← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

رواه عن أحمد بن الحسن التِّرمذيِّ، ثنا محمد بن موسى النسائي، نا دفاع بن دغفل السدوسي، عن عبد الحميد بن صيفي بن صهيب، عن أبيه، عن جدِّه. ولا يثبت هذا (١) الإسناد. والسَّمن حارٌّ رطبٌ في الأولى. فيه جلاء يسير، ولطافة، وتفشية الأورام الحادثة في (٢) الأبدان النَّاعمة. وهو أقوى من الزُّبد في الإنضاج والتَّليين. وذكر جالينوس أنَّه أبرأ به الأورام الحادثة في الأذن وفي الأرنبة (٣). وإذا دُلِّك به موضعُ الأسنان نبتت سريعًا. وإذا خُلِط مع عسلٍ ولوزٍ مرٍّ جلا ما في الصَّدر والرِّئة والكَيمُوسات (٤) الغليظة اللَّزجة؛ إلا أنَّه ضارٌّ بالمعدة، سيَّما متى كان مزاج صاحبها بلغميًّا. وأمَّا سمن البقر والمعز، فإنَّه إذا شُرب مع العسل نفَع من شرب السَّمِّ القاتل، ومن لدغ الحيَّات والعقارب. وفي كتاب ابن السُّنِّيِّ (٥) عن عليِّ بن أبي طالبٍ قال: لم يستشف النَّاسُ بشيءٍ أفضل من السَّمن.

стр. 2732

سمك (١): روى الإمام أحمد وابن ماجه في «سننه» (٢) من حديث عبد الله بن عمر عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «أُحِلَّت لنا ميتتان ودمان: السَّمك والجراد، والكبد والطِّحال». أصناف السَّمك كثيرة. وأجوده: ما لذَّ طعمه، وطاب ريحه، وتوسَّط مقداره، وكان رقيق القشر، ولم يكُ (٣) صلب اللَّحم ولا يابسه. وكان في ماءٍ عذبٍ جارٍ على حصباء، ويغتذي بالنَّبات، لا الأقذار. وأصلَحُ أماكنه ما كان في نهرٍ جيِّد الماء. وكان يأوي الأماكنَ (٤) الصَّخريَّةَ، ثمَّ الرَّمليَّة؛ والمياهَ العذبة الجارية الَّتي لا قذر فيها ولا حمأة، الكثيرةَ الاضطراب والتَّموُّج، المكشوفةَ للشَّمس والرِّياح.

стр. 2733

والسَّمكُ البحريُّ فاضل محمود لطيف. والطَّريُّ منه بارد رطب عسر الانهضام، يولِّد بلغمًا كثيرًا إلا البحريَّ وما يجري مجراه فإنَّه يولِّد خِلْطًا محمودًا. وهو يُخصب البدن، ويزيد في المنيِّ، ويصلح الأمزاج (١) الحارَّة. فأمَّا المالح، فأجوده ما كان قريب العهد بالتَّملُّح. وهو حارٌّ يابسٌ، وكلَّما تقادم عهده ازداد حرُّه ويبسُه. والسِّلَّور منه كثير اللُّزوجة، ويسمَّى الجِرِّيَّ واليهود لا تأكله. وإذا أُكِل طريًّا كان مليِّنًا للبطن. وإذا مُلِّح وعتِّق وأُكِل صفَّى قصبةَ الرِّئة، وجوَّد الصَّوتَ. وإذا دُقَّ ووُضِع من خارجٍ أخرجَ السُّلَّاءَ والنُّصول (٢) من عمق البدن، من طريق أنَّ له قوَّةً جاذبةً.

стр. 2734

وماءُ ملحِ الجِرِّيِّ المالح إذا جلس فيه من كانت به قرحة الأمعاء في ابتداء العلَّة وافقَه بجذبه الموادَّ إلى ظاهر البدن. وإذا احتقن به أبرأ من عرق النَّسا. وأجود ما في السَّمكة: ما قرب من مؤخَّرها. والطَّريُّ السَّمين منه يُخصب البدنَ لحمُه وودَكُه. وفي «الصَّحيحين» (١) من حديث جابر بن عبد الله قال: بعثنا النَّبيُّ ﷺ في ثلاثمائة راكبٍ، وأميرنا أبو عبيدة بن الجرَّاح، فأتينا السَّاحل، فأصابنا جوعٌ شديدٌ حتَّى أكلنا الخبَطَ، فألقى لنا البحر حوتًا يقال لها: العنبر. فأكلنا منه نصف شهرٍ، وائتدمنا بودَكه، حتَّى ثابت أجسامنا. فأخذ أبو عبيدة ضِلَعًا من أضلاعه، وحمل رجلًا على بعيره، ونصَبه، فمرَّ تحته. سِلْق (٢): روى الترمذي وأبو داود (٣) عن أم المنذر قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ ، ومعه علي، ولنا دوالٍ معلَّقةٌ. قالت: فجعل رسول الله ﷺ يأكل وعليٌّ معه يأكل. فقال رسول الله ﷺ : «مَهْ يا عليٌّ، فإنَّك ناقِهٌ». قالت:

стр. 2735

فجعلتُ لهم سِلْقًا وشعيرًا. فقال النَّبيُّ ﷺ : «يا عليُّ، من هذا فأصِبْ، فإنَّه أوفق لك». قال الترمذي: حديث حسن غريب. السِّلق حارٌّ يابسٌ في الأولى، وقيل: رطبٌ فيها. وقيل: مركَّبٌ منهما. وفيه بُورَقيَّة (١) ملطِّفةٌ وتحليلٌ وتفتيحٌ. وفي الأسود منه قبضٌ، ونفعٌ من داء الثَّعلب والكلَف والحَزَاز والثَّآليل إذا طُلي بمائه. ويقتل القَمْل، ويطلى به القُوباء (٢) مع العسل، ويفتِّح سُدَدَ الكبد والطِّحال. وأسوده يعقل البطن، ولا سيَّما مع العدس، وهما رديئان. والأبيض: يليِّن مع العدس. ويحقن بمائه للإسهال، وينفع من القُولَنج مع المُرِّيِّ (٣) والتَّوابل. وهو قليل الغذاء، رديء الكَيموس، يُحرِق الدَّم. ويصلحه الخلُّ والخردل. والإكثار منه يولِّد القبض والنَّفخ. حرف الشِّين شُونيز: هو الحبَّة السَّوداء، وقد تقدَّم في حرف الحاء. شُّبْرُم (٤): روى الترمذي وابن ماجه في «سننهما» (٥) من حديث أسماء

стр. 2736

بنت عميس قالت: قال رسول الله ﷺ : «بماذا كنت تستمشين؟». قالت: بالشُّبْرُم. قال: «حارٌّ يارٌّ (١)». الشُّبرم شجرٌ صغيرٌ وكبيرٌ كقامة الرَّجل أو أرجح. له قضبانٌ حُمْرٌ ملمَّعةٌ ببياضٍ، وفي رؤوس قضبانه جُمَّةٌ من ورقٍ. وله نَورٌ صغارٌ أصفر إلى البياض يسقط، ويخلفه مَراوِدُ صغارٌ، فيها حبٌّ صغيرٌ مثل البُطْمِ (٢) في قدره، أحمر اللَّون. ولها عروقٌ عليها قشورٌ حمرٌ. والمستعمل منه قشر عروقه ولبن قضبانه. وهو حارٌّ يابسٌ في الدَّرجة الرَّابعة. يسهِّل السَّوداء والكَيْمُوسات الغليظة والماء الأصفر والبلغم، مُكْرِبٌ مُغَثٍّ. والإكثار منه يقتل. وينبغي إذا استعمل أن يُنقَع في اللَّبن الحليب يومًا وليلةً، ويغيَّر عليه اللَّبن في اليوم مرَّتين أو ثلاثًا، ويُخرَج ويجفَّف في الظِّلِّ، ويخلط معه الورد والكَثِيراء (٣)، ويشرب بماء العسل أو عصير العنب. والشَّربة منه ما بين أربعة دوانيق إلى دانقين على حسب القوَّة. وقال حُبَيش (٤): أمَّا لبن الشُّبرم فلا خير فيه. ولا أرى شربه

стр. 2737

البتَّة، فقد قتل به أطبَّاءُ الطُّرقات كثيرًا من النَّاس (١). شعير (٢): روى ابن ماجه (٣) من حديث عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أخذ أحدًا من أهله الوعَكُ أمرَ بالحِساء من الشَّعير، فصُنِعَ. ثمَّ أمَرهم فحَسَوا منه. ثمَّ يقول: «إنَّه ليَرْتُو فؤاد الحزين، ويَسْرُو عن فؤاد السَّقيم، كما تَسْرو إحداكنَّ الوسخ بالماء عن وجهها». ومعنى «يرتو»: يشدُّه ويقوِّيه. و «يسرو»: يكشف ويزيل (٤). قد تقدَّم أنَّ هذا هو ماء الشَّعير المغليِّ، وهو أكثر غذاءً من سويقه. وهو نافعٌ للسُّعال وخشونة الحلق، صالحٌ لقمع حدَّة الفضول، مُدِرٌّ للبول، جلاءٌ لما في المعدة، قاطعٌ للعطش، مطفئٌ للحرارة. وفيه قوَّةٌ يجلو بها ويلطِّف ويحلِّل.

стр. 2738

وصفته: أن يؤخذ من الشَّعير الجيِّد المرضوض مقدارٌ، ومن الماء الصَّافي العذب خمسة أمثاله، ويلقى في قدرٍ نظيفٍ، ويطبخ بنارٍ معتدلةٍ إلى أن يبقى منه خُمساه، ويصفَّى، ويستعمل منه مقدارُ الحاجة محلًّى (١). شِواء: قال الله تعالى في ضيافة خليله إبراهيم لأضيافه: ﴿أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا﴾ [هود: ٦٩] والحنيذ: المشويُّ على الرَّضْف، وهي الحجارة المُحْماة. وفي «الترمذي» (٢) عن أم سلمة أنَّها قرَّبت إلى النبي ﷺ جَنبًا مشويًّا، فأكل منه، ثمَّ قام إلى الصَّلاة، وما توضَّأ. قال الترمذي: حديث صحيح. وفيه (٣) أيضًا عن عبد الله بن الحارث قال: أكلنا مع رسول الله ﷺ شواءً

стр. 2739

في المسجد. وفيه (١) أيضًا عن المغيرة بن شعبة قال: ضِفْتُ مع رسول الله ﷺ ذات ليلةٍ، فأمر بجنبٍ، فشُوي، ثمَّ أخذ الشَّفرة، فجعل يحزُّ لي بها منه. قال: فجاء بلال يُؤْذنه للصَّلاة (٢)، فألقى الشَّفرة، فقال: ما له تربت يداه! أنفعُ الشِّواء: شواء الضَّأن الحوليِّ، ثمَّ العجل اللَّطيف السَّمين. وهو حارٌّ رطبٌ إلى اليبوسة، كثير التَّوليد للسَّوداء. وهو من أغذية الأقوياء والأصحَّاء والمرتاضين. والمطبوخ أنفع، وأخفُّ على المعدة، وأرطب منه ومن المطجَّن (٣). وأرداه (٤): المشويُّ في الشَّمس. والمشويُّ على الجمر خيرٌ من المشويِّ باللَّهب (٥) وهو الحنيذ (٦). شحم: ثبت في «المسند» (٧) عن أنس أنَّ يهوديًّا أضاف النبيَّ ﷺ ، فقدَّم

стр. 2740

له خبزَ شعيرٍ وإهالةً سَنِخةً. والإهالة: الشَّحم المذاب أو الألية. والسَّنِخة: المتغيِّرة. وثبت في الصَّحيح عن عبد الله بن مغفَّلٍ قال: دُلِّي جِرابٌ من شحمٍ يومَ خيبر، فالتزمته، وقلت: والله لا أعطي أحدًا منه شيئًا. فالتفتُّ، فإذا رسول الله ﷺ يضحك. ولم يقُل شيئًا (١). أجود (٢) الشَّحم: ما كان من حيوانٍ مكتملٍ. وهو حارٌّ رطبٌ. وهو أقلُّ رطوبةً من السمين (٣)، ولهذا لو أذيب الشَّحم والسَّمين كان الشَّحم أسرع جمودًا. وهو ينفع من خشونة الحلق، ويرخي، ويعفِّن (٤). ويُدفَع ضررُه باللَّيمون المملوح والزَّنجبيل (٥). وشحم المعز أقبض الشُّحوم. وشحمُ التُّيوس أشدُّ تحليلًا، وينفع من

стр. 2741

قروح الأمعاء. وشحم العنز (١) أقوى في ذلك. ويحتقن به للسَّحْج والزَّحير (٢). حرف الصَّاد صلاة: قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، وقال: ﴿(١٥٢) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ﴾ [البقرة: ١٥٣]. وقال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢]. وفي السُّنن (٣): كان رسول الله ﷺ إذا حَزَبه أمرٌ فزع إلى الصَّلاة. وقد تقدَّم ذكر الاستشفاء بالصَّلاة من عامَّة الأوجاع قبل استحكامها. والصَّلاة مَجْلبةٌ للرِّزق، حافظةٌ للصِّحَّة، دافعةٌ للأذى، مَطْرَدةٌ للأدواء، مقوِّيةٌ للقلب، مفرِّحةٌ للنَّفس، مُذْهبةٌ للكسل، منشِّطةٌ للجوارح، ممدَّةٌ للقوى، شارحةٌ للصَّدر، مغذِّيةٌ للرُّوح، منوِّرةٌ للقلب، مبيِّضةٌ للوجه، حافظةٌ للنِّعمة، دافعةٌ للنِّقمة، جالبةٌ للبركة، مبعدةٌ من الشَّيطان، مقرِّبةٌ من الرَّحمن. وبالجملة، فلها تأثيرٌ عجيبٌ في حفظ صحَّة البدن والقلب وقواهما، ودفع الموادِّ الرَّديَّة عنهما. وما ابتلي رجلان بعاهةٍ أو داءٍ أو محنةٍ أو بليَّةٍ إلا وكان حظُّ المصلِّي منهما أقلَّ وعاقبته أسلم.

стр. 2742

وللصَّلاة تأثيرٌ عجيبٌ في دفع شرور الدُّنيا، ولا سيَّما إذا أعطيت حقَّها من التَّكميل ظاهرًا وباطنًا. فما استُدْفِعت شرورُ الدَّارين ولا استُجْلِبت مصالحُهما بمثل الصَّلاة. وسرُّ ذلك أنَّ الصَّلاة صلةٌ بالله ، وعلى قدر صلة العبد بربِّه تُفتَح عليه من الخيرات أبوابُها، وتُقْطَع عنه من الشُّرور أسبابُها، وتفيض عليه موادُّ التَّوفيق من ربِّه . والعافية والصِّحَّة، والغنيمة والغنى، والرَّاحة والنَّعيم، والأفراح والمسرَّات= كلُّها مُحْضَرةٌ لديه ومسارعةٌ إليه (١). صَبْر: الصَّبر نصف الإيمان، فإنَّه ماهيَّةٌ مركَّبةٌ من صبرٍ وشكرٍ، كما قال بعض السَّلف: الإيمان نصفان: نصفٌ صبرٌ ونصفٌ شكرٌ (٢). قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: ٥]. والصَّبر من الإيمان بمنزلة الرَّأس من الجسد. وهو ثلاثة أنواعٍ (٣): صبرٌ

стр. 2743

على فرائض اللَّه فلا يضيِّعها، وصبرٌ عن محارمه فلا يرتكبها، وصبرٌ على أقضيته وأقداره فلا يتسخَّطها. ومن استكمل هذه المراتب الثَّلاث استكمل الصَّبرَ. ولذَّةُ الدُّنيا والآخرة ونعيمُهما والفوزُ والظَّفرُ فيهما لا يصل إليه أحدٌ إلا على جسر الصَّبر، كما لا يصل إلى الجنَّة إلا على الصِّراط. قال عمر بن الخطَّاب: خيرُ عيشٍ أدركناه بالصَّبر (١). وإذا تأمَّلت مراتب الكمال المكتسَب في العالم رأيتها كلَّها منوطةً بالصَّبر. وإذا تأمَّلت النُّقصان الذي يُذمُّ صاحبُه عليه ويدخل تحت قدرته رأيتَه كلَّه من عدم الصَّبر. فالشَّجاعة والعفَّة والجود والإيثار كلُّه صبر ساعةٍ. فالصَّبرُ طِلَّسمٌ على كنز العلى ... مَن حلَّ ذا الطِّلَّسمَ فاز بكنزه (٢) وأكثر أسقام البدن والقلب إنَّما تنشأ عن عدم الصَّبر. فما حُفِظت صحَّة

стр. 2744

القلب والبدن والرُّوح بمثل ال صَّبر . فهو الفاروق الأكبر (١)، والتِّرياق الأعظم. ولو لم يكن فيه إلا معيَّةُ الله مع أهله فإنَّ الله مع الصَّابرين، ومحبَّتُه لهم فإنَّ الله يحبُّ الصَّابرين، ونصرُه لأهله فإنَّ النَّصر مع الصَّبر، وأنَّه خيرٌ لأهله ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ﴾ [النحل: ١٢٦]، وأنَّه سبب الفلاح ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. صَبِر (٢): روى أبو داود في كتاب «المراسيل» (٣) من حديث قيس بن رافع القيسي أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ماذا في الأمرَّين من الشِّفاء! الصَّبِر والثُّفَّاء». وفي «السُّنن» لأبي داود (٤) من حديث أم سلمة قالت: دخل عليَّ

стр. 2745

رسولُ الله ﷺ حين توفِّي أبو سلمة، وقد جعلتُ عليَّ صَبِرًا، فقال: «ما هذا (١) يا أمَّ سلمة؟». فقلت: إنَّما هو صَبِرٌ يا رسول اللَّه، ليس فيه طيبٌ. قال: «إنَّه يشُبُّ الوجه، فلا تجعليه إلا باللَّيل». ونهى عنه بالنَّهار. الصَّبِرُ كثير المنافع، ولا سيَّما (٢) الهنديُّ منه. ينقِّي الفضول الصَّفراويَّة الَّتي في الدِّماغ وأعصاب البصر. وإذا طُلي على الجبهة والصُّدغ بدهن الورد نفَع من الصُّداع. وينفع من قروح الأنف والفم، ويُسْهل السَّوداء والمالنخوليا (٣). والصَّبِرُ الفارسيُّ (٤) يُذكي العقل، ويُحِدُّ (٥) الفؤاد، وينقِّي الفضول الصَّفراويَّة والبلغميَّة من المعدة إذا شُرِب منه ملعقتان بماءٍ، ويردُّ الشَّهوة الباطلة والفاسدة. وإذا شُرِب في البرد خيف أن يُسْهِل دمًا. صوم: الصَّوم جُنَّةٌ من أدواء الرُّوح والقلب والبدن. منافعه تفوت الإحصاء. وله تأثير عجيب في حفظ الصِّحَّة، وإذابة الفضلات، وحبس

стр. 2746

النَّفس عن تناول مؤذياتها، ولا سيَّما إذا كان باعتدالٍ وقصدٍ، في أفضل أوقاته شرعًا، وحاجة البدن إليه طبعًا. ثمَّ إنَّ فيه من إراحة القوى والأعضاء ما يحفظ عليها قواها. وفيه خاصِّيَّةٌ تقتضي إيثاره: وهي تفريحُه للقلب عاجلًا وآجلًا. وهو أنفع شيءٍ لأصحاب الأمزجة الباردة الرَّطبة وله تأثيرٌ عظيمٌ في حفظ صحَّتهم. وهو يدخل في الأدوية الرَّوحانيَّة والطَّبيعيَّة. وإذا راعى الصَّائم فيه ما ينبغي مراعاته طبعًا وشرعًا عظُمَ انتفاعُ قلبه وبدنه به، وحَبَس عنه الموادَّ الغريبة الفاسدة الَّتي هو مستعدٌّ لها، وأزال الموادَّ الرَّديَّة الحاصلة بحسب كماله ونقصانه، وتحفُّظِ الصَّائم ممَّا ينبغي أن يتحفَّظ منه، وقيامِه (١) بمقصود الصَّوم وسرِّه وعلَّته الغائيَّة. فإنَّ القصد منه أمرٌ آخر وراء ترك الطَّعام والشَّراب، وباعتبار ذلك الأمر اختصَّ من بين الأعمال بأنَّه لله سبحانه. ولمَّا كان وقايةً وجُنَّةً بين العبد وبين ما يؤذي قلبه وبدنه عاجلًا وآجلًا قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]. فأحد مقصودي الصِّيام: الجُنَّة والوقاية وهي حِمْيةٌ عظيمة النَّفع. والمقصود الآخر: اجتماع القلب والهمِّ على الله تعالى، وتوفيرُ قوى النَّفس على محابِّه وطاعته. وقد تقدَّم الكلام في بعض أسرار الصَّوم عند ذكر هديه ﷺ فيه.

стр. 2747

حرف الضَّاد ضبٌّ (١): ثبت في «الصَّحيحين» (٢) من حديث ابن عبَّاسٍ أنَّ رسول الله ﷺ سئل عنه لمَّا قدِّم إليه وامتنع من أكله: أحرامٌ هو؟ فقال: «لا، ولكن لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه». وأُكِل بين يديه وعلى مائدته، وهو ينظر. وفي «الصَّحيحين» (٣) من حديث ابن عمر عنه ﷺ أنَّه قال: «لا آكلُه (٤)، ولا أحرِّمه». وهو حارٌّ يابسٌ، يقوِّي شهوة الجماع. وإذا دُقَّ ووُضِعَ على موضع الشَّوكة (٥) اجتذَبها. ضِفْدع (٦): قال الإمام أحمد (٧): الضِّفدع لا يُجْعَل (٨) في الدَّواء، نهى

стр. 2748

رسول الله ﷺ عن قتلها. يريد الحديث الذي رواه في «مسنده» (١) من حديث عثمان بن عبد الرحمن (٢) أنَّ طبيبًا ذكر ضفدعًا في دواءٍ عند رسول الله ﷺ ، فنهاه عن قتلها. قال صاحب «القانون» (٣): «من أكل من دم الضِّفدع أو جِرْمه وَرِم بدنُه، وكمَد لونُه، وقذف المنيَّ حتَّى يموت». ولذلك ترك الأطبَّاء استعماله خوفًا من ضرره. وهي نوعان: مائيَّةٌ وترابيَّةٌ، والتُّرابيَّة تقتل آكِلَها (٤). حرف الطَّاء طِيبٌ: ثبت عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: «حُبِّب إليَّ من دنياكم: النِّساء والطِّيب. وجُعِلت قرَّة عيني في الصَّلاة» (٥). وكان ﷺ يكثر التَّطيُّب، وتشتدُّ عليه الرَّائحة الكريهة، وتشقُّ عليه. والطِّيب غذاء للرُّوح الَّتي هي مطيَّة القوى. والقُوى (٦) تتضاعف وتزيد

стр. 2749

بالطِّيب، كما تزيد بالغذاء والشَّراب، والدَّعة والسُّرور، ومعاشرة الأحبَّة وحدوث الأمور المحبوبة، وغَيبةِ مَن تسرُّ غيبتُه ويثقل على الرُّوح مشهدُه كالثُّقَلاء والبُغَضاء فإنَّ معاشرتهم تُوهِن القوى وتجلب الهمَّ والغمَّ، وهي للرُّوح بمنزلة الحمَّى للبدن، وبمنزلة الرَّائحة الكريهة. ولهذا كان ممَّا جنَّب (١) الله سبحانه الصَّحابةَ بنهيهم عن التَّخلُّق بهذا الخلُق في معاشرة رسوله ﷺ لتأذِّيه بذلك، فقال: ﴿إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. والمقصود أنَّ الطِّيب كان من أحبِّ الأشياء إلى رسول الله ﷺ ، وله تأثيرٌ في حفظ الصِّحَّة، ودفع كثيرٍ من الآلام وأسبابها، بسبب قوَّة الطَّبيعة به. طين: ورد فيه أحاديث موضوعة لا يصحُّ شيءٌ منها، مثل حديث: «من أكل الطِّينَ فقد أعان على قتل نفسه» (٢)، ومثل حديث: «يا حميراءُ، لا تأكلي

стр. 2750

الطِّينَ فإنَّه يعصم البطن، ويصفِّر اللَّون، ويُذْهِب بهاءَ الوجه» (١). وكلُّ حديثٍ في الطِّين فإنَّه لا يصحُّ، ولا أصل له عن رسول الله ﷺ ؛ إلا أنَّه رديٌّ مؤذٍ، يسدُّ مجاري العروق. وهو باردٌ يابسٌ، قويُّ التَّجفيف. ويمنع استطلاق البطن، ويوجب نفثَ الدَّم وقروح الفم (٢). طَلْح: قال تعالى: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩]. قال أكثر المفسِّرين: هو الموز. والمنضود (٣): الذي قد نضِّد بعضه على بعضٍ كالمشط. وقيل: الطَّلح: الشَّجر ذو الشَّوك، نُضِّد مكانَ كلِّ شوكةٍ ثمرةٌ، فثمرُه قد نضِّد بعضه إلى بعضٍ، فهو مثل الموز. وهذا القول أصحُّ، ويكون مَن ذكر

стр. 2751

الموز من السَّلف أراد التَّمثيل لا التَّخصيص (١). والله أعلم (٢). وهو حارٌّ رطبٌ. أجوده المستطيل (٣) النَّضيج الحلو. ينفع من خشونة الصَّدر والرِّئة والسُّعال، وقروح الكليتين والمثانة، ويُدِرُّ البول، ويزيد في المنيِّ، ويحرِّك شهوة الجماع، ويليِّن البطن. ويؤكل قبل الطَّعام. ويضرُّ المعدة (٤)، ويزيد في الصَّفراء والبلغم. ودفعُ ضرره بالسُّكَّر أو العسل (٥). طَلْع (٦): قال تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: ١٤٨]. طلع النَّخل: ما يبدو من ثمرته في أوَّل ظهوره، وقشرُه يسمَّى الكُفُرَّى (٧). والنَّضيد: المنضود الذي قد نضِّد بعضه على بعضٍ. وإنَّما يقال

стр. 2752

له: «نضيد» ما دام في كفرَّاه. فإذا انفتح فليس بنضيدٍ (١). وأمَّا الهضيم، فهو المنضمُّ بعضه إلى بعضٍ، فهو كالنَّضيد أيضًا. وذلك يكون قبل تشقُّق الكفرَّى عنه. والطَّلع نوعان: ذكرٌ وأنثى. والتَّلقيح هو أن يؤخذ من الذَّكر وهو مثلُ دقيق الحنطة، فيُجْعَل في الأنثى، وهو التَّأبير، فيكون ذلك بمنزلة اللِّقاح بين الذَّكر والأنثى. وقد روى مسلم في «صحيحه» (٢) عن طلحة بن عبيد الله قال: مررت مع رسول الله ﷺ في نخلٍ، فرأى قومًا يلقِّحون، فقال: «ما يصنع هؤلاء؟». قالوا: يأخذون من الذَّكر، فيجعلونه في الأنثى. قال: «ما أظنُّ ذلك يغني شيئًا». فبلغهم، فتركوه، فلم يصلح. فقال النَّبيُّ ﷺ : «إنَّما هو ظنٌّ، إن كان يغني شيئًا فاصنعوه. فإنَّما أنا بشرٌ مثلكم. وإنَّ الظَّنَّ يخطئ ويصيب. ولكن ما قلتُ لكم عن الله ، فلن أكذب على اللَّه». طلعُ النَّخل ينفع من الباه، ويزيد في المباضعة (٣). ودقيقُ طلعه إذا تحمَّلت به المرأة قبل الجماع أعان على الحبل معونةً (٤) بالغةً. وهو في البرودة واليبوسة في الدَّرجة الثَّانية. يقوِّي المعدة ويجفِّفها، ويسكِّن ثائرة

стр. 2753

الدَّم مع غلظةٍ وبطء هضمٍ (١). ولا يحتمله إلا أصحاب الأمزجة الحارَّة. ومَن أكثر منه فإنَّه ينبغي أن يأخذ عليه شيئًا من الجَوارِشَات (٢) الحارَّة. وهو يعقل الطَّبع، ويقوِّي الأحشاء. والجُمَّارُ يجري مجراه، وكذلك البَلَح والبُسْر. والإكثار منه يضرُّ المعدة والصَّدر، وربَّما أورث القُولَنْج. وإصلاحُه بالسَّمن (٣) أو بما تقدَّم ذكره (٤). حرف العين عنب (٥): في «الغيلانيَّات» (٦) من حديث حبيب بن يسار عن ابن عبَّاسٍ

стр. 2754

قال: رأيت رسول الله ﷺ يأكل العنب خَرْطًا (١). قال أبو جعفرٍ العقيليُّ: لا أصل لهذا الحديث. قلت: وفيه داود بن عبد الجبار أبو سليمان (٢) الكوفي، قال يحيى بن معينٍ (٣): كان يكذب. ويذكر عن النبي ﷺ أنَّه كان يحبُّ العنب والبطِّيخ (٤). وقد ذكر الله سبحانه العنب في ستَّة مواضع (٥) من كتابه في جملة نعمه الَّتي أنعم بها على عباده في هذه الدَّار وفي الجنَّة. وهو من أفضل الفواكه، وأكثرها منافع. وهو يؤكل رطبًا ويابسًا وأخضر ويانعًا. وهو فاكهةٌ مع الفواكه، وقوتٌ مع الأقوات، وأُدْمٌ مع الآدام، ودواءٌ مع الأدوية، وشرابٌ مع الأشربة.

стр. 2755

وطبعه طبع الحياة (١): الحرارة والرُّطوبة. وجيِّده الكُبار المائيُّ. والأبيض أحمد من الأسود إذا تساويا في الحلاوة. والمتروك بعد القطف يومين وثلاثةً (٢) أحمد من المقطوف في يومه، فإنَّه منفخٌ مطلقٌ للبطن. والمعلَّقُ حتَّى يضمُر قشرُه جيِّدُ الغذاء مقوٍّ للبدن؛ وغذاؤه كغذاء التِّين والزَّبيب. وإذا ألقي عجَمُ العنب كان أكثر تليينًا للطَّبيعة. والإكثار منه مصدِّعٌ للرَّأس. ودفعُ مضرَّته بالرُّمَّان المُزِّ. ومنفعة العنب: يسهِّل الطَّبع، ويسمِّن، ويغذو جيِّدُه غذاءً حسنًا. وهو أحد الفواكه الثَّلاثة (٣) الَّتي هي ملوك الفاكهة: هو والرُّطب والتِّين. عسل: قد تقدَّم ذكر منافعه (٤). قال ابن جريجٍ: قال الزُّهريُّ: عليك بالعسل فإنَّه جيِّدٌ للحفظ (٥). وأجوده: أصفاه، وأبيضه، وألينه حدَّةً، وأصدقه حلاوةً. وما يؤخذ من الجبال والشَّجر له فضلٌ على ما يؤخذ من الخلايا. وهو بحسب مرعى نحله.

стр. 2756

عَجْوة (١): في «الصَّحيحين» (٢): من حديث سعد بن أبي وقَّاصٍ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «من تصبَّح بسبع تمراتٍ عجوةً لم يضرَّه ذلك اليوم سمٌّ ولا سحرٌ». وفي «سنن النَّسائيِّ وابن ماجه» (٣) من حديث جابر وأبي سعيد عن النَّبيِّ ﷺ : «العجوة من الجنَّة، وهي شفاءٌ من السَّمِّ. والكمأةُ من المنِّ، وماؤها شفاءٌ للعين». وقد قيل: إنَّ هذا في عجوة المدينة. وهي أحد أصناف التَّمر بها، ومن أنفع تمر الحجاز على الإطلاق. وهو صنفٌ كريمٌ ملزَّزٌ (٤) متينُ الجسم (٥) والقوَّة، من ألين التَّمر وأطيبه وألذِّه. وقد تقدَّم ذكر التَّمر وطبعه ومنافعه في حرف التَّاء والكلام على دفع العجوة للسَّمِّ والسِّحر، فلا حاجة لإعادته (٦).

стр. 2757

عَنْبَر: تقدَّم (١) في «الصَّحيحين» (٢) حديثُ جابر في قصَّة أبي عبيدة وأكلهم من العنبر شهرًا، وأنَّهم تزوَّدوا من لحمه وشائقَ (٣) إلى المدينة، وأرسلوا منه إلى النَّبيِّ ﷺ . وهو أحد ما يدلُّ على أنَّ إباحة ما في البحر لا يختصُّ بالسَّمك وعلى أنَّ ميتته حلال. واعتُرض على ذلك بأنَّ البحر ألقاه حيًّا، ثمَّ جَزَر عنه الماءُ، فمات. وهذا حلال، فإنَّ موته بسبب مفارقته للماء (٤). وهذا لا يصحُّ، فإنَّهم إنَّما وجدوه ميِّتًا بالسَّاحل، ولم يشاهدوه قد خرج حيًّا ثمَّ جزَر عنه الماء. وأيضًا، فلو كان حيًّا لما ألقاه البحر إلى ساحله، فإنَّه من المعلوم أنَّ البحر إنَّما يقذف إلى ساحله الميِّت من حيواناته، لا الحيَّ منها. وأيضًا، فلو قدِّر احتمال ما ذكروه لم يجُز أن يكون شرطًا في الإباحة، فإنَّه لا يباح الشَّيء مع الشَّكِّ في سبب إباحته. ولهذا منع النَّبيُّ ﷺ من أكل الصَّيد إذا وجده الصَّائد غريقًا في الماء، للشَّكِّ في سبب موته هل هو الآلة أو الماء؟ وأمَّا العنبر الذي هو أحد أنواع الطِّيب، فهو من أفخر أنواعه بعد المسك. وأخطأ من قدَّمه على المسك، وجعله سيِّد أنواع الطِّيب (٥). وقد

стр. 2758

ثبت عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال في المسك: «هو أطيب الطِّيب» (١). وسيأتي إن شاء الله ذكر المنافع والخصائص (٢) الَّتي خصَّ بها المسك حتَّى إنَّه طيب الجنَّة، والكُثبانُ الَّتي هي مقاعد الصِّدِّيقين هناك من مسكٍ، لا من عنبرٍ. والَّذي غرَّ هذا القائل أنَّه لا يدخله التَّغيُّر على طول الزَّمان فهو كالذَّهب (٣). وهذا لا يدلُّ (٤) على أنَّه أفضل من المسك، فإنَّه بهذه الخاصِّيَّة الواحدة لا يقاوم ما في المسك من الخواصِّ. وبعد (٥)، فضروبه كثيرة، وألوانه مختلفة. فمنه الأبيض، والأشهب، والأحمر، والأصفر، والأخضر، والأزرق، والأسود، وذو الألوان، وأجوده: الأشهب، ثمَّ الأزرق، ثمَّ الأصفر. وأردؤه الأسود. وقد اختلف النَّاس في عنصره، فقالت طائفة: هو نبات ينبت في قعر البحر، فيبتلعه بعض دوابِّه. فإذا تملَّتْ (٦) منه قذفته رجيعًا، فيقذفه البحر إلى ساحله. وقيل: طلٌّ ينزل من

стр. 2759

السَّماء في جزائر البحر، فتلقيه الأمواج إلى السَّاحل. وقيل: روث دابَّةٍ بحريَّةٍ تشبه البقرة. وقيل: بل هو جُفاءٌ من جُفاء البحر. أي زَبَد. وقال صاحب «القانون» (١): هو فيما يُظَنُّ ينبع من عينٍ في البحر. والَّذي يقال إنَّه زَبَد البحر أو روث دابَّةٍ بعيدٌ. انتهى. ومزاجه حارٌّ يابسٌ. مقوٍّ للقلب والدِّماغ والحواسِّ وأعضاء البدن، نافعٌ من الفالِج واللَّقْوة (٢)، والأمراض البلغميَّة، وأوجاع المعدة الباردة، والرِّياح الغليظة، ومن السُّدد إذا شُرِب أو طُلِي به من خارجٍ. وإذا تُبُخِّر به نفَع من الزُّكام والصُّداع والشَّقيقة الباردة. عود (٣): العود الهنديُّ نوعان: أحدهما يستعمل في الأدوية، وهو الكُسْت (٤)، ويقال له: القُسْط. وسيأتي في حرف القاف. والثَّاني يستعمل في الطِّيب، ويقال له: الأَلُوَّة. وقد روى مسلم في «صحيحه» (٥) عن ابن عمر أنَّه كان يستجمر بالألوَّة غيرَ مطرَّاةٍ وبكافورٍ يُطرَح معها، ويقول: هكذا كان يستجمر رسول الله ﷺ . وثبت عنه في صفة نعيم أهل الجنَّة: «مجامرُهم الألوَّة» (٦). المجامر: جمع مِجْمَرٍ وهو ما يتجمَّر به من عودٍ وغيره.

стр. 2760

وهو أنواع، أجودها: الهنديُّ، ثمَّ الصِّينيُّ، ثمَّ القَمَاريُّ، ثمَّ المَنْدَليُّ. وأجوده: الأسود والأزرق الصُّلب الرَّزين الدَّسم. وأقلُّه جودةً: ما خفَّ وطفا على الماء. ويقال: إنَّه شجرٌ يُقطَع ويُدفَن في الأرض سنةً فتأكل الأرض منه ما لا ينفع، ويبقى عودُ الطِّيب لا تعمل فيه الأرض شيئًا، ويتعفَّن منه قشرُه وما لا طيب فيه. وهو حارٌّ يابسٌ في الثانية (١)، يفتح السُّدَد، ويكسر الرِّياح، ويذهب بفضل الرُّطوبة، ويقوِّي الأحشاء والقلب ويفرِّحه، وينفع الدِّماغ، ويقوِّي الحواسَّ، ويحبس البطن، وينفع من سلَس البول الحادث عن برد المثانة (٢). قال ابن سَمْجُون (٣): العود ضروبٌ كثيرةٌ يجمعها اسم الألوَّة، ويستعمل من داخلٍ وخارجٍ، ويتجمَّر به مفردًا ومع غيره. وفي خلط الكافور به عند التَّجمُّر معنًى طبِّيٌّ، وهو إصلاح كلٍّ منهما بالآخر. وفي التَّجمُّر مراعاة جوهر الهواء وإصلاحُه (٤)، فإنَّه أحد الأشياء السِّتَّة الضَّروريَّة الَّتي في صلاحها صلاح الأبدان.

стр. 2761

عدس (١): قد ورد فيه أحاديث كلُّها باطلةٌ على رسول الله ﷺ ، لم يقل شيئًا منها، كحديث: «إنَّه قدَّس فيه سبعون (٢) نبيًّا» (٣)، وحديث: «إنَّه يُرِقُّ القلب ويُغْزر الدَّمعة، وإنَّه مأكول الصَّالحين» (٤). وأرفع شيءٍ جاء فيه وأصحُّه: أنَّه شهوة اليهود (٥) الَّتي قدَّموها على المنِّ والسَّلوى، وهو قرين الثُّوم والبصل في الذِّكر (٦). وطبعه طبع الموت (٧)، باردٌ يابسٌ! وفيه قوَّتان متضادَّتان: إحداهما تعقل الطَّبيعة. والأخرى تُطلقها. وقشره حارٌّ يابسٌ في الثَّالثة. حِرِّيفٌ، مُطْلِقٌ للبطن. وترياقه في قشره. ولهذا كان صحاحه أنفع من مطحونه وأخفَّ على المعدة وأقلَّ ضررًا، فإنَّ لبَّه بطيء الهضم لبرودته ويبوسته، وهو مولِّدٌ

стр. 2762

للسَّوداء، ويضرُّ بالمالنخُوليا (١) ضررًا بيِّنًا، ويضرُّ بالأعصاب والبصر. وهو غليظ الدَّم. وينبغي أن يتجنَّبه أصحاب السَّوداء، وإكثارهم منه يولِّد لهم أدواءً رديَّةً كالوسواس والجُذام وحُمَّى الرِّبع. ويقلِّل ضررَه السِّلقُ والإسباناخُ (٢) وإكثارُ الدُّهن. وأردأ ما أُكِل بالمكسود (٣). وليتجنَّبْ خلطَ الحلاوة به، فإنَّه يورث سُددًا كبديَّةً. وإدمانُه يُظلم البصر لشدَّة تجفيفه، ويُعسر البول ويوجب الأورام الباردة والرِّياح الغليظة. وأقرَبُه (٤): الأبيض السَّمين السَّريع النِّضاج (٥). وأمَّا ما يظنُّه الجهَّال أنَّه كان سِمَاط الخليل الذي يقدِّمه لأضيافه، فكذبٌ

стр. 2763

مفترًى. وإنَّما حكى الله عنه الضِّيافة بالشِّواء، وهو العجل الحنيذ (١). وذكر البيهقي (٢) عن إسحاق قال: سئل ابن المبارك عن الحديث الذي جاء في العدس أنَّه «قُدِّس على لسان سبعين نبيًّا»، فقال: ولا على لسان نبيٍّ واحدٍ. وإنَّه لمؤذٍ منفِّخٌ! من يحدِّثكم به؟ قالوا: سَلْم بن سالمٍ. فقال: عمَّن؟ قالوا: عنك. قال: وعنِّي أيضًا! حرف الغين المعجمة (٣) غَيث (٤): مذكور في القرآن في عدَّة مواضع. وهو لذيذ الاسم على السَّمع، والمسمَّى على الرُّوح والبدن. تبتهج الأسماعُ بذكره، والقلوبُ بوروده. وماؤه أفضل المياه، وألطفها، وأنفعها، وأعظمها بركةً، ولا سيَّما إذا كان من سحابٍ راعدٍ، واجتمع في مستنقعات الجبال. وهو أرطب من سائر المياه لأنَّه لم تطُل مدَّته على الأرض، فيكتسبَ من يبوستها؛ ولم يخالطه جوهرٌ يابسٌ. ولذلك يتغيَّر ويعفَن (٥) سريعًا للطافته وسرعة انفعاله. وهل الغيث الرَّبيعيُّ ألطف من الشِّتويِّ، أو بالعكس؟ فيه قولان.

стр. 2764

قال من رجَّح الغيث الشِّتويَّ: حرارة الشَّمس تكون حينئذٍ أقلَّ، فلا تجتذب من ماء البحر إلا ألطفَه. والجوُّ صافٍ وهو خالٍ من الأبخرة الدُّخانيَّة والغبار المخالط للماء. وكلُّ هذا يوجب لطفه وصفاءه وخلوَّه من مُخالط. قال من رجَّح الرَّبيعيَّ: الحرارة توجب تحلُّل الأبخرة الغليظة، وتوجب رقَّة الهواء ولطافته، فيخفُّ بذلك الماءُ، وتقلُّ أجزاؤه الأرضيَّة، وتصادف وقت حياة النَّبات والأشجار وطيب الهواء. وذكر الشَّافعيُّ (١) عن أنس بن مالكٍ قال: كنَّا مع رسول الله ﷺ فأصابنا مطرٌ، فحسَر عنه (٢) وقال: «إنَّه حديث عهدٍ بربِّه». وقد تقدَّم في هديه في الاستسقاء ذكرُ استمطاره ﷺ وتبرُّكه بماء الغيث عند أوَّل مجيئه. حرف الفاء فاتحة الكتاب وأمُّ القرآن والسَّبعُ المثاني: الشِّفاء (٣) التَّامُّ، والدَّواء النَّافع، والرُّقية التَّامَّة، ومفتاح الغنى والفلاح، وحافظة القوَّة، ودافعة الهمِّ والغمِّ والخوف والحزن، لمن عرف مقدارها، وأعطاها حقَّها، وأحسن تنزيلَها على دائه، وعرف وجهَ الاستشفاء والتَّداوي بها، والسِّرَّ الذي لأجله كان كذلك.

стр. 2765

ولمَّا وقع بعض الصَّحابة على ذلك رقى بها اللَّديغ، فبرأ لوقته، فقال له النَّبيُّ ﷺ : «وما أدراك أنَّها رقية؟» (١). ومن ساعده التَّوفيق وأعين بنور البصيرة حتَّى وقف على أسرار هذه السُّورة وما اشتملت عليه من التَّوحيد ومعرفة الذَّات والأسماء والصِّفات والأفعال، وإثبات الشَّرع والقدر والمعاد، وتجريد توحيد الرُّبوبيَّة والإلهيَّة، وكمالِ التَّوكُّل، والتَّفويضِ إلى من له الأمر كلُّه، وله الحمدُ كلُّه، وبيده الخير كلُّه، وإليه يرجع الأمر كلُّه؛ والافتقارِ إليه في طلب الهداية الَّتي هي أصل سعادة الدَّارين= وعلِمَ ارتباطَ معانيها بجلب مصالحهما ودفع مفاسدهما، وأنَّ العافية المطلقة التَّامَّة والنِّعمة الكاملة منوطةٌ بها، موقوفةٌ على التَّحقُّق (٢) بها= أغنته عن كثيرٍ من الأدوية والرُّقى، واستفتَح بها من الخير أبوابَه، ودفَع بها من الشَّرِّ أسبابَه. وهذا أمرٌ يحتاج إلى استحداث فطرةٍ أخرى، وعقلٍ آخر، وإيمانٍ آخر. وتاللَّه لا تجد مقالةً فاسدةً ولا بدعةً باطلةً إلا وفاتحةُ الكتاب متضمِّنةٌ لردِّها وإبطالها بأقرب طريقٍ وأصحِّها وأوضحها. ولا تجد بابًا من أبواب المعارف الإلهيَّة وأعمال القلوب وأدويتها من عللها وأسقامها إلا وفي الفاتحة (٣) مفتاحُه وموضعُ الدِّلالة عليه. ولا منزلَ من منازل السَّائرين إلى ربِّ العالمين إلا وبدايته ونهايته فيها.

стр. 2766

ولعمر الله إنَّ شأنها لأعظم من ذلك، وهي فوق ذلك. وما تحقَّق عبد بها واعتصم بها، وعقَل عمَّن تكلَّم بها، وأنزلها شفاءً تامًّا وعصمةً بالغةً ونورًا مبينًا، وفهمها وفهم لوازمها كما ينبغي؛ ووقع في بدعةٍ ولا شركٍ، ولا أصابه مرضٌ من أمراض القلوب إلا لِمامًا غير مستقرٍّ (١). هذا، وإنَّها المفتاح الأعظم لكنوز الأرض، كما أنَّها المفتاح لكنوز الجنَّة؛ ولكن ليس كلُّ واحدٍ يُحسن الفتحَ بهذا المفتاح! ولو أنَّ طلَّاب الكنوز وقفوا على سرِّ هذه السُّورة، وتحقَّقوا بمعانيها، وركَّبوا لهذا المفتاح أسنانًا، وأحسنوا الفتحَ به= لوصلوا إلى تناول الكنز من غير مُعاوقٍ ولا ممانعٍ. ولم نقل هذا مجازفةً ولا استعارةً، بل حقيقةً. ولكن لله سبحانه حكمةٌ بالغةٌ في إخفاء هذا السِّرِّ عن نفوس أكثر العالمين، كما له حكمةٌ بالغةٌ في إخفاء كنوز الأرض عنهم. والكنوز المحجوبة قد استُخْدِم عليها أرواحٌ خبيثةٌ شيطانيَّةٌ تحول بين الإنس وبينها، ولا يقهرها إلا أرواحٌ علويَّةٌ شريفةٌ غالبةٌ لها بحالها الإيمانيِّ، معها منه أسلحةٌ لا تقوم لها الشَّياطين. وأكثرُ نفوس النَّاس ليست بهذه المثابة، فلا تقاوم تلك الأرواح ولا تقهرها، ولا تنال مِن سَلَبها شيئًا؛ فإنَّ مَن قتَل قتيلًا فله سَلَبُه (٢). فاغية (٣): هي نَور الحنَّاء، وهي من أطيب الرَّياحين. وقد روى البيهقي

стр. 2767

في كتابه «شعب الإيمان» (١) من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه يرفعه: «سيِّد الرَّياحين في الدُّنيا والآخرة: الفاغية». وروى فيه (٢) أيضًا عن أنس بن مالكٍ قال: كان أحبَّ الرَّياحين إلى رسول الله ﷺ الفاغية. والله أعلم بحال هذين الحديثين، فلا نشهد على رسول الله ﷺ بما لا نعلم صحَّته. وهي معتدلةٌ في الحرِّ واليبس، فيها بعض القبض، وإذا وضعت بين طيِّ ثياب الصُّوف حفظتها من السُّوس. وتدخل في مراهم الفالِج والتَّمدُّد (٣). ودهنُها يحلِّل الإعياء (٤)، ويليِّن العصَب.

стр. 2768

فضَّة: ثبت أنَّ رسول الله ﷺ كان خاتمه من فضَّةٍ، وفصُّه منه (١). وكانت قَبيعةُ سيفه فضَّةً (٢). ولم يصحَّ عنه في المنع من لباس الفضَّة والتَّحلِّي بها شيءٌ البتَّة، كما صحَّ عنه المنعُ من الشُّرب في آنيتها. وبابُ الآنية أضيق من باب اللِّباس والتَّحلِّي، ولهذا يباح للنِّساء لباسًا وحليةً ما يحرم عليهنَّ استعمالُه آنيةً، فلا يلزم من تحريم الآنية تحريمُ اللِّباس والحلية (٣). وفي السُّنن (٤) عنه: «وأمَّا الفضَّةُ فالعبوا بها لعبًا». فالمنع يحتاج إلى

стр. 2769

دليلٍ يبيِّنه: إمَّا نصٍّ أو إجماعٍ. فإن ثبت أحدهما، وإلَّا ففي القلب من تحريم ذلك على الرِّجال شيءٌ. والنَّبيُّ ﷺ أمسك بيده ذهبًا، وبالأخرى حريرًا، وقال: «هذان حرامٌ على ذكور أمَّتي، حِلٌّ لإناثهم» (١). والفضَّة سرٌّ من أسرار الله في الأرض. وهي طِلَّسْم الحاجات وأحساب (٢) أهل الدُّنيا بينهم. وصاحبها مرموقٌ بالعيون بينهم، معظَّمٌ في النُّفوس، مصدَّرٌ في المجالس، لا تغلق دونه الأبواب، ولا تُمَلُّ مجالستُه ولا معاشرتُه، ولا يستثقل مكانُه. تشير الأصابع إليه، وتعقد العيونُ نطاقها عليه. إن قال سُمِع لقوله، وإن شفَع قُبلت شفاعتُه، وإن شَهِد زكِّيت شهادتُه. وإن خطَب فكفءٌ لا يعاب، وإن كان ذا شيبةٍ بيضاء فهي أجمل عليه من حُلَّة (٣) الشَّباب.

стр. 2770

وهي من الأدوية المفرِّحة النَّافعة من الغمِّ والهمِّ (١) والحزن، وضعف القلب وخفقانه. وتدخل في المعاجين الكبار، وتجتذب بخاصِّيَّتها ما يتولَّد في القلب من الأخلاط الفاسدة خصوصًا إذا أضفتَ (٢) إلى ذلك العسلَ المصفَّى والزَّعفران. ومزاجها إلى البرودة واليبوسة. ويتولَّد عنها من الحرارة والرُّطوبة ما يتولَّد (٣). والجنانُ الَّتي أعدَّها الله لأوليائه يوم يلقونه أربعٌ: جنَّتان من ذهبٍ، وجنَّتان من فضَّةٍ: آنيتُهما وحِليتُهما وما فيهما (٤). وقد ثبت عنه ﷺ في الصَّحيح (٥) أنَّه قال: «الَّذي يشرب في آنية الذَّهب والفضَّة إنَّما يُجَرْجِرُ في بطنه نار جهنَّم». وصحَّ عنه ﷺ أنَّه قال: «لا تشربوا في آنية الذَّهب والفضَّة، ولا تأكلوا في صِحافهما، فإنَّها لهم في الدُّنيا ولكم في الآخرة» (٦). فقيل: علَّة التَّحريم تضييق النُّقود، فإنَّها إذا اتُّخذت أواني فاتت الحكمة الَّتي وُضِعت لأجلها من قيام مصالح بني آدم. وقيل: العلَّة الفخر والخيلاء.
следующие страницы →