجماعة سواءً كانت تسعى لتمكين نفسها أو تسعى لأمور اقتصادية أو اجتماعية. فما بالك بالجماعة المؤمنة حين تنتهج مبدأ التواصي، والتواصي بماذا؟ بالحق وهو الدين الذي ارتضاه لهم ربهم. إن الانضباط والاتزان وروعة الأداء وتحقق الفلاح والنجاح سيكون أكثر بكثير مما يخطر ببال من اشتغل بالتفكير في تلكم الأمور، كيف وهي تتجه إلى نور من ربها وتتهادى إليه وتتحاضَّ إلى زيادة الإقبال عليه. قال - تعالى -: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١) .

стр. 93

ومن أعظم التواصي بالحق تعلم العلم - علم شرائع الدين - وتعلمه ومن هنا جاءت الأحاديث العظام في فضل العالم وفضل طالب العلم من وضع أجنحة الملائكة واستغفار الحيتان والدواب لمعلم الخير وطالب العلم، وما ذلك إلا لما لتعلم العلم وتعليمه من أثر عظيم في بقاء شعائر الدين على دوام العصور في نفوس المسلمين وعدم انطماس نور الوحي في نفوسهم وسلوكهم وبقائه فيهم وكفى بذلك تمكينًا للدين ينقله من جيل إلى جيل عبر العصور وكر الدهور. وكذلك فإن تواصي أهل الإيمان فيما بينهم - بعضهم لبعض - لإنجاح أمورهم وتحقيق رضا ربهم كفيل بأن ينظر الله لهم على ذلك الحال ويرى حرصهم على "الحق" ابتغاء وجهه، حتى جعلوه وصيتهم فيما بينهم فيرحمهم ويكلأهم. والتواصي بالحق كما جاء في سورة العصر مانع من موانع الخسران (١) ، والآية هنا - آية التوبة هذه - توضح كذلك أنه سبب لشمول رحمة الله - سبحانه - وتنزلها على من فعلوه فيما بينهم.

стр. 94

إن التواصي بالحق - والوصية لا تكون إلا لمن يتوقع من الامتثال - قضية خاصة بتلك الجماعة المؤمنة الذين يمتثلون وصية بعضهم لبعض ويعدونها وصية أخٍ مؤمن صادق ناصح لأخيه المؤمن، فكما أن أهل الإيمان ينصحون غيرهم ويبلغونهم دعوة الحق فهم كذلك لا يقلون حاجة في أن يتواصوا بها ويقوِّم بعضهم البعض الآخر على مناهجها. وحين يعتنون بهذا الجانب ويحيونه فيما بينهم يبلغون به من الثبات والتقدم والرفعة والتمكين مبلغًا عظيمًا. قال - تعالى -: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ (١) . وفي هذا الجو الجميل الرائع من التواصي والتراحم ينشأ جو الشورى وانحزام الرأي، وتبادله للخروج إلى أحسن المخارج وأحسن السبل. الشورى:-

стр. 95

والشورى كما سلف لا تنمو إلا في جوٍ قد تشبع بالقناعة بالتواصي بالحق وأقره مبدأ وتعارف عليه وتآلف إليه، والشورى وهي عرض الآراء وتبادلها للاهتداء إلى أحسنها وهي لا تكاد تخطئ أبدًا، ومن أجل ذلك وتعليمًا للأمة بفضل الشورى أمر الله رسوله بمشاورة أصحابه، رغم أنه كان في غنىً عن ذلك لما يصل إليه من وحي الله وتوجيهاته. قال : ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (١) . وفي ذلك إشارة إلى أن الشورى قضية هامة تستقبل بها أهوال الحروب، وتُدارُ بها خطط المعارك، وتحل عن طريقها معضلات الأمة وأزماتها. قال ابن كثير عند قوله - تعالى -: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (٢) : "أي لا يبرمون أمرًا حتى يتشاوروا فيه ليتساعدوا بآرائهم في مثل الحروب وما جرى مجراها" (٣) . ومما لا شك فيه أن انعدام الشورى في جماعة أو أمة تسعى للتمكين وتواجه الحوادث والحروب كفيل بحلول الهزيمة وتمزق تلك الجماعة مهما توافر فيها من قوة واجتماع على قيادة وإيمان وغير ذلك من أسباب النصر.

стр. 96

وذلك أنه في حالة انعدام الشورى ستنطلق تلك الجماعة المسكينة بحدها وحديدها في مواجهة أمر من الأمور سالكة طريقًا تظن أنه الأولى، ولعله الأردى الذي فيه هلاكها، وما كان ينقصهم ليتلافوا ذلك إلا جلسة يسيرة يتبادلوا فيها الآراء فيصيبون الرشد، وإن أخطأوه لم يبعدوا عنه كثيرًا. فالشورى لا تكاد تخطئ الصواب وإن أخطأته فلا يمكن أن تقع في أردى الأحوال أبدًا، وإنما تتجه إلى الصواب غالبًا، أو قريبًا منه نادرًا، وهنا نرى مدى أهمية الشورى في تمكين الدعوة واستقبالها للنصر، والنجاء بها من رديء الرأي وغبش التصور ولهذا جعلها الله من صفات أوليائه المؤمنين المنقادين لربهم وأثنى عليهم بها وجعلها صفة لأمرهم الذي يهمهم. قال : ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (١) .

стр. 97

الحالة الأولى: مجرد إقامة الحجة .

стр. 98

فمجرد إقامة الحجة يتأتى بأدنى بلاغ مبين مثل: استماع قدر من القرآن فيه إبانة للدين ولو كان يسيرًا فمجرد سماع المدعو لذلك كافٍ لإقامة الحجة عليه قال - تعالى -: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ .. (١) . الآية، قال ابن كثير ﵀: "أي استأمنك فأجبه إلى طلبته حتى يسمع كلام الله أي القرآن تقرأه عليه وتذكر له شيئًا من أمر الدين تقيم به عليه حجة الله" (٢) فسماع شيء من كلام الله حجة ملزمة وبلاغ الدعوة إلى المدعو أو سماعه بأمر الدين وشريعته سماعًا بينًا أمر كافٍ لإقامة الحجة عليه وانقطاع عذره وحجته على الله يوم القيامة وسبب في دخوله النار إن مات على الكفر بعد ذلك إلا أن مجرد البلاغ - من هذا النوع - يقيم الحجة على المدعو ويسلم الداعي من الإثم حيث بلغ ما علمه من الدين ولم يكتمه إلا أن قيام الحجة هذا لا يمنع من بقاء هذا الكافر أو الفاجر منعمًا في الدنيا متمتعًا بلذائذها ولكنه ساقط الحجة يوم القيامة فله النار قال ﷺ في الحديث الذي رواه عنه أبو هريرة ﵁: «والذي نفس محمد

стр. 99

بيده ما يسمع بي أحد من هذه الأمة، لا يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولا يؤمن بما أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار» (١) . إذن فمجرد البلاغ المبين ولو كان يسيرًا كافٍ لإقامة الحجة، ولكن ذلك كذلك مجرد إقامة حجة لا يستوجب عقابًا في الدنيا ولكن الحجة قامت بالتمام بعد الممات ولا حجة له إذا لقي الله.

стр. 100

الطريق الأول: عن طريق ديمومة الإنذار ومعاودة الإبلاغ

стр. 101

وتقصي جميع حالات النصح الصادق وأطواره؛ وذلك أن الله قد ذكر إهلاكه لمن أهلكهم من المكذبين فبين أنه لم يهلكهم بتكذيبهم الأول ولا الثاني ولا الثالث وإنما كلما كذبوا لم يمنع ذلك التكذيب رسلهم ودعاتهم من دعوتهم وزيادة البيان لهم والتلطف في النصح وضرب الأمثال لهم، بل إن الله لم يذكر في القرآن إهلاكه لمكذبين من السابقين إلا ويذكر كيف دام إنذارهم وتواصل نصحهم قبل ذلك حتى لم يبق لإنسان أن يخطر بباله أن الحجة لم تقم عليهم وأن سفهاءهم قد علموا حقيقة الدعوة وتبينوها فضلًا عن الملأ منهم وعامتهم ولقد ذكر الله - سبحانه - نصح نوح لقومه بأطواره ودوامه وقوته وكثرته قبل إهلاكهم، وعزز - سبحانه - بثلاثة رسل لأهل قرية واحدة ثم سرد نصح مؤمنهم قبل حلول الهلاك بهم، وكذلك قوم فرعون فهذان رسولان ينذران وسرد الله نصح المؤمن الذي كان يكتم إيمانه وكان منهم وهو يذكرهم بما هم فيه من نعمة الملك ويحذر من الاعتداء على موسى وأخيرًا يتنزل معهم كل التنزل في النصح ليتركوا موسى وشأنه: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ .. (١) الآية..

стр. 102

وكذلك أصحاب السبت فإنهم لم يهلكوا وهم على معصيتهم حتى كانوا على إنذار دائم ووعظ مستمر حتى سأل طائفة من المؤمنين الطائفة الواعظة المؤمنة الأخرى أن تهون من دوام ذلك الوعظ الذي لا تراه مجديًا ولا حوله من يجيب أو يرعوي (١) : ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ (٢) . وبناءً على هذا نخرج بأن دوام النصح الصادق المتقضي كل طرق التلطف والتذكير يؤدي إلى حلول العقوبة العاجلة بالمدعوين المكذبين لا سيما إذا قابلوا ذلك بالعتو وزيادة الاستكبار.

стр. 103

وهنا ملاحظة يحسن ويجمل أن تذكر وهي: أن النصح يجب أن يسدى والناصح كله أمل وطموح لأن تقبل نصيحته وتنفع في استجابة المدعوين كما قال عن نبي الله نوح - على نبينا وعليه الصلاة والسلام -: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (١) . فيا سبحان الله حقًا! بعد كل هذا النصح من نوح والعناء في إسدائه ودوامه يقول له الله عندما يخبره بأن المتوافدين على الإيمان من قومك لن يزيدوا ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾ لقد كان يُتصور أن الرجل سيفرح ليستريح من عناء تلك المناصحة وإبلاغ الدعوة ولكنه؛ لا بالعكس سيحزن ولذلك سلاَّه الله - سبحانه - وقال: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾ مما يدل على صدق النصح وعظم الأمل الذي كان يؤمله نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام في أن يجدي نصحه المتواصل، نعم إن إبلاغ الدعوة والمناصحة يجب أن يكثر منه تجاه المدعويين وألا يكون لغرض إقامة الحجة عليهم الموجبة عذابهم العاجل بل يكون للقيام بواجب النصح الصادق الخالص لوجه ربنا .

стр. 104

الطريق الثاني: قيام الحجة الموجبة للعذاب عن طريق المعجزة . وهذا سيذكر في مبحث "المعجزة" وكيف أنها عامل وطريق مباشر في قيام الحجة الموجب لحلول العقاب الدنيوي العاجل قال - تعالى -: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ .. (١) الآية.. وسبب نزولها مبين لهذا الباب تمام البيان (٢) .

стр. 105

الحالة الأولى: قلب أقوام من الكفر إلى الإيمان والتسليم والانقياد لدعوة الحق، مثل ما وقع حين تحدى موسى السحرة. قال - تعالى -: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ (١) .

стр. 106

الحالة الثانية: زيادة إيمان المؤمن وتكميل إيمانه ونفي الارتياب ودخائل الشكوك عنه فيبلغ بمعاينة المعجزة ومعايشتها درجة اليقين، وهذا من جنس قوله - تعالى -: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ (١) . وهو كذلك من جنس قوله - تعالى - في إبراهيم - عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام -: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ... الآية (٢) .

стр. 107

الحالة الثالثة: التي تنتج بعد حصول المعجزة فهي حالة زيادة الكفر والجحود والغطرسة - رغم قيام الحجة بالمعجزة - من الكفار الذين لم يؤمنوا واتبعوا أهواءهم، رغم أنهم قد علموا أنها حق وازدادوا يقينًا في دواخل أنفسهم؛ لأنها صدق لا ريب فيه تشهد على صدق النبي وأنه مرسل من الله، ولكن استكبارًا وجحودًا وبغيًا بغير الحق، فيؤدي وقوع المعجزة ووقوع هذا الحال منهم تجاهها إلى قيام الحجة الموجب لحلول العذاب المباشر، كما قال على لسان نبي الله موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام وهو يرد على جحود فرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ (١) . ولقد استقر الحال على سنة من الله ثابتة لا تتغير وهي أن المعجزة حين تحدث ثم يكفر ويكذب بها فإن العذاب ينزل مباشرة بالمكذبين ولا يمهلون.

стр. 108

عن ابن عباس ﵁ قال: «سأل أهل مكة النبي ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، وأن ينحي الجبال عنهم، فيزرعون، فقيل له: إن شئت أن تستأني، وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت من قبلهم. قال: لا بل استأني بهم، فأنزل الله هذه الآية ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ (١) » [رواه أحمد والنسائي والحاكم وقال صحيح الإسناد (٢) ] .

стр. 109

العامل السابع مسايرة الوضع الملائم في حدود مرضاة الله (الحكمة في الدعوة) مسايرة الوضع الملائم في حدود مرضاة الله تلك قضية بارزة نراها بجلاء في دعوات الأنبياء التي ذكر الله في كتابه أطوار تمكينها ومراحل انتقالها من الضعف إلى القوة، مثل دعوة نبي الله موسى ونبينا محمد ﷺ ، ومسايرة الوضع الأنسب والملائم والموافق لرضا الله تبرز في تلك الدعوات من خلال ما كان يربها به الرب - سبحانه - من أوامر وتوجيهات. كانت تأتي تلك الأوامر والتوجيهات لجماعة أهل الإيمان بما يجعلها في أمان من الصدام والذي ينسفها أو يخضد شوكتها وهي لا زالت في حالة من ضعف، مما يجعلنا نرى تلك العناية والرعاية الربانية جلية واضحة مسايرة وملائمة لبقاء الدعوة وأفرادها من الاجتياح الكاسر الغاشم، وخير مثال لذلك ما كان ﵊ من الاستسرار بالدعوة وعرضها على من يثق به ويطمئن إليه حتى جاءه بعد ثلاث سنوات من تلك الحال قوله - تعالى -: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١) .

стр. 110

قال أبو عبيدة عن عبد الله بن مسعود ﵁: (ما زال النبي ﷺ مستخفيًا حتى نزلت ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ فخرج هو وأصحابه) (١) . وهذه رعاية إلهية ظاهرٌ دورها في خدمة الدعوة ورجالاتها بالاستسرار حتى يبلغوا من الحال والعدد ما يطيقون بعده الجهد وتحمل تبعاته. وأحيانًا تأتي التوجيهات الربانية للدعوة بالإحجام في ساعة يرى الكل أنها ساعة الإقدام، وأحيانًا يأتي الأمر بالإقدام في ساعة العسرة، وتطلع النفوس إلى الراحة أو إلى خيار آخر مثل ما وقع في غزوة بدر، وكان الخيار الذي اختاره الله لهم غير ما تطلعت إليه النفوس، ووصف ذلك ربنا في كتابه، فقال - سبحانه -: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ (٢) . وكذلك كان الأمر من الله في غزوة تبوك، في ساعة العسرة، وشدة القيظ، وبعد الشقة، وطيب المقام في المدينة، إذ طابت ثمارها، ومالت ظلالها، فكان الأمر من الله بالغزو، حتى كادت بعض القلوب تزيغ.
следующие страницы →