Полный текст (167 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وما اقترفه الأعرابي لا يحتاج العلم بأنه منكر، إلى معرفة خاصة، فالفطرة تأباه، وبرغم من ذلك، ما أنَّبه النبي ﷺ ، وما سبَّه، بل وما غضب، بل كان الرفيق الرحيم، وقد علَّم أصحابه والأمة، وهداها بهذا وبقوله: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه» .
وقد قال لأم المؤمنين عائشة ﵂، حين غضبت من قولة اليهود له ﷺ : «السَّامُ عليكم: فقالت: وعليكم السَّامُ واللعنةُ، قالت: فقال رسول الله ﷺ : ((مهلاً يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كلَّه)) ، فقلت: يا رسول الله، أولم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله ﷺ : ((قد قلت: وعليكم)) » .
стр. 72
وعن أبي أمامة قال: «إن فتىً شاباً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ائذن لي في الزنا. فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مَهْ، مَهْ. فقال: ((ادنه)) ، فدنا منه قريبا، قال: فجلس، قال: ((أتحبه لأمك؟)) قال: لا، والله، جعلني الله فداءك. قال: ((ولا الناس يحبونه لأمهاتهم)) . قال: ((أتحبه لابنتك؟)) قال: لا، والله، يا رسول الله جعلني الله فداءك. قال: ((ولا الناس يحبونه لبناتهم)) . قال: ((أتحبه لأختك؟)) قال: لا، والله، جعلني الله فداءاك. قال: ((ولا الناس يحبونه لأخواتهم)) . قال: ((أفتحبه لعمتك؟)) قال: لا، والله، جعلني الله فداءاك. قال: ((ولا الناس يحبونه لعماتهم)) . قال: ((أفتحبه لخالتك؟)) قال: لا، والله، جعلني الله فداءاك. قال: ((ولا الناس يحبونه لخالاتهم)) . قال: فوضع يده عليه، وقال: ((اللهم اغفر ذنبه، وطهَّر قلبه، وحصَّن فرجه)) فلم يكن بعد ذلك الفتى يلفت إلى شيء» .
стр. 73
أي منكر هذا الذي يستأذن فيه الفتى؟ وأي منكر يكون ذلك الاستئذان من سيد الأنبياء؟ إنه لمنكر جدَّ عظيم، لا يملك أحد غير النبي ﷺ إزاءه ذرة من حلم ورفق، ولكنه ﷺ الرؤوف الرحيم، الذي بلغ في موقفه هذا وكثير غيره، حد الإعجاز لكل ما عداه من الخلق، أن يبلغ ما بلغ في هذا الحلم والصبر الجميل.
وليس الرفق والحلم في تغيير المنكر، بذاهب بصاحبه إلى المداهنة والمصانعة حين يعتدى بذلك عمداً على حق من حقوق الله تعالى، أو حقوق عباده، بل يكون ذلك حينذاك الحزم والحسم والغضبة لله رب العالمين.
стр. 74
((عن عروة بن الزبير، عن عائشة ـ زوج النبي ﷺ : «أن قريشاً أهمّهم شأن المرأة التي سرقت في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أُسامة بن زيد، حبُّ رسول الله عليه وسلم، فكلمه فيها أسامة بن زيد، فتلوَّن وجه رسول الله ﷺ ، فقال ((أتشفع في حدَّ من حدود الله؟)) فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول الله. فلما كان العشي قام رسول الله ﷺ فاختطب، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإنما أهلك الذين من قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدَّ. وإني ـ والذي نفسي بيده ـ لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)) ، ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت، فقطعت يدها.»
قال يونس: قال ابن شهاب، قال عروة: قالت عائشة: ((فحسنت توبتها بعد، وتزوجت، وكانت تأتيني بعد ذلك، فأرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ ، متفق عليه، والنص لمسلم.
стр. 75
كذلك الرفق، وكذلك الحزم في تغيير المنكر، كلُُ في موضعه الذي هو به أليق وأكرم وأجدى وأنفع.
ومما يدخل في باب الرفق والحكمة في هذا، ألا يكون ذلك مواجهة ومصارحة في ملأٍ من الناس، فإنها حينذاك تشهير لا تذكير. يقول الإمام الشافعي: من وعظ أخاه سرّا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه.
وقد جعل الله من عقوبة من عَيَّرَه أخاه بذنب، أن يقع فيه: «من عَيَّرَ أخاه بذنب لم يَمُتْ حتى يعمله» ، وذلك إذا لم يكن صاحب المنكر مجاهراً مفتخراً، به متخذاً فعله رسالة حياته، كمثل الماسونيين والعلمانيين والماركسيين وغيرهم من المرجفين المحاربين الله ورسوله ﷺ ، فمن كان كذلك فقد وجب تغيير منكره، ودفعه علانية، وفضح أمره وأفاعيله وصنائعه السوء والإرجاف وإشاعة الفاحشة والسُّوأى، فإن الله عز وعلا حَرَمَ المجاهرين عفوه:
((عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كُلً أُمَّتي معافى إلا المجاهرين، وإنَّ المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا، وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه» .
стр. 76
فإذا ما كان هذا حال من جاهر على هذا النحو، فكيف بحال من لا يفعلها بليل، بل يفعلها جهاراً نهاراً، ويتخذها فخاراً ومنهج حياة؟ أولئك أولى بالحرمان من عفو الله، وأولى بفضح أمرهم للناس، حتى يعرف الناس صنيعهم فيحذروا وينكروا.
فالحكمة في تغيير منكر مثل هؤلاء المجاهرين بالمنكر المفاخرين بفعله، والدعوة إليه، الغلظة في وجوههم، والتصريح بأسمائهم وأوصافهم وأفعالهم، وبمن يناصرهم، أو يسكت عن باطلهم، حتى يكشف حالهم، فلا يخدع الناس بمكرهم، وزائف فكرهم، وزخرف قولهم، وباطل مذهبهم.
وهم ـ خداعاً وزوراً ـ ينعقون في محافلهم العامة، ومناشيرهم السيارة، أنهم مسلمون موحدون ملتزمون بصحيح الإسلام، وأنِّ من خالفهم إنما هو الذي يدعو الناس إلى عبادة الله بآراء خلقه، لا بهدي كتابه، كذلك يزعمون، وينادون أن الإسلام قد عصم دماءهم وأعراضهم وأموالهم، بلا إله إلا الله، وأنهم يقولونها، فلا تحل دماؤهم وأعراضهم.
стр. 77
ذلك ديدن المنافقين من الماسونيين والعلمانيين والماركسيين، فذلك دعامة ((السَّلولية)) التي اتخذوها عقيدة من دون الإسلام. فإذا ما تخفَّى أولئك تحت ادعاء قول ((لا إله إلا الله)) فإن هذه ليست كلمات تقال فحسب، وإلا لما قاتلت ((قريش)) النبي ﷺ ، حين طالبهم بها، إنما هي منهاج حياة ورسالة وجود، لها مقتضياتها وحقوقها، وواجباتها. وفي حياة كل قائل لها آيات ظاهرة على تمكنها من قلبه واستقرارها فيه، فيكون المسلم المعصوم بها دمه وماله وعرضه، أو يكون في حياته ناقضاتُُ لمعنى ((لا إله إلا الله)) ومنهجها ورسالتها، فتكون تلك الآيات القاطعات بأنه ليس الذي يعصم بها دمه وماله وعرضه.
كل قائل ((لا إله إلا الله)) عليه أن يعرض نفسه ومنهج حياته وحركته في الأرض على مقتضيات تمكن ((لا إله إلا الله)) من قلبه أو ناقضاتها.
стр. 78
هل يعصم قول: ((لا إله إلا الله)) من يطعن في كتاب الله، ومن يدعو إلى التحرر من سلطة القرآن، بل من سلطان الله، ومن لا يرضيه أن تكون علاقته بالله علاقة عبد بسيده لأنه لا يحب الإذعان؟ وهل يعصم قول: ((لا إله إلا الله)) من يستهزئون بالرسول والسنة والصحابة، كمن يستهزئ من التيمم بالتراب عند نقض الوضوء لذي عذر، ويستهزئ بالوضوء بغسل اليدين والوجه ... إلخ لمن خرج منه ريح، ويتساءل ما علاقة ذلك بوجهه ويديه، ألا يكفي غسل محل خروج الريح؟
وهل يعصم قول: ((لا إله إلا الله)) ، دم وعرض ومال من يزعم أنَّ بعض أحكام الشريعة الثابتة بالكتاب والسنة، إنما هي رجعية وعادات بدوية لا تليق بالحياة المعاصرة، وأنَّ القرآن والسنة لا يصلحان في القرن العشرين أن يحتكم إليهما في حياتنا السياسية والاجتماعية؟
وهل يعصم قول: ((لا إله إلا الله)) ، دم وعرض ومال من يعلن صراحة أنَّه ضد الحكم بما أنزل الله؟
أيتفق ادَّعاء الإسلام، مع كل هذه الناقضات معنى ((لا إله إلا الله)) ، من قلوب أصحاب هذه الأقاويل والدعاوى؟
стр. 79
ويتعلق أولئك المرجفون في المدينة بحديث سيدنا ((أسامة بن زيد)) الذي رواه الإمام ((مسلم)) الذي يقول فيه سيدنا ((أسامة)) :
«بعثنا رسول الله ﷺ في سرية فصبّحنا الحُرُقات من جهينة، فأدركت رجلا: فقال: لا إله إلا الله، فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : ((أقال لا إله إلا الله وقتلته؟)) . قال: قلت يا رسول، إنما قالها خوفا من السلاح. قال: ((أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟)) . فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ» .
وإذا كان أولئك لا يتعلقون بالسنة إلا حين يرون فيها ما ينفعهم في تنفيذ مخططهم ((السَّلُولي)) فإن تعلقهم بحديث ((أسامة)) غير نافع لهم.
وكل عاقل يقرأ الحديث قراءة مسلمة، يجد أن حالهم لا يتفق مع حال الرجل الذي طعنه ((أسامة)) فقتله.
стр. 80
الرجل الذي قتله ((أسامة)) بعد قول ((لا أله إلا الله)) لم يظهر منه لسيدنا ((أسامة)) بعد قولها ما ينقضها، من قول أو عمل، فكان على سيدنا ((أسامة)) أن يعصم دمه بها، حتى يقع منه ما ينقضها قولاً أو فعلاً، ولذلك قال له الرسول ﷺ : «أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟» ، أي أقالها خوفاً من السلاح، وما يزال على ما كان عليه قبلها، أم قالها اعتقاداً جازماً، فلو أنه بدا من الرجل ما يجعل أسامة يوقن أنه قالها خوفاً، ما أنكر عليه النبي ﷺ قتله بعد قوله: ((لا إله إلا الله)) ، لأنها ستكون مقالة خادعة.
стр. 81
والماسونيون والماركسيون والعلمانيون، وكل المرجفين في المدينة، لا يكفون عن قول وفعل ما ينقض قولهم: ((لا إله إلا الله)) نقضا لا يبقي ولا يذر، فجميع أحوالهم التي يعيثون بها في الأرض فساداً، تنادي صباح مساء أنهم إنما يقولون: ((لا إله إلا الله)) تقية وخديعة، وأن هم في هذا كمثل الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (البقرة: ١٤) .
﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (آل عمران: ٧٢) .
стр. 82
فمثل أولئك، الحكمة كل الحكمة في تغيير منكرهم، كشف أقاويلهم وأفاعيلهم مقرونة بها أسماؤهم وأوصافهم ومواقعهم في الحياة الثقافية والقيادية، وبيان أباطيلهم، وما يرمون به إليه من إفساد في الأرض، وحب لإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، حتى يعرف الناس حقيقتهم، فلا يخدعون بمعسول قولهم وزخرفهم، فإن لكثير منهم فصاحة لسان تسبي قلوب وعقول الدهماء، وقد حذَّر النبي ﷺ من أمثالهم.
عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن أخوف ما أخاف على أُمتي كلُّ منافق عليمُ اللسان» .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من تعلَّم صرف الكلام ليَسْبيَ قلوب الرجال أو الناس لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا» .
وإن من ألزم ما يحمله أهل العلم وطلابه من فرائض، الوقوف على حقيقة مذاهب العلمانيين والماسونيين، والماركسيين، ومن شايعهم، والاجتهاد في فحصها وسبر أغوارها ودفائنها، وخبئ مراميها، ونقض ما فيها من دعاوى باطلة وأقاويل فاسقة.
إن حسن الظن بأمثالهم يردي في مهاويهم، فالمؤمن كَيِّس فَطِن، لا يُلدَغ من جُحْرٍ مرتين.
стр. 83
وإن الحكمة في أمثالهم، الاستماع إلى قول الشاعر:
والجَهْلُ إنْ تَلْقَهُ بالحلم ضقت به ... ذَرْعا وإنْ تلقَهُ بالجَهْل يَنْحَسِمِ
стр. 84
بيان المغِّير المنكر: شروطه وآدابه
إذا ما كان تغيير المنكر، عبادة يتقرب بها إلى الله تعالى، فإنه يشترك مع بقية العبادات في بعض الفرائض:
· أن يكون القائم بالتغيير مكلفا، وأساس التكليف: العقل والبلوغ، فمن جنَّ عقله، أو أصابه فيه داء، فقد أعفي من فريضة التغيير، ما بقي الجنون أو الداء، ومن لم يبلغ الحلم، لا يجب عليه التغيير لمنكر رآه، فإن كان مميزاً عارفاً بالمنكر قادراً على تغييره صحَّ له أن يغيره، ولا يجوز منعه من ذلك
كما لا يجوز حمله على التغيير، إلا على سبيل تدريبه على الطاعات من قبل وجوبها عليه، على أن يكون ذلك تحت إمرة وليه.
стр. 85
· أن يكون مسلماً، فإنَّ أي عبادة لا تقبل بغير إسلام، ولا تفرض من قبل الدخول فيه، فلا يتصور أن تفرض على غير المسلم، أن يغير ما تنكره شريعة هو لا يؤمن بها، وإن كان ذلك منكراً في شريعته، التي يؤمن بها أيضاً، فنحن غير مكلفين بحمل غير المسلمين على التمسك بشرائع عباداتهم، التي يتفق بعضها مع بعض ما في الإسلام، فلم يكن النبي ﷺ يحمل يهود المدينة على ترك الربا، وهو المحرم في توراة موسى ﵇، مثلما هو محرم في الإسلام، إلا إذا تحاكموا إلى المسلمين، فيحملون على حكم الإسلام وحده، لأنهم تحاكموا إليه طواعية.
فإذا أعان غير المسلم على تغيير المنكر، أثيب على إعانته تلك، بما يليق بها من نعم الدنيا، ولا يصح منعه من أن يعين على ذلك إلا إذا خرق شروط التغيير وآدابه.
стр. 86
· ولا يشترط مع الإسلام العدالة، فكل مسلم يجب عليه تغيير المنكر على الوجه الذي هو أهل له، وليس بلازم أن يكون غير مرتكب للمنكرات. ذلك ما عليه أهل العلم فإن للفاسق بل عليه أن يغير المنكر، إلا إذا كان لا يقيم الصلوات المكتوبات استهانة أو استهزاء أو إنكاراً لفرضيتها، فإنه يكون بذلك غير مسلم البتة، بل هو مرتد، وهو أدنى منزلة من أهل الكتاب، فإن استتيب وتاب والتزم، وجبت إعانته وإكرامه وتأليف قلبه.
أما إن كان فاسقاً يؤدي الصلاة أو يتركها كسلاً لا استهانة ـ عند بعض أهل العلم ـ فإنه لا يُسقط عنه فريضة تغيير المنكر بسقوطه هو فيه، فإن الفسق لا يرفع التكليف، مثلما ترفعه الردّة، وهذا الفاسق يكون على أحد أمرين:
- أن يكو مرتكبا منكرا غير الذي يراه من غيره.
- أن يكون مرتكباً منكراً من جنس ما يراه من غيره.
стр. 87
إن كان الأول، فإن تغيير منكر غيره فرض عليه، ما تحققت فيه بقية شرائط التغيير. فلا يتأثر بوقوعه هو في منكر آخر، فالواقع في منكر الغيبة مثلاً، عليه أن يغير منكر سرقة واقع من غيره. فإِننا لو اشترطنا أن يكون القائم بالتغيير خالياً من كل منكر، فإنا نكاد لا نجد من يتحقق في ذلك، ولا سيما في عصرنا والعصور القادمة.
يقول سعيد بن جبير: ((إن لم يأمر بمعروف ولم ينه عن المنكر، إلا من لا يكون فيه شيء، لم يأمر أحد بشيء)) فأعجب مالكا ذلك من سعيد بن جبير)) .
وإن كان الآخر أي المغيِّر، واقعاً في منكر من جنس ما يراه من غيره، فإن له حالين: أن يكون غيره عليماً بوقوعه فيه أو لا يكون.
إن كان عليماً بوقوعه فيه فالأولى تغيير منكر نفسه أولاً، ولا سيما إذا ما كان التغيير باللسان، حتى لا يكون السعي إلى التغيير حينئذٍ عقيماً أو عقباه أكثر ضرراً.
وإن كان غير عليم بوقوعه فيه، لم يتوقف تغييره منكر غيره على تقديم تغييره منكر نفسه، بل يفعلهما معاً أيَّاً كان سبيل التغيير وآلته، فلا ينتظر الفراغ من تمام تغيير منكر نفسه، ولا سيما إذا ما كان المغير ذا ولاية عامة أو خاصة على من يريد تغيير منكره.
стр. 88
فإن كان من العامة ومن حوله من يمكن أن يقوم بالتغيير دونه، فعليه الاشتغال بتغيير منكر نفسه أولاً، ويدع غيره يقوم بتغيير هذا المنكر متى كانوا قادرين وصالحين لتغييره.
((يروى أن رجلاً جاء سيدنا عبد الله بن عباس ﵄ فقال يا ابن عباس، إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر قال: أبلغت ذلك، قال: أرجو، قال: إن لم تخش أن تفتضح بثلاث آيات من كتاب الله، فافعل.
قال: وما هنَّ؟
قال: قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ ، أحكمت هذه؟ قال لا.
قال: فالحرف الثاني؟ قال: قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ ، أحكمت هذه؟ قال: لا، فالحرف الثالث؟
قال: قولُ العبد الصالح ((شعيب)) ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ﴾ ، أحكمت هذه؟ قال: لا. قال: فابدأ بنفسك)) .
стр. 89
في هذا الموقوف على ((ابن عباس)) إن صح سنداً، دلالة على أنَّ المرء أن يكون أهلاً للقيام بفريضة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، حتى يكون قياماً مثمراً، فإن لم يك أهلاً فعليه أن يبدأ بنفسه، ويدع غيره لمن هو قادر علي هذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيؤديهما أداء غير عقيم.
على أنه ينبغي أن نكون على وعي، بأنَّ ما قاله ابن عباس لهذا الرجل إنما هو مخصوص بحال ما إذا كان مِنْ حول الرجل مَنْ هو أقدر على القيام بفريضة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فيترك ذلك لمن هو أقدر على نحو ما كان في زمان ((ابن عباس)) ، إذ كان جمهور الصحابة والتابعين كثير.
أما إن كان مثل ذلك الرجل في مجتمع ليس فيه من هو أقدر منه على ذلك أو كان فيه، ولكن عجز عن الوفاء بكل الفريضة، أو شغله المال والأهلون، فلا ريب في أن مثل هذا الرجل، وإن لم تتحقق فيه الآيات الثلاث المذكورات، يجب عليه القيام بفريضة التغيير لمنكر غيره، في الوقت الذي يسعى فيه جاهداً الىتحقيق هذه الآيات الثلاث على الوجه القويم.
стр. 90
ومما ينبغي وعيه هنا أن الرجل كان يرمي إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس إلى تغيير منكر يراه، وفرقُُ غير خفي بين فريضة تغيير منكر وقع ورآه المرء، وفريضة أمر بمعروف ونهي عن منكر، وإن لم يقع.. فالتغيير، بعض النهي، وليس كله.
على أن قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ﴾ ... الآية وقوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ لا يؤخذ منه أن مرتكب المنكر لا يغير منكر غيره، فقد جاء هذا القول في سياق ذم النهي عن المنكر وإتيانه، أو الأمر بالبر، وترك فعله في الوقت نفسه، ولا يلزم من ذلك منع النهي عن المنكر ممن هذه حاله، أو منع الأمر بالبر ممن هذه حاله، بل هو دعوةِ إلى ترك المنكر، لا ترك تغييره في غيره، حتى يتركه هو.. فهو قول سيق للنهي عن ارتكاب هذه الأفعال، وإبراز شناعة إتيانها مع العلم بأنها منكر، ومع دعوة الآخرين إلى تركها.
стр. 91
ومثل هذا أيضاً قوله ﷺ : «يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلقُ أقتابُ بطنه، فيدور كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يا فلان، ما لك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: بلى، قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه» (متفق عليه، والنص لمسلم) .
فذلك الحديث غير مسوقٍ إلى النهي، عن القيام بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ممن لم يفعل المعروف، ويمتنع عن المنكر، بل هو مسوق إلى الإبلاغ في بيان شناعة إتيان المنكر مع النهي عنه، وترك المعروف وأمر الآخرين به.
يقول الغزالي في قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ ونحوه: ((هو إنكارُُ عليهم من حيث تركهم المعروف، لا من حيث أمرهم، ولكنَّ أمرهم دلَّ على قوة علمهم، وعقاب العالم أشد، لأنه لا عذر له مع قوة علمه)) .
· ويبقى شرط إذن الولي الأعلى، أو من ينيبه، لمن يقوم بتغيير المنكر:
يذهب جماعة من أهل العلم إلى اشتراط إذن ولي الأمر الأعلى، لمن يقوم بالتغيير، ويذهب آخرون إلى عدم اشتراطه.
стр. 92
وتحقيق ذلك متوقف على أشياء ثلاثة: حال ولي الأمر، وحال المغيرِ، وحال وسيلة التغيير، والكيفية التي يتم بها التغيير.
أمَّا حال ولي الأمر، فإما أن يكون حاكماً بما أنزل الله تعالى، وإما أن يكون غير ذلك:
إن كان مقيماً لشرع الله تعالى، لا يحكم بغيره عمداً، ولا يخلط به غيره، فإن كان المغيِر من العامة، فإن تغيير المنكر في نفسه، ومن له عليهم ولاية خاصة كالأهل، لا يحتاج إلى إذن، إذا ما غير بلسانه أو بيده في بعض صور التغيير باليد، وإن تكن بعض صور التغيير باليد حينئذ تحتاج إلى إذن، كأن يترتب على التغيير باليد إيذاء بالغ في نفس مرتكب المنكر كأن يضربه ضرباً مهلكاً أو مبرحاً
стр. 93
أما ما رُوي عن ابن عباس ﵄ «أنَّ أعمى كانت له أُم ولد تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر. قال: فلما كانت ذات ليلة، جعلت تقع في النبي ﷺ وتشتمه، فأخذ المِغْوَلَ فوضعه في بطنها واتكأ عليها فقتلها، فوقع بين رجليها طفل، فلطخت ما هناك بالدم، فلما أصبح ذكر ذلك للنبي ﷺ ، فجمع الناس فقال: ((أنشد الله رجلا فعل ما فعل، لي عليه حق إلا قام)) ، قال: فقام الأعمى يتخطى الناس، وهو يتزلزل حتى قعد بين يدي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أنا صاحبها، كانت تشتمك، وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت لي رفيقة، فلما كان البارحة، جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المغول، فوضعته في بطنها، واتكأت عليها حتى قتلتها، فقال النبي ﷺ : ((ألا اشهدوا أنَّ دمها هدر)) » .
стр. 94
إن المنكر الذي وقعت فيه هذه المرأة، إنما هو كفر صراح، وقد زجرت عنه مرارا، ومثل هذا يستباح به الدم، فإن شتم النبي ﷺ ، والجهر بذلك، والإصرار عليه، بعد الزجر، مما لا تحتمله نفس من في قلبه ذرة من إيمان، وكذلك الاستهزاء بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والجهر بذلك، والإصرار عليه.
والصحابي قد أعلن بقوله: (ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت لي رفيقة) أنه ما قتلها لأمر به متعلق، وإنما احتسابا لوجه الله، وغضبة لرسول الله ﷺ .
стр. 95
أما إن كان المنكر في غير أهله، وفي من ليس له عليهم ولاية خاصة، فإن تغيير المنكر باليد، يحتاج إلى إذن ولي الأمر المقيم شرع الله تعالى، وتغييره باللسان إن كان أهلاً له لا يحتاج وله أن يتركه لمن هو أعلم به منه، إن علم أنَّ غيره هذا قائم بذلك، والأولى السعي إلى من يظن أنه أعلم، وأقدر، وأولى، فيخبره ليغير ما رآه من منكر، إن كان ذلك المنكر، مما يحتمل تأخير تغييره قليلاً، فيكون بسعيه إلى من هو أقدر وأعلم بالتغيير قائماً بتغيير المنكر أيضاَ، ويبقى من بعد ذلك عليه مؤازرة أهل العلم والاحتساب، وتكثير سوادهم، وحمايتهم، والدفع عنهم ورعايتهم في أهلهم، إن أضيروا، والدعاء لهم.. فكل ذلك من صور التغيير.
стр. 96
أما إن كان المغيِّر من أهل العلم، والإمامة، المشهود لهم في هذا من الصالحين، وكان ولي الأمر الأعلى مقيماً شرع الله تعالى، فإنَّ تغييره المنكر في غير أهله بيده يحتاج إلى إذن من ولي الأمر، إذا ما كان هذا التغيير مرتباً عليه إيذاء في نفس صاحب المنكر، أما إن كان الضرر واقعاً على ما هو خارج عن نفسه فللعالم الثقة أن يغير المنكر في غيره أهله، دون إذن خاص من ولي الأمر، لأن ولي الأمر المقيم شرع الله تعالى، يأذن ضمناً للعالم الثقة، أن يغير المنكر بيده فيما لا يتعلق بالأنفس، وكذلك تغييره المنكر بلسانه، لا يحتاج فيه العالم من ولي الأمر، المقيم شرع الله، إذناً خاصاً، لأن علمه وإمامته والشهادة له بذلك من أقرانه من أهل العلم، إذنُُ عامُُ، بأن يغير المنكر بلسانه، بل هو أول من يفرض عليه ذلك التغيير، وليس لأحد أن يمنعه من ذلك، متى حقق آداب التغيير باللسان.
أما تغييره بالقلب، فذلك ما لا يستأذن فيه أحدُُ من أحد أبداً، فهو فريضة لا تسقط إلا بسقوط التكليف.
стр. 97
وإن كان ولي الأمر الأعلى لا يحكم بشرع الله تعالى، أو يخلط به ما يشرعه لنفسه، فيأخذ ببعض الشرع في أبواب، ويتركه في أبواب أخرى، فإن الأمر يختلف:
إن كان المُغَيِّرُ من العامة، فله أن يغير المنكر بلسانه، حين يكون قادراً عليه سواء كان المنكر واقعاً من أهله، ومن له عليهم ولاية، أم من غيرهم، شريطة الالتزام بآداب التغيير باللسان.
ولا يحتاج إلى إذن ولي الأمر، الذي لا يقيم شرع الله تعالى، فإن منعه امتنع متى كان في الأمة من يقوم به سواه. ويبقى عليه مؤازرة أهل العلم في هذا ومناصرتهم، والدعاء بنصر الحق وأهله.
وله أن يغير المنكر بيده حين يكون قادراً عليه ملتزماً بشروطه وآدابه، فيما لا يتعلق بالأنفس. والأعلى والأحب إلينا، أن يكون ذلك منه في صحبة مغير من أهل العلم. أو يسعى إلى من هو أقدر وأولى فيخبره، ويؤازره، ويشد من عضده، لتكون لأهل العلم المحققين شوكة في وجه ولي الأمر، الذي لا يقيم شرع الله تعالى، فإنه إذا رأى لهم شوكة، خضع للحق، الذي يدعون إليه.
стр. 98
وإن كان المغير من أهل العلم المشهود له به فإن تغيير المنكر بلسانه لا يحتاج إلى إذن من ولي الأمر الذي لا يقيم شرع الله تعالى، وإن منعه ولي الأمر فله ألا يمتنع، بل يصابر ويجالد، لأنَّ هذا حق الله كلَّف به أهل العلم وليس لولي الأمر، أن يمنعهم من أداء حق الله تعالى: «إنما الطَّاعة في معروف» .
وما يفعله بعض الولاة من إيجاب استئذان العالم في الدعوة إلى الله في بيوت الله، إنما هو بغي وعدوان على حق أهل العلم، فإنَّ من تحققت فيه آيات العلم والصدق، كان في تكليف الله له بالبيان، إذناً إلهياً، لا يصادره أحد متى التزم بأدب الدعوة إلى الله تعالى وقال كلمة الحق احتساباً.
أما تغيير العالم المنكر بيده، فيما لا يتعلق بالأنفس، فلا يحتاج إلى إذن من ولي الأمر، الذي لا يقيم شرع الله، لأنه بالضرورة لن يأذن لأحد، وهو حين أعرض عن شرع الله تعالى، فلم يحكم به رعيته، قد أسقط حقَّ نفسه عليهم في طاعتهم له. فللعالم تغيير المنكر بيده، فيما دون الأنفس، دون إذن هذا الولي إذا ما حقق آداب وشروط التغيير باليد.
وللعالم أيضاً أن يأمر غيره ممن هو قادر عليه، أن يغير المنكر بيده، تحت رايته
стр. 99
وعلى العامة مناصرة العلماء في هذا والوقوف معهم والدفع عنهم، والدعاء لهم.
وكل ما قلناه في تغيير المنكر باليد، إنما هو حين يعلم به ولي الأمر، أو من ينوب عنه، ثمَّ لا يقوم بالتغيير، أو لا يأمر أحداً بتغييره من ولاته، فإن كان ممن يقوم هو بتغييره أو يأمر من يغيره إذا ما بلغه ذلك، وتحقق منه فليس لأحد أن يتجاوز إذنه في تغيير المنكر باليد، لأن ذلك حق ولي الأمر، لا يسقط منه ولا يتجاوز إذنه، إلا إذا تركه وأسقطه بالتغافل عنه أو الزعم بأن هذا من الحرية الشخصية، التي لا يسمح لنفسه الاعتداء عليها. في الوقت الذي يقيم الدنيا ولا يقعدها إذا مسَّه أحد بما يكره، من قول أو فعل. وصدق الشاعر قائلاً:
يقاد للسجن من سَبَّ الزعيم ومن ... سَب الإله فإن الناس أحرارا
· ويشترط في المغير شروط أخرى، منها ما سبقت الإشارة إليه تحقق العلم بنكارة ما يريد إنكاره، عند جمهور العلماء، فإن لم يتحقق، وعلم أنَّ فيه اختلافاً، ممن يوثق باختلافهم، ويعتد به، فإنه لا يجب عليه التغيير، بل يكتفي بالدعوة إلى ما هو الأسمى والأرجح، مبيناً لمن شاء وجه رجحان ما يدعو إليه.
стр. 100
ويشترط فيه العلم بطرائق التغيير، وأحكامها، وآدابها، ومن جهل شيئاً من هذا وجب عليه أن يسعى إلى من يعلمه، ثم يقوم بالتغيير، ولا يستكين إلى أنه لا يعلم، فعليه أن يغير جهله بذلك، إلى العلم به، متى كان في قومه من يعلمه، وقد تيسر العلم في زماننا لمن شاء.
ويشترط في المغير أيضاً، أن يكون قادراً على التغيير، فإن عجز عن طريق، انتقل إلى ما دونه وسعى إلى أن يرفع عن نفسه أسباب عجزه، عن القيام بالطريق الأعلى. فإن المسلم لا يليق به أن يرضى بالدنية، فيما يتعلق بشؤون دينه وآخرته، وليكن حرصه على الأعلى في هذا، لا يقل عن حرصه عليه في شؤون دنياه.
ولا يشترط في المغير أن يتيقن أن تغييره المنكر مفض إلى أثر، فيمن يغير منكره، فليس عليه أن ينظر تقبل وعظه، أو الاستجابة لأمره ونهيه، فإن الله عز وعلا ما كلفنا أن يكون لدعوتنا أثر في الآخرين: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ (الشورى: ٤٨) .
стр. 101
وقد كان النبي في الأمم الغابرة، يقيم في قومه، فلا يستجيبُ له إلا قليل، أولا يستجيب له أحد. ((عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «عُرضت عليَّ الأمم، فجعل النبي والنبيان يمرون معهم الرهط، والنبي ليس معه أحد» .
стр. 102
بيان الواقع في المنكر: شروطه وأحواله
لما كان التغيير، إنما هو واقع على منكر محقق، يقوم به واحد من الناس، فإنَّ ذلك الواقع في هذا المنكر لا يشترط لتغييره أن يكون مكلفاً (عاقلاً، بالغاً) ، بل كل منكر يقع من أحد، يكون ذلك الفعل منكراً في حقه، أو حق من هو مثله ممن ليس له فيه رخصة، فإنه يجب تغييره.
المجنون يمنع من إتلاف ماله، أو مال غيره، وكذلك الصبي، وإن كان كلاهما غير مكلف.
والكافر البالغ العاقل، يرجع تغيير منكره الواقع منه، إلى نوع ذلك المنكر ومحله.
إن كان منكره مما ليس منكراً في دينه، ولا يتعلق به حق مسلم، فلا يجب على أحد تغيير هذا المنكر، لأن كفره هو نفسه أعلى المنكرات، ولا يجب على أحد أن يمنعه منه، بل ولا يصلح لأحد أن يكرهه على تركه.
وإن كان منكره مما هو منكر في دينه ـ أيضاً ـ وإن تعلق به حق غير مسلم فلا يجب على أحد أن يغيره، إلا إذا تحاكم إلينا، فيحمل على ما يحكم به الإسلام الذي احتكم إليه.
فإن تعلق بحق مسلم، وجب منعه منه، وإنزاله على ما يقضي به الإسلام، حفاظاً على حق المسلم، أو حق الأمة والدعوة.
стр. 103
وإن كان صاحب المنكر مسلماً مكلفاً، فيشترط فيه التيقن أنَّ ذلك الفعل منكر في حقه عند جمهور أهل العلم، فإن كان فيه خلاف، وهو على ما كان مرجوحاً، فلا يجب على أحد تغييره، بل ينصح إلى الأعلى بالحكمة.
والمسائل في هذا الباب كثيرة، مما يستوجب على القائم لتغيير منكر ما، أن يعلم موقعه من باب ما اختلف الأئمة في حكمه.
وقد يكون ما فعل منكراً في نفسه عند جميع العلماء، إلا أنه في حقه خاصة ليس منكراً، لوجود رخصة له، ترفع عنه نكارة هذا الفعل، كمن أفطر في رمضان لعذر، أو غطى رأسه في الطواف لعذر ... إلخ.
فإن كان فعله ما حَرُم، لضرورة شرعية، فإنه يُسعى إلى رفع الضرورة عنه لا أن يمنع من ذلك المحرم، فإن أزيلت أسباب الضرورة، وبقي على منكره غُيّر عليه بالسُبل التي حددها الإسلام.. فكان فقه حال ذي المنكر، من ركائز شخصية المغيِر، وركناً ركيناً من مسؤوليته.
تابع الفصل الثاني
بيان وسائل التغيير: مراتبها وآدابها
تغيير المنكر باليد: أحواله وآدابه
تغيير المنكر باللسان: أحواله وآدابه
تغيير المنكر بالقلب: أحواله وآدابه
العجز عن التغيير باليد أو اللسان
стр. 104
بيان وسائل التغيير: مراتبها وآدابها
الناظر في حديث رسول الله ﷺ يجد أنه حين أوجب على من رأى منكراً أن يغيره، ذكر وسائل التغيير ومسالكه، وقد أحاط بها جامعة. ذلك أنَّ ما يقع من عمل الإنسان، نوعان كُليَّان:
- داخل جوَّاني قلبي.
- خارجي برَّاني.
وهذا الثاني (الخارجي) قسمان: فعل وقول، القول: أداته اللسان وما ضارعه من أدوات البيان. والفعل: أداته الجارحة كاليد وما ضاهاها مما يستخدمه الإنسان في أفعاله.
стр. 105
فالتغيير إما جواني قلبي، يترتب عليه واقع سلوكي في الحياة، وإما خارجي فعلي أداته اليد وما ضاهاها، وإما خارجي قولي أداته اللسان وما ضارعه، فكان فيما ذكره الرسول ﷺ جمعاً محكماً. وهو قد رتبها على نحو جامع بين النهج الصاعد من وجه، والنازل من آخر: الوجه النازل (اليد ـ اللسان ـ القلب) ناظرُُ إلى الاستطاعة، وإلى حال المغيِّر، ومنزلته في القيام بفريضة التغيير، فإن المغير باليد لا شك أعلى قدرة واستطاعة، فالتغيير باليد أحوج إلى مزيد من الشجاعة والمصابرة والحكمة والحزم، ثم من بعده في هذا، التغيير باللسان، ثم من دونهم جميعاً في هذا المغير بالقلب فكان البدء بالأصعب أداء، والأشق تكليفاً (التغيير باليد) ، وهو في الوقت نفسه أعلى منزلة، وأنفذ أثراً، وأسرع، وأنجع علاجاً.
стр. 106
والوجه الصاعد في الترتيب نفسه (اليد ـ اللسان ـ القلب) ناظرُُ إلى شمولية التكليف، وكثرة من يطيق أو من يصلح، فلا شك في أن التغيير باليد وما ضارعها، من يكلف به لتحقق شروطه فيه، أقل بكثير ممن يكلف بالتغيير باللسان، وكذلك من يطيق أو من يصلح للتغيير باليد، أقل ممن يطيق أو يصلح للتغيير باللسان، وأكثر ذلك عدداً في هذا التغيير بالقلب، فذلك الذي لا يعجز عنه مسلم البتة، فكل المسلمين له صالحون ما داموا أهلاً للتكليف.
فالترتيب الذي ذكره النبي ﷺ ناظر في حاليه، إلى منهاجية التدرج العلمي للتغيير، وليس ناظراً إلى التدرج التربوي للنهي عن المنكر، وفرق بين تغيير المنكر والنهي عنه، فالتغيير أخص من النهي.
ومنهاجية التدرج في النهي، يُبْدأ فيها بالتعليم، وتأليف القلوب، واستمالتها إلى البعد عن المنكر بالحكمة والموعظة، فإن لم يُجد ذلك انتقل إلى ما هو أشد منه في النهي، كإظهار التجهم والإعراض عن الإكرام، فإن لم يجد، كان النهي بما هو أشد من ذلك.
стр. 107
هذه مراحل تربوية في النهي عن المنكر، أما تغيير المنكر فإن المنهج يبدأ بما هو أشد تكليفاً، يبدأ المرء بالمنع باليد، فإن عجز عنه كان باللسان، فإن عجز عنه كان بالقلب، فهو تدرج ناظر إلى درجات التكليف ومراحله، وإلى مقدار استطاعة فاعله، وليس إلى قابلية التأثير في المنهي عن المنكر.
ولما كان نظرنا إلى تغيير المنكر، فإنا نعتمد التدرج المنوط باستطاعة المغير لا التدرج المنوط بقابلية القائم بالمنكر، أو الواقع فيه للتأثير.
стр. 108
تغيير المنكر باليد: أحواله وآدابه
هذا التغيير غير مقصورٍ على طائفة من الناس، يكون لها أو عليها دون غيرها، بل هو عام يختلف مناطه ودرجته باختلاف أمور عدة أهمها:
- علاقة من يقوم بالتغيير، بمن يقع منه المنكر.
- نوع المنكر المراد تغييره ومناخات وقوعه.
وبيان هذا: أن علاقة المغيِّر، بمن وقع منه المنكر على واحد من خمسة أحوال:
١- أن يكون للمغيِّر ولاية خاصة على ذي المنكر، كولاية الوالد على ولده، والزوج على زوجته.
٢- أن يكون للمغيِّر ولاية عامة على ذي المنكر، كولاية السلطان على رعيته وأمته.
٣- إلا يكون لأي من المغيِر وذي المنكر ولاية عامة أو خاصة، كما بين أفراد الرعية.
٤- أن يكون لذي المنكر ولاية خاصة على من يقوم بالتغيير، كأن يكون ذو المنكر والد المغير، أو زوجها.
٥- أن يكون لذي المنكر ولاية عامة على المغيِر، كولاية السلطان الواقع في المنكر على رعيته التي تريد تغيير منكره.
هذه خمسة أحوال يختلف حكم التغيير باليد باختلافها، وباختلاف المنكر.
стр. 109
نفسه وظروفه. على أن التغيير باليد غير محصور في القوة، التي هي استخدام السيف، وما شاكله، أو الضرب وما ضارعه، فإن التغيير باليد ذو صور ومراحل عديدة.
من ذلك استخدام اليد في إفساد آلات المنكر، أو إذهاب عين المنكر، كتحطيم أدوات شرب الخمر وإراقتها، وتهديم حاناتها، إذا لم تكن تصلح إلا لذلك، أو غلق الطرق المؤدية إليها، أو قطع المياه وأدوات الإنارة عنها، وكذلك إفساد آلات الغناء الماجن المحرم، وأدوات تصوير المنكر أو طبعه أو نشره في الناس، وإفساد أماكن بيعه وتوزيعه، إذا لم تكن تلك الأماكن صالحة إلا لذلك.. إلخ.
كل هذا وكثير مثله يدخل في التغيير باليد، وهو ليس من استخدام السيف المؤدي إلى إراقة دم، أو إزهاق روح.
· الحالة الأولى: أن يكو للمغيِر ولاية خاصة على ذي المنكر، كولاية الوالد على ولده، والزوج على زوجته.
أساس الحكم في هذا، قوله ﷺ : «كُلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته: الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله، وهو مسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومسؤول عن رعيته.
стр. 110
قال: حسبت أن قد قال: والرجل راعٍ في ماله أبيه، ومسؤول عن رعيته وكلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته» (متفق عليه، والنص لمسلم) .
فعلى الوالد والزوج وما ضارعهما تغيير المنكر الواقع، ممن هو تحت ولايتهما بيده، وفقاً لما يتناسب مع هذا المنكر، من صور التغيير باليد، فقد يكفي في تغييره إفساد آلته دون اللجوء إلى ما هو فوق ذلك، فكل صورة من صور التغيير تقوم بحق التغيير لا ينتقل إلى ما فوقها.
والوالد والزوج وما ضارعهما، له حق التغيير بكل صور التغيير باليد، دون الحدود، أو ما فيه إزهاق روح، أو إراقة دم، فذلك للإمام بحقه الذي شرعه الله عز وعلا.
следующие страницы →