← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

وذكر البيهقي (١) من حديث عائشة ترفعه (٢): «أكرموا الخبز، ومن كرامته أن لا ينتظر به الأُدُم». والموقوف أشبه، فلا يثبت رفعُه ولا رفعُ ما قبله. وأمَّا حديث النَّهي عن قطع الخبز بالسِّكِّين، فباطلٌ لا أصل له عن رسول الله ﷺ (٣). وإنَّما المرويُّ: النَّهي عن قطع اللَّحم بالسِّكِّين، ولا يصحُّ أيضًا. قال مهنَّا (٤): سألت أحمد عن حديث أبي معشر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة عن النَّبيِّ ﷺ : «لا تقطعوا اللَّحم بالسِّكِّين، فإنَّ ذلك فعلُ الأعاجم» (٥). فقال: ليس بصحيحٍ، ولا يُعرَف هذا. وحديث عمرو بن أميَّة

стр. 2697

خلاف هذا، وحديث المغيرة. يعني بحديث عمرو بن أميَّة: «كان النَّبيُّ ﷺ يحتزُّ من لحم شاةٍ»، وبحديث المغيرة أنَّه لمَّا ضافه أمَر بجنبٍ، فشُوي، ثمَّ أخذ الشَّفرةَ، فجعل يحُزُّ (١). فصل (٢) وأحمد أنواع الخبز: أجودها اختمارًا وعجنًا. ثمَّ خبزُ التَّنُّور أجود أصنافه، وبعده خبز الفُرْن، ثمَّ خبزُ المَلَّة في المرتبة الثَّالثة. وأجوده ما اتُّخذ من الحنطة الحديثة. وأكثر أنواعه تغذيةً خبز السَّميذ، وهو أبطؤها هضمًا لقلَّة نخالته. ويتلوه خبز الحُوَّارى، ثمَّ الخُشْكار (٣). وأحمد أوقات أكله: في آخر اليوم الذي خُبِزَ فيه. واللَّيِّنُ منه أكثرُ تليينًا وغذاءً وترطيبًا، وأسرعُ انحدارًا. واليابس بخلافه. ومزاج الخبز من البرِّ حارٌّ في وسط الدَّرجة الثَّانية، وقريبٌ من الاعتدال

стр. 2698

في الرُّطوبة واليبوسة. واليبسُ يغلب على ما جفَّفته النَّار منه، والرُّطوبةُ على ضدِّه (١). وفي خبز الحنطة خاصِّيَّةٌ، وهي (٢) أنَّه يسمِّن سريعًا. وخبزُ القطائف يولِّد خل طًا غليظًا. والفتيتُ نفَّاخٌ بطيء الهضم. والمعمولُ باللَّبن مسدِّدٌ، كثير الغذاء، بطيء الانحدار. وخبز الشَّعير باردٌ يابسٌ في الأولى. وهو أقلُّ غذاءً من خبز الحنطة. خَلّ (٣): روى مسلم في «صحيحه» (٤): عن جابر بن عبد الله أنَّ رسول الله ﷺ سأل أهله الأُدُمَ، فقالوا: ما عندنا إلا خلٌّ. فدعا به، فجعل يأكل، ويقول: «نعم الإدامُ الخلُّ! نعم الإدامُ الخلُّ!». وفي «سنن ابن ماجه» (٥) عن أم سعد عن النَّبيِّ ﷺ : «نعم الإدام الخلُّ! اللَّهمَّ بارِك في الخلِّ (٦). ولم يُقْفِرْ (٧) بيتٌ فيه الخلُّ».

стр. 2699

الخلُّ مركَّبٌ من الحرارة والبرودة، وهي (١) أغلب عليه. وهو يابسٌ في الثَّالثة، قويُّ التَّجفيف، يمنع من انصباب الموادِّ ويلطِّف (٢). وخلُّ الخمر ينفع المعدة الملتهبة، ويقمع الصَّفراء، ويدفع ضرر الأدوية القتَّالة، ويحلِّل اللَّبن والدَّم إذا جمد في الجوف، وينفع الطِّحال، ويدبغ المعدة، ويعقل الطبيعة، ويقطع العطش، ويمنع الورم حيث يريد أن يحدُث، ويعين على الهضم، ويضادُّ البلغم، ويلطِّف الأغذية الغليظة، ويُرِقُّ الدَّم. وإذا شُرب بالملح نفَع من أكل الفُطْر القتَّال. وإذا حُسِيَ قلَع العَلَق (٣) المتعلِّق بأصل الحنك. وإذا تُمُضْمِض به مسخَّنًا نفعَ من وجع الأسنان، وقوَّى اللِّثة. وهو نافعٌ للدَّاحس (٤) إذا طُلي به، والنَّملة، والأورام الحارَّة، وحرق النَّار. وهو مشهٍّ للأكل، مطيِّبُ الأطعمة (٥)، صالحٌ للشُّبَّان (٦) وفي الصَّيف ولسكَّان البلاد الحارَّة.

стр. 2700

خِلال: فيه حديثان لا يثبتان. أحدهما: يروى من حديث أبي أيُّوب الأنصاريِّ يرفعه: «يا حبَّذا المتخلِّلون من الطَّعام! إنَّه ليس شيءٌ أشدَّ على الملَك من بقيَّةٍ تبقى في الفم من الطَّعام» (١). وفيه واصل بن السائب، قال: البخاريُّ والرازي: منكر الحديث (٢). وقال النَّسائيُّ والأزدي: متروك الحديث (٣). الثَّاني: يروى من حديث ابن عبَّاسٍ. قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن شيخٍ روى عنه صالح الوُحَاظي يقال له: محمد بن عبد الملك الأنصاري، حدَّثنا عطاء، عن ابن عبَّاسٍ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يتخلَّل باللِّيط (٤) والآس (٥)، وقال: «إنَّهما يسقيان عروقَ الجُذام» (٦). فقال أبي: رأيت محمَّد بن

стр. 2701

عبد الملك ــ وكان أعمى ــ يضع الحديث ويكذب (١). وبعد، فالخلال نافعٌ للِّثة والأسنان، حافظٌ لصحَّتها، نافعٌ من تغيُّر النَّكهة. وأجوده ما اتُّخذ من عيدان الأخِلَّة وخشب الزَّيتون والخِلاف (٢). والتَّخلُّلُ بالقصَب والآس والرَّيحان والباذَرُوج (٣) مضرٌّ (٤). حرف الدَّال دُهْن (٥): روى الترمذي في كتاب «الشَّمائل» (٦) من حديث أنس بن مالكٍ قال: كان رسول الله ﷺ يُكثِر دهنَ رأسه وتسريحَ لحيته، ويُكثر القناع، كأنَّ ثوبه ثوب زيَّاتٍ. الدُّهن يسدُّ مسامَّ البدن، ويمنع ما يتحلَّل منه. وإذا استعمل بعد الاغتسال بالماء الحارِّ حسَّن البدن ورطَّبه. وإن دُهِن به الشَّعر حسَّنه وطوَّله،

стр. 2702

ونفع من الحصَّة (١)، ودفعَ أكثر الآفات عنه. وفي «الترمذي» (٢) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «كلُوا الزَّيت، وادَّهِنوا به». وسيأتي إن شاء الله. والدُّهن في البلاد الحارَّة كالحجاز ونحوه من آكد أسباب حفظ الصِّحَّة وإصلاح البدن، وهو كالضَّروريِّ لهم. وأمَّا البلاد الباردة فلا يحتاج إليه أهلها. والإلحاحُ به في الرَّأس فيه خطرٌ بالبصر. وأنفع الأدهان البسيطة: الزَّيت، ثمَّ السَّمْن، ثمَّ الشَّيرج. وأمَّا (٣) المركَّبة، فمنها باردٌ رطبٌ، كدهن البنَفْسَج. ينفع من الصُّداع الحارِّ، وينوِّم أصحاب السَّهر، ويرطِّب الدِّماغ، وينفع من الشُّقاق وغلبة اليبس والجفاف. ويطلى به الجربُ والحكَّة اليابسة، فينفعها. ويسهِّل حركة المفاصل، ويصلُح لأصحاب الأمزجة الحارَّة في زمن الصَّيف. وفيه حديثان باطلان موضوعان على رسول الله ﷺ أحدهما: «فضلُ دهن البنفسَج على سائر الأدهان كفضلي على سائر النَّاس» (٤). والثَّاني:

стр. 2703

«فضلُ دهن البنفسج على سائر الأدهان كفضل الإسلام على سائر الأديان» (١). ومنها: حارٌّ رطبٌ، كدهن البان. وليس دهن زهره (٢)، بل دهنٌ يستخرج من حبٍّ أبيض أغبر نحو الفستق، كثير الدُّهنيَّة والدَّسَم، ينفع من صلابة العصَب ويليِّنه. وينفع من البرَش والنَّمَش (٣) والكلَف والبهَق. ويسهِّل بلغمًا غليظًا، ويليِّن الأوتار اليابسة، ويسخِّن العصَب. وقد روي فيه حديثٌ باطلٌ مختلقٌ لا أصل له: «ادَّهنوا بالبان، فإنَّه أحظى لكم عند نسائكم» (٤).

стр. 2704

ومن منافعه: أنَّه يجلو الأسنان، ويكسبها بهجةً، ويقيها (١) من الصَّدأ. ومن مسح به وجهه وأطرافه لم يصبه حصًى ولا شُقاقٌ. وإذا دهَن به حِقْوَه ومذاكيره وما والاها نفَع من برد الكُليتين وتقطير البول. حرف الذَّال ذَريرة: ثبت في «الصَّحيحين» (٢): عن عائشة قالت: طيَّبت رسول الله بيديَّ بذريرةٍ في حجَّة الوداع لحلِّه وإحرامه. تقدَّم الكلام في الذَّريرة ومنافعها وماهيَّتها، فلا حاجة لإعادته (٣). ذُباب: تقدَّم حديث أبي هريرة المتَّفق عليه في أمره ﷺ بغمس الذُّباب في الطَّعام إذا سقط فيه، لأجل الشِّفاء الذي في جناحه. وهو كالتِّرياق للسَّمِّ الذي في الجناح الآخر. وذكرنا منافع الذُّباب هناك (٤). ذهب (٥): روى أبو داود والتِّرمذيُّ (٦) أنَّ النَّبيَّ ﷺ رخَّص لعَرْفَجة بن أسعد لمَّا قُطِع أنفُه يوم الكُلَاب، واتَّخذ أنفًا من وَرِقٍ فأنتَن عليه، فأمره أن

стр. 2705

يتَّخذ أنفًا من ذهبٍ. وليس لعرفجة عندهم غير هذا الحديث الواحد. الذَّهب زينة الدُّنيا، وطلَّسم الوجود، ومفرِّح النُّفوس، ومقوِّي الظُّهور، وسرُّ الله في أرضه. مزاجه (١) في سائر الكيفيَّات. وفيه حرارة لطيفة. يدخل (٢) في سائر المعجونات اللَّطيفة والمفرِّحات. وهو أعدل المعدنيَّات على الإطلاق وأشرفها. ومن خواصَّه: أنَّه إذا دُفِن في الأرض لم يضرَّه التُّراب ولم ينقصه شيئًا. وبُرادته إذا خُلِطت بالأدوية نفعَت من ضعف القلب والرَّجَفان والخفَقان (٣) العارض من السَّوداء. وينفع من حديث النَّفس، والحزن والغمِّ، والفزع، والعشق. ويسمِّن البدن ويقوِّيه، ويُذهب الصُّفار، ويحسِّن اللَّون، وينفع من الجذام وجميع الأوجاع والأمراض السَّوداويَّة. وتدخل نُحاتَتُه (٤) في أدوية داء الثَّعلب وداء الحيَّة (٥) شربًا وطلاءً. ويجلو العين، ويقوِّيها، وينفع من كثيرٍ من أمراضها. ويقوِّي جميع الأعضاء. وإمساكه في الفم يزيل البَخَر.

стр. 2706

ومن كان به مرضٌ (١) يحتاج إلى الكيِّ وكُوِي به لم يتنفَّط موضعُه ويبرأ سريعًا. وإن اتُّخذ منه مِيلٌ واكتُحِل به قوَّى العين وجلاها. وإذا اتُّخذ منه خاتمٌ فصُّه منه وأُحمِيَ وكُوي به قوادمُ أجنحة الحمام ألفِت أبراجَها ولم تنتقل عنها. وله خاصِّيَّةٌ عجيبةٌ في تقوية النُّفوس، لأجلها أبيح في الحرب والسِّلاح منه ما أبيح (٢). وقد روى الترمذي (٣) من حديث مَزِيدة العَصَري (٤) قال: دخل رسول الله يوم الفتح، وعلى سيفه ذهبٌ وفضَّةٌ. وهو معشوق النُّفوس الَّتي متى ظفرت به سلَّاها عن غيره من محبوبات الدُّنيا. قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤].

стр. 2707

وفي «الصَّحيحين» (١): عن النَّبيِّ ﷺ : «لو كان لابن آدم وادٍ من ذهبٍ لابتغى إليه ثانيًا. ولو كان له ثانٍ لابتغى إليه ثالثًا. ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التُّراب. ويتوب الله على من تاب». هذا وإنَّه أعظم حائلٍ بين الخليقة وبين فوزها الأكبر يوم معادها، وأعظمُ شيءٍ عُصي الله به. وبه قُطعت الأرحام، وأريقت الدِّماء، واستُحِلَّت المحارم، ومُنِعت الحقوق، وتظالَمَ العباد. وهو المرغِّب في الدُّنيا وعاجلها، والمزهِّد في الآخرة وما أعدَّ الله لأوليائه فيها. فكم أميت به من حقٍّ، وأحيي به من باطلٍ، ونُصِر به ظالمٌ، وقُهِر به مظلومٌ! وما أحسن ما قال فيه أبو القاسم (٢) الحريري: تبًّا له من خادعٍ مماذقِ ... أصفرَ ذي وجهين كالمنافقِ يبدو بوصفين لِعَين الرَّامقِ ... زينة معشوقٍ ولون عاشقِ وحبُّه عند ذوي الحقائقِ ... يدعو إلى ارتكاب سُخْط الخالقِ لولاه لم تُقطَع يمينُ سارقِ ... ولا بدت مظلمةٌ من فاسق ولا اشمأزَّ باخلٌ من طارقِ ... ولا شكا الممطولُ مطلَ العائق ولا استعيذ من حَسودٍ مائقِ (٣) ... وشرُّ ما فيه من الخلائقِ

стр. 2708

أن ليس يغني عنك في المضايقِ ... إلا إذا فرَّ فرار الآبقِ (١) حرف الرَّاء رُطَب: قال تعالى لمريم: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم: ٢٥ - ٢٦]. وفي «الصَّحيحين» (٢) عن عبد الله بن جعفر قال: رأيت رسول الله ﷺ يأكل القثَّاء بالرُّطَب. وفي «سنن أبي داود» (٣) عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يفطر على رُطَباتٍ قبل أن يصلِّي. فإن لم تكن رطباتٌ فتمرات. فإن لم تكن تمراتٌ حسا حَسَواتٍ من ماءٍ. طبع الرُّطب طبع الحياة (٤)، حارٌّ رطبٌ، يقوِّي المعدة الباردة ويوافقها، ويزيد في الباه، ويُخْصِب البدن، ويوافق أصحاب الأمزجة الباردة، ويغذو

стр. 2709

غذاءً كثيرًا (١). وهو من أعظم الفاكهة موافقةً لأهل المدينة وغيرها من البلاد الَّتي هو فاكهتهم فيها، وأنفعها للبدن؛ وإن كان من لم يعتَدْه يُسرع التَّعفُّنُ في جسده ويتولَّد عنه دمٌ ليس بمحمودٍ. ويحدث عن إكثاره منه صداعٌ وسوداء، ويؤذي أسنانه. وإصلاحُه بالسِّكَنْجَبين (٢) ونحوه (٣). وفي فطر النَّبيِّ ﷺ من الصَّوم عليه أو على التَّمر أو الماء تدبيرٌ لطيفٌ جدًّا. فإنَّ الصَّوم يخلِّي المعدة من الغذاء، فلا تجد الكبدُ فيها ما تجتذبه وتُرسله إلى القوى والأعضاء، فتضعُف (٤). والحلوُ أسرع شيءٍ وصولًا إلى الكبد وأحبُّه إليها، ولا سيَّما إن كان رطبًا، فيشتدُّ قبولُها له، فتنتفع به هي والقوى. فإن لم يكن فالتَّمر لحلاوته وتغذيته. فإن لم يكن فحَسَواتُ الماء تطفئ لهيب المعدة وحرارة الصَّوم، فتتنبَّه (٥) بعده للطَّعام، وتأخذه بشهوةٍ. ريحان (٦): قال تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ [الواقعة: ٨٨ - ٨٩]. وقال: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾ [الرحمن: ١٢].

стр. 2710

وفي «صحيح مسلم» (١) عن النَّبيِّ ﷺ : «من عُرض عليه ريحانٌ فلا يردُّه، فإنَّه خفيف المَحْمِل طيِّب الرَّائحة». وفي «سنن ابن ماجه» (٢): من حديث أسامة عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «ألا مشمِّرٌ للجنَّة! فإنَّ الجنَّة لا خطر لها. هي وربِّ الكعبة نورٌ يتلألأ، وريحانةٌ تهتزُّ، وقصرٌ مشيدٌ، ونهرٌ مطَّردٌ، وثمرةٌ نضيجةٌ، وزوجةٌ حسناء جميلةٌ، وحُلَلٌ كثيرةٌ، ومقامٌ في أبد، في دارٍ سليمةٍ وفاكهة وخُضرة، وحَبْرة ونعمة، في محلَّة عالية (٣) بهيَّة». قالوا: نعم يا رسول اللَّه، نحن المشمِّرون لها. قال: «قولوا: إن شاء الله». فقال القوم: إن شاء اللَّه. الرَّيحان كلُّ نبتٍ طيِّب الرِّيح، فكلُّ أهل بلدٍ يخصُّونه بشيءٍ من ذلك.

стр. 2711

فأهل الغرب يخصُّونه بالآس، وهو الذي يعرفه العرب من الرَّيحان. وأهل العراق والشَّام يخصُّونه بالحَبَق (١). فأمَّا الآس، فمزاجه باردٌ في الأولى، يابسٌ في الثَّانية. وهو مع ذلك مركَّبٌ من قوًى متضادَّةٍ، والأكثر فيه الجوهر الأرضيُّ البارد. وفيه شيءٌ حارٌّ لطيفٌ. وهو يجفِّف تجفيفًا قويًّا، وأجزاؤه متقاربة القوَّة، وهي قوَّةٌ قابضةٌ حابسةٌ من داخلٍ وخارجٍ معًا. وهو قاطعٌ للإسهال الصَّفراويِّ، دافعٌ للبخار الحارِّ الرَّطب إذا شُمَّ، مفرِّحٌ للقلب تفريحًا شديدًا. وشمُّه مانعٌ للوباء (٢)، وكذلك افتراشه في البيت. ويبرئ الأورام الحادثة في الحالبين إذا وضع عليها. وإذا دقَّ ورقُه وهو غضٌّ، وضُرِب بالخلِّ، ووُضِع على الرَّأس= قطَع الرُّعافَ. وإذا سُحِق ورقه اليابس، وذُرَّ على القروح ذوات الرُّطوبة= نفعَها. ويقوِّي الأعضاء الواهنة (٣) إذا ضمِّد به. وينفع الدَّاحس (٤). وإذا ذرَّ على البثور والقروح الَّتي تكون في اليدين والرِّجلين نفَعها. وإذا دلِّك به البدن قطَع العرَق، ونشَّف الرُّطوبات الفضليَّة، وأذهب نتن الآباط. وإذا جُلِس في طبيخه نفَع من خروج (٥) المَقْعَدة والرَّحم، ومن

стр. 2712

استرخاء المفاصل. وإذا صُبَّ على كسور العظام الَّتي لم تُلْحَم نفَعها. ويجلو قشور الرَّأس وقروحَه الرَّطبة وبثورَه. ويمسك الشَّعر المتساقط، ويسوِّده. وإذا دقَّ ورقُه، وصُبَّ عليه ماءٌ يسيرٌ، وخُلِط به شيءٌ من زيتٍ (١) أو دهن الورد، وضُمِّد به= نفَعَ (٢) القروح الرَّطبة، والنَّملة (٣)، والحُمْرةَ (٤)، والأورامَ الحارَّة (٥)، والشَّرى (٦)، والبواسير. وحبُّه نافعٌ من نفث الدَّم العارض في الصَّدر والرِّئة، دابغٌ للمعدة. وليس بضارٍّ للصَّدر ولا الرِّئة لحلاوته. وخاصَّتُه (٧) النَّفع من استطلاق البطن مع

стр. 2713

السُّعال، وذلك نادرٌ في الأدوية. وهو مُدرٌّ للبول، نافعٌ من لذع المثانة، وعضِّ الرُّتيلاء (١)، ولسع العقرب. والتَّخلُّلُ بعِرْقه مضرٌّ، فليحذر. وأمَّا الرَّيحان الفارسيُّ الذي يسمَّى «الحبَق»، فحارٌّ في أحد القولين. ينفع شمُّه من الصُّداع الحارِّ إذا رُشَّ عليه الماء. ويبرِّد ويرطِّب بالعرض. وباردٌ في الآخر. وهل هو رطبٌ أو يابسٌ؟ على قولين (٢). والصَّحيح (٣): أنَّ فيه من الطَّبائع الأربع. ويجلب النَّوم. وبزرُه حابسٌ للإسهال الصَّفراويِّ، مسكِّنٌ للمَغْس (٤)، مقوٍّ للقلب، نافعٌ للأمراض السَّوداويَّة. رُمَّان (٥): قال تعالى: ﴿(٦٧) فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]. ويذكر عن ابن عبَّاسٍ موقوفًا ومرفوعًا (٦): «ما من رمَّانٍ من رمَّانكم هذا إلا وهو

стр. 2714

ملقَّحٌ بحبَّةٍ من رمَّان الجنَّة»، والموقوف أشبه (١). وذكر حرب (٢) وغيره عن علي أنَّه قال: كلوا الرُّمَّان بشحمه، فإنَّه دِباغُ المعدة. حلو الرُّمَّان حارٌّ رطبٌ. جيِّدٌ للمعدة، مقوٍّ لها بما فيه من قبضٍ لطيفٍ، نافعٌ للحلق والصَّدر والرِّئة، جيِّدٌ للسُّعال. وماؤه مليِّنٌ للبطن، يغذو البدن غذاءً فاضلًا يسيرًا، سريعُ التَّحلُّل لرقَّته ولطافته. ويولِّد حرارةً يسيرةً في المعدة وريحًا؛ ولذلك يعين على الباه، ولا يصلح للمحمومين. وله خاصِّيَّةٌ عجيبةٌ إذا أُكِل بالخبز يمنعه من الفساد في المعدة. وحامضه باردٌ يابسٌ قابضٌ لطيفٌ. ينفع المعدة الملتهبة، ويُدِرُّ البول أكثر من غيره من الرُّمَّان، ويسكِّن الصَّفراء، ويقطع الإسهال، ويمنع القيء، ويلطِّف الفضول، ويطفئ حرارة الكبد، ويقوِّي الأعضاء، نافعٌ من الخفقان الصَّفراويِّ والآلام العارضة للقلب وفم المعدة، ويقوِّي المعدة ويدفع الفضول عنها، ويطفئ ثائرة (٣) الصَّفراء والدَّم. وإذا استُخْرج ماؤه بشحمه، وطُبِخ بيسيرٍ من العسل حتَّى يصير كالمرهم واكتُحِل به= قطَع الظُّفْرةَ (٤) من العين، ونقَّاها من الرُّطوبات الغليظة. وإذا

стр. 2715

لطِّخ على اللِّثة نفَع من الآكِلَة العارضة لها. وإن استُخْرج ماؤهما بشحمهما أطلَقَ البطنَ، وأحدَرَ الرُّطوبات العَفِنة المِرِّيَّة، ونفع من حُمَّيات الغِبِّ المتطاولة. وأمَّا الرُّمَّان المُزُّ، فمتوسِّطٌ طبعًا وفعلًا بين النَّوعين. وهذا أميل إلى لطافة الحامض قليلًا. وحبُّ الرُّمَّان مع العسل طلاءٌ للدَّاحس (١) والقروح الخبيثة، وأقماعُه (٢) للجراحات. قالوا: ومن ابتلع ثلاثةً من جُنْبُذ (٣) الرُّمَّان في كلِّ سنةٍ أمن الرَّمدَ سنته كلَّها. حرف الزَّاي زيت (٤): قال تعالى: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور: ٣٥].

стр. 2716

وفي الترمذي وابن ماجه (١) من حديث أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «كلوا الزَّيت وادَّهنوا به، فإنَّه من شجرةٍ مباركةٍ». وللبيهقيِّ وابن ماجه (٢) أيضًا عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 2717

«ائتدِموا بالزَّيت وادَّهِنوا به، فإنَّه من شجرةٍ مباركةٍ». الزَّيت حارٌّ رطبٌ في الأولى. وغلِط من قال: يابس (١). والزَّيت بحسب زيتونه: فالمعتصَر من النَّضيج أعدله وأجوده، ومن الفِجِّ فيه برودةٌ ويبوسةٌ (٢)، ومن الزَّيتون الأحمر متوسِّطٌ بين الزَّيتين. ومن الأسود (٣) يسخِّن ويرطِّب باعتدالٍ، وينفع من السُّموم، ويُطلق البطن، ويُخرج الدُّود. والعتيق منه أشدُّ إسخانًا وتحليلًا. وما اسْتُخرج منه بالماء فهو أقلُّ حرارةً وألطَفُ وأبلغ في النَّفع. وجميعُ أصنافه مليِّنةٌ للبشرة، وتبطِّئ الشَّيبَ (٤). وماء الزَّيتون المالح يمنع من تنفُّط حرق النَّار، ويشدُّ اللِّثة. وورقُه ينفع من الحمرة، والنَّملة، والقروح الوسخة، والشَّرى (٥)؛ ويمنع العرق، وينفع من الدَّاحس (٦).

стр. 2718

ومنافعه أضعاف ما ذكرنا. زُبْد (١): روى أبو داود في «سننه» (٢) عن ابني بُسْر السُّلَميَّين (٣) قالا: دخل علينا رسول الله ﷺ ، فقدَّمنا (٤) زبدًا وتمرًا، وكان يحبُّ الزُّبد والتَّمر. الزُّبد حارٌّ رطبٌ. فيه منافع كثيرة، منها الإنضاج والتَّحليل، ويبرئ الأورام الَّتي تكون إلى جانب الأذنين والحالبين، وأورامَ الفم، وسائرَ الأورام الَّتي تعرض في أبدان النِّساء والصِّبيان، إذا استُعمِلَ وحده. وإذا لُعِق منه نفَع في نفث الدَّم الذي يكون من الرِّئة، وأنضج الأورام العارضة فيها. وهو مليِّنٌ للطَّبيعة والعصَب، والأورام الصُّلبة العارضة من المرَّة السَّوداء والبلغم؛ نافعٌ من اليبس العارض في البدن. وإذا طلي على منابت أسنان الطِّفل كان معينًا على نباتها وطلوعها. وهو نافعٌ من السُّعال العارض من البرد واليبس. ويُذهب القوابي (٥) والخشونة الَّتي في البدن، ويليِّن الطَّبيعة، ولكنَّه يُسْقِط (٦) شهوة الطَّعام.

стр. 2719

ويذهب بوخامته الحلوُ كالعسل والتَّمر. وفي جمعه ﷺ بين التَّمر وبينه من الحكمة إصلاحُ كلٍّ منهما بالآخر. زبيب (١): روي فيه حديثان لا يصحَّان. أحدهما: «نعم الطَّعام الزَّبيب! يطيِّب النَّكهة، ويذيب البلغم» (٢). والثَّاني: «نعم الطَّعام الزَّبيب! يُذْهِب النَّصَبَ، ويشدُّ العصَبَ، ويطفئ الغضب (٣)، ويصفِّي اللَّون، ويطيِّب النَّكهة» (٤). وهذا النَّمَط (٥) لا يصحُّ فيه شيءٌ عن النبي ﷺ . وبعد، فأجود الزَّبيب: ما كبُر جسمُه، وسمِن لحمه وشحمه، ورقَّ (٦) قشره، ونزع عجمه، وصغر حبُّه.

стр. 2720

وجِرْمُ الزَّبيب حارٌّ رطبٌ في الأولى، وحبُّه باردٌ يابسٌ. وهو كالعنب المتَّخذ منه: الحلو منه حارٌّ، والحامض والقابض (١) باردٌ، والأبيض أشدُّ قبضًا من غيره. وإذا أُكِل لحمُه وافق قصبةَ الرِّئة، ونفَع من السُّعال ووجع الكلى والمثانة، ويقوِّي المعدة، ويليِّن البطن. والحلو اللَّحِم أكثر غذاءً من العنب، وأقلُّ غذاءً (٢) من التِّين اليابس، وله قوَّةٌ منضجةٌ هاضمةٌ قابضةٌ محلِّلةٌ باعتدالٍ. وهو بالجملة يقوِّي المعدة والكبد والطِّحال، نافعٌ من وجع الحلق والصَّدر والرِّئة والكلى والمثانة. وأعدله (٣) أن يؤكل بغير حبِّه (٤). وهو يغذو غذاءً صالحًا، ولا يسدِّد كما يفعل التَّمر. وما أُكِل منه بعجَمه كان أكثر نفعًا للمعدة والكبد والطِّحال. وإذا لُصِق لحمه على الأظافير المتحرِّكة أسرع قلعَها. والحلو منه وما لا عجَم له نافعٌ لأصحاب الرُّطوبات والبلغم، وهو يُخصِب الكبد وينفعها بخاصِّيَّةٍ فيه. وفيه نفعٌ (٥) للحفظ. قال الزُّهريُّ: من أحبَّ أن يحفظ الحديث فليأكل

стр. 2721

الزَّبيب (١). وكان المنصور يذكر عن جدِّه عبد الله بن عبَّاسٍ: عجَمُه داء وشحمُه (٢) دواء (٣). زنجبيل (٤): قال تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾ [الإنسان: ١٧]. وذكر أبو نعيم في كتاب «الطِّبِّ النَّبويِّ» (٥) من حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ قال: أهدى ملك الرُّوم إلى رسول الله ﷺ جرَّةَ زنجبيلٍ، فأطعَم كلَّ إنسانٍ قطعةً، وأطعمني قطعةً. الزَّنجبيل حارٌّ في الثالثة (٦)، رطبٌ في الأولى. مسخنٌ معينٌ على هضم

стр. 2722

الطَّعام، مليِّنٌ للبطن تليينًا معتدلًا، نافعٌ من سدد الكبد العارضة عن البرد والرُّطوبة، ومن ظلمة البصر الحادثة عن الرُّطوبة أكلًا واكتحالًا، معينٌ على الجماع، وهو محلِّلٌ للرِّياح الغليظة الحادثة في الأمعاء والمعدة. وبالجملة فهو صالحٌ للكبد والمعدة الباردتَي (١) المزاج. وإذا أخذ منه مع السُّكَّر وزن درهمين بالماء الحارِّ أسهَلَ فضلًا لَزِجًا لعابيًّا (٢). ويقع (٣) في المعجونات الَّتي تحلِّل البلغم وتذيبه. والمربَّى (٤) منه حارٌّ يابسٌ. يهيِّج الجماع، ويزيد في المنيِّ، ويُسخن المعدة والكبد، ويعين على الاستمراء، وينشِّف البلغم الغالب على البدن، ويزيد في الحفظ، ويوافق برد الكبد والمعدة، ويزيل بلَّتها الحادثة عن أكل الفاكهة، ويطيِّب النَّكهة، ويدفع به ضرر الأطعمة الغليظة الباردة. حرف السِّين سنا: قد تقدَّم.

стр. 2723

سنُّوتٌ: تقدَّم (١) أيضًا. وفيه سبعة أقوالٍ: أحدها: أنَّه العسل. الثَّاني: أنَّه رُبُّ عُكَّة السَّمْن يخرج خُطَطًا سوداء على السَّمن. الثَّالث: أنَّه حبٌّ يشبه الكمُّون، وليس بكمُّونٍ. الرَّابع: أنَّه الكمُّون (٢) الكَرْمانيُّ. الخامس: أنَّه الشِّبِتُّ. السَّادس: أنَّه التَّمر. السَّابع: أنَّه الرَّازيانَج (٣). سَفَرْجَل (٤): روى ابن ماجه في «سننه» (٥): حدثنا (٦) إسماعيل بن محمد

стр. 2724

الطلحي، عن نُقَيب بن حاجب، عن أبي سعيد، عن عبد الملك الزبيري، عن طلحة بن عبيد الله قال: دخلت على النَّبيِّ ﷺ ، وبيده سفرجلة، فقال: «دونكها يا طلحة، فإنَّها تُجِمُّ الفؤاد». ورواه النَّسائيُّ (١) من طريقٍ آخر، وقال: أتيتُ النَّبيَّ ﷺ ، وهو في جماعةٍ من أصحابه، وبيده سفرجلةٌ يقلِّبها. فلمَّا جلستُ إليه دحا بها إليَّ، ثمَّ قال: «دونكها أبا ذرّ (٢)، فإنَّها تشدُّ القلب، وتطيِّب النَّفس، وتذهب بطَخَاء الصَّدر». وقد روي في السَّفرجل أحاديث أُخَر، هذا أمثلها، ولا يصحُّ (٣). والسَّفرجل باردٌ يابسٌ، ويختلف في ذلك باختلاف طعمه. وكلُّه باردٌ وقابضٌ، جيِّدٌ للمعدة. والحلو منه أقلُّ بردًا ويبسًا، وأميل إلى الاعتدال. والحامضُ أشدُّ قبضًا ويبسًا وبردًا. وكلُّه يسكِّن العطش والقيء، ويُدرُّ البول

стр. 2725

ويعقل الطَّبع، وينفع من قرحة الأمعاء ونفث الدَّم والهَيْضة (١)، وينفع من الغثيان، ويمنع من تصاعد الأبخرة إذا استُعمِل بعد الطَّعام. وحُراقة أغصانه وورقه المغسولة كالتُّوتياء في فعله (٢). وهو قبل الطَّعام يقبض، وبعده يليِّن الطَّبع ويسرع بإحدار الثُّفل. والإكثارُ منه مضرٌّ بالعصَب، مولِّدٌ للقولنج. ويطفئ المرَّة الصَّفراء المتولِّدة في المعدة. وإن شُوي كان أقلَّ لخشونته وأخفَّ. وإذا قُوِّر وسطُه، ونُزِع حبُّه، وجُعِل فيه العسل، وطيِّن جِرمُه بالعجين، وأودع الرَّمادَ الحارَّ= نفَع نفعًا حسنًا. وأجودُ ما أُكِلَ مشويًّا أو مطبوخًا بالعسل. وحبُّه ينفع من خشونة الحلق وقصبة الرِّئة وكثيرٍ من الأمراض. ودهنُه يمنع العرق، ويقوِّي المعدة. والمربَّى منه يقوِّي المعدة والكبد، ويشدُّ القلب، ويطيِّب النَّفس. ومعنى «يُجمُّ (٣) الفؤاد»: يريحه. وقيل: يفتِّحه ويوسِّعه، من جِمام الماء

стр. 2726

وهو اتِّساعه وكثرته. والطَّخاء للقلب مثلُ الغيم على السَّماء. قال أبو عبيد (١): الطَّخاء ثِقلٌ وغِشاء (٢). تقول: ما في السَّماء طَخاءٌ، أي: سحابٌ وظلمةٌ. سِواك (٣): في «الصَّحيحين» (٤) عنه ﷺ : «لولا أن أشقَّ على أمَّتي لأمرتُهم بالسِّواك عند كلِّ صلاةٍ». وفيهما (٥): أنَّه ﷺ كان إذا قام من اللَّيل يشُوص فاه بالسِّواك. وفي «صحيح البخاريِّ» (٦) تعليقًا عنه ﷺ : «السِّواك مَطْهَرةٌ للفم مَرْضَاةٌ للرَّبِّ».

стр. 2727

وفي «صحيحٍ مسلم» (١): أنَّه ﷺ كان إذا دخل بيته بدأ بالسِّواك. والأحاديث فيه كثيرةٌ. وصحَّ عنه (٢) أنَّه استاك عند موته (٣). وصحَّ عنه أنَّه قال: «أكثرتُ عليكم في السِّواك» (٤). أصلَحُ ما اتُّخِذَ السِّواك من خشب الأراك ونحوه. ولا ينبغي أن يؤخذ من شجرةٍ مجهولةٍ، فربَّما كانت سمًّا. وينبغي القصد في استعماله، فإن بالغ فيه فربَّما أذهب طُلاوةَ الأسنان وصِقالَها، وهيَّأها لقبول الأبخرة المتصاعدة من المعدة والأوساخ. ومتى استعُمِل باعتدالٍ جلا الأسنانَ وقوَّاها (٥)، وقوَّى العُمُور (٦)، وأطلق اللِّسان، ومنع الحفر (٧)، وطيَّب النَّكهة، ونقَّى الدِّماغ، وشهَّى الطَّعام. وأجودُ ما استُعمل مبلولًا بماء الورد. ومن أنفعه: أصول الجَوز. قال صاحب «التَّيسير» (٨): زعموا أنَّه إذا

стр. 2728

استاك به المستاكُ كلَّ خامسٍ من الأيَّام نقَّى الرَّأسَ، وصفَّى الحواسَّ، وأحدَّ الذِّهن. وفي السِّواك عدَّة منافع: يطيِّب الفم، ويشدُّ اللِّثة، ويقطع البلغم، ويجلو البصر، ويذهب بالحفر، ويُصِحُّ المعدة، ويصفِّي الصَّوت، ويعين على هضم الطَّعام، ويسهِّل مجاري الكلام، وينشِّط للقراءة والذِّكر والصَّلاة، ويطرد النَّوم، ويُرضي الرَّبَّ، ويعجب الملائكة، ويكثر الحسنات (١). ويستحبُّ في كلِّ وقتٍ. ويتأكَّد عند الصَّلاة، والوضوء، والانتباه من النَّوم، وتغيُّر رائحة الفم. ويستحبُّ للمفطر والصَّائم (٢) لعموم الأحاديث فيه، ولحاجة الصَّائم إليه، ولأنَّه مرضاةٌ للرَّبِّ، ومرضاته مطلوبةٌ في الصَّوم أشدَّ من طلبها في الفطر؛ ولأنَّه طَهورٌ للفم، والطُّهورُ للصَّائم من أفضل أعماله. وفي السُّنن (٣): عن عامر بن ربيعة قال: رأيت رسول الله ﷺ ما لا أحصي

стр. 2729

يستاك وهو صائمٌ. وقال البخاريُّ (١): قال ابن عمر: يستاك أوَّل النَّهار وآخره. وأجمع النَّاس على أنَّ الصَّائم يتمضمض وجوبًا واستحبابًا، والمضمضة أبلغ من السِّواك. وليس لله ورسوله (٢) غرضٌ في التَّقرُّب إليه بالرَّائحة الكريهة، ولا هي من جنس ما شُرِع التَّعبد به. وإنَّما ذُكِر طيبُ الخُلوف عند الله يوم القيامة حثًّا منه على الصَّوم، لا حثًّا على إبقاء الرَّائحة؛ بل الصَّائم أحوج إلى السِّواك من المفطر (٣). وأيضًا، فإنَّ رضوان الله أكبر من استطابته لخلوف فم الصَّائم. وأيضًا، فإنَّ محبَّته للسِّواك أعظم من محبَّته لبقاء الخلوف. وأيضًا، فإنَّ السِّواك لا يمنع طيب الخلوف الذي يزيله السِّواك عند الله يوم القيامة، بل يأتي الصَّائم يوم القيامة وخُلوف فمه أطيَبُ من المسك علامةً

стр. 2730

على صيامه، ولو أزاله بالسِّواك؛ كما أنَّ الجريح يأتي يوم القيامة ولونُ دم (١) جُرحه لونُ الدَّم، وريحُه ريحُ المسك، وهو مأمورٌ بإزالته في الدُّنيا. وأيضًا، فإنَّ الخلوف لا يزول بالسِّواك، فإنَّ سببه قائمٌ وهو خلوُّ المعدة عن الطَّعام. وإنَّما يزول أثره، وهو المنعقد على الأسنان واللِّثة. وأيضًا، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ علَّم أمَّته ما يستحَبُّ لهم في الصِّيام وما يُكرَه لهم. ولم يجعل السِّواك من القسم المكروه، وهو يعلم أنَّهم يفعلونه. وقد حضَّهم عليه بأبلغ ألفاظ العموم والشُّمول، وهم يشاهدونه يستاك صائمًا (٢) مرارًا كثيرةً تفوت الإحصاء، ويعلم أنَّهم يقتدون به، ولم يقل لهم يومًا من الدَّهر: لا تستاكوا بعد الزَّوال. وتأخيرُ البيان عن وقت الحاجة ممتنع. والله أعلم. سَمْن (٣): روى محمَّد بن جريرٍ الطَّبريُّ بإسناده من حديث صهيب يرفعه: «عليكم بألبان البقر، فإنَّها شفاءٌ، وسمنها دواءٌ، ولحومها داءٌ» (٤).

стр. 2731

رواه عن أحمد بن الحسن التِّرمذيِّ، ثنا محمد بن موسى النسائي، نا دفاع بن دغفل السدوسي، عن عبد الحميد بن صيفي بن صهيب، عن أبيه، عن جدِّه. ولا يثبت هذا (١) الإسناد. والسَّمن حارٌّ رطبٌ في الأولى. فيه جلاء يسير، ولطافة، وتفشية الأورام الحادثة في (٢) الأبدان النَّاعمة. وهو أقوى من الزُّبد في الإنضاج والتَّليين. وذكر جالينوس أنَّه أبرأ به الأورام الحادثة في الأذن وفي الأرنبة (٣). وإذا دُلِّك به موضعُ الأسنان نبتت سريعًا. وإذا خُلِط مع عسلٍ ولوزٍ مرٍّ جلا ما في الصَّدر والرِّئة والكَيمُوسات (٤) الغليظة اللَّزجة؛ إلا أنَّه ضارٌّ بالمعدة، سيَّما متى كان مزاج صاحبها بلغميًّا. وأمَّا سمن البقر والمعز، فإنَّه إذا شُرب مع العسل نفَع من شرب السَّمِّ القاتل، ومن لدغ الحيَّات والعقارب. وفي كتاب ابن السُّنِّيِّ (٥) عن عليِّ بن أبي طالبٍ قال: لم يستشف النَّاسُ بشيءٍ أفضل من السَّمن.

стр. 2732

سمك (١): روى الإمام أحمد وابن ماجه في «سننه» (٢) من حديث عبد الله بن عمر عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «أُحِلَّت لنا ميتتان ودمان: السَّمك والجراد، والكبد والطِّحال». أصناف السَّمك كثيرة. وأجوده: ما لذَّ طعمه، وطاب ريحه، وتوسَّط مقداره، وكان رقيق القشر، ولم يكُ (٣) صلب اللَّحم ولا يابسه. وكان في ماءٍ عذبٍ جارٍ على حصباء، ويغتذي بالنَّبات، لا الأقذار. وأصلَحُ أماكنه ما كان في نهرٍ جيِّد الماء. وكان يأوي الأماكنَ (٤) الصَّخريَّةَ، ثمَّ الرَّمليَّة؛ والمياهَ العذبة الجارية الَّتي لا قذر فيها ولا حمأة، الكثيرةَ الاضطراب والتَّموُّج، المكشوفةَ للشَّمس والرِّياح.

стр. 2733

والسَّمكُ البحريُّ فاضل محمود لطيف. والطَّريُّ منه بارد رطب عسر الانهضام، يولِّد بلغمًا كثيرًا إلا البحريَّ وما يجري مجراه فإنَّه يولِّد خِلْطًا محمودًا. وهو يُخصب البدن، ويزيد في المنيِّ، ويصلح الأمزاج (١) الحارَّة. فأمَّا المالح، فأجوده ما كان قريب العهد بالتَّملُّح. وهو حارٌّ يابسٌ، وكلَّما تقادم عهده ازداد حرُّه ويبسُه. والسِّلَّور منه كثير اللُّزوجة، ويسمَّى الجِرِّيَّ واليهود لا تأكله. وإذا أُكِل طريًّا كان مليِّنًا للبطن. وإذا مُلِّح وعتِّق وأُكِل صفَّى قصبةَ الرِّئة، وجوَّد الصَّوتَ. وإذا دُقَّ ووُضِع من خارجٍ أخرجَ السُّلَّاءَ والنُّصول (٢) من عمق البدن، من طريق أنَّ له قوَّةً جاذبةً.

стр. 2734

وماءُ ملحِ الجِرِّيِّ المالح إذا جلس فيه من كانت به قرحة الأمعاء في ابتداء العلَّة وافقَه بجذبه الموادَّ إلى ظاهر البدن. وإذا احتقن به أبرأ من عرق النَّسا. وأجود ما في السَّمكة: ما قرب من مؤخَّرها. والطَّريُّ السَّمين منه يُخصب البدنَ لحمُه وودَكُه. وفي «الصَّحيحين» (١) من حديث جابر بن عبد الله قال: بعثنا النَّبيُّ ﷺ في ثلاثمائة راكبٍ، وأميرنا أبو عبيدة بن الجرَّاح، فأتينا السَّاحل، فأصابنا جوعٌ شديدٌ حتَّى أكلنا الخبَطَ، فألقى لنا البحر حوتًا يقال لها: العنبر. فأكلنا منه نصف شهرٍ، وائتدمنا بودَكه، حتَّى ثابت أجسامنا. فأخذ أبو عبيدة ضِلَعًا من أضلاعه، وحمل رجلًا على بعيره، ونصَبه، فمرَّ تحته. سِلْق (٢): روى الترمذي وأبو داود (٣) عن أم المنذر قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ ، ومعه علي، ولنا دوالٍ معلَّقةٌ. قالت: فجعل رسول الله ﷺ يأكل وعليٌّ معه يأكل. فقال رسول الله ﷺ : «مَهْ يا عليٌّ، فإنَّك ناقِهٌ». قالت:

стр. 2735

فجعلتُ لهم سِلْقًا وشعيرًا. فقال النَّبيُّ ﷺ : «يا عليُّ، من هذا فأصِبْ، فإنَّه أوفق لك». قال الترمذي: حديث حسن غريب. السِّلق حارٌّ يابسٌ في الأولى، وقيل: رطبٌ فيها. وقيل: مركَّبٌ منهما. وفيه بُورَقيَّة (١) ملطِّفةٌ وتحليلٌ وتفتيحٌ. وفي الأسود منه قبضٌ، ونفعٌ من داء الثَّعلب والكلَف والحَزَاز والثَّآليل إذا طُلي بمائه. ويقتل القَمْل، ويطلى به القُوباء (٢) مع العسل، ويفتِّح سُدَدَ الكبد والطِّحال. وأسوده يعقل البطن، ولا سيَّما مع العدس، وهما رديئان. والأبيض: يليِّن مع العدس. ويحقن بمائه للإسهال، وينفع من القُولَنج مع المُرِّيِّ (٣) والتَّوابل. وهو قليل الغذاء، رديء الكَيموس، يُحرِق الدَّم. ويصلحه الخلُّ والخردل. والإكثار منه يولِّد القبض والنَّفخ. حرف الشِّين شُونيز: هو الحبَّة السَّوداء، وقد تقدَّم في حرف الحاء. شُّبْرُم (٤): روى الترمذي وابن ماجه في «سننهما» (٥) من حديث أسماء
следующие страницы →