← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

الثاني: ما ذكرناه من قوله: «فيهم عبد الله بن أُبيّ»، وهو وهم ظاهر، وقد ذكر ابن إسحاق نفسه (١) أن عبد الله بن أبي تخلَّف في غزوة تبوك. الثالث: أن قوله: «وسعد بن أبي سرح» وهمٌ أيضًا وخطأ ظاهر، فإن سعد بن أبي سرح لم يُعرَف له إسلام البتة، وإنما ابنه عبد الله كان قد أسلم وهاجر ثم ارتد ولحق بمكة حتى استأمن له عثمان النبي ﷺ عام الفتح فأمَّنه فأسلم وحَسُن إسلامه، ولم يظهر منه بعد ذلك شرٌّ ينكر عليه ولم يكن مع هؤلاء الاثني عشر البتة، فما أدري ما هذا الخطأ الفاحش! الرابع: قوله: وكان أبو عامر رأسهم، وهذا وهمٌ ظاهر لا يخفى على من دون ابن إسحاق، بل هو نفسه قد ذكر (٢) قصة أبي عامر هذا في قصة الهجرة عن عاصم بن عمر بن قتادة أن أبا عامر لما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة خرج إلى مكة ببضعة عشر رجلًا، فلما افتتح رسول الله ﷺ مكة خرج إلى الطائف، فلما أسلم أهل الطائف خرج إلى الشام فمات بها طريدًا غريبًا وحيدًا؛ فأين كان الفاسق وغزوة تبوك ذهابًا وإيابًا؟! (٣).

стр. 2067

فصل في أمر مسجد الضِّرار الذي نهى الله رسوله أن يقوم فيه فهدمه ﷺ (١) وأقبل رسول الله ﷺ من تبوكَ حتى نزل بذي أَوَان ــ وبينها وبين المدينة ساعة ــ، وكان أصحاب مسجد الضرار أتوه وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله، إنا قد بنينا مسجدًا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة الشاتية، وإنَّا نحبُّ أن تأتينا فتصلي لنا فيه فقال: «إني على جناح سفرٍ وحال شُغلٍ، ولو قَدِمنا إن شاء الله لأتيناكم فصلَّينا لكم فيه»، فلما نزل بذي أوان جاءه خبر المسجد من السماء، فدعا مالك بن الدُّخْشُم أخا بني سلمة بن عوف ومَعْن بن عدي العَجْلاني فقال: «انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهلُه فاهْدِماه وحرِّقاه»، فخرجا سريعَين حتى أتيا بني سالم بن عوف وهم رهط مالك بن الدخشم، فقال مالك لمعنٍ: أَنظِرْني حتى أخرجَ إليك بنارٍ من أهلي، فدخل إلى أهله فأخذ سَعَفًا من النخل فأشعل فيه نارًا، ثم خرجا يشتدان حتى دخلاه ــ وفيه أهله ــ فحرَّقاه وهدماه فتفرقوا عنه، وأنزل الله سبحانه فيه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٠٧] إلى آخر القصة (٢).

стр. 2068

وذكر ابن إسحاق الذين بنوه: وهم اثنا عشر رجلًا منهم ثعلبة بن حاطب. وذكر عثمان بن سعيد الدارمي (١): حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾ هم أناس من الأنصار ابتنوا مسجدًا فقال لهم أبو عامر: ابنوا مسجدكم واستمدُّوا ما استطعتم من قوة ومن سلاح، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجندٍ من الروم فأخرج محمدًا وأصحابه، فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي ﷺ فقالوا: إنا قد فرغنا من بناء مسجدنا فنحبُّ أن تصلي فيه وتدعو بالبركة، فأنزل الله : ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ يعني: مسجد قباء ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ يعني: قواعده ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ يعني: الشك ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٨ - ١١٠] يعني: بالموت.

стр. 2069

فصل فلما دنا رسول الله ﷺ من المدينة خرج الناس لتلقيه، وخرج النساء والصبيان والولائد يقلن: طلع البدرُ علينا ... من ثنيَّات الوداع وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع (١) وبعض الرواة يهم في هذا ويقول: إنما كان ذلك عند مقدمه المدينةَ من مكة، وهو وهمٌ ظاهر لأن ثنيَّات الوَداع إنما هي من ناحية الشام لا يراها القادم من مكة إلى المدينة، ولا يمر بها إلا إذا توجه إلى الشام (٢). فلما أشرف على المدينة قال: «هذه طابة، وهذا أُحُدٌ جبل يحبنا ونحبه» (٣). ولما دخل قال العباس: يا رسول الله، ايذَنْ لي أمتدحك، فقال رسول الله

стр. 2070

- ﷺ : «قل، لا يفضض الله فاك»، فقال: مِن قبلها طِبتَ في الظِّلال وفي ... مستودَع حيث يُخصَف الوَرَقُ (١) ثم هبطتَ البلاد لا بَشَرٌ ... أنت ولا مضغةٌ ولا علقُ بل نطفةٌ تركب السفينَ وقد ... أَلجَمَ نسرًا وأهلَه الغرقُ تُنقَلُ من صالب إلى رحمٍ ... إذا مضى عالَم بدا طَبَقُ حتى احتوى بيتُك المهيمنُ مِن ... خِنْدِفَ عَلْياءَ تحتها النُّطُقُ (٢) وأنت لما وُلدتَّ أشرقتِ الْـ ... ـأرضُ وضاءت بنورك الأفقُ فنحن من ذلك النور في الضـ ... ـياء وسبلِ الرشاد نَخترِقُ (٣)

стр. 2071

فصل ولما دخل رسول الله ﷺ المدينة بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ثم جلس للناس، فجاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعةً وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله (١). وجاءه كعب بن مالك فلما سلم عليه تبسَّم تبسُّمَ المُغضَب، ثم قال له: «تعال»، قال: فجئت أمشي حتى جلستُ بين يديه، فقال لي: «ما خلَّفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟» فقلت: بلى، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر ولقد أُعطِيتُ جدلًا، ولكني والله لقد علمتُ إنْ حدثتك اليوم حديث كذبٍ ترضى به عليَّ ليوشكَنَّ اللهُ أن يُسخطك عليَّ، ولئن حدثتك حديث صدقٍ تجد عليَّ فيه إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله ما كان لي من عذرٍ، والله ما كنت قطُّ أقوى ولا أيسرَ مني حين تخلفت عنك، فقال رسول الله ﷺ : «أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك»، فقمت وثار رجال من بني سلِمة فاتبعوني يؤنبوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبًا قبل هذا، ولقد عجَزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر إليه المخلَّفون، فقد كان كافيك ذنبَك استغفارُ رسول الله ﷺ لك، قال: فوالله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع فأكذِّب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم، رجلان قالا مثلَ ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلتُ: من هما؟ قالوا: مُرارة بن الربيع العامري وهِلال بن أُميَّة الواقِفي، فذكروا لي رجلَين صالحَين شهدا بدرًا

стр. 2072

فيهما أسوة، فمضَيتُ حين ذكروهما لي. ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا ــ أيها الثلاثةُ ــ من بين من تخلَّف عنه، فاجتنبَنا الناسُ وتغيَّروا لنا حتى تنكَّرت لي الأرض، فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلةً، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشبَّ القوم وأجلدَهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق ولا يكلِّمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ فأسلِّم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي: هل حرَّك شفتيه بردِّ السلام عليَّ أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه فأسارقه النظر، فإذا أقبلتُ على صلاتي أقبل إليَّ، وإذا التفتُّ نحوه أعرض عني، حتى إذا طال عليَّ ذلك من جفوة المسلمين مشيتُ حتى تسوَّرتُ جدار حائط أبي قتادة ــ وهو ابنُ عمي وأحبُّ الناس إليَّ ــ فسلَّمتُ عليه، فوالله ما ردَّ علي السلام، فقلت: يا أبا قتادة أنشدك بالله (١) هل تعلمني أُحِب الله ورسوله؟ فسكت، فعدت له فنشدته (٢) فسكت، فعدت له فنشدته، فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار. فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نَبَطيٌّ من أنباط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلُّ على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له حتى إذا جاءني دفع إليَّ كتابًا من ملك غسَّانَ، فإذا فيه: «أما بعد، فإنه بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحَقْ بنا نواسِك»، فقلت لما قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء، فتيمَّمتُ بها التنور فسجرتها.

стр. 2073

حتى إذا مضت أربعون ليلةً من الخمسين إذا رسولُ رسولِ الله ﷺ يأتيني فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أُطلِّقها أم ماذا؟ قال: لا ولكن اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبيَّ مثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحَقي بأهلكِ فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، فجاءت امرأة هلال بن أمية فقالت: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: «لا، ولكن لا يَقرَبْكِ»، قالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان مِن أمره ما كان إلى يومه هذا، قال كعب: فقال لي بعضُ أهلي: لو استأذنتَ رسول الله ﷺ في امرأتك كما أَذِن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه، فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ ، وما يُدريني ما يقول رسول الله ﷺ إذا استأذنته فيها وأنا رجل شابّ. فلبثتُ بعد ذلك عشرَ ليالٍ حتى كَمَلت لنا خمسون ليلةً من حين نهى رسول الله ﷺ عن كلامنا، فلما صليتُ صلاة الفجر صُبْحَ خمسين ليلةً على ظهر بيتٍ من بيوتنا بينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى ــ قد ضاقت عليَّ نفسي وضاقت عليَّ الأرض بما رَحُبت ــ سمعتُ صوت صارخ أوفى على جبل سَلْعٍ (١) بأعلى صوته: يا كعبُ بنَ مالكٍ أبشر! فخررت ساجدًا وعرفتُ أن قد جاء فَرَجٌ (٢) وآذن رسولُ الله ﷺ بتوبة الله علينا حين صلى الفجر، فذهب الناس يُبشِّرونا (٣) وذهب قِبَل صاحبيَّ مبشرون، وركض إليَّ

стр. 2074

رجل فرسًا وسعى ساعٍ مِن أَسلمَ فأوفى على ذروة الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثَوبيَّ فكسوتُه إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما، واستعرتُ ثوبين فلبستُهما، فانطلقت إلى رسول الله ﷺ فتلقَّاني الناس فوجًا فوجًا يُهنِّئوني بالتوبة يقولون: ليَهْنِك توبةُ الله عليك. قال كعب: حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله ﷺ جالس حولَه الناسُ، فقام إليَّ طلحة بن عبيد الله يُهَروِل حتى صافحني وهنَّأَني، والله ما قام إليَّ رجلٌ من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة، فلما سلَّمتُ على رسول الله ﷺ قال وهو يَبْرُقُ وجهُه من السرور: «أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمك»، قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: «لا، بل من عند الله»، وكان رسول الله ﷺ إذا سُرَّ استنار وجهُه حتى كأنه قطعة قمرٍ وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلستُ بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسوله فقال: «أمسِكْ عليك بعضَ مالك فهو خيرٌ لك»، قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقلت: يا رسول الله، إن الله إنما نجَّاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدِّث إلا صدقًا ما بقيت؛ فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرتُ ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا ما أبلاني، والله ما تعمدتُ بعد ذلك إلى يومي هذا كذبًا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيتُ. وأنزل الله على رسوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ إلى قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:

стр. 2075

١١٧ - ١١٩]، فواللهِ ما أنعم الله عليَّ نعمةً قطُّ بعد أن هداني للإسلام أعظمَ في نفسي مِن صدقي رسولَ الله ﷺ أن لا أكون كذبتُه فأَهلِك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا حين أَنزل الوحيَ شرَّ ما قال لأحد فقال: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥ - ٩٦]. قال كعب: وكان تخلَّفنا ــ أيها الثلاثة ــ عن أمر أولئك الذين قَبِل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ أمرَنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] وليس الذي ذكر الله مِمَّا خُلِّفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرَنا عمَّن حلف له واعتذر إليه فقبل منه (١). وقال عثمان بن سعيد الدارمي (٢): حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿(١٠١) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ﴾ [التوبة: ١٠٢]، قال: كانوا عشرةَ رهطٍ تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فلما حضر رسولُ الله ﷺ أوثق سبعةٌ منهم أنفسهم بسواري المسجد، فكان ممرُّ النبي ﷺ إذا رجع في المسجد عليهم، فلما رآهم قال: «من هؤلاء المُوثِقون

стр. 2076

أنفسهم بالسواري؟» قالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له (١) تخلَّفوا عنك يا رسول الله، حتى يُطلقهم النبيُّ ﷺ ويَعذِرهم، قال: «وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أَعذِرُهم حتى يكون الله هو الذي يطلقهم، رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين»، فلما بلغهم ذلك قالوا: ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا، فأنزل الله ﴿(١٠١) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢]، و «عسى» مِن الله واجب، إنه هو التواب الرحيم، فلما نزلت أرسل إليهم النبي ﷺ فأطلقهم وعذرهم فجاءوا بأموالهم فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا فتصدَّقْ بها عنا واستغفِرْ لنا، قال: «ما أُمرِت أن آخذ أموالكم»، فأنزل الله: ﴿(١٠٢) خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ يقول: استغفر لهم ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، فأخذ منهم الصدقة واستغفر لهم، وكان ثلاثةُ نفرٍ لم يوثقوا أنفسهم بالسواري فأُرجئوا لا يدرون أيُعذَّبون أم يتاب عليهم فأنزل الله : ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ إلى قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٧ - ١١٨]. تابعه عطية بن سعد (٢).

стр. 2077

فصل في الإشارة إلى بعض ما تضمنته هذه الغزوة من الفقه والفوائد فمنها: جواز القتال في الشهر الحرام إن كان خروجه في رجب محفوظًا على ما قاله ابن إسحاق، ولكن هاهنا أمر آخر وهو أن أهل الكتاب لم يكونوا يُحرِّمون الشهر الحرام بخلاف العرب فإنها كانت تحرمه، وقد تقدم (١) أن في نسخ تحريم القتال فيه قولان (٢)، وذكرنا حجج الفريقين. ومنها: تصريح الإمام للرعية وإعلامُهم بالأمر الذي يضرهم سَترُه وإخفاؤه ليتأهَّبوا له ويُعِدُّوا له عُدَّتَه، وجواز سَتر غيرِه عنهم والكناية عنه للمصلحة. ومنها: أن الإمام إذا استنفر الجيش لزمهم النفير ولم يَجُز لأحدٍ التخلُّف إلا بإذنه، ولا يُشترط في وجوب النفير تعيينُ كل واحد منهم بعينه، بل متى استنفر الجيش لزم كلَّ واحدٍ منهم الخروجُ معه. وهذا أحد المواضع الثلاثة التي يصير فيها الجهاد فرضَ عين، والثاني: إذا حضر العدو البلد، والثالث: إذا حضر بين الصفَّين. ومنها: وجوب الجهاد بالمال كما يجب بالنفس، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد (٣)، وهي الصواب الذي لا ريب فيه، فإن الأمر بالجهاد بالمال

стр. 2078

شقيق الأمر بالجهاد بالنفس في القرآن وقرينه، بل جاء مقدمًا على الجهاد بالنفس في كل موضع إلا موضعًا واحدًا (١)، وهذا يدل على أن الجهاد به أهم وآكد من الجهاد بالنفس، ولا ريب أنه أحد الجهادين، كما قال النبي ﷺ : «من جَهَّز غازيًا فقد غزا» (٢)، فيجب على القادر عليه كما يجب على القادر بالبدن، ولا يتم الجهاد بالبدن إلا ببذله، ولا ينتصر إلا بالعَدَد والعُدَد، فإن لم يقدر أن يُكثر العدد وجب عليه أن يُمدَّ بالمال والعُدَّة، وإذا وجب الحج بالمال على العاجز بالبدن فوجوب الجهاد بالمال أولى وأحرى. ومنها: ما برز به عثمان بن عفان من النفقة العظيمة في هذه الغزوة وسبق به الناس، فقال رسول الله ﷺ : «غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت وما أخفيت وما أبديت» (٣) ثم قال: «ما ضَرَّ عثمان ما فعل بعد اليوم» (٤)، وكان قد أنفق ألف دينار وثلاثمائة بعير بعُدَّتها وأحلاسها وأقتابها.

стр. 2079

ومنها: أن العاجز بماله لا يُعذَر حتى يبذل جُهدَه ويتحقَّق عجزُه، فإن الله سبحانه إنما نفى الحرج عن هؤلاء العاجزين بعد أن أتوا رسولَه ليحملهم فقال: «لا أجد ما أحملكم عليه»، فرجعوا يبكون لما فاتهم من الجهاد؛ فهذا العاجز الذي لا حرج عليه. ومنها: استخلاف الإمام إذا سافر رجلًا من الرعية على الضعفاء والمعذورين والنساء والذرية، ويكون نائبُه من المجاهدين لأنه من أكبر العون لهم. وكان رسول الله ﷺ يستخلف ابنَ أمِّ مكتوم فاستخلفه بضع عشرة مرةً، وأما في غزوة تبوك فالمعروف عند أهل الأثر أنه استخلف عليَّ بن أبي طالب، كما في «الصحيحين» (١) عن سعد بن أبي وقاص قال: خلَّف رسول الله ﷺ عليًّا في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله، تخلفني مع النساء والصِّبيان؟ فقال: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غيرَ أنه لا نبي بعدي». ولكن هذه كانت خلافةً خاصةً على أهله ﷺ ، وأما الاستخلاف العام فكان لمحمد بن مسلمة الأنصاري، ويدل على هذا أن المنافقين لما أرجفوا به وقالوا: خلَّفه استثقالًا أخذ سلاحه ثم لحق بالنبي ﷺ فأخبره، فقال: «كذبوا ولكن خلَّفتُك لما تركت ورائي فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك» (٢). ومنها: جواز الخرص للرُّطَب على رؤوس النخل، وأنه من الشرع، والعملُ بقول الخارص، وقد تقدم في غزاة خيبر، وأن الإمام يجوز أن

стр. 2080

يخرص بنفسه كما خرص رسول الله ﷺ حديقة المرأة. ومنها: أن الماء الذي بآبار ثمود لا يجوز شُربه، ولا الطبخ به والعجين به (١)، ولا الطهارة به، ويجوز أن يُسقى البهائمَ؛ إلا ما كان من بئر الناقة، وكانت معلومةً باقيةً إلى زمن رسول الله ﷺ ثم استمر علم الناس بها قرنًا بعد قرنٍ إلى وقتنا هذا فلا يَرِد الركوب بئرًا غيرها، وهي مطوية محكمة البناء واسعة الأرجاء، آثار العتق عليها بادية، لا تشتبه بغيرها. ومنها: أن مَن مرَّ بديار المغضوب عليهم والمُعذَّبين لم ينبغِ له أن يدخلها ولا يقيمَ بها، بل يُسرع السيرَ ويتقنع بثوبه حتى يجاوزها، ولا يدخل عليهم إلا باكيًا معتبرًا. ومن هذا إسراع النبي ﷺ السير في وادي مُحسِّر بين منًى ومزدلفة (٢)، فإنه المكان الذي أهلك الله فيه الفيل وأصحابه. ومنها: أن النبي ﷺ كان يجمع بين الصلاتين في السفر، وقد جاء جمع التقديم في هذه القصة في حديث معاذ كما تقدَّم، وذكرنا علَّةَ الحديث ومن أنكره، ولم يجئ جمعُ التقديم عنه في سفر إلا هذا. وصحَّ عنه جمع التقديم بعُرَنة (٣) قبل دخوله إلى عرفة، فإنه جمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر؛

стр. 2081

فقيل: ذلك لأجل النسك كما قاله أبو حنيفة، وقيل: لأجل السفر الطويل كما قاله الشافعي وأحمد (١)، وقيل: لأجل الشغل وهو اشتغاله بالوقوف واتِّصالُه إلى غروب الشمس. قال أحمد (٢): يجمع للشغل، وهو قول جماعة من السلف والخلف، وقد تقدم. ومنها: جواز التيمُّم بالرمل، فإن النبي ﷺ وأصحابه قطعوا الرمال التي بين المدينة وتبوك ولم يحملوا معهم ترابًا بلا شك، وتلك مفاوز مُعطِّشة شَكَوا فيها العطش إلى رسول الله ﷺ ، وقطعًا كانوا يتيممون بالأرض التي هم نازلون فيها؛ هذا كلُّه مما لا شك فيه، مع قوله ﷺ : «فحيثما أدركت رجلًا من أمتي الصلاةُ فعنده مسجدُه وطهوره» (٣). ومنها: أنه ﷺ أقام بتبوك عشرين يومًا يَقصُر الصلاة، ولم يقل للأمة: لا يقصر رجلٌ الصلاة إذا أقام أكثر من ذلك، ولكن اتفق إقامته هذه المدة، وهذه الإقامة في حال السفر لا تَخرج عن حكم السفر سواءٌ طالت أو قصرت إذا كان غيرَ مستوطنٍ ولا عازم على الإقامة بذلك الموضع. وقد اختلف السلف والخلف في ذلك اختلافًا كثيرًا، ففي «صحيح البخاري» (٤) عن ابن عباس قال: «أقام رسول الله ﷺ في بعض أسفاره تسع

стр. 2082

عشرة يصلي ركعتين، فنحن إذا أقمنا تسع عشرة نصلي ركعتين، وإن زدنا على ذلك أتممنا». وظاهر كلام أحمد أن ابن عباس أراد مدة مقامه بمكة زمن الفتح، فإنه قال (١): «أقام النبي ﷺ بمكة ثمان عشرة زمن الفتح، لأنه أراد حُنينًا ولم يكن ثَمَّ إجماعُ المُقام، وهذه إقامته التي رواها ابن عباس». وقال غيره: بل أراد ابن عباس مُقامَه بتبوك، كما قال جابر بن عبد الله: «أقام النبي ﷺ بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة». رواه الإمام أحمد في «مسنده» (٢). وقال المسور بن مخرمة: أقمنا مع سعد ببعض قرى الشام أربعين ليلةً يَقصُرها سعد ونُتِمُّها (٣).

стр. 2083

وقال نافع: أقام ابن عمر بأَذْرَبِيجان ستة أشهر يصلي ركعتين وقد حال الثلج بينه وبين الدخول (١). وقال حفص بن عبيد الله: أقام أنس بن مالك بالشام سنتين (٢) يصلي صلاة المسافر (٣).

стр. 2084

وقال أنس: أقام أصحاب رسول الله ﷺ برامَهُرْمُزَ سبعةَ أشهرٍ يقصرون الصلاة (١). وقال الحسن: أقمت مع عبد الرحمن بن سمرة بِكابُلَ سنتين يَقْصُر الصلاة ولا يُجَمِّع (٢). وقال إبراهيم: كانوا يقيمون بالرَّي السنة وأكثر من ذلك، وبسجستان السنتين (٣). فهذا هدي رسول الله ﷺ وأصحابه كما ترى وهو الصواب. وأما مذاهب الناس، فقال الإمام أحمد (٤): إذا نوى إقامة أربعة أيام أتمَّ وإن نوى دونها قصر، وحمل هذه الآثار على أن رسول الله ﷺ وأصحابه لم

стр. 2085

يُجمعوا الإقامةَ البتة بل كانوا يقولون: اليوم نخرج، غدًا نخرج. وفي هذا نظر لا يخفى، فإن رسول الله ﷺ فتح مكة ـ وهي ما هي ـ وأقام فيها يؤسس قواعد الإسلام ويهدم قواعد الشرك ويُمهِّد أمر ما حولها من العرب، ومعلوم قطعًا أن هذا يحتاج إلى إقامة أيام لا يتأتَّى في يوم واحد ولا يومين، وكذلك إقامته بتبوك فإنه أقام ينتظر العدوَّ، ومن المعلوم قطعًا أنه كان بينه وبينهم عدة مراحل تحتاج إلى أيام، وهو يعلم أنهم لا يُوافون في أربعة أيام، وكذلك إقامة ابن عمر بأَذْرَبِيجان ستة أشهرٍ يقصُر الصلاةَ من أجل الثلج، ومن المعلوم أن مثل هذا الثلج لا يتحلَّل ويذوب في أربعة أيام بحيث تنفتح الطرق، وكذلك إقامة أنس بالشام سنتين يقصر، وإقامة الصحابة برَامَهُرْمُزَ سبعة أشهر يقصرون، ومن المعلوم أن مثل هذا الحصار والجهاد يُعلَم أنه لا ينقضي في أربعة أيام، وقد قال أصحاب أحمد: إنه لو أقام لجهاد عدوٍّ أو حبس سلطانٍ أو مرضٍ قصر، سواءٌ غلب على ظنه انقضاء الحاجة في مدة يسيرة أو طويلة، وهذا هو الصواب، لكن شرطوا فيه شرطًا لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا عملِ الصحابة فقالوا: شرطُ ذلك احتمالُ انقضاء حاجته في المدة التي لا تَقطع حكمَ السفر وهي ما دون الأربعة أيامٍ (١)، فيقال: من أين لكم هذا الشرط؟ والنبي ﷺ لما أقام زيادةً على الأربعة أيام يَقصُر بمكة وتبوك لم يقل لهم شيئًا، ولم يبين لهم أنه لم يعزم على إقامة أكثر من أربعةٍ (٢)، وهو يعلم أنهم يقتدون به في صلاته ويتأسون به في قصرها في مدة

стр. 2086

إقامته، فلم يقل لهم حرفًا واحدًا (١): لا تقصروا فوق إقامة أربع ليال، وبيانُ هذا من أهمِّ المهمات، وكذلك (٢) اقتدى الصحابةُ به بعدَه ولم يقولوا لمن صلى معهم شيئًا من ذلك. وقال مالك والشافعي: إذا نوى إقامةَ أربعةِ أيامٍ أتم وإن نوى دونها قصر (٣). وقال أبو حنيفة: إن نوى إقامة خمسة عشر يومًا أتمَّ وإن نوى دونها قصر، وهو مذهب الليث بن سعد (٤). وروي عن ثلاثة من الصحابة: عمر وابنه وابن عباس (٥). وقال سعيد بن المسيب: إذا أقمت أربعًا فصل أربعًا، وعنه كقول أبي حنيفة (٦). وقال علي بن أبي طالب: إن (٧) أقام عشرًا أتم. وهو رواية عن

стр. 2087

ابن عباس (١). وقال الحسن: يقصر ما لم يقدم مِصرًا (٢). وقالت عائشة: يقصر ما لم يضع الزاد والمزاد (٣). والأئمة الأربعة متفقون على أنه إذا أقام لحاجة ينتظر قضاءَها يقول: اليوم أخرج، غدًا أخرج= فإنه يقصر أبدًا، إلا الشافعي في أحد قوليه فإنه يقصر عنده إلى سبعة عشر أو ثمانية عشر (٤) ولا يقصر بعدها (٥). وقد قال ابن المنذر في «إشرافه» (٦): أجمع أهل العلم أن للمسافر أن يقصر ما لم يُجْمِع إقامةً وإن أتى عليه سنون.

стр. 2088

فصل ومنها: جوازُ بل استحبابُ حنثِ الحالف في يمينه إذا رأى غيرها خيرًا منها، فيكفر عن يمينه ويفعل الذي هو خير، وإن شاء قدَّم الكفارة على الحنث وإن شاء أخرها. وقد روي حديث أبي موسى هذا: «إلا أتيت الذي هو خير وتحلَّلتُها»، وفي لفظ: «إلا كفَّرتُ عن يميني وأتيت الذي هو خير»، وفي لفظ: «إلا أتيت الذي هو خير وكفرتُ عن يميني»؛ وكل هذه الألفاظ في «الصحيحين» (١)، وهي تقتضي عدم الترتيب. وفي «السنن» (٢) من حديث عبد الرحمن بن سمرة عن النبي ﷺ : «إذا حلفتَ على يمين فرأيتَ غيرها خيرًا منها فكفِّرْ عن يمينك ثم ائت الذي هو خير»، وأصله في «الصحيحين». فذهب أحمد ومالك والشافعي إلى جواز تقديم الكفارة على الحنث، واستثنى الشافعي التكفير بالصوم فقال: لا يجوز تقديمه، ومنع أبو حنيفة تقديم الكفارة مطلقًا (٣). فصل ومنها: انعقاد اليمين في حال الغضب إذا لم يُخرج بصاحبه إلى حدٍّ لا

стр. 2089

يَعلم معه ما يقول، وكذلك ينفذ حكمه وتصحُّ عقوده، فلو بلغ به الغضب إلى حدِّ الإغلاق لم تنعقد يمينه ولا طلاقه. قال أحمد في رواية حنبل (١) في حديث عائشة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق» (٢): يريد الغضب. فصل ومنها: قوله: «ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم» قد يتعلق به الجبري، ولا متعلَّق له به، وإنما هذا مثل قوله: «واللهِ لا أعطي أحدًا شيئًا ولا أمنع وإنما أنا قاسمٌ أَضَع حيث أُمرت» (٣)، فإنه عبد الله ورسوله؛ إنما يتصرف بالأمر، فإذا أمره ربُّه بشيء نفَّذه، فالله هو المعطي والمانع والحامل، والرسولُ منفِّذٌ لما أمر به. وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، فالمراد به القبضة من الحصا (٤) التي رمى بها وجوه المشركين فوصلت إلى عيون جميعهم، فأثبت سبحانه له الرمي باعتبار النبذ والإلقاء فإنه فعله، ونفاه عنه باعتبار الإيصال إلى جميع المشركين، وهذا فعل الرب تعالى لا تصل

стр. 2090

إليه قدرةُ العبد؛ والرمي يطلق على الحذف وهو مَبدؤه، وعلى الإيصال وهو نهايته. فصل ومنها: تركه قتل المنافقين، وقد بلغه عنهم الكفرُ الصريح، فاحتج به من قال: لا يقتل الزنديق إذا أظهر التوبة، لأنهم حلفوا لرسول الله ﷺ أنهم ما قالوا، وهذا إن لم يكن إنكارًا فهو توبة وإقلاع. وقد قال أصحابنا (١) وغيرهم: ومن شُهِد عليه بالردة، فشَهِد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله= لم يُكشَف عن شيء (٢). وقال بعض الفقهاء: إذا جحد الردة كفاه جحدُها. ومن لم يقبل توبة الزنديق قال: هؤلاء لم يقم عليهم بينة ورسول الله ﷺ لا يحكم عليهم بعلمه، والذين بلغ رسولَ الله ﷺ عنهم قولُهم لم يُبلِّغه إياه نصابُ البينة، بل شهد به عليهم واحد فقط، كما شهد زيد بن أرقم وحدَه على عبد الله بن أُبيٍّ (٣)، وكذلك غيره أيضًا إنما شهد عليه واحد. وفي هذا الجواب نظر، فإن نفاق عبد الله بن أبي وأقواله في النفاق كانت

стр. 2091

كثيرةً جدًّا، كالمتواترة عند رسول الله ﷺ وأصحابه، وبعضُهم أقرَّ بلسانه وقال: إنما كنا نخوض ونلعب، وقد واجهه بعض الخوارج في وجهه بقوله: إنك لم تعدل (١)، والنبي ﷺ لما قيل له: ألا نقتلهم؟ لم يقل: ما قامت عليهم بينة، بل قال: «لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه». فالجواب الصحيح إذن أنه كان في ترك قتلهم في حياة النبي ﷺ مصلحة تتضمن تأليفَ القلوب على رسول الله ﷺ وجمعَ كلمة الناس عليه، وكان في قتلهم تنفيرًا (٢) والإسلام بعدُ في غربة؛ ورسولُ الله ﷺ أحرص شيء على تأليف الناس، وأتركُ شيءٍ لِما ينفِّرهم عن الدخول في طاعته. وهذا أمر كان يختص بحال حياته ﷺ ، وكذلك تَرَك قتلَ من طعن عليه في حكمه بقوله: أنْ كان ابنَ عمَّتك (٣)، وفي قَسْمه بقوله: إن هذه لَقسمةٌ ما أريد بها وجه الله، وقولِ الآخر له: إنك لم تعدل؛ فإن هذا محض حقِّه، له أن يستوفيه وله أن يتركه، وليس للأمة بعده تركُ استيفاء حقِّه، بل يتعين عليهم استيفاؤه ولا بد، ولتقرير هذه المسائل موضعٌ آخر، والغرض التنبيه والإشارة. فصل ومنها: أن أهل العهد والذمة إذا أحدث أحد منهم حدثًا فيه ضرر على الإسلام انتقض عهدُه في ماله ونفسه، وأنه إذا لم يقدر عليه الإمام فدمه وماله

стр. 2092

هدر وهو لمن أخذه، كما قال في صلح أهل أيلة: «فمن أحدث منهم حدثًا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وهو لمن أخذه من الناس»، وهذا لأنه بالإحداث صار محاربًا حكمُه حكم أهل الحرب فصل ومنها: جواز الدفن بالليل كما دفن رسول الله ﷺ ذا البجادين ليلًا. وقد سئل أحمد عنه فقال (١): وما بأس بذلك، وقال: أبو بكر دُفِن ليلًا، وعلي دَفَن فاطمة ليلًا (٢)، وقالت عائشة: سمعنا صوت المساحي من آخر الليل في دفن النبي ﷺ (٣). انتهى. ودُفِن عثمان وعائشة وابن مسعود ليلًا (٤). وفي الترمذي (٥) عن ابن عباس أن النبي ﷺ دخل قبرًا ليلًا فأُسرج له سراج، فأخذ (٦) من قِبَل القبلة وقال: «رحمك الله، إن كنت لأوَّاهًا تلَّاءً للقرآن». قال الترمذي: حديث حسن.

стр. 2093

وفي البخاري (١): أن النبي ﷺ سأل عن رجل فقال: «من هذا؟» قالوا: فلان دُفن البارحة، فصلى عليه. فإن قيل: فما تصنعون بما رواه مسلم في «صحيحه» (٢) أن النبي ﷺ خطب يومًا فذكر رجلًا من أصحابه قُبض فكُفِن في كفنٍ غير طائل ودُفِن ليلًا، فزجر النبي ﷺ أن يُقبَر الرجل بالليل (٣) إلا أن يُضطرَّ إنسان إلى ذلك. قال الإمام أحمد (٤): إليه أذهب. قيل: نقول بالحديثين بحمد الله ولا نردُّ أحدهما بالآخر، فنكره الدفن بالليل بل نزجر عنه إلا لضرورةٍ أو مصلحةٍ راجحةٍ، كميت مات مع المسافرين بالليل ويتضررون بالإقامة به إلى النهار، وكما إذا خيف على الميت الانفجار، ونحوِ ذلك من الأسباب المرجحة للدفن ليلًا. وبالله التوفيق (٥). فصل ومنها: أن الإمام إذا بعث سريةً فغنمت غنيمةً أو أسرت أسيرًا أو فتحت حصنًا، كان ما حصل من ذلك= لها بعد تخميسه، فإن النبي ﷺ قسم ما

стр. 2094

صالح عليه أكيدرَ من فتح دومة الجندل بين السرية الذين بعثهم مع خالد، وكانوا أربعمائة وعشرين فارسًا، وكانت غنائمهم ألفي بعير وثمانمائة رأس، فأصاب كلُّ رجلٍ منهم خمس فرائض. وهذا بخلاف ما إذا خرجت السريةُ من الجيش في حال الغزو فأصابت ذلك بقوة الجيش، فإن ما أصابوه يكون غنيمةً (١) بعد الخُمْس والنفل (٢)، وهذا كان هديه ﷺ فصل ومنها: قوله ﷺ : «إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم»، فهذه المعية هي بقلوبهم وهممهم، لا كما يظنه طائفة من الجهال أنهم معهم بأبدانهم، فهذا محال، لأنهم قالوا له: وهم بالمدينة؟ قال: «وهم بالمدينة حبسهم العذر»، فكانوا معه بأرواحهم وبدار الهجرة بأشباحهم. وهذا من الجهاد بالقلب، وهو أحد مراتبه الأربع وهي: القلب واللسان والمال والبدن، وفي الحديث: «جاهدوا المشركين بألسنتكم وقلوبكم وأموالكم» (٣).

стр. 2095

فصل ومنها: تحريق أمكنة المعصية التي يُعصى الله ورسوله فيها وهدمُها، كما حرَّق رسول الله ﷺ مسجد الضرار وأمر بهدمه ــ وهو مسجد يصلَّى فيه ويذكر الله فيه ــ لمَّا كان بناؤه ضرارًا وتفريقًا بين المؤمنين ومأوًى للمنافقين؛ وكل مكان هذا شأنه فواجب على الإمام تعطيلُه إما بهدم وتحريقٍ، وإما بتغيير صورته وإخراجه عما وضع له. وإذا كان هذا شأن مساجد (١) الضرار، فمشاهد الشرك التي تدعو سدنتها إلى اتخاذ مَن فيها أندادًا من دون الله أحقُّ بالهدم وأوجب، وكذلك محالُّ المعاصي والفسوق كالحانات وبيوت الخمارين وأرباب المنكرات. وقد حرَّق عمر بن الخطاب قريةً بكمالها يُباع فيها الخمر (٢)، وحرَّق حانوت رُويشد الثقفي وسمَّاه «فويسقًا» (٣)، وحرَّق قصر سعدٍ عليه لما احتجب فيه عن الرعية (٤).

стр. 2096

وهمَّ رسول الله ﷺ بتحريق بيوت تاركي حضور الجمعة والجماعة (١)، وإنما منعه مَن فيها من النساء والذرية الذين لا تجب عليهم كما أخبر هو عن ذلك (٢). ومنها: أن الوقف لا يصح على غير برٍّ ولا قربة، كما لم يصح وقف هذا المسجد. وعلى هذا فيهدم المسجد إذا بُني على قبر، كما ينبش الميت إذا دفن في المسجد، نص على ذلك الإمام أحمد (٣) وغيره؛ فلا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر، بل أيهما طرأ على الآخر مُنع منه وكان الحكم للسابق، فلو وضعا معًا لم يَجُز ولا يصح هذا الوقف، ولا تجوز الصلاة في هذا المسجد لنهي رسول الله ﷺ عن ذلك ولعنه من اتخذ القبر مسجدًا أو أوقد عليه سراجًا (٤)؛ فهذا دين الإسلام الذي بعث الله به رسوله، وغربتُه بين الناس كما ترى. فصل ومنها: جواز إنشاد الشعر للقادم فرحًا وسرورًا به، ما لم يكن معه مُحرَّم

стр. 2097

مِن لهوٍ كمزمار وشَبَّابة وعود، ولم يكن غناءً يتضمن رقية الفواحش وما حرَّم الله؛ فهذا لا يحرمه أحد. وتعلُّقُ أرباب السماع الفسقي به كتعلق من يستحل شرب الخمر المسكر قياسًا على أكل العنب وشرب العصير الذي لا يسكر، ونحوِ هذا من القياسات التي تشبه قياس الذين قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. ومنها: استماع النبي ﷺ مدحَ المادحين له وتركُ الإنكار عليهم، ولا يصح قياس غيره عليه في هذا لما بين المدحَين (١) والممدوحَين من الفروق، وقد قال: «احْثُوا في وجوه المدَّاحين التراب» (٢). ومنها ما اشتملت عليه قصة الثلاثة الذين خلفوا من الحكم والفوائد الجمة فنشير إلى بعضها: فمنها: جواز إخبار الرجل عن تفريطه وتقصيره في طاعة الله ورسوله، وعن سبب ذلك وما آل إليه أمره. وفي ذلك من التحذير والنصيحة وبيان طرق الخير والشر وما يترتب عليها ما هو من أهم الأمور. ومنها: جواز مدح الإنسان نفسَه بما فيه من الخير إذا لم يكن على سبيل الفخر والترفُّع. ومنها: تسلية الإنسان نفسه عما لم يُقدَّر له من الخير بما قُدِّر له من نظيره أو خيرٍ منه (٣).

стр. 2098

ومنها: أن بيعة العقبة كانت من أفضل مشاهد الصحابة حتى إن كعبًا كان لا يراها دون مشهد بدر. ومنها: أن الإمام إذا رأى المصلحة في أن يستر عن رعيته بعضَ ما يهمُّ به ويقصده من العدو ويُورِّي عنه= استُحبَّ له ذلك أو تعيَّن بحسب المصلحة. ومنها: أن الستر والكتمان إذا تضمن مفسدةً لم يجز. ومنها: أن الجيش في حياة النبي ﷺ لم يكن لهم ديوان (١)، وأولُ من دوَّن الديوان عمرُ بن الخطاب (٢)، وهذا من سنته التي أمر النبي ﷺ باتباعها؛ وظهرت مصلحتُها وحاجة المسلمين إليها. ومنها: أن الرجل إذا حضرت له فرصة القربة والطاعة فالحزم كلُّ الحزم في انتهازها والمبادرة إليها، والعجز في تأخيرها والتسويف بها، ولا سيما إذا لم يثق بقدرته وتمكُّنه من أسباب تحصيلها، فإن العزائم والهمم سريعة الانتقاض قلَّما تثبت، والله سبحانه يعاقب من فتح له بابًا من الخير فلم ينتهزه

стр. 2099

بأن يحول بين قلبه وإرادته فلا يمكِّنَه بعدُ مِن إرادته عقوبةً له. فمن لم يستجب لله ورسوله إذا دعاه حال بينه وبين قلبه، فلا يُمْكنه الاستجابةُ بعد ذلك؛ قال تعالى: ﴿(٢٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ﴾ [الأنفال: ٢٤]. وقد صرح سبحانه بهذا في قوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، وقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، وهو كثير في القرآن. ومنها: أنه لم يكن يتخلف عن رسول الله ﷺ إلا أحدُ رجالٍ ثلاثة: إما مغموص عليه في النفاق، أو رجل من أهل الأعذار، أو من خلَّفه رسول الله ﷺ واستعمله على المدينة أو خلفه لمصلحة. ومنها: أن الإمام والمطاع لا ينبغي له أن يُهمل من تخلَّف عنه في بعض الأمور، بل يُذكِّره ليراجع الطاعة ويتوب، فإن النبي ﷺ قال بتبوك: «ما فعل كعب؟» (١) ولم يذكر سواه من المتخلِّفين استصلاحًا له ومراعاةً، وإهمالًا للقوم المنافقين. ومنها: جواز الطعن في الرجل بما يغلب على اجتهاد الطاعن حميَّةً أو ذبًّا عن الله ورسوله. ومِن هذا طعنُ أهل الحديث فيمن طعنوا فيه من الرواة.

стр. 2100

ومن هذا طعن ورثة الأنبياء وأهل السنة في أهل الأهواء والبدع لله، لا لحظوظهم وأغراضهم. ومنها: جواز الرد على هذا الطاعن إذا غلب على ظن الراد أنه وهم وغلط، كما قال معاذ للذي طعن في كعب: «بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا»، ولم ينكر رسول الله ﷺ على واحد منهما. ومنها: أن السنة للقادم من السفر أن يدخل البلد على وضوء وأن يبدأ ببيت الله قبل بيته فيصلي فيه ركعتين ثم يجلس للمُسَلِّمين عليه، ثم ينصرف إلى أهله. ومنها: أن رسول الله ﷺ كان يقبل علانية من أظهر الإسلام من المنافقين ويكل سريرته إلى الله، ويُجري عليه حكمَ الظاهر ولا يعاقبه بما يَعلم من سرِّه (١). ومنها: ترك الإمام والحاكم ردَّ السلام على من أحدث حدثًا تأديبًا له وزجرًا لغيره، فإنه ﷺ لم يُنقل أنه ردَّ على كعب بل قابل سلامه بتبسُّم المُغضَب (٢). ومنها: أن التبسم قد يكون عن الغضب كما يكون عن التعجُّب والسرور، فإن كلًّا منهما يوجب انبساطَ دمِ القلب وثَوَرانَه، ولهذا تظهر

стр. 2101

حمرة الوجه لسرعة فَوَران (١) الدم فيه فينشأ عن ذلك السرور، والغضبُ تعجُّبٌ يتبعه ضحك وتبسُّم، فلا يغتَّر المغترُّ بضحك القادر عليه في وجهه، ولا سيما عند المَعْتَبة؛ كما قيل (٢): إذا رأيت نيوب الليث بارزةً ... فلا تظنَّنَّ أن الليث مبتسمُ ومنها: معاتبة الإمام والمطاع أصحابَه ومن يَعِزُّ عليه ويَكرُم عليه، فإنه عاتب الثلاثة دون سائر من تخلَّف عنه. وقد أكثر الناس من مدح عتاب الأحبة واستلذاذه والسرور به، فكيف بعتاب أحبِّ الخلق على الإطلاق إلى المعتوب عليه؟! وللهِ ما كان أحلى ذلك العَتْبَ، وما أعظَمَ ثمرتَه وأجلَّ فائدتَه! وللهِ ما نال به الثلاثة من أنواع المسرات وحلاوة الرضا وخِلَع القبول! ومنها: توفيق الله لكعبٍ وصاحبيه فيما جاؤوا به من الصدق، ولم يخذلهم حتى كذبوا واعتذروا بغير الحق فصلحت عاجلتُهم وفسدت عاقبتُهم كلَّ الفساد، والصادقون تعبوا في العاجلة بعضَ التعب فأعقبهم صلاح العاقبة والفلاحَ كلَّ الفلاح. وعلى هذا قامت الدنيا والآخرة، فمرارات المبادي حلاوات في العواقب، وحلاوات المبادي مرارات في العواقب. وقول النبي ﷺ لكعب: «أما هذا فقد صدق» دليل ظاهر في التمسُّك بمفهوم اللقب عند قيام قرينةٍ تقتضي تخصيصَ المذكور بالحكم، كقوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا

стр. 2102

لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩]، وقولِه ﷺ : «جعلت لي الأرض مسجدًا وتربتُها طهورًا» (١) وقولِه في هذا الحديث: «أما هذا فقد صدق»، وهذا مما لا يشك السامع أن المتكلم قصد تخصيصه بالحكم. وقول كعب: «هل لقي هذا معي أحد؟ فقالوا: نعم، مُرارة بن الربيع وهلال ابن أمية» فيه أن الرجل ينبغي له أن يردَّ (٢) حرَّ المصيبة برَوح التأسِّي بمن لقي مثل ما لقي، وقد أرشد سبحانه عبادَه إلى ذلك بقوله: ﴿تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ﴾ [النساء: ١٠٤]. وهذا هو الروح الذي منعه الله سبحانه أهل النار فيها بقوله: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩]. وقوله: «فذكروا لي (٣) رجلين صالحين قد شهدا بدرًا، لي فيهما أسوة»، هذا الموضع مما عُدَّ من أوهام الزهري، فإنه لا يُحفَظ عن أحد من أهل المغازي والسير البتة ذكر هذين الرجلين في أهل بدر؛ لا ابن إسحاق، ولا موسى بن عقبة، ولا الأموي، ولا الواقدي، ولا أحد ممن عَدَّ أهل بدر. وكذلك ينبغي أن لا يكونا من أهل بدر، فإن النبي ﷺ لم يهجر حاطبًا ولا عاقبه وقد جسَّ عليه، وقال لعمر لما همَّ بقتله: «وما يدريك أن الله اطَّلع على

стр. 2103

أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»، وأين ذنب التخلُّف من ذنب الجس؟ (١). قال أبو الفرج بن الجوزي (٢): ولم أزل حريصًا على كشف ذلك وتحقيقه حتى رأيت أبا بكر الأثرم (٣) قد ذكر الزهري وذكر فضله وحفظه وإتقانه، وأنه لا يكاد يُحفَظ عليه غلط إلا في هذا الموضع، فإنه قال: إن مُرارة بن الربيع وهلال بن أمية شهدا بدرًا، وهذا لم يقله أحد غيره والغلط لا يُعصَم منه إنسان. فصل وفي نهي النبي ﷺ عن كلام هؤلاء الثلاثة من بين سائر من تخلَّف عنه دليلٌ على صدقهم وكذب الباقين، فأراد هجر الصادقين وتأديبهم على هذا الذنب. وأما المنافقون فجُرمهم أعظم من أن يقابَل بالهجر، فدواء هذا المرض لا يعمل في مرض النفاق ولا فائدة فيه. وهكذا يفعل الرب سبحانه بعباده في عقوبات جرائمهم، فيؤدب عبده المؤمن الذي يحبُّه وهو كريم عنده بأدنى زلة وهفوة، فلا يزال مستيقظًا حذرًا، وأما من سقط من عينه وهان عليه فإنه يُخلِّي بينه وبين معاصيه، وكلما أحدث ذنبًا أحدث له نعمةً، والمغرورُ يظن أن ذلك من كرامته عليه، ولا يعلم أن ذلك عين الإهانة وأنه يريد به العذاب الشديد والعقوبة التي لا

стр. 2104

عافية (١) معها، كما في الحديث المشهور: «إذا أراد الله بعبد خيرًا عجَّل له عقوبته في الدنيا، وإذا أراد بعبد شرًّا أمسك عنه عقوبته في الدنيا فيَرِد القيامة بذنوبه» (٢). وفيه دليل أيضًا على هِجران الإمام والعالم والمطاع لمن فعل ما يستوجب العَتْب، ويكون هجرانه دواءً له بحيث لا يضعُف عن حصول الشفاء به ولا يزيد في الكيفية والكمية عليه فيهلكه، إذ المرادُ تأديبه لا إتلافه. وقوله: «حتى تنكَّرت لي الأرض فما هي بالتي أعرف»، هذا التنكُّر يجده الخائف والحزين والمهموم في الأرض وفي الشجر والنبات، حتى يجده فيمن لا يعلم حالَه من الناس، ويجده أيضًا المذنب العاصي بحسب جُرمه حتى في خُلُق زوجته وولده وخادمه ودابَّته، ويجده في نفسه أيضًا فتتنكَّر له نفسُه حتى ما كأنه هو، ولا كأن أهلَه وأصحابَه ومن يُشفق عليه بالذين يعرفهم، وهذا سرٌّ من الله لا يخفى إلا على ميت القلب (٣)، وعلى حسب حياة القلب يكون إدراك هذا التنكر والوحشة. وما لجرح بميتٍ إيلامُ (٤)

стр. 2105

ومن المعلوم أن هذا التنكر والوحشة كانا لأهل النفاق أعظم، ولكن لموت قلوبهم لم يكونوا يشعرون به، وهكذا القلب إذا استحكم مرضه واشتدَّ (١) بالذنوب والإجرام لم يجد هذه الوحشة والتنكر ولم يحسَّ بها، وهذا (٢) علامة الشقاء وأنه قد أيس من عافية هذا المرض، وأعيا على الأطباء شفاؤه. والخوف والهم مع الرِّيبة والأمن، والسرور مع البراءة من الريب (٣). فما في الأرض أشجع من بريءٍ ... ولا في الأرض أخوف من مريب (٤) وهذا القدر قد ينتفع به المؤمن البصير إذا ابتُلي به ثم راجع نفعًا عظيمًا من وجوه عديدة تفوت الحصر، ولو لم يكن منها إلا استثمارُه مِن ذلك أعلامَ النبوة وذوقُه نفسَ ما أخبر به الرسول، فيصير تصديقه ضروريًّا عنده، ويصير ما ناله من الشر بمعاصيه ومن الخير بطاعاته من أدلة صدق النبوة الذَّوقية التي لا يتطرق إليها الاحتمالات. وهذا كمن أخبرك أن في هذه الطريق من المعاطب والمخاوف كيت وكيت على التفصيل، فخالفتَه وسلكتها فرأيت عين ما أخبرك به، فإنك تشهد صدقه في نفس خلافك له. وأما إذا سلك طريقَ الأمن وحدها ولم يجد من تلك المخاوف شيئًا، فإنه وإن شهد صدق المخبِر بما ناله من الخير والظفر فيها مفصَّلًا، فإن علمه بتلك يكون مجملًا.
следующие страницы →