← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

دعوتُه: عند حضور النِّداء، والصَّفِّ في سبيل اللَّه». وقد تقدَّم هديُه في أذكار الصلوات مفصَّلًا والأذكار بعد انقضائها، والأذكار في العيدين والجنائز والكسوف، وأنَّه أمر في الكسوف بالفزع إلى ذكر الله، وأنَّه كان يسبِّح في صلاتها قائمًا رافعًا يديه، يهلِّل ويكبِّر ويحمد ويدعو حتَّى حُسِر عن الشَّمس. فصل وكان ﷺ يُكثِر الدُّعاء (١) في عشر ذي الحجَّة، ويأمر فيه بالإكثار من التَّهليل والتَّكبير والتحميد (٢). ويُذكر عنه أنَّه كان يكبِّر من صلاة الفجر يومَ عرفة إلى العصر من آخر أيَّام التَّشريق، فيقول: «اللَّه أكبر الله أكبر، لا إله إلا اللَّه، والله أكبر الله أكبر، وللَّه الحمد» (٣). وهذا وإن كان لا يصحُّ إسناده فالعمل عليه، ولفظه هكذا بشَفْعِ التَّكبير، وأمَّا كونُه ثلاثًا فإنَّما رُوي عن جابر وابن عبَّاسٍ فعلُهما ثلاثًا نَسقًا فقط (٤)، وكلاهما حسنٌ. قال الشافعيُّ (٥): وإن زاد فقال: «الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا،

стр. 1297

وسبحان الله بكرةً وأصيلًا، لا إله إلا اللَّه، ولا نعبد إلا إيَّاه، مخلصين له الدِّين ولو كره الكافرون، لا إله إلا الله وحده، صدَقَ وعدَه، ونَصرَ عبدَه، وهَزَم الأحزابَ وحده، لا إله إلا الله والله أكبر» = كان حسنًا. فصل في هديه في الذِّكر عند رؤية الهلال يُذكر عنه أنَّه كان يقول: «اللَّهمَّ أَهِلَّه علينا بالأمن والإيمان، والسَّلامة والإسلام، ربِّي وربُّك اللَّه». قال الترمذي (١): حديثٌ حسنٌ. ويُذكر عنه أنَّه كان يقول عند رؤيته: «اللَّه أكبر، اللَّهمَّ أهلَّه علينا بالأمن والإيمان، والسَّلامة والإسلام (٢)، والتَّوفيق لما تحبُّ وترضى، ربُّنا وربُّك اللَّه». ذكره الدارمي (٣). وذكر أبو داود (٤) عن قتادة أنَّه بلغه أنَّ نبيَّ الله ﷺ كان إذا رأى الهلال قال: «هلالُ خيرٍ ورشدٍ، هلال خيرٍ ورشدٍ (٥)، آمنتُ بالَّذي خلقك» ثلاث مرَّاتٍ، ثمَّ يقول: «الحمد لله الذي ذهبَ بشهر كذا، وجاء بشهر كذا». وفي أسانيدها لينٌ.

стр. 1298

يُذكر عن أبي داود (١) ــ وهو في بعض نسخ «سننه» ــ أنَّه قال: ليس في هذا الباب عن النبيِّ ﷺ حديثٌ مسندٌ صحيحٌ. فصل في هديه في أذكار الطَّعام قبله وبعده كان إذا وضع يده في الطَّعام قال: «بسم الله»، ويأمر الآكل بالتَّسمية ويقول: «إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله، فإن نسي أن يذكر اسم الله في أوَّله فليقل: بسم الله في أوَّله وآخره» (٢). حديثٌ صحيحٌ. والصَّحيح وجوب التَّسمية عند الأكل، وهو أحد الوجهين لأصحاب أحمد، وأحاديث الأمر بها صحيحةٌ صريحةٌ (٣) لا معارِضَ لها، ولا إجماع يُسوِّغ مخالفَها (٤) ويُخرِجها عن ظاهرها، وتاركُها شريك الشَّيطان في طعامه وشرابه (٥). فصل وهاهنا مسألةٌ تدعو الحاجة إليها، وهي أنَّ الآكلين إذا كانوا جماعةً،

стр. 1299

فسمَّى أحدهم، هل تزول مشاركة الشَّيطان لهم في طعامهم بتسميته وحده، أم لا تزول إلا بتسمية الجميع؟ فنصَّ الشافعيُّ على إجزاء تسمية الواحد عن الباقين، وجعله أصحابه كردِّ السلام وتشميت العاطس. وقد يقال: لا ترتفع مشاركة الشَّيطان للآكل إلا بتسميته هو، ولا يكفيه تسمية غيره، ولهذا في حديث حذيفة: إنَّا حضرنا مع النبي ﷺ طعامًا، فجاءت جاريةٌ كأنَّها تُدفَع، فذهبتْ لتضع يدها في الطَّعام، فأخذ رسول الله ﷺ بيدها، ثمَّ جاء أعرابيٌّ فأخذ بيده، فقال رسول الله ﷺ : «إنَّ الشَّيطان يستحلُّ الطَّعامَ أن لا يُذكَر اسم الله عليه، وإنَّه جاء بهذه الجارية ليستحلَّ (١) بها، فأخذتُ بيدها، فجاء بهذا الأعرابيِّ ليستحلَّ به فأخذتُ بيده، والَّذي نفسي بيده إنَّ يده لفي (٢) يدي مع يديهما»، ثمَّ ذكر اسم الله وأكل (٣). ولو كانت تسمية الواحد تكفي لما وضعَ الشَّيطانُ يدَه في ذلك الطَّعام. ولكن قد يُجاب عن هذا بأنَّ النبيَّ ﷺ لم يكن وضع يدَه وسمَّى بعدُ، ولكنَّ الجارية ابتدأت بالوضع بغير تسميةٍ، وكذلك الأعرابيُّ، فشاركَهما الشَّيطان، فمن أين لكم أنَّ الشَّيطان يشارك من لم يُسمِّ بعد تسمية غيره؟ فهذا ممَّا يمكن أن يقال، لكن قد روى الترمذي (٤) وصحَّحه من حديث عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يأكل طعامًا في ستَّةٍ من أصحابه، فجاء أعرابيٌّ فأكله

стр. 1300

بلقمتين، فقال رسول الله ﷺ : «أَمَا إنَّه لو سمَّى لكفاكم». ومن المعلوم أنَّ رسول الله ﷺ وأولئك الستَّة سَمَّوا، فلمَّا جاء هذا الأعرابيُّ فأكل ولم يُسَمِّ، شاركه الشَّيطان في أكله، فأكل الطَّعام بلقمتين، ولو سَمَّى لكفى الجميعَ. وأمَّا مسألة ردِّ السَّلام وتشميت العاطس ففيهما نظرٌ، وقد صحَّ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «إذا عطسَ أحدكم، فحمِدَ اللَّه، فحقٌّ على كلِّ من (١) سمعه أن يُشمِّته» (٢). وإن سُلِّم الحكم فيهما فالفرق بينهما وبين مسألة الأكل ظاهرٌ، فإنَّ الشَّيطان إنَّما يتوصَّل إلى مشاركة الآكل في أكله إذا لم يُسمِّ، فإذا سمَّى غيرُه لم تُجزِه تسميةُ من لم يُسمِّ من مقارنة الشَّيطان (٣) له (٤) فيأكل معه، بل تَقِلُّ مشاركة الشياطين بتسمية بعضهم، وتبقى الشَّركة بين من لم يُسمِّ وبينهم، والله أعلم. ويُذكر عن جابر عن النبيِّ ﷺ : «مَن نسي أن يُسمِّي على طعامه فليقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إذا فرغ». وفي ثبوت هذا الحديث نظرٌ (٥). وكان إذا رُفِع الطَّعام من بين يديه يقول: «الحمد لله حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه، غيرَ مَكْفِيٍّ ولا مُوَدَّعٍ ولا مُستغنًى عنه ربُّنا ». ذكره

стр. 1301

البخاريُّ (١). وربَّما كان يقول: «الحمد لله الذي أطعمَنا وسَقانا وجعلنا مسلمين» (٢). وكان يقول: «الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوَّغه وجعلَ له مخرجًا» (٣). وذكر البخاريُّ (٤) عنه أنَّه كان يقول: «الحمد لله الذي كفانا وآوانا (٥)». وذكر الترمذي (٦) عنه أنَّه قال: «من أكل طعامًا فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا من غير حولٍ منِّي ولا قوَّةٍ، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه». حديثٌ حسنٌ. ويُذكَر (٧) عنه أنَّه كان إذا قُرِّب إليه الطَّعام قال: «بسم اللَّه»، فإذا فرغ من

стр. 1302

طعامه قال: «اللَّهمَّ أطعمتَ وسَقيتَ، وأغنيتَ وأقنيتَ، وهديتَ وأحييتَ، فلك الحمد على ما أعطيتَ». وإسناده صحيحٌ. وفي «السُّنن» (١) عنه أنَّه كان يقول إذا فرغ: «الحمد لله الذي مَنَّ علينا وهدانا، والَّذي أشبعنا وأروانا، وكلَّ الإحسان آتانا». حديثٌ حسنٌ. وفي «السُّنن» (٢) عنه أيضًا: «إذا أكل أحدكم طعامًا فليقل: اللَّهمَّ بارِكْ لنا فيه وأطعِمْنا خيرًا منه. ومن سقاه الله لبنًا فليقل (٣): اللَّهمَّ بارِكْ لنا فيه (٤) وزِدْنا منه» (٥). حديثٌ حسنٌ. ويُذكر عنه أنَّه كان إذا شرب في الإناء تنفَّسَ ثلاثة أنفاسٍ، يحمد الله في كلِّ نفسٍ، ويشكره في آخرهنَّ (٦).

стр. 1303

فصل وكان ﷺ إذا دخل على أهله ربَّما سألهم: هل عندهم (١) طعامٌ؟ (٢) وما عاب طعامًا قطُّ، بل كان إذا اشتهاه أكله، وإن كرهه تركَه وسكت (٣). وربَّما قال: «أجِدُني أَعافُه، إنِّي لا أشتهيه» (٤). وكان يمدح الطَّعام أحيانًا، كقوله لمَّا سأل أهله عن الأُدْم، فقالوا: ما عندنا إلا خلٌّ، فجعل يأكل منه ويقول: «نعمَ الأُدْم الخلُّ» (٥). وليس في هذا تفضيلٌ (٦) له على اللَّبن واللَّحم والعسل والمَرَق، وإنَّما هو مدحٌ له في تلك الحال الَّتي حضر فيها، ولو حضر (٧) لحمٌ أو لبنٌ لكان أولى بالمدح منه، فقال هذا جبرًا وتطييبًا لقلب من قدَّمه، لا تفضيلًا له على سائر أنواع الأُدْم (٨). وكان إذا قُرِّب إليه طعامٌ وهو صائمٌ قال: «إنِّي صائمٌ» (٩)، وأمر من قرِّب إليه الطَّعام وهو صائمٌ أن يصلِّي أي يدعو لمن قدَّمه، وإن كان مفطرًا أن يأكل

стр. 1304

منه (١). وكان إذا دُعي لطعامٍ وتبعه أحدٌ أعلمَ به ربَّ المنزل وقال: «إنَّ هذا تَبِعنا، فإن شئتَ أن تأذنَ له وإن شئتَ رَجَع» (٢). وكان يتحدَّث على طعامه كما تقدَّم في حديث الخلِّ، وكما قال لربيبه وهو يؤاكله: «سَمِّ الله (٣)، وكلْ ممَّا يليك» (٤). وربَّما كان يكرِّر على أضيافه عرْضَ الأكل عليهم مرارًا، كما يفعله أهل الكرم، كما في حديث أبي هريرة (٥) في قصَّة شرب اللَّبن، وقوله له مرارًا: «اشرَبْ»، فما زال يقول «اشرَبْ» حتَّى قال: والَّذي بعثك بالحقِّ لا أجدُ له مسلكًا. وكان إذا أكل عند قومٍ لم يخرج حتَّى يدعو لهم، فدعا في منزل عبد الله بن بُسْرٍ (٦)، فقال: «اللَّهمَّ بارِكْ لهم فيما رزقتَهم، واغفرْ لهم وارحَمْهم». ذكره مسلم (٧). ودَعا في منزل سعد بن عُبادة فقال: «أفطر عندكم الصَّائمون، وأكل

стр. 1305

طعامَكم الأبرار، وصلَّت عليكم الملائكة» (١). وذكر أبو داود (٢) عنه أنَّه لمَّا دعاه أبو الهيثم بن التَّيهان هو وأصحابه فأكلوا، فلمَّا فرغوا قال: «أَثِيبوا أخاكم»، قالوا (٣): يا رسول الله، وما إثابته؟ قال: «إنَّ الرَّجل إذا دُخِل بيتُه فأُكِل طعامُه وشُرِب شرابه فدَعَوا له، فذلك إثابتُه». وصحَّ عنه أنَّه دخل منزله ليلةً، فالتمس طعامًا فلم يجده، فقال: «اللَّهمَّ أطعِمْ من أطعَمَني، واسْقِ من سقاني» (٤). وذُكِر عنه أنَّ عمرو بن الحَمِق (٥) سقاه لبنًا فقال: «اللَّهمَّ أمتِعْه بشبابه»، فمرَّت عليه ثمانون سنةً لم يَرَ شعرةً بيضاء (٦). وكان يدعو لمن يُضيف المساكين، ويُثني عليهم، فقال مرَّةً: «ألا رجلٌ يضيف هذا ﵀!»، وقال للأنصاريِّ وامرأته اللَّذين آثرا بقُوْتِهما وقُوْتِ

стр. 1306

صبيانهما ضيفَهما: «لقد عجِبَ الله من صنيعكما بضيفكما اللَّيلَة» (١). وكان لا يأنف من مؤاكلة أحدٍ صغيرًا كان أو كبيرًا، حرًّا أو عبدًا، أعرابيًّا أو مهاجرًا، حتَّى لقد روى أصحاب السُّنن (٢) عنه أنَّه أخذ بيدِ مجذومٍ، فوضعها معه في القَصْعة وقال: «كُلْ بسم الله، ثقةً باللَّه، وتوكُّلًا عليه». وكان يأمر بالأكل باليمين وينهى عن الأكل بالشِّمال، ويقول: «إنَّ الشَّيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله» (٣). ومقتضى هذا تحريمُ الأكل بها، وهو الصَّحيح، فإنَّ الآكل بها إمَّا شيطانٌ وإمَّا مشبَّهٌ بالشيطان. وصحَّ عنه أنَّه قال لرجلٍ أكلَ عنده بشماله: «كلْ بيمينك»، فقال: لا أستطيع، فقال: «لا استطعتَ»، فما رفع يده إلى فيه بعدها (٤). فلو كان ذلك جائزًا لما دعا عليه بفعله، وإن كان كِبْره (٥) قد حمَلَه على ترك امتثال الأمر فذلك أبلغ في العصيان واستحقاقِ الدُّعاء عليه. وأمر من شَكَا إليه أنَّهم لا يَشْبَعون أن يجتمعوا على طعامهم ولا يتفرَّقوا، وأن يذكروا اسم الله عليه، يُباركْ لهم فيه (٦).

стр. 1307

وصحَّ عنه أنَّه قال: «إنَّ الله ليرضى عن العبد يأكل الأَكْلَة يَحْمده عليها، ويشرب الشَّربةَ يحمده (١) عليها» (٢). ورُوِي عنه أنَّه قال: «أَذِيبوا طعامَكم بذكر الله والصَّلاة، ولا تناموا عليه فتَقْسُوَ قلوبُكم» (٣). وأَحْرِ (٤) بهذا الحديث أن يكون صحيحًا، والواقع في التَّجربة يشهد به. فصل في هديه في السَّلام والاستئذان وتشميت العاطس ثبت عنه في «الصَّحيحين» (٥) (٦) أنَّ أفضل الإسلام وخيرَه إطعامُ الطَّعام، وأن تقرأ (٧) السَّلامَ على من عرفتَ ومَن لم تَعرِفْ (٨).

стр. 1308

وفيهما (١) أنَّ آدم لمَّا خلقه الله قال له: اذهَبْ إلى أولئك النَّفر من الملائكة، فسَلِّم عليهم، واستمِعْ ما يُحيُّونك، فإنَّها تحيَّتك وتحيَّة ذرِّيَّتك، فقال: السَّلام عليكم، فقالوا: السَّلام عليك ورحمة اللَّه، فزادوه «ورحمة اللَّه» (٢). وفيهما أنَّه أمر بإفشاء السَّلام، وأخبرهم (٣) أنَّهم إذا أفْشَوا السَّلام بينهم تَحابُّوا، وأنَّهم لا يدخلون الجنَّة حتَّى يؤمنوا، ولا يؤمنون حتَّى يتحابُّوا (٤). وقال البخاريُّ في «صحيحه» (٥) قال عمار: ثلاثٌ من جمعَهنَّ فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السَّلام للعالم، والإنفاق من الإقتار. وقد تضمَّنت هذه الكلمات أصولَ الخير وفروعَه، فإنَّ الإنصاف يوجب عليه أداءَ حقوق الله كاملةً موفَّرةً، وأداء حقوق النَّاس كذلك، وأن لا يطالبهم بما ليس له، ولا يُحمِّلهم فوقَ وُسْعهم، ويعاملهم بما يحبُّ أن يعاملوه به، ويُعفِيهم ممَّا يحبُّ أن يُعْفُوه منه، ويحكم لهم وعليهم بما يحكم به لنفسه

стр. 1309

وعليها، ويدخل في هذا إنصافه نفسه من نفسه، فلا يدَّعي لها ما ليس لها، ولا يُخفيها (١) بتَدْسِيَتِه لها، وتصغيرِه إيَّاها، وتحقيرِها بمعاصي الله، ويُنمِّيها ويُكبِّرها ويَرفَعُها بطاعة الله وتوحيده، وحبِّه وخوفه ورجائه، والتَّوكُّل عليه والإنابة إليه (٢)، وإيثارِ مَراضِيه ومَحابِّه على مَراضي الخلقِ ومَحابِّهم، ولا يكون بها مع الخلق ولا مع الله، بل يَعزِلُها من البين (٣) كما عَزَلَها اللَّه، ويكون بالله لا بنفسه في حبِّه وبغضه، وعطائه ومنعه، وكلامه وسكوته، ومدخله ومخرجه، فيُنْجِي نفسَه من البين، ولا يرى لها مكانةً يعمل عليها (٤)، فيكون ممَّن ذمَّهم الله بقوله: ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٥]. فالعبد المحض ليس له مكانةٌ يعمل عليها، فإنَّه يستحقُّ المنافع (٥) والأعمال لسيِّده، ونفسه مِلْكٌ له، فهو عاملٌ على أن يؤدِّي إلى سيِّده ما هو مستحقٌّ له عليه (٦)، ليس له مكانةٌ أصلًا، بل قد كُوتِب على حقوقٍ مُنَجَّمةٍ، كلَّما أدَّى نَجْمًا حلَّ عليه نجمٌ آخر، ولا يزال المُكاتَب عبدًا ما بقيَ عليه شيءٌ من نجوم الكتابة. والمقصود أنَّ إنصافه من نفسه يُوجِب عليه معرفةَ ربِّه وحقِّه عليه، ومعرفةَ نفسِه وما خُلِقَتْ له، وأن لا يزاحمَ بها مالكها وفاطرها، ويدَّعيَ لها

стр. 1310

الملكة والاستحقاق، ويزاحمَ مرادَ سيِّده منه بمراده هو ويدفعَه به، أو يُقدِّمه ويُؤثِره عليه، أو يَقسِم إرادتَه بين مراد سيِّده ومراده، وهو قِسْمةٌ ضِيْزى، أو مثل قسمة الذين قالوا: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٣٦]. فلينظرِ العبدُ لا يكون من أهل هذه القسمة بين نفسه وشركائه وبين الله، ولجهله وظلمِه واللَّبْسِ عليه لا يَشعُر، فإنَّ الإنسان خُلِق ظلومًا جهولًا، وكيف يطلب الإنصاف ممَّن وصفُه الظُّلم والجهل؟ وكيف يُنصِف الخلقَ من لم يُنصِف الخالق؟ كما في أثرٍ إلهيٍّ: «يقول الله : ابنَ آدم ما أنصفتَني، خيري إليك نازلٌ وشرُّك إليَّ صاعدٌ، كم أتحبَّبُ إليك بالنِّعم وأنا غنيٌّ عنك، وكم تتبغَّض إليَّ بالمعاصي وأنت فقيرٌ إليَّ، ولا يزال الملَكُ الكريم يَعْرُج إليَّ منك بعملٍ قبيحٍ» (١). وفي أثرٍ آخر: «ابنَ آدم ما أنصفتَني، خلقتُك وتعبدُ غيري، وأرزُقُك وتَشكُر سواي» (٢).

стр. 1311

ثمَّ كيف يُنصِف غيرَه من لم يُنصِف نفسَه، وظَلَمَها أقبحَ الظُّلم، وسَعى في ضررها أعظمَ السَّعي، ومَنعَها أعظمَ لذَّاتها من حيث ظنَّ أنَّه يعطيها إيَّاها، وأتعبَها كلَّ التَّعب وأشقاها كلَّ الشَّقاء من حيث ظنَّ أنَّه يُرِيحها ويُسعِدها، وجَدَّ كلَّ الجِدِّ (١) في حرمانها حظَّها من اللَّه وهو يظنُّ أنَّه يُنِيلُها حظوظَها، ودَسَّاها كلَّ التَّدسية وهو يظنُّ أنَّه يُكبِّرها ويُنمِّيها، وحَقَّرها كلَّ التَّحقير وهو يظنُّ أنَّه يُعظِّمها، فكيف يُرجى الإنصافُ ممَّن هذا إنصافه لنفسه؟ إذا كان هذا فِعْلَ عبدٍ بنفسه ... فماذا تَراه بالأجانبِ يَفعلُ (٢) والمقصود أنَّ قول عمار ﵁: «ثلاثٌ مَن جمعهنَّ فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السَّلام للعالم، والإنفاق من الإقتار» كلامٌ جامعٌ لأصول الخير وفروعه. وبذل السَّلام للعالم يتضمَّن تواضعَه، وأنَّه لا يتكبَّر على أحدٍ، بل يَبذُل السَّلام للصَّغير والكبير، والشَّريف والوضيع، ومن يعرفه ومن لا يعرفه. والمتكبِّر ضدُّ هذا، فإنَّه لا يردُّ السَّلام على كلِّ من (٣) سلَّم عليه كِبْرًا منه وتِيهًا، فكيف يَبذُل السَّلامَ لكلِّ أحدٍ؟ وأمَّا الإنفاق من الإقتار فلا يَصدُر إلا عن قوَّة ثقةٍ باللَّه، وأنَّ الله يُخلِف ما أنفقه، وعن قوَّة يقينٍ وتوكُّلٍ ورحمةٍ، وزهدٍ في الدُّنيا، وسخاء نفسٍ بها، ووُثوقٍ بوعدِ من وعدَه مغفرةً منه وفضلًا، وتكذيبٍ بوعدِ مَن يَعِدُه الفقرَ

стр. 1312

ويأمره بالفحشاء. والله المستعان. فصل ثبت عنه ﷺ أنَّه مرَّ بصبيانٍ فسلَّم عليهم. ذكره مسلم (١). وذكر الترمذي (٢) في «جامعه» عنه أنه مرَّ يومًا بجماعة نسوةٍ فأَلوى بيده بالتَّسليم. وقال أبو داود (٣): عن أسماء بنت يزيد: مرَّ علينا النبيُّ ﷺ في نسوةٍ فسلَّم علينا. وهي رواية حديث الترمذي، والظَّاهر أنَّ القصَّة واحدةٌ وأنَّه سلَّم عليهنَّ بيده. وفي «صحيح البخاريِّ» (٤): أنَّ الصَّحابة كانوا ينصرفون من الجمعة فيمرُّون على عجوزٍ في طريقهم فيسلِّمون عليها، فتُقدِّم لهم طعامًا من أصول السِّلْق (٥) والشَّعير. وهذا هو الصَّواب في مسألة السَّلام على النِّساء، يُسلَّم على العجوز

стр. 1313

وذواتِ المحارم دونَ غيرهنَّ. فصل وثبت عنه في «صحيح البخاريِّ» (١) وغيره تسليمُ (٢) الصَّغير على الكبير، والمارِّ على القاعد، والرَّاكبِ على الماشي، والقليلِ على الكثير. وفي «جامع الترمذي» (٣) عنه: «يُسلِّم الماشي على القائم». وفي «مسند البزار» (٤) عنه: «يسلِّم الرَّاكب على الماشي، والماشي على القاعد، والماشيانِ أيُّهما بدأ فهو أفضل». وفي «سنن أبي داود» (٥) عنه: «إنَّ أولى النَّاس بالله مَن بَدأهم بالسَّلام». وكان من هديه السَّلامُ عند المجيء إلى القوم، والسَّلام عند الانصراف عنهم، وثبت عنه أنَّه قال: «إذا قعدَ أحدُكم فلْيُسلِّم، وإذا قام فليسلِّم، فليست

стр. 1314

الأولى بأحقَّ من الآخرة» (١). وذكر أبو داود (٢) عنه: «إذا لقي أحدُكم صاحبَه فلْيُسَلِّم عليه، فإن حال بينهما شجرةٌ أو جِدارٌ ثمَّ لقيه فليسلِّم عليه أيضًا». وقال أنس: كان أصحاب رسول الله ﷺ يتماشَون، فإذا لَقِيَتْهم شجرةٌ أو أَكَمةٌ (٣) تفرَّقوا يمينًا وشمالًا، وإذا التقَوا من ورائها سلَّم بعضُهم على بعضٍ (٤). ومن هديه أنَّ الدَّاخل إلى المسجد يبتدئ بركعتين تحيَّة المسجد، ثمَّ يجيء فيسلِّم على القوم، فتكون تحيَّة المسجد قبل تحيَّة أهله، فإنَّ تلك حقٌّ لله، والسَّلام على الخلق (٥) هو (٦) حقٌّ لهم، وحقُّ الله في مثل هذا أولى بالتَّقديم بخلاف الحقوق الماليَّة، فإنَّ فيها نزاعًا معروفًا، والفرق بينهما حاجة الآدميِّ وعدم اتِّساع الحقِّ الماليِّ لأداء الحقَّين، بخلاف السَّلام.

стр. 1315

وكانَ عادة القوم معه هكذا، يدخل أحدهم المسجد فيصلِّي ركعتين، ثمَّ يجيء فيسلِّم على النبيِّ ﷺ ، ولهذا في حديث رِفاعة (١) بن رافع أنَّ رسول الله ﷺ بينا هو جالسٌ في المسجد يومًا، قال رفاعة: ونحن معه، إذ جاء رجلٌ كالبدويِّ، فصلَّى فأخفَّ صلاته، ثمَّ انصرف فسلَّم على النبيِّ ﷺ ، فقال النبيُّ ﷺ : «وعليك (٢)، فارجعْ فصلِّ فإنَّك لم تُصلِّ» (٣) ... وذكر الحديث. فأنكر عليه صلاته، ولم يُنكِر عليه تأخير السَّلام ــ ﵊ ــ إلى ما بعد الصَّلاة. وعلى هذا: فيُسَنُّ لداخل المسجد إذا كان فيه جماعةٌ ثلاث تحيَّاتٍ مترتِّبةٍ: أحدها أن يقول عند دخوله: «بسم الله والصَّلاة (٤) على رسول اللَّه»، ثمَّ يصلِّي ركعتين تحيَّة المسجد، ثمَّ يسلِّم على القوم. فصل وكان إذا دخل على أهله باللَّيل سَلَّم تسليمًا لا يُوقِظ النَّائمَ، ويُسمِعُ اليقظان. ذكره مسلم (٥).

стр. 1316

فصل وذكر الترمذي (١) عنه: «السَّلام قبل الكلام». وفي لفظٍ آخر (٢): «لا تَدْعُوا أحدًا إلى الطَّعام حتَّى يسلِّم». وهذا وإن كان إسناده وما قبله ضعيفًا، فالعمل عليه. وقد روى أبو أحمد (٣) بإسنادٍ أحسنَ منه من حديث عبد العزيز بن أبي روَّادٍ، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «السَّلام قبل السُّؤال، فمن بدأكم بالسُّؤال قبل السَّلام فلا تجيبوه». ويُذكر عنه أنَّه كان لا يأذن لمن لم يبدأ بالسَّلام. ويُذكر عنه: «لا تَأذنوا لمن لم (٤) يبدأ بالسَّلام» (٥).

стр. 1317

وأجود منهما ما رواه الترمذي (١) عن كَلَدَةَ بن حنبل: أنَّ صفوان بن أميَّة بعثه بلَبنٍ ولِبَأٍ وضَغَابِيسَ (٢) إلى النبيِّ ﷺ والنبيُّ ﷺ بأعلى الوادي، قال: فدخلت عليه، ولم أسلِّم ولم أستأذن، فقال النبيُّ ﷺ : «ارجِعْ فقلْ: السَّلام عليكم، أأدخلُ؟»، قال: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وكان إذا أتى بابَ قومٍ لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، فيقول: «السَّلام عليكم، السَّلام عليكم» (٣). فصل وكان يُسلِّم بنفسه على من يواجهه، ويُحمِّل السَّلام لمن يريد السَّلام عليه من الغائبين عنه (٤)، ويتحمَّل السَّلام لمن يبلِّغه إليه، كما تحمَّل السَّلام من الله على صدِّيقة النِّساء خديجة بنت خُويلدٍ لمَّا قال له جبريل: «هذه خديجة قد أتتك بطعامٍ، فاقرأْها (٥) السَّلام من ربِّها، وبشِّرها ببيتٍ في الجنَّة» (٦).

стр. 1318

وقال للصِّدِّيقة الثَّانية بنت الصِّدِّيق عائشة: «هذا جبريل يقرأ عليكِ السَّلام»، فقالت: وعليه السَّلام ورحمة الله وبركاته، يرى ما لا نرى (١). فصل وكان هديه انتهاء السَّلام إلى «وبركاته»، فذكر النَّسائيُّ عنه أنَّ رجلًا جاء فقال: السَّلام عليكم، فردَّ عليه رسول الله ﷺ ، وقال: «عشرةٌ»، ثمَّ جلس، ثمَّ جاء آخر فقال: السَّلام عليكم ورحمة اللَّه، فردَّ عليه رسول الله ﷺ ، وقال: «عشرون»، ثمَّ جلس، وجاء آخر فقال: السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فردَّ عليه رسول الله ﷺ وقال: «ثلاثون». رواه النَّسائيُّ والتِّرمذيُّ (٢) من حديث عمران بن حُصينٍ، وحسَّنه. وذكره أبو داود (٣) من حديث معاذ بن أنس، وزاد فيه: «ثمَّ أتى آخر فقال: السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته، فقال: «أربعون»، قال: هكذا تكون الفضائل». ولا يثبت هذا الحديث، فإنَّ له ثلاث عللٍ: إحداها: أنَّه من رواية أبي مرحوم عبد الرحيم بن ميمون، ولا يُحتجُّ به (٤).

стр. 1319

الثَّانية: أنَّ فيه أيضًا سهل بن معاذ (١)، وهو كذلك. الثَّالثة: أنَّ سعيد بن أبي مريم أحد رواته لم يجزم بالرِّواية، بل قال: أظنُّ أنِّي سمعت نافع بن يزيد. وأضعف من هذا الحديثُ الآخر عن أنس: كان رجلٌ يمرُّ بالنبيِّ ﷺ فيقول: السَّلام عليك يا رسول اللَّه، فيقول له النبيُّ ﷺ (٢): «وعليك السَّلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه»، فقيل له: يا رسول الله، تُسلِّم على هذا سلامًا ما تُسلِّمه على أحدٍ من أصحابك؟ قال: «وما يمنعني من ذلك وهو ينصرف بأجر بضعة عشر رجلًا»، وكان يرعى على أصحابه (٣). فصل وكان من هديه أن يسلِّم ثلاثًا كما في «صحيح البخاريِّ» (٤) عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا تكلَّم بكلمةٍ أعادها ثلاثًا حتَّى تُفْهَم عنه، وإذا أتى على قومٍ فسلَّم عليهم سلَّم عليهم ثلاثًا. ولعلَّ هذا كان هديَه في السَّلام على الجمع الكثير الذين لا يبلغهم سلامٌ واحدٌ، أو هديه في إسماع السَّلام الثَّاني والثَّالث، إذا ظنَّ أنَّ الأوَّل لم يحصل به الإسماع، كما سلَّم لمَّا انتهى إلى منزل سعد بن عبادة ثلاثًا، فلمَّا لم يجبه

стр. 1320

أحدٌ رجع (١). وإلَّا فلو كان هديه الدَّائم التَّسليم ثلاثًا لكان أصحابه يسلِّمون عليه كذلك، ولكان يسلِّم على كلِّ (٢) من لقيه ثلاثًا، وإذا دخل بيته سلَّم ثلاثًا. ومن تأمَّل هديه علم أنَّ الأمر ليس كذلك، وأنَّ تكرار السَّلام كان منه أمرًا عارضًا في الأحيان (٣)، والله أعلم. فصل وكان يبدأ من لقيه بالسَّلام، وإذا سلَّم عليه أحدٌ ردَّ عليه مثلَ تحيَّته أو أفضلَ منها على الفور من غير تأخيرٍ، إلا لعذرٍ مثل حالة الصَّلاة، أو حالة قضاء الحاجة. وكان يُسمِع المسلمَ ردَّه عليه، ولم يكن يردُّ بيده ولا رأسه ولا إصبعه إلا في الصَّلاة، فإنَّه كان يردُّ على من سلَّم عليه إشارةً، ثبت ذلك عنه في عدَّة أحاديث، ولم يجئ عنه ما يعارضها إلا شيءٌ باطلٌ لا يصحُّ عنه، كحديثٍ يرويه أبو غَطفان رجلٌ مجهولٌ، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «من أشار في صلاته إشارةً تُفْهَم عنه فلْيُعِدْ صلاتَه» (٤). قال الدَّارقطنيُّ (٥): قال لنا

стр. 1321

ابن أبي داود: أبو غطفان هذا رجلٌ مجهولٌ. والصَّحيح عن النبيِّ ﷺ أنَّه كان يشير في الصَّلاة (١) , رواه أنس وجابر وغيرهما عن النبيِّ ﷺ (٢). فصل وكان هديه في ابتداء السَّلام أن يقول: «السَّلام عليكم ورحمة اللَّه»، وكان يكره أن يقول المبتدئ: عليك السَّلام. قال أبو جُرَي (٣) الهُجَيمي: أتيتُ النبيَّ ﷺ فقلت: عليك السَّلام يا رسول اللَّه، فقال (٤): «لا تَقُلْ عليك السَّلام، فإنَّ عليك السَّلام تحيَّة الموتى» (٥). حديثٌ صحيحٌ. وقد أشكل هذا الحديث على طائفةٍ، وظنُّوه معارضًا لما ثبت عنه في السَّلام على الأموات بلفظ: «السَّلام عليكم» بتقديم السَّلام، وظنُّوا أنَّ قوله «فإنَّ عليك السَّلام تحيَّة الموتى» إخبارٌ (٦) عن المشروع، وغَلِطوا في ذلك غلطًا أوجب لهم ظنَّ التَّعارض. وإنَّما معنى قوله: «فإنَّ عليك السَّلام تحيَّة

стр. 1322

الموتى» إخبارٌ عن الواقع، لا عن المشروع، أي (١): أنَّ الشُّعراء وغيرهم يُحيُّون الموتى بهذه اللَّفظة، كقول قائلهم (٢): عليك سلامُ الله قيسُ بنَ عاصم ... ورحمتُه ما شاء أن يترحَّما فما كان قيسٌ هُلْكُه هُلْكُ واحدٍ ... ولكنَّه بنيانُ قومٍ تهدَّما فكره النبيُّ ﷺ أن يُحيَّى بتحيَّة الأموات، ومن كراهته لذلك لم يردَّ على المسلِّم (٣). وكان يردُّ على المسلِّم «وعليك السَّلام» بالواو، وبتقديم «عليك» على لفظ السَّلام. وتكلَّم النَّاس هاهنا في مسألةٍ، وهي لو حذف الرَّادُّ الواو فقال: عليك السَّلام، هل يكون ردًّا صحيحًا؟ فقالت طائفةٌ منهم المتولِّي وغيره (٤): لا يكون جوابًا، ولا يسقط به فرض الردِّ، لأنَّه مخالفٌ لسنة الردِّ، ولأنَّه لا يعلم هل هو ردٌّ أو ابتداء تحيَّةٍ، فإنَّ صورته صالحةٌ لهما، ولأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إذا سلَّم عليكم أهل الكتاب

стр. 1323

فقولوا: وعليكم» (١)، فهذا تنبيهٌ منه على وجوب الواو في الردِّ على أهل الإسلام، فإنَّ الواو في مثل هذا الكلام تقتضي تقرير الأوَّل وإثبات الثَّاني، فإذا أمر بالواو في الردِّ على أهل الكتاب الذين يقولون: السَّام عليكم، فقال: «إذا سلَّم عليكم أهلُ الكتاب فقولوا: وعليكم» = فذِكْرُها في الرَّدِّ على المسلمين أولى وأحرى. وذهبت طائفةٌ أخرى إلى أنَّ ذلك ردٌّ صحيحٌ، كما لو كان بالواو، ونصَّ عليه الشَّافعيُّ في كتابه الكبير (٢)، واحتجَّ لهذا القول بقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ [الذاريات: ٢٤ - ٢٥]، أي: سلامٌ عليكم، لا بدَّ من هذا، ولكن حَسُنَ الحذف في الردِّ لأجل الحذف في الابتداء. واحتجُّوا بما في «الصَّحيحين» (٣) عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ قال: «خلق الله آدمَ طولُه ستُّون ذراعًا، فلمَّا خلقه قال له: اذهَبْ فسلِّم على أولئك النَّفر من الملائكة، فاستمِعْ ما يُحيُّونك، فإنَّها تحيَّتك وتحيَّة ذرِّيَّتك، فقال: السَّلام عليكم، فقالوا: السَّلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة اللَّه». فقد أخبر النبيُّ ﷺ أنَّ هذا تحيَّته وتحيَّة ذرِّيَّته. قالوا: ولأنَّ المسلَّم عليه مأمورٌ أن يُحيِّي المسلِّمَ بمثل تحيَّته عدلًا،

стр. 1324

وأحسنَ (١) منها فضلًا، فإذا ردَّ عليه بمثل سلامه كان قد أتى بالعدل. وأمَّا قوله: «إذا سلَّم أهلُ الكتاب فقولوا: وعليكم»، فهذا الحديث قد اختُلِف في لفظة الواو فيه، فرُوِي على ثلاثة أوجهٍ، أحدها: بالواو. قال أبو داود (٢): كذلك رواه مالك عن عبد الله بن دينارٍ، ورواه الثوريُّ عن عبد الله بن دينارٍ، وقال فيه: «فعليكم». وحديث سفيان في «الصَّحيحين» (٣). ورواه النَّسائيُّ (٤) من حديث ابن عيينة عن عبد الله بن دينارٍ بإسقاط الواو، وفي لفظٍ لمسلم والنَّسائيِّ (٥): «فقُلْ: عليك» بغير واوٍ. قال الخطّابي (٦): عامَّة المحدِّثين يروونه «وعليكم» بالواو، وكان سفيان بن عيينة يرويه «عليكم» بحذف الواو، وهو الصَّواب، وذلك أنَّه إذا حذف الواو صار قولهم الذي قالوه بعينه (٧) مردودًا عليهم، وبإدخال الواو يقع الاشتراك معهم والدُّخول فيما قالوه، لأنَّ الواو حرف العطف والاجتماع بين الشَّيئين. انتهى كلامه.

стр. 1325

وما ذكره من أمر الواو ليس بمشكلٍ، فإنَّ «السَّام» الأكثرون على أنَّه الموت، والمسلِّم والمسلَّم عليه مشتركون فيه، فيكون في الإتيان بالواو بيانٌ (١) لعدم الاختصاص وإثباتِ المشاركة، وفي حذفها إشعارٌ بأنَّ المسلِّم أحقُّ به وأولى من المسلَّم عليه، وعلى هذا فيكون الإتيان بالواو هو الصَّواب، أو هو أحسن من حذفها، كما رواه مالك وغيره. ولكن قد فُسِّر «السَّام» بالسَّآمة، وهي الملالة وسآمة الدِّين، قالوا: وعلى هذا فالوجه حذف الواو ولا بدَّ، ولكنَّ هذا خلاف المعروف من هذه اللَّفظة في اللُّغة؛ ولهذا في الحديث: «الحبَّة السَّوداء شِفاءٌ من كلِّ داءٍ إلا السَّام» (٢)، ولا يختلفون أنَّه الموت. وقد ذهب بعض المتحذلقين إلى أنَّه يردُّ عليهم: «السِّلام عليكم» بكسر السِّين، وهي الحجارة، جمعُ سَلِمَةٍ (٣). ورَدُّ هذا الردِّ متعيِّنٌ. فصل في هديه في السلام على أهل الكتاب صحَّ عنه أنَّه قال: «لا تَبدؤوهم بالسَّلام، وإذا لقيتموهم في الطَّريق (٤) فاضطرُّوهم إلى أضيق الطَّريق» (٥). لكن قد قيل: إنَّ هذا كان في قضيَّةٍ خاصَّةٍ

стр. 1326

لمَّا ساروا إلى بني قُريظة قال: «لا تبدؤوهم بالسَّلام»، فهل هذا حكمٌ عامٌّ لأهل الذمَّة مطلقًا، أو يختصُّ بمن كانت حاله كحال أولئك؟ هذا موضع نظرٍ، ولكن قد روى مسلم في «صحيحه» (١) من حديث أبي هريرة أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لا تبدؤوا اليهود والنَّصارى بالسَّلام، وإذا لقيتم أحدَهم في الطَّريق فاضطرُّوه إلى أضيقِه»، والظَّاهر أنَّ هذا حكمٌ عامٌّ. وقد اختلف السَّلف والخلف في ذلك (٢)، فقال أكثرهم: لا يُبْدَؤون (٣) بالسَّلام، وذهب آخرون إلى جواز ابتدائهم كما يردُّ عليهم، رُوي ذلك عن ابن عبَّاسٍ وأبي أمامة وابن مُحَيرِيز (٤)، وهو وجهٌ في مذهب الشَّافعيِّ. لكن صاحب هذا الوجه قال: يقال له: السَّلام عليك فقط بدون ذكر الرَّحمة، وبلفظ الإفراد. وقالت طائفةٌ: يجوز الابتداء لمصلحةٍ راجحةٍ من حاجةٍ تكون له إليه، أو خوفٍ من أذاه، أو لقرابةٍ بينهما، أو لسببٍ يقتضي ذلك، يُروى ذلك عن إبراهيم النَّخعيِّ وعلقمة. وقال الأوزاعيُّ: إن سلَّمتَ فقد سلَّم الصَّالحون، وإن تركتَ فقد ترك الصَّالحون. واختلفوا في وجوب (٥) الردِّ عليهم، فالجمهور على وجوبه، وهو

стр. 1327

الصَّواب، وقالت طائفةٌ: لا يجب الردُّ عليهم، كما لا يجب على (١) أهل البدع وأولى، والصَّواب الأوَّل، والفرق أنَّا مأمورون بهَجْر أهل البدع تعزيرًا لهم وتحذيرًا منهم، بخلاف أهل الذِّمَّة. فصل وثبت عنه ﷺ أنَّه مرَّ على مجلسٍ فيهم أخلاطٌ من المسلمين والمشركين وعبدةِ الأوثان واليهود، فسلَّم عليهم (٢). وصحَّ عنه أنَّه كتب إلى هِرقلَ وغيرِه بالسَّلام على من اتَّبع الهدى (٣). فصل ويذكر عنه أنَّه قال: «يُجزِئ عن الجماعة إذا مَرُّوا أن يُسلِّم أحدهم، ويجزئ عن الجلوس أن يردَّ أحدهم»، فذهب إلى هذا الحديث من قال: إنَّ الردَّ فرض كفايةٍ يقوم فيه الواحد مقام الجميع، لكن ما أحسَنَه لو كان ثابتًا، فإنَّ هذا الحديث رواه أبو داود (٤) من رواية سعيد بن خالد الخزاعي المدني (٥). قال أبو زرعة الرَّازيُّ: مدنيٌّ ضعيفٌ، وقال أبو حاتمٍ الرَّازيُّ: ضعيف الحديث، وقال البخاريُّ: فيه نظرٌ، وقال الدَّارقطنيُّ: ليس

стр. 1328

بالقويِّ (١). فصل وكان من هديه ﷺ إذا بلَّغه أحدٌ السَّلام عن غيره أن يردَّ عليه وعلى المبلِّغ، كما في «السُّنن» (٢) أنَّ رجلًا قال له: إنَّ أبي يُقرِئك السَّلام، فقال له: «عليك وعلى أبيك السَّلام». وكان من هديه تركُ السَّلام ابتداءً وردًّا على من أحدث حدثًا حتَّى يتوب منه (٣)، كما هجر كعبَ بن مالكٍ وصاحبيه، وكان كعب يسلِّم عليه ولا يدري هل حرَّك (٤) شفتيه بردِّ السَّلام عليه أم لا؟ (٥). وسلَّم عليه عمَّار بن ياسرٍ، وقد خلَّقه أهله بزعفرانٍ، فلم يردَّ عليه، وقال: «اذهبْ فاغسِلْ هذا عنك». وهجر زينبَ (٦) شهرين وبعضَ الثَّالث لمَّا قال لها: تُعطي صفية ظهرًا لمَّا اعتلَّ بعيرُها، فقالت: أنا أُعطي تلك اليهوديَّة؟ ذكرهما أبو داود (٧).

стр. 1329

فصل في هديه في الاستئذان صحَّ عنه ﷺ أنَّه قال: «الاستئذانُ ثلاثٌ، فإن أُذِنَ لك وإلَّا فارجِعْ» (١). وصحَّ عنه: «إنَّما جُعِلَ الاستئذان من أجل البصر» (٢). وصحَّ عنه أنَّه أراد أن يَفْقَأَ عينَ الذي نظر إليه من جُحْرٍ من حجرته، وقال: «إنَّما جُعِلَ الاستئذانُ من أجل البصر» (٣). وصحَّ عنه أنَّه قال: «لو أنَّ امرأً اطَّلع عليك بغير إذنٍ، فخذفتَه بحصاةٍ ففَقأتَ عينه، لم يكن عليك جناحٌ» (٤). وصحَّ عنه: «من اطَّلع (٥) على قومٍ في بيتهم بغير إذنهم، فقد حلَّ لهم أن يَفْقَؤوا عينَه» (٦).

стр. 1330

وصحَّ عنه: «من اطَّلع في بيت قومٍ بغير إذنهم، ففَقأوا عينَه، فلا ديةَ له (١) ولا قصاصَ» (٢). وصحَّ عنه التَّسليمُ قبل الاستئذان فعلًا وتعليمًا، واستأذن عليه رجلٌ فقال: أَأَلِجُ (٣)؟ فقال رسول الله ﷺ لرجلٍ (٤): «اخرُجْ إلى هذا، فعلِّمْه الاستئذان، فقلْ له: السَّلام عليكم، أَأَدخلُ؟» فسمعه الرَّجل، فقال: السَّلام عليكم، أَأَدخلُ؟ فأذِنَ له النبيُّ ﷺ فدخل (٥). ولمَّا استأذن عليه عمر وهو في مَشْرُبتِه مُؤْلِيًا من نسائه، قال: السَّلام عليك يا رسول اللَّه، السَّلام عليكم، أيدخلُ عمر؟ (٦). وقد تقدَّم قوله ﷺ لكَلَدَةَ بن الحَنْبَل لمَّا دخل عليه ولم يسلِّم: «ارجِعْ

стр. 1331

فقل: السَّلام عليكم، أَأَدخلُ؟» (١). وفي هذه السُّنن ردٌّ على من قال: يُقدَّم الاستئذان على السَّلام، وردٌّ على من قال: إن وقعتْ عينُه على صاحب المنزل قبل دخوله بدأ بالسَّلام، وإن لم تقع عينُه عليه بدأ بالاستئذان. والقولان مخالفان للسُّنَّة. وكان من هديه إذا استأذن ثلاثًا ولم يُؤذَن له انصرف (٢). وهو ردٌّ على من يقول: إن ظنَّ أنَّهم لم يسمعوا زاد على الثَّلاث، وردٌّ على من قال: يعيده بلفظٍ آخر. والقولان مخالفان للسُّنَّة. فصل ومن هديه أنَّ المستأذن إذا قيل له: من أنت؟ يقول: فلان بن فلانٍ، أو يذكر كنيته أو لقبه، ولا يقول: أنا، كما قال جبريل للملائكة (٣) لمَّا استفتح باب السَّماء فسألوه: من؟ فقال: جبريل. واستمرَّ ذلك في كلِّ سماءٍ سماءٍ (٤). وكذلك في «الصَّحيحين» (٥): لمَّا جلس النبيُّ ﷺ في البستان، وجاء أبو

стр. 1332

بكر فاستأذن، فقال: مَن؟ قال: أبو بكر، ثمَّ جاء عمر فاستأذن فقال: مَن؟ قال: عمر، ثمَّ عثمان كذلك. وفي «الصَّحيحين» (١) عن جابر: أتيتُ النبيَّ ﷺ فدَقَقْتُ الباب (٢)، فقال: «من ذا؟» فقلت: أنا، فقال: «أنا أنا!» كأنَّه كرهها. ولمَّا استأذنتْ أمُّ هانئ، قال لها: «من هذه؟»، قالت: أم هانئ، فلم يكره ذِكرها الكنيةَ (٣). وكذلك لمَّا قال لأبي ذر: «من هذا؟»، قال: أبو ذر (٤). وكذلك لمَّا قال لأبي قتادة: «من هذا؟»، قال: أبو قتادة (٥). فصل وقد روى أبو داود (٦) عنه ﷺ من حديث قتادة (٧)، عن أبي رافع، عن أبي هريرة: «رسول الرَّجل إلى الرَّجل إذنه». وفي لفظٍ (٨): «إذا دُعِيَ أحدكم

стр. 1333

إلى طعامٍ، ثمَّ جاء مع الرَّسول، فإنَّ ذلك له إذنٌ». وهذا الحديث فيه مقالٌ، قال أبو عليٍّ اللؤلؤي: سمعت أبا داود يقول: قتادة لم يسمع من أبي رافع. وقال البخاريُّ في «صحيحه» (١): وقال سعيد عن قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ : «هو إذنه»، فذكره تعليقًا لأجل الانقطاع في إسناده. وذكر البخاريُّ (٢) في هذا الباب حديثًا يدلُّ على اعتبار (٣) الاستئذان بعد الدَّعوة، وهو حديث مجاهد، عن أبي هريرة: دخلت مع النبيِّ ﷺ فوجدتُ لبنًا في قَدَحٍ، فقال: «أبا هِرٍّ الْحَقْ (٤) أهل الصُّفَّة فادْعُهم إليَّ»، قال: فأتيتُهم فدعوتُهم، فأقبلوا فاستأذنوا، فأذن لهم فدخلوا. وقد قالت طائفةٌ: بأنَّ الحديثين على حالين، فإن جاء الدَّاعي على الفور من غير تراخٍ لم يحتج إلى استئذانٍ، وإن تراخى مجيئه عن الدَّعوة وطال الوقت احتاج إلى استئذانٍ. وقال آخرون: إن كان عند الدَّاعي من قد أذن له قبل مجيء المدعوِّ لم يحتج إلى استئذانٍ (٥) آخر، وإن لم يكن عنده من قد أذن له لم يدخل حتَّى يستأذن.

стр. 1334

وكان ﷺ إذا دخل إلى مكانٍ يحبُّ الانفراد فيه أمرَ من يمسك الباب، فلا يدخل عليه أحدٌ إلا بإذنٍ (١). فصل وأمَّا الاستئذان الذي أمر الله به المماليكَ ومن لم يبلغ الحُلُم في العورات الثَّلاث: قبل الفجر، ووقتَ الظَّهيرة، وعند النَّوم، فكان ابن عبَّاسٍ يأمر به، ويقول: ترك النَّاس العملَ به= فقالت طائفةٌ (٢): الآية منسوخةٌ. ولم تأت بحجَّةٍ. وقالت طائفةٌ: أمر نَدْبٍ وإرشادٍ، لا حَتْمٍ وإيجابٍ، وليس معها ما يدلُّ على صرف الأمر عن ظاهره. وقالت طائفةٌ: المأمور بذلك النِّساء خاصَّةً، وأمَّا الرِّجال فيستأذنون (٣) في جميع الأوقات. وهذا ظاهر البطلان، فإنَّ جمع «الذين» لا يختصُّ المؤنَّثَ، وإن جاز إطلاقه عليهنَّ مع الذُّكور تغليبًا. وقالت طائفةٌ عكس هذا: إنَّ المأمور بذلك الرِّجال دون النِّساء، نظرًا إلى لفظ «الذين» في الموضعين. ولكن سياق الآية يأباه، فتأمَّلْه.

стр. 1335

وقالت طائفةٌ: كان الأمر بالاستئذان ذلك (١) الوقتَ للحاجة، ثمَّ زالت، والحكم إذا ثبت بعلَّةٍ زال (٢) بزوالها، فروى أبو داود في «سننه» (٣) أنَّ نفرًا من أهل العراق قالوا لابن عبَّاسٍ: يا أبا عبَّاسٍ (٤)! كيف ترى هذه الآية الَّتي أمرنا فيها بما أمرنا، ولا يعمل بها أحدٌ، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الآية [النُّور: ٥٨]. فقال ابن عبَّاسٍ: إنَّ الله حكيمٌ رحيمٌ بالمؤمنين، يحبُّ السِّتر، وكان النَّاس ليس لبيوتهم ستورٌ ولا حِجالٌ، فربَّما دخل الخادم أو الولد (٥) أو يتيمة الرَّجل، والرَّجل على أهله، فأمرهم الله بالاستئذان في تلك العورات، فجاءهم الله بالسُّتور والخير، فلم أرَ أحدًا يعمل بذلك بعدُ. وقد أنكر بعضهم ثبوت هذا عن ابن عبَّاسٍ، وطعن في عكرمة، ولم يصنع شيئًا. وطعن في عمرو بن أبي (٦) عمرٍو (٧)، وقد احتجَّ به صاحبا الصَّحيح، فإنكار هذا تعنُّتٌ واستبعادٌ لا وجهَ له. وقالت طائفةٌ: الآية محكمةٌ عامَّةٌ لا معارضَ لها ولا دافعَ، والعمل بها
следующие страницы →