← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

ولعمر الله إنَّ شأنها لأعظم من ذلك، وهي فوق ذلك. وما تحقَّق عبد بها واعتصم بها، وعقَل عمَّن تكلَّم بها، وأنزلها شفاءً تامًّا وعصمةً بالغةً ونورًا مبينًا، وفهمها وفهم لوازمها كما ينبغي؛ ووقع في بدعةٍ ولا شركٍ، ولا أصابه مرضٌ من أمراض القلوب إلا لِمامًا غير مستقرٍّ (١). هذا، وإنَّها المفتاح الأعظم لكنوز الأرض، كما أنَّها المفتاح لكنوز الجنَّة؛ ولكن ليس كلُّ واحدٍ يُحسن الفتحَ بهذا المفتاح! ولو أنَّ طلَّاب الكنوز وقفوا على سرِّ هذه السُّورة، وتحقَّقوا بمعانيها، وركَّبوا لهذا المفتاح أسنانًا، وأحسنوا الفتحَ به= لوصلوا إلى تناول الكنز من غير مُعاوقٍ ولا ممانعٍ. ولم نقل هذا مجازفةً ولا استعارةً، بل حقيقةً. ولكن لله سبحانه حكمةٌ بالغةٌ في إخفاء هذا السِّرِّ عن نفوس أكثر العالمين، كما له حكمةٌ بالغةٌ في إخفاء كنوز الأرض عنهم. والكنوز المحجوبة قد استُخْدِم عليها أرواحٌ خبيثةٌ شيطانيَّةٌ تحول بين الإنس وبينها، ولا يقهرها إلا أرواحٌ علويَّةٌ شريفةٌ غالبةٌ لها بحالها الإيمانيِّ، معها منه أسلحةٌ لا تقوم لها الشَّياطين. وأكثرُ نفوس النَّاس ليست بهذه المثابة، فلا تقاوم تلك الأرواح ولا تقهرها، ولا تنال مِن سَلَبها شيئًا؛ فإنَّ مَن قتَل قتيلًا فله سَلَبُه (٢). فاغية (٣): هي نَور الحنَّاء، وهي من أطيب الرَّياحين. وقد روى البيهقي

стр. 2767

في كتابه «شعب الإيمان» (١) من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه يرفعه: «سيِّد الرَّياحين في الدُّنيا والآخرة: الفاغية». وروى فيه (٢) أيضًا عن أنس بن مالكٍ قال: كان أحبَّ الرَّياحين إلى رسول الله ﷺ الفاغية. والله أعلم بحال هذين الحديثين، فلا نشهد على رسول الله ﷺ بما لا نعلم صحَّته. وهي معتدلةٌ في الحرِّ واليبس، فيها بعض القبض، وإذا وضعت بين طيِّ ثياب الصُّوف حفظتها من السُّوس. وتدخل في مراهم الفالِج والتَّمدُّد (٣). ودهنُها يحلِّل الإعياء (٤)، ويليِّن العصَب.

стр. 2768

فضَّة: ثبت أنَّ رسول الله ﷺ كان خاتمه من فضَّةٍ، وفصُّه منه (١). وكانت قَبيعةُ سيفه فضَّةً (٢). ولم يصحَّ عنه في المنع من لباس الفضَّة والتَّحلِّي بها شيءٌ البتَّة، كما صحَّ عنه المنعُ من الشُّرب في آنيتها. وبابُ الآنية أضيق من باب اللِّباس والتَّحلِّي، ولهذا يباح للنِّساء لباسًا وحليةً ما يحرم عليهنَّ استعمالُه آنيةً، فلا يلزم من تحريم الآنية تحريمُ اللِّباس والحلية (٣). وفي السُّنن (٤) عنه: «وأمَّا الفضَّةُ فالعبوا بها لعبًا». فالمنع يحتاج إلى

стр. 2769

دليلٍ يبيِّنه: إمَّا نصٍّ أو إجماعٍ. فإن ثبت أحدهما، وإلَّا ففي القلب من تحريم ذلك على الرِّجال شيءٌ. والنَّبيُّ ﷺ أمسك بيده ذهبًا، وبالأخرى حريرًا، وقال: «هذان حرامٌ على ذكور أمَّتي، حِلٌّ لإناثهم» (١). والفضَّة سرٌّ من أسرار الله في الأرض. وهي طِلَّسْم الحاجات وأحساب (٢) أهل الدُّنيا بينهم. وصاحبها مرموقٌ بالعيون بينهم، معظَّمٌ في النُّفوس، مصدَّرٌ في المجالس، لا تغلق دونه الأبواب، ولا تُمَلُّ مجالستُه ولا معاشرتُه، ولا يستثقل مكانُه. تشير الأصابع إليه، وتعقد العيونُ نطاقها عليه. إن قال سُمِع لقوله، وإن شفَع قُبلت شفاعتُه، وإن شَهِد زكِّيت شهادتُه. وإن خطَب فكفءٌ لا يعاب، وإن كان ذا شيبةٍ بيضاء فهي أجمل عليه من حُلَّة (٣) الشَّباب.

стр. 2770

وهي من الأدوية المفرِّحة النَّافعة من الغمِّ والهمِّ (١) والحزن، وضعف القلب وخفقانه. وتدخل في المعاجين الكبار، وتجتذب بخاصِّيَّتها ما يتولَّد في القلب من الأخلاط الفاسدة خصوصًا إذا أضفتَ (٢) إلى ذلك العسلَ المصفَّى والزَّعفران. ومزاجها إلى البرودة واليبوسة. ويتولَّد عنها من الحرارة والرُّطوبة ما يتولَّد (٣). والجنانُ الَّتي أعدَّها الله لأوليائه يوم يلقونه أربعٌ: جنَّتان من ذهبٍ، وجنَّتان من فضَّةٍ: آنيتُهما وحِليتُهما وما فيهما (٤). وقد ثبت عنه ﷺ في الصَّحيح (٥) أنَّه قال: «الَّذي يشرب في آنية الذَّهب والفضَّة إنَّما يُجَرْجِرُ في بطنه نار جهنَّم». وصحَّ عنه ﷺ أنَّه قال: «لا تشربوا في آنية الذَّهب والفضَّة، ولا تأكلوا في صِحافهما، فإنَّها لهم في الدُّنيا ولكم في الآخرة» (٦). فقيل: علَّة التَّحريم تضييق النُّقود، فإنَّها إذا اتُّخذت أواني فاتت الحكمة الَّتي وُضِعت لأجلها من قيام مصالح بني آدم. وقيل: العلَّة الفخر والخيلاء.

стр. 2771

وقيل: العلَّة كسرُ قلوب الفقراء والمساكين إذا رأوها وعاينوها (١). وهذه العلل فيها ما فيها، فإنَّ التَّعليل بتضييق النُّقود يمنع من التَّحلِّي بها وجعلِها سبائك ونحوِها ممَّا ليس بآنيةٍ ولا نقدٍ. والفخر والخيلاء حرامٌ بأيِّ شيءٍ كان. وكسرُ قلوب المساكين لا ضابط له، فإنَّ قلوبهم تنكسر بالدُّور الواسعة، والحدائق المعجبة، والمراكب الفارهة، والملابس الفاخرة، والأطعمة اللَّذيذة، وغير ذلك من المباحات. فكلُّ هذه عللٌ منتقضةٌ، إذ توجد العلَّة ويتخلَّف معلولها. فالصَّواب أنَّ العلَّة ــ والله أعلم ــ ما يكسب استعمالُها القلبَ من الهيئة والحالة المنافية للعبوديَّة منافاةً ظاهرةً. ولهذا علَّل النَّبيُّ ﷺ بأنَّها للكفَّار في الدُّنيا، إذ ليس لهم نصيبٌ من العبوديَّة الَّتي ينالونها (٢) بها في الآخرة. فلا يصلح استعمالها لعبيد الله في الدُّنيا وإنَّما يستعملها من خرج عن عبوديَّته ورضي بالدُّنيا وعاجلها من الآخرة. والله أعلم. حرف القاف قرآن: قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]. والصَّحيح: أنَّ «مِنْ» هاهنا لبيان الجنس، لا للتَّبعيض (٣). وقال تعالى: ﴿(٥٦) يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي﴾ [يونس: ٥٧].

стр. 2772

فالقرآن هو الشِّفاء التَّامُّ من جميع الأدواء القلبيَّة والبدنيَّة, وأدواء الدُّنيا والآخرة. وما كلُّ أحدٍ يؤهَّل ولا يوفَّق للاستشفاء به. وإذا أحسن العليل التَّداوي به، ووضَعَه على دائه بصدقٍ وإيمانٍ، وقبولٍ تامٍّ، واعتقادٍ جازمٍ، واستيفاء شروطه= لم يقاومه الدَّاءُ أبدًا. وكيف تقاوم الأدواءُ كلامَ ربِّ الأرض والسَّماء، الذي لو نزل على الجبال لصدَّعها، أو على الأرض لقطَّعها؟ فما من مرضٍ من أمراض القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيلُ الدِّلالة على دوائه، وسببه، والحِمْية منه، لمن رزقه الله فهمًا في كتابه. وقد تقدَّم في أوَّل الكلام على الطِّبِّ بيانُ إرشاد القرآن العظيم إلى أصوله ومجامعه الَّتي هي: حفظُ الصِّحَّة، والحِمْية، واستفراغ المؤذي؛ والاستدلال بذلك على سائر أفراد هذه الأنواع. وأمَّا الأدوية القلبيَّة، فإنَّه يذكرها (١) مفصَّلةً، ويذكر أسباب أدوائها وعلاجها. قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١]، فمن لم يشفه القرآن فلا شفاه اللَّه ومن لم يكفه فلا كفاه اللَّه. قِثَّاء (٢): في السُّنن من حديث عبد الله بن جعفر أنَّ رسول الله ﷺ كان يأكل القثَّاء بالرُّطب. رواه الترمذي وغيره (٣).

стр. 2773

القثَّاء باردٌ رطبٌ في الدَّرجة الثَّانية. مُطْفٍ (١) لحرارة المعدة الملتهبة، بطيء الفساد فيها، نافعٌ من وجع المثانة. ورائحتُه تنفع من الغَشْي. وبِزْرُه يُدرُّ البول وورقُه إذا اتُّخذ ضمادًا نفَع من عضَّة الكلب. وهو بطيء الانحدار عن المعدة، بردُه مضرٌّ ببعضها (٢). فينبغي أن يستعمل معه ما يُصلحه ويكسِر بردَه ورطوبتَه، كما فعل رسول الله ﷺ إذ أكله بالرُّطَب. فإذا أُكِل بتمرٍ أو زبيبٍ أو عسلٍ عدَّله (٣). قُسْط وكُسْت (٤): بمعنًى واحدٍ. وفي «الصَّحيحين» (٥) من حديث أنس عن النَّبيِّ ﷺ : «خير ما تداويتم به: الحِجامة والقُسْط البحريُّ». وفي «المسند» (٦) من حديث أم قيس عن النَّبيِّ ﷺ : «عليكم بهذا العود الهنديِّ, فإنَّ فيه سبعة أشفيةٍ, منها ذات الجنب». القُسْط ضربان. أحدهما: الأبيض الذي يقال له: البحريُّ. والآخر: الهنديُّ، وهو أشدُّهما حرًّا. والأبيض ألينهما. ومنافعهما كثيرةٌ جدًّا (٧).

стр. 2774

وهما حارَّان يابسان في الثَّالثة، ينشِّفان البلغم، قاطعان للزُّكام. وإذا شُربا نفعا من ضعف الكبد والمعدة، ومن بردهما، ومن حمَّى الدَّور والرِّبع؛ وقطعا وجع الجنب، ونفعا من السُّموم. وإذا طلي به الوجهُ معجونًا بالماء والعسل قلَع الكلَفَ (١). وقال جالينوس: ينفع من الكُزاز ووجعِ الجنبين، ويقتل حبَّ القَرَع. وقد خفي على جهَّال الأطبَّاء نفعُه من وجع ذات الجنب، فأنكروه (٢). ولو ظفر هذا الجاهل بهذا النَّقل عن جالينوس نزَّله منزلة النَّصِّ. كيف وقد نصَّ كثيرٌ من الأطبَّاء المتقدِّمين على أنَّ القُسْط يصلح للنَّوع البلغميِّ من ذات الجنب. ذكره الخطابي عن محمَّد بن الجهم (٣). وقد تقدَّم أنَّ طبَّ الأطبَّاء بالنِّسبة إلى طبِّ الأنبياء أقلُّ من نسبة طبِّ

стр. 2775

الطُّرقيَّة والعجائز إلى طبِّ الأطبَّاء، وأنَّ بين ما يُلقَّى بالوحي وبين ما يلقَّى بالتَّجربة والقياس من الفَرْق أعظمَ ممَّا بين القدم والفَرْق (١)! ولو أنَّ هؤلاء الجهَّال وجدوا دواءً منصوصًا عن بعض اليهود أو النَّصارى أو المشركين من الأطبَّاء لتلقَّوه بالقبول والتَّسليم، ولم يتوقَّفوا على تجربته! نعم، نحن لا ننكر أنَّ للعادة تأثيرًا في الانتفاع بالدَّواء وعدمه. فمن اعتاد دواءً أو غذاءً كان أنفع له وأوفق ممَّن لم يعتَدْه، بل ربَّما لم ينتفع به مَن لم يعتده. وكلام فضلاء الأطبَّاء وإن كان مطلقًا، فهو بحسب الأمزجة والأزمنة والأماكن والعوائد. فإذا كان التَّقييد بذلك لا يقدح في كلامهم ومعارفهم، فكيف يقدح في كلام الصَّادق المصدوق؟ ولكنَّ نفوس البشر مركَّبةٌ على الجهل والظُّلم إلا من أيَّده الله بروح الإيمان، ونوَّر بصيرته بنور الهدى. قصَب السُّكَّر: جاء في بعض ألفاظ السُّنَّة الصَّحيحة في الحوض: «ماؤه أحلى من السُّكَّر» (٢). ولا أعرف السُّكَّر في الحديث إلا في هذا الموضع (٣).

стр. 2776

والسُّكَّر حادثٌ لم يتكلَّم فيه متقدِّمو الأطبَّاء، ولا كانوا يعرفونه، ولا يصفونه في الأشربة. وإنَّما يعرفون العسل، ويُدخلونه في الأدوية (١). وقصبُ السُّكَّر حارٌّ رطبٌ. ينفع من السُّعال، ويجلو الرُّطوبة والمثانة وقصبة الرِّئة، وهو أشدُّ تليينًا من السُّكَّر. وفيه معونةٌ على القيء، ويدرُّ البول، ويزيد في الباه (٢). قال عفَّان بن مسلمٍ الصَّفَّار: من مصَّ قصب السُّكَّر بعد طعامه لم يزل يومَه أجمعَ في سرورٍ (٣). انتهى. وهو ينفع من خشونة الصَّدر والحلق إذا شُوي (٤). ويولِّد رياحًا دفعُها بأن يقشَّر ويُغسَل بماءٍ حارٍّ. والسُّكَّر حارٌّ رطبٌ على الأصحِّ، وقيل: بارد. وأجوده: الأبيض الشَّفَّاف الطَّبَرْزَد (٥). وعتيقه ألطف من جديده. وإذا طُبخ ونُزعت رغوته سكَّن العطش والسُّعال. وهو يضرُّ المعدة الَّتي تتولَّد فيها الصَّفراء لاستحالته إليها. ودفعُ ضرره بماء اللَّيمون أو النَّارنج أو الرُّمَّان اللُّفَّان (٦).

стр. 2777

وبعض النَّاس يفضِّله على العسل لقلَّة حرارته ولينه. وهذا تحاملٌ منه على العسل، فإنَّ منافع العسل أضعاف منافع السُّكَّر، وقد جعله الله شفاءً ودواءً وأُدْمًا (١) وحلاوةً. وأين نفعُ السُّكَّر من المنافع التي يدخل فيها العسل (٢): من تقوية المعدة، وتليين الطَّبع، وإحداد البصر، وجلاء ظلمته، ودفع الخوانيق (٣) بالغرغرة به، وإبرائه من الفالج واللَّقوة ومن جميع العلل الباردة الَّتي تحدث في جميع البدن (٤) من الرُّطوبات، فيجذبها من قعر البدن؛ وحفظِ صحَّته، وتسمينه (٥)، والزِّيادة في الباه، والتَّحليل والجلاء، وفتح أفواه العروق، وتنقية المعى، وإحدار الدُّود، ومنع اللحم (٦) وغيره من العفَن، والأُدْم النَّافع، وموافقة من غلب عليه البلغم والمشايخ وأهل الأمزجة الباردة. وبالجملة، فلا شيء أنفع منه للبدن، وفي العلاج وعَجْن (٧) الأدوية وحفظ قواها، وتقوية المعدة، إلى أضعافِ أضعافِ (٨) هذه المنافع. فأين للسُّكَّر مثل هذه المنافع والخصائص أو قريبٌ منها؟ والله الموفِّق.

стр. 2778

حرف الكاف كتابٌ للحمَّى: قال المرُّوذي (١): بلغ أبا عبد الله أنِّي حُمِمْتُ فكتب لي من الحمَّى رقعةً فيها: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم. بسم اللَّه، وباللَّه. ومحمَّدٌ رسول اللَّه ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٩ - ٧٠]. اللَّهمَّ ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، اشفِ صاحبَ هذا الكتاب بحولك وقوَّتك وجبروتك، إلهَ الحقِّ. آمين (٢). قال المرُّوذي: وقرأ على أبي عبد الله ــ وأنا أسمع ــ أبو المنذر عمرو بن مجمِّع، حدَّثنا يونس بن خبَّاب (٣) قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي أن أعلِّق التَّعويذ، فقال: إن كان من كتاب الله أو كلامٍ عن نبيِّ الله فعلِّقه واستشفِ به ما استطعت. قلت: أكتب هذه من حمَّى الرِّبع: «باسم اللَّه، وباللَّه، ومحمَّدٌ رسول الله ... » إلى آخره؟ أي (٤) قال: نعم (٥).

стр. 2779

وذكر أحمد (١) عن عائشة وغيرها أنَّهم سهَّلوا في ذلك. قال حرب (٢): ولم يشدِّد فيه أحمد بن حنبلٍ. قال أحمد: وكان ابن مسعودٍ يكرهه كراهةً شديدةً جدًّا. وقال أحمد (٣) وقد سئل عن التَّمائم: تُعلَّق بعد نزول البلاء؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأسٌ. قال الخلال: وحدَّثنا عبد الله بن أحمد قال: رأيت أبي يكتب التَّعويذ للَّذي يفزع، وللحمَّى بعد وقوع البلاء (٤). كتابٌ لعسر الولادة: قال الخلال: حدَّثني عبد الله بن أحمد: قال رأيت أبي يكتب للمرأة إذا عسُر عليها ولادتها في جامٍ أبيض أو شيءٍ نظيفٍ، يكتب حديث ابن عبَّاسٍ: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله ربِّ العرش العظيم، الحمد لله ربِّ العالمين: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، ﴿(٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ﴾ [النازعات: ٤٦] (٥).

стр. 2780

قال الخلال: أنبأنا أبو بكر المرُّوذي أنَّ أبا عبد الله جاءه رجلٌ فقال: يا أبا عبد الله! تكتب لامرأةٍ قد عسُر عليها ولدُها منذ يومين؟ فقال: قل له: يجئ بجامٍ واسعٍ ويجئ بزعفرانٍ. ورأيته يكتب لغير واحدٍ (١). ويذكر عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ قال: «مرَّ عيسى ﷺ على بقرةٍ، وقد اعترض ولدُها في بطنها، فقالت: يا كلمة اللَّه! ادع الله لي (٢) أن يخلِّصني ممَّا أنا فيه. فقال: يا خالقَ النَّفس من النَّفس، ويا مخلِّصَ النَّفس من النَّفس، ويا مخرجَ النَّفس من النَّفس، خلِّصها. قال: فرمت بولدها، فإذا هي قائمةٌ تشُمُّه». قال: فإذا عسُر على المرأة ولدُها فاكتبه لها (٣). وكلُّ ما تقدَّم في الرُّقى فإنَّ كتابته نافعةٌ. ورخَّص جماعةٌ من السَّلف في كتابة بعض القرآن وشربه، وجعل ذلك من الشِّفاء الذي جعل الله فيه. كتابٌ آخر لذلك: يكتب في إناءٍ نظيفٍ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا (٤)﴾ [الانشقاق: ١ - ٤]. وتشرب منه

стр. 2781

الحامل، ويُرَشُّ على بطنها. كتابٌ للرُّعاف: كان شيخ الإسلام ابن تيميَّة قدَّس الله روحه يكتب على جبهته: ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [هود: ٤٤]. وسمعته يقول: كتبتها لغير واحدٍ، فبرأ. قال: ولا يجوز كتابتها بدم الرَّاعف كما يفعله الجهَّال، فإنَّ الدَّم نجسٌ، فلا يجوز أن يكتب به كلام الله تعالى (١). كتابٌ آخر له (٢): خرج موسى برداءٍ، فوجد شِعْبًا (٣)، فسدَّه (٤) بردائه ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]. كتابٌ للحَزَاز (٥): يكتب عليه: ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة: ٢٦٦] بحول الله وقوَّته. كتابٌ آخر له (٦): عند اصفرار الشَّمس يكتب عليه: ﴿آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلَّا﴾ [الحديد: ٢٨].

стр. 2782

كتابٌ آخر للحمَّى المثلَّثة (١): يكتب على ثلاث ورقاتٍ لطافٍ: «بسم الله فرَّت. بسم الله مرَّت. بسم الله قلَّت (٢)». ويأخذ كلَّ يومٍ ورقةً، ويجعلها في فمه ويبلعها (٣) بماءٍ. كتابٌ (٤) لعرق النَّسا (٥): بسم الله الرَّحمن الرَّحيم. اللَّهمَّ ربَّ كلِّ شيءٍ، ومليك كلِّ شيءٍ، وخالقَ كلِّ شيءٍ؛ أنت خلقتني وخلقتَ النَّسا فيَّ (٦)، فلا تسلِّطه عليَّ بأذًى، ولا تسلِّطني عليه بقطعٍ (٧)، واشفني شفاءً لا يغادر سقمًا، لا شافي إلا أنت. كتاب للعِرق الضارب (٨): روى الترمذي في «جامعه» (٩): من حديث

стр. 2783

ابن عبَّاسٍ أنَّ رسول الله ﷺ كان يعلِّمهم من الحمَّى ومن الأوجاع كلِّها أن يقول (١): «بسم الله الكبير، أعوذ بالله العظيم من شرِّ كلِّ عِرْقٍ نعَّارٍ (٢)، ومن شرِّ حرِّ النَّار». كتاب لوجع الضِّرس (٣): يكتب على الخدِّ الذي يلي الوجع: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: ٢٣]. وإن شاء كتَب: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١٣] (٤).

стр. 2784

كتاب للخُراج (١): يكتب عليه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٥ - ١٠٧]. كمأة (٢): ثبت عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «الكمأة من المنِّ وماؤها شفاءٌ للعين». أخرجاه في «الصَّحيحين» (٣). قال ابن الأعرابيِّ: الكمأة: جمعٌ, واحده كَمْءٌ (٤). وهذا خلاف قياس العربيَّة فإنَّ ما بينه وبين واحده التَّاء فالواحدُ منه بالتَّاء، وإذا حذفت كان للجمع. وهل هو جمعٌ أو اسم جمعٍ؟ على قولين مشهورين. قالوا: ولم يخرج عن هذا إلا حرفان: كمأةٌ وكمءٌ، وجَبْأةٌ وجَبْءٌ (٥). وقال غير ابن الأعرابيِّ: بل هي على القياس: الكمأة للواحد، والكمء للكثير (٦). وقال

стр. 2785

غيرهما: الكمأة تكون واحدًا وجمعًا (١). واحتجَّ أصحاب القول الأوَّل بأنَّهم قد جمعوا كَمْأً على أكمُؤٍ. قال الشَّاعر (٢): ولقد جنيتُك أكمُؤًا وعساقلًا ... ولقد نهيتُك عن بنات الأوبر (٣) وهذا يدلُّ على أنَّ كَمْأً مفردٌ، وكمأةً جمعٌ (٤). والكمأة تكون في الأرض من غير أن تزرع. وسمِّيت كمأةً لاستتارها. ومنه كمَأ الشَّهادةَ، إذا سترها وأخفاها. والكمأة مختفية (٥) تحت الأرض، لا ورق لها ولا ساق. ومادَّتها من جوهرٍ أرضيٍّ بخاريٍّ محتقنٍ في الأرض نحو سطحها. يحتقن ببرد الشِّتاء، وتنمِّيه أمطار الرِّبيع، فيتولَّد ويندفع نحو سطح الأرض متجسِّدًا. ولذلك يقال لها: «جُدَريُّ الأرض» تشبيهًا بالجدريِّ في صورته ومادَّته، لأنَّ مادَّته رطوبةٌ دمويَّةٌ، تندفع عند سنِّ التَّرعرع في الغالب وفي ابتداء استيلاء الحرارة ونماء القوَّة.

стр. 2786

وهي ممَّا يوجد في الرَّبيع، ويؤكل نيئًا ومطبوخًا. وتسمِّيها العرب: «نبات الرَّعد» لأنَّها تكثر بكثرته، وتنفطر عنها الأرض. وهي من أطعمة أهل البوادي وتكثر بأرض العرب. وأجودها: ما كانت أرضها رملةً قليلة الماء. وهي أصنافٌ. منها: صنفٌ قتَّالٌ يضرب لونه إلى الحمرة، يُحدث الاختناق. وهي باردةٌ رطبةٌ في الدَّرجة الثانية (١)، رديَّة للمعدة، بطيئة الهضم. وإذا أدمنت أورثت القُولنج، والسَّكتة، والفالج، ووجع المعدة، وعسر البول. والرَّطبةُ أقلُّ ضررًا من اليابسة. ومن أكلها فليدفنها في الطِّين الرَّطب، ويسلقها بالماء والملح والصَّعتر، ويأكلها بالزَّيت والتَّوابل الحارَّة؛ لأنَّ جوهرها أرضيٌّ غليظٌ وغذاؤها رديٌّ، لكن فيها جوهرٌ مائيٌّ لطيفٌ يدلُّ عليه خفَّتها. والاكتحالُ بها نافعٌ من ضعف البصر والرَّمد الحادِّ (٢). وقد اعترف فضلاء الأطبَّاء بأنَّ ماءها يجلو العين. وممَّن ذكره: المسيحيُّ (٣) وصاحب «القانون» (٤) وغيرهما. وقوله ﷺ : «الكمأة من المنِّ»، فيه قولان:

стр. 2787

أحدهما: أنَّ المنَّ الذي أنزل على بني إسرائيل لم يكن هذا الحلو فقط بل أشياء كثيرةً منَّ الله عليهم بها من النَّبات الذي يوجد (١) عفوًا من غير صنعةٍ ولا علاجٍ ولا حرثٍ. فإنَّ المنَّ مصدرٌ بمعنى المفعول، أي ممنونٌ به. فكلُّ ما رزقه الله العبدَ عفوًا بغير كسبٍ منه ولا علاجٍ فهو منٌّ من (٢) الله تعالى عليه، لأنه لم يشُبْه كسبُ العبد، ولم يكدِّره تعبُ العمل. فهو (٣) منٌّ محضٌ، وإن كانت سائر نعمه منًّا منه على عبده، فخصَّ منها ما لا كسب له فيه ولا صنع باسم «المنِّ» فإنَّه منٌّ بلا واسطة العبد. وجعل سبحانه قوتهم بالتِّيه الكمأة وهي تقوم مقام الخبز، وجعَل أُدمهم السَّلوى وهو يقوم مقام اللَّحم، وجعل حلواهم الطَّلَّ الذي ينزل على الأشجار يقوم لهم مقام الحلوى= فكمل عيشهم. وتأمَّل قوله ﷺ : «الكمأة من المنِّ الذي أنزله الله على بني إسرائيل» فجعَلها من جملته، وفردًا من أفراده. والتَّرَنْجَبين الذي يسقط على الأشجار نوعٌ من المنِّ، ثمَّ غلب استعمال المنِّ عليه عُرفًا حادثًا. والقول الثَّاني: أنَّه شبَّه الكمأة بالمنِّ المنزَّل من السَّماء، لأنَّه يُجمَع من غير تعبٍ ولا كلفةٍ، ولا زرع بزرٍ ولا سقيٍ (٤).

стр. 2788

فإن قلت: فإذا كان هذا شأن الكمأة، فما بال هذا الضَّرر فيها؟ ومن أين أتاها ذلك؟ فاعلم أنَّ الله سبحانه أتقن كلَّ شيءٍ صنَعه، وأحسن كلَّ شيءٍ خلَقه، فهو عند مبدأ خلقه بريءٌ من الآفات والعلل، تامُّ المنفعة لما هيِّئ وخُلِق (١). وإنَّما تعرض له الآفات بعد ذلك بأمورٍ أخرى من مجاورةٍ أو امتزاجٍ واختلاطٍ أو أسبابٍ أُخَر تقتضي فساده. فلو تُرك على خلقته الأصليَّة من غير تعلُّق أسباب الفساد به لم يفسد. ومن له معرفةٌ بأحوال العالم ومبدئه يعرف أنَّ جميع فساده (٢) في جوِّه ونباته وحيوانه وأحوال أهله حادثٌ بعد خلقه، بأسبابٍ اقتضت حدوثه. ولم تزل أعمال بني آدم ومخالفتهم للرُّسل تُحدث لهم من الفساد العامِّ والخاصِّ ما يجلب عليهم من الآلام والأمراض والأسقام والطَّواعين، والقحوط والجدوب، وسَلْب بركات الأرض وثمارها ونباتها، وسَلْبِ منافعها، أو نقصانها= أمورًا متتابعةً يتلو بعضها بعضًا. فإن لم يتَّسع علمك لهذا، فاكتفِ بقوله سبحانه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١] (٣)، ونزِّل هذه الآية على أحوال

стр. 2789

العالم، وطابِق بين الواقع وبينها، وأنت ترى كيف تحدث الآفات والعلل كلَّ وقتٍ في الثِّمار والزَّرع والحيوان، وكيف تحدث من تلك الآفات آفاتٌ أخر متلازمةٌ، بعضُها آخذٌ برقاب بعضٍ. وكلَّما أحدث النَّاس ظلمًا وفجورًا أحدث لهم ربُّهم ﵎ من الآفات والعلل في أغذيتهم وفواكههم وأهويتهم ومياههم وأبدانهم وخلقهم وصورهم وأشكالهم وأخلاقهم، من النَّقص والآفات ما هو موجَبُ أعمالهم وظلمهم وفجورهم. ولقد كانت الحبوب من الحنطة وغيرها أكبر ممَّا هي اليوم كما كانت البركة فيها أعظم. وقد روى الإمام أحمد (١) بإسناده: أنَّه وُجِد في خزائن بعض بني أميَّة صُرَّةٌ فيها حنطةٌ أمثال نوى التَّمر، مكتوبٌ عليها: هذا كان ينبت أيَّام العدل. وهذه القصَّة ذكرها في «مسنده» على إثر حديثٍ رواه (٢). وأكثر هذه الآفات والأمراض (٣) العامَّة بقيَّةُ عذابٍ عذِّبت به الأمم السَّالفة ثمَّ بقيت منها بقيَّةٌ مُرْصَدةٌ لمن بقيت عليه بقيَّةٌ من أعمالهم حكمًا قسطًا وقضاءً عدلًا. وقد أشار النَّبيُّ ﷺ إلى هذا بقوله في الطَّاعون: «إنَّه بقيَّة

стр. 2790

رجزٍ أو عذابٍ أُرسل على بني إسرائيل» (١). وكذلك سلَّط الله سبحانه الرِّيحَ على قوم عاد سبع ليالٍ وثمانية أيَّامٍ، ثمَّ أبقى في العالم منها بقيَّةً في تلك الأيَّام أو في نظيرها عظة وعبرة. وقد جعل الله سبحانه أعمال البرِّ والفجور مقتَضِياتٍ لآثارها في هذا العالم اقتضاءً لا بدَّ منه. فجعل منعَ الإحسان والزَّكاة والصَّدقة سببًا لمنع الغيث من السَّماء والقَحْط والجَدْب، وجعل ظلمَ المساكين والبخسَ في المكاييل والموازين وتعدِّي القويِّ على الضَّعيف سببًا لجور الملوك والولاة الذين لا يَرحمون إن استُرْحِموا، ولا يَعطِفون إن استُعْطِفوا. وهم في الحقيقة أعمال الرَّعايا ظهرت في صور ولاتهم. فإنَّ الله سبحانه بحكمته وعدله يُظهِر للنَّاس أعمالَهم في قوالب وصورٍ تناسبها: فتارةً بقحطٍ وجدبٍ، وتارةً بعدوٍّ، وتارةً بولاةٍ جائرين، وتارةً بأمراضٍ عامَّةٍ، وتارةً بهمومٍ وآلامٍ وغمومٍ تحضرها نفوسُهم لا ينفكُّون عنها، وتارةً بمنع بركات السَّماء والأرض عنهم، وتارةً بتسليط الشَّياطين عليهم تؤزُّهم إلى أسباب العذاب أزًّا، لتحقَّ عليهم الكلمة، وليصير كلٌّ منهم إلى ما خُلِق له. والعاقلُ يسيِّر بصيرته بين أقطار العالم، فيشاهده، وينظر مواقع عدل الله وحكمته. وحينئذٍ يتبيَّن له أنَّ الرُّسل وأتباعهم خاصَّةً على سبيل النَّجاة، وسائرُ الخلق على سبيل الهلاك سائرون، وإلى دار البوار صائرون. والله بالغٌ أمره، لا معقِّب له، ولا رادَّ لأمره. وباللَّه التَّوفيق.

стр. 2791

فصل (١) وقوله ﷺ في الكمأة: «وماؤها شفاءٌ للعين» فيه ثلاثة أقوالٍ: أحدها: أنَّ ماءها يُخْلَط في الأدوية الَّتي يعالَج بها العين، لا أنَّه يستعمل وحده. ذكره أبو عبيدٍ (٢). الثَّاني: أنَّه يُستعمَل بحتًا بعد شيِّها واستقطار مائها، لأنَّ النَّار تلطِّفه وتُنْضِجه، وتذيب فضلاته ورطوبته المُرْدِية (٣)، ويبقى النَّافعُ (٤). الثَّالث: أنَّ المراد بمائها الماءُ الذي يحدث به من المطر، وهو أوَّل قطرٍ ينزل إلى الأرض، فتكون الإضافة إضافة اقترانٍ، لا إضافة جزءٍ. ذكره ابن الجوزيِّ (٥)، وهو أبعد الوجوه وأضعفها. وقيل: إن استعمل ماؤها لتبريد ما في العين، فماؤها مجرَّدًا شفاء. وإن

стр. 2792

كان لغير ذلك فمركَّبٌ مع غيره (١). وقال الغافقي: ماء الكمأة أصلح الأدوية للعين إذا عُجِن به الإثمد واكتُحِل به. ويقوِّي أجفانها، ويزيد الرُّوح الباصر قوَّةً وحدَّةً، ويدفع عنها نزول النَّوازل (٢). كَبَاث (٣): في «الصَّحيحين» (٤): من حديث جابر بن عبد الله قال: كنَّا مع رسول الله ﷺ نجني الكَباث، فقال: «عليكم بالأسود منه، فإنَّه أطيبه». الكَبَاث بفتح الكاف والباء الموحَّدة المخفَّفة والثَّاء المثلَّثة: ثمر الأراك، وهو بأرض الحجاز (٥). وطبعه حارٌّ يابسٌ. ومنافعه كمنافع الأراك: يقوِّي المعدة، ويجيد الهضم، ويجلو البلغم، وينفع من أوجاع الظَّهر وكثيرٍ من الأدواء.

стр. 2793

قال ابن جُلْجُل (١): إذا شُرب طبيخُه (٢) أدرَّ البول ونقَّى المثانة. وقال ابن رضوان (٣): يقوِّي المعدة، ويمسك الطَّبيعة. كَتَم (٤): روى البخاريُّ في «صحيحه» (٥): عن عثمان بن عبد الله بن مَوْهَبٍ قال: دخلنا على أم سلمة فأخرجت إلينا شعرًا من شعر رسول الله ﷺ ، فإذا هو مخضوبٌ بالحنَّاء والكتم. وفي «السُّنن الأربعة» (٦) عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «إنَّ أحسنَ ما غيَّرتم به الشَّيبَ: الحنَّاء والكتَم».

стр. 2794

وفي «الصَّحيحين» (١): عن أنس أنَّ أبا بكر اختضب بالحنَّاء والكتَم. وفي «سنن أبي داود» (٢): عن ابن عبَّاسٍ قال: مرَّ على النَّبيِّ ﷺ رجلٌ قد خضَب بالحنَّاء، فقال: «ما أحسن هذا». فمرَّ آخر قد خضب بالحنَّاء والكَتَم، فقال: «هذا أحسَنُ من هذا». فمرَّ آخر قد خضَب بالصُّفرة، فقال: «هذا أحسن من هذا كلِّه». قال الغافقي: الكتَمُ نبتٌ ينبت بالسُّهول، ورقه قريبٌ من ورق الزَّيتون، يعلو فوق القامة. وله ثمرٌ قدر حبِّ الفلفل، في داخله نوًى إذا رُضِخ اسودَّ. وإذا استُخْرجت عصارة ورقه وشُرِب منها قدرُ أوقيَّةٍ قيَّأ قيئًا (٣) شديدًا، وينفع من عضَّة الكلب. وأصل الكتَم إذا طُبِخ بالماء كان منه مدادٌ يكتب به (٤). وقال الكندي (٥): بزرُ الكتَم إذا اكتُحِل به حلَّل الماء النَّازل في العين وأبرأه (٦). وقد ظنَّ بعض النَّاس (٧) أنَّ الكتَم هو الوَسْمة، وهي ورق النِّيل. وهذا

стр. 2795

وهمٌ فإنَّ الوسمة غير الكتَم. قال صاحب «الصِّحاح» (١): الكتَم بالتَّحريك: نبتٌ يُخْلَط بالوَسِمة (٢) يختضب به. قيل: والوَسْمة نباتٌ له ورقٌ طويلٌ يضرب لونه إلى الزُّرقة، أكبر من ورق الخِلاف، يُشبه ورقَ اللُّوبيا وأكبر منه، يؤتى به من الحجاز واليمن. فإن قيل: فقد ثبت في الصَّحيح عن أنس أنَّه قال: لم يختضب النَّبيُّ ﷺ (٣). قيل: قد أجاب أحمد بن حنبلٍ عن هذا، وقال: قد شهد به غير أنس على رسول الله ﷺ أنَّه خضب، وليس من شهد بمنزلة من لم يشهد (٤). فأحمد أثبت خضابَ النَّبيِّ ﷺ ومعه جماعةٌ من المحدِّثين. ومالك أنكره (٥). فإن قيل: قد ثبت في «صحيح مسلم» (٦) النَّهيُ عن الخضاب بالسَّواد في

стр. 2796

شأن أبي قحافة، لمَّا أُتي به، ورأسُه ولحيتُه كالثَّغامة بياضًا، فقال: «غيِّروا هذا بشيءٍ (١)، وجنِّبوه السَّواد». والكتَمُ يسوِّد الشَّعر (٢). فالجواب من وجهين: أحدهما: أنَّ النَّهي عن التَّسويد البحت. فأمَّا إذا أضيف إلى الحنَّاء شيءٌ آخر كالكتَم ونحوه، فلا بأس به؛ فإنَّ الكتم والحنَّاء يجعل الشَّعر بين الأحمر والأسود، بخلاف الوَسِمة فإنَّها تجعله أسود فاحمًا. وهذا أصحُّ الجوابين. الجواب الثَّاني: أنَّ الخضاب بالسَّواد المنهيِّ عنه خضاب التَّدليس كخضاب (٣) شَعْر الجارية والمرأة الكبيرة تغرُّ الزَّوجَ والسَّيِّدَ بذلك، وخضابِ الشَّيخ يغرُّ المرأةَ بذلك؛ فإنَّه من الغشِّ والخداع. فأمَّا إذا لم يتضمَّن تدليسًا ولا خداعًا فقد صحَّ أن الحسن والحسين (٤) كانا يخضبان بالسَّواد. ذكر ذلك ابن جريرٍ عنهما في كتاب «تهذيب الآثار» (٥). وذكره عن

стр. 2797

عثمان بن عفَّان (١)، وعبد الله بن جعفرٍ، وسعد بن أبي وقَّاصٍ، وعُقبة بن عامرٍ، والمغيرة بن شعبة، وجرير بن عبد اللَّه، وعمرو بن العاص. وحكاه عن جماعةٍ من التَّابعين، منهم: عمرو بن عثمان، وعليُّ بن عبد الله بن عبَّاسٍ، وأبو سلَمة بن عبد الرَّحمن، وعبد الرَّحمن بن الأسود، وموسى بن طلحة، والزُّهريُّ، وأيوب، وإسماعيل بن معدي كرب. وحكاه ابن الجوزيِّ (٢) عن محارب بن دثارٍ، ويزيد [الرِّشْك، والحجَّاج بن أرطاة] (٣)، وابن جريجٍ، وأبي يوسف (٤)، وأبي إسحاق (٥)،

стр. 2798

وابن أبي ليلى، وزياد بن علاقة، وغيلان بن جامع، ونافع بن جبيرٍ، وعمر (١) بن علي المُقَدَّمي، والقاسم بن سلام. كَرْم (٢): شجرة العنب، وهي الحَبْلة. ويكره تسميتها «كرمًا» لما روى مسلم في «صحيحه» (٣) عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «لا يقولنَّ أحدكم للعنب: الكَرْم. الكَرْم: الرَّجل المسلم». وفي روايةٍ (٤): «إنَّما الكَرْم قلبُ المؤمن». وفي أخرى (٥): «لا تقولوا: الكَرْم، وقولوا: العنب والحَبْلة». وفي هذا معنيان: أحدهما: أنَّ العرب كانت تسمِّي شجرة العنب: «الكَرْم» لكثرة منافعها وخيرها، فكره النَّبيُّ ﷺ تسميتها باسمٍ يهيج النُّفوس على محبَّتها ومحبَّة ما يتَّخذ منها من المُسْكر، وهو أمُّ الخبائث؛ فكره أن يسمَّى أصلُه بأحسن الأسماء وأجمعها للخير. والثَّاني: أنَّه من باب قوله: «ليس الشَّديد بالصُّرعة» (٦). «وليس المسكين بالطَّوَّاف» (٧). أي: أنَّكم تسمُّون شجرة العنب كرمًا لكثرة منافعه، وقلبُ المؤمن أو الرَّجلُ المسلمُ أولى بهذا الاسم منه، فإنَّ المؤمن خيرٌ كلُّه ونفعٌ.

стр. 2799

فهو من باب التَّنبيه والتَّعريف لما في قلب المؤمن من الخير والكرم (١) والجود، والإيمان والنُّور، والهدى والتَّقوى، والصِّفات الَّتي يُستحَقُّ بها هذا الاسمُ أكثر من استحقاق الحَبْلة له (٢). وبعد: فقوَّة الحبلة باردةٌ يابسةٌ. وورقُها وعلائقُها (٣) وعُرْمُوشُها (٤) مبرِّدٌ في آخر الدَّرجة الأولى. إذا دُقَّت وضمِّد بها من الصُّداع سكَّنته، ومن (٥) الأورام الحارَّة والتهاب المعدة. وعصارةُ قضبانه إذا شُربت سكَّنت القيء (٦)، وعقَلت البطن. وكذلك إذا مُضِغت قلوبها الرَّطبة. وعصارةُ ورقها تنفع من قروح الأمعاء ونفث الدَّم وقيئه، ووجع المعدة. ودمعة شجره التي

стр. 2800

تجمد (١) على القضبان كالصَّمغ إذا شربت أخرجت الحصاة. وإذا لطِّخ بها أبرأت القوابي (٢) والجرَبَ المتقرَّح وغيره. وينبغي غسلُ العضو قبل استعمالها بالماء والنَّطرون (٣). وإذا تُمسِّح بها مع الزَّيت حلقت الشَّعرَ. ورمادُ قضبانه إذا تضُمِّد به مع الخلِّ ودهنِ الورد والسَّذابِ نفَع من الورم العارض في الطِّحال. وقوَّةُ دهن زهرة الكرم قابضةٌ شبيهةٌ بقوَّة دهن الورد. ومنافعها كثيرةٌ قريبةٌ من منافع النَّخلة. كَرَفْس (٤): روي فيه حديثٌ لا يصحُّ عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: «من أكله ثمَّ نام عليه نام ونكهتُه طيِّبةٌ، وينام آمنًا من وجع الأضراس والأسنان» (٥). وهذا باطلٌ على رسول الله ﷺ ، ولكنَّ البستانيَّ منه يطيِّب النَّكهة جدًّا، وإذا علِّق أصلُه في الرَّقبة نفَع من وجع الأسنان (٦). وهو حارٌّ يابسٌ، وقيل:

стр. 2801

رطبٌ. مفتِّحٌ لسُدَد الكبد والطِّحال. وورقه رطبًا ينفع المعدة والكبد الباردة، ويُدِرُّ البول والطَّمث، ويفتِّت الحصاة. وحبُّه أقوى في ذلك، ويهيِّج الباه، وينفع من البخَر. قال الرازي: وينبغي أن يجتنب أكله إذا خيف من لدغ العقارب (١). كُرَّاث (٢): فيه حديثٌ لا يصحُّ عن رسول الله ﷺ ، بل هو باطلٌ موضوعٌ: «من أكل الكرَّاث ثمَّ نام عليه نام آمنًا من ريح البواسير، واعتزله الملك لنتن نكهته حتَّى يصبح» (٣). وهو نوعان: نبطيٌّ وشاميٌّ. فالنَّبطيُّ: هو البقل الذي يوضع على المائدة. والشَّاميُّ: الذي له رؤوسٌ. وهو حارٌّ يابسٌ، مصدِّعٌ. وإذا طُبِخ وأُكِل أو شُرِب ماؤه نفَع من البواسير الباردة (٤). وإن سُحِق بزرُه وعُجِن بقَطِرانٍ وبُخِّرت به الأضراس الَّتي فيها الدُّود نثَرها وأخرجها، وسكَّن (٥) الوجع العارض فيها (٦).

стр. 2802

وإذا دُخِّنت المقعدة ببزره جفَّفت (١) البواسير. هذا كلُّه في الكرَّاث النَّبطيِّ. وفيه مع ذلك إفسادُ الأسنان واللَّثة. ويُصدِّع، ويُري أحلامًا رديَّةً، ويظلم البصر، ويُنتِّن النَّكهة. وفيه إدرارٌ للبول والطَّمث، وتحريكٌ للباه، وهو بطيء الهضم (٢). حرف اللام لحمٌ: قال تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الطور: ٢٢]. وقال: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١]. وفي «سنن ابن ماجه» (٣) من حديث أبي الدَّرداء عن رسول الله ﷺ : «سيِّدُ طعام أهل الدُّنيا وأهل الجنَّة: اللَّحم». ومن حديث بريدة يرفعه: «خيرُ الإدام في الدُّنيا والآخرة: اللَّحم» (٤).

стр. 2803

وفي الصَّحيح عنه ﷺ : «فضل عائشة على النِّساء كفضل الثَّريد على سائر الطَّعام» (١). والثَّريد: الخبز واللَّحم. قال الشَّاعر: إذا ما الخبزُ تأدِمُه بلحمٍ ... فذاك أمانةَ اللهِ الثَّريدُ (٢) وقال الزُّهريُّ: أكلُ اللَّحم يزيد سبعين قوَّةً (٣). وقال محمَّد بن واسعٍ: اللَّحم يزيد في البصر (٤). ويروى عن عليِّ بن أبي طالبٍ: كلوا اللَّحم، فإنَّه يصفِّي اللَّون، ويخمُص البطن، ويحسِّن الخلق (٥). وقال نافع: كان ابن عمر إذا كان رمضان لم يفته اللَّحم، وإذا سافر لم يفته اللَّحم (٦).

стр. 2804

ويذكر عن علي: من تركه أربعين ليلةً ساء خلقه (١). وأمَّا حديث عائشة الذي رواه أبو داود (٢) مرفوعًا: «لا تقطعوا اللَّحم بالسِّكِّين فإنَّه من صنيع (٣) الأعاجم، وانهَشوه نهشًا (٤) فإنَّه أهنأ وأمرأ» فردَّه الإمام أحمد بما صحَّ عنه ﷺ من قطعه بالسِّكِّين في حديثين، وقد تقدَّما (٥). واللَّحم أجناسٌ (٦) باختلاف أصوله وطبائعه، فنذكر حكم كلِّ جنسٍ وطبعه ومنفعته ومضرَّته. لحم الضَّأن (٧): حارٌّ في الثَّانية، رطبٌ في الأولى. جيِّدُه: الحوليُّ، يولِّد الدَّم المحمود القويَّ لمن جاد هضمُه. يصلح لأصحاب الأمزجة الباردة والمعتدلة، ولأهل الرِّياضات التَّامَّة في المواضع والفصول الباردة، نافعٌ لأصحاب المِرَّة السَّوداء، يقوِّي الذِّهن والحفظ. ولحم الهرم والعجيف رديٌّ. وكذلك لحم النِّعاج.

стр. 2805

وأجودهُ (١): لحم الذَّكر الأسود منه، فإنَّه أخفُّ وألذُّ وأنفع. والخصيُّ أنفع وأجود. والأحمر (٢) من الحيوان السَّمين أخفُّ وأجود غذاءً. والجَذَعُ من المعز أقلُّ (٣) تغذيةً ويطفو في المعدة. وأفضلُ اللَّحم عائذُه بالعظم. والأيمن أخفُّ وأجود من الأيسر. والمقدَّم أفضل من المؤخَّر. وكان أحبَّ الشَّاة إلى رسول الله ﷺ مقدَّمُها (٤). وكلُّ ما علا منه سوى الرَّأس كان أخفَّ وأجود ممَّا سفل. وأعطى الفرزدق رجلًا [درهمين] (٥) يشتري له لحمًا، وقال له: خذ المقدَّم، وإيَّاك والرَّأسَ والبطنَ، فإنَّ الدَّاء فيهما.
следующие страницы →