← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

رطبٌ. مفتِّحٌ لسُدَد الكبد والطِّحال. وورقه رطبًا ينفع المعدة والكبد الباردة، ويُدِرُّ البول والطَّمث، ويفتِّت الحصاة. وحبُّه أقوى في ذلك، ويهيِّج الباه، وينفع من البخَر. قال الرازي: وينبغي أن يجتنب أكله إذا خيف من لدغ العقارب (١). كُرَّاث (٢): فيه حديثٌ لا يصحُّ عن رسول الله ﷺ ، بل هو باطلٌ موضوعٌ: «من أكل الكرَّاث ثمَّ نام عليه نام آمنًا من ريح البواسير، واعتزله الملك لنتن نكهته حتَّى يصبح» (٣). وهو نوعان: نبطيٌّ وشاميٌّ. فالنَّبطيُّ: هو البقل الذي يوضع على المائدة. والشَّاميُّ: الذي له رؤوسٌ. وهو حارٌّ يابسٌ، مصدِّعٌ. وإذا طُبِخ وأُكِل أو شُرِب ماؤه نفَع من البواسير الباردة (٤). وإن سُحِق بزرُه وعُجِن بقَطِرانٍ وبُخِّرت به الأضراس الَّتي فيها الدُّود نثَرها وأخرجها، وسكَّن (٥) الوجع العارض فيها (٦).

стр. 2802

وإذا دُخِّنت المقعدة ببزره جفَّفت (١) البواسير. هذا كلُّه في الكرَّاث النَّبطيِّ. وفيه مع ذلك إفسادُ الأسنان واللَّثة. ويُصدِّع، ويُري أحلامًا رديَّةً، ويظلم البصر، ويُنتِّن النَّكهة. وفيه إدرارٌ للبول والطَّمث، وتحريكٌ للباه، وهو بطيء الهضم (٢). حرف اللام لحمٌ: قال تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الطور: ٢٢]. وقال: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١]. وفي «سنن ابن ماجه» (٣) من حديث أبي الدَّرداء عن رسول الله ﷺ : «سيِّدُ طعام أهل الدُّنيا وأهل الجنَّة: اللَّحم». ومن حديث بريدة يرفعه: «خيرُ الإدام في الدُّنيا والآخرة: اللَّحم» (٤).

стр. 2803

وفي الصَّحيح عنه ﷺ : «فضل عائشة على النِّساء كفضل الثَّريد على سائر الطَّعام» (١). والثَّريد: الخبز واللَّحم. قال الشَّاعر: إذا ما الخبزُ تأدِمُه بلحمٍ ... فذاك أمانةَ اللهِ الثَّريدُ (٢) وقال الزُّهريُّ: أكلُ اللَّحم يزيد سبعين قوَّةً (٣). وقال محمَّد بن واسعٍ: اللَّحم يزيد في البصر (٤). ويروى عن عليِّ بن أبي طالبٍ: كلوا اللَّحم، فإنَّه يصفِّي اللَّون، ويخمُص البطن، ويحسِّن الخلق (٥). وقال نافع: كان ابن عمر إذا كان رمضان لم يفته اللَّحم، وإذا سافر لم يفته اللَّحم (٦).

стр. 2804

ويذكر عن علي: من تركه أربعين ليلةً ساء خلقه (١). وأمَّا حديث عائشة الذي رواه أبو داود (٢) مرفوعًا: «لا تقطعوا اللَّحم بالسِّكِّين فإنَّه من صنيع (٣) الأعاجم، وانهَشوه نهشًا (٤) فإنَّه أهنأ وأمرأ» فردَّه الإمام أحمد بما صحَّ عنه ﷺ من قطعه بالسِّكِّين في حديثين، وقد تقدَّما (٥). واللَّحم أجناسٌ (٦) باختلاف أصوله وطبائعه، فنذكر حكم كلِّ جنسٍ وطبعه ومنفعته ومضرَّته. لحم الضَّأن (٧): حارٌّ في الثَّانية، رطبٌ في الأولى. جيِّدُه: الحوليُّ، يولِّد الدَّم المحمود القويَّ لمن جاد هضمُه. يصلح لأصحاب الأمزجة الباردة والمعتدلة، ولأهل الرِّياضات التَّامَّة في المواضع والفصول الباردة، نافعٌ لأصحاب المِرَّة السَّوداء، يقوِّي الذِّهن والحفظ. ولحم الهرم والعجيف رديٌّ. وكذلك لحم النِّعاج.

стр. 2805

وأجودهُ (١): لحم الذَّكر الأسود منه، فإنَّه أخفُّ وألذُّ وأنفع. والخصيُّ أنفع وأجود. والأحمر (٢) من الحيوان السَّمين أخفُّ وأجود غذاءً. والجَذَعُ من المعز أقلُّ (٣) تغذيةً ويطفو في المعدة. وأفضلُ اللَّحم عائذُه بالعظم. والأيمن أخفُّ وأجود من الأيسر. والمقدَّم أفضل من المؤخَّر. وكان أحبَّ الشَّاة إلى رسول الله ﷺ مقدَّمُها (٤). وكلُّ ما علا منه سوى الرَّأس كان أخفَّ وأجود ممَّا سفل. وأعطى الفرزدق رجلًا [درهمين] (٥) يشتري له لحمًا، وقال له: خذ المقدَّم، وإيَّاك والرَّأسَ والبطنَ، فإنَّ الدَّاء فيهما.

стр. 2806

ولحمُ العنق جيِّد لذيذ سريع الهضم خفيف. ولحم الذِّراع أخفُّ اللَّحم، وألذُّه وألطفه، وأبعده من الأذى، وأسرعه انهضامًا. وفي «الصَّحيحين» (١) أنَّه كان يعجب النبي ﷺ . ولحم الظَّهر (٢) كثير الغذاء، يولِّد دمًا محمودًا. وفي «سنن ابن ماجه» (٣) مرفوعًا: «أطيب اللَّحم لحم الظَّهر». فصل في لحم المعز (٤): قليل الحرارة، يابس. وخِلْطُه المتولِّد منه ليس بفاضلٍ، وليس بجيِّد الهضم ولا محمود الغذاء. ولحم التَّيس رديٌّ مطلقًا، شديد اليُبس، عسر الانهضام، مولِّد للخْلِط السَّوداويِّ. قال الجاحظ (٥): قال لي فاضلٌ من الأطبَّاء: يا أبا عثمان! إيَّاك ولحمَ

стр. 2807

المعز، فإنَّه يورث الغمَّ، ويحرِّك السَّوداء، ويورث النِّسيان، ويفسد الدَّم. وهو ــ والله ــ يخبِّل الأولاد. وقال بعض الأطبَّاء (١): إنَّما المذموم المسنُّ منه ولا سيَّما للمسنِّين. ولا رداءة فيه لمن اعتاده. وجالينوس جعل الحوليَّ منه من الأغذية المعتدلة المعدِّلة للكَيْموس المحمود. وإناثه أنفع من ذكوره. وقد روى النَّسائيُّ في «سننه» (٢) عن النَّبيِّ ﷺ : «أحسنوا إلى الماعز وأميطوا عنها الأذى، فإنَّها من دوابِّ أهل الجنَّة». وفي ثبوت هذا الحديث نظرٌ. وحكمُ الأطبَّاء عليه بالمضرَّة حكمٌ جزئيٌّ، ليس بكلِّيٍّ عامٍّ. وهو بحسب المعدة الضَّعيفة والأمزجة الضَّعيفة الَّتي لم تعتده، واعتادت المأكولات اللَّطيفة، وهؤلاء أهل الرَّفاهية من أهل المدن، وهم القليلون من النَّاس. لحم الجدي (٣): قريبٌ إلى الاعتدال، خاصَّةً ما دام رضيعًا ولم يكن

стр. 2808

قريب العهد بالولادة. وهو أسرع هضمًا لما فيه من قوَّة اللَّبن، مليِّنٌ للطَّبع، موافقٌ لأكثر النَّاس في أكثر الأحوال. وهو ألطف من لحم الحَمَل (١)، والدَّم المتولِّد عنه معتدلٌ. لحم البقر (٢): باردٌ يابسٌ، عسرُ الانهضام، بطيءُ الانحدار، يولِّد دمًا سوداويًّا لا يصلح إلا لأهل الكدِّ والتَّعب الشَّديد. ويورث إدمانه الأمراض السَّوداويَّة كالبهَق، والجَرَب، والقُوباء، والجُذام، وداء الفيل، والسَّرطان، والوسواس، وحمَّى الرِّبع، وكثيرٍ من الأورام (٣). وهذا لمن لم يعتَدْه، أو لم يدفع ضرره بالفلفل والثُّوم والدَّارصينيِّ والزَّنجبيل ونحوه. وذكَرُه (٤) أقلُّ بردًا، وأنثاه أقلُّ يبسًا. ولحمُ العجل ولا سيَّما السَّمين من أعدل الأغذية وأطيبها وألذِّها وأحمدها. وهو حارٌّ رطبٌ، وإذا انهضم غذَّى غذاءً قويًّا. لحم الفرس: ثبت في الصَّحيح عن أسماء قالت: نحرنا فرسًا، فأكلناها (٥) على عهد رسول الله ﷺ (٦). وثبت عنه ﷺ أنَّه أذن في لحوم الخيل، ونهى عن لحوم الحمر. أخرجاه في «الصَّحيحين» (٧).

стр. 2809

ولا يثبت عنه حديث المقدام بن معدي كرب أنَّه نهى عنه (١). قاله أبو داود وغيره من أهل الحديث. واقترانه بالبغال والحمير في القرآن لا يدلُّ على أنَّ حكمَ لحمه حكمُ لحومها بوجهٍ من الوجوه، كما لا يدلُّ على أنَّ حكمَها في السَّهم في الغنيمة حكمُ الفرس. والله سبحانه يقرن في الذِّكر بين المتماثلات تارةً وبين المختلفات وبين المتضادَّات. وليس في قوله: ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾ [النحل: ٨] ما يمنع من أكلها، كما ليس فيه ما يمنع من غير الرُّكوب من وجوه الانتفاع؛ وإنَّما نصَّ على أجلِّ منافعها، وهي الرُّكوب. والحديثان في حلِّها صحيحان، لا معارض لهما. وبعد: فلحمهُا حارٌّ يابسٌ، غليظٌ، سوداويٌّ، مضرٌّ، لا يصلح للأبدان اللَّطيفة (٢). لحم الجمل: فرق ما بين الرَّافضة وأهل السُّنَّة، كما أنَّه أحد الفروق بين

стр. 2810

اليهود وأهل الإسلام، فاليهود والرَّافضة تذمُّه ولا تأكله. وقد عُلِم بالاضطرار من دين الإسلام حِلُّه، وطالما أكله رسول الله ﷺ وأصحابه حضرًا وسفرًا. ولحم الفصيل منه من ألذِّ اللُّحوم وأطيبها وأقواها غذاءً. وهو لمن اعتاده بمنزلة لحم الضَّأن لمن اعتاده (١)، لا يضرُّهم البتَّة، ولا يولِّد لهم داءً. وإنَّما ذمَّه بعض الأطبَّاء بالنِّسبة إلى أهل الرَّفاهية من أهل الحضر الذين لم يعتادوه، فإنَّ فيه حرارةً ويبسًا وتوليدًا للسَّوداء، وهو عَسِرُ الانهضام (٢). وفيه قوَّةٌ غير محمودةٍ، لأجلها أمر النَّبيُّ ﷺ بالوضوء من أكله في حديثين صحيحين (٣) لا معارض لهما. ولا يصحُّ تأويلهما بغسل اليد، لأنَّه خلاف المعهود من الوضوء في كلامه ﷺ ، ولتفريقه بينه وبين لحم الغنم، فخيَّر بين الوضوء وتركه منها، وحتَم الوضوء من لحوم الإبل. ولو حُمِل الوضوء على غسل اليد فقط لَحُمِل على ذلك في قوله: «من مسَّ فرجه فليتوضَّأ» (٤).

стр. 2811

وأيضًا: فإنَّ آكلها قد لا يباشر أكلَها بيده بأن يوضع في فمه، فإن كان وضوؤُه غسْلَ يدهِ فهو عبثٌ، وحملٌ لكلام الشَّارع على غير معهوده وعُرفه. ولا يصحُّ معارضته بحديث: «كان آخرَ الأمرين من رسول الله ﷺ تركُ الوضوء ممَّا مسَّت النَّار» (١) لعدَّة أوجهٍ: أحدها: أنَّ هذا عامٌّ، والأمر بالوضوء منها خاصٌّ. الثَّاني: أنَّ الجهة مختلفةٌ، فالأمرُ بالوضوء منها بجهة كونها لحم إبلٍ سواءٌ كان نيئًا أو مطبوخًا أو قديدًا، ولا تأثير للنَّار في الوضوء. وأمَّا تركُ الوضوء ممَّا مسَّت النَّار، ففيه بيانُ أنَّ مسَّ النَّار ليس بسببٍ للوضوء. فأين أحدهما من الآخر؟ هذا فيه إثباتُ سبب الوضوء، وهو كونُه لحم إبلٍ. وهذا فيه نفيٌ لسبب الوضوء، وهو كونه ممسوسَ النَّار. فلا تعارض بينهما بوجهٍ.

стр. 2812

الثَّالث: أنَّ هذا ليس فيه حكاية لفظٍ عامٍّ عن صاحب الشَّرع، وإنَّما هو إخبارٌ عن واقعة فعلٍ في أمرين، أحدُهما متقدِّمٌ على الآخر، كما جاء ذلك مبيَّنًا في نفس الحديث: أنَّهم قرَّبوا إلى النَّبيِّ ﷺ لحمًا، فأكَل، ثمَّ حضرت الصَّلاة فتوضَّأ وصلَّى. ثمَّ قرَّبوه إليه، فأكل، ثمَّ صلَّى ولم يتوضَّأ. فكان آخرَ الأمرين منه تركُ الوضوء ممَّا مسَّت النَّار (١). هكذا جاء الحديث، فاختصره الرَّاوي لمكان الاستدلال، فأين في هذا ما يصلح لنسخ الأمر بالوضوء منه؟ حتَّى لو كان لفظًا عامًّا متأخِّرًا مقاومًا لم يصلح للنَّسخ (٢)، ووجب تقديم الخاصِّ عليه. وهذا في غاية الظُّهور (٣). لحم الضَّبِّ: تقدَّم الحديث في حلِّه (٤). ولحمُه حارٌّ يابسٌ، يقوِّي شهوة

стр. 2813

الجماع (١). لحم الغزال (٢): الغزال أصلحُ الصَّيد وأحمدُه لحمًا. وهو حارٌّ يابسٌ، وقيل: معتدلٌ جدًّا. نافعٌ للأبدان المعتدلة الصَّحيحة. وجيِّده: الخِشْف (٣). لحم الظَّبي (٤): حارٌّ يابسٌ في الأولى، مجفِّفٌ للبدن، صالحٌ للأبدان الرَّطبة. قال صاحب «القانون» (٥): وأفضل لحوم الوحش: لحمُ الظَّبي مع ميله إلى السَّوداويَّة. لحم الأرنب (٦): ثبت في «الصَّحيحين» (٧) عن أنس بن مالكٍ قال: أنفَجْنا أرنبًا، فسعوا في طلبها، فأخذوها. فبعث أبو طلحة بوركها إلى رسول الله ﷺ ، فقبله. لحم الأرنب معتدلٌ إلى الحرارة واليبوسة (٨). وأطيبُها وَرِكُها. وأحمَدُ (٩) ما أُكِل لحمُها مشويًّا. وهو يعقل البطن، ويدرُّ البول، يُفتِّت الحصى. وأكل رؤوسها ينفع من الرَّعشة.

стр. 2814

لحم حمار الوحش (١): ثبت في «الصَّحيحين» (٢) من حديث أبي قتادة أنَّهم كانوا مع النبي ﷺ في بعض عُمَره، وأنَّه صاد حمارَ وحشٍ، فأمرهم رسول الله ﷺ بأكله. وكانوا مُحْرمين، ولم يكن أبو قتادة محرمًا. وفي «سنن ابن ماجه» (٣) عن جابرٍ قال: أكلنا زمنَ خيبر الخيلَ وحُمُرَ الوحش. لحمه حارٌّ يابسٌ، كثير التَّغذية، مولِّدٌ دمًا غليظًا سوداويًّا، إلا أنَّ شحمه نافعٌ مع دهن القُسْط لوجع الظَّهر، والرِّيح الغليظة المُرْخية للكلى. وشحمه جيِّدٌ للكلَف طلاءً. وبالجملة، فلحوم الوحش كلُّها تولِّد دمًا غليظًا سوداويًّا. وأحمدها الغزال، وبعده الأرنب. لحوم الأجنَّة: غير محمودةٍ، لاحتقان الدَّم فيها. وليست بحرامٍ لقوله ﷺ : «ذكاةُ الجنين ذكاةُ أمِّه» (٤).

стр. 2815

ومنع أهل العراق من أكله إلا أن يدركه حيًّا، فيذكِّيه (١). وأوَّلوا الحديث على أنَّ المراد به أنَّ ذكاته كذكاة أمِّه. قالوا: فهو حجَّةٌ على التَّحريم. وهذا فاسدٌ فإنَّ أوَّل الحديث أنَّهم سألوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسولَ الله، نذبح الشَّاة فنجد في بطنها جنينًا، أفنأكله؟ فقال: «كلوه إن شئتم، فإنَّ ذكاته ذكاة أمِّه». وأيضًا، فالقياس يقتضي حلَّه، فإنَّه ما دام حَمْلًا فهو جزءٌ من أجزاء الأمِّ فذكاتها ذكاةٌ لجميع أجزائها. وهذا هو الذي أشار إليه صاحب الشَّرع بقوله: «ذكاته ذكاة أمِّه»، كما تكون ذكاتها ذكاة سائر أجزائها. فلو لم تأت عنه السُّنَّة الصَّريحة بأكله لكان القياس الصَّحيح يقتضي حِلَّه. وبالله التوفيق. لحم القديد (٢): في السُّنن (٣) من حديث [ثوبان] (٤) قال: ذبحت لرسول الله ﷺ شاةً، ونحن مسافرون، فقال: «أصلِحْ لحمها». فلم أزل أُطعِمُه منه إلى المدينة. القديد أنفع من المكسود (٥)، ويقوِّي الأبدان، ويُحدِث حكَّةً. ودفعُ

стр. 2816

ضرره بالأبازير الباردة الرَّطبة، ويصلح الأمزجة (١) الحارَّة. والمكسود: حارٌّ يابسٌ مجفِّفٌ. جيِّده من السَّمين الرَّطب. يضرُّ بالقولنج، ودفعُ مضرَّته طبخُه باللَّبن والدُّهن. ويصلح للمزاج الحارِّ الرَّطب (٢). فصل في لحوم الطير قال تعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١]. وفي «مسند البزار» (٣) وغيره مرفوعًا: «إنَّك لتنظر إلى الطَّير في الجنَّة، فتشتهيه، فيخرُّ مشويًّا بين يديك». ومنه حلالٌ، ومنه حرامٌ. فالحرام: ذو المخلب كالصَّقر والبازيِّ والشَّاهين، وما يأكل الجِيَف كالنَّسر والرَّخَم واللَّقْلَق والعَقْعَق والغراب الأبقع والأسود الكبير، وما نُهي عن قتله كالهدهد والصُّرَد (٤)، وما أُمِر بقتله

стр. 2817

كالحِدَأة والغراب (١). والحلال أصنافٌ كثيرةٌ. فمنه: الدَّجاج (٢)، ففي «الصَّحيحين» (٣) من حديث أبي موسى أنَّ النَّبيَّ ﷺ أكل لحم الدَّجاج . وهو حارٌّ رطبٌ في الأولى، خفيفٌ على المعدة، سريع الهضم، جيِّد الخِلْط، يزيد في الدِّماغ والمنيِّ، ويصفِّي الصَّوت، ويحسِّن اللَّون، ويقوِّي العقل، ويولِّد دمًا جيِّدًا. وهو مائلٌ إلى الرُّطوبة، ويقال: إنَّ مداومة أكله تورث النِّقرس، ولا يثبت ذلك. ولحم الدِّيك أسخن مزاجًا، وأقلُّ رطوبةً. والعتيق منه دواءٌ ينفع القولنج والرَّبو والرِّياح الغليظة إذا طُبخ بماء القُرْطُم (٤) والشِّبِثِّ. وخصيُّها محمود الغذاء، سريع الانهضام. والفراريج سريعة الهضم، مليِّنةٌ للطَّبع. والدَّم المتولِّد منها لطيفٌ جيِّدٌ. لحم الدُّرَّاج (٥): حارٌّ يابسٌ في الثَّانية، خفيفٌ لطيفٌ، سريع الانهضام،

стр. 2818

مولِّدٌ للدَّم المعتدل. والإكثارُ منه يُحِدُّ البصر. لحم الحَجَل والقَبَج (١): يولِّد الدَّم الجيِّد، سريع الانهضام. لحم الإوزِّ (٢): حارٌّ يابسٌ، رديُّ الغذاء إذا اعتيد (٣)، وليس بكثير الفضول. لحم البطِّ (٤): حارٌّ رطبٌ، كثير الفضول، عسِر الانهضام، غير موافقٍ للمعدة. لحم الحبارى (٥): في السُّنن (٦) من حديث بُرَيه (٧) بن عمر بن سفينة، عن أبيه عن جدِّه قال: أكلت مع رسول الله ﷺ لحم حُبارى. وهو حارٌّ يابسٌ، عسر الانهضام، نافعٌ لأصحاب الرِّياضة والتَّعب.

стр. 2819

لحم الكُرْكيِّ (١): يابسٌ خفيفٌ، وفي حرِّه وبرده خلافٌ. يولِّد دمًا سوداويًّا، ويصلح لأصحاب الكدِّ والتَّعب. وينبغي أن يُترَك بعد ذبحه يومًا أو يومين ثمَّ يؤكل. لحم العصافير والقنابر (٢): روى النَّسائيُّ في «سننه» (٣) من حديث عبد الله بن عمر (٤) أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «ما من إنسانٍ يقتل عصفورًا فما فوقه بغير حقِّه إلا سأله الله ». قيل: يا رسول اللَّه! وما حقُّه؟ قال: «تذبحه (٥) فتأكله، ولا تقطع رأسه ترمي به». وفي «سننه» (٦) أيضًا عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال: سمعت

стр. 2820

رسول الله ﷺ يقول: «من قتل عصفورًا عبثًا عجَّ إلى الله يقول: يا ربِّ، إنَّ فلانًا قتلني عبثًا، ولم يقتلني لمنفعةٍ». ولحمه حارٌّ يابسٌ، عاقلٌ للطَّبيعة، يزيد في الباه. ومرقه يليِّن الطَّبع، وينفع المفاصل. وإذا أُكلت أدمغتها بالزَّنجبيل والبصل هيَّجت شهوة الجماع. وخِلْطُها غير محمودٍ. لحم الحمام (١): حارٌّ رطبٌ. وحشيُّه أقلُّ رطوبةً، وفراخه أرطب، خاصَّةً ما رُبِّي في الدُّور. وناهضُه أخفُّ لحمًا وأحمد غذاءً. ولحمُ ذُكرانها شفاءٌ من الاسترخاء والخدَر والسَّكتة (٢) والرَّعشة، وكذلك شمُّ رائحة أنفاسها. وأكلُ فراخها معينٌ على النِّساء. وهو جيِّدٌ للكلى، يزيد في الدَّم. وقد روي فيها حديثٌ باطلٌ لا أصل له عن رسول الله ﷺ أنَّ رجلًا شكا إليه الوحدة، فقال: «اتَّخذ زوجًا من الحمام» (٣). وأجود من هذا الحديث أنَّه ﷺ رأى رجلًا يتبع حمامةً، فقال: «شيطانٌ يتبع شيطانةً» (٤).

стр. 2821

وكان عثمان بن عفَّان في خطبته يأمر بقتل الكلاب وذبح الحمام (١). لحم القطا (٢): يابسٌ، يولِّد السَّوداء ويحبس الطَّبع. وهو من شرِّ الغذاء إلا أنَّه ينفع الاستسقاء. لحم السُّمانى (٣): حارٌّ يابسٌ. ينفع المفاصل، ويضرُّ بالكبد الحارَّة. ودفعُ مضرَّته بالخلِّ والكُسْفُرة (٤). وينبغي أن يتجنَّب من لحوم الطَّير ما كان في الآجام والمواضع العفنة. ولحوم الطَّير كلُّها أسرع انهضامًا من المواشي. وأسرعها انهضامًا: أقلُّها غذاءً، وهي الرِّقاب والأجنحة. وأدمغتها أحمد من أدمغة المواشي (٥). الجراد (٦): في «الصَّحيحين» (٧) عن عبد الله بن أبي أوفى قال: غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزواتٍ نأكل الجراد.

стр. 2822

وفي «المسند» (١) عنه: «أحلَّت لنا ميتتان ودمان: الحوت والجراد، والكبد والطِّحال» يروى مرفوعًا وموقوفًا على ابن عمر. وهو حارٌّ يابسٌ قليل الغذاء، وإدامة أكله تورث الهزال، وإذا تُبُخِّر به نفَع من تقطير البول وعسره، وخصوصًا للنِّساء. ويُتبَخَّر به للبواسير. وسِمانُه يشوى ويؤكل للسع العقرب. وهو ضارٌّ لأصحاب الصَّرع، رديُّ الخِلْط. وفي إباحة ميتته بلا سببٍ قولان ــ ولا خلاف في إباحة ميتته إذا مات بسببٍ كالكبس والتَّحريق ونحوه ــ فالجمهور على حلِّه، وحرَّمه مالكٌ (٢). فصل (٣) وينبغي أن لا يداوم أكلَ اللَّحم (٤)، فإنَّه يورث الأمراض الدَّمويَّة الامتلائيَّة، والحمَّيات الحادَّة. وقال عمر بن الخطَّاب: إيَّاكم واللَّحم، فإنَّ له ضَراوةً كضراوة الخمر، وإن الله يبغض أهل البيت اللحمي (٥). ذكره مالك في «الموطَّأ» عنه (٦).

стр. 2823

وقال بُقْراط (١): لا تجعلوا أجوافكم مقبرةً للحيوان. فصل (٢) لبن (٣): قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦]. وقال في الجنَّة: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد: ١٥]. وفي السُّنن (٤) مرفوعًا: «من أطعمه الله طعامًا، فليقل: اللَّهمَّ بارك لنا فيه وارزقنا خيرًا منه. ومن سقاه الله لبنًا، فليقل: اللَّهمَّ بارك لنا فيه وزدنا منه. فإنِّي لا أعلم ما يجزئ من الطَّعام والشَّراب إلا اللَّبن».

стр. 2824

اللَّبن وإن كان بسيطًا في الحسِّ، إلا أنَّه مركَّبٌ في أصل الخلقة تركيبًا طبيعيًّا من جواهر ثلاثةٍ: الجبنيَّة، والسَّمْنيَّة، والمائيَّة. فالجبنيَّة: باردةٌ رطبةٌ، مغذِّيةٌ للبدن. والسَّمنيَّة: معتدلة في الحرارة والرُّطوبة، ملائمةٌ للبدن الإنسانيِّ الصَّحيح، كثيرة المنافع. والمائيَّة: حارَّةٌ رطبةٌ، مطلقةٌ للطَّبيعة، مرطِّبةٌ للبدن. واللَّبن على الإطلاق أرطب وأبرد من المعتدل. وقيل: قوَّته عند حلبه الحرارة والرُّطوبة. وقيل: معتدلٌ في الحرارة والبرودة. وأجود ما يكون اللَّبن حين يُحلَب، ثمَّ لا يزال تنقص جودته على ممرِّ السَّاعات. فيكون حين يُحلَب أقلَّ برودةً، وأكثر رطوبةً. والحامض بالعكس. ويختار اللَّبن بعد الولادة بأربعين يومًا. وأجوده: ما اشتدَّ بياضه، وطاب ريحه، ولذَّ طعمه، وكان فيه حلاوةٌ يسيرةٌ ودسومةٌ معتدلةٌ، واعتدل قوامه في الرِّقَّة والغلظ، وحُلِب من حيوانٍ فتيٍّ صحيحٍ، معتدلِ اللَّحم، محمودِ المرعى والمشرب. وهو محمودٌ، يولِّد دمًا جيِّدًا، ويرطِّب البدن اليابس، ويغذو غذاءً حسنًا، وينفع من الوسواس والغمِّ والأمراض السَّوداويَّة. وإذا شُرِب مع العسل نقَّى القروح الباطنة من الأخلاط العَفِنة. وشربُه مع السُّكَّر يحسِّن اللَّون جدًّا. والحليب يتدارك ضرر الجماع، ويوافق الصَّدر والرِّئة، جيِّدٌ لأصحاب السِّلِّ، رديٌّ للرَّأس والمعدة والكبد والطِّحال. والإكثار منه مضرٌّ بالأسنان واللِّثة. ولذلك ينبغي أن يتمضمض بعده بالماء. وفي «الصَّحيحين» (١) أنَّ النَّبيَّ ﷺ شرب لبنًا، ثمَّ دعا بماءٍ، فتمضمض، وقال: «إنَّ له دَسَمًا».

стр. 2825

وهو رديٌّ للمحمومين وأصحاب الصُّداع، مؤذٍ للدِّماغ والرَّأس الضَّعيف. والمداومةُ عليه تُحدث ظلمة البصر والغشاء، ووجع المفاصل وسدَّة الكبد، والنَّفخ في المعدة والأحشاء. وإصلاحه بالعسل والزَّنجبيل المربَّى ونحوه. وهذا كلُّه لمن لم يعتده (١). لبن الضَّأن (٢): أغلظ الألبان وأرطبها. وفيه من الدُّسومة والزُّهومة ما ليس في لبن الماعز والبقر. يولِّد فضولًا بلغميًّا، ويُحدِث في الجلد بياضًا إذا أُدمِنَ استعماله. ولذلك ينبغي أن يشاب هذا اللَّبن بالماء، ليكون ما نال البدن منه أقلَّ، وتسكينه للعطش أسرع، وتبريده أكثر. لبن المعز (٣): لطيفٌ معتدلٌ، مطلقٌ للبطن، مرطِّبٌ للبدن اليابس، نافعٌ من قروح الحلق والسُّعال اليابس ونفث الدَّم. واللَّبن المطلق أنفع المشروبات للبدن الإنسانيِّ، لما اجتمع فيه من التَّغذية والتَّروية (٤)، ولاعتياده حال الطُّفوليَّة، وموافقته للفطرة الأصليَّة. وفي «الصَّحيحين» (٥) أنَّ رسول الله ﷺ أُتي ليلةَ أُسْري به بقدحٍ من خمرٍ، وقدحٍ من لبنٍ، فنظر إليهما، ثمَّ أخذ اللَّبن. فقال جبريل: «الحمد لله الذي هداك

стр. 2826

للفطرة. لو أخذت الخمرَ غوَتْ أمَّتك». والحامض منه بطيء الاستمراء، خام الخِلْط. والمعدة الحارَّة تهضمه وتنتفع به. لبن البقر (١): يغذو البدن، ويُخْصبه، ويطلق البطن باعتدالٍ. وهو من أعدل الألبان وأفضلها، بين لبن الضَّأن ولبن المعز في الرِّقَّة والغلظ والدَّسم. وفي السُّنن (٢): من حديث عبد الله بن مسعودٍ يرفعه: «عليكم بألبان البقر، فإنَّها تقُمُّ (٣) من كلِّ الشَّجر». لبن الإبل: تقدَّم ذكره (٤)، وذكر منافعه، فلا حاجة لإعادته. لُبَان (٥): هو الكُنْدُر. قد ورد فيه عن النَّبيِّ ﷺ : «بخِّروا بيوتكم باللُّبان

стр. 2827

والصَّعتر» (١)، ولا يصحُّ عنه. ولكن يروى عن علي أنَّه قال لرجلٍ شكا إليه النِّسيان: عليك بال لُّبان ، فإنَّه يشجِّع القلب، ويذهب بالنِّسيان (٢). ويذكر عن ابن عبَّاسٍ أنَّ شربه مع السُّكَّر على الرِّيق جيِّدٌ للبول والنِّسيان (٣). ويذكر عن أنس أنَّه شكا إليه رجلٌ النِّسيان، فقال: عليك بالكندر، وانقَعْه من اللَّيل. فإذا أصبحت، فخذ منه شربةً على الرِّيق، فإنَّه جيِّدٌ للنِّسيان (٤). ولهذا سببٌ طبيعيٌّ ظاهرٌ، فإنَّ النِّسيان إذا كان لسوء مزاجٍ باردٍ رطبٍ يغلب على الدِّماغ، فلا يحفظ ما ينطبع فيه= نفَع منه اللُّبان. وأمَّا إذا كان النِّسيان لغلبة شيءٍ عارضٍ (٥) أمكن زواله سريعًا بالمرطِّبات. والفرق بينهما أنَّ اليُبُوسيَّ يتبعه سهَرٌ وحفظٌ للأمور (٦) الماضية دون الحاليَّة، والرُّطوبيُّ بالعكس.

стр. 2828

وقد يُحدِث النِّسيانَ أشياءُ بالخاصَّة (١)، كحجامة النُّقْرة (٢)، وإدمانِ أكل الكُسْفُرة الرَّطبة، والتُّفَّاح الحامض، وكثرة الهمِّ والغمِّ، والنَّظر في الماء الواقف والبول فيه، والنَّظر إلى المصلوب، والإكثار من قراءة ألواح القبور، والمشي بين جملين مقطورين (٣)، وإلقاء القمل بالحياة (٤)، وأكل سؤر الفأر. وأكثر هذا معروفٌ بالتَّجربة (٥). والمقصود: أنَّ اللُّبان مسخِّنٌ في الدَّرجة الثَّانية، ومجفِّفٌ في الأولى، وفيه قبضٌ يسيرٌ. وهو كثير المنافع، قليل المضارِّ. فمن منافعه: أن ينفع من قذف الدَّم ونزفه، ووجع المعدة، واستطلاق البطن؛ ويهضم الطَّعام، ويطرد الرِّياح، ويجلو قروح العين، ويُنبت اللَّحم في سائر القروح، ويقوِّي المعدة الضَّعيفة، ويسخِّنها، ويجفِّف البلغم، وينشِّف رطوبات الصَّدر، ويجلو ظلمة البصر، ويمنع القروح الخبيثة من الانتشار. وإذا مُضِغ وحده أو مع الصَّعتر الفارسيِّ جلَب البلغم، ونفَع من اعتقال اللِّسان، ويزيد في الذِّهن ويذكِّيه. وإن بُخِّر بهما (٦) نفَع من الوباء، وطيَّب رائحة الهواء.

стр. 2829

حرف الميم ماء (١): مادَّة الحياة، وسيِّد الشَّراب، وأحد أركان العالم؛ بل ركنه الأصليُّ، فإنَّ السَّماوات خُلِقت من بخاره، والأرضُ من زَبَده. وقد جعل الله منه كلَّ شيءٍ حيٍّ. وقد اختلف فيه: هل يغذو، أو ينفذ الغذاء فقط؟ على قولين، وقد تقدَّما (٢)، وذكرنا القول الرَّاجح ودليله. وهو باردٌ رطبٌ، يقمع الحرارة، ويحفظ على البدن رطوباته، ويردُّ عليه بدلَ ما تحلَّل منه، ويرقِّق الغذاء، وينفذه في العروق (٣). وتعتبر جودة الماء من عشرة طرقٍ: أحدها: من لونه بأن يكون صافيًا. الثَّاني: من رائحته بأن لا تكون له رائحةٌ البتَّة. الثَّالث: من طعمه بأن يكون عذب الطَّعم حلوه، كماء النِّيل والفرات. الرَّابع: من وزنه بأن يكون خفيفًا رقيق القوام. الخامس: من مجراه بأن يكون طيِّب المجرى والمسلك. السَّادس: من منبعه بأن يكون بعيد المنبع.

стр. 2830

السَّابع: من بروزه للشَّمس والرِّيح، بأن لا يكون محتقَنًا (١) تحت الأرض، فلا تتمكَّن الشَّمس والرِّيح من قَصَارته (٢). الثَّامن: من حركته بأن يكون سريع الجري والحركة. التَّاسع: من كثرته بأن يكون له كثرةٌ تدفع الفضلات المخالطة له. العاشر: من مصبِّه بأن يكون آخذًا إلى الشَّمال من الجنوب (٣)، أو من المغرب إلى المشرق (٤). وإذا اعتبرت هذه الأوصاف لم تجدها بكمالها إلا في الأنهار الأربعة: النِّيل، والفرات، وسيحان، وجيحان. وفي «الصَّحيحين» (٥) من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «سيحان، وجيحان، والنِّيل، والفرات= كلُّها من أنهار الجنَّة». وتعتبر خفَّة الماء من ثلاثة أوجهٍ: أحدها: سرعة قبوله للحرِّ والبرد. قال بقراط (٦): الماء الذي يسخن سريعًا، ويبرد سريعًا أخفُّ المياه. الثَّاني: بالميزان.

стр. 2831

الثَّالث: أن تبلَّ قطنتان متساويتا الوزن بماءين مختلفين، ثمَّ يجفَّفان تجفيفًا بالغًا، ثمَّ توزنان، فأيهما كانت أخفَّ فماؤها كذلك. والماء وإن كان في الأصل باردًا رطبًا، فإنَّ قوَّته تنتقل وتتغيَّر لأسبابٍ عارضةٍ توجب انتقالها، فإنَّ الماء المكشوف للشَّمال، المستور عن الجهات الأُخَر يكون باردًا، وفيه يبسٌ مكتسبٌ من ريح الشَّمال. وكذلك الحكم على سائر الجهات الأخَر. والماء الذي ينبع من المعادن يكون على طبيعة ذلك المعدن، ويؤثِّر في البدن تأثيرَه. والماء العذب نافع للمرضى والأصحَّاء. والبارد منه أنفع وألذُّ. ولا ينبغي شربه على الرِّيق، ولا عقيب الجماع، ولا الانتباه من النَّوم، ولا عقيب الحمَّام، ولا عقيب أكل الفاكهة. وقد تقدَّم. وأمَّا على الطَّعام، فلا بأس به إذا اضطرَّ إليه، بل يتعيَّن. ولا يُكثِرْ منه، بل يتمصَّصه مصًّا، فإنَّه لا يضرُّه البتَّة. بل يقوِّي المعدة، وينهض الشَّهوة، ويزيل العطش. والماء الفاتر ينفخ، ويفعل ضدَّ ما ذكرناه. وبائته أجود من طريِّه، وقد تقدَّم. والبارد ينفع من داخلٍ أكثر من نفعه من خارجٍ، والحارُّ بالعكس. وينفع البارد من عفونة الدَّم وصعود الأبخرة إلى الرَّأس، ويدفع العفونات، ويوافق الأمزجة والأسنان والأزمان والأماكن الحارَّة. ويضرُّ كلَّ حالةٍ (١) تحتاج إلى نضجٍ وتحليلٍ، كالزُّكام والأورام. والشَّديد البرودة منه يؤذي

стр. 2832

الأسنان. والإدمانُ عليه يُحدث انفجار الدَّم، والنَّزلات، وأوجاع الصَّدر. والباردُ والحارُّ بإفراطٍ ضارَّين (١) للعصب ولأكثر الأعضاء، لأنَّ أحدهما محلِّلٌ والآخر مكثِّفٌ. والماء الحارُّ يسكِّن لذع الأخلاط [و] (٢) الحدَّة والوجع (٣)، ويحلِّل ويُنضج، ويخرج الفضول، ويرطِّب، ويسخِّن. ويفسد الهضمَ شربُه، ويطفو بالطَّعام إلى أعالي المعدة ويُرخيها، ولا يسرع في تسكين العطش، ويُذبل البدن، ويؤدِّي إلى أمراضٍ رديَّة. ويضرُّ في أكثر الأمراض، على أنَّه صالحٌ للشُّيوخ وأصحاب الصَّرع والصُّداع البارد والرَّمد. وأنفعُ ما اسْتُعمِل من خارجٍ. ولا يصحُّ في المسخَّن بالشَّمس حديثٌ ولا أثرٌ (٤)، ولا كرهه أحدٌ من قدماء الأطبَّاء، ولا عابوه.

стр. 2833

والشَّديد السُّخونة يذيب شحم الكُلى. وقد تقدَّم الكلام على ماء الأمطار في حرف الغين. ماء الثلج والبرَد: ثبت في «الصَّحيحين» (١) عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه كان يدعو في الاستفتاح وغيره: «اللَّهمَّ اغسلني من خطاياي بماء الثَّلج والبرَد». الثَّلج له في نفسه كيفيَّةٌ حادَّةٌ دخَّانيَّةٌ، فماؤه كذلك. وقد تقدَّم وجهُ الحكمة في طلب الغسل من الخطايا بمائه، لما يحتاج إليه القلب من التَّبريد والتَّصليب والتَّقوية. ويستفاد من هذا أصلُ طبِّ الأبدان والقلوب، ومعالجة أدوائهما بضدِّها. وماءُ البرَد ألطَفُ وألذُّ من ماء الثَّلج. وأمَّا ماء الجَمَد وهو الجليد، فبحسب أصله. والثَّلج يكتسب كيفيَّة الجبال والأرض الَّتي يسقط عليها في الجودة والرَّداءة. وينبغي تجنُّب شرب الماء المثلوج عقيب الحمَّام، والجماع، والرِّياضة، والطَّعام الحارِّ؛ ولأصحاب السُّعال ووجع الصَّدر، وضعف الكبد، وأصحاب الأمزجة الباردة. ماء الآبار والقُنِيِّ (٢): مياه الآبار قليلة اللَّطافة، وماء القُنيِّ المدفونة تحت الأرض ثقيلٌ، لأنَّ أحدهما محتقنٌ لا يخلو عن تعفُّنٍ، والآخر محجوبٌ عن الهواء. وينبغي أن لا يشرب على الفور حتَّى يصمد للهواء،

стр. 2834

وتأتي عليه ليلةٌ. وأرداه (١) ما كانت مجاريه من رصاصٍ، أو كانت بئره معطَّلةً، ولا سيَّما إذا كانت تربتها رديَّةً، فهذا الماء وبيٌّ (٢) وخيمٌ. ماء زمزم: سيِّد المياه وأشرفها، وأجلُّها قدرًا، وأحبُّها إلى النُّفوس، وأغلاها ثمنًا وأنفَسها عند النَّاس. وهو هَزْمَة جبريل، وسقيا إسماعيل. وثبت في «الصَّحيح» (٣) عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال لأبي ذر، وقد أقام بين الكعبة وأستارها أربعين (٤) ما بين يومٍ وليلةٍ، ليس له طعامٌ غيره= فقال ﷺ : «إنَّها طعامُ طُعْمٍ». وزاد غير مسلم بإسناده: «وشِفاءُ سُقْمٍ» (٥). وفي «سنن ابن ماجه» (٦) من حديث جابر بن عبد اللَّه عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه

стр. 2835

قال: «ماء زمزم لما شُرِبَ له». وقد ضعَّف هذا الحديث طائفةٌ (١) بعبد الله بن المؤمل راويه عن محمَّد بن المنكدر (٢). وقد روِّينا عن عبد الله بن المبارك أنَّه لمَّا حجَّ أتى زمزم، فقال: اللَّهمَّ إنَّ ابن أبي المَوَال حدَّثنا عن محمَّد بن المنكدر، عن جابر، عن نبيِّك أنَّه قال: «ماءُ زمزم لما شُرِب له» وإنِّي أشربه لظمأ يوم القيامة (٣). وابن أبي المَوَال ثقةٌ، فالحديث إذن حسنٌ (٤). وقد صحَّحه بعضهم (٥)، وجعله بعضهم موضوعًا، وكلا

стр. 2836

القولين فيه مجازفةٌ. وقد جرَّبتُ أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أمورًا عجيبةً، واستشفيت به من عدَّة أمراضٍ، فبرأت بإذن اللَّه (١). وشاهدت من يتغذَّى به الأيَّامَ ذواتِ العدد قريبًا من نصف الشَّهر أو أكثره، ولا يجد جوعًا، ويطوف مع النَّاس كأحدهم. وأخبرني أنَّه ربَّما بقي عليه أربعين يومًا، وكان له قوَّةٌ يجامع بها أهله، ويصوم، ويطوف مرارًا. ماء النِّيل: أحد أنهار الجنَّة. أصله من وراء الجبال القُمْر (٢) في أقصى بلاد الحبشة من أمطارٍ تجتمع هناك، وسيولٍ يمدُّ بعضها بعضًا، فيسوقه الله سبحانه إلى الأرض الجُرُز الَّتي لا نبات بها (٣)، فيُخرج به زرعًا تأكل منه الأنعام والأنام. ولمَّا كانت الأرض الَّتي يسوقه إليها إبليزًا (٤) صُلبةً، إن أُمْطِرت مطرَ العادة لم ترو ولم تتهيَّأ للنَّبات، وإن أمطرت فوق العادة ضرَّت المساكن والسَّاكن، وعطَّلت المعايش والمصالح، فأمطر البلاد البعيدة، ثمَّ

стр. 2837

ساق تلك الأمطار إلى هذه الأرض في نهرٍ عظيمٍ. وجعل سبحانه زيادته في أوقاتٍ معلومةٍ على قدر ريِّ البلاد وكفايتها، فإذا روَّى البلاد وعمَّها أذِنَ سبحانه بتناقصه وهبوطه، لتتمَّ المصلحة بالتَّمكُّن من الزَّرع. واجتمع في هذا الماء الأمور العشرة الَّتي تقدَّم ذكرها، وكان من ألطف المياه وأخفِّها وأعذبها وأحلاها. ماء البحر: ثبت عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال في البحر: «هو الطَّهور ماؤه، الحِلُّ ميتته» (١). وقد جعله الله سبحانه ملحًا أُجاجًا مرًّا زُعَاقًا، لتمام مصالح مَن (٢) على وجه الأرض من الآدميِّين والبهائم، فإنَّه دائمٌ (٣) كثير الحيوان، وهو يموت فيه كثيرًا ولا يُقبَر. فلو كان حلوًا لأنتَنَ من إقامته وموت حيواناته فيه وأجَافَ (٤)، وكان الهواء المحيط بالعالم يكتسب منه ذلك ويُنتن ويُجيف،

стр. 2838

فيفسد العالم. فاقتضت حكمة الرَّبِّ سبحانه أن جعله كالملَّاحة لو ألقي فيه (١) جيف العالم كلُّها وأنتانه وأمواته لم تغيِّره شيئًا، ولا يتغيَّر على مكثه من حين خُلِق، وإلى أن يطوي الله العالم. فهذا هو السَّبب الغاييُّ لملوحته. وأمَّا الفاعليُّ فكون أرضه سبَخةً مالحةً. وبعد، فالاغتسال به نافعٌ من آفاتٍ عديدةٍ في ظاهر الجلد. وشربه مضرٌّ بداخله وخارجه، فإنَّه يُطلق البطن، ويُهْزِل، ويُحْدِث حكَّةً وجرَبًا ونفخًا وعطشًا. ومن اضطرَّ إلى شربه فله طرقٌ من العلاج يدفع به مضرَّته: منها: أن يجعل في قدرٍ، ويجعل فوق القدر قصَباتٌ، وعليها صوفٌ جديدٌ منفوشٌ، ويوقد تحت القدر حتَّى يرتفع بخارها إلى الصُّوف، فإذا كثر عصرُه، ولا يزال يفعل ذلك حتَّى يجتمع له ما يريد، فيحصل من البخار في الصُّوف ماءٌ عذبٌ، ويبقى في القدر الذُّعاف (٢). ومنها: أن يحفر على شاطئه حفرةٌ واسعةٌ يرشَح ماؤه إليها، ثمَّ إلى جانبها قريبًا منها أخرى ترشِّح هي إليها، ثمَّ ثالثةٌ إلى أن يعذب الماء. وإذا ألجأته الضَّرورة إلى شرب الماء الكدر، فعلاجه أن يلقي فيه نوى المشمش، أو قطعةً من خشب السَّاج، أو جمرًا ملتهبًا يطفأ فيه، أو طينًا أرمنيًّا أو سويقَ حنطةٍ، فإنَّ كدورته ترسُب إلى أسفل (٣).

стр. 2839

مِسْك: ثبت في «صحيح مسلم» (١) عن أبي سعيدٍ الخدريِّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «أطيب الطِّيب المسك». وفي «الصَّحيحين» (٢) عن عائشة: كنت أطيِّب النَّبيَّ ﷺ قبل أن يُحرم، ويوم النَّحر قبل أن يطوف بالبيت، بطيبٍ فيه مسكٌ. المسكُ ملِكُ أنواع الطِّيب، وأشرفها، وأطيبها. وهو الذي تضرب به الأمثال، ويشبَّه به غيره، ولا يشبَّه بغيره. وهو كثبان الجنَّة (٣). وهو حارٌّ يابسٌ في الثَّانية، يسرُّ النَّفس ويقوِّيها، ويقوِّي الأعضاء الباطنة جميعها شربًا وشمًّا، والظَّاهرةَ إذا وُضِع عليها. نافعٌ للمشايخ، والمبرودين، لا سيَّما زمنَ الشِّتاء، جيِّدٌ للغشي والخفقان وضعف القوَّة بإنعاشه للحرارة الغريزيَّة. ويجلو بياض العين، وينشِّف رطوبتها، ويفشُّ الرِّياح منها ومن جميع الأعضاء. ويبطل عمل السَّموم، وينفع من نهش الأفاعي (٤). ومنافعه كثيرةٌ جدًّا، وهو من أقوى المفرِّحات. مَرْزَنْجُوش (٥): ورد فيه حديثٌ لا نعلم (٦) صحَّته: «عليكم بالمرزنجوش، فإنَّه جيِّدٌ للخُشَام» (٧). والخشام: الزُّكام.

стр. 2840

وهو حارٌّ (١) يابسٌ في الثَّانية. ينفع شمُّه من الصُّداع البارد، والكائن عن البلغم، والسَّوداء، والزُّكام، والرِّياح الغليظة، ويفتح السُّدد الحادثة في الرَّأس والمنخرين، ويحلِّل أكثر الأورام الباردة، وينفع من أكثر الأورام (٢) والأوجاع الباردة الرَّطبة. وإذا احتُمِل أدرَّ الطَّمث، وأعان على الحبل. وإذا دُقَّ ورقه اليابس وكُمِد به أذهَبَ آثار الدَّم العارض تحت العين، وإذا ضمِّد به مع الخلِّ نفَع لسعة العقرب. ودهنُه نافعٌ لوجع الظَّهر والرُّكبتين، ويذهب بالإعياء. ومن أدمن شمَّه لم ينزل في عينيه الماء، وإذا استُعِط بمائه مع دهن اللَّوز المرِّ فتَح سُدَدَ المنخرين، ونفَع من الرِّيح العارضة فيها وفي الرَّأس. مِلْح (٣): روى ابن ماجه في «سننه» (٤) من حديث أنسٍ يرفعه: «سيِّد
следующие страницы →