← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

عبَّاسٍ والمِسْور بن مَخْرمة، ففَصَلَ بينهما أبو أيُّوب الأنصاريُّ بأنَّ النبي ﷺ اغتسل وهو محرِمٌ (١). واتَّفقوا على أنَّه يغتسل من الجنابة، ولكن كره مالك أن يغيِّب رأسه في الماء؛ لأنَّه نوع سَتْرٍ له، والصَّحيح أنَّه لا بأس به، فقد فعله عمر بن الخطَّاب وابن عبَّاسٍ (٢). الحكم السَّادس: أنَّ المحرم غير ممنوعٍ من الماء والسِّدر. وقد اختُلِف في ذلك، فأباحه الشَّافعيُّ وأحمد في أظهر الرِّوايتين عنه، ومنع منه مالك وأبو حنيفة وأحمد في رواية ابنه صالح عنه. قال: فإن فعل افتدى (٣). وقال صاحبا أبي حنيفة: إن فعلَ فعليه صدقةٌ. وللمانعين ثلاث عللٍ: إحداها: أنَّه يقتل الهوامَّ من رأسه، وهو ممنوعٌ من التَّفلِّي. الثَّانية: أنَّه ترفُّهٌ وإزالةُ شَعَثٍ، فَنَافَى (٤) الإحرام. الثَّالثة: أنَّه يستلذُّ (٥) رائحته، أشبهَ (٦) الطِّيب، ولا سيَّما الخطميُّ. والعلل الثَّلاث واهيةٌ جدًّا، والصَّواب جوازه للنصِّ، ولم يحرِّم الله ورسوله (٧) على المحرم إزالةَ الشَّعَث بالاغتسال، ولا قتلَ القَمْل، وليس

стр. 1122

السِّدر من الطِّيب في شيءٍ. الحكم السَّابع: أنَّ الكفن مقدَّمٌ على الميراث وعلى الدَّين؛ لأنَّ رسول الله ﷺ أمر أن يكفَّن في ثوبيه، ولم يسأل عن وارثه ولا عن دَينٍ عليه، ولو اختلف الحال لسأل. وكما أنَّ كسوته في الحياة مقدَّمةٌ على قضاء دينه، فكذلك بعد الممات، هذا قول الجمهور، وفيه خلافٌ شاذٌّ لا يُعوَّل عليه. الحكم الثَّامن: جواز الاقتصار في الكفن على ثوبين، هما إزارٌ ورداءٌ، هذا قول الجمهور. وقال القاضي أبو يعلى (١): لا يُجزئ (٢) أقلُّ من ثلاثة أثوابٍ عند القدرة؛ لأنَّه لو جاز الاقتصار على ثوبين لم يجز التَّكفين بالثَّلاثة لمن له أيتامٌ. والصَّحيح خلافُ قوله، وما ذكره ينتقض (٣) بالخشن مع الرَّفيع. الحكم التَّاسع: أنَّ المحرم ممنوعٌ من الطِّيب؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ نهى أن يقرب (٤) طيبًا، مع شهادته له بأنه يُبعَثُ ملبِّيًا، وهذا هو الأصل في منع المحرم من الطِّيب. وفي «الصَّحيحين» (٥) من حديث ابن عمر: «لا تلبسوا من الثِّياب شيئًا مسَّه وَرْسٌ أو زعفرانٌ».

стр. 1123

وأمرَ الذي أحرم في جُبَّةٍ بعد ما تَضَمَّخ بالخَلُوق أن يَنزِع (١) عنه الجبَّة، ويَغسِل عنه أثرَ الخَلُوق (٢). فعلى هذه الأحاديث الثَّلاثة مدارُ منع المحرم من الطِّيب. وأصرحُها هذه القصَّة، فإنَّ النَّهي في الحديثين الأخيرين (٣) إنَّما هو عن نوعٍ خاصٍّ من الطِّيب لا سيَّما الخَلُوق، فإنَّ النَّهي عنه عامٌّ في الإحرام وغيره. وإذا كان النَّبيُّ ﷺ قد نهى أن يقرب طيبًا أو يمسَّ به، تناولَ ذلك الرَّأسَ والبدن والثِّياب. وأمَّا شمُّه من غير مسٍّ فإنَّما حرَّمه من حرَّمه بالقياس، وإلَّا فلفظ النَّهي لا يتناوله بصريحه، ولا إجماعٌ معلوم فيه يجب المصير إليه، ولكن تحريمه من باب تحريم الوسائل، فإنَّ شمَّه يدعو إلى ملابسته (٤) في البدن والثِّياب، كما حُرِّم النَّظر إلى الأجنبيَّة؛ لأنَّه وسيلةٌ إلى غيره، وما حُرِّم تحريمَ الوسائل فإنَّه يُباح (٥) للحاجة والمصلحة الرَّاجحة، كما يباح النَّظر إلى الأمة المستامة (٦)، والمخطوبة، ومن يشهد عليها، ويُعاملها، ويَطُبُّها (٧). وعلى هذا، فإنَّما يُمنع المحرِم من قصْد شمِّ الطِّيب للتَّرفُّه واللذَّة. فأمَّا

стр. 1124

إذا وصلت الرَّائحة إلى أنفه من غير قصدٍ منه، أو شمَّه قصدًا لاستعلامه (١) عند شرائه، لم يُمنَع منه، ولم يجب عليه سَدُّ أنفه. فالأوَّل بمنزلة نظر الفجأة، والثَّاني بمنزلة نظر المستام والخاطب. وممَّا يوضِّح هذا: أنَّ الذين أباحوا للمحرِم استدامةَ الطِّيب قبل الإحرام، منهم من صرَّح بإباحة تعمُّد شمِّه بعد الإحرام، صرَّح بذلك أصحاب أبي حنيفة، فقالوا في «جوامع الفقه» (٢) لأبي يوسف: لا بأسَ بأن يشمَّ طيبًا تطيَّب به قبل إحرامه. قال صاحب «المفيد» (٣): إنَّ (٤) الطِّيب يتَّصل به فيصير تبعًا له؛ ليدفع به أذى التَّفَث (٥) بعد إحرامه، فيصير كالسَّحور في حقِّ الصَّائم، يدفع به أذى الجوع والعطش في الصَّوم، بخلاف الثَّوب فإنَّه مباينٌ عنه. وقد اختلف الفقهاء: هل هو ممنوعٌ من استدامته كما هو ممنوعٌ من ابتدائه، أو يجوز له استدامته؟ على قولين. فمذهب الجمهور جواز

стр. 1125

استدامته، اتِّباعًا لما ثبت بالسُّنَّة الصَّحيحة عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه كان يتطيَّب قبل إحرامه، ثمَّ يُرَى وَبِيصُ الطِّيب في مَفارقِه بعد الإحرام (١). وفي لفظٍ: «وهو يُلبِّي» (٢). وفي لفظٍ: «بعد ثلاثٍ» (٣). وكلُّ هذا يدفع التَّأويل الباطل الذي تأوَّله من قال: إنَّ ذلك كان قبل الإحرام، فلمَّا اغتسل ذهب أثره. وفي لفظٍ: «كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يُحرِم تطيَّب بأطيبِ ما يجد، ثمَّ أرى (٤) وَبِيصَ الطِّيب في رأسه ولحيته بعد ذلك» (٥). وللَّه ما يصنع التَّقليد ونصرةُ الآراء بأصحابه! وقال آخرون منهم: إنَّ ذلك كان (٦) مختصًّا به. ويردُّ هذا أمران: أحدهما: أنَّ دعوى الاختصاص لا تُسمع إلا بدليلٍ. الثَّاني: ما رواه أبو داود (٧) عن عائشة: كنَّا نخرج مع النبي ﷺ إلى مكَّة، فنُضمِّد جِباهَنا بالسُّكِّ (٨) المطيَّب عند الإحرام، فإذا عرِقَتْ إحدانا سالَ على

стр. 1126

وجهها، فيراه النَّبيُّ ﷺ فلا ينهانا. الحكم العاشر: أنَّ المحرِم ممنوعٌ من تغطية رأسه، والمراتب فيه ثلاثة (١): ممنوعٌ منه بالاتِّفاق، وجائزٌ بالاتِّفاق، ومختلفٌ فيه: فالأوَّل كلُّ متَّصلٍ مُلابسٍ (٢) يُراد لستر الرَّأس: كالعِمامة، والقُبع (٣)، والطَّاقيَّة (٤)، والخُوذَة (٥) وغيرها. والثَّاني كالخيمة، والبيت، والشَّجرة، ونحوها. وقد صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه ضُرِبت له قبَّةٌ بنَمِرَةَ وهو محرمٌ، إلا أنَّ مالكًا منع المحرم أن يضع ثوبه على شجرةٍ يستظلُّ (٦) به، وخالفه الأكثرون، ومنع أصحابه المحرمَ أن يمشي في ظلِّ المَحْمِل. والثَّالث كالمَحْمِل، والمَحَارة (٧)، والهَوْدج. فيه ثلاثة أقوالٍ: الجواز، وهو قول الشَّافعيِّ وأبي حنيفة. والثَّاني: المنع. فإن فعل افتدى، وهو مذهب مالك. والثَّالث: المنع، فإن فعل فلا فديةَ عليه. والثَّلاثة رواياتٌ عن أحمد.

стр. 1127

الحكم الحادي عشر: منع المحرم من تغطية وجهه. وقد اختُلِف في هذه المسألة: فمذهب الشَّافعيِّ وأحمد في روايةٍ إباحتُه، ومذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد في روايةٍ المنعُ منه. وبإباحته قال ستَّةٌ من الصَّحابة: عثمان، وعبد الرَّحمن بن عوفٍ، وزيد بن ثابتٍ، وابن الزبير (١)، وسعد بن أبي وقَّاصٍ، وجابر (٢). وفيه قولٌ ثالثٌ شاذٌّ: إن كان حيًّا فله تغطية وجهه، وإن كان ميِّتًا لم يجز أن يُغطَّى وجهه. قاله ابن حزمٍ (٣)، وهو اللَّائق بظاهريَّته. واحتجَّ المبيحون بأقوال هؤلاء الصَّحابة، وبأصل الإباحة، وبمفهوم قوله: «ولا تُخمِّروا رأسه». وأجابوا عن قوله: «ولا تُخمِّروا وجهه» بأنَّ هذه اللَّفظة غير محفوظةٍ فيه. قال شعبة (٤): حدَّثنيه أبو بشر، ثمَّ سألته عنه بعد عشر سنين، فجاء بالحديث كما كان، إلا أنَّه قال: «لا تُخمِّروا رأسَه ولا وجهَه». قالوا: وهذا يدلُّ على ضعفها (٥). قالوا: وقد روي في هذا الحديث (٦): «خَمِّروا وجهه، ولا تُخمِّروا رأسه» (٧).

стр. 1128

الحكم الثَّاني عشر: بقاء الإحرام بعد الموت، وأنَّه لا ينقطع به (١). وهذا مذهب عثمان وعلي وابن عبَّاسٍ وغيرهم، وبه قال أحمد والشَّافعيُّ وإسحاق. وقال أبو حنيفة ومالك والأوزاعيُّ: ينقطع (٢) بالموت، ويُصنَع به كما يُصنَع بالحلال، لقوله ﷺ : «إذا ماتَ أحدكم انقطعَ عملُه إلا من ثلاثٍ» (٣). قالوا: ولا حجةَ (٤) في حديث الذي وقَصَتْه راحلته؛ لأنَّه خاصٌّ به، كما قالوا في صلاته على النجاشيِّ: إنِّها مختصَّةٌ به. قال الجمهور: دعوى التَّخصيص على خلاف الأصل، فلا تُقبَل. وقوله في الحديث: «فإنَّه يُبعَث (٥) ملبِّيًا» إشارةٌ إلى العلَّة، ولو كان مختصًّا به لم يشر إلى العلَّة، ولا سيَّما إن قيل: لا يصحُّ التَّعليل بالعلَّة القاصرة. وقد قال نظيرَ هذا في شهداء أحدٍ، فقال: «زَمِّلوهم في ثيابهم بكُلُومهم (٦)، فإنَّهم يُبعَثون يومَ القيامة اللَّونُ لونُ الدَّم (٧)، والرِّيح ريح المِسْك (٨)» (٩). وهذا

стр. 1129

غير مختصٍّ بهم، وهو نظير قوله: «كفِّنوه في ثوبيه، فإنَّه يُبعَث يوم القيامة ملبِّيًا»، ولم تقولوا: إنَّ هذا خاصٌّ بشهداء أحدٍ (١)، بل عَدَّيتم الحكمَ إلى سائر الشُّهداء مع إمكان ما ذكرتم من التَّخصيص فيه. وما الفرق وشهادة النَّبيِّ ﷺ في الموضعين واحدةٌ؟ وأيضًا فإنَّ هذا الحديث موافقٌ لأصول الشَّرع والحكمة الَّتي رُتِّب عليها المعاد، فإنَّ العبد يُبعَث على ما مات عليه، ومن مات على حالةٍ بُعِثَ عليها، فلو لم يَرِدْ هذا الحديث لكانت أصول الشَّرع شاهدةً به. والله أعلم. فصل عُدنا إلى سياق حجَّته ﷺ . فلمَّا غَرَبت الشَّمس، واستحكم غروبها، بحيث ذهبت الصُّفرة، أفاض من عرفة، وأردفَ أسامةَ بن زيدٍ خلفه، وأفاض بالسَّكينة، وضمَّ إليه زِمامَ ناقته، حتَّى إنَّ رأسها ليصيب طرفَ رحله (٢)، وهو يقول: «أيُّها النَّاس عليكم بالسَّكينة (٣)، فإنَّ البرَّ ليس بالإيضاع» (٤)، أي: ليس بالإسراع. وأفاض من طريق المَأْزِمَين، ودخل عرفة من طريق ضَبٍّ، وهكذا كانت عادته ﷺ في الأعياد أن يخالف الطَّريق، وقد تقدَّم حكمة ذلك عند الكلام على هديه في العيد (٥).

стр. 1130

ثمَّ جعل يسير العَنَقَ، وهو ضربٌ من السَّير ليس بالسَّريع ولا البطيء. فإذا وجد فَجْوةً ــ وهو المتَّسَع ــ نصَّ سَيْرَه (١)، أي: رفعه فوق ذلك، كلَّما أتى رَبْوةً من تلك الرُّبى أرخى للنَّاقة زِمامَها قليلًا حتَّى تصعد. وكان يلبِّي في مسيره ذلك، لا يقطع التَّلبية. فلمَّا كان في أثناء الطَّريق نزل ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ فبال، وتوضَّأ وضوءًا خفيفًا، فقال له أسامة: الصَّلاة يا رسول اللَّه، فقال: «المصلَّى أمامَك» (٢). ثمَّ سار حتَّى أتى المزدلفة، فتوضَّأ وضوء الصَّلاة، ثمَّ أمر بالأذان، فأذَّن المؤذِّن ثمَّ أقام، فصلَّى المغرب قبل حطِّ الرِّحال وتبريكِ الجمال، فلمَّا حطُّوا رحالهم أمر فأقيمت الصَّلاة، ثمَّ صلَّى عشاء الآخرة بإقامةٍ بلا أذانٍ، ولم يصلِّ بينهما شيئًا (٣)، وقد رُوي أنَّه صلَّاهما (٤) بأذانين وإقامتين، وروي بإقامتين بلا أذانٍ، والصَّحيح: أنَّه صلَّاهما بأذانٍ وإقامتين، كما فعل (٥) بعرفة (٦). ثمَّ نام حتَّى أصبح، ولم يُحْيِ تلك اللَّيلة، ولا صحَّ عنه في إحياء ليلتي العيدين شيءٌ (٧).

стр. 1131

وأذِن في تلك اللَّيلة لضعفة أهله أن يتقدَّموا إلى منًى قبل طلوع الفجر، وكان ذلك عند غيبوبة القمر، وأمرهم أن لا يرموا الجمرةَ حتَّى تطلع الشَّمس. حديثٌ صحيحٌ، صحَّحه الترمذي (١) وغيره. وأمَّا حديث عائشة: أرسل رسول الله ﷺ بأم سلمة ليلةَ النَّحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثمَّ مضت فأفاضتْ، وكان ذلك اليوم الذي يكون رسول الله ﷺ تعني عندها. رواه أبو داود (٢) فحديثٌ منكرٌ، أنكره الإمام أحمد وغيره. وممَّا يدلُّ على إنكاره: أنَّ فيه أنَّ رسول الله ﷺ أمرها أن توافي صلاة الصُّبح يوم النَّحر بمكَّة، وفي روايةٍ: توافيه وكان يومها، فأحبَّ أن توافيه (٣)، وهذا من المحال قطعًا. قال الأثرم (٤): قال لي (٥) أبو عبد الله: ثنا أبو معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة (٦) أنَّ النبيَّ ﷺ أمرها أن توافيه

стр. 1132

يوم النَّحر بمكَّة (١). لم يسنده غيره، وهو خطأٌ. وقال وكيعٌ: عن أبيه مرسلٌ (٢): أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمرها أن توافيه صلاةَ الصُّبح يوم النَّحر (٣) بمكَّة (٤)، أو نحو هذا. وهذا عجبٌ (٥) أيضًا، النبيُّ ﷺ يومَ النَّحر وقتَ الصُّبح ما يصنع بمكَّة؟! ينكر ذلك. قال: فجئتُ إلى يحيى بن سعيدٍ، فسألته، فقال: عن هشام عن أبيه: أمرها أن تُوافي، ليس «تُوافيه». قال: وبينَ ذينِ فرقٌ. قال: وقال لي يحيى: سَلْ عبد الرحمن عنه، فسألته، فقال هكذا: عن هشام عن أبيه: توافي (٦). قال الخلال: سها الأثرم في حكايته عن وكيعٍ: تُوافيه، وإنَّما قال وكيعٌ: تُوافي منًى. وأصاب في قوله: توافي، كما قال أصحابه، وأخطأ في قوله: منًى (٧). قال الخلال: أخبرنا عليُّ بن حربٍ، ثنا هارون بن عمران، عن

стр. 1133

سليمان بن أبي داود، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: أخبرتني أم سلمة، قالت: قدَّمني رسول الله ﷺ فيمن قدَّم من أهله ليلةَ المزدلفة. قالت: فرميتُ بليلٍ، ومضيتُ إلى مكَّة، فصلَّيتُ بها الصُّبح، ثمَّ رجعتُ إلى منًى. قلت: سليمان بن أبي داود هذا هو الدمشقي الخولاني (١)، ويقال: ابن داود. قال أبو زرعة عن أحمد: رجلٌ من أهل الجزيرة ليس بشيءٍ. وقال عثمان بن سعيدٍ: ضعيفٌ (٢). قلت: ويدلُّ على بطلانه ما ثبت في «الصَّحيحين» (٣) عن القاسم، عن عائشة، قالت (٤): استأذنتْ سودةُ رسولَ الله ﷺ ليلةَ المزدلفة أن تَدفع قبله وقبلَ حَطْمة النَّاس، وكانت امرأةً ثَبِطةً (٥)، قالت فأذِنَ لها، فخرجتْ قبل دفعه (٦)، وحَبَسَنا حتَّى أصبحنا، فدَفَعْنا بدفعه، ولأن أكونَ استأذنتُ رسولَ الله ﷺ كما استأذنتْه سودة أحبُّ إليَّ من مَفروحٍ به. فهذا الحديث الصَّحيح يبيِّن أنَّ نساءه غير سودة إنَّما دفعنَ معه. فإن قيل: فما تصنعون بحديث عائشة الذي رواه الدَّارقطنيُّ (٧) وغيره

стр. 1134

عنها أنَّ رسول الله ﷺ أمر نساءه أن يخرجن من جَمْعٍ ليلةَ جَمْعٍ، ويرمين الجمرة، ثمَّ تُصبح في منزلها (١)، فكانت تصنع ذلك حتَّى ماتت. قيل: يردُّه محمد بن حُميدٍ (٢) أحد رواته، كذَّبه غير واحدٍ. ونردُّه بحديثها الذي في «الصَّحيحين» (٣)، وقولها: وَدِدتُ أنِّي كنتُ استأذنتُ رسولَ الله ﷺ ، كما استأذنتْه سودة. فإن قيل: فهبْ أنَّكم يُمكِنكم ردُّ هذا الحديث، فما تصنعون بالحديث الذي رواه مسلم في «صحيحه» (٤) عن أم حبيبة: أنَّ رسول الله ﷺ بعث بها من جَمْعٍ بليلٍ؟ قيل: قد ثبت في «الصَّحيحين» (٥) أنَّ النبي ﷺ قدَّم تلك اللَّيلة ضَعفةَ أهله، وكان ابن عبَّاسٍ فيمن قدَّم. وثبت أنَّه (٦) قدَّم سودة، وثبت أنَّه حبسَ نساءه عنده حتَّى دَفعنَ بدفعه. وحديث أم حبيبة انفرد به مسلم، فإن كان محفوظًا فهي إذًا من الضَّعفة الَّتي قدَّمها. فإن قيل: فما تصنعون بما (٧) رواه الإمام أحمد (٨) عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ

стр. 1135

النبيَّ ﷺ بعثَ به مع أهله إلى منًى يومَ النَّحر، فرمَوا الجمرةَ مع الفجر؟ قيل: يُقدَّم عليه حديثُه الآخر الذي رواه الإمام أحمد والتِّرمذيُّ وصحَّحه، أنَّ النبيَّ ﷺ قدَّم ضَعفَة أهله، وقال: «لا تَرمُوا الجمرةَ حتى تطلع الشَّمس». ولفظ أحمد (١) فيه: قدَّمَنا رسول الله ﷺ ــ أُغَيلِمةَ بني عبد المطَّلب ــ على حُمُراتٍ (٢) لنا من جَمْعٍ، فجعل يَلْطَحُ (٣) أفخاذنا ويقول: «أُبَيْنِيَّ (٤) لا تَرْمُوا الجمرةَ حتَّى تطلع الشَّمس». لأنَّه أصحُّ منه، وفيه نهيُ النبيِّ ﷺ عن رمي الجمرة قبل طلوع الشَّمس، وهو محفوظٌ بذكر القصَّة

стр. 1136

فيه. والحديث الآخر إنَّما فيه: أنَّهم رَمَوها مع الفجر. ثمَّ تأمَّلنا، فإذا أنَّه لا تعارضَ بين هذه الأحاديث، فإنَّه أمر الصِّبيان أن لا يرموا الجمرةَ حتَّى تطلع الشَّمس، فإنَّه لا عذْرَ لهم في تقديم الرَّمي. أمَّا مَن قدَّمه من النِّساء فرمَينَ (١) قبلَ طلوع الشَّمس للعذر، والخوفِ عليهنَّ من مزاحمة النَّاس وحَطْمتِهم. وهذا الذي دلَّت عليه السُّنَّة، جواز الرَّمي قبل طلوع الشَّمس للمعذور (٢) بمرضٍ أو كبرٍ يشقُّ عليه مزاحمةُ النَّاس لأجله، وأمَّا القادر الصَّحيح فلا يجوز له ذلك. وفي المسألة ثلاثة مذاهب: أحدها: الجواز بعد نصف اللَّيل مطلقًا للقادر والعاجز، كقول الشافعيِّ وأحمد. والثَّاني: لا يجوز إلا بعد طلوع الفجر، كقول أبي حنيفة. والثَّالث: لا يجوز لأهل القدرة إلا بعد طلوع الشَّمس، كقول جماعةٍ من أهل العلم. والَّذي دلَّت عليه السُّنَّة إنَّما هو التَّعجيل بعد غيبوبة القمر، لا نصف اللَّيل، وليس مع من حدَّه بالنِّصف دليلٌ، والله أعلم. فصل فلمَّا طلع الفجر صلَّاها في أوَّل الوقت ــ لا قبلَه قطعًا ــ بأذانٍ وإقامةٍ يوم النَّحر، وهو يوم العيد، وهو يوم الحجِّ الأكبر، وهو يوم الأذان ببراءة الله

стр. 1137

ورسوله من كلِّ مشركٍ. ثمَّ ركب حتَّى أتى موقفَه عند المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، وأخذ في الدُّعاء والتَّضرُّع والتَّكبير والتَّهليل والذِّكر حتَّى أسفرَ جدًّا، وذلك قبل طلوع الشَّمس. وهنالك سأله عروة بن مُضرِّس الطائي فقال: يا رسول الله, إنِّي (١) جئتُ من جبلَيْ طيِّئٍ، أَكللتُ راحلتي، وأتعبتُ نفسي، والله ما تركتُ من حَبْلٍ (٢) إلا وقفتُ عليه (٣)، فهل لي من حجٍّ؟ فقال رسول الله ﷺ : «من شهدَ صلاتَنا هذه فوقفَ معنا حتَّى نَدفعَ، وقد وقفَ بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا، فقد تمَّ (٤) حجُّه، وقضى تَفَثَه». قال الترمذي (٥): حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وبهذا احتجَّ من ذهب إلى أنَّ الوقوف بمزدلفة والمبيت بها ركنٌ كعرفة، وهو مذهب اثنين من الصَّحابة: ابن عبَّاسٍ وابن الزبير، وإليه ذهب إبراهيم

стр. 1138

النَّخعيُّ والشَّعبيُّ وعلقمة والحسن البصريُّ، وهو مذهب الأوزاعيِّ وحمَّاد بن أبي سليمان وداود الظَّاهريِّ وأبي عبيد القاسم بن سلَّامٍ، واختاره المحمَّدان: ابن جريرٍ وابن خزيمة، وهو أحد الوجوه للشَّافعيَّة (١)، ولهم ثلاث حججٍ، هذه إحداها، والثَّانية: قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]. والثَّالثة: فِعْل رسول الله ﷺ الذي خرج مخرجَ البيان لهذا الذِّكر المأمور به. واحتجَّ من لم يره ركنًا بأمرين: أحدهما: أنَّ النبيَّ ﷺ مدَّ وقتَ الوقوف بعرفة إلى طلوع الفجر، وهذا يقتضي أنَّ من وقف بعرفة قبل طلوع الفجر بأيسرِ زمانٍ صحَّ حجُّه، ولو كان الوقوف بمزدلفة ركنًا لم يصحَّ حجُّه. الثَّاني: أنَّه لو كان ركنًا لاشترك فيه الرِّجال والنِّساء، فلمَّا قدَّم رسول الله ﷺ النِّساء باللَّيل عُلِم أنَّه ليس بركنٍ. وفي الدَّليلين نظرٌ، فإنَّ النبيَّ ﷺ إنَّما قدَّمهنَّ بعد المبيتِ بمزدلفة، وذِكْرِ الله تعالى بها كصلاة (٢) عشاء الآخرة، والواجب هو ذلك. وأمَّا توقيت الوقوف بعرفة إلى الفجر فلا ينافي أن يكون المبيت بمزدلفة ركنًا، وتكون تلك اللَّيلة وقتًا لهما كوقت المجموعتين من الصَّلوات. وتضييق (٣) الوقت لإحداهما لا يُخرِجه عن أن يكون وقتًا لهما حالَ القدرة.

стр. 1139

فصل ووقف ﷺ في موقفه، وأَعلمَ النَّاسَ أنَّ مزدلفة كلَّها موقفٌ، ثمَّ سار من مزدلفة مُردِفًا للفضل بن عبَّاسٍ وهو يلبِّي في مَسيره، وانطلق أسامة بن زيدٍ على رجليه في سُبَّاقِ قريشٍ. وفي طريقه ذلك أمر ابن عبَّاسٍ أن يَلْقُط له (١) حصى الجِمار سبعَ حصياتٍ، ولم يكسرها من الجبل تلك اللَّيلة كما يفعل من لا علم عنده، ولا التقطها باللَّيل، فالتقط له سبع حَصَياتٍ من حصى الخَذْف، فجعل يَنفُضهنَّ في كفِّه ويقول: «أمثالَ (٢) هؤلاء فارمُوا، وإيَّاكم والغلوَّ في الدِّين، فإنَّما أهلك من كان قبلكم الغلوُّ في الدِّين» (٣). وفي طريقه تلك عَرضَتْ له امرأةٌ من خَثْعم جميلةٌ، فسألتْه عن الحجِّ عن أبيها، وكان شيخًا كبيرًا لا يَستمسك على الرَّاحلة، فأمرها أن تحجَّ عنه، وجعل الفضل ينظر إليها (٤)، فوضع يده على وجهه وصَرَفَه إلى الشِّقِّ الآخر (٥). وكان الفضلُ وَسيمًا، فقيل: صرفَ وجهه عن نظرها إليه، وقيل: صرفَه عن نظره إليها.

стр. 1140

والصَّواب: أنَّه فعله للأمرين، فإنَّ في القصَّة أنه جعل ينظر إليها وتنظر إليه. وسأله آخر هنالك عن أمِّه، وقال إنِّها عجوزٌ كبيرةٌ، وإن حَملتُها لم تستمسك، وإن رَبطتُها خشيتُ أن أقتلها، فقال: «أرأيتَ لو كان على أمِّك دَينٌ أكنتَ قاضِيَه؟»، قال: نعم، قال: «فحُجَّ عن أمِّك» (١). فلما أتى بطنَ مُحَسِّرٍ حرَّك ناقته وأسرعَ السَّير، وهذه كانت عادته في المواضع الَّتي نزل فيها بأسُ الله بأعدائه، فإنَّ هنالك أصاب أصحابَ الفيل ما قصَّ الله علينا، ولذلك سُمِّي الوادي وادي مُحَسِّرٍ؛ لأنَّ الفيل حَسُرَ فيه (٢)، أي أَعيى وانقطع عن الذَّهاب (٣)، وكذلك فعلَ في سلوكه الحِجْرَ وديارَ (٤) ثمود، فإنَّه تقنَّع بثوبه وأسرعَ السَّير (٥). ومُحسِّرٌ: برزخٌ بين منًى وبين (٦) مزدلفة، لا من هذه ولا من هذه. وعُرَنَة: برزخٌ بين عرفة والمشعر الحرام، فبين كلِّ مشعرين برزخٌ ليس منهما (٧).

стр. 1141

فمنًى: من الحرم وهي مَشعرٌ، ومحسِّرٌ: من الحرم وليس بمشعرٍ، ومزدلفة: حرمٌ ومشعرٌ، وعُرَنة ليست مشعرًا، وهي من الحلِّ. وعرفة: حلٌّ ومشعرٌ (١). وسلك الطَّريقَ الوسطى بين الطَّريقين (٢)، وهي الَّتي تخرج على الجمرة الكبرى، حتَّى (٣) أتى منًى، فأتى جمرة العقبة، فوقف في أسفل الوادي، وجعل البيت عن يساره، ومنًى عن يمينه، واستقبل الجمرة وهو على راحلته، فرماها راكبًا بعد طلوع الشَّمس، واحدةً بعد واحدةٍ، يكبِّر مع كلِّ حصاةٍ، وحينئذٍ قطع التَّلبية. وكان في مسيره ذلك يلبِّي حتَّى شرعَ في الرَّمي، ورمى وبلالٌ وأسامة معه، أحدهما آخذٌ بخطام ناقته، والآخر يُظِلُّه بثوبٍ من الحرِّ (٤). وفي هذا دليلٌ على جواز استظلال المحرم بالمَحْمِل ونحوه، إن كانت قصَّة هذا الإظلال يوم النَّحر (٥)، وإن كانت بعده في أيَّام منًى فلا حجَّة فيها، وليس في الحديث بيانٌ في أيِّ زمنٍ كانت (٦). فالله أعلم (٧).

стр. 1142

فصل ثمَّ رجع إلى منًى، فخطب النَّاس خطبةً بليغةً، أعلمَهم فيها بحرمة يوم النَّحر، وتحريمه، وفضله عند اللَّه، وحرمة مكَّة على جميع البلاد، وأمر بالسَّمع والطَّاعة لمن قادهم بكتاب اللَّه، وأمر النَّاس بأخذ مناسكهم عنه، وقال: «لعلِّي لا أحجُّ بعد عامي هذا» (١). وعلَّمهم مناسكَهم، وأنزل المهاجرين والأنصار منازلَهم، وأمر النَّاس أن لا يرجعوا بعده كفَّارًا يضرب بعضهم رقابَ بعضٍ، وأمر بالتَّبليغ عنه. وأخبر أنَّه ربَّ مبلَّغٍ أوعى من سامعٍ (٢). وقال في خطبته: «لا يجني جانٍ إلا على نفسه» (٣). وأنزل المهاجرين عن يمين القبلة، والأنصارَ عن يسارها، والنَّاسُ حولهم، وفتح الله له أسماعَ النَّاس حتَّى سمعها أهل منًى في منازلهم. وقال في خطبته تلك: «اعبدوا ربَّكم، وصَلُّوا خمْسَكم، وصوموا شهركم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنَّة ربِّكم» (٤).

стр. 1143

وودَّع حينئذٍ النَّاس، فقالوا: حجَّة الوداع. فصل (١) وهناك سئل عمَّن حَلَق قبل أن يرمي وعمَّن ذبح قبل أن يرمي، فقال: «لا حرج». قال عبد الله بن عمرٍو: فما رأيتُه سئل يومئذٍ (٢) عن شيءٍ إلا قال: «افعلُوا ولا حرجَ» (٣). وقال ابن عبَّاسٍ: إنَّه قيل له ﷺ في الذَّبح والحلق والرَّمي والتَّقديم والتَّأخير، فقال: «لا حرجَ» (٤). وقال أسامة بن شريك: خرجتُ مع النبيِّ ﷺ حاجًّا، فكان النَّاس يأتونه، فمن قائلٍ: يا رسول الله, سعيتُ قبل أن أطوف، أو أخَّرتُ شيئًا أو قدَّمتُ، فكان يقول لهم: «لا حرجَ لا حرجَ, إلا على رجلٍ اقترضَ عرض رجلٍ مسلمٍ وهو ظالمٌ، فذلك الذي حرِجَ وهلك» (٥).

стр. 1144

وقوله: «سعيتُ قبل أن أطوف» في هذا الحديث ليس بمحفوظٍ. والمحفوظ في (١) تقديم الرَّمي والنَّحر والحلق بعضها على بعضٍ. ثمَّ انصرف إلى المنحر بمنًى، فنحر ثلاثًا وستِّين بَدَنةً بيده (٢)، وكان ينحرها قائمةً معقولةً يدُها اليسرى (٣). وكان عدد هذا الذي نحره عدد سِنِي عمرِه ﷺ ، ثمَّ أمسك وأمر عليًّا أن ينحر ما بقي من المائة، ثمَّ أمر عليًّا أن يتصدَّق بجِلَالها وجلودها ولحومها في المساكين، وأمره أن لا يعطي الجزَّار في جزارتها شيئًا منها (٤)، وقال: «نحن نعطيه من عندنا»، وقال: «من شاء اقتطع» (٥). فإن قيل: فكيف تصنعون بالحديث الذي في «الصَّحيحين» (٦) عن أنس قال: صلَّى رسول الله ﷺ الظُّهر بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحُليفة ركعتين، وباتَ بها، فلمَّا أصبح ركبَ راحلته، فجعل يهلِّل ويسبِّح، فلمَّا علا على البيداء، لبَّى (٧) بهما جميعًا، فلمَّا دخل مكَّة أمرهم أن يحلُّوا، ونحر

стр. 1145

رسول الله ﷺ بيده سبعَ بُدنٍ قيامًا، وضحَّى بالمدينة كبشين أملحين. فالجواب: أنَّه لا تعارض بين الحديثين. قال أبو محمد بن حزم (١): يُخرج حديث أنس على أحد وجوهٍ ثلاثةٍ. أحدها: أنَّه ﷺ لم ينحر بيده أكثر من سَبْع بُدنٍ، كما قال أنس، وأنَّه أمر مَن نحر ما بعد ذلك إلى تمام ثلاثٍ وستِّين، ثمَّ زال عن ذلك المكان، وأمر عليًّا فنحرَ (٢) ما بقي. الثَّاني: أن يكون أنس لم يشاهد (٣) إلا نحره ﷺ سبعًا فقط بيده، وشاهدَ جابر تمامَ نحرِه ﷺ للباقي، فأخبر كلٌّ منهما بما رأى وشهد (٤). الثَّالث: أنَّه ﷺ نحر بيده مفردًا سبعَ بُدنٍ كما قال أنس، ثمَّ أخذ هو وعليٌّ الحَربةَ معًا، فنحرَا كذلك تمامَ ثلاثٍ وستِّين، كما قال غَرَفَة (٥) بن الحارث الكندي: إنَّه شاهدَ النبيَّ ﷺ يومئذٍ قد أخذ بأعلى الحَرْبة، وأمر عليًّا يأخذ بأسفلها، ونحرَا بها البُدْن ثمَّ انفرد علي بنحر الباقي من المائة، كما قال جابر. والله أعلم. فإن قيل: فكيف تصنعون بالحديث الذي رواه الإمام أحمد وأبو

стр. 1146

داود (١) عن علي قال: لمَّا نحر رسول الله ﷺ بُدْنَه فنحرَ ثلاثين بيده، وأمرني فنحرتُ سائرها. قلنا: هذا غلطٌ انقلب على الرَّاوي، فإنَّ الذي نحر ثلاثين هو علي، فإنَّ النبيَّ ﷺ نحر سبعًا بيده، لم يشاهده علي ولا جابر، ثمَّ نحر ثلاثًا وستِّين أخرى، فبقي من المائة ثلاثين (٢)، فنحرها علي، فانقلب على الرَّاوي عددُ ما نحره عليٌّ بما نحره النبيُّ ﷺ . فإن قيل: فما تصنعون بحديث عبد الله بن قُرط (٣) عن النبيِّ ﷺ قال: «إنَّ أعظم الأيَّام عند الله يوم النَّحر، ثمَّ يوم القَرِّ (٤)». وهو اليوم الثَّاني. قال: وقُرِّب لرسول الله ﷺ بَدَناتٌ خمسٌ، فطَفِقْن (٥) يَزدلِفْن إليه بأيَّتهنَّ يبدأ؟ فلمَّا وجبَتْ جنوبها قال، فتكلَّم بكلمةٍ خفيَّةٍ لم أفهمها، فقلت ما قال؟ قال: «من شاء اقْتطعَ» (٦).

стр. 1147

قيل: نقبله ونصدِّقه، فإنَّ المائة لم تُقرَّب إليه جملةً، وإنَّما كانت تُقرَّب إليه أَرسالًا، فقرِّب إليه منها خمسُ بَدَناتٍ رَسَلًا، وكان ذلك الرَّسَلُ يبادرن ويتقرَّبن إليه ليبدأ بكلِّ واحدةٍ منهنَّ. فإن قيل: فما تصنعون بالحديث الذي في «الصَّحيحين» (١) من حديث أبي بَكْرة في خطبة النبيِّ ﷺ يوم النَّحر بمنًى، وقال في آخره: ثمَّ انكَفَأ إلى كَبْشين أملحين فذبحهما، وإلى جُزَيعةٍ (٢) من الغنم فقَسَمَها بيننا. لفظ مسلمٍ (٣). ففي هذا أنَّ ذبح الكبشين كان بمكَّة، وفي حديث أنس أنَّه كان بالمدينة. قيل: في هذا طريقان للنَّاس: إحداهما: أنَّ القول قول أنس، وأنَّه ضحَّى بالمدينة بكبشين أملحين أقرنين، وأنَّه صلَّى العيد ثمَّ انكفأ إلى الكبشين، ففصَّل أنس وميَّز بين نحره بمكَّة للبُدْن وبين نحرِه بالمدينة للكبشين، وبيَّن أنَّهما قصَّتان. ويدلُّ على هذا أنَّ جميع من ذكر نحر النبيِّ ﷺ بمنًى إنَّما ذكروا أنَّه نحر الإبل، وهو الهدي الذي ساقه، وهو أفضل من نحر الغنم هناك بلا سَوْقٍ. وجابر قد قال في صفة حجَّة الوداع: إنَّه رجع من الرَّمي فنحر البدن، وإنَّما اشتبه على بعض الرُّواة

стр. 1148

أنَّ قصَّة الكبشين كانت يوم العيدٍ، فظنَّ أنَّه كان بمنًى، فوهم. الطَّريقة الثَّانية: طريقة ابن حزمٍ (١) ومن سلك مسلكه، أنَّهما عملان متغايران، وحديثان صحيحان، فذكر أبو بكرة تضحيته بمكَّة، وأنس تضحيته بالمدينة. قال: وذبح يوم النَّحر الغنم، ونحر البقر والإبل، كما قالت عائشة: ضحَّى رسول الله ﷺ يومئذٍ عن أزواجه بالبقر. وهو في «الصَّحيحين» (٢). وفي «صحيح مسلم» (٣): ذبح رسول الله ﷺ عن عائشة بقرةً يوم النَّحر. وفي «السُّنن» (٤): أنَّه نحر عن آل محمَّدٍ في حجَّة الوداع بقرةً واحدةً. ومذهبه: أنَّ الحاجَّ يُشرَع له التَّضحية مع الهدي. والصَّحيح إن شاء اللَّه: الطَّريقة الأولى، وهدي الحاجِّ له بمنزلة الأضحية للمقيم، ولم يَنقل أحدٌ أنَّ النبيَّ ﷺ ولا أصحابه جمعوا بين الهدي والأضحية، بل كان هديهم هو أضاحيهم، فهو هديٌ بمنًى وأضحيةٌ بغيرها. وأمَّا قول عائشة: «ضحَّى عن نسائه بالبقر» (٥)، فهو هديٌ أُطلِق عليه اسم الأضحية، فإنَّهنَّ كنَّ متمتِّعاتٍ وعليهنَّ الهدي، فالبقر الذي نحره عنهنَّ

стр. 1149

هو الهدي (١) الذي يلزمهنَّ. لكن في قصَّة نحر البقرة عنهنَّ ــ وهنَّ تِسعٌ ــ إشكالٌ، وهو إجزاء البقرة عن أكثر من سبعةٍ. وقد أجاب أبو محمد ابن حزم (٢) عنه بجوابٍ على أصله، وهو أنَّ عائشة لم تكن معهنَّ في ذلك، فإنَّها كانت قارنةً وهنَّ متمتِّعاتٌ، وعنده لا هديَ على القارن. وأيَّد قوله بالحديث الذي رواه مسلم (٣) من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: خرجنا مع رسول الله ﷺ مُوافينَ لهلال ذي الحجَّة، فكنتُ فيمن أهلَّ بعمرةٍ، فخرجنا حتَّى قدمنا مكَّة، فأدركني يومُ عرفة وأنا حائضٌ لم أحلَّ من عمرتي، فشكوتُ ذلك إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: «دَعِي عمرتك، وانقُضِي رأسك وامتشطي، وأهلِّي بالحجِّ». قالت: ففعلتُ. فلمَّا كانت ليلة الحصبة وقد قضى الله حجَّنا، أرسل معي عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ، فأردفني وخرج إلى التَّنعيم، فأهللتُ بعمرةٍ، فقضى الله حجَّنا وعمرتنا، ولم يكن في ذلك هديٌ ولا صدقةٌ ولا صومٌ. وهذا مسلكٌ فاسدٌ انفرد به (٤) عن النَّاس. والَّذي عليه الصَّحابة والتَّابعون ومَن بعدهم: أنَّ القارن يلزمه الهدي كما يلزم المتمتِّع، بل هو متمتِّعٌ حقيقةً في لسان الصَّحابة، كما تقدَّم. وأمَّا هذا الحديث فالصَّحيح أنَّ

стр. 1150

هذا الكلام الأخير من قول هشام بن عروة، جاء ذلك في «صحيح مسلم» (١) مصرَّحًا به، فقال: حدَّثنا أبو كُريب، ثنا وكيعٌ، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة ... فذكرت الحديث. وفي آخره (٢) في ذلك: «إنَّه قضى الله حجَّها وعمرتها. قال هشام: ولم يكن في ذلك هديٌ ولا صيامٌ ولا صدقةٌ». قال أبو محمد (٣): إن كان وكيعٌ جعل هذا الكلام لهشام، فابن نُمير وعَبدة أدخلاه في كلام عائشة، وكلٌّ منهما ثقةٌ، فوكيعٌ نسبه إلى هشام لأنَّه سمع هشاما يقوله، وليس قول هشام إيَّاه بدافعٍ أن تكون عائشة قالته، فقد يروي المرء حديثًا يسنده، ثمَّ يفتي به دون أن يسنده، فليس شيءٌ من هذا بمتدافعٍ. وإنَّما يتعلَّل بمثل هذا مَن لا يُنصِف ومن اتَّبع هواه، والصَّحيح من ذلك أنَّ كلَّ ثقةٍ فمصدَّقٌ فيما نقل. فإذا أضاف عَبدة وابن نُميرٍ القولَ إلى عائشة صُدِّقا لعدالتهما، وإذا أضافه وكيعٌ إلى هشام صُدِّق أيضًا لعدالته، وكلُّ ذلك صحيحٌ، وتكون عائشة قالته وهشام قاله. قلت: هذه الطَّريقة هي اللَّائقة بظاهريَّته وظاهريَّةِ أمثاله، ممَّن لا فقهَ له في علل الأحاديث كفقه الأئمَّة النُّقَّاد أطبَّاءِ علله وأهلِ العناية بها، وهؤلاء لا يلتفتون إلى قول من خالفهم ممَّن ليس له ذوقهم ومعرفتهم، بل يقطعون بخطائه (٤)، بمنزلة الصَّيارف النُّقَّاد الذين يميِّزون بين الجيِّد والرَّديء، ولا يلتفتون إلى خطإ من لم يعرف ذلك.

стр. 1151

ومن المعلوم أنَّ عبدة وابن نميرٍ لم يقولا في هذا الكلام: «قالت عائشة»، وإنَّما أدرجاه في الحديث إدراجًا، يحتمل أن يكون من كلامها (١) ومن كلام عروة ومن كلام هشام، فجاء وكيعٌ ففصَّل وميَّز، ومن فصَّل وميَّز (٢) فقد حفظ وأتقن ما أطلقه غيره. نعم، لو قال ابن نميرٍ وعَبدة: «قالت عائشة»، وقال وكيعٌ: «قال هشام»، لساغ ما قاله أبو محمد، وكان موضع نظرٍ وترجيحٍ. وأمَّا كونهنَّ تسعًا وهي بقرةٌ واحدةٌ، فهذا قد جاء بثلاثة ألفاظٍ، أحدها: أنَّها بقرةٌ واحدةٌ بينهنَّ، والثَّاني: أنَّه ضحَّى عنهنَّ يومئذٍ بالبقر، والثَّالث: دخل علينا يوم النَّحر بلحم بقرٍ، فقلت: ما هذا؟ فقيل: ذبح رسول الله ﷺ عن أزواجه. وقد اختلف النَّاس في عدد من تُجزئ عنهم البدنة والبقرة، فقيل: سبعةٌ، وهو قول الشَّافعيِّ وأحمد في المشهور عنه، وقيل: عشرةٌ، وهو قول إسحاق. وقد ثبت أنَّ النبي ﷺ قَسَم بينهم المغانمَ، فعدَلَ الجَزورَ بعشرِ شِياهٍ (٣). وثبت هذا الحديث أنَّه ضحَّى عن نسائه وهنَّ تسعٌ ببقرةٍ (٤). وقد روى سفيان عن أبي الزبير عن جابر: أنَّهم نحروا البدنةَ في حجِّهم (٥)

стр. 1152

مع رسول الله ﷺ عن عشرةٍ (١). وهو على شرط مسلم ولم يخرجه، وإنَّما خرَّج (٢) قوله: «خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلِّين بالحجِّ معنا النِّساء والولدان، فلمَّا قدمنا مكَّة، طفنا بالبيت وبالصَّفا والمروة، وأمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كلُّ سبعةٍ منَّا في بدنةٍ». وفي «المسند» (٣) من حديث ابن عبَّاسٍ: كنَّا مع النبيِّ ﷺ في سفرٍ فحضر الأضحى، فاشتركنا في البقرة سبعةً، وفي الجَزور عشرةً. ورواه النَّسائيُّ والتِّرمذيُّ، وقال: حسنٌ غريبٌ. وفي «الصَّحيحين» (٤) عنه: نحرنا مع رسول الله ﷺ عامَ الحديبية، البدنةَ عن سبعةٍ والبقرةَ عن سبعةٍ. وقال حذيفة: شرَّك رسول الله ﷺ في حجَّته بين المسلمين في البقرة عن سبعةٍ. ذكره الإمام أحمد (٥). وهذه الأحاديث تُخرَّج على أحد وجوهٍ ثلاثةٍ:

стр. 1153

إمَّا أن يقال: أحاديث السَّبعة أكثر وأصحُّ. وإمَّا أن يقال: عَدْلُ البعيرِ بعشرةٍ من الغنم تقويمٌ في الغنائم، لأجل تعديل القسمة. وأمَّا كونه عن سبعةٍ في الهدايا فهو تقديرٌ شرعيٌّ. وإمَّا أن يقال: إنَّ ذلك يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والإبل، ففي بعضها كان البعير يَعدِلُ عشرَ شِياهٍ، فجعله عن عشرةٍ، وفي بعضها يَعدِلُ سبعًا، فجعله عن سبعةٍ، والله أعلم. وقد قال أبو محمد (١): إنَّه ذبح عن نسائه بقرةً للهدي، وضحَّى عنهنَّ ببقرةٍ، وضحَّى (٢) عن نفسه بكبشين، ونحر (٣) ثلاثًا وستِّين هديًا. وقد عرفتَ ما في ذلك من الوهم، ولم تكن بقرة الضَّحيَّة غير بقرة الهدي، بل هي هي، وهدي الحاجِّ بمنزلة ضحيَّة الآفاقيِّ. فصل ونحر رسول الله ﷺ بمنحره بمنًى، وأعلمهم أنَّ منًى كلَّها منحرٌ، وأنَّ فِجاجَ مكَّة طريقٌ ومنحرٌ. وفي هذا دليلٌ على أنَّ النَّحر لا يختصُّ بمنًى، بل حيث نحر من فِجاج مكَّة أجزأه، كما أنَّه لمَّا (٤) وقف بعرفة قال: «وقفتُ هاهنا وعرفة كلُّها موقفٌ»، ووقف بمزدلفة وقال: «وقفتُ هاهنا، ومزدلفة

стр. 1154

كلُّها موقفٌ». وسئل ﷺ أن يُبنى له بمنًى مِظلَّة (١) من الحرِّ، فقال: «لا، منًى مُناخُ مَن سَبق (٢)» (٣). وفي هذا دليلٌ على اشتراك المسلمين فيها، وأنَّ من سبق إلى مكانٍ منها فهو أحقُّ به حتَّى يرتحل عنه، ولا يملكه بذلك. فصل فلمَّا أكمل رسول الله (٤) ﷺ نحْرَه استدعى بالحلَّاق، فحلق رأسه، فقال للحلَّاق ــ وهو مَعْمر بن عبد الله ــ وهو قائمٌ على رأسه بالموسى، ونظر في وجهه وقال: «يا معمرُ، أَمكنَك رسول الله ﷺ من شَحْمة أذنه وفي يدك الموسى»، فقال معمر: أما والله يا رسول الله، إنَّ ذلك لمن نعمةِ الله عليَّ ومَنِّه. قال: قال: «أجَلْ فَرَ (٥) ذلك». ذكر ذلك الإمام أحمد (٦).

стр. 1155

وقال البخاريُّ في «صحيحه» (١): وزعموا أنَّ الذي حلق النبيَّ ﷺ معمر بن عبد الله بن نَضْلة بن عوف. انتهى. فقال للحلَّاق: «خُذْ» (٢)، وأشار إلى جانبه الأيمن، فلمَّا فرغ منه قسَمَ شعره بين من يليه، ثمَّ أشار إلى الحلَّاق فحلق جانبه الأيسر، ثمَّ قال: «هاهنا أبو طلحة؟»، فدفعه إليه. هكذا وقع في «صحيح مسلم» (٣). وفي «صحيح البخاريّ» (٤): عن ابن سيرين عن أنس: أنَّ رسول الله ﷺ لمَّا حلق رأسه كان أبو طلحة أوَّلَ من أخذ من شعره. وهذا لا يناقض روايةَ مسلم، لجواز أن يصيب أبا طلحة من الشِّقِّ الأيمن مثلُ ما أصاب غيرَه، ويختصَّ بالشِّقِّ الأيسر. لكن قد روى مسلم في «صحيحه» (٥) أيضًا من حديث أنس، قال: لمَّا رمى رسول الله ﷺ الجمرةَ ونحرَ نُسكَه وحلق، ناولَ الحلَّاقَ شقَّه الأيمنَ فحلقه، ثمَّ دعا أبا طلحة الأنصاريَّ فأعطاه إيَّاه، ثمَّ ناوله الشِّقَّ الأيسر فقال: «احلِقْ»، فحلقه فأعطاه أبا طلحة، فقال: «اقسِمْه بين النَّاس». ففي هذه الرِّواية كما ترى أنَّ نصيب أبي طلحة كان الشِّقَّ الأيمن، وفي الأولى: أنَّه كان الأيسر.

стр. 1156

قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي (١): رواه مسلم من رواية حفص بن غياثٍ وعبد الأعلى بن عبد الأعلى (٢)، عن هشام بن حسَّان، عن محمد بن سيرين، عن أنس: أنَّ النبيَّ ﷺ دفع إلى أبي طلحة شعرَ شقِّه الأيسر. ورواه من رواية سفيان بن عيينة، عن هشام بن حسَّانٍ: أنَّه دفع إلى أبي طلحة شَعر شِقِّه الأيمن (٣). قال (٤): ورواية ابن عَون عن ابن سيرين أراها تقوِّي رواية سفيان، والله أعلم. قلت: يريد برواية ابن عون ما ذكرناه عن ابن سيرين من طريق البخاريِّ (٥)، وجعل الذي سبق إليه أبو طلحة هو الشِّقَّ الذي اختصَّ به. فالله أعلم. والَّذي يَقوى أنَّ نصيب أبي طلحة الذي اختصَّ به كان الشِّقَّ الأيسر، وأنَّه ﷺ عمَّ ثمَّ خصَّ، وهذه كانت سنَّته في عطائه، وعلى هذا أكثر الرِّوايات، فإنَّ في بعضها (٦) أنَّه قال للحلَّاق: «خُذْ»، وأشار إلى جانبه الأيمن، فقسَمَ شعره بين من يليه، ثمَّ أشار إلى (٧) الحلَّاق إلى الجانب الأيسر فحلقه،

стр. 1157

فأعطاه أم سُليم. ولا يعارض هذا دفْعُه إلى أبي طلحة، فإنَّها امرأته. وفي لفظٍ آخر (١): فبدأ بالشِّقِّ الأيمن، فوزَّعه الشَّعرة والشَّعرتين بين النَّاس، ثمَّ قال بالأيسر، فصنع به مثل ذلك، ثمَّ قال: «هاهنا أبو طلحة؟»، فدفعه إليه. وفي لفظٍ ثالثٍ (٢): «دفع إلى أبي طلحة شعر شقِّ رأسه الأيسر، ثمَّ قلَّم أظفاره وقسَمَها بين النَّاس». وذكر (٣) الإمام أحمد (٤) من حديث محمد [بن عبد الله] (٥) بن زيد أنَّ أباه حدَّثه: أنَّه شهد النبيَّ ﷺ عند المنحر، ورجلٌ من قريشٍ، وهو يَقْسِم أضاحيَ، فلم يُصِبْه شيءٌ ولا صاحبَه، فحلق رسول الله ﷺ رأسه في ثوبه، فأعطاه فقسَمَ منه على رجالٍ، وقلَّم أظفاره فأعطاه صاحبه. قال: فإنَّه عندنا مخضوبٌ بالحنَّاء والكَتَم، يعني شَعره. ودعا للمحلِّقين بالمغفرة ثلاثًا وللمقصِّرين مرَّةً (٦)، وحلق كثيرٌ من الصَّحابة بل أكثرهم، وقصَّر بعضهم، وهذا مع قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] ومع قول

стр. 1158

عائشة ﵂: طيَّبتُ رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم ولإحلاله قبل أن يحلَّ (١) = دليلٌ على أنَّ الحلق نسكٌ، وليس بإطلاقٍ من محظورٍ. فصل ثمَّ أفاض ﷺ إلى مكَّة قبل الظُّهر راكبًا، فطاف طواف الإفاضة، وهو طواف الزِّيارة، وهو طواف الصَّدَر، ولم يطف غيره، ولم يسْعَ معه. هذا هو الصَّواب، وقد خالف في ذلك ثلاث طوائف: طائفةٌ زعمت أنَّه طاف طوافين، طوافًا للقدوم سوى طواف الإفاضة، ثمَّ طاف للإفاضة. وطائفةٌ زعمت أنَّه سعى مع هذا الطَّواف لكونه قارنًا. وطائفةٌ زعمت أنَّه لم يطف ذلك اليوم، وإنَّما أخَّر طواف الزِّيارة إلى اللَّيل، فنذكر الصَّواب في ذلك، ونبيِّن منشأ الغلط، وباللَّه التَّوفيق. قال الأثرم (٢): قلت لأبي عبد الله: فإذا رجع ــ أعني المتمتِّع ــ كم يطوف ويسعى؟ قال: يطوف ويسعى لحجِّه، ويطوف طوافًا آخر للزِّيارة. عاودناه في هذا (٣) غيرَ مرَّةٍ، فثبت عليه. قال الشَّيخ (٤) في «المغني» (٥): وكذلك الحكم في القارن والمفرِد إذا لم يكونا أتيا مكَّة قبلَ يوم النَّحر، ولا طافا للقدوم، فإنَّهما يبدآن بطواف القدوم قبل طواف الزِّيارة. نصَّ عليه أحمد، واحتجَّ بما روت عائشة، قالت: «فطاف

стр. 1159

الذين أهلُّوا بالعمرة بالبيت وبين الصَّفا والمروة، ثمَّ حلُّوا، ثمَّ طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منًى لحجِّهم، وأمَّا الذين جمعوا الحجَّ والعمرة، فإنَّما (١) طافوا طوافًا واحدًا». فحمل أحمد قول عائشة على أنَّ طوافهم لحجِّهم هو طواف القدوم. قال (٢): ولأنَّه قد ثبت أنَّ طواف القدوم مشروعٌ، فلم يكن طواف الزِّيارة مُسقِطًا له، كتحيَّة المسجد عند دخوله قبل التَّلبُّس بصلاة الفرض. وقال الخرقي في «مختصره» (٣): وإن كان متمتِّعًا فيطوف بالبيت سبعًا، وبالصَّفا والمروة سبعًا، كما فعل للعمرة، ثمَّ يعود فيطوف بالبيت طوافًا ينوي به الزِّيارة، وهو قوله : ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. فمن قال: إنَّ النبيَّ ﷺ كان متمتِّعًا ــ كالقاضي وأصحابه ــ عندهم هكذا (٤) فعل، والشَّيخ أبو محمد عنده أنَّه كان متمتِّعًا التَّمتُّع الخاصَّ، ولكن لم يفعل هذا، قال (٥): ولا أعلم أحدًا وافق أبا عبد الله على هذا الطَّواف الذي ذكره الخرقي، بل المشروع طوافٌ واحدٌ للزِّيارة، كمن دخل المسجد وقد أقيمت الصَّلاة، فإنَّه (٦) يكتفي بها من تحيَّة المسجد. ولأنَّه لم يُنقل عن النبيِّ ﷺ ولا أصحابه الذين تمتَّعوا معه في حجَّة الوداع، ولا أمر النبيُّ ﷺ به أحدًا.

стр. 1160

قال (١): وحديث عائشة دليلٌ على هذا، فإنَّها قالت: طافوا طوافًا واحدًا بعد أن رجعوا من منًى لحجِّهم، وهذا هو طواف الزِّيارة، ولم تذكر طوافًا آخر. ولو كان هذا الذي ذكرتْه طواف القدوم لكانت قد أخلَّت بذكر طواف الزِّيارة، الذي هو ركن الحجِّ لا يتمُّ إلا به، وذكرتْ ما يُستغنى عنه. وعلى كلِّ حالٍ فما ذكرتْ إلا طوافًا واحدًا، فمن أين يُستدلُّ به على طوافين؟ وأيضًا، فإنَّها لمَّا حاضت فقرنت الحجَّ إلى العمرة بأمر النبيِّ ﷺ ، ولم تكن طافت للقدوم= لم تطف للقدوم، ولا أمرها به النبيُّ ﷺ . ولأنَّ طواف القدوم لو لم يسقط بالطَّواف الواجب لشُرِع (٢) في حقِّ المعتمر طواف القدوم مع طواف العمرة؛ لأنَّه أوَّل قدومه إلى البيت، فهو به أولى من المتمتِّع الذي يعود إلى البيت بعد رؤيته وطوافه به. انتهى كلامه. قلت: لم يرفع كلام أبي محمد (٣) الإشكالَ، وإن كان الذي أنكره هو الحقُّ، كما أنكره، والصَّواب في إنكاره، فإنَّ أحدًا لم يقل: إنَّ الصَّحابة لمَّا رجعوا من عرفة طافوا للقدوم وسَعَوا، ثمَّ طافوا للإفاضة بعده، ولا النبيُّ ﷺ . هذا لم يقع قطعًا، ولكن منشأ الإشكال أنَّ أمَّ المؤمنين فرَّقت بين المتمتِّع والقارن، فأخبرت أنَّ القارنين طافوا بعد أن رجعوا من منًى طوافًا واحدًا، وأنَّ الذين أهلُّوا بالعمرة طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منًى لحجِّهم، وهذا غير (٤) طواف الزِّيارة قطعًا، فإنَّه يشترك فيه القارن والمتمتِّع،
следующие страницы →