← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

لاشتغالها بما هو أحبُّ إليها وإلى الطَّبيعة منه. والطَّبيعةُ إذا ظفرت بما تحبُّ آثرته على ما هو دونه. وإن كان الوارد مؤلمًا أو محزنًا أو مخوفًا اشتغلت بمحاربته ومقاومته ومدافعته عن طلب الغذاء، فهي في حال حربها في شُغُلٍ عن طلب الطَّعام والشَّراب. فإن ظفرت في هذا الحرب انتعشت قواها وأخلفت عليها نظيرَ ما فاتها من قوَّة الطَّعام والشَّراب. وإن كانت مغلوبةً مقهورةً انحطَّ من (١) قواها بحسب ما حصل لها من ذلك. وإن كانت الحرب بينها وبين هذا العدوِّ سِجالًا فالقوَّةُ تظهر تارةً، وتختفي أخرى (٢). وبالجملة فالحرب بينهما على مثال الحرب الخارج بين العدوَّين المتقاتلين (٣)، والنَّصرُ للغالب. والمغلوب إمَّا قتيل وإمَّا جريح وإمَّا أسير. فالمريض له مددٌ من الله يغذِّيه به، زائدٌ (٤) على ما ذكره الأطبَّاء من تغذيته بالدَّم. وهذا المدد بحسب ضعفه وانكساره وانطراحه بين يدي ربِّه ، فيحصل له من ذلك ما يوجب له قربًا من ربِّه، فإنَّ العبد أقرب ما يكون من ربِّه إذا انكسر قلبُه (٥)، ورحمة ربِّه قريبٌ منه. فإن كان وليًّا له

стр. 2382

حصل له من الأغذية القلبيَّة ما تقوى به قوى طبيعته، وتنتعش به قواه أعظم من قوَّتها وانتعاشها بالأغذية البدنيَّة. وكلَّما قوي إيمانُه وحبُّه لربِّه وأنسُه به وفرحُه به، وقوي يقينه بربِّه، واشتدَّ شوقه إليه ورضاه به وعنه= وجد في نفسه من هذه القوَّة ما لا يعبَّر عنه، ولا يدركه وصفُ طبيبٍ، ولا يناله علمُه. ومن غلُظ طبعُه وكثُفت نفسُه عن فهم هذا والتَّصديق به، فلينظر حال كثيرٍ من عشَّاق الصُّور الذين قد امتلأت قلوبهم بحبِّ ما يعشقونه من صورةٍ أو جاهٍ أو مالٍ أو علمٍ. وقد شاهد النَّاس من هذا عجائبَ في أنفسهم وفي غيرهم. وقد ثبت في الصَّحيح عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه كان يواصل في الصِّيام الأيَّامَ ذواتِ العدد، وينهى أصحابه عن الوصال، ويقول: «لست كهيئتكم، إنِّي أظَلُّ يُطعمني ربِّي ويسقيني» (١). ومعلومٌ أنَّ هذا الطَّعام والشَّراب ليس هو الطَّعام الذي يأكله الإنسان بفمه، وإلَّا لم يكن مواصلًا، ولم يتحقَّق الفرق، بل لم يكن صائمًا، فإنَّه قال: «أظَلُّ يُطعمني ربِّي ويسقيني». وأيضًا فإنَّه فرَّق بينه وبينهم في نفس الوصال، وأنَّه يقدر منه على ما لا يقدرون عليه. فلو كان يأكل ويشرب بفمه لم يقل: «لستُ كهيئتكم». وإنَّما فهِمَ هذا من الحديث مَن قلَّ نصيبُه من غذاء الأرواح والقلوب وتأثيرِه في القوَّة وإنعاشها واعتنائها (٢) به فوق تأثير الغذاء الجسمانيِّ. والله الموفِّق.

стр. 2383

فصل في هديه ﷺ في علاج العُذْرة وفي العلاج بالسَّعوط (١) ثبت عنه في «الصَّحيحين» (٢) أنَّه قال: «خير ما تداويتم به: الحجامة والقُسْط البحريِّ. ولا تعذِّبوا صبيانكم بالغمز من العُذْرة». وفي «السُّنن» و «المسند» (٣) عنه من حديث جابر بن عبد الله قال: دخل رسول الله ﷺ على عائشة وعندها صبيٌّ يسيل مِنخَراه دمًا فقال: «ما هذا؟». فقالوا: به العُذْرة أو وجعٌ في رأسه. فقال: «ويلكنَّ لا تقتلن أولادكنَّ (٤). أيُّما امرأةٍ أصاب ولدها عُذْرةٌ أو وجعٌ في رأسه فلتأخذ قُسْطًا هنديًّا فلتحُكَّه بماءٍ، ثمَّ تُسْعِطْه إيَّاه». فأمرت عائشة، فصُنِع ذلك بالصَّبيِّ، فبرأ (٥).

стр. 2384

قال أبو عبيد (١) عن أبي عبيدة: العُذْرة [وجعٌ] (٢) يهيجُ في الحلق من الدَّم، فإذا عولج منه قيل: قد عذَرتَه (٣)، فهو معذورٌ. انتهى. وقيل: العُذْرة: قُرْحةٌ تخرج فيما بين الأذن والحلق، وتعرِض للصِّبيان غالبًا (٤). وأمَّا نفعُ السَّعوط منها بالقُسْط المحكوك، فلأنَّ العُذْرة مادَّتها دمٌ يغلب عليه البلغم لكثرة (٥) تولُّدِه في أبدان الصِّبيان. وفي القُسْط تجفيفٌ يشدُّ اللَّهاة ويرفعها إلى مكانها. وقد يكون نفعه في هذا الدَّاء بالخاصِّيَّة. وقد ينفع في الأدواء الحارَّة الأدويةُ (٦) الحارَّةُ، بالذَّات تارةً، وبالعرَض أخرى. وقد ذكر

стр. 2385

صاحب «القانون» في معالجة سقوط اللَّهاة: القُسْط مع الشَّبِّ اليمانيِّ وبِزْر الورد (١). والقُسْط البحريُّ المذكور في الحديث: فهو العود الهنديُّ. وهو الأبيض منه، وهو حلوٌ، وفيه منافع عديدة. وكانوا يعالجون أولادهم بغمز اللَّهاة وبالعِلاق ــ وهو شيءٌ يعلِّقونه على الصِّبيان ــ فنهاهم ﷺ عن ذلك وأرشدهم إلى ما هو أنفع للأطفال وأسهل عليهم. والسَّعوط: ما يُصَبُّ في الأنف. وقد يكون بأدويةٍ مفردةٍ ومركَّبةٍ تُدَقُّ وتُنْخَل وتُعْجَن وتجفَّف. ثمَّ تُحَكُّ (٢) عند الحاجة، ويُسْعَط بها في أنف الإنسان وهو مستلقٍ على ظهره، وبين كتفيه ما يرفعهما لينخفضَ رأسه، فيتمكَّنَ السَّعوطُ من الوصول إلى دماغه، ويستخرجَ ما فيه من الدَّاء بالعطاس. وقد مدح النَّبيُّ ﷺ التَّداوي بالسَّعوط فيما يحتاج إليه فيه، وذكر أبو داود في «سننه» (٣) أنَّ النَّبيَّ ﷺ استعَطَ.

стр. 2386

فصل في هديه ﷺ في علاج المفؤود روى أبو داود في «سننه» (١) من حديث مجاهد عن سعد قال: مرضتُ مرضًا، فأتاني رسول الله ﷺ يعودني، فوضع يده بين ثدييَّ حتَّى وجدتُ بردَها على فؤادي، وقال لي: «إنَّك رجلٌ مفؤودٌ، فأتِ الحارثَ بن كَلَدة من ثقيفٍ، فإنَّه رجلٌ يتطبَّب، فليأخذ سبعَ تمراتٍ من عَجْوة المدينة، فليجَأْهنَّ بنواهنَّ، ثمَّ ليَلُدَّك بهنَّ». المفؤود: الذي أصيب فؤاده فهو يشتكيه، كالمبطون الذي يشتكي بطنه. واللَّدود: ما يسقاه الإنسان من أحد جانبي الفم. وفي التَّمر خاصِّيَّةٌ عجيبةٌ لهذا الدَّاء، ولا سيَّما تمر المدينة، ولا سيَّما العَجْوة منه. وفي كونها سبعًا خاصِّيَّةٌ أخرى تُدْرَك بالوحي. وفي «الصَّحيحين» (٢): من حديث عامر بن سعد بن أبي وقَّاصٍ عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «من تصبَّح بسبع تمراتٍ من تمر العالية لم يضُرَّه ذلك اليومَ

стр. 2387

سَمٌّ ولا سحرٌ». وفي لفظٍ (١): «من أكل سبع تمراتٍ ممَّا بين لابتيها حين يصبح لم يضرَّه سَمٌّ حتَّى يمسي». والتَّمر حارٌّ في الثَّانية، يابسٌ في الأولى. وقيل: رطبٌ فيها. وقيل: معتدلٌ. وهو غذاءٌ فاضلٌ حافظٌ للصِّحَّة لا سيَّما لمن اعتاد الغذاء به كأهل المدينة وغيرهم. وهو من أفضل الأغذية في البلاد الباردة والحارَّة الَّتي حرارتها في الدَّرجة الثَّانية، وهو لهم أنفع منه لأهل البلاد الباردة، لبرودة بواطن (٢) سكَّانها وحرارة بواطن سكَّان البلاد الباردة (٣). ولذلك يُكثِر أهلُ الحجاز واليمن والطَّائف وما يليهم من البلاد المشابهة لها من الأغذية الحارَّة ما لا يتأتَّى لغيرهم كالتَّمر والعسل (٤). وشاهدناهم يضعون في أطعمتهم من الفُلْفُل والزَّنجبيل فوق ما يضعه غيرُهم نحو عشرة أضعافٍ أو أكثر. ويأكلون الزَّنجبيل كما يأكل غيرُهم الحلواء (٥). ولقد شاهدتُ من يتنقَّل به منهم كما يتنقَّل بالنقْل، ويوافقهم ذلك ولا يضرُّهم لبرودة أجوافهم وخروج الحرارة إلى ظاهر الجسد، كما نشاهد مياه الآبار تبرُد في الصَّيف وتسخُن في الشِّتاء. وكذلك تُنضِج المعدة من الأغذية الغليظة في الشِّتاء ما لا تُنضِجه في الصَّيف.

стр. 2388

وأمَّا أهل المدينة، فالتَّمر لهم يكاد أن يكون بمنزلة الحنطة لغيرهم، وهو قوتهم ومادَّتهم. وتمر العالية من أجود أصناف تمرهم، فإنَّه متين الجسم لذيذ الطَّعم صادق الحلاوة. والتَّمر يدخل في الأدوية والأغذية والفاكهة. وهو يوافق أكثر الأبدان، مقوٍّ للحارِّ الغريزيِّ، ولا يتولَّد عنه من الفضلات الرَّديئة ما يتولَّد عن غيره من الأغذية والفاكهة؛ بل يمنع لمن اعتاده من تعفُّن الأخلاط وفسادها. وهذا الحديث من الخطاب الذي أريد به الخاصُّ كأهل المدينة ومن جاورهم. ولا ريب أنَّ للأمكنة اختصاصًا بنفع كثيرٍ من الأدوية في ذلك المكان دون غيره، فيكون الدَّواءُ الذي ينبت (١) في هذا المكان نافعًا من الدَّاء، ولا يوجد فيه ذلك النَّفع إذا نبت في مكانٍ غيره، لتأثير نفس التُّربة أو الهواء أو هما (٢) جميعًا؛ فإنَّ في الأرض خواصَّ وطبائعَ يقارب اختلافها اختلافَ طبائع الإنسان. وكثيرٌ من النَّبات يكون في بعض البلاد غذاءً مأكولًا، وفي بعضها سَمًّا قاتلًا. وربَّ أدويةٍ لقومٍ أغذيةٌ لآخرين، وأدويةٍ لقومٍ من أمراضٍ هي أدويةٌ لآخرين في أمراضٍ سواها، وأدويةٍ لأهل بلدٍ لا تناسب غيرهم ولا تنفعهم (٣). وأمَّا خاصِّيَّة السَّبع فإنَّها قد وقعت قدرًا وشرعًا. فخلق الله

стр. 2389

السّماوات سبعًا، والأرض (١) سبعًا، والأيَّام سبعًا. والإنسان كمل خلقه في سبعة أطوارٍ. وشرع الله سبحانه لعباده الطَّواف سبعًا، والسَّعي بين الصَّفا والمروة سبعًا، ورمي الجمار سبعًا سبعًا (٢). وتكبيرات العيدين سبعٌ (٣) في الأولى. وقال ﷺ : «مروهم بالصَّلاة لسبعٍ» (٤). وإذا صار للغلام سبع سنين خُيِّر بين أبويه في روايةٍ. وفي أخرى (٥): أبوه أحقُّ به من أمِّه. وفي ثالثةٍ: أمُّه أحقُّ به (٦). وأمرَ النَّبيُّ ﷺ في مرضه أن يُصَبَّ عليه من سبع قِرَبٍ (٧). وسخَّر الله الرِّيح على قوم عادٍ سبعَ ليالٍ. ودعا النَّبيُّ ﷺ أن يعينه الله على قومه بسبعٍ

стр. 2390

كسبعِ يوسف (١). ومثَّل الله سبحانه ما يضاعِف به صدقةَ المتصدِّق بحبَّةٍ أنبتت سبع سنابل، في كلِّ سنبلةٍ مائة حبَّةٍ، والسَّنابلَ الَّتي رآها صاحبُ يوسف سبعًا، والسِّنينَ الَّتي زرعوها دأبًا سبعًا. وتضاعف الصَّدقة إلى سبعمائة ضعفٍ إلى أضعافٍ كثيرةٍ. ويدخل الجنَّة من هذه الأمَّة بغير حسابٍ سبعون ألفًا (٢). فلا ريب أنَّ لهذا العدد خاصِّيَّةً ليست لغيره. والسَّبعة جمعت معاني العدد كلِّه وخواصَّه، فإنَّ العدد شفعٌ ووترٌ، والشَّفع أوَّل وثانٍ؛ والوتر كذلك. فهذه أربع مراتب: شفعٌ أوَّل وثانٍ. ووترٌ أوَّل وثانٍ. ولا تجتمع هذه المراتب في (٣) أقلَّ من سبعةٍ. وهي عددٌ كاملٌ جامعٌ لمراتب العدد الأربعة أعني: الشَّفع والوتر، والأوائل والثَّواني. ونعني بالوتر الأوَّل الثَّلاثة، وبالثَّاني الخمسة، وبالشَّفع الأوَّل الاثنين، وبالثَّاني الأربعة (٤). وللأطبَّاء اعتناءٌ عظيمٌ بالسَّبعة، ولا سيَّما في البَحَارين (٥). وقد قال أبقراط: كلُّ شيءٍ من هذا العالم فهو مقدَّر على سبعة أجزاء. والنُّجوم سبعةٌ (٦)، والأيَّام سبعةٌ، وأسنان النَّاس سبعةٌ. أوَّلها طفلٌ إلى سبعٍ، ثمَّ صبيٌّ إلى أربع عشرة، ثمَّ

стр. 2391

شابٌّ، ثمَّ كهلٌ، ثمَّ شيخٌ، ثمَّ هَرِمٌ إلى منتهى العمر (١). والله تعالى أعلم بحكمته وشرعه وقدره في تخصيص هذا العدد، هل هو لهذا المعنى أو لغيره؟ ونفعُ هذا العدد من هذا التَّمر من هذا البلد من هذه البقعة بعينها من السَّمِّ والسِّحر بحيث يمنع إصابتَه: من الخواصِّ الَّتي لو قالها أبقراط (٢) وجالينوس وغيرهما من الأطبَّاء لتلقَّاها عنهم الأطبَّاء بالقبول والإذعان والانقياد، مع أنَّ القائل إنَّما معه الحدس والتَّخمين والظَّنُّ. فمَن كلامُه كلُّه يقينٌ وقطعٌ وبرهانٌ ووحيٌ أولى أن تُتَلقَّى أقوالُه بالقبول والتَّسليم وترك الاعتراض. وأدوية السُّموم تارةً تكون بالكيفيَّة، وتارةً تكون بالخاصِّيَّة كخواصِّ كثيرٍ من الأحجار والجواهر واليواقيت (٣). والله أعلم. فصل ويجوز نفع التَّمر المذكور في بعض السُّموم، فيكون الحديث من العامِّ المخصوص. ويجوز نفعه بخاصِّيِّة تلك البلد (٤) وتلك التُّربة الخاصَّة من كلِّ سمٍّ.

стр. 2392

ولكن هاهنا أمرٌ لا بدَّ من بيانه، وهو أنَّ من شرط انتفاع العليل بالدَّواء قبولَه واعتقادَ النَّفع به، فتقبله الطَّبيعة، فتستعين به على دفع العلَّة؛ حتَّى إنَّ كثيرًا من المعالجات تنفع بالاعتقاد وحسن القبول وكمال التَّلقِّي، وقد شاهد النَّاس من ذلك عجائب. وهذا لأنَّ الطَّبيعة يشتدُّ قبولُها له، وتفرح النَّفس به، فتنتعش القوَّة، ويقوى سلطانُ الطَّبيعة، وينبعث الحارُّ الغريزيّ، فيتساعد (١) على دفع المؤذي. وبالعكس يكون كثيرٌ من الأدوية نافعًا لتلك العلَّة، فيقطع عملَه سوءُ اعتقاد العليل فيه وعدمُ أخذ الطَّبيعة له بالقبول، فلا يجدي عليها شيئًا. واعتبِرْ هذا بأعظم الأدوية والأشفية، وأنفعِها للقلوب والأبدان والمعاش والمعاد والدُّنيا والآخرة، وهو القرآن الذي هو شفاءٌ من كلِّ داءٍ: كيف لا ينفع القلوبَ الَّتي لا تعتقد فيه الشِّفاءَ والنَّفعَ، بل لا يزيدها إلا مرضًا إلى مرضها! وليس لشفاء القلوب قطُّ دواءٌ (٢) أنفعُ من القرآن، فإنَّه شفاؤها التَّامُّ الكامل الذي لا يغادر فيها سقمًا إلا أبرأه، ويحفظ عليها صحَّتها المطلقة (٣)، ويحميها الحِمْيَةَ التَّامَّة من كلِّ مؤذٍ ومضرٍّ. ومع هذا فإعراضُ أكثر القلوب عنه، وعدمُ اعتقادها الجازم الذي لا ريب فيه أنَّه كذلك، وعدمُ استعماله، والعدولُ إلى الأدوية الَّتي ركَّبها بنو جنسها= حال بينها وبين الشِّفاء به. وغلبت العوائد، واشتدَّ الإعراض، وتمكَّنت العلل والأدواء

стр. 2393

المزمنة من القلوب، وتربَّى المرضى والأطبَّاء على علاج بني جنسهم وما وضعه لهم شيوخهم ومن يعظِّمونه ويحسنون به ظنونهم، فعظُم المصاب، واستحكم الدَّاء، وتركَّبت أمراضٌ وعللٌ أعيا عليهم علاجها. وكلَّما عالجوها بتلك العلاجات الحادثة تفاقم أمرُها وقويت، ولسان الحال ينادي عليهم (١): ومن العجائب والعجائب جَمَّةٌ ... قربُ الشِّفاء وما إليه وصولُ كالعِيس في البيداء يقتلها الظَّما ... والماءُ فوق ظهورها محمولُ (٢) فصل في هديه ﷺ في دفع ضرر الأغذية والفاكهة وإصلاحها بما يدفع ضررها ويقوِّي نفعها (٣) ثبت في «الصَّحيحين» (٤) من حديث عبد الله بن جعفر قال: رأيتُ رسول الله ﷺ يأكل الرُّطَب بالقثَّاء.

стр. 2394

الرُّطب: حارٌّ رطبٌ في الثَّانية. يقوِّي المعدة الباردة ويوافقها، ويزيد في الباءة (١)، ولكنَّه سريع التَّعفُّن. معطِّشٌ، معكِّرٌ للدَّم، مصدِّعٌ، مولِّدٌ للسُّدد ووجع المثانة، مضرٌّ بالأسنان. والقثَّاء باردٌ رطبٌ في الثَّانية (٢)، مسكِّنٌ للعطش، منعشٌ للقوى بشمِّه لما فيه من العطريَّة، مُطْفٍ (٣) لحرارة المعدة الملتهبة. وإذا جفِّف بزرُه، ودُقَّ، واستُحلب بالماء، وشُرِبَ= سكَّن العطشَ، وأدرَّ البولَ، ونفَع من وجع المثانة. وإذا دُقَّ ونُخِل ودُلِك به الأسنان جلاها. وإذا دُقَّ ورقُه وعُمِل منه ضِمادٌ مع المَيْبُخْتَج (٤) نفَع من عضَّة الكلْب الكلِب. وبالجملة فهذا حارٌّ، وهذا باردٌ. وفي كلٍّ منهما إصلاحٌ للآخر، وإزالةٌ لأكثر ضرره، ومقاومةُ كلِّ كيفيَّةٍ بضدِّها، ودفعُ سَورتها بالأخرى. وهذا أصل العلاج كلِّه. وهو أصلٌ في حفظ الصِّحَّة، بل علم الطِّبِّ كلُّه يستفاد من هذا.

стр. 2395

وفي استعمال ذلك وأمثاله في الأغذية والأدوية إصلاحٌ لها وتعديلٌ ودفعٌ لما فيها من الكيفيَّات المضرَّة بما يقابلها. وفي ذلك عونٌ على صحَّة البدن وقوَّته وخصبه. قالت عائشة ﵂: سمَّنوني بكلِّ شيءٍ فلم أسمَنْ، فسمَّنوني بالقثَّاء والرُّطب، فسَمِنتُ (١). وبالجملة: فدفعُ ضرر البارد بالحارِّ، والحارِّ بالبارد، والرَّطْب باليابس، واليابس بالرَّطب، وتعديلُ أحدهما بالآخر= من أبلغ أنواع العلاجات وحفظ الصِّحَّة. ونظير هذا ما تقدَّم من أمره بالسَّنا والسَّنُّوت وهو العسل الذي فيه شيءٌ من السَّمن يُصلَح به السَّنا ويعدِّله. فصلوات الله وسلامه على من بُعِث بعمارة القلوب والأبدان وبمصالح الدُّنيا والآخرة. فصل في هديه ﷺ في الحِمْية (٢) الدِّين (٣) كلُّه شيئان: حِمْيةٌ، وحفظُ صحَّة. فإذا وقع التَّخليط احتيج إلى الاستفراغ الموافق. وكذلك مدار الطِّبِّ كلِّه على هذه القواعد الثَّلاثة. والحِمْية: حِمْيتان: حميةٌ عمَّا يجلب المرض، وحميةٌ عمَّا يزيده فيقف على

стр. 2396

حاله. فالأولى (١): حمية الأصحَّاء. والثَّانية: حمية المرضى، فإنَّ المريض إذا احتمى وقف مرضُه عن التَّزايد، وأخذت القوى في دفعه. والأصل في الحمية: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٢) [النساء: ٤٣]. فحمى المريض من استعمال الماء، لأنَّه يضرُّه. وفي «سنن ابن ماجه» (٣) وغيره عن أمِّ المنذر بنت قيس الأنصارية قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ ، ومعه عليٌّ، وعليٌّ ناقهٌ من مرضٍ، ولنا دوالٍ (٤) معلَّقةٌ. فقام النبي ﷺ يأكل منها، وقام عليٌّ يأكل منها. فطفق رسول الله ﷺ يقول لعلي: «إنَّك ناقهٌ» حتَّى كفَّ. قالت: وصنعتُ شعيرًا وسِلْقًا، فجئتُ به، فقال النَّبيُّ ﷺ لعلي: «من هذا أصِبْ، فإنَّه أنفع لك». وفي لفظٍ (٥): فقال: «من هذا فأصِبْ، فإنَّه أوفَق لك».

стр. 2397

وفي «سنن ابن ماجه» (١) أيضًا عن صهيب قال: قدمت على النَّبيِّ ﷺ وبين يديه خبزٌ وتمرٌ، فقال: «ادنُ فكُلْ» فأخذتُ تمرًا، فأكلت، فقال: «أتأكل تمرًا وبك رمدٌ؟». فقلت: يا رسول الله أمضُغ من النَّاحية الأخرى. فتبسَّم رسول الله ﷺ . وفي حديثٍ محفوظٍ عنه ﷺ : «إنَّ الله إذا أحبَّ عبدًا حماه الدُّنيا (٢)، كما يحمي أحدكم مريضَه عن الطَّعام والشَّراب» (٣). وفي لفظٍ: «إنَّ الله يحمي عبده المؤمن الدُّنيا (٤)» (٥).

стр. 2398

وأمَّا الحديث الدَّائر على ألسنة كثيرٍ من النَّاس: «الحمية رأس الدَّواء، والمعدة بيت الدَّاء، وعوِّدوا كلَّ جسد (١) ما اعتاد»، فهذا الحديث إنَّما هو من كلام الحارث بن كَلَدة طبيب العرب (٢)، ولا يصحُّ رفعه إلى النَّبيِّ ﷺ (٣). قاله غير واحدٍ من أئمَّة الحديث.

стр. 2399

ويذكر عن النَّبيِّ ﷺ : «أنَّ المعدة حوض البدن، والعروقُ إليها واردةٌ. فإذا صحَّت المعدة صدرت العروق بالصِّحَّة، وإذا سقِمت المعدة صدرت العروق بالسَّقَم» (١). وقال الحارث: رأس الطِّبِّ الحمية (٢). والحمية عندهم للصَّحيح في المضرَّة بمنزلة التَّخليط للمريض والنَّاقه. وأنفع ما تكون الحمية للنَّاقه من المرض، فإنَّ طبيعته لم ترجع بعد إلى قوَّتها، والقوَّةُ الهاضمةُ ضعيفة، والطَّبيعةُ قابلة، والأعضاءُ مستعدَّة؛ فتخليطُه يوجب انتكاسًا (٣) أصعبَ من ابتداء مرضه. واعلم أنَّ في منع النَّبيِّ ﷺ لعليٍّ من الأكل من الدَّوالي وهو ناقهٌ أحسنَ

стр. 2400

التَّدبير، فإنَّ الدَّوالي أقناءٌ من الرُّطَب تُعلَّق في البيت للأكل بمنزلة عناقيد العنب، والفاكهةُ تضرُّ بالنَّاقه من المرض لسرعة استحالتها وضعفِ الطَّبيعة عن دفعها، فإنَّها بعدُ لم تتمكَّن قوَّتها، وهي مشغولةٌ بدفع آثار العلَّة وإزالتها من البدن. وفي الرُّطب خاصَّةً نوع ثقلٍ على المعدة، فتشتغل بمعالجته وإصلاحه عمَّا هي بصدده من إزالة بقيَّة المرض وآثاره. فإمَّا أن تقف تلك البقيَّة، وإمَّا أن تتزايد. فلمَّا وُضع بين يديه السِّلق والشَّعير أمره أن يصيب منه، فإنَّه من أنفع الأغذية للنَّاقه، فإنَّ في ماء الشَّعير من التَّبريد والتَّغذية والتَّلطيف والتَّليين وتقوية الطَّبيعة ما هو أصلح للنَّاقه، ولا سيَّما إذا طُبِخ بأصول السِّلق. فهذا من أوفق الغذاء لمن في معدته ضعفٌ، ولا يتولَّد عنه من الأخلاط ما يخاف منه. وقال زيد بن أسلم: حمى عمر مريضًا له حتَّى إنَّه من شدَّة ما حماه كان يمُصُّ النَّوى (١). وبالجملة: فالحمية من أكبر (٢) الأدوية قبل الدَّاء، فتمنع حصولَه. وإذا حصل فتمنع تزايده وانتشاره.

стр. 2401

فصل وممَّا ينبغي أن يُعلَم أنَّ كثيرًا ممَّا يُحمى عنه العليل والنَّاقه والصَّحيح، إذا اشتدَّت الشَّهوة إليه، ومالت إليه الطَّبيعة، فتناول منه الشَّيءَ اليسيرَ الذي لا تعجز الطَّبيعة عن هضمه= لم يضُرَّه تناولُه. بل ربَّما انتفع به، فإنَّ الطَّبيعة والمعدة تتلقَّيانه بالقبول والمحبَّة، فيصلحان ما يُخشى من ضرره. وقد يكون أنفع من تناول ما تكرهه الطَّبيعة وتدفعه من الدَّواء. ولهذا أقرَّ النَّبيُّ ﷺ صهيبًا ــ وهو أرمد ــ على تناول التَّمرات اليسيرة، وعلِم أنَّها لا تضرُّه (١). ومن هذا ما يروى عن عليٍّ أنَّه دخل على رسول الله ﷺ ، وهو أرمد، وبين يدي النَّبيِّ ﷺ تمرٌ يأكله، فقال: «يا عليُّ، تشتهيه؟». ورمى إليه بتمرةٍ، ثمَّ بأخرى حتَّى رمى إليه سبعًا، ثمَّ قال: «حسبُك يا عليُّ» (٢).

стр. 2402

ومن هذا ما رواه ابن ماجه في «سننه» (١) من حديث عكرمة عن ابن عبَّاسٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ عاد رجلًا فقال له: «ما تشتهي؟» فقال: أشتهي خبزَ بُرٍّ. وفي لفظٍ: أشتهي كَعْكًا. فقال النَّبيُّ ﷺ : «من كان عنده خبزُ برٍّ فليبعث إلى أخيه». ثمَّ قال: «إذا اشتهى مريضُ أحدكم شيئًا فليُطعِمه». ففي هذا الحديث سرٌّ طبِّيٌّ لطيفٌ (٢)، فإنَّ المريض إذا تناول ما يشتهيه عن جوعٍ صادقٍ طبيعيٍّ (٣)، وكان فيه ضررٌ مَّا، كان أنفعَ وأقلَّ ضررًا ممَّا لا يشتهيه، وإن كان نافعًا في نفسه؛ فإنَّ صدقَ شهوته ومحبَّةَ الطَّبيعة له (٤) تدفع

стр. 2403

ضرره. وبغضُ الطَّبيعة وكراهتُها للنَّافع قد يجلب لها منه ضررًا. وبالجملة، فاللَّذيذ المشتهى تُقبل الطَّبيعة عليه بعنايةٍ، فتهضمه على أحمد الوجوه، سيَّما عند انبعاث النَّفس إليه بصدق الشَّهوة وصحَّة القوَّة. والله أعلم. فصل في هديه ﷺ في علاج الرَّمَد بالسُّكون والدَّعة، وترك الحركة، والحمية ممَّا يهيج الرَّمد (١) وقد تقدَّم أنَّ النَّبيَّ ﷺ حمى صهيبًا من التَّمر، وأنكر عليه أكلَه وهو أرمد. وحمى عليًّا من الرُّطَب لمَّا أصابه الرَّمد. وذكر أبو نعيم في كتاب «الطِّبّ النَّبوي» (٢) أنَّه ﷺ كان إذا رمِدت عينُ امرأةٍ من نسائه لم يأتها حتَّى تبرأ عينها. الرَّمَد ورمٌ حارٌّ يعرض في الطَّبقة الملتحمة من العين، وهو بياضها الظَّاهر. وسببه انصباب أحد الأخلاط الأربعة، أو ريحٌ حارَّةٌ تكثر كمِّيَّتها في

стр. 2404

الرَّأس والبدن، فينبعث منها قسطٌ إلى جوهر العين؛ أو بضربةٍ (١) تصيب العينَ، فترسل الطَّبيعةُ إليها من الدَّم والرُّوح مقدارًا كثيرًا، تروم بذلك شفاءها ممَّا عرض لها، ولأجل ذلك يورَم (٢) العضو المضروب، والقياس يوجب ضدَّه. واعلم أنَّه كما يرتفع من الأرض إلى الجوِّ بخاران أحدهما: حارٌّ يابسٌ والآخر حارٌّ رطبٌ، فينعقدان سحابًا متراكمًا، ويمنعان أبصارنا من إدراك السَّماء؛ فكذلك يرتفع من قعر المعدة إلى منتهاها مثلُ ذلك، فيمنعان النَّظر ويتولَّد عنهما عللٌ شتَّى. فإن قويت الطَّبيعة على ذلك ودفعته إلى الخياشيم أحدث الزُّكامَ. وإن دفعته إلى اللَّهاة والمَنْخِرَين أحدث الخُنَانَ (٣). وإن دفعته إلى الجنب أحدث الشَّوْصَة (٤). وإن دفعته إلى الصَّدر أحدث النَّزلة. وإن انحدر إلى القلب أحدث الخبطة. وإن دفعته إلى العين أحدث رمدًا. وإن انحدر إلى الجوف أحدث السَّيَلان. وإن دفعته إلى منازل الدِّماغ أحدث

стр. 2405

النِّسيان. وإن ترطَّبت أوعية الدِّماغ منه وامتلأت به عروقه أحدث النَّوم الشَّديد، ولذلك كان النَّوم رطبًا والسَّهر يابسًا. وإن طلب البخارُ النُّفوذ من الرَّأس فلم يقدر عليه أعقبه الصُّداع والسَّهر. وإن مال البخار إلى أحد شقَّي الرَّأس أعقبه الشَّقيقة. وإن ملَك قمَّةَ (١) الرَّأس ووسط الهامة أعقبه داء البَيْضة (٢). وإن برَد منه حجابُ الدِّماغ أو سخَن أو ترطَّب وهاجت منه أرياحٌ أحدث العطاس. وإن أهاجَ الرُّطوبة البلغميَّة فيه حتَّى غلب الحارُّ الغريزيُّ أحدث الإغماء والسُّكات. وإن أهاج المِرَّة السَّوداء حتَّى أظلم هواء الدِّماغ (٣) أحدث الوَسْواس. وإن فاض ذلك إلى مجاري العَصَب أحدث الصَّرَع الطَّبيعيَّ. وإن ترطَّبت مجامعُ (٤) عصَب الرَّأس وفاض ذلك في مجاريه أعقبه الفالِج. وإن كان البخار من مِرَّةٍ صفراء ملتهبةٍ مُحْمِيَةٍ للدِّماغ (٥) أحدث البِرسَام (٦). فإن شرِكه الصَّدرُ في ذلك كان سِرْسامًا (٧). فافهم هذا الفصل.

стр. 2406

والمقصود أنَّ أخلاط البدن والرَّأس تكون متحرِّكةً هائجةً في حال الرَّمد، والجماعُ ممَّا يزيد حركتها وثورانها، فإنَّه حركةٌ كلِّيَّةٌ للبدن والرُّوح والطَّبيعة. فأمَّا البدن، فيسخُن بالحركة لا محالة، والنَّفسُ تشتدُّ حركتها طلبًا للَّذَّة واستكمالها. والرُّوح تتحرَّك تبعًا لحركة النَّفس والبدن، فإنَّ أوَّل تعلُّق الرُّوح من البدن بالقلب، ومنه ينشأ الرُّوح وتنبَثُّ في الأعضاء. وأمَّا حركة الطَّبيعة، فلأجل أن ترسل ما يجب إرساله من المنيِّ على المقدار الذي يجب إرساله. وبالجملة: فالجماع حركةٌ كلِّيَّةٌ عامَّةٌ يتحرَّك فيها البدن وقواه وطبيعته وأخلاطه والرُّوح والنَّفس. وكلُّ حركةٍ فهي مثيرةٌ للأخلاط، مرقِّقةٌ لها، تُوجِب دفعها وسيلانها إلى الأعضاء الضَّعيفة. والعينُ في حال رمدها أضعَفُ ما تكون، فأضرُّ ما عليها حركةُ الجماع. قال أبقراط في كتاب «الفصول» (١): وقد يدلُّ ركوبُ السُّفُن أنَّ الحركة تثوِّر الأبدان. هذا مع أنَّ في الرَّمد منافع كثيرةً. منها ما يستدعيه من الحِمْية والاستفراغ، وتنقية الرَّأس والبدن من فضلاتهما وعفوناتهما، والكفُّ عمَّا يؤذي النَّفس والبدن من الغضب، والهمِّ والحزن، والحركات العنيفة، والأعمال الشَّاقَّة. وفي أثرٍ سلفيٍّ (٢): لا تكرهوا الرَّمد، فإنَّه يقطع عروق

стр. 2407

العَمى (١). ومن أسباب علاجه: ملازمة السُّكون والرَّاحة، وتركُ مسِّ العين والاشتغال بها، فإنَّ أضداد ذلك توجِب انصباب الموادِّ إليها. وقد قال بعض السَّلف (٢): مثَلُ أصحاب محمَّدٍ مثَلُ العين، ودواءُ العين تركُ مسِّها (٣). وقد روي في حديثٍ مرفوعٍ الله أعلم به: «علاجُ الرَّمد تقطير الماء البارد

стр. 2408

في العين» (١). وهو من أكبر الأدوية للرَّمد الحارِّ فإنَّ الماء دواءٌ باردٌ يستعان به على طَفْيِ (٢) حرارة الرَّمد إذا كان حارًّا. ولهذا قال عبد الله بن مسعودٍ لامرأته زينب وقد اشتكت عينها: لو فعلتِ كما فعل رسول الله ﷺ كان خيرًا لكِ، وأجدرَ أن تُشْفَيْ: تنضحين في عينكِ الماء، ثمَّ تقولين: «أَذْهِبِ الباسَ ربَّ النَّاس، واشفِ أنت الشَّافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سَقَمًا» (٣).

стр. 2409

وهذا ممَّا تقدَّم مرارًا أنَّه خاصٌّ ببعض البلاد وبعض أوجاع العين, فلا يجعل كلام النُّبوَّة الجزئيُّ الخاصُّ كلِّيًّا عامًّا, ولا الكلِّيُّ العامُّ جزئيًّا خاصًّا, فيقع من الخطأ وخلاف الصَّواب ما يقع. والله أعلم. فصل في هديه ﷺ في علاج الخَدَران (١) الكلِّيِّ الذي يخمد (٢) معه البدن (٣) ذكر أبو عبيد (٤) في «غريب الحديث» (٥) من حديث أبي عثمان النَّهديِّ أنَّ قومًا مرُّوا بشجرةٍ, فأكلوا منها, فكأنَّما مرَّت بهم ريحٌ, فأخمدَتْهم (٦).

стр. 2410

فقال النَّبيُّ ﷺ : «قرِّسوا الماء في الشِّنان، وصبُّوا عليهم فيما بين الأذانين». ثمَّ قال أبو عبيد: قرِّسوا، يعني: برِّدوا. وقول النَّاس: قد قرِسَ البردُ إنَّما هو من هذا، بالسِّين ليس بالصَّاد. والشِّنان: الأسقية والقِرَب الخُلْقان. يقال للسِّقاء شَنٌّ، وللقِرْبة شَنَّةٌ. وإنَّما ذكر الشِّنانَ دون الجُدُد (١) لأنَّها أشدُّ تبريدًا للماء. وقوله: «بين الأذانين» يعني أذان الفجر والإقامة، فسمَّى الإقامة أذانًا. انتهى كلامه. قال بعض الأطبَّاء (٢): وهذا العلاج من النَّبيِّ ﷺ من أفضل علاج هذا الدَّاء إذ (٣) كان وقوعه بالحجاز، وهي بلادٌ حارَّةٌ يابسةٌ، والحارُّ الغريزيُّ ضعيفٌ في بواطن سكَّانها، وصبُّ الماء البارد عليهم في الوقت المذكور ــ وهو أبرد أوقات اليوم ــ يوجب جمعَ الحارِّ الغريزيِّ المنتشر في البدن الحامل لجميع قواه، فتقوى (٤) القوَّة الدَّافعة، وتجتمع من أقطار البدن إلى باطنه الذي هو محلُّ ذلك الدَّاء، وتستظهر بباقي القوى على دفع المرض المذكور، فتدفعه بإذن الله . ولو أنَّ أبقراط (٥) أو جالينوس أو غيرهما وصف هذا الدَّواء لهذا الدَّاء لخضعت له الأطبَّاء، وعجبوا من كمال معرفته.

стр. 2411

فصل في هديه ﷺ في إصلاح الطَّعام الذي يقع فيه الذُّباب، وإرشاده إلى دفع مضرَّات السُّموم بأضدادها في «الصَّحيحين» (١) من حديث أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إذا وقع الذُّباب في إناء أحدكم فامقُلوه، فإنَّ في أحد جناحيه داءً وفي الآخر شفاءً». وفي «سنن ابن ماجه» (٢) عن أبي سعيدٍ الخدريِّ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «أحدُ جناحي الذُّباب سَمٌّ والآخر شفاءٌ. فإذا وقع في الطَّعام فامقُلوه، فإنَّه يقدِّم السَّمَّ ويؤخِّر الشِّفاء». هذا الحديث فيه أمران: أمرٌ فقهيٌّ، وأمرٌ طبِّيٌّ. فأمَّا الفقهيُّ فهو دليلٌ ظاهر الدَّلالة جدًّا على أنَّ الذُّباب إذا مات في ماءٍ أو مائعٍ فإنَّه لا ينجِّسه. وهذا قول جمهور العلماء، ولا يُعرَف في السَّلف مخالفٌ في ذلك. ووجه الاستدلال به أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمرَ بمَقْلِه، وهو غمسُه في الطَّعام، ومعلومٌ أنَّه

стр. 2412

يموت من ذلك، ولا سيَّما إذا كان الطَّعام حارًّا؛ فلو كان ينجِّسه لكان أمرًا بإفساد الطَّعام، وهو ﷺ إنَّما أمرَ بإصلاحه. ثمَّ عدِّي هذا الحكم إلى كلِّ ما لا نفس له سائلة كالنَّحلة والزُّنبور والعنكبوت وأشباه ذلك، إذ الحكم يعمُّ بعموم علَّته، وينتفي لانتفاء سببه. فلمَّا كان سبب التَّنجيس هو الدَّم المحتقن في الحيوان بموته، وكان ذلك مفقودًا فيما لا دم له سائلٌ، انتفى الحكم بالتَّنجيس لانتفاء علَّته. ثمَّ قال من لم يحكم بنجاسة عظام الميتة (١): إذا كان هذا ثابتًا في الحيوان الكامل مع ما فيه من الرُّطوبات والفضلات وعدم الصَّلابة، فثبوته في العظم الذي هو أبعد من الرُّطوبات والفضلات واحتقان الدَّم أولى. وهذا في غاية القوَّة، فالمصير إليه أولى (٢). وأوَّل من حُفِظ عنه في الإسلام أنَّه تكلَّم بهذه اللَّفظة فقال: «ما لا نفس له سائلةٌ» إبراهيم النَّخعيُّ (٣)، وعنه تلقَّاها الفقهاء. والنَّفس في اللُّغة يعبَّر بها عن الدَّم. ومنه نَفِست المرأة بفتح النُّون إذا حاضت، ونُفِست بضمِّها إذا ولدت. وأمَّا المعنى الطِّبِّيُّ، فقال أبو عبيد (٤): معنى «امقلوه»: اغمِسوه، ليخرج

стр. 2413

الشِّفاء منه كما خرج الدَّاء. يقال للرَّجلين: هما يتماقلان، إذا تغاطَّا في الماء. واعلم أنَّ في الذُّباب عندهم قوَّةً سمِّيَّةً يدلُّ عليها الورم والحِكَّة العارضة عن لسعه (١). وهي بمنزلة السِّلاح، فإذا سقط فيما يؤذيه اتَّقاه بسلاحه، فأمر النَّبيُّ ﷺ أن تقابَل تلك السَّمِّيَّةُ بما أودعه الله سبحانه في جانبه الآخر من الشِّفاء، فيُغمَس كلُّه في الماء والطَّعام، فتقابل مادَّة السَّمِّيَّةِ المادَّةُ النَّافعةُ، فيزول ضررها. وهذا طبٌّ لا يهتدي إليه كبار الأطبَّاء وأئمَّتهم، بل هو خارجٌ من مشكاة النُّبوَّة. ومع هذا فالطَّبيب العالم العارف الموفَّق يخضع لهذا العلاج ويُقرُّ لمن جاء به بأنَّه أكمل الخلق على الإطلاق، وأنَّه مؤيَّدٌ بوحيٍ إلهيٍّ خارجٍ عن قوى البشر. وقد ذكر غير واحدٍ من الأطبَّاء (٢) أنَّ لسع الزُّنبور والعقرب إذا دُلِك موضعه بالذُّباب نفَع منه نفعًا بيِّنًا وسكَّنه، وما ذاك إلا للمادَّة الَّتي فيه من الشِّفاء. وإذا دُلِك به الورمُ الذي يخرج في شُفْر (٣) العين المسمَّى «شَعيرةً» (٤) بعد قطع رؤوس الذُّباب أبرأه.

стр. 2414

فصل في هديه ﷺ في علاج البَثْرة ذكر ابن السُّنِّيِّ في كتابه (١) عن بعض أزواج النَّبيِّ ﷺ قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ ، وقد خرج في إصبعي بَثْرةٌ، فقال: «عندكِ ذريرةٌ؟». قلت: نعم. قال: «ضَعيها عليها». وقال: «قولي (٢): اللَّهمَّ مصغِّرَ الكبير ومكبِّرَ الصَّغير صغِّر ما بي». الذَّريرة: دواءٌ هنديٌّ يُتَّخذ من قصَب الذَّريرة، وهي حارَّةٌ يابسةٌ، تنفع من أورام المَعِدة والكبد والاستسقاء، وتقوِّي القلب لطيبها (٣). وفي

стр. 2415

«الصَّحيحين» (١) عن عائشة أنَّها قالت: طيَّبتُ رسول الله ﷺ بيدي بذَريرةٍ في حجَّة الوداع للحِلِّ والإحرام. والبَثْرة: خُرَاجٌ صغيرٌ يكون عن مادَّةٍ حادَّةٍ (٢) تدفعها الطَّبيعة، فتَسْترِقُ مكانًا من الجسد تخرج منه، فهي محتاجةٌ إلى ما يُنْضِجها ويُخْرِجها. والذَّريرة أحد ما يفعل بها ذلك، فإنَّ فيها إنضاجًا وإخراجًا مع طيب رائحتها، مع أنَّ فيها تبريدًا (٣) للنَّاريَّة الَّتي في تلك المادَّة. ولذلك (٤) قال صاحب «القانون» (٥): إنَّه لا أفضل لحرق النَّار من الذَّريرة بدهن الورد والخلِّ. فصل في هديه ﷺ في علاج الأورام والخُراجات الَّتي تبرأ بالبطِّ والبَزْل (٦) يذكر عن علي أنَّه قال: دخلتُ مع رسول الله ﷺ على رجلٍ يعوده، بظهره ورمٌ، فقالوا: يا رسول اللَّه! هذه (٧) مِدَّةٌ. قال: «بُطُّوا عنه». قال علي: فما برحت حتَّى بُطَّت، والنَّبيُّ ﷺ شاهدٌ (٨).

стр. 2416

ويذكر عن أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر طبيبًا أن يبُطَّ بطنَ رجلٍ أجوى البطن، فقيل: يا رسول اللَّه، هل ينفع الطِّبُّ؟ قال: «الذي أنزل الدَّاء أنزل الشِّفاء فيما شاء» (١). الورم: مادَّةٌ (٢) في حجم العضو لفضل مادَّةٍ غير طبيعيَّةٍ تنصبُّ إليه، وتوجد في (٣) أجناس الأمراض كلِّها. والموادُّ الَّتي تكوَّن عنها: من الأخلاط

стр. 2417

الأربعة، والمائيَّة، والرِّيح. وإذا جَمع الورَمُ (١) سمِّي خُرَاجًا. وكلُّ ورمٍ حارٍّ (٢) يؤول أمره إلى أحد ثلاثة أشياء: إمَّا تحلُّل، وإمَّا جمع مِدَّةٍ، وإمَّا استحالة إلى الصَّلابة. فإن كانت القوَّة قويَّةً استولت على مادَّة الورم وحلَّلته، وهي أصلح الحالات الَّتي يؤول أمرُ الورم إليها. وإن كانت دون ذلك أنضجت المادَّة، وأحالتها مِدَّةً بيضاء، وفتحت لها مكانًا أسالتها منه. وإن نقصت عن ذلك أحالت المادَّة مِدَّةً غير مستحكمة النُّضج، وعجزت عن فتح مكانٍ في العضو تدفعها منه، فيخاف على العضو الفسادُ لطول لبثها فيه، فيحتاج حينئذٍ إلى إعانة الطَّبيب بالبطِّ أو غيره لإخراج تلك المادَّة الرَّديَّة المفسدة للعضو. وفي البطِّ فائدتان: إحداهما: إخراج المادَّة الرَّديَّة المفسدة. والثَّانية: منع اجتماع مادَّةٍ أخرى إليها تقوِّيها. وأمَّا (٣) قوله في الحديث الثَّاني: «إنَّه أمر طبيبًا أن يبُطَّ بطنَ رجلٍ أجوى البطن»، فالجوى يقال على معانٍ، منها: الماء المنتن الذي يكون في البطن يحدُث عنه الاستسقاء. وقد اختلف الأطبَّاء في بَزْلِه لخروج هذه المادَّة، فمنعته طائفةٌ منهم لخطره وبعد السَّلامة معه، وجوَّزته طائفةٌ أخرى وقالت: لا علاج له سواه.

стр. 2418

وهذا عندهم إنَّما هو في الاستسقاء الزِّقِّيِّ، فإنَّه كما تقدَّم ثلاثة أنواعٍ: طَبْليٌّ، وهو الذي ينتفخ معه البطن بمادَّةٍ ريحيَّةٍ، إذا ضربتَ عليه سُمِع له صوتٌ كصوت الطَّبل. ولحميٌّ، وهو الذي يربو معه لحمُ جميع البدن بمادَّةٍ بلغميَّةٍ تفشو مع الدَّم في الأعضاء، وهو أصعب من الأوَّل. وزِقِّيٌّ وهو الذي يجتمع معه في البطن الأسفل مادَّةٌ رديَّةٌ يُسمع لها عند الحركة خضخضةٌ كخضخضة الماء في الزِّقِّ. وهو أردى (١) أنواعه عند الأكثرين من الأطبَّاء. وقالت طائفةٌ: أردى أنواعه اللَّحميُّ لعموم الآفة به. ومن جملة علاج الزِّقِّيِّ: إخراج ذلك بالبَزْل، ويكون ذلك بمنزلة فصد العروق لإخراج الدَّم الفاسد، لكنَّه خَطِرٌ كما تقدَّم. وإن ثبت هذا الحديث فهو دليلٌ على جواز بَزْله (٢). والله أعلم (٣). فصل في هديه ﷺ في علاج المرضى بتطييب نفوسهم وتقوية قلوبهم روى ابن ماجه في «سننه» (٤) من حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ قال: قال

стр. 2419

رسول الله ﷺ : «إذا دخلتم على المريض فنفِّسوا له في الأجل، فإنَّ ذلك لا يردُّ شيئًا، وهو يُطيِّب نفس المريض». في هذا الحديث نوعٌ شريفٌ جدًّا من أشرف أنواع العلاج، وهو الإرشاد إلى ما يطيِّب نفس العليل من الكلام الذي تقوى به الطَّبيعة، وتنتعش به القوَّة، وينبعث به الحارُّ الغريزيُّ، فيتساعد على دفع العلَّة أو تخفيفها الذي هو غاية تأثير الطَّبيب (١). ولفرحِ (٢) نفسِ المريض وتطييبِ قلبه وإدخالِ ما يسرُّه عليه تأثيرٌ عجيبٌ في شفاء علَّته وخفَّتها، فإنَّ الأرواح والقوى تقوى بذلك، فتساعد الطَّبيعة على دفع المؤذي. وقد شاهد النَّاس كثيرًا من المرضى تنتعش قواهم بعيادة من يحبُّونه ويعظِّمونه، ورؤيتِهم لهم، ولطفِهم بهم، ومكالمتِهم إيَّاهم. وهذا أحد فوائد عيادة المرضى الَّتي تتعلَّق بهم، فإنَّ فيها أربعة أنواعٍ من الفوائد: نوعٌ يرجع إلى المريض، ونوعٌ يعود على العائد، ونوعٌ يعود على

стр. 2420

أهل المريض، ونوعٌ يعود على العامَّة. وقد تقدَّم في هديه ﷺ أنَّه كان يسأل المريض عن شكواه وكيف يجده، ويسأله عمَّا يشتهيه، ويضع يده على جبهته ــ وربَّما وضعها بين ثدييه ــ ويدعو له، ويصف له ما ينفعه في علَّته. وربَّما توضَّأ وصبَّ على المريض من وضوئه. وربَّما كان يقول للمريض: «لا بأس عليك (١)، طهورٌ إن شاء اللَّه». وهذا من كمال اللُّطف وحسن العلاج والتَّدبير. فصل في هديه ﷺ في علاج الأبدان بما اعتادته من الأدوية والأغذية دون ما لم تعتده هذا أصلٌ عظيمٌ من أصول العلاج وأنفع شيءٍ فيه، وإذا أخطأه الطَّبيب ضرَّ المريضَ من حيث يظنُّ أنَّه ينفعه. ولا يعدل عنه إلى ما يجده من الأدوية في كتب الأطبَّاء (٢) إلا طبيبٌ جاهلٌ، فإنَّ ملاءمة الأدوية والأغذية للأبدان بحسب استعدادها وقبولها. وهؤلاء أهل البوادي والأكَّارون وغيرهم لا ينجع فيهم شرابُ النَّيلَوفَر (٣) والورد الطَّريِّ ولا المغالي (٤) ولا يؤثِّر في طباعهم شيئًا، بل عامَّة أدوية أهل الحضر وأهل الرَّفاهة لا تجدي عليهم، والتَّجربة شاهدةٌ بذلك.
следующие страницы →